وهي غير صالحةٍ للاستناد
فمن تلك الأمور: التقليد، وقد دلَّ الكتاب والسنة وأقوال أهل العلم أن التقليد في أصول العقائد لا يكفي، ومعرفة معنى (لا إله إلا الله) أصل الأصول.
أما دلالة القرآن، فقد تقدَّم أدلَّة اشتراط العلم (^١)، وفيها قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، وقوله ﷿: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]، وما قاله ابن جريرٍ في تفسيرها، وما رواه عن مجاهدٍ وقتادة.
والتقليد ليس بعلمٍ؛ لأن العلم عند أهله هو: حكم الذهن [ب ٢٨] الجازم المطابق؛ لموجبٍ، أي لحجَّةٍ قاطعةٍ.
قالوا: خرج بقوله: (لموجِبٍ) اعتقاد المقلِّد ونحوه؛ فإنه قد يكون جازمًا ومطابقًا، ولكنه ليس لحجَّةٍ قاطعةٍ.
أقول: فالاعتقاد ضربٌ من الظنِّ، وقد ردَّ الله ﷿ على المشركين ما كانوا يعتقدونه، ثم قال: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]، في آياتٍ أخرى بهذا المعنى. قال جماعةٌ من أهل العلم: هذه الآيات واردةٌ فيما يُطلَب فيه العلم كالعقائد، فأما فروع الأحكام العمليَّة فقد ثبت بالحجج القطعيَّة وجوب العمل فيها بأنواعٍ من الظنِّ، كالظنِّ
_________________
(١) انظر: ص ٤ - ٨.
[ ٢ / ١٩٩ ]
الحاصل من خبر الواحد بشرطه.
وقال بعضهم: الآيات على عمومها، وما قامت الحجَّة القطعيَّة على وجوب العمل به من الأدلَّة الظنِّيَّة كخبر الواحد بشرطه في الأحكام الفرعيَّة فالعمل به اتِّباعٌ لتلك الحجَّة القطعيَّة، وهي مفيدةٌ للعلم، فالعمل به اتِّباعٌ للعلم لا اتِّباعٌ للظنِّ.
ألا ترى لو أن النبيَّ ﵌ شافه بعض أصحابه بقوله: (إذا جاءك رجلٌ تظنُّه ثقة فأخبرك عنِّي بخبرٍ وجب عليك أن تعمل بخبره)، أليس وجوب العمل على ذلك الصحابيِّ بخبر من يظنُّه ثقةً واجبًا عليه قطعًا؟ أوليس إذا عمل به فإنما يستند إلى الأمر الذي تلقَّاه مواجهةً وهو قطعيٌّ معلومٌ له؟ أفلا ترى أنه متَّبعٌ للعلم لا متَّبعٌ للظنِّ؟ تدبَّر.
/وأما السنة فقد مرَّ (^١) في أدلّة اشتراط العلم قوله ﵌: «مَن مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنَّة»، وقوله ﵌: « فمَن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشِّره بالجنَّة».
وفي الصحيحين من حديث هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكرٍ، عن النبيِّ ﵌ في صلاة الكسوف، وفيه: فلما انصرف رسول الله ﵌ حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «ما من شيءٍ كنت لم أره إلا قد رأيته في مقامي هذا حتى الجنَّة والنار، ولقد أُوحِي إليَّ أنكم تفتنون في القبور مثل ــ أو قريبًا من ــ فتنة
_________________
(١) ص ٦.
[ ٢ / ٢٠٠ ]
الدجَّال ــ لا أدري أيَّهما قالت أسماء ــ يُؤتى أحدكم، فيُقال له: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن ــ أو الموقن، لا أدري أيَّ ذلك قالت أسماء ــ فيقول: محمَّدٌ رسول الله، جاءنا بالبيِّنات والهدى، فأجبنا وآمنَّا واتَّبعنا، فيُقال له: نم صالحًا، فقد علمنا إن كنت لموقنًا. [ب ٢٩] وأما المنافق ــ أو المرتاب، لا أدري أيَّتهما قالت أسماء ــ فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته» (^١).
وقد رُوِي نحو هذا الحديث في سؤال القبر عن أم المؤمنين عائشة، وعن أنسٍ، وعن البراء، وعن أبي سعيدٍ، وعن جابرٍ، وعن أبي هريرة، وعن غيرهم من الصحابة من طرقٍ كثيرةٍ بعضها في الصحيحين. انظر: فتح الباري (^٢).
_________________
(١) صحيح البخاريِّ، كتاب الكسوف، باب صلاة الرجال مع النساء في الكسوف، ٢/ ٣٧، ح ١٠٥٣. هذه روايته من طريق مالكٍ عن هشامٍ. ورواه في مواضع أخرى من طرقٍ أخرى. ورواه مسلمٌ من طريق ابن نُمَيرٍ عن هشامٍ. صحيح مسلمٍ، كتاب الصلاة، باب ما عُرِض على النبيِّ ﵌ في صلاة الكسوف إلخ، ٣/ ٣٢، ح ٩٠٥. [المؤلف]
(٢) كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، [المؤلف]. والحديث أخرجه البخاريُّ في كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، ٢/ ٩٨ - ٩٩، ح ١٣٧٤. ومسلمٌ في كتاب الجنَّة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميِّت من الجنَّة أو النار، ٨/ ١٦١ - ١٦٢، ح ٢٨٧٠، من حديث أنسٍ. وأخرجه البخاريُّ أيضًا في الموضع السابق، ٢/ ٩٨، ح ١٣٦٩. ومسلمٌ في الموضع السابق، ٨/ ١٦٢، ح ٢٨٧١، من حديث البراء ــ وهو في مسند أحمد ٤/ ٢٨٧ - ٢٨٨ و٤/ ٢٩٥ - ٢٩٧. والمستدرك، كتاب الإيمان، مجيء ملك الموت عند قبض الروح ، ١/ ٣٧ - ٤٠، مطوَّلًا، وصحَّحه الحاكم على شرط الشيخين، ولم يتعقَّبه الذهبيُّ ــ. وأخرجه البخاريُّ في الموضع السابق، ٢/ ٩٨، ح ١٣٧٣، من حديث أسماء. وأحمد ٦/ ١٣٩ - ١٤٠، من حديث عائشة. و٣/ ٣ - ٤، من حديث أبي سعيدٍ. و٣/ ٣٣١، من حديث جابرٍ. والترمذيُّ في كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، ٣/ ٣٧٤، ح ١٠٧١. وابن حِبَّان (الإحسان) في كتاب الجنائز، فصلٌ في أحوال الميِّت في قبره، ذكر الإخبار عن اسم الملكين ، ٧/ ٣٨٦، ح ٣١١٧، من حديث أبي هريرة، وقال الترمذيُّ: «حديثٌ حسنٌ غريبٌ». وهو معدودٌ في الأحاديث المتواترة. انظر: قطف الأزهار المتناثرة ص ٢٩٤، ح ١٠٩.
[ ٢ / ٢٠١ ]
وفيه: «ولابن حِبَّان وابن ماجه من حديث أبي هريرة، وأحمد من حديث عائشة: «ويُقال له: على اليقين كنتَ، وعليه متَّ، وعليه تُبعث إن شاء الله»».
وفيه أيضًا: (وله ــ أي: لأحمد ــ من حديث أبي سعيدٍ (^١): «فإن كان مؤمنًا قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمَّدًا عبده ورسوله»».
وفيه عند الكلام على حديث البراء الذي في الصحيحين في هذا المعنى: «وقد رواه زاذان أبو عمر عن البراء مطوَّلًا مبيَّنًا، أخرجه أصحاب السنن، وصحَّحه أبو عوانة وغيره، وفيه من الزيادة : «فيقولان له: مَن ربُّك؟ فيقول: ربِّي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعِث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله، فيقولان له: وما يدريك؟ فيقول: قرأتُ القرآن كتابَ الله فآمنتُ به وصدَّقتُ، فذلك قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]»» (^٢).
وقوله: «وقرأتُ القرآن» إلخ، يريد أنه قرأه فعرف ما فيه من البراهين
_________________
(١) في الأصل: (عائشة)، والتصويب من فتح الباري.
(٢) فتح الباري ٣/ ١٥١ - ١٥٢.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
فحصل له اليقين. «وأما المرتاب فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته»، ولا يخفى أيُّ الرجلين المقلِّد؟
وقد دلَّت هذه الأحاديث على توُّقف النجاة على اليقين، واليقين هو العلم القطعيُّ اتِّفاقًا. قال الراغب: «اليقين من صفة العلم فوق المعرفة والدراية وأخواتها» (^١).
وبالغ الغزاليُّ في المستصفى فخصَّه، فقال في صفة النفس الموقنة [ب ٣٠]: « بل حيث لو حُكي لها عن نبيٍّ من الأنبياء أنه أقام معجزة وادَّعى ما يناقضها، فلا تتوقَّف في تكذيب الناقل، بل تقطع بأنه كاذبٌ أو تقطع بأن القائل ليس بنبيٍّ، وأنَّ ما ظنَّ أنه معجزة فهي مَخْرَقَة (^٢). وبالجملة/فلا يؤثر هذا في تشكيكها، بل تضحك من قائله وناقله. وإن خطر ببالها إمكان أن يكون الله قد أطلع نبيًّا على سرٍّ به انكشف له نقيضُ اعتقادِها فليس اعتقادها يقينًا، مثاله: قولنا: الثلاثة أقلُّ من الستة، وشخصٌ واحد لا يكون في مكانين، والشيء الواحد لا يكون قديمًا حادثًا موجودًا معدومًا ساكنًا متحرِّكًا في حالة واحدة».
ثم قال: «الحالة الثانية: أن تصدِّق بها تصديقًا جازمًا ولا تشعر بنقيضها البتة، ولو أُشعرت بنقيضها تعسَّر إذعانها للإصغاء إليه، ولكنها لو ثبتت وأصغت وحُكي لها نقيض معتقدها عمَّن هو أعلم الناس عندها كنبيٍّ أو صِدِّيق أورث ذلك فيها توقُّفًا، ولْنُسَمِّ هذا الجنس اعتقادًا جزمًا، وهو أكثر اعتقادات عوامِّ المسلمين واليهود والنصارى في معتقداتهم وأديانهم، بل
_________________
(١) مفردات ألفاظ القرآن ٨٩٢.
(٢) ما عُمِل بتمويهٍ وخداعٍ. انظر: تاج العروس، مادَّة (مخرق).
[ ٢ / ٢٠٣ ]
اعتقاد أكثر المتكلمين في نصرة مذاهبهم؛ فإنهم قبلوا المذهب والدليل جميعًا بحسن الظن في الصِّبا، فوقع عليه نشؤهم؛ فإنَّ المستقلَّ بالنظر ــ الذي يستوي ميلُه في نظره إلى الكفر والإسلام ــ عزيزٌ.
الحالة الثالثة: أن يكون لها سكونٌ إلى الشيء والتصديق به وهي تشعر بنقيضه، أو لا تشعر ولكن لو أُشعِرت به لم ينفر طبعها عن قبوله، وهذا يُسمَّى ظنًّا، وله درجاتٌ » (^١).
أقول: وفيما قاله نظرٌ؛ فإنَّ الحسَّ والمشاهدة تفيد العلم اليقين، ومع ذلك فقد تشكَّك فيها الحكماء السوفسطائيُّون (^٢) كما هو معروفٌ، ومن تأمَّل شُبَههم قد يعرض [له] توقُّفٌ ما. وقال تعالى: (^٣) وجلُّ أو كلُّ البراهين على الأصول الدينيَّة مبنيَّةٌ على المحسوسات، ومع ذلك يرد على البناء شبهاتٌ عديدةٌ. ولوصحَّ ما قاله لما وُجِد مؤمنٌ موقنٌ إلَّا أن يكون من الملائكة والنبيِّين، وهذا باطلٌ قطعًا. والحقُّ أن اليقين لا يختصُّ بما ذكره، بل يعمُّ كلَّ اعتقادٍ جازمٍ عن دليلٍ قاطعٍ كالحسِّ والمشاهدة وما ينبني عليهما انبناءً واضحًا، وأنَّ إمكان التشكيك لا يدلُّ على عدم سبق اليقين. وقد قدَّمنا تحت عنوان: (شبهةٌ وجوابها) ما يصحُّ إيراده ها هنا.
ونحن نرى كثيرًا من الناس يتعقَّلون البراهين القطعيَّة، ومع ذلك لا يزالون مرتابين لغلبة الهوى والتقليد عليهم. فالحقُّ أنَّ مَن تعقَّل البرهان
_________________
(١) المستصفى ١/ ٤٣ - ٤٤. [المؤلف]
(٢) هم أهل السفسطة القائمة على مبدأ الشك في الموجودات. انظر الموسوعة الفلسفية العربية ١/ ٤٨٠، المعجم الفلسفي ١/ ٦٦٠.
(٣) وضعُ النُّقَط من المؤلِّف.
[ ٢ / ٢٠٤ ]
القطعيَّ وأذعن وانقاد ظاهرًا وباطنًا فهو موقنٌ، وأنه إن عرض له بعدُ شكٌّ (^١) أو شبهةٌ فإن دفعها فورًا فهو موقنٌ، وما عرض له وسوسةٌ في (^٢) حكم الشرع. وإن استقرَّت في نفسه وأورثته ريبةً أو جحودًا زال يقينه السابق، وهو العلم الحقيقيُّ.
والحقُّ أنه ليس بين اليقين وبين الظنِّ منزلةٌ. قال الله ﷿: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤]، [ب ٣١] إلى قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢].
وكأن الغزاليَّ يشير بهذا الاصطلاح إلى تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦] بأن المراد الظنُّ الذي ليس بجازمٍ. وهبه تمَّ له هذا، فما يصنع بالآيات والأحاديث الناصَّة على اشتراط العلم واليقين وقد تقدَّمت؟
والحقُّ أنَّ التقليد لا يفيد إلا الظنَّ غير الجازم، وما يظهر من جزم مَن نراه مقلِّدًا لا يخلو عن ثلاثة أحوالٍ:
الأولى: ألَّا يكون مقلِّدًا في الواقع، بل قد يعقل برهانًا قطعيًّا، وهذا حال عوامِّ المسلمين غالبًا في إيمانهم بالله ورسوله.
الثانية: أن يكون قد قام عنده ما توهَّمه برهانًا قاطعًا؛ إما على العقيدة نفسها، وإما على عصمة إمامه، وقد يجتمع الأمران كما وقع لبعض مقلِّدي
_________________
(١) غير واضحة في الصورة.
(٢) الحرف غير واضح في الصورة.
[ ٢ / ٢٠٥ ]
أرسطو من المتفلسفة.
الثالثة: أن يكون غلب عليه الهوى والعصبيَّة. وقد تقدَّم الكلام في الهوى، ويأتي له مزيدٌ إن شاء الله تعالى (^١).
وقال الآمديُّ: «اختلفوا في جواز التقليد في المسائل الأصوليَّة المتعلِّقة بالاعتقاد في وجود الله تعالى، وما يجوز عليه وما لا يجوز عليه، وما يجب له وما يستحيل عليه. فذهب عُبَيد الله بن الحسن العنبريُّ والحشويَّة والتعليميَّة (^٢) إلى جوازه وذهب الباقون إلى المنع، وهو المختار؛ لوجوهٍ:
الأول: أن النظر واجبٌ ، ودليل وجوبه أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، الآية، قال ﵇: «ويل لمن لاكها بين لَحْيَيه ولم يتفكَّر فيها»». أقول: أخرجه جماعةٌ، منهم ابن حِبَّان في صحيحه (^٣). قال (^٤): «توعَّد على ترك النظر والتفكُّر فيها، فدلَّ على وجوبه».
_________________
(١) انظر: ص ٢٤ فما بعدها، والأصل الثاني في باب أصول ينبغي تقديمها، وص ٩١١ فما بعدها.
(٢) من ألقاب الباطنيَّة الذين يزعمون أنهم أصحاب التعليم والمخصوصون بالاقتباس من الإمام المعصوم، وبهذا الاسم اشتهروا في خراسان قديمًا وبالملحدة، كما كانوا يُسمَّون بالعراق: الباطنيَّة والقرامطة والمزدكيَّة. انظر: فضائح الباطنيَّة ١٧، الملل والنحل ١/ ١٩٠.
(٣) انظر: صحيح ابن حبان (الإحسان)، كتاب الرقائق، باب التوبة، ٢/ ٣٨٦، ح ٦٢٠.
(٤) يعني: الآمدي.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
الثاني: الإجماع من السلف منعقد على وجوب معرفة الله تعالى وما يجوز عليه وما لا يجوز، فالتقليد إما أن يقال: إنه محصِّل للمعرفة أو غير محصِّل لها. القول بأنه محصل للمعرفة ممتنع لوجوهٍ:
الأول: أن المفتي بذلك غير معصوم، ومَنْ لا يكون معصومًا لا يكون خبره واجب الصدق، فخبره لا يفيد العلم.
الثاني: أنه لو كان التقليد يفيد العلم لكان العلم حاصلًا لمن قلَّد في حدوث العالَم ولمن قلد في قِدَمه وهو محال لإفضائه إلى الجمع بين كون العالَم حادثًا وقديمًا.
الثالث: أنه لو كان التقليد مفيدًا للعلم فالعلم بذلك إمَّا أن يكون ضروريًّا أو نظريًّا، لا جائز أن يكون ضروريًّا وإلا لما خالف فيه أكثر العقلاء، ولأنه لو خُلِّي الإنسان ودواعي نفسه من مبدأ نشئه لم يجد ذلك من نفسه أصلًا، [ب ٣٢] والأصل عدم الدليل المفضي إليه فمن ادّعاه لا بدَّ له من بيانه.
الوجه الثالث ــ من الوجوه الأُوَل ــ: أن التقليد مذمومٌ شرعًا، فلا يكون جائزًا، غير أنَّا خالفنا ذلك في وجوب اتِّباع العامِّيِّ للمجتهد فيما ذكرناه (^١) من الصور فيما سبق» يعني: فروع الفقه «لقيام الدليل على ذلك، والأصل عدم الدليل الموجب للاتِّباع فيما نحن فيه، فنبقى على مقتضى الأصل.
وبيان ذمِّ التقليد قوله تعالى حكايةً عن قومٍ: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]، ذكر ذلك في معرض الذمِّ (^٢) لهم».
_________________
(١) في الأصل: ذكره، والتصحيح من نسخة أ.
(٢) سقطت الكلمة من الأصل، وأضفتها من نسخة أ.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
القول بالاكتفاء بالتقليد إنما جرى على الألسنة لما لج النزاع بين السلفيين والمتكلمين
أقول: والآيات في هذا المعنى كثيرةٌ، ثم ذكر المعارضات وأجاب عنها، إلى أن قال: «قولهم: إن التقليد عليه الأكثر والسواد الأعظم، قلنا: ذلك لا يدلُّ على أنه أقرب إلى السلامة؛ لأن التقليد في العقائد المضلَّة أكثر من الصحيحة، على ما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]، وقال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤]، وقال ﵇: «تفترق أمَّتي ثلاثًا وسبعين فرقةً، واحدةٌ ناجيةٌ، والباقي في النار» (^١) ) (^٢).
أقول: والذي يقع لي: أن القول بالاكتفاء بالتقليد إنما جرى على الألسنة لما لجَّ النزاع بين السلفيِّين والمتكلِّمين، كأنه لما بالغ بعض السلفيِّين فكفَّر مَن يخوض في علم الكلام بالغ بعض المتكلِّمين فزعم أنَّ مَن لا يعرف الكلام فهو مقلِّدٌ؛ ولا إيمان لمقلِّدٍ، فقال بعض السلفيِّين: التقليد كافٍ في الإيمان، يريدون إن كان الاقتصار في النظر على الطريقة التي درج عليها السلف تقليدًا فالتقليد كافٍ في الإيمان، ولم يريدوا أنَّ التقليد الحقيقيَّ يكفي.
فأما حكاية الآمديِّ عن العنبريِّ والحشويَّة والتعليميَّة الجواز
_________________
(١) أخرجه ــ بمعناه ــ أبو داود في كتاب السنَّة، بابٌ في شرح السنَّة، ٤/ ١٩٧ - ١٩٨، ح ٤٥٩٦ - ٤٥٩٧. والحاكم في كتاب العلم، «تفترق هذه الأمَّة على ثلاثٍ وسبعين ملَّةً »، ١/ ١٢٨، من حديث أبي هريرة ومعاوية ﵄. قال الحاكم بعد أن أورد له طرقًا وشواهد: «هذه أسانيد تُقام بها الحجة في تصحيح هذا الحديث». وانظر: السلسلة الصحيحة (٢٠٤).
(٢) إحكام الأحكام ٤/ ٣٠٠ - ٣٠٦. [المؤلف]
[ ٢ / ٢٠٨ ]
فالمشهور عن العنبريِّ أنه كان يرى أنَّ كلَّ مجتهدٍ مصيبٌ سواء في العقائد أو في الفروع.
فقيل: إنه إنما كان يقول هذا في المجتهدين من المسلمين ــ أعني في الضرب الثاني من العقائد ــ فيصوِّب مَن يثبت القدر ومَن ينفيه، ومَن يثبت الرؤية ومَن ينفيها، ونحو ذلك، ويقول: «هؤلاء عظَّموا الله، وهؤلاء نزَّهوا الله»، يريد أن المخطئ منهم مصيبٌ، على نحو ما يقوله غيره في المجتهدين في الفروع، وبهذا لا يكون الخلاف فيها اختلافًا في الدين ولا افتراقًا بين المسلمين.
وقيل: بل كان يقول بهذا في غير المسلمين أيضًا؛ فيرى أنَّ الكافر إذا بذل مجهوده في البحث والنظر يريد الحقَّ ويحرص عليه فأدَّاه نظره إلى أنَّ الإسلام ليس بحقٍّ فهو معذورٌ، وحُكِي عنه الرجوع عن ذلك. انظر: الاعتصام (^١) [ب ٣٣] وانظر ترجمة عُبيد الله في تهذيب التهذيب (^٢) وغيره.
وقد حكوا القول بعذر الكافر إذا بذل مجهوده كما تقدَّم عن الـ (^٣) أيضًا. قال بعض العلماء: ومال إليه الغزاليُّ في فيصل التفرقة (^٤).
أقول: وهذه مسألةٌ أخرى، والحقُّ فيها أنه لا يوجد إنسانٌ يبذل مجهوده في البحث والنظر مريدًا للحقِّ حريصًا عليه مخلصًا في قصده ثم يظهر له أنَّ
_________________
(١) ١/ ١٨٩ - ١٩٠. [المؤلف]. وانظر ط دار ابن الجوزي ١/ ٢٥٧.
(٢) ٧/ ٨. وفيه «ونقل محمد بن إسماعيل الأزدي في ثقاته أنه رجع عن المسألة التي ذُكرت عنه لما تبيّن له الصواب».
(٣) بيَّض له المؤلِّف، ولعله الجاحظ كما مرَّ في ص ١٧١ مقرونًا بالعنبري.
(٤) ص ٨٧.
[ ٢ / ٢٠٩ ]
الإسلام ليس بحقٍّ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، فهذا الإنسان مجاهدٌ في الحقِّ محسنٌ فكيف لا يهديه الله تعالى؟ (^١).
فإن فُرِضت المسألة فرضًا، فإن (^٢) قال قائلٌ: إنه لو وُجِد إنسانٌ بهذه الصفة لكان حكمه في الشرع حكمَ غيره من الكفَّار، وأمَّا في الآخرة فيكون في الذين يُمتحَنون فتُرفَع لهم نار، إلى آخر ما جاء في الأحاديث. فليس هذا القول بخروجٍ عن الإسلام، ولكن مثل هذا مما تواصى العلماء بالسكوت عنه لما قد يترتَّب على إظهاره من المفاسد.
وبالجملة فذلك النقل عن العنبريِّ ليس بنصٍّ في جواز التقليد في أصول الدين، مع أنه قد نُقِل عنه الرجوع عن مقالته.
_________________
(١) قال المؤلِّف في ص ٩٠٨ - ٩٠٩: «وأما اليهود والنصارى والمشركون فهم في سُبل أخرى ليست من سُبُل الله تعالى؛ لأنها لا ترجع إلى سبيله الأعظم وصراطه المستقيم، فمَن جاهد منهم في الله فلا بدَّ أن يهديه الله إلى سبيله الذي يرضاه وهو الإسلام، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾». وانظر كلام المؤلِّف في السياق نفسه (ص ٩١٣) إلى أن قال: «ومن هنا يُعْلَم أنَّ قوله تعالى: ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ لا يقتصر معنى الهداية فيه على تيسير البرهان القاطع، بل يحصل بذلك وبتيسير الدليل الذي يتبين به للناظر أن اتِّباع الإسلام أحوط له، ولكنه إذا عمل بالأحوط ودخل في الإسلام يسَّر الله تعالى له بعد ذلك ما يُثْلِج صدرَه إن شاء الله تعالى، كما مرّ في تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾».
(٢) كذا في الأصل، ولعلَّه: بأن.
[ ٢ / ٢١٠ ]
وأما الحشويَّة فإن أراد بهم أهل الحديث المتَّبعين للسلف فقد سبق الجواب عنهم، وأنهم إنما ينكرون النظر على الطريق الفلسفيَّة ويوجبون النظر على الطريق السلفيَّة.
وأما التعليميَّة (^١) فهم عند عامَّة المسلمين مبتدعةٌ، ومن المسلمين مَن يكفِّرهم. والمعروف عنهم أنهم إنما يرون الاتِّباع للإمام؛ لأنه عندهم معصومٌ، فاتِّباعه في زعمهم ليس بتقليدٍ بالمعنى المتعارَف.
وبالجملة فالأصول الضروريَّة من العقائد التي لا يكون المؤمن مؤمنًا إلا بها لا نعلم أحدًا يقول: يكفي فيها التقليد الحقيقيُّ، والله أعلم (^٢).
واعلم أنه لا فرق في التقليد بين أن يكون لعالم واحد وأن يكون لجماعة من العلماء / (^٣) وإن اشتهر أنهم أهل السنة وأن مخالفهم من أهل البدعة.
أولًا: لأن اشتهار أن هذا قول أهل السنة جميعهم قد يكون غير صحيح، ويكون جماعة من أئمة السنة على خلافه. بل قد يكون القول الذي زعموا لك أنه قول أهل السنة إنما هو قول طائفة من المتأخرين، ويكون قول سلف هذه الأمة الذين هم أهل السنة في الحقيقة (^٤) على خلافه، وسيأتي قريبًا قول ابن مسعود وحذيفة وغيرهما: إنها ستنتشر البدع ويألفها الناس حتى إذا تُرِكَ منها شيء قالوا: قد تُرِكَت السنة، وأن ذلك في حكم المرفوع، على أنها
_________________
(١) من ألقاب الباطنية، وسبق التعريف بهم قريبًا. وقد كفَّرهم الغزالي وغيره. راجع: الإسماعيلية لإحسان إلهي ظهير، وفضائح الباطنية للغزالي. وانظر: مجموع الفتاوى ١٩/ ١٨٦ - ١٨٧.
(٢) هنا ينتهي ما أخذناه من النسخة ب.
(٣) من هنا يبدأ ملحق ص: ٤٣، وهو سبع ورقاتٍ.
(٤) ولا يخرج الحق عما يجتمعون عليه. انظر منهاج السنة النبوية ٥/ ١٦٦.
[ ٢ / ٢١١ ]
ستأتي أحاديث كثيرة تفيد هذا المعنى.
ثانيًا: أن قول أهل السنة وحدهم ليس بإجماع، فلا يكون حجة كما هو مقرَّر في أصول الفقه، قال الإمام الغزالي: «المبتدع إذا خالف لم ينعقد الإجماع دونه، إذا لم يكفر، بل هو كمجتهد فاسق، وخلاف المجتهد الفاسق معتبر والمبتدع ثقة يقبل قوله؛ فإنه ليس يدري أنه فاسق » (^١).
وإذا لم يكن حجة مطلقًا فكيف يكون حجة في العقائد التي لا يصح بناؤها إلا على الحجج القطعية المفيدة لليقين؟
ثالثًا: أن أهل السنة إنما حصل لهم الشرف باتباع الكتاب والسنة، فإنما يكون تقليدهم فيما يجوز فيه التقليد أولى لأن الظاهر أن قولهم موافق للكتاب والسنة، فإذا فُرِضَ أنه تبيَّن بالبحث والتحقيق أنهم قالوا في مسألة خلاف ما يدل عليه الكتاب والسنة فلا قيمة لقولهم فيها.
وإنما ننبِّهك على هذا؛ لأنَّ مِنْ طَبْع الإنسان أنه إذا عرف في طائفة أنهم على الحق في كثير من المسائل، وعرف في طائفة أخرى أنهم على باطل في كثير من المسائل، ثم ذكرت له مسألة اختلفت الطائفتان فيها، فإنه يتسرَّع إلى الحكم بأن الحقَّ فيها مع الطائفة الأولى، ولو لم يعرف لهم حجَّة، بل قد تُتْلى عليه الحجج الموافقة للطائفة الثانية، وتكون قويَّة ولا يعرف حجَّة للطائفة الأولى، ولكنه لا يستطيع دفع ذلك الوهم عنه، وهذا من أشنع الغلط.
وفي الحديث: «الكلمة الحكمة ضالَّة المؤمن، حيثما وجدها فهو أحقُّ
_________________
(١) المستصفى ١/ ١٨٣. [المؤلف]
[ ٢ / ٢١٢ ]
بها»، أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة مرفوعًا (^١).
وأخرج الديلمي وابن عساكر نحوه من حديث علي ﵇ كما «في المقاصد الحسنة» للسخاوي.
أقول: ومعناه صحيح يشهد له الكتاب والسنة. ومما يشهد له من السنة حديث أحمد وغيره في اليهوديّ الذي جاء إلى النبي ﵌ فقال: إنكم تشركون وتندِّدون، تقولون ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فنهى النبي ﵌ أصحابه عن ذلك (^٢)، وسيأتي هذا الحديث وما في معناه إن شاء الله تعالى.
وحديث الحكمة يُشير إلى أمور: منها: أن الحق كثيرًا ما يوجد عند مَنْ ليس من أهله فضلًا عمن أسيئت سمعته، ولهذا قال: «فهو أحق بها» يريد: فهو أحق بها ممن وجدها عنده، وذلك صريح في أنه وجدها عند من ليس من أهلها. بل قوله: «ضالة المؤمن» إلخ صريح في أنه قد توجد الحكمة عند كافر. ولهذا يكون المؤمن أحق بها ممن وجدها عنده؛ إذ لو وجدها عند مؤمن لكان كلٌّ منهما حقيقًا بها، وإذا أمكن وجودها عند كافر فإمكان وجودها عند مبتدعٍ أو فاسقٍ أولى.
_________________
(١) جامع الترمذيّ، كتاب العلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، ٢/ ١١٥، ح ٢٦٨٧. سنن ابن ماجه، كتاب الزهد، باب الحكمة، ٢/ ٢٨١، ح ٤١٦٩. قال الترمذيّ: «هذا حديثٌ غريبٌ لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإبراهيم بن الفضل المدني المخزومي يُضَعَّفُ في الحديث من قِبَل حفظه». اهـ. [المؤلف]
(٢) انظر: المسند ٦/ ٣٧١ - ٣٧٢، سنن النسائيّ، كتاب الأيمان والنذور، الحلف بالكعبة، ٧/ ٧. والحديث صحَّحه الألبانيُّ في صحيح سنن النسائيّ، برقم ٣٧٧٣.
[ ٢ / ٢١٣ ]
ومنها: أنه قد لا يوجد الحق في بعض المسائل عند من اشتهر بالحق؛ لأن من شأن الضالة أنها تقع في محلٍّ غير مناسب لها فلا توجد إلا فيه، ولا توجد في المحلِّ المناسب لها، فمن اقتصر على طلبها في المواضع المناسبة لها لم يظفر بها.
ومنها: أنه لا ينبغي للمؤمن أن يستنكف عن طلب الحق عند من اشتهر بخلاف الحق ولا عن قبوله منه، فإن من ضلّ خاتمه مثلًا فوجده في كُنَاسَة أو بيد مشرك أو مبتدع أو من يلابس القاذورات مثلًا لم يمنعه ذلك من أخذه، ولو امتنع لعُدَّ أحمق.
ومنها: أنه ينبغي للمؤمن أن يتعرَّف الحق من حيث هو حق، ولا يلتفت إلى حال من قاله، حتى لو اختلف عليه وليٌّ وفاجر أو إمام وجاهل لم يحمله ذلك على تلقّي كلام الوليِّ أو العالم بالقبول بدون تحقُّق أنه الحق، كما أن من ضلّ خاتمه مثلًا فلقيه وليٌّ وفاجر أو إمام وجاهل بيد كلٍّ منهما خاتم يقول له: أرى أن هذا خاتمك لم يلتفت إلى جلالة الوليّ أو الإمام ودناءة الفاجر أو الجاهل، بل يتأمَّل الخاتمين فأيُّهما عرف أنه خاتمه أَخَذَه، وإن كان هو الذي بيد الفاجر أو الجاهل.
ومنها: أن ترك الأخذ بقول وليٍّ أو إمام لا يكون تحقيرًا له ولا استخفافًا بحقه؛ فإن من عرف أن خاتمه هو الذي بيد الفاجر أو الجاهل، فأخذه وترك الذي بيد الوليِّ أو الإمام لم يُعَدَّ مُهينًا لهذين ولا مُسيئًا إليهما كما أنه لا يُعَدُّ معظِّمًا مبجلًا لذلك الفاجر أو الجاهل، وإن كان عليه شكره.
ومن أمعن في تدبُّر الحديث ظهر له أكثر مما ذكرنا.
[ ٢ / ٢١٤ ]
ومما يحسن ذكره هنا قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٢].
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨].
تقول العرب: جَرَمَه بُغْضِي أن يظلمني أو على أن يظلمني أي: جعله بغضي يكسب ظلمي الذي هو جُرْمٌ، أي: ذنب.
ومن العدوان وترك العدل أن تردَّ قول العالم بدون حجة، ولكن لأنك تسيء الظنّ به أو لأن كثيرًا من الناس أو أكثرهم يخالفونه ويدَّعون عليه أنه يخالف الحقَّ في بعض المسائل. وكما أن هذا عدوان على ذلك العالم، فهو عدوان على الحق أيضًا؛ لأن عليك أن تطلبه بالحجة والبرهان، فَتَرَكْتَ ذلك، وعدوانٌ على نفسك أيضًا؛ لأنك ظالم لها.
والحاصل: أن طالب الحق إذا اختلف عليه العلماء كان عليه أن ينصب نفسه منصب القاضي فيسمع قولَ كلِّ واحد منهم وحجته، ثم يقضي بالقسط، فكما أن القاضي إذا اختصم إليه وليٌّ وفاجر أو مؤمن وكافر ليس له أن يقضي للوليِّ أو المؤمن بدون حجة، ولا أن يسمع منه ويُعْرِضَ عن خصمه، ولا أن يمتنع عن الحكم للفاجر أو الكافر إذا توجَّه له الحق، فكذلك طالب الحق في المسائل المختلف فيها.
ولعلك قد بلغك ما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ في أيام خلافته أنه رافع يهوديًا إلى القاضي شريح وبيد اليهودي درعٌ،
[ ٢ / ٢١٥ ]
فادَّعى أمير المؤمنين عليٌّ ﵇: «إنها درعي»، فأنكر اليهودي، ولم يكن لأمير المؤمنين بينة، فقضى القاضي لليهودي، فلما رأى اليهوديّ ذلك أسلم واعترف بأن الدرع درع أمير المؤمنين، فلما رأى أمير المؤمنين إسلامه واعترافه وهب له الدِّرْعَ.
والقصة ثابتة في كتب الحديث والتاريخ (^١).
وبعض الناس يتوهَّم أنَّ مثل هذا الحكم إنما هو من باب طرد القواعد، وإلَّا فلا ريب في صحة قول أمير المؤمنين وبطلان قول اليهوديّ. وفيه أنه يجوز خلاف ذلك لجواز أن يكون أمير المؤمنين وَهَبَها أو باعها ثم نسي أو اشتبهت عليه درع بدرع أو نحو ذلك، فتدبَّرْ. والله أعلم.
واعلم أن أكثر العلماء المنتسبين إلى المذاهب لم ينصبوا أنفسهم منصب القضاة، وإنما نصبوا أنفسهم منصب المحامين، كلٌّ عن المذهب المنتسِب إليه (^٢). فعلى طالب الحق أن ينزلهم منازلهم فلا يعدّهم قضاة يُقْبل قولهم في تأييد المذهب المنتسبين إليه وتخطئة غيره، بل عليه أن يعرف أنهم محامون عن مذاهبهم، فلا يسمع من أحد منهم إلا كما يسمع القاضي من المحامي.
ورُوِّينا من حديث عليٍّ بن أبي طالبٍ ﵇ أن رسول الله ﵌ قال له: «إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر؛ فسوف تدري كيف تقضي». قال عليٌّ: «فما زلت قاضيًا
_________________
(١) انظر: سنن البيهقيّ، كتاب آداب القاضي، باب إنصاف الخصمين ١٠/ ١٣٦. [المؤلف]
(٢) كذا في الأصل، والجادَّة إظهار الفاعل، فيُقال: المنتسِب هو إليه.
[ ٢ / ٢١٦ ]
بَعْدُ». رواه أحمد، والترمذيّ وحسَّنه، وأبو داود، وقوَّاه ابن المدينيّ، وصحَّحه ابن حِبَّان (^١). وله شاهدٌ عند الحاكم من حديث ابن عبَّاسٍ (^٢). كذا في بلوغ المرام (^٣).
واشتهر من قول أمير المؤمنين عليٍّ ﵇: «لا تنظر إلى مَنْ قال وانظر إلى ما قال» (^٤)، وسيأتي كثيرٌ مما يؤيِّد هذا المعنى.
وقال الإمام الغزالي: «الغلطة الثالثة: سببها سَبْقُ الوهم إلى العكس، فإنَّ ما يُرَى مقرونًا بالشيء يُظَنُّ أنَّ الشيء أيضًا لا محالة مقرون به مطلقًا، ولا يُدْرَى أنَّ الأخصَّ أبدًا مقرون بالأعمِّ، والأعمُّ لا يلزم أن يكون مقرونًا بالأخص. ومثله نُفْرَة نفس السَّلِيم وهو الذي نهشته الحيَّة عن الحبل
_________________
(١) انظر: المسند ١/ ٩٠. وسنن أبي داود، كتاب الأقضية، بابٌ كيف القضاء، ٣/ ٣٠١، ح ٣٥٨٢. وجامع الترمذيّ، كتاب الأحكام، باب ما جاء في القاضي لا يقضي بين الخصمين حتى يسمع كلامهما، ٣/ ٦٠٩، ح ١٣٣١، وقال: «هذا حديث حسنٌ». وصحيح ابن حبَّان (الإحسان)، كتاب القضاء، ذكر أدب القاضي عند إمضائه الحكم ، ١١/ ٤٥١، ح ٥٠٦٥. وأعلَّه ابن حزم وغيره بسماك بن حرب. انظر: المحلى ٨/ ٤٣٦، والبدر المنير ٩/ ٥٣٣، وإرواء الغليل ٨/ ٢٢٦.
(٢) انظر: المستدرك، كتاب الأحكام، استماع بيان الخصمين واجبٌ على القاضي، ٤/ ٩٣، من حديث عليٍّ ﵁، وقال: «صحيح الإسناد ولم يخرجاه»، ولم يتعقَّبه الذهبيّ. أما حديث ابن عبَّاسٍ ﵄ فقد رواه في أوَّل كتاب الأحكام ٤/ ٨٨، وقال: «صحيحٌ على شرط الشيخين ولم يخرجاه»، ولم يتعقَّبه الذهبيّ، لكن ليس فيه ذكر الاستماع إلى الخصمين.
(٣) كتاب القضاء، ٢/ ١٨٨، ح ١٣٨٨.
(٤) انظر: المصنوع في معرفة الحديث الموضوع ص ٢٠٦، ح ٣٩٧، وكشف الخفاء ٢/ ٣٦٢.
[ ٢ / ٢١٧ ]
المبرقَش اللَّون؛ لأنه وجد الأذى مقرونًا بهذه الصورة، فتوهم أنَّ هذه الصورة مقرونة بالأذى. وكذلك تنفر النفس عن العسل، إذا شُبِّه بالعَذِرة؛ لأنه وجد الأذى والاستقذار مقرونًا بالرَّطْب الأصفر، فتوهَّم أنَّ الرَّطْبَ الأصفر مقرون به الاستقذار، ويغلب الوهم حتى يتعذَّر الأكل وإن حكم العقل بكذب الوهم، لكن خُلِقَتْ قُوَى النفس مطيعة للأوهام وإن كانت كاذبة، حتى إنَّ الطبع لينفر عن حسناء سمِّيت اسم اليهود إذا وجد الاسم مقرونًا بالقبح، فظنَّ أنَّ القبح أيضًا ملازم للاسم. ولذا تُوْرَد على بعض العوامِّ مسألة عقلية جليلة فيقبلها، فإذا قلت: هذا مذهب الأشعري أو الحنبلي أو المعتزلي نفر عنه إن كان يسيء الاعتقاد فيمن نَسَبْتَه إليه، وليس هذا طبعَ العامِّيِّ خاصَّة، بل طبعُ أكثر العقلاء المُتَّسمين بالعلوم، إلا العلماء الراسخين الذين أراهم الله تعالى الحقَّ حقًّا، وقوَّاهم على اتِّباعه » (^١).
أقول: ومما يوضح ما قاله الغزالي أنك قد ترى من يشبه صديقًا لك فتميل إليه نفسك، مع أنك لم تره قبل ذلك، وترى من يشبه بغيضًا لك، فتنفر نفسك عنه، وترى من يشبه مخوفًا لك فتخافه، وقس على هذا. حتى إن الإنسان ليميل إلى سَمِيِّ صديقه، وينفر عن سميِّ بغيضه، ونحو ذلك، وقد يكون عهدك بصديقك أو بغيضك أو مخوفك بعيدًا، أو تكون مشابهة هذا له غير واضحة، فيخفى عنك السبب، فتبقى متعجبًا ما بال نفسي مالت إلى هذا الشخص مع أني لم أره قبل الآن. وما لها نفرت عن هذا مع أني لم أره قبل الآن، وأكثر الناس يوجِّهون ذلك بتعارف الأرواح أو تناكرها، وهذا وإن كان صحيحًا في الجملة إلَّا أنَّ الغالب ما تقدّم، وأنت إذا تذكّرت وتفكَّرْت
_________________
(١) المستصفى ١/ ٥٩. [المؤلف]
[ ٢ / ٢١٨ ]
عرفت صحَّة ما ذكرنا. وهذا الباب واسع حتى لقد ترى الشخص فتظنُّه عالمًا، وما ذلك إلا لمشابهةٍ بينه وبين رجلٍ عالمٍ قد عرفته قبل ذلك.
فأمَّا ما ذكره الغزاليُّ أنَّ الإنسان قد تُذْكَر له مسألة عقلية جليلة فيقبلها، فإذا قيل له: هذا قول الأشعرية وكان يسيء الظن بهم نفر عنها، فقد يكون لما ذكر بأن يكون هذا الإنسان طالب علم، وقد عرف مسائل أخطأ فيها الأشعرية، فلما نُسِبَتْ هذه المسألة إليهم نفرت نفسه عنها لمشابهتها لتلك المسائل في أنَّ الجميع من قول الأشعرية، فتوهَّم أنَّ المشابهة في هذا الأمر تشعربالمشابهة في الخطأ، وقَوِيَ هذا المعنى في وهمه حتى غلب ما قام لديه من دليلٍ على صحَّة قولهم في تلك المسألة.
وقد يكون طالع مذهب الأشاعرة فظهر له أنَّ الغالب فيما يخالفون فيه المعتزلة الخطأ، فاجتمع عنده القياس الوهميُّ السابق مع الحمل على الغالب.
وقد يكون سمع كثيرًا ممن يحسن الظن بهم يذمّون الأشعرية، وقد يكون وجد آباءه وأشياخه على الاعتزال ونشأ عليه، فصار يكره أن يُنْسَب الغلط إلى مذهبه ومذهب آبائه وأشياخه. وهذا هو التعصب، وهو أوْخَم هذه الأمور، فلقد بلغ بكثير من الناس إلى ما يظهر منه اعتقاد العصمة في فرد من أفراد الأمة؛ فإنك تجد كثيرًا من المقلدين للشافعيِّ مثلًا لا يجوِّزون الخطأ عليه. فإن قيل: إنهم لا يصرِّحون باعتقاد العصمة. قلت: نعم، ولكن ألا تراهم كلما عُرِضَ عليهم قولٌ من أقوال الشافعي اعتقدوا أنه الحق، ولا يتردَّدون فيه، ولو خالف القرآن أو خالف الأحاديث الصحيحة أو خالف أكابر الصحابة أو خالف جمهور الأمة؟ فلولا أنهم يعتقدون له العصمة لكانوا إذا بُيِّنَتْ لهم الحجة على خلافه خضعوا لها.
[ ٢ / ٢١٩ ]
ولقد كثر اعتقاد العصمة في كثير من أفراد الأمة فضلًا عن الطوائف كالأشعرية والمعتزلة ونحوها، ومع هذا فلا نقول فيمن لم يصرِّح باعتقاد العصمة إنه يعتقدها، وإنما وقعوا فيما وقعوا فيه بالتعصب ومحبة النفس، فإنَّ أحدهم يحب نفسه حتى لا تطاوعه نفسه إلى الاعتراف بأنَّ آباءه أو مشايخه أو أهل مذهبه أخطؤوا، فلذلك تجده لا يميل إلى الاعتراف بأن إمامه أخطأ، وإن قامت الحجة عليه، بل يذهب يحرِّف الحجج ويؤوِّلها. وليس هذا بالتقليد الذي أجازه العلماء في الفروع وأنكره بعضهم، وإنما التقليد المجوَّز أن تأخذ بقول مجتهد لا تعلم حجَّته، ولكن قد قام عندك دليل يفيد الظن بأنَّ قوله صواب، فإذا أُخْبِرْتَ بدليل أقوى من الدليل الأول يدلُّ على أنَّ ذلك المجتهد أخطأ، وأنَّ الصواب قول مجتهد آخر، لزمك أن ترجع إلى قول الآخر، فإن منعك التعصُّب فعليك أن تكتفي بقول: «لعلّ لإمامي جوابًا عن هذا الدليل». واعلم أنَّ هذا لا أراه ينجيك؛ لما تقرَّر في الأصول من وجوب اعتقاد أنَّ الدليل الظاهر على ظاهره، والعمل بمقتضى ذلك حتى يتمَّ البحث، فإن ظهر بالبحث أنَّ هناك دليلًا آخر يوجب تخصيص الأول أو تأويله عُمِلَ به من حين ظهوره. ذَكَرَ أهلُ الأصول هذه المسألة في بحث الأمر وبحث العامِّ (^١).
ولا فرق بين المقلِّد وغيره؛ لأنَّ قول إمامه وإن كان شبه قرينة على أن لذلك الدليل مخالفًا، فهذه القرينة معارَضَةٌ بقول مَنْ قال من المجتهدين بظاهر ذلك الدليل، والتفاوت بين المجتهدين يسير لا يقاوِم الدليلَ الظاهرَ
_________________
(١) انظر: قواطع الأدلَّة للسمعانيّ ١/ ٣٠٨، وتشنيف المسامع للزركشيّ ٢/ ٥٩٩ و٧٢٨.
[ ٢ / ٢٢٠ ]
ذكر مزايا سلف الأمة على الخلف
من الكتاب والسنة.
والمقصود أنَّ قولك: «لعلَّ لإمامي جوابًا عن هذا الدليل» لا ينجيك، ولكنه أهون من أن تَعْمِد إلى الأدلَّة المخالفة لمذهبك فتحرِّفها وتؤوِّلها وتبدلها، والعياذ بالله. هذا مع أن التقليد المجوَّز إنما هو في فروع الفقه، فأمَّا أصول الدين فلا يغني فيها التقليد المحض (^١).
/ولو جاز التقليد في أصول الدين، لكان سلف الأمة أولى بأن يقلِّدهم الناس، فإنَّ لهم مزايا يعزُّ وجودها فيمن بعدهم.
منها: قربهم من عهد النبوَّة.
ومنها: بعدهم عن التقليد لغير المعصوم. فكان الصحابة ﵃ لما علموا أن أمور الدنيا ربما يرى النبيُّ - ﷺ - رأيًا يكون غيرُه أولى منه لا يمنعهم علمهم بعظيم قدره ﵌، وتفانيهم في محبته وتوقيره، عن الإشارة عليه بخلاف رأيه. وهذا كثير في الأحاديث، وثبت في حديث جابر في شأن الجمل الذي اشتراه رسول الله ﵌ منه، قال جابر: «كنا نراجعه مرَّتين في الأمر إذا أَمَرَنَا به، فإذا أَمَرَنَا الثالثة لم نراجعه» (^٢). ومن كان له اطِّلاع على الحديث وجد المراجعة ثلاثًا موجودة في أحاديث كثيرة يكفي بعضها في تواتر هذا المعنى.
فأمَّا في أمور الدين فكانوا يعلمون عصمته ﵌ فيها فلم يكونوا يراجعونه في شيء منها إلَّا نادرًا، حيث يعلمون أنه صلَّى الله
_________________
(١) هنا انتهى ملحق ص ٤٣.
(٢) مسند أحمد ٣/ ٣٥٨ - ٣٥٩. [المؤلف]
[ ٢ / ٢٢١ ]
عليه وآله وسلَّم استند إلى اجتهاده، كما راجعه عمر ﵁ في الصلاة على ابن أبيٍّ المنافق (^١)؛ لأنَّ عمر فَهِم أنَّ النبيَّ ﵌ إنما استند في ذلك إلى رأيه. ثم كان أصاغرهم يخالفون أكابرهم في أمور الدين مع احترامهم لهم، وهكذا التابعون وأتباعهم والأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المشهورة وغيرهم يخالفون أكابر الصحابة فضلًا عن غيرهم. ولم يكن يخطر ببال العالم منهم أنَّ مخالفته مَنْ تَقَدَّمَه فيها احتقار أو سوء أدب في حقِّه، بل كان أحدهم يعترف بأنَّ مَنْ فوقه أفضلُ وأعلم منه، ولا يمنعه ذلك من مخالفته إذا ترجَّح له خلافُ قوله.
ومنها: الإخلاص، فكان أحدهم إذا سئل عما لا يعلمه حقَّ العلم لم يتوقف عن قول: لا أدري، وإذا أخطأ في شيء ثم وُقِفَ عليه لم يتوقَّف عن قوله: أخطأتُ، ولا يتكلَّم في علم لم يتقِنه، بل يقول: لا خبرة [٤٤] لي بهذا العلم، ولا يبالي بأنَّ ذلك قد ينقص مكانته في قلوب الناس ويعظم مكانة غيره من معاصريه ومخالفيه. وحسبك ما كان بين أمير المؤمنين عليٍّ وبين معاوية من النزاع، ولم يمنع ذلك معاوية أن يستفتي أمير المؤمنين عما أشكل عليه من الأحكام، كما في قضية الرجل الذي قتل آخر زاعمًا أنه وجده مع امرأته، وغير ذلك (^٢).
والعلوم كالصنائع، قد يكون الرجل نَجَّارًا ولا يحسن من الصنائع
_________________
(١) انظر: البخاريّ، كتاب الجنائز، باب ما يُكره من الصلاة على المنافقين ، ٢/ ٩٧، ح ١٣٦٦. وصحيح مسلمٍ، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، ٨/ ١٢٠، ح ٢٧٧٤. [المؤلف]
(٢) انظر: سنن البيهقيّ، كتاب الحدود، باب الشهود في الزنى، ٨/ ٢٣١. [المؤلف].
[ ٢ / ٢٢٢ ]
غيرها، ولا يمنعه ذلك أن يقال: إنه صانع ماهر، فهكذا قد يكون الرجل ماهرًا في العربية فقط كسيبويه، ولا يمنعه ذلك أن يقال: إنه عالم علَّامة إمام.
وكان أهل القرون الأولى من الورع والمعرفة بحيث إن العالم بفنٍّ لا يتعاطى الكلام في غيره، والعامَّة لا يسألون في كلِّ علمٍ إلَّا من عُرِفَتْ له الإمامةُ فيه. فكان الناس في بغداد في زمن المأمون وما بعده مَنْ أحب أن يسأل عن شيء من الحديث وفقهه سأل الإمام أحمد وأضرابه، ومَنْ أحب أن يسأل عن شيء من الرأي والقياس سأل أصحاب الإمام أبي حنيفة، ومَنْ أحبّ أن يسأل عن شيء من العربية سأل أصحاب الكسائي وأضرابهم، ومَنْ أحبَّ أن يسأل عن شيء من الورع وأمراض القلب سأل أضراب بشر الحافي وأصحابه، ومَنْ أحبَّ أن يسأل عن شي من [٤٥] المغازي والأخبار سأل أصحاب الواقدي وأمثالهم، وقس على ذلك.
وقد كان جماعة من أئمة الحديث المضروب بهم المثل إذا سئل أحدهم عن مسألة فقهية يقول للسائل: سَل الفقهاء.
ولكن في العصور الوسطى تغيَّر الحال، فكم من عارف بفنٍّ خاصٍّ تعاطى الكلام في غيره، واغترَّت العامة بشهرته فقلَّدوه في جميع العلوم.
وبالجملة فمزايا السلف كثيرة، وحسبك قول النبي ﵌: «خير أمتي القرن الذين يلوني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته».
والحديث في الصحيحين وغيرهما عن جماعةٍ من الصحابة (^١)، وفي
_________________
(١) منهم: ابن مسعودٍ ﵁. أخرج حديثه البخاريّ في كتاب الشهادات، بابٌ لا يشهد على جَوْرٍ إذا أُشْهِد، ٣/ ١٧١، ح ٢٦٥٢. ومسلمٌ ــ كما سيأتي ــ. ومنهم: عمران بن حُصَينٍ ﵁. أخرج حديثه البخاريّ في الموضع السابق، ٣/ ١٧١، ح ٢٦٥١. ومسلمٌ في كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة، ٧/ ١٨٥، ح ٢٥٣٥. ومنهم: أبو هريرة ﵁. أخرج حديثه مسلمٌ في الموضع السابق، ٧/ ١٨٥، ح ٢٥٣٤.
[ ٢ / ٢٢٣ ]
ألفاظه اختلافٌ، واللفظ الذي ذكرناه لمسلمٍ في صحيحه عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁ (^١).
وفي مسند أحمد وسنن أبي داود وغيرها عن عرباض بن سارية ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﵌ ذات يوم ثم أقبل علينا بوجهه فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال رجل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مُوَدّع فأوصنا، فقال: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن كان عبدًا حبشيًّا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديِّين، تمسّكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة» (^٢).
_________________
(١) صحيح مسلمٍ، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة، ٧/ ١٨٤، ح ٢٥٣٣. [المؤلف]
(٢) مسند أحمد ٤/ ١٢٦. سنن أبي داود، كتاب السنَّة، بابٌ في لزوم السنَّة، ٢/ ١٦٥، ح ٤٦٠٧. سنن ابن ماجه، كتاب السنَّة (المقدِّمة)، باب اتِّباع سنَّة الخلفاء الراشدين المهديِّين، ١/ ١٠ - ١١، ح ٤٢ - ٤٤. سنن الدارميّ، (المقدِّمة)، باب اتِّباع السنَّة، ١/ ٤٤، ح ٩٦. جامع الترمذيّ، كتاب العلم، باب الأخذ بالسنَّة واجتناب البدع، ٢/ ١١٣، ح ٢٦٧٦، وقال: «حسنٌ صحيحٌ». والحاكم في المستدرك، كتاب العلم، «عليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الراشدين»، ١/ ٩٤ - ٩٨، من طرقٍ، قال في بعضها: «صحيحٌ ليس له علَّةٌ»، وقال في بعضها: «صحيحٌ على شرطهما جميعًا، ولا أعرف له علَّةً»، وأقرَّه الذهبيّ. وقد صحَّحه ابن حِبَّان أيضًا (الإحسان)، في (المقدَّمة)، باب الاعتصام بالسنَّة ، ١/ ١٧٨، ح ٥. [المؤلف]
[ ٢ / ٢٢٤ ]
[٤٦] وفي سنن أبي داود وسنن الدارمي وغيرهما عن معاذ بن جبل ﵁ أنه قال: «يُفتح القرآن على الناس حتى يقرأه المرأة والصبيُّ والرجل، فيقول الرجل: قد قرأتُ القرآن فلم أُتَّبَع، والله لأقومنَّ به فيهم لعلي أُتَّبع، فيقوم به فيهم فلا يُتَّبَع، فيقول: قد قرأتُ القرآن فلم أُتَّبَع، وقد قمت به فيهم فلم أُتَّبَع، لأحتظرنَّ في بيتي مسجدًا لعلي أُتَّبَع، فيحتظر في بيته مسجدًا فلا يُتَّبَع، فيقول: قد قرأتُ القرآن فلم أُتَّبَعْ، وقمتُ به فيهم فلم أُتَّبَع، وقد احتظرتُ في بيتي مسجدًا فلم أُتَّبَع، والله لآتينَّهم بحديث لا يجدونه في كتاب الله ولم يسمعوه عن رسول الله لعلِّي أُتَّبَع، قال معاذ: فإياكم وما جاء به؛ فإنَّ ما جاء به ضلالة» (^١).
وفي سنن الدارمي أيضًا عن الحسن قال: «سننكم، والله الذي لا إله إلا هو، بينهما: بين الغالي والجافي، فاصبروا عليها رحمكم الله، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى وهم أقل الناس فيما بقي » (^٢).
وفيها أيضًا عن ابن مسعود ﵁ قال: «كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير ويربو فيها الصغير إذا تُرِكَ منها شيء [٤٧] قيل: تُرِكَت السنَّة » (^٣).
_________________
(١) سنن أبي داود، كتاب السنَّة، بابٌ في لزوم السنَّة، ٢/ ٢٧٢، ح ٤٦١١. سنن الدارميّ، (المقدِّمة)، باب تغيُّر الزمان وما يحدث فيه، ١/ ٦٦ - ٦٧، ح ٢٠٥. [المؤلف]
(٢) سنن الدارميّ، (المقدِّمة)، بابٌ في كراهية أخذ الرأي، ١/ ٧٢، ح ٢٢٢. [المؤلف]
(٣) سنن الدارميّ، (المقدِّمة)، باب تغيُّر الزمان وما يحدث فيه، ١/ ٦٤، ح ١٩١. ونحوه في المستدرك، كتاب الفتن والملاحم، ذكر فتنةٍ يهرم فيها الكبير ويربو فيها الصغير، ٤/ ٥١٤ - ٥١٥. قال الذهبيّ في تلخيصه: «قلت: (خ م)»، يعني أنه على شرط الشيخين. [المؤلف]
[ ٢ / ٢٢٥ ]
أقول: وهذا الموقوف له حكم المرفوع؛ لأنه مما لا يُقال بالرأي.
وفي كتاب ابن وضاح (^١) عن حذيفة ﵁: «أنه أخذ حجرين فوضع أحدهما على الآخر ثم قال لأصحابه: هل ترون ما بين هذين الحجرين من النور؟ قالوا: يا أبا عبد الله! ما نرى بينهما من النور إلَّا قليلًا، قال: والذي نفسي بيده لتظهرنَّ البدع حتى لا يُرى من الحق إلا قَدْر ما بين هذين الحجرين من النور، والله لتفشُونَّ البدع حتى إذا تُرِكَ منها شيء قالوا: تُرِكت السنة ». وهذا الموقوف له حكم المرفوع أيضًا؛ لأنه لا مجال للرأي فيه.
ومن أعظم مزايا السلف: ما نبَّه عليه ابن الحاج (^٢) ﵀، قال ما معناه: كان في عهد السلف إذا ابتدعت العامّة بدعة قام العلماء في إبطالها، وأما علماء الخلف فإنهم إذا ابتدع أحد من العامَّة والأمراء والأغنياء بدعةً قام العلماء في الترغيب فيها والانتصار لها وتوجيهها.
أقول: وقد صدق وبرَّ، ومَن أراد من أمرائنا وأغنيائنا فليجرِّب بأن يُحْدِثَ بدعة، ثم يستعين بالعلماء والمتصوِّفين فسيجدهم أسرع ما يكون إلى الترغيب فيها وتحريف الكتاب والسنة في سبيل تحسينها وتضليل أو
_________________
(١) ما جاء في البدع ١٢٤ ح ١٦٢.
(٢) أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد العبدري القبيلي الفاسي المالكي المشهور بابن الحاج، من تصانيفه: «المدخل إلى تنمية الأعمال»، قال فيه ابن حجر: (كثير الفوائد، كشف فيه عن معايب وبدعٍ يفعلها الناس)، توفي سنة ٧٣٧ هـ. انظر: الدرر الكامنة ٤/ ٣٥٥ - ٣٥٦. ولم أقف على هذا النقل في المدخل.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
تكفير مَن قد يتعرّض لردِّها، [٤٨] ولعلَّ الأعلم الأتقى منهم هو الذي يُلزم نفسه السكوت، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.
وبهذا هلكت الأمم السابقة، وقد قصّ الله تعالى في كتابه عن اليهود والنصارى ما فيه أعظم العبر.
وفي الكتب الموجودة بيد اليهود والنصارى الآن ويسمونها بالتوراة أشياء كثيرة من هذا القبيل، وأما النصرانية فمَن تتبع تاريخها منذ رفع عيسى ﵇ تبيَّن له أنه كان لا يزال في القرون الأولى عارفون بالحق، ولكنهم مغلوبون على أمرهم، وكانت العامَّة والملوك والأئمة المضلُّون يحدثون المقالات فيجدون من العلماء والرهبان مَنْ ينصرها، ويكفّر أو يضلِّل مَنْ يخالفها، وهذا حال جميع الأمم.
وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود أن رسول الله ﵌ قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريُّون وأصحابٌ يأخذون بسنته ويقتدون بأمره. ثم إنها تخلف من بعدهم خلوفٌ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمَنْ جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومَنْ جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردلٍ» (^١).
[٤٩] وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي سعيد الخدري عن النبيِّ ﵌ قال: «لتتبعن سنن مَن كان قبلكم شبرًا بشبرٍ، وذراعًا بذراعٍ، حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ تبعتموهم»، قلنا: يا رسول الله! اليهود
_________________
(١) مسلم، كتاب الإيمان، بابٌ النهي عن المنكر من الإيمان، ١/ ٥٠ - ٥١، ح ٥٠. [المؤلف]
[ ٢ / ٢٢٧ ]
والنصارى؟ قال: «فمن؟» (^١).
وروى البخاري نحوه عن أبي هريرة، وفيه: فقيل: يا رسول الله! كفارس والروم؟ فقال: «ومَن الناس إلا أولئك» (^٢).
وروى الشافعي بسندٍ صحيحٍ ــ كما في الفتح ــ عن عبد الله بن عمرٍو عن النبيِّ ﵌: «لتركَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كان قبلكم حُلوَها ومُرَّها» (^٣).
وفي الفتح: وأخرج الطبرانيّ من حديث المستورد بن شدَّادٍ - رفعه عن النبيِّ ﵌ ــ: «لا تترك هذه الأمَّة شيئًا من سنن الأوَّلين حتى تأتيه» (^٤).
قال في الفتح: قلت: وقد وقع معظم ما أنذر به ﵌، وسيقع بقية ذلك (^٥).
_________________
(١) البخاريّ، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنَّة، باب قول النبيِّ - ﷺ -: «لتتَّبعنَّ سنن مَن كان قبلكم»، ٩/ ١٠٣، ح ٧٣٢٠. مسلم، كتاب العلم، باب اتِّباع سنن اليهود والنصارى، ٨/ ٥٧، ح ٢٦٦٩. [المؤلف]
(٢) البخاري، الموضع السابق، ٩/ ١٠٢ - ١٠٣، ح ٧٣١٩. [المؤلف]
(٣) الفتح ١٣/ ٢٣٥. [المؤلف]. كذا، وليس في الفتح أنه مرفوع إلى النبي - ﷺ -. والحديث موقوف على ابن عمرو كما نصَّ عليه البيهقي في معرفة السنن والآثار ١/ ١٨٦. وانظر: السنن المأثورة للشافعي ص ١٣٧ - ١٣٨ ح ٣٩٨. وأخرجه كذلك ابن أبي شيبة ومحمد بن نصر في السنة وغيرهما.
(٤) الفتح ١٣/ ٢٣٥. [المؤلف]. قال الطبرانيّ: «لا يُروى هذا الحديث عن المستورد إلا بهذا الإسناد، تفرَّد به ابن لهيعة».انظر: المعجم الأوسط ١/ ١٠١، ح ٣١٣.
(٥) الفتح ١٣/ ٢٣٥. [المؤلف]
[ ٢ / ٢٢٨ ]
وفي المستدرك عن حذيفة ﵁ قال: «أوَّلُ ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة، ولتُنْقَضَنَّ عرى الإسلام عروة عروة، وليصلينَّ نساء وهنَّ حيّض، ولتسلكُنَّ طريق مَن كان قبلكم حذوَ القذة بالقذة، وحذوَ النعل بالنعل، لا تخطئون طريقهم ولا يخطئنكم (^١)، حتى تبقى فرقتان من فرقٍ كثيرة، فتقول إحداهما: ما بال الصلوات الخمس، لقد ضَلَّ مَنْ كان قبلنا، إنما قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٥] لا تصلُّوا إلَّا ثلاثًا، وتقول الأخرى: إيمان المؤمنين بالله كإيمان الملائكة، ما فينا كافرٌ ولا منافقٌ، حقٌّ على الله أن يحشرهما مع الدَّجَال».
قال الحاكم: «صحيح الإسناد»، وأقرَّه الذهبيّ (^٢).
أقول: وقد وُجِدَت الطائفتان؛ فإنَّ بالهند طائفة يسمُّون أنفسهم أهل القرآن (^٣)، يقولون: إنما الواجب ثلاث صلوات أو صلاتان، وأما الطائفة الأخرى فغلاة المرجئة. والله أعلم.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعلَّ الضمير يرجع إلى الطرق المفهومة من «طريق»، ورُسمت الكلمة في المستدرك: «ولا يخطأنكم» على لغة «خَطِئ يخطأ». وفي مسند الشاميِّين للطبرانيّ ٢/ ١٠٠، ح ٩٨٧: «ولا يُخْطَأُ لكم».
(٢) المستدرك، كتاب الفتن والملاحم، «أوَّل ما تفقدون من دينكم الخشوع»، ٤/ ٤٦٩. [المؤلف]
(٣) انظر رسالتي في الرَّدِّ على «شبهات القرآنيِّين» وقد طُبعت مرّتين في مجمَّع الملك فهدٍ لطباعة المصحف الشريف.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
سنان بن أبي سنان الديلي، عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﵌ قِبَلَ حنينٍ، فمررنا بسدرةٍ، فقلت: يا نبي الله! اجعل لنا هذه ذات أنواطٍ، كما للكفار ذات أنواطٍ، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرةٍ ويعكفون حولها، فقال النبي ﵌: [٤٩ ب] «الله أكبر! هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، إنكم تركبون سنن الذين من قبلكم».
وقال أيضًا: حدَّثنا حجَّاج، حدَّثنا ليث يعني ابن سعد، حدثني عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن سنان بن أبي سنان الدؤلي ثم الجندعي، عن أبي واقدٍ الليثيِّ، فذكره. وفيه: فقلنا يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط، فقال ﵌: «قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، إنها السنن، لتركبن سنن مَن كان قبلكم سنَّةً سنَّةً» (^١).
وكلا السندين رجاله رجال الصحيحين، وأخرجه الترمذيّ، وقال: «حسنٌ صحيحٌ» (^٢).
وأخرج الطبرانيُّ عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوفٍ، عن أبيه، عن جدِّه، نحوه (^٣).
_________________
(١) المسند ٥/ ٢١٨ [وفي الأصل: ١١٨]. [المؤلف]
(٢) جامع الترمذي، كتاب الفتن، باب ما جاء «لتركبنَّ سنن مَن كان قبلكم»، ٢/ ٢٧ - ٢٨، ح ٢١٨٠. [المؤلف]
(٣) المعجم الكبير ١٧/ ٢١، ح ١٣٧١٥.
[ ٢ / ٢٣٠ ]
وفي المستدرك «عن حذيفة: ذكروا عنده ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، فقال رجلٌ: إنَّ هذا في بني إسرائيل، فقال حذيفة: نِعْمَ الإخوة بنو إسرائيل، إن كان لكم الحلو ولهم المرُّ. كلَّا والذي نفسي بيده حتى تحذوا السنَّةَ بالسنَّةَ حذو القذَّة بالقذَّة».
قال الحاكم: «صحيحٌ على شرط الشيخين»، وأقرَّه الذهبي (^١).
وفي صحيح مسلم عن ابن عمر، عن النبيِّ ﵌ قال: «إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود [غريبًا] كما بدأ، ويَأرِزُ بين المسجدين كما تأرز الحيَّة في جُحرها» (^٢).
وقد رُوِي نحوه من حديث ابن مسعودٍ وأنسٍ وأبي هريرة وعمرو بن عوف المزنيّ وسعد بن أبي وقَّاصٍ وغيرهم (^٣).
_________________
(١) المستدرك، كتاب التفسير، تفسير سورة المائدة، «ابن أمِّ عبد من أقربهم إلى الله وسيلةً»، ٢/ ٣١٢. [المؤلف]
(٢) مسلم، كتاب الإيمان، بابٌ الإسلام بدأ غريبًا، ١/ ٩٠، ح ١٤٦. [المؤلف]
(٣) حديث أبي هريرة ﵁ أخرجه مسلمٌ في الموضع السابق، ١/ ٩٠، ح ١٤٥. وحديث ابن مسعودٍ ﵁ أخرجه أحمد ١/ ٣٩٨. والترمذيّ في كتاب الإيمان، باب ما جاء أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا، ٥/ ١٨، ح ٢٦٢٩، وقال: «حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ». وحديث سعد بن أبي وقَّاصٍ ﵁ أخرجه أحمد ١/ ١٨٤. وحديث أبي الدرداء وأبي أمامة وواثلة بن الأسقع وأنس بن مالكٍ ﵃ أخرجه الطبرانيّ ٨/ ١٥٢، ح ٧٦٥٩، وقال الهيثميّ: «وفيه كثير بن مروان، وهو ضعيفٌ جدًّا». مجمع الزوائد ٧/ ٥١٣ - ٥١٤. وحديث عمرو بن عوفٍ ﵁ أخرجه الترمذيّ في الموضع السابق، ٥/ ١٨، ح ٢٦٣٠، وقال: «حديث حسنٌ صحيحٌ». وانظر: مجمع الزوائد ١/ ٢٩٧ و٧/ ٥٤٥ - ٥٤٧.
[ ٢ / ٢٣١ ]
وأخرج الحاكم في المستدرك ــ وقال: «صحيحٌ على شرط الشيخين»، وأقرَّه الذهبيّ ــ عن عبد الله بن عمرٍو، عن النبيِّ ﵌ قال: «يأتي على الناس زمانٌ يجتمعون في المساجد ليس فيهم مؤمنٌ» (^١).
والأحاديث في هذا المعنى كثيرةٌ.
وفي فتح الباري: «قال ابن بطَّال: أعلم ﵌ أن أمَّته ستتبع المحدثات من الأمور والأهواء، كما وقع للأمم قبلهم، وقد أنذر في أحاديث كثيرةٍ بأن الآخِرَ شرٌّ، والساعة لا تقوم إلا على شرار الناس، وأن الدين إنما يبقى قائمًا عند خاصَّةٍ من الناس» (^٢).
أقول: يشير [٤٩ ج] إلى الحديث المشهور: «لا تزال طائفة من أمَّتي ظاهرين على الحقِّ، لا يضرُّهم مَن خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك». وهو في الصحيحين وغيرهما من رواية جماعةٍ من الصحابة ﵃، منهم: ثوبان ــ واللفظ له عند مسلمٍ ــ، وجابر بن عبد الله، ومعاذٌ، وأبو أمامة، وأبو هريرة، وسعد بن أبي وقَّاصٍ، وجابر بن سَمُرة، وعقبة بن عامرٍ، وسلمة بن نُفَيلٍ، وقرَّة بن إياسٍ، والمغيرة بن شعبة، ومعاوية بن أبي سفيان (^٣).
_________________
(١) المستدرك، كتاب الفتن والملاحم، «يأتي على الناس زمانٌ يجتمعون في المساجد ليس فيهم مؤمنٌ»، ٤/ ٤٤٢. [المؤلف]. وهو موقوفٌ على عبد الله بن عمرٍو ﵄.
(٢) الفتح ١٣/ ٢٣٥. [المؤلف]
(٣) انظر: البخاريّ، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنَّة، باب قول النبيِّ - ﷺ -: «لا تزال طائفةٌ من أمَّتي ظاهرين»، ٩/ ١٠١، ح ٧٣١١، [من حديث المغيرة بن شعبة]. وصحيح مسلمٍ، كتاب الإيمان، باب نزول عيسى بن مريم، ١/ ٩٥، ح ١٥٦، [من حديث جابر بن عبد الله]. وكتاب الإمارة، باب قوله - ﷺ -: «لا تزال طائفةٌ من أمَّتي ظاهرين على الحقِّ»، ٦/ ٥٢ - ٥٤، ح ١٩٢٠ - ١٩٢٥، [من حديث ثوبان، والمغيرة بن شعبة، وجابر بن سَمُرة، وجابر بن عبد الله، ومعاوية بن أبي سفيان، وعقبة بن عامرٍ، وسعد بن أبي وقَّاصٍ. وسنن أبي داود، كتاب الجهاد، بابٌ في دوام الجهاد، ٣/ ٤، ح ٢٤٨٤، من حديث عمران بن حُصَينٍ. وجامع الترمذيّ، كتاب الفتن، باب ما جاء في الشام، ٤/ ٤٨٥، ح ٢١٩٢، من حديث قرَّة بن إياسٍ، وقال: «هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ». وسنن ابن ماجه، كتاب السنَّة (المقدِّمة)، باب اتِّباع سنَّة رسول الله - ﷺ -، ١/ ٥، ح ٧. والمسند ٤/ ١٠٤ و٥/ ٢٦٩، من حديث سلمة بن نُفَيلٍ وأبي أمامة]. وانظر: فتح الباري ١٣/ ٢٢٩ - ٢٣٠. [المؤلف]. وهو معدودٌ في الأحاديث المتواترة. انظر: قطف الأزهار المتناثرة ص ٢١٦، ح ٨١.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
قال البخاريّ في صحيحه: «وهم أهل العلم».
وقال ابن المدينيّ: «وهم أصحاب الحديث».
وقال الإمام أحمد: «إن لم يكونوا أهل الحديث، فلا أدري مَنْ هم؟»، وكذا قال يزيد بن هارون (^١).
وقد استُدِلَّ به وبغيره على عصمة مجموع الأمة، فبني على ذلك حجِّيةُ الإجماع، وفيها نزاع كثير.
وعلى كلِّ حال، فأصول العقائد إنما تُبْنَى على الحجج القطعية، وقلَّما يتفق ذلك في الإجماعات المعروفة إلَّا ما كان منها على وفق ظواهر الكتاب والسنة، كما يأتي.
بل قيل: إنَّ الإجماع ــ أي وحده ــ لا يكون حجَّةً قطعيَّةً أصلًا.
_________________
(١) انظر: فتح الباري ١٣/ ٢٢٩. [المؤلف]
[ ٢ / ٢٣٣ ]
الأحاديث الآمرة بالتمسك بالجماعة والسواد الأعظم لا تدل على التقليد
والقائلون بأنه قد يكون حجَّةً قطعيَّةً يشترطون أن يُعْلَم بالعلم القطعي أنَّ أهل العصر محصورون في عدد كذا، ثم يُنقل ذلك القول عن كلِّ فرد منهم بالتواتر، أي: ينقله عن زيد جماعةٌ يستحيل عادةً تواطؤُهم على الكذب وحصوله منهم اتفاقًا، فيحصل العلم القطعي بأنَّ ذلك الرجل قاله، كعلم المطَّلِع على أخبار العالم في هذا العصر أنَّ (باريس) اسم مدينة للفرنسيس، وينقله عن عمرٍو جماعة كذلك، وعن خالد كذلك، حتى يستغرق جميع أفراد ذلك العصر، ويُعْلمَ قطعًا أنهم استمرُّوا على ذلك القول إلى أن ماتوا، وأنَّ كل واحد منهم قاله غير مكرَه، ويعلم قطعًا أنه لم يخالفهم أحد قبل انقراض عصرهم، وأنه لم يكن قبلهم في الأمة مَنْ يقول بخلاف قولهم، وأن يتسلسل النقلُ إلينا بالتواتر [٥٠] التفصيليّ القطعيِّ في كل درجة، إلى غير ذلك من الشرائط المسطورة في كتب الأصول (^١)، فإن لم تجتمع فغايته أن يكون حجَّة ظنيَّة بشرطه. فلا يصلح للتمسك في أصول العقائد إلَّا إذا انضمَّ إليه أدلَّةٌ أخرى من ظواهر القرآن وعِدَّة من الأحاديث، بحيث يكون كلُّ فرد منها مفيدًا للظن، ولكن مجموعها يفيد القطع.
وإذا كان هذا حال الإجماع، فما بالك بقول الأكثر؟
فإن قيل: فأين الأحاديث الآمرة بالتمسك بالجماعة والسواد الأعظم؟
قلت: فما تصنع أنت بحديث الطائفة وغيره مما مرّ؟ وقد مرّ كلام ابن بطَّالٍ. ثم ما تصنع إذا دلّ كتاب الله تعالى أو سنة رسوله ﵌ على معنىً، وقولُ الأكثر على خلافه؟ وهذا كثيرٌ.
_________________
(١) انظر: قواطع الأدلَّة ٣/ ٢٥٠، ٢٧٠،، ٢٩٦، ٣٠٣، ٣١٠، ونهاية السول ٣/ ٣٠٣ فما بعدها.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
لا مخرج إلا أحد أمرين:
الأول: أن يقال: إن أحاديث الجماعة والسواد الأعظم خاصة بما إذا لم يوجد دليل من الكتاب ولا من السنة، وعلى هذا يدل قول الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
والأدلَّة في هذا من الكتاب والسنَّة كثيرةٌ. وعلى [٥١] ذلك كان عمل الصحابة، فقد جاء عن أبي بكرٍ ﵁ أنه كان إذا عرضت حادثةٌ يقضي بالكتاب، فإن لم يجد فبالسنَّة، فإن لم يجد شاور الناس (^١).
وعن عمر ﵁ أنه كان يقضي بالكتاب، فإن لم يجد فبالسنَّة، فإن لم يجد فبما قضى به أبو بكرٍ، فإن لم يكن شاور الناس (^٢).
وعلى هذا يدلُّ كتابه إلى شريح (^٣). وروي نحو ذلك عن ابن مسعود (^٤).
_________________
(١) انظر: سنن الدارميّ، (المقدِّمة)، باب الفتيا وما فيها من الشدَّة، ١/ ٥٨، ح ١٦٣. وإعلام الموقعين ١/ ٧٤ - ٧٥. [المؤلف]
(٢) انظر: إعلام الموقعين ١/ ٧٤ - ٧٥. [المؤلف]
(٣) انظر: سنن النسائيّ، كتاب آداب القضاة، الحكم باتِّفاق أهل العلم، ٢/ ٣٦٠، ح ٥٤١٤. وسنن الدارميّ، الموضع السابق، ١/ ٦٠، ح ١٦٩. وانظر: إعلام الموقعين ١/ ٦١ - ٦٢.
(٤) انظر: المستدرك، كتاب الأحكام، الخصمان يقعدان بين يدي الحاكم، ٤/ ٩٤، سنن النسائيّ، الموضع السابق، ٢/ ٣٠٦، ح ٥٤١٢. سنن الدارميّ، الموضع السابق، ١/ ٥٩، ح ١٦٧. [المؤلف]
[ ٢ / ٢٣٥ ]
وعن ابن عباس أنه كان إذا سئل عن الأمر فكان في القرآن أخبر به، وإن لم يكن في القرآن وكان عن رسول الله ﵌ أخبر به، فإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر، فإن لم يكن قال فيه برأيه (^١).
وفي طبقات ابن سعد: «أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: كان ابن عباس» فذكر نحوه (^٢).
وفي سنن البيهقي من طريق ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن بكير بن عبد الله أخبره، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مسلمة بن مخلد، أنه قام على زيد بن ثابت فقال: يا ابن عم: أُكرِهْنا على القضاء، فقال زيد: اقض بكتاب الله ﷿، فإن لم يكن في كتاب الله ففي سنة النبي ﵌، فإن لم يكن في سنة النبي ﵌ فادع أهل الرأي، ثم اجتهد، واختر لنفسك، ولا حرج (^٣).
وعلى هذا كان عمل أئمة التابعين وعلماء السلف، كالأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المشهورة، ترى أحدهم إذا ظفر بدلالة من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله ﵌ قال بها، وإن كان جمهور الأمة على خلافها.
_________________
(١) سنن الدارميّ، الموضع السابق، ١/ ٥٩، ح ١٦٨. ونحوه في المستدرك، كتاب العلم، الناس كانوا لا يكذبون في عهد النبيِّ - ﷺ -، ١/ ١٢٧. قال الحاكم: «صحيحٌ على شرط الشيخين»، وأقرَّه الذهبيّ. [المؤلف]
(٢) الطبقات ٢/ ١٠١.
(٣) سنن البيهقي، كتاب آداب القاضي، باب ما يقضي به القاضي ، ١٠/ ١١٥. [المؤلف]
[ ٢ / ٢٣٦ ]
الأمر الثاني: ما نقله الشاطبي في الاعتصام (^١) عن ابن جرير الطبري، وحاصله: أن أحاديث السواد الأعظم خاصَّة بمسألة الإمارة، والمعنى أنه إذا اجتمع أكثر المسلمين على تأمير أحدهم وجب عليهم وعلى غيرهم طاعته.
أقول: وهذا هو الذي يدلُّ عليه سياق تلك الأحاديث، وقد بُيِّنَ في بعضها أن المراد الطاعة في غير معصية الله تعالى، وقد دلّت على ذلك الآية السابقة، وبَيَّن في بعض الأحاديث أنَّ الخروج على الأمير لا يجوز إلَّا أن يكفر كفرًا بواحًا أو يترك الصلاة.
وعلى هذا أو ما في معناه يُحْمَل عمل الحسين بن علي ﵉، ثم خلاف ابن الزبير وأهل المدينة ثم ابن الأشعث ومن خرج معه من الأئمة كسعيد بن جبير والشعبي وغيرهما.
وبالجملة، فالنظر في هذه المسألة مبنيٌّ على الأصل الإسلامي المشهور، وهو أنه إذا تعارضت مفسدتان ولم يكن بدٌّ من ارتكاب إحداهما وجب ارتكاب الصغرى لدرء الكبرى. وَمِنْ هنا يُعْلَمُ عُذْرُ أهلِ السنة بعد القرن الأول في حظر الخروج على السلطان مادام مسلمًا، فإنَّ التجارب علّمتهم أنَّ نتيجة الخروج تكون أعظم فسادًا وشرًّا وضرًّا مما كان قبله.
والمقصود أنَّ أحاديث الجماعة والسواد الأعظم لا حجة فيها على أنَّ قول الأكثر يكون حجة شرعية في المسائل العلمية، ولا سيَّما فيما يُطْلَبُ فيه العلم القطعيُّ من أصول الدين.
هذا مع أنَّه إذا فُرض ضلالُ الأكثر في أصلٍ من أصول الدِّين الكلِّيَّة، فقد
_________________
(١) ٣/ ١٤٠. نقل في الاعتصام أقوالًا أخرى فراجعها إن أحببت. [المؤلف]
[ ٢ / ٢٣٧ ]
خرجوا بذلك عن رسم الأمة فلا يصدق عليهم الجماعة ولا السواد الأعظم؛ لأنَّ المراد جماعة المسلمين، والسواد الأعظم منهم، كما هو ظاهر، والله أعلم.
وليس غرضي مما تقدَّم الحكمَ على أكثر الأمَّة بالضلال، وإنما مقصودي أن يعلم الناظر أنَّ ذلك أمر محتمل في نفسه، فلا يصُدُّه حسن الظن عن تدبُّر كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﵌ وما كان عليه سلف الأمة. (^١) فأما حديث البخاري وغيره عن عقبة بن عامرٍ في صلاة النبي ﵌ على شهداء أحد وخطبته بعد ذلك وقوله: «وإني والله ما أخاف أن تشركوا بعدي» (^٢)، فقال الحافظ في الفتح: أي على مجموعكم؛ لأنَّ ذلك قد وقع من البعض، أعاذنا الله تعالى (^٣).
وأشار في موضعٍ آخر إلى أنه خاصٌّ بالصحابة؛ لأنهم المخاطَبون، وعبارته: «ووقع من ذلك في هذا الحديث إخباره وبأنَّ أصحابه لا يشركون بعده، فكان كذلك» (^٤).
وفي صحيح مسلمٍ من طريق أبي سفيان عن جابرٍ قال: سمعت النبي
_________________
(١) من هنا يبدأ ملحق ٥٢.
(٢) أخرجه البخاريُّ في كتاب الجنائز، باب الصلاة على الشهيد، ٢/ ٩١، ح ١٣٤٤، ومواضع أخرى. ومسلمٌ في كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبيِّنا - ﷺ - وصفاته، ٧/ ٦٧، ح ٢٢٩٦، من حديث عقبة بن عامرٍ ﵁.
(٣) الفتح ٣/ ١٣٩. [المؤلف]
(٤) الفتح ٦/ ٤٠٠. [المؤلف]
[ ٢ / ٢٣٨ ]
﵌ يقول: «إنَّ الشيطان قد أيس أن يعبده المصلُّون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم».
قال الأُبِّيُّ: «يعارضه ما يأتي في الأشراط من أمر دوسٍ، ويُجاب أنَّ الإياس المذكور هو قبل قرب قيام الساعة، وعبادة دوسٍ من الأشراط، أو يقال: إن ذلك الإياس إنما هو من الشيطان، ولا يضره عدم صدقه» (^١).
ويعني بأمر دوسٍ ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة أنَّ النبيَّ ﵌ قال: «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أَلَيَاتُ نساء دوسٍ على ذي الخَلَصَة»، وذو الخَلَصَة: طاغية دوسٍ التي كانوا يعبدونها في الجاهلية (^٢).
وأخرج مسلمٌ وغيره من حديث عائشة قالت: سمعت النبي ﵌ يقول: «لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللات والعزَّى»، فقلت: يا رسول الله! إن كنتُ لأظنُّ حين أَنْزَلَ الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣، والصف: ٩] أن ذلك تامًّا (^٣)، قال: «إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحًا طيبة فتَوَفَّى كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان،
_________________
(١) إكمال إكمال المعلم ٧/ ٢٠٦. [المؤلف]
(٢) البخاريّ، كتاب الفتن، باب تغيير الزمان حتى يعبدوا الأوثان، ٩/ ٥٨، ح ٧١١٦. مسلم، كتاب الفتن ، بابٌ لا تقوم الساعة حتى تعبد دوسٌ ذا الخلَصة، ٨/ ١٨٢، ح ٢٩٠٦. [المؤلف]
(٣) كذا في الأصل وفي صحيح مسلمٍ، والتقدير: يكون تامًّا، كما في الطبريّ ٢٣/ ٣٦١، والمستدرك ٤/ ٤٤٧ وتلخيصه.
[ ٢ / ٢٣٩ ]
فصل (في بيان أن تقليد المنسوبين إلى الصلاح أدنى درجة من تقليد أهل العلم)
فيبقى مَنْ لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم» (^١).
أقول: هو صريح في أنه بعد بعث الريح يعمّ الكفر وتُعبد اللات والعزى، وأما قبل ذلك فلا يَعُمُّ ولا تعبد اللات والعزى، ولكنه يقع من بعض الناس الكفر بغير ذلك، كما بيّنته الأحاديث الأخرى، والله أعلم.
وأما حديث أحمد عن شدَّاد بن أوس، وفيه: « قلت: يا رسول الله: أتشرك أمتك من بعدك؟ قال: «نعم، أما إنهم لا يعبدون شمسًا ولا قمرًا ولا حجرًا ولا وثنًا، ولكن يراؤون بأعمالهم، والشهوة الخفية» (^٢)، ففي سنده (^٣) عبد الواحد بن زيدٍ القاصّ وهو مجمع على ضعفه، كما في تعجيل المنفعة ولسان الميزان. والله أعلم (^٤).
فصل
[٥٣] وإذا كان الأمر كما علمت في تقليد العلماء؛ فما بالك بتقليد المنسوبين إلى الخير والصلاح بدون أن يكونوا أئمة في العلم؟ وقد كان في السلف الصالح كثير من الزهاد والعباد، فلم يكن الناس يرجعون إليهم ولا إلى أقوالهم في الأمور العلمية، وإنما كانوا يرجعون إليهم في دقائق الورع، وترقيق القلوب، ومداوة النفوس، ونحو ذلك.
وأنت خبير أنَّ التقليد في المسائل الظنيات شرطه أن يكون لمجتهد
_________________
(١) مسلم، الموضع السابق، ٨/ ١٨٢، ح ٢٩٠٧. [المؤلف]
(٢) المسند ٤/ ١٢٣.
(٣) أصاب هاتين الكلمتين بللٌ فلم تظهرا كاملتين، والمثبَت اجتهادٌ منِّي.
(٤) انتهى ملحق ص ٥٢.
[ ٢ / ٢٤٠ ]
مُسَلَّمٍ له الاجتهاد، وأنَّ عامَّة الأولياء الذين شاع بين الأمة تقليدهم كانوا مقلِّدين، ومَنْ قيل: إنه بلغ رتبة الاجتهاد منهم لم يعترف له أهل عصره بذلك.
ولما بحثت عن أسباب تقليد الناس لمن يظنون به الخير والصلاح، وجدتُ أنه قد سرى إلى أذهانهم اعتقاد العصمة لكثير من أولئك، حتى لقد يغلو بعضهم فيُثْبِت لبعض الأولياء كمالات لا يثبتها للأنبياء، وينزهه عن أشياء لا ينزه عنها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولقد يُنْقَل له نقلًا (^١) صحيحًا أو متواترًا أو يشاهِد بعينيه أنَّ فلانًا الذي يعتقد فيه يترك الصلاة ويشرب الخمر ويفعل ويفعل، فيقول: نعوذ بالله من فساد العقيدة ومن حرمان بركة الصالحين، إنما كان [٥٤] سيدي فلان يتستر من الناس لئلا يعلموا منزلته عند الله، أو يختبر الناس ليظهر الموفَّق الذي لا تَزَلْزَلُ عقيدتُه من المحروم الذي يغترُّ بالظواهر، فكان يظهر للناس أنه عندهم ولم يصلّ، مع أنه في الحقيقة بمكة أو بالمدينة أو بجبل قاف أو نحو ذلك، ويظهر لهم أنه يشرب الخمر والواقع أنَّ الخمر كانت تستحيل في يده إلى شراب طهور.
ومنهم من يعترف بفعل سيده فلان بعضَ تلك الأعمال، ويقول: فَعَلَها وفَعَلَ غيرَها؛ لأنه قد وصل إلى الله تعالى، وتخلَّص من حيطة التكليف، فإنَّ الشريعة إنما فُرِضَتْ لأجل الوصول، فَمَنْ وَصَلَ ارتفعت عنه التكاليف.
وأحْسَنُ الغلاةِ حالًا مَنْ يقول: فَعَلَ ذلك الولي هذه الأمور لِحِكَمٍ لا نعلمها، أو لعلَّه ألهمه الله ﷿ إباحتها له، أو رأى النبيَّ صلَّى الله عليه
_________________
(١) كذا في الأصل، وهو مفعول مطلقٌ. وقوله: (أنَّ فلانًا) نائب فاعلٍ لـ (يُنقَل)، أو مفعولٌ لـ (يشاهِد).
[ ٢ / ٢٤١ ]
وآله وسلَّم فأذن له فيها، أو أمره بها.
وأقربهم مَنْ يقول: لعلّ ذلك الصالحَ فَعَلَ هذه الأمور وهو في حال الغيبوبة عن هذا الكون، والاستغراق في أنوار التجلِّيات.
وأضرُّهم على الإسلام والمسلمين مَنْ يقول: فِعْلُ ذلك القطب لهذه الأمور يدلُّ على مشروعيتها، وأن فعلها يُقَرِّب إلى الله ﵎ [٥٥] وما خالف ذلك من ظواهر الكتاب والسنة له تأويل يعلمه أولياء الله تعالى. كيف لا وهم أعرف بالله وبكتابه ورسوله، وهم دائمًا حاضرون عند الله تعالى يُعَلِّمُهم ما لا يعلم غيرهم، ومشاهدون للوح المحفوظ، والملائكة تنزل عليهم، ويجتمعون بالنبي ﵌ متى شاؤوا.
وقد يتعدَّى بعضهم هذا الحدَّ فيقول: إن الوليَّ إذا استحسن شيئًا كان عند الله تعالى حسنًا؛ لأن الله تعالى يحبه، فيحبُّ كل ما أحبَّه.
وفي طبقات الصوفية ومناقب الأولياء قصص كثيرة مما قدَّمنا الإشارة إليه، وتجدهم عند ذكر شيء منها يُعْقِبُونه بالتعوذ بالله تعالى من سوء الاعتقاد في الصالحين ومن حرمان بركتهم، ويتأولون فعلهم بشيء مما تقدم.
واغتنم الفساقُ هذا الأمر، فصار بعضهم يتظاهر بِزِيِّ المتصوفة، ثم يفعل ما بدا له. بل اغتنم ذلك أعداء الإسلام الملحدون فصاروا يتظاهرون بِزِيِّ المتصوفة، ويستعملون الألفاظ الشائعة بين المتصوفة، ثم يصرِّحون بكفرهم وإلحادهم جهارًا، قائلين في أنفسهم: مَنْ ضل بهذا الكلام فقد اصطدناه، [٥٦] ومَنْ لم يضلَّ به فلا علينا؛ لأن من كان راسخ العقيدة في الإسلام سيحمل كلامنا على تأويلات بعيدة، أو يقتصر على زَعْم أن كلامنا على غير ظاهره، وأنه إنما يفهمه أهل الذوق والمعرفة؛ وعلى كلِّ حال فإن
[ ٢ / ٢٤٢ ]
فصل (في بيان الباعث على تقليد الصوفية والغلو فيهم)
اعتقادهم فينا الصلاح لا يتزلزل، وتبقى كتبنا متداوَلةً بينهم، يضلُّ بها في كل يوم جماعة.
أقول: وقد صدق ظنهم، فصار الضلال بكتبهم كثيرًا، ولا يستطيع أحد الإنكار عليهم؛ إما خوفًا من سطوتهم الروحية إن كان يعتقد فيهم، وإما خوفًا من أكثر الناس، وهكذا أُميت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والله المستعان.
وقد قال الله ﵎: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
فقوله: ﴿تَأْمُرُونَ﴾ إلخ، في معنى بيان السبب في الخيرية، فدلّ ذلك على أن مَنْ تَرَكَ ذلك فلا نصيب له في الخيرية.
وقد نظرت في الأمر الباعث للغلاة على اعتقاد العصمة في غير الأنبياء، فوجدته اعتقاد الولاية فيهم، ونظرت في سبب اعتقاد الولاية، فإذا هو ما شاع بينهم من ظهور بعض الغرائب على أيدي أولئك، فأحببت أن أُبَيِّن لك حال الخوارق، هل تدل على ولاية مَنْ ظهرت على يده؟ ثم أبيِّنُ لك حال الولاية.
[٥٧] فصل
واعلم أن الباعث على تقليد الصوفية والغُلوِّ فيهم أمران:
الأول: ما ينقل عن أحدهم من الخوارق.
الثاني: اعتقاد أنهم يطَّلعون على الغيب.
[ ٢ / ٢٤٣ ]
فأما الثاني فسيأتي الكلام عليه في الطريق الرابع (^١).
وأما الأول فتقرير ما قام بأنفس العامة من الاحتجاج به أن يُقال: كما أن الخارقة إذا وقعت على يد مدّعي النبوة دلت على صدقه، فكذلك إذا وقعت على يد الصالح دلت على ولايته. وإذا ثبتت ولايته ثبت أنه كان على حق، فثبت أنّ كلَّ ما جاء عنه حق.
فأقول مستعينًا بالله ﷿:
اعلم أولًا أنني بحمد الله تعالى لا أنكر الولاية ولا الكرامات، وأني بفضل الله ﷿ أحب كلَّ من عُرِف بالخير والصلاح والولاية، وأرجو الله ﵎ أن ينفعني بمحبتي لهم.
واعلم أيضًا أنني على يقين بأن ما أكتبه هاهنا مرضي عند أولياء الله تعالى؛ لأن فيه تبرئة لهم عما يظنه بهم الجاهلون وينسبه إليهم الغافلون، وتمييزًا لهم عمن يتستر بدعوى أنه منهم وهو أبعد الناس عنهم.
ثم اعلم أن الخوارق المنقولة عن صُلحاء المسلمين إذا وزنّاها بما توزن به سنة رسول الله ﵌ وجدنا غالبها لا يثبت. ولا تَسْتَبْعِدَنَّ الكذب في اختلاق الكرامات، فإن الناس قد كذبوا على ربهم، فنسبوا إليه الابن والبنات والشركاء، وادعى بعضهم الألوهية، وبعضهم النبوة، وبعضهم أنه يوحى إليه. وكذبوا على رسول الله ﵌ كما تقدَّم، مع أن الكذب عليه كذب على الله ﷿، لقوله تعالى:
_________________
(١) وهو بحث «الاطلاع على الغيب» الذي يشمل الإلهام والكشف كما يتضح من نسخة (ب) المشوَّشة.
[ ٢ / ٢٤٤ ]
﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]. والكذب على الله ﷿ كفر بواح، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٣٢].
وقد صرَّح بعض أهل العلم بأن الكذب على النبي ﵌ كفر، وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى (^١).
وقال أهل العلم ــ والعبارة لابن الصلاح في مقدمته ــ: «والواضعون للحديث أصناف، وأعظمهم ضررًا قوم من المنسوبين إلى الزهد، وضعوا الحديث احتسابًا [أي: طلبًا للأجر والثواب] زعموا، فتقبل الناس موضوعاتهم ثقة منهم بهم وركونًا إليهم، ثم نهضت جهابذة الحديث بكشف عوارها ومحو عارها، والحمد لله» (^٢).
وفي صحيح مسلمٍ عن الإمام يحيى بن سعيدٍ القطّان قال: «لم نر أهل الخير في شيءٍ أكذب منهم في الحديث» (^٣).
وذكر غيره أن أكثر الأحاديث المكذوبة على النبي ﵌ وضعها أصحابها تعصُّبًا لمذاهبهم.
أقول: فهكذا كثير من الخوارق المنقولة عن الصالحين اخترعها متبعوهم زاعمين أن ذلك يقرِّبهم إلى الله ﷿ وإليهم، بل قد يقول بعضهم: إن الولي الفلاني أهلٌ لأن تجري على يده جميع الخوارق، فكلُّ
_________________
(١) انظر: ص ٨٨٩ فما بعدها.
(٢) مقدِّمة ابن الصلاح (علوم الحديث)، النوع الحادي والعشرون، ص ٢٧٩ - ٢٨٠.
(٣) مسلم، (المقدِّمة)، باب بيان أن الإسناد من الدين، ١/ ١٣ - ١٤. [المؤلف]
[ ٢ / ٢٤٥ ]
خارقة [٥٩] تخيَّلتها صحّ لك أن تنسبها إليه، ولا يكون ذلك كذبًا؛ ويقول: إن لذلك الولي الحظَّ الكامل من وراثة النبي ﵌، وقد قال صاحب البردة:
دع ما ادَّعته النصارى في نبيِّهمُ واحكم بما شئت مدحًا فيه واحْتَكِم
وانْسُب إلى ذاته ما شئت من شرف وانْسُبْ إلى قدره ما شئت مِنْ عِظَمِ
فإن قَدْر رسول الله ليس له حدٌّ فيُعْرِب عنه ناطق بفم (^١)
زاعمًا أن هذا حجة على أن للإنسان أن ينسب إلى النبي ﵌ ما شاء من الخوارق سواء رويت أم لم ترو.
وقد يكون الشيخ المنسوب إليه الخارق خيِّرًا في نفسه، ولكنه ابتُلِي بأولاد وأتباع يحبون أن يأكلوا بسببه الدنيا، فيخترعون الخوارق ويدّعونها له ويلبِّسون على الشيخ نفسه، فيقول له هذا: رأيتك يا سيدي في المنام كذا وكذا، ويقول له الآخر: وقعت لي شدة فاستغثت بك فجئت وأنقذتني منها، وهكذا لا يزالون به حتى يعتقد في نفسه أنه من أهل الكرامات.
وفي المثل الفارسي: «بِيرانْ نَمِي بَرَنْد ومُرِيدَانْ مِيْ بَرَانَنْدْ». ومعناه: المشايخ لا يطيرون، ولكن المريدين يُطَيِّرُونهم.
[٦٠] فأما إذا كان الشيخ نفسه يميل إلى الشهرة وبعد الصيت ومحبة الدنيا فالأمر أوضح، وهذه أمور قد شاهدنا بعضها.
وقد يتعصب المريد لشيخه على شيخ آخر في عصره، فيحرص على أن ينسب لشيخه الخوارق والكرامات. وكثيرًا ما يفعل المريدون ذلك بعد
_________________
(١) ديوان البوصيريّ ص ٨ - ٩.
[ ٢ / ٢٤٦ ]
موت الشيخ ليكون لهم بذلك جاه وشهرة، وليحملوا الناس على كثرة زيارة ضريحه، وبذل أموالهم على سبيل النذر وغيره، فيتمتع بها أولئك الفجار، ومَنْ وقف على كتب القادرية والرفاعية عرف إلى أي حدٍّ يصل التعصب بين أتباع المشايخ. وكثيرًا ما تكون الغرائب المنقولة حِيَلًا دَبَّرها أتباع الشيخ بحضرته أو عند قبره، وقد وقفنا على بعض ذلك.
وأما سبب انتشارها بين الناس فهو أنَّ للطباع البشرية وُلُوعًا (^١) بذكر العجائب والغرائب، كما تراه منتشرًا بينهم من أخبار الجن والغِيلان والكيمياء وعجائب المخلوقات. وغالب ذلك مما لا أصل له، وإنما يختلق الإنسان شيئًا من ذلك مدحًا لنفسه أو لمن له علاقة به، [٦١] أو تكون جرت له قصة توهَّم فيها خارقًا، كمن يخيل له بعض الخيالات في النوم ويستيقظ بسرعة فيتوهم أنه لم يزل مستيقظًا، وأن الأمر الذي تخيَّل له كان يقظة؛ أو كان في ظلمة وخوف، فتوهَّم شيئًا، فذهب يحكيه على أنه أمر واقع، أو يكون احتال عليه بعض الناس بحيلة أوهمته تلك الواقعة.
والغالب في هؤلاء أنهم إذا حكوا الحكاية وأراد بعض العقلاء أن يناقش فيها حملهم ذلك على أن يسدِّدوا مواضع الخلل والاحتمال فيها بالكذب. ثم يتلقَّى الناس تلك الحكايات وينشرونها لحرصهم على الإغراب والتعجيب، وكثيرًا ما يكملها الحاكي بالكذب إذا رآها غير وافية بالتعجيب ويدافع عنها إذا قوبلت بالتكذيب، فيزعم أن الذي أخبره ثقة، أو أن الحكاية متواترة أو نحو ذلك.
_________________
(١) هكذا ضبطه المؤلف بضم الواو، ونصّت عامَّة المعاجم على أنَّ هذا المصدر من المصادر القليلة التي تأتي على فَعول.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
فأما إن حكيت تلك الغريبة على أنها كرامة فإن الدواعي إلى نقلها ونشرها أشدُّ؛ لما تقدَّم، ومقابلتها بالشك أو التردد بعيد جدًّا عند العامة وكثيرٍ من المنتسبين إلى العلم؛ لأنهم يعتقدون أنَّ الشك في مثل ذلك شكٌّ في قدرة الله ﷿ وفساد عقيدة، فترى أحدهم يُكْرِهُ نفسه على التصديق بذلك خوفًا من الكفر وفساد العقيدة ولا يسمع أحدًا يُكَذِّبها أو يستبعدها أو يتردَّد في صِحَّتها [٦٢] إلا ناله بما يكره.
ولما صار أكثر المنتسبين إلى العلم في القرون المتأخرة يتزلَّفون إلى العامة وإلى مَن تعتقد فيه العامة جَارَوْهُم على هواهم، وأحسنهم حالًا مَنْ يعتصم بالسكوت.
والحاصل أنَّ من أراد أن يعلم في شيء من تلك الخوارق المحكية عن بعض المعتقَد فيهم أثابتة هي أم لا؟ فعليه أن يختبرها بما تُخْتَبَرُ به سنة النبي ﵌ ومعجزاته.
ومَن كان له اطِّلاع على علم الحديث وكلام أهله والكتب التي أُلِّفَتْ في الموضوعات علم أنَّ كثيرًا من الموضوعات قد اغترَّ بها أئمة أكابر كالغزالي وإمام الحرمين والزمخشري والبيضاوي وغيرهم، فأدرجوها في كتهبم، بل إنَّ أئمة الحديث ليوردون في كتبهم التي لم يلتزموا فيها الصحة كثيرًا من الأحاديث الموضوعة ولا يُنَبِّهون على وضعها مكتفين بأنهم لم يلتزموا الصحة، وأن على من رأى حديثًا في كتبهم ينبغي له أن يبحث عن درجته. ويقع هذا كثيرًا في مؤلفات ابن منده وأبي نعيم والخطيب وابن عساكر وغيرهم. بل وقع بعضه في الكتب التي قيل إنها خاصة بالصحاح، ولا سيَّما المستدرك، ولم يَعُدَّ أحدٌ من العلماء ذلك دليلًا على
[ ٢ / ٢٤٨ ]
فصل (في أقسام الغرائب والخوارق)
صحَّتها، بل صرَّحوا بوضعها واعتذروا عن أولئك الأكابر. فكذلك لا ينبغي أن يُسْتَدَلَّ على صحة شيء من هذه الغرائب بإدراج بعض العلماء المشهورين لها في كتبهم، على أنَّ كثيرًا منهم يتسامحون في ذلك؛ لزعمهم أن ما كان من باب المناقب والفضائل يجوز التساهل في روايته؛ لأنه لا يبنى عليه حكم شرعيٌّ لا قطعيٌّ ولا ظنِّيٌّ. [٦٣] وقد نُقِلَ نحوُ هذا عن الأئمة المتقدمين وشرطوا ألّا يشتمل على شيء من الأحكام، وألّا يبنى عليه شيء من الأحكام، وقد حققت هذا البحث في رسالة مستقلة (^١). والحمد لله.
فصل
فإذا صحَّ وثبت وقوع شيء من الغرائب عن رجل من المسلمين (^٢) كان عليك حينئذٍ أن تعرف من أيّ الأقسام هو، فقد قسم أهل العلم الغرائب إلى قسمين: خوارق وغيرها.
وذكروا أن الخوارق على أربعة أضرب: معجزة، وكرامة، واستدراج، وإهانة.
فالمعجزة مخصوصة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
والكرامة بالأولياء والصالحين، وأنكرها المعتزلة والأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني من كبار أئمة أهل السنة، قال: كل ما جاز تقديره معجزة لنبيٍّ لا يجوز ظهور مثله كرامةً لوليٍّ، وإنما مَبَالِغُ الكرامات إجابة دعوة أو موافاةُ
_________________
(١) هي: رسالة «حكم العمل بالحديث الضعيف».
(٢) هنا لَحَق بقدر ثمان كلمات، ظهر منها: (لزم النظر فيها أخارق هي أم لا؟)، مع أنَّ الكلام يستقيم بدونها.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
ماءٍ في بادية من غير توقُّع المياه، أو نحو ذلك مما ينحطُّ عن خرق العادات.
وقال الإمام القشيريّ ــ وهو من أئمَّة أهل السنَّة العارفين بالتصوُّف ــ: لا تنتهي الكرامة إلى نحو ولدٍ دون والدٍ، وقلب جمادٍ بهيمةً.
قال التاج السبكي: وهذا حق يخصص قول غيره: ما جاز أن يكون معجزة لنبيٍّ جاز أن يكون كرامة لوليٍّ (^١).
وقال الحافظ ابن حجرٍ في فتح الباري في باب غزوة الرجيع، في الكلام على مقتل خُبَيبٍ ﵁ وقول المرأة: «لقد رأيتُه يأكل من قِطْف عنبٍ وما بمكَّة يومئذٍ ثمرةٌ، وإنه لموثقٌ في الحديد، وما كان إلا رزقٌ رزقه الله خُبَيبًا».
قال الحافظ: «قال ابن بطَّالٍ: هذا يمكن أن يكون الله جعله آيةً على الكفار وبرهانًا لنبيِّه لتصحيح رسالته، قال: فأما مَن يدَّعى وقوع ذلك له اليوم بين ظهراني المسلمين فلا وجه له؛ إذ المسلمون قد دخلوا في الدين وأيقنوا بالنبوَّة، فأيُّ معنىً لإظهار الآية عندهم؟ ولو لم يكن في تجويز ذلك إلا أن يقول جاهلٌ: إذا جاز ظهور هذه الآيات على يد غير نبيٍّ فكيف نصدِّقها من نبيٍّ والفرض أن غيره يأتي بها؟ لكان في إنكار ذلك قطعًا (^٢) للذريعة، إلى أن قال: إلا أن يكون وقوع ذلك مما لا يخرق عادةً ولا يقلب عينًا، مثل أن يكرم الله عبدًا بإجابة دعوةٍ في الحين ونحو ذلك مما يظهر فيه فضل الفاضل وكرامة الوليِّ، ومن ذلك حماية الله تعالى عاصمًا لئلا ينتهك عدوُّه حرمته، انتهى.
_________________
(١) انظر: شرح المحلِّي على جمع الجوامع مع حاشية البناني ٢/ ٢٦٢ - ٢٦٣. [المؤلف]
(٢) كذا في الأصل وفتح الباري.
[ ٢ / ٢٥٠ ]
والحاصل أن ابن بطَّالٍ توسَّط بين مَن يثبت الكرامة ومَن ينفيها، فجعل الذي يُثبَت ما قد تجري به العادة لآحاد الناس أحيانًا، والممتنعَ ما يقلب الأعيان مثلًا.
والمشهور عن أهل السنَّة إثبات الكرامات مطلقًا، واستثنى بعض المحقِّقين منهم كأبي القاسم القشيريِّ ما وقع به التحدِّي لبعض الأنبياء، فقال: ولا يصلون إلى مثل إيجاد ولدٍ من غير أبٍ ونحو ذلك. وهذا أعدل المذاهب في ذلك؛ فإن إجابةَ الدعوة في الحال وتكثيرَ الطعام والماء والمكاشفةَ بما يغيب عن العين والإخبارَ بما سيأتي ونحو ذلك قد كثر جدًّا حتى صار وقوع ذلك ممن ينسب إلى الصلاح كالعادة، فانحصر الخارق الآن فيما قاله القشيريُّ، وتعيَّن تقييد قول مَن أطلق أن كلَّ معجزةٍ وُجِدَتْ لنبيٍّ يجوز أن تقع كرامةً لوليٍّ» (^١).
وفي شرح المقاصد: ثمَّ المجوزون ذهب بعضهم إلى امتناع كون الكرامة على قضيّة الدعوى، حتى لو ادّعى الوليّ الولاية واعتقد بخوارق العادات لم يجز ولم يقع، بل ربما يسقط عن مرتبة الولاية.
وبعضهم إلى امتناع كونها من جنس ما وقع معجزة لنبي، كانفلاق البحر وانقلاب العصا وإحياء الموتى، قالوا: وبهذه الجهات تمتاز عن المعجزات.
وقال الإمام: هذه الطرق غير سديدة، والمرضي عندنا تجويز جملة خوارق العادات في معرض الكرامات، وإنما تمتاز عن المعجزات بخلوِّها
_________________
(١) فتح الباري ٧/ ٢٦٨ - ٢٦٩. [المؤلف]
[ ٢ / ٢٥١ ]
عن دعوى النبوة، حتى لو ادَّعى الولي النبوة صار عدوًّا لله، لا يستحق الكرامة، بل اللعنة والإهانة (^١).
والاستدراج: ما يجريه الله ﷿ لبعض الدجّالين، كالدجّال الأكبر، فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة عدَّة عجائب تقع معه، وذلك فتنة وابتلاء وامتحان واختبار من الله ﷿ لخلقه، ليمتاز المؤمن الموقن عن علمٍ ومعرفةٍ من غيره، فإن المؤمن الموقن عن علمٍ ومعرفةٍ يميِّزُ ما هو حجة حقيقية يرتضيها الشرع والعقل، وما ليس كذلك، فتلك العجائب لا تخدش في يقينه؛ للبراهين القاطعة على كذب الدجال، فيعلم المؤمن حينئذٍ أن تلك العجائب من قَبِيل الاستدراج. وأما غيره فإن العجيبة عنده [٦٤] هي أقوى الحجج، فإذا رآها خضع لها، والعياذ بالله تعالى.
فإن قيل: فما الفرق بين المعجزة والاستدراج، حيث قلتم: إن المعجزة توجب العلم اليقينيَّ بصدق صاحبها، وأن الاستدراج لا يدل على صدقه، بل قد يدلُّ على كذبه؟
قلت: قد تولّى الإمام الغزالي ﵀ وغيره من علماء الأمة بيانَ الفرق.
وحاصله: أن المعجزة إنما تفيد الصدق بمعونة القرائن، مثل أن تكون سلسلة النبوة لم تختم، وأن يكون مدَّعي النبوة محمود السيرة، وألّا يأتي بما يكذبه العقل تكذيبًا قاطعًا، ولا يأتي بما يكذب خبرًا ثابتًا عن الله ﷿ ثبوتًا قطعيًّا، وأن يكون عامّة ما يأتي به مما تتضافر الفطر والعقول والشرائع على الشهادة بأنه حق، إلى غير ذلك؛ بخلاف الاستدراج فإنه يصحبه براهين قطعية على كذب الدجّال إذا ادّعى دعوى يستشهد عليها بالعجيبة، فأما إن لم
_________________
(١) شرح المقاصد ٢/ ٢٠٣. [المؤلف]
[ ٢ / ٢٥٢ ]
يدَّعِ ولم يستشهد فلا إشكال أصلًا. والله أعلم.
والإهانة: ما يجريه الله تعالى تكذيبًا للدجّال، كما نقل أن مسيلمة الكذاب بلغه أن رسول الله ﵌ مسح بيده على رأس أقرع فنبت شعره، وتفل في بئر كان ماؤها ملحًا فعَذُب، ففعل مسيلمة مثل ذلك فازداد رأس ممسوحه قرعًا وماء بئره ملوحة (^١).
وقد بقي ضرب خامس، وهو الابتلاء، أعني ما يجريه الله ﷿ ليبتلي به المؤمنين ويختبرهم أيغترُّون به ويركنون إليه، فيقول أحدهم: أنا وليٌّ لله تعالى محبوب له؛ بدليل أنه أجرى على يدي الكرامة، أم يثبت على ما يقتضيه (^٢) الشريعة؟ وكما يكون ابتلاء لمن وقع على يده فهو كذلك ابتلاء لغيره، والله أعلم.
ومن أعظم الابتلاء أن يُمَكِّن الله تعالى الدجَّال من استعمال غرائبه في نفع مَنْ يوافقه والإضرار بمن يخالفه مع أن المخالف على الحق، ولكن ليتبين حالُ المخالف أعلى يقين هو من أمره أم لا؟ ويتبيَّن حال غيره أيعتصمون بالحجج الحقيقيَّة أم يغترُّون بتلك الظواهر؟ وفي أحوال الدجَّال الأكبر كثير من هذا، فاحفظه وتدبَّره، فإنه مهمٌّ جدًّا.
ومما يشهد له قصة لبيد بن الأعصم اليهودي في إضراره بالنبي - ﷺ -، وكان ذلك سبب نزول المعوذتين (^٣). والله أعلم.
_________________
(١) تاريخ الطبري ٣/ ٢٨٤ - ٢٨٥، الروض الأنف ٤/ ٢٢٥.
(٢) كذا في الأصل.
(٣) صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده ٤/ ١٢٢، ح ٣٢٦٨، ومواضع أخرى، وصحيح مسلم، كتاب الأدب، باب السحر، ٧/ ١٤، ح ٥٨٣٢.
[ ٢ / ٢٥٣ ]
فصل (في القسم الثاني من الغرائب)
[٦٥] فصل
وأما القسم الثاني من الغرائب: فيقع بكسب الإنسان وتَسَبُّبه، وقد تُسمَّى خوارق؛ لخفاء أسبابها وجهل غالب الناس بها.
فمنها: الشعبذة، وهي: عبارة عن أعمال تُظَنُّ أوَّلَ الأمر خارقة، فإذا عُرِفَتْ أسبابُها تبين أنها حِيَلٌ بمعونة خاصيَّةٍ يجهلها أكثر الناس، أو خفَّة اليد وسرعة الحركة إلى حدٍّ لا يثبته الناظر، أو بآلة يخفيها المشعوذ، أو عملٍ خفي قد أعدَّه من قبل، أو مساعدة شخص آخر مختبئٍ أو ظاهرٍ، والنظَّارة (^١) لا يحسبون له علاقة بالمشعوذ، أو غير ذلك.
وللمشَعْبِذ مهارةٌ في تغليط النظارة، وصرف ظنونهم وأبصارهم إلى غير ما يريده.
[٦٦] (^٢)
وقريب من الشعبذة ما يسمى الآن بالألعاب الرياضية، كرفع
_________________
(١) النَّظَّارة هم القوم ينظرون إلى الشيء. انظر: المعجم الوسيط، ص ٩٢٣.
(٢) من منتصف ص ٦٥ إلى آخرها مع ثلاثة أسطر من ص ٦٦ كلامٌ مضروبٌ عليه وهو: (وبالجملة، فالشعبذة في الأعمال كالتعمية والإلغاز في الكلام، كقولي: والله الذي لا إله إلا هو إني أستطيع أن أخطو خطوة واحدة تكون إحدى رجليّ في الهند والأخرى في صعيد مصر، وأشير عند الكلام إشارات تناسب المقام. فكلُّ مَنْ عَلِم بُعْدَ ما بين الهند وبين مصر وصعيدها يعلم أن قطع ذلك بخطوة واحدة محال، وإذا سمعني أُقْسِم على ذلك، وهو يعلم أني مسلم متحرِّز عن إظهار الكذب والفجور عَلِمَ أني لا أحلف إلا على صدق، فيتحيَّر في ذلك، فإن كان يظن بي القدرة على خرق العادة صدَّقني على ظاهر قولي، وإن أساء بي الظن كذَّبني بلا تأمُّل. والعاقل الفَطِن: الذي يتأمَّل كلامي، فإن ظَفِر له بمحمل صحيح يخرجه من المعنى المحال عرف أنه المقصود، وإلا قال: لا بدَّ له من محمل صحيح غير ما يتبادر منه، ولم يتردَّدْ في أن المتبادر من ذلك الكلام أمر محال، وأني إن أردت ظاهره فأنا كذَّاب دجَّال). [المؤلف] إلى هنا انتهى الكلام المضروب عليه، لكن المؤلف قد عاد ووضع كلمة (صح) أربع مرات فوق آخر سطرين.
[ ٢ / ٢٥٤ ]
الأثقال العظيمة، والمشي على سلك دقيق ممدود بين جدارين، أو نحوها، والإمساك عن التنفس مدة طويلة، وغير ذلك مما لا يستطيع الإنسان فعله ابتداء، ولكن أصحابه تمرَّنوا عليه زمانًا حتى سَهُلَ لهم.
ومن هذا القبيل: الإمساك عن الأكل مدة طويلة، وتناول بعض السموم، وإدخال حديدة في موضعٍ خاصٍّ من البدن.
وقد رأيت فقراء يزعمون أنهم رفاعية زعموا أنهم يأتون بالخوارق، فكان أحدهم يُدخل حديدة في طرف عينه اليمنى ثم يرفع بها حدقته رفعًا يسيرًا، وهذا عمل بسيط، وهو يأبى أن يغرز الحديدة في نفس الحدقة أو يبرز الحدقة أكثر مما كان يبرزها. فأخبرناهم أن هذا ليس بشيء، فتقدَّم آخر وجعل يجذب جلد بطنه ثم يغرز فيما انجذب من الجلد مسلّة (^١)، ولكنه يأبى أن يغرزها في حشاه بحيث تخرق الصِّفاق (^٢)، بل يأبى أن يغرزها في موضع آخر من جلده. ثم تقدَّم الثالث ــ وكان أهمَّهم ــ[٦٧] فأبرز حنجرته وحلقومه إلى الأمام إبرازًا فاحشًا، ثم غرز حديدة في جانب عنقه الأيمن، ومرت وراء الحلقوم حتى نفذت من الجانب الأيسر، ولكن لحقته صعوبة شديدة وساعده أصحابه وبعد نفاذها سال دم وتأَلَّم الرجل. وحاول أصحابه أن يكتموا ذلك ولكن كان ظاهرًا، فقيل لهم: إن كان هذا كرامة فَلِمَ هذا
_________________
(١) هي بمعنى الإبرة.
(٢) الصِّفاق: غشاء ما بين الجلد والأمعاء. انظر: المعجم الوسيط، ص ٥١٧.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
العناءُ كلُّه؟ فزعموا أنه كان في النَّظَّارة امرأة حائض!
وسئلوا: هل يمكن هذا أن يغرز حديدة في بطنه أو في ثغرة نحره أو غير ذلك؟ فأجابوا: أنه ليس له إجازة في غير ما فعل.
وفي اليمن فقراء كثيرون هذه صناعتهم. أن يطوفوا البلاد للسؤال، ويعملون بعض أعمالٍ. يوهم أحدهم أنه يغرز الحديدة في عينه أو في حلقه أو بطنه أو نحو ذلك، ويوهم الناس أنه يتحامل على الحديدة بأقصى قوَّته، وتتمُّ حِيَلُهُم على النساء والصبيان ونحوهم، ومنهم من يضرب كتفه بالسيف، ولكنه يقيس قوَّة يده بالضرب بقدر أن يدنو السيف من كتفه أو يلامسه ملامسة خفيفة، وقد يجاوز بعضهم هذا إلى حدِّ أنه يشق أعلى الجلد فيسيل الدم.
والحاصل: أن العاقل إذا تأمَّل صنيعهم، وأمعن النظر تبين له أن عملهم كله مغالطة.
[٦٨] ومن الغرائب ما يكون عن قوة غريبة للنفس، فأشهر ذلك الإصابة بالعين، وقد تكون قوة الإصابة بالعين اكتسابية.
قال في شرح المقاصد: «وقالوا: إن كان العين في بني أسد (^١)، وكان الرجل يتجوَّع ثلاثة أيام فلا يمرُّ به شيء يقول فيه: لم أر كاليوم؛ إلّا عانه» (^٢).
وفوق الإصابة بالعين درجات كثيرة تكتسب بالرياضة، فإنه كما أن القوى الجسمية يمكن تربيتها بالرياضة حتى تصير للمرتاض قوَّة لم تكن له من قبل ولا تكون لغير المرتاض، كما مرّ في الشعبذة والألعاب، فكذلك
_________________
(١) كذا في الأصل بتذكير العين وحذف اللام الفارقة من الخبر.
(٢) شرح المقاصد ٢/ ٢٠٧. [المؤلف]
[ ٢ / ٢٥٦ ]
القوى النفسية يمكن تربيتها بالرياضة المختصة بها. وهذا الأمر معروف من القِدَم بين اليونان وأهل الهند والصين وغيرهم.
والفلاسفة القدماء فريقان:
فريق يذهبون إلى اكتساب العلوم والمعارف بإعمال العقل والفكر، ويقال لهم: المشَّاؤون.
وفريق يذهبون إلى اكتسابه برياضة النفس وترقيتها، ويقال لهم: الإشراقيون.
قال غير واحد: فالمشَّاؤون كالمتكلمين من المسلمين، والإشراقيون كالمتصوِّفين.
وفي رسائل ابن سينا وغيره كثير من طريق الإشراقيين، ويسميها هو تصوفًا.
وقال البيروني (^١): إن اشتقاق التصوف من كلمة يونانية هي سوفا، ومعناه: الحكمة، ومنها قيل: فيلسوف، وأصله باليونانية فيلا سوفا، أي: محبّ الحكمة، فعُرِّبت هذه الكلمة بالصاد، ونسب إليها الصوفي (^٢).
أقول: واعلم أن أهل الرياضة من الأمم تختلف أغراضهم، فالحكماء
_________________
(١) هو أبو الريحان أحمد بن محمد -وقيل محمد بن أحمد- الخوارزمي العلامة المنجم الطبيب، اللغوي، من مؤلفاته: «الآثار الباقية عن القرون الخالية»، توفي سنة ٤٤٠ هـ. انظر: عيون الأنباء في طبقات الأطبَّاء ٢/ ٢٠ - ٢١، ومعجم الأدباء ١٧/ ١٨٠.
(٢) تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة ص ٢٤.
[ ٢ / ٢٥٧ ]
إنما يقصدون أن تصفو أنفسهم، وتنكشف لهم بعض الحقائق الكونية والمعارف الربانية، رغبة في العلم والمعرفة، [٦٩] فإذا حصلت لهم قوى غريبة لم يأنسوا بها، ولا يلتفتون إلَّا إلى ما يرونه معينًا لهم على مطلوبهم. ولكنَّ كثيرًا من الناس إنما يرتاضون طلبًا لتحصيل القوة الغريبة، ومنهم من يكون نيته أوَّلًا تحصيل المعرفة، ولكن إذا حصلت له القوة الغريبة اغترّ بها وعكف عليها.
وأساس هذه الرياضات عندهم الجوع والسهر والعزوبة والخلوة وقطع الشواغل وجمع الفكر في شيء واحد، وأن لا يأكل روحًا ولا ما خرج من روح، كالبيض، والسمن، واللبن، وغير ذلك، وإتعاب الجسد وأعمال أخرى لها قواعد مخصوصة عندهم كرياضة التنفُّس، فينظِّم الطالب تنفُّسه على كيفية مخصوصة يواظب عليها حتى تصير له عادة. ومنها: أن يوجِّه همته عند استنشاق الهواء إلى أن يمرَّ به على طريق مخصوص يمرُّ على أعضاء مخصوصة، وغير ذلك.
ثم إنهم يزيدون على هذا المقدار أشياء تناسب غرض الطالب وعقيدته، فمن كان غرضه تحصيل المعرفة وتصفية النفس يضيف إلى ذلك المحافظة على الشريعة التي يعتقدها حقًّا، فالصابئة يضيفون تعظيم الكواكب ودعاءَها والتبخير بالبخورات الخاصة وغير ذلك، والوثنيون تعظيمَ الأصنام [٧٠] والعكوف عليها، ونحو ذلك؛ وهكذا كل فريق بحسب اعتقاده.
ومن كان غرضه تحصيل القوة الغريبة فإنه يقتصر على ما يظنه كافيًا في تحصيلها، حتى إن منهم مَنْ يستعجل حصول تلك القوة ويرى أنها لا تحصل له إلا إذا أصلح نيته، ولكنه قد يحصل له مثلها بمعونة الشياطين،
[ ٢ / ٢٥٨ ]
فيسعى في الأعمال الخبيثة في اعتقاده، ويبالغ فيها، فربما حصل له شيء من القوة بسبب الرياضة إن كان ارتاض، ولكنه يظنها ما حصلت له إلا بتلك الأعمال الخبيثة، وأنه إن ترك تلك الأعمال سُلِبَ تلك القوة.
ومنهم من تستولي عليه الشياطين حقيقة، فيساعدوه (^١) على بعض ما يريد ليطيعهم، ويعمل على تطويع الناس لهم، والعياذ بالله.
والمقصود أن حصول تلك الآثار إنما هو في الغالب نتيجة لما قدَّمنا ذكره من الجوع والسهر ونحوهما، فإذا صَحِبَ ذلك نوعٌ ما مما يراه المرتاض عبادة فإنما يساعد على حصول تلك الآثار من حيث هو رياضة. ولذلك لا يختص حصول تلك الآثار بدين من الأديان، ولكن الناس لجهلهم بالأسباب الحقيقية يستدلون على صحة الدين بحصول تلك الآثار للمرتاضين العاملين به، بل قد يستدل المرتاض نفسه بذلك، وهو خطأ كما علمتَ. والله أعلم.
[٧١] واعلم أن هذه الرياضة ليست بمذمومة على الإطلاق، فقد جاء الإسلام بالنهي عن الإسراف في الأكل والشرب، وبمشروعية الصيام، وقيام الليل، والتفكر، والاعتكاف، وغير ذلك مما يتضمن طرفًا من الرياضة وإن لم تكن الرياضة هي المقصود من ذلك، على أنه لا يبعد أن تكون مقصودة في الجملة.
وعلى كل حال فإن القدر الذي تضمنته العبادات المشروعة في الإسلام من الرياضة مفيد في تهذيب الأخلاق، وتقوية العزم، وتصفية النفس، وغير
_________________
(١) كذا في الأصل.
[ ٢ / ٢٥٩ ]
ذلك إلى حدٍّ لا يبلغ القوى الغريبة. بل جاءت أحاديث كثيرة في النهي عن الغلوِّ في العبادات؛ فثبت النهي عن مواصلة الصوم، وعن صوم الدهر، وعن قيام جميع الليل أبدًا، وأخرى في النهي عن الغلو، وعن التشديد على النفس ومجاوزة ما كان عليه أصحاب النبي ﵌ على عهده. فكان الصحابة ﵃ وعامَّة التابعين واقفين عند الحدود الشرعية في ذلك، ولكنه بعد ذلك نشأ أفرادٌ لهم رغبة في الخير وفي عبادة الله ﷿، يتأوّلون ما ثبت عن الشارع من النهي عن الزيادة في العبادات بأن ذلك كان شفقة منه على الناس لئلا يشق عليهم، أو خشية أن يكون الإمعان في العبادة داعيًا إلى السآمة والملل، أو لئلا تضعف أجسامهم عن الجهاد والعمل في إعزاز الإسلام، ونحو ذلك من التأويلات.
وربما بالغ بعضهم [٧٢] في العبادات ونحوها مما ورد في الشرع استحبابُ طرفٍ منه، حتى يبلغ بهم الحالُ إلى مشابهة أهل الرياضات، كما كانوا يبالغون في تجويع أنفسهم؛ لأنهم لا يجدون طعامًا حلالًا صِرْفًا لا شبهة فيه، وفي مناقب الزهاد أشياء من ذلك. وفي القرن الثاني والثالث بدأ هؤلاء المبالغون يذكرون أن للجوع فائدة في تصفية النفس.
ثم اطَّلع المسلمون على فلسفة اليونان ووجدوها على طريقين: إعمال العقل، ورياضة النفس؛ فنقلوا ذلك وعملوا به.
وقد عورضوا في الأولى معارضة شديدة يعلمها من له إلمام بتاريخ الإسلام.
وأما الثاني فلم يَلْقَ كبيرَ معارضة؛ لأن أصحابه ألحقوا كلَّ طَرَفٍ منه بما يشابهه في الإسلام، وقد قدَّمنا أن الإسلام تضمَّن طرفًا من الرياضة، وأن
[ ٢ / ٢٦٠ ]
بعض الراغبين في الخير بالغوا في ذلك. ولم تبق على الناقلين صعوبة إلا في بعض الأمور؛ كالعزوبة، وأن لا يأكل من روح ولا ما خرج من روح، ورياضة التنفس، فألحقوها بالإسلام بضربٍ من التَّمَحُّل، فقالوا: إن الزواج يشغل عن أداء الحقوق، ويحمل على الحرص على الدنيا من حلِّها وغير حلِّها، ولا سيَّما على أمثالنا من الضعفاء، فأما النبي ﵌ وأصحابه فكانت عندهم قوة ليست عندنا، وذكروا حديثًا نسبوه إلى النبي ﵌: «خيركم بعد الـ (^١) مَن لا زوجة له ولا ولد».
وأما منع الأكل من روح أو ما خرج من روح فاستشهدوا له بما نقل عن عمر ﵁ أنه قال: إن لهذا اللحم ضراوة كضراوة الخمر (^٢)، [٧٣] وغير ذلك.
وأما رياضة التنفس فاخترعوا لها نوعًا من الذكر بقولهم: (هو الله، الله
_________________
(١) كذا في الأصل. ولعلَّه أراد حديث: «خيركم في المائتين كلُّ خفيف الحاذ الذي لا أهل له ولا ولد». أخرجه أبو يعلى في مسنده - كما في إتحاف الخيرة المهرة ٤/ ٣، ح ٣٥٨٤ - وغيره، من طريق روَّاد بن الجرَّاح عن سفيان الثوريّ، ولم يتابَع عليه. ولذلك قال أبو حاتمٍ: «باطلٌ»، وقال مرَّةً: «منكرٌ». انظر: العلل س ١٨٩٠ و٢٧٦٥. وقال الدارقطنيّ: «تفرَّد به روَّادٌ، وهو ضعيفٌ». انظر: العلل المتناهية ٢/ ١٤٦ - ١٤٧، ح ١٠٥١ - ١٠٥٢. وقال السخاويّ: «وعلَّته روَّادٌ، ولذا قال الخليليّ: ضعَّفه الحفَّاظ فيه وخطَّؤوه. انتهى. فإن صحَّ فهو محمولٌ على جواز الترهُّب أيَّام الفتن. وفي معناه أحاديث كثيرةٌ كلُّها واهيةٌ». المقاصد الحسنة ص ٢٠٣، ح ٤٥٢. وقال الألبانيّ: «باطلٌ»، وقال أيضًا: «موضوعٌ». انظر: السلسلة الضعيفة ٨/ ٧١، ح ٣٥٨٠، ضعيف الجامع الصغير ح ٢٩١٩.
(٢) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٥٢٤ - ٥٢٥ ح ٢٧٠٢، وأبو داود في الزهد (٤٧)، وغيرهما.
[ ٢ / ٢٦١ ]
هو)، على نظام مخصوص، واخترعوا بدل جمع الهمة وحصر الفكر في شيء معيّن حصر المريد هَّمته في تصوُّر الشيخ، ونحو ذلك.
واعلم أن العاملين بالرياضة من المسلمين على أقسام:
فقسم منهم يرى أنها علم من العلوم، وصناعة من الصنائع، تختلف أحكامها في الشريعة باختلاف الغرض منها. فمَنْ كان غرضه منها تهذيب نفسه وتقوية إدراكه وتحصيل قوة يستعين بها على معرفة ربِّه فلا بأس بها عند هؤلاء. ومَنْ كان غرضُه تحصيلَ قوة يستعين بها على أغراضه الدنيوية من الجاه والشهرة ونحو ذلك فهي وبال عليه.
وقسم منهم تَوَهَّم أنها عبادات، إما بناء على ما تقدّم من أن الشريعة جاءت بشيء مما يشبهها، وأن أفرادًا من الراغبين في الخير بالغوا في ذلك إلى أن قربوا منها. وإما استنادًا إلى كلام المتأخرين من المتصوفين الذين يزعمون أن تلك الأعمال عبادة إسلامية بدون تأويل.
وقسم ليس لهم اعتقاد ثابت في الشريعة، ورأوا أن هذه الرياضة طريقة