٥٣ - ثُمَّ التَّوَسُّلُ عَلَى نَوْعَيْنِ … أَوَّلُهَا الصَّحِيحُ دُونَ مَيْنِ
٥٤ - بِاللَّهِ وَالأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ … أَوْ دَعْوَةِ الْحَاضِرِ وَالطَّاعَاتِ
٥٥ - وَالثَّانِ فِي التَّوَسُّلِ البِدْعِيُّ … بِأَيِّ مَخْلُوقٍ وَلَوْ نَبِيُّ
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٣٥]
قال الحافظ المفسر ابن جرير الطبري -﵀-: يعني جل ثناؤه بذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ﴾ صدّقوا الله ورسوله فيما أخبرهم ووعَد من الثواب وأوعدَ من العقاب ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ يقول: أجيبوا الله فيما أمركم ونهاكم بالطاعة له في ذلك، وحقِّقوا إيمانكم وتصديقكم ربَّكم ونبيَّكم بالصالح من أعمالكم ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ يقول: واطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه. و"الوسيلة": هي"الفعيلة" من قول القائل: "توسلت إلى فلان بكذا"، بمعنى: تقرَّبت إليه، …
ثم أسند عن أبي وائل وعطاء والحسن ومجاهد قولهم: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾، قال: القربة في الأعمال. وعن قتادة أي: تقربوا إليه بطاعته والعملِ بما يرضيه ا. هـ
وقال الجوهري في صحاحه: (الوسيلة: ما يتقرب به إلى الغير. والجمع: الوسيل؛ والوسائل والتوسل واحد وسل فلان إلى ربه وسيلة وتوسل إليه بوسيلة أي تقرب إليه بعمل).
والتوسل شرعًا: هو التقرب إلى الله تعالى بطاعته وعبادته واتباع أنبيائه ورسله وبكل عمل يحبه الله ويرضاه.
[ ١٠٨ ]
وقال الشيخ صالح آل الشيخ حفظه الله: الوسيلة: التقرب إلى الله بأنواع القرب والطاعات، وأعلاها: إخلاص الدين له، والتقرب إليه بمحبته، ومحبة رسوله، ومحبة دينه، ومحبة من شرع حبه، بهذا يجمع ما قاله السلف، وقولهم من اختلاف التنوع. وتأمل قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾، ففي تقديم الجار والمجرور "إليه" إفادة اختصاص الوسائل بالله، لا يشركه معه فيها أحد كما في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]
وقال العلامة الشنقيطي -﵀- في "تفسيره" (٩٨/ ٢):
" التَّحْقِيقُ فِي مَعْنَى الْوَسِيلَةِ هُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ عَامَّةَ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَنَّهَا التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْإِخْلَاصِ لَهُ فِي الْعِبَادَةِ، عَلَى وَفْقِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ -ﷺ- وَتَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ دَاخِلٌ فِي هَذَا؛ لِأَنَّ دُعَاءَ اللَّهِ وَالِابْتِهَالَ إِلَيْهِ فِي طَلَبِ الْحَوَائِجِ مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ عِبَادَتِهِ الَّتِي هِيَ الْوَسِيلَةُ إِلَى نَيْلِ رِضَاهُ وَرَحْمَتِهِ. وَبِهَذَا التَّحْقِيقِ تَعْلَمُ أَنَّ مَا يَزْعُمُهُ كَثِيرٌ مِنْ مَلَاحِدَةِ أَتْبَاعِ الْجُهَّالِ الْمُدَّعِينَ لِلتَّصَوُّفِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَسِيلَةِ فِي الْآيَةِ الشَّيْخُ الَّذِي يَكُونُ لَهُ وَاسِطَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، أَنَّهُ تَخَبُّطٌ فِي الْجَهْلِ وَالْعَمَى وَضَلَالٌ مُبِينٌ وَتَلَاعُبٌ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَاتِّخَاذُ الْوَسَائِطِ مَنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ أَصُولِ كُفْرِ الْكَفَّارِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ عَنْهُمْ: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وَقَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الطَّرِيقَ الْمُوَصِّلَةَ إِلَى رِضَى اللَّهِ وَجَنَّتِهِ وَرَحْمَتِهِ هِيَ اتِّبَاعُ رَسُولِهِ -ﷺ- وَمَنْ حَادَ عَنْ ذَلِكَ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ، ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] الْآيَةَ ا. هـ
[ ١٠٩ ]
(١) القسم الأول: قسم صحيح
وقوله: عَلَى نَوْعَيْنِ: يعني نوع جائز ونوع غير جائز كما سيأتي.
بِاللَّهِ وَالأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ: يعني التوسل بالله تعالى وأسمائه وصفاته وهو من التوسل الصحيح كما سيأتي. أَوْ دَعْوَةِ الْحَاضِرِ: أي طلب الدعاء من الصالحين بشرطه كما سيأتي وَالطَّاعَاتِ: التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة وهو من التوسل المشروع.
وَالثَّانِ فِي التَّوَسُّلِ البِدْعِيُّ وفي نسخة (الشِّرِكِيُّ) بِأَيِّ مَخْلُوقٍ: من الأحياء أو الأموات بما لم يرد بجوازه الشرع المطهر، أو ورد فيه ما يدل على منعه.
وَلَوْ نَبِيُّ: يعني ولو كان المتوسل به نبيا يعني التوسل بذاته بعد وفاته
قال العلامة ابن عثيمين -﵀- في مجموع الفتاوى والرسائل:
التوسل: مصدر توسل يتوسل؛ أي اتخذ وسيلة توصله إلى مقصوده، فأصله طلب الوصول إلى الغاية المقصودة.
وينقسم التوسل إلى قسمين:
(١) القسم الأول: قسم صحيح، وهو التوسل بالوسيلة الصحيحة الموصلة إلى المطلوب؛ وهو على أنواع نذكر منها:
١ - النوع الأول: التوسل بأسماء الله تعالى وذلك على وجهين:
الوجه الأول: أن يكون ذلك على سبيل العموم، ومثاله ما جاء في حديث عبد الله بن مسعود -﵁- في دعاء الهم والغم قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ اللهم بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ،
[ ١١٠ ]
أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي [وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي] …» "إلخ؛ فهنا توسل بأسماء الله -تعالى - على سبيل العموم " «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ».
الوجه الثاني: أن يكون ذلك على سبيل الخصوص بأن يتوسل الإنسان باسم خاص لحاجة خاصة تناسب هذا الاسم، مثل ما جاء في حديث أبي بكر -﵁- حيث طلب من النبي -ﷺ- دعاءً يدعو به في صلاته، فقال: «قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ» فطلب المغفرة والرحمة وتوسل إلى الله تعالى باسمين من أسمائه مناسبين للمطلوب وهما "الغفور" و"الرحيم". وهذا النوع من التوسل: داخل في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] فإن الدعاء هنا يشمل دعاء المسألة، ودعاء العبادة.
٢ - النوع الثاني: التوسل إلى الله تعالى بصفاته، وهو أيضًا كالتوسل بأسمائه على وجهين:
الوجه الأول: أن يكون عامًّا كأن تقول: "اللهمَّ إني أسْأَلُكَ بِأَسْمَائِكَ الْحُسْنَى وصِفَاتِكَ العُلْيَا" ثم تذكر مطلوبك.
الوجه الثاني: أن يكون خاصًّا، كأن تتوسل إلى الله -تعالى- بصفة معينة خاصة لمطلوب خاص، مثل ما جاء في الحديث «اللهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى
[ ١١١ ]
الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي» فهنا توسل لله تعالى بصفة "العلم" و"القدرة" وهما مناسبتان للمطلوب.
ومن ذلك أن يتوسل بصفة فعلية مثل: «اللَّهُمَّ صَلَّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ».
٣ - النوع الثالث:
أن يتوسل الإنسان إلى الله ﷿ بالإيمان به، وبرسوله -ﷺ-: فيقول: "اللهم إني آمنت بك، وبرسولك فاغفر لي أو وفقني"، أو يقول: "اللهم بإيماني بك وبرسولك أسألك كذا وكذا"، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩٣]
فتوسلوا إلى الله - تعالى - بالإيمان به أن يغفر لهم الذنوب، ويكفر عنهم السيئات، ويتوفاهم مع الأبرار.
٤ - النوع الرابع: أن يتوسل إلى الله ﷾ بالعمل الصالح؛
ومنه قصة النفر الثلاثة الذين أووا إلى غار ليبيتوا فيه، فانطبق عليهم الغار بصخرة لا يستطيعون زحزحتها، فتوسل كل منهم إلى الله بعمل صالح فعله؛ فأحدهم توسل إلى الله - تعالى - ببره بوالديه؛ والثاني بعفته التامة؛ والثالث بوفائه لأجيره، قال كل منهم «اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ» فانفرجت الصخرة، فهذا توسل إلى الله بالعمل الصالح.
٥ - النوع الخامس: أن يتوسل إلى الله -تعالى- بذكر حاله؛
[ ١١٢ ]
يعني أن الداعي يتوسل إلى الله تعالى بذكر حاله وما هو عليه من الحاجة، ومنه قول موسى -﵍-: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] يتوسل إلى الله -تعالى- بذكر حاله أن ينزل إليه الخير. ويقرب من ذلك قول زكريا -﵍-: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤] فهذه أنواع من التوسل كلها جائزة؛ لأنها أسباب صالحة لحصول المقصود بالتوسل بها.
٦ - النوع السادس: التوسل إلى الله -﷿- بدعاء الرجل الصالح الذي ترجى إجابته،
فإن الصحابة -﵃- كانوا يسألون النبي -ﷺ- أن يدعو الله ﷿ لهم بدعاءٍ عام، ودعاءٍ خاص؛ ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالك -﵁- «أن رجلًا دخل يوم الجمعة والنبي -ﷺ- يخطب فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا، فرفع النبي -ﷺ- يديه وقال: "اللهم أغثنا" ثلاث مرات، فما نزل من منبره إلا والمطر يتحادر من لحيته، وبقي المطر أسبوعًا كاملًا، وفي الجمعة الأخرى جاء ذلك الرجل أو غيره والنبي -ﷺ- يخطب فقال: يا رسول الله، غرق المال، وتهدم البناء فادع الله أن يمسكها عنا، فرفع النبي -ﷺ- يديه وقال: "اللهم حوالينا ولا علينا" فما يشير إلى ناحية من السماء إلا انفرجت، حتى خرج الناس يمشون في الشمس».
وهناك عدة وقائع سأل الصحابة النبي -﵃- أن يدعو لهم على وجه الخصوص ومن ذلك: «أن النبي -ﷺ- ذكر أن في أمته سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب وهم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون،
[ ١١٣ ]
فقام عكاشة بن محصن -﵁- وقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال: "أنت منهم»
فهذا أيضًا من التوسل الجائز وهو أن يطلب الإنسان من شخص ترجى إجابته أن يدعو الله -تعالى- له؛ إلا أن الذي ينبغي أن يكون السائل يريد بذلك نفع نفسه، ونفع أخيه الذي طلب منه الدعاء، حتى لا يتمحض السؤال لنفسه خاصة؛ لأنك إذا أردت نفع أخيك ونفع نفسك صار في هذا إحسان إليه؛ فإن الإنسان إذا دعا لأخيه في ظهر الغيب قال الملك: " آمين ولك بمثل " وهو كذلك يكون من المحسنين بهذا الدعاء والله يحب المحسنين.
(٢) القسم الثاني: التوسل غير الصحيح وهو:
أن يتوسل الإنسان إلى الله -تعالى- بما ليس بوسيلة؛ أي بما لم يثبت في الشرع أنه وسيلة؛ لأن التوسل بمثل ذلك من اللغو، والباطل المخالف للمعقول والمنقول؛ ومن ذلك:
١ - أن يتوسل الإنسان إلى الله -تعالى- بدعاء ميت:
يطلب من هذا الميت أن يدعو الله له؛ لأن هذا ليس وسيلة شرعية صحيحة؛ بل من سفه الإنسان أن يطلب من الميت أن يدعو الله له؛ لأن الميت إذا مات انقطع عمله، ولا يمكن لأحد أن يدعو لأحد بعد موته، حتى النبي -ﷺ- لا يمكن أن يدعو لأحد بعد موته؛ ولهذا لم يتوسل الصحابة -﵃- إلى الله بطلب الدعاء من رسوله -ﷺ- بعد موته؛ فإن الناس لما أصابهم الجدب في عهد عمر -﵁- قال: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا " فقام العباس -﵁- فدعا الله -تعالى-. ولو كان طلب الدعاء من الميت سائغًا،
[ ١١٤ ]
ووسيلة صحيحة لكان عمر ومن معه من الصحابة يطلبون ذلك من رسول الله -ﷺ-؛ لأن إجابة دعائه -ﷺ- أقرب من إجابة دعاء العباس -﵁- فالمهم أن التوسل إلى الله تعالى بطلب الدعاء من ميت توسل باطل لا يحل، ولا يجوز.
٢ - ومن التوسل الذي ليس بصحيح: أن يتوسل الإنسان بجاه النبي -ﷺ-
وذلك أن جاه الرسول -ﷺ- ليس مفيدًا بالنسبة إلى الداعي؛ لأنه لا يفيد إلا الرسول -ﷺ- أما بالنسبة للداعي فليس بمفيد حتى يتوسل إلى الله به، وقد تقدم أن التوسل اتخاذ الوسيلة الصالحة التي تثمر. فما فائدتك أنت من كون الرسول -ﷺ- له جاه عند الله؟! وإذا أردت أن تتوسل إلى الله على وجه صحيح فقل: اللهم بإيماني بك وبرسولك، أو بمحبتي لرسولك، وما أشبه ذلك؛ فإن هذا الوسيلة الصحيحة النافعة ا. هـ
وسئل الشيخ عبد العزيز ابن باز ﵀ كما في مجموع الفتاوى (٤/ ٢٧):
هل يجوز التوسل بجاه فلان أو حق فلان …؟ فقال:
هذا من البدع التي لم يشرعها الله عند جمهور أهل العلم، وإنما المشروع التوسل إلى الله ﷾ بأسمائه وصفاته وتوحيده ومحبته والإيمان به، وبالأعمال الصالحات … إلخ وقال أيضا كما في مجموع الفتاوى (٤/ ٣١٥):
لم يرد في الأدلة الشرعية ما يدل على مشروعية التوسل بجاه أحد من الناس ولا بحق أحد من الناس ولا بذاته، ولكن ليس ذلك من الشرك، بل هو من البدع ومن وسائل الشرك عند أكثر أهل العلم، والنبي -ﷺ- له حق عظيم ومنزلة عظيمة عند الله وعند المؤمنين. ولا إسلام لأحد ولا إيمان إلا بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ولكن لا يجوز التقرب إلى الله سبحانه ولا التوسل إليه إلا بما
[ ١١٥ ]
شرع من القول والعمل لقول النبي -ﷺ-: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» فالواجب على المسلمين جميعا تعظيم النبي -ﷺ- بما شرعه الله في حقه من اتباعه ومحبته وتعظيم سنته والدعوة إليها والتحذير مما يخالفها مع الإكثار من الصلاة والسلام عليه، ﵊ ا. هـ
وقال الشيخ صالح آل الشيخ: التوسل بغير الله في الدعاء له قسمان:
(١) الأول:
• أن يسأل الله بذات فلان، [أو] أن يسأل الله بجاهه؛ يعني: يقول: اللهم إني أسألك -في دعاء في المسجد أو في بيت أو في أي مكان- اللهم إني أسألك بمحمد -ﷺ-، أسألك برسولك محمد، أسألك بأبي بكر، أسألك بعمر، أسألك اللهم بعثمان أن تعطيني كذا وكذا، فيكون هو قد سأل الله؛ ولكن جعل وسيلته فلان يعني عمل فلان وعمل فلان له، وعمل النبي -ﷺ- له، [و] عمل أبي بكر له، [و] عمل عمر له، فلا مناسبة بين سؤالك وسؤاله، والنبي -ﷺ- ما أرشد إلى هذا، لهذا نقول: هذا النوع بدعة، ولا يجوز لأنه لا مناسبة بين عمل فلان وعمله، وما بين ما عمله وقدمه وما بين ما عملت.
• أو يسأله بجاهه فيقول: أسألك اللهم بجاه نبيك، [أو] بحرمة نبيك، [أو] بجاه أبي بكر، [أو] بجاه فلان من الصالحين أن تعطيني كذا وكذا، هذا أيضا بدعة واعتداء في الدعاء، ووسيلة إلى الشرك …
(٢) القسم الثاني: الذي هو شرك أكبر أن يكون معنى التوسل أن يسأل الله متوسطا بأولئك، ما يقول الله أعطني بفلان، لا، يقول:
[ ١١٦ ]
• يا فلان اشفع لي عند الله اللهم اعطني كذا وكذا بشفاعة فلان لي؛ هذا التركيب جميعا،
• أو يقول يا نبي الله اسأل الله لي كذا وكذا،
• يا حسين اشفع لي عند الله بكذا وكذا،
• يا عبد القادر أسألك أن تسأل لي الله كذا اشفع لي بكذا،
يكون قد صلى مثلا عند قبته أو عند قبره ركعتين تقربا أو طاف أو ذبح أو نذر أو من دون ذلك، فهذا معنى الوساطة، الوساطة يعني أنه طلب منهم الوساطة، طلب منهم الزُّلفى، طلب منهم الشفاعة، ففرق بين أن يسأل الله بهم وما بين أن يتوسَّط عند الله بهؤلاء، فالسؤال بهم أن يقول: اللهم إني أسألك بنبيك أسألك بأبي بكر هذا بدعة ووسيلة للشرك واعتداء في الدعاء، أما لو سأل هذا أن يشفع له عند الله أو تقرب إليه بشيء من العبادات ليشفع له عند الله فهذا هو الشرك الأكبر ا. هـ
[ ١١٧ ]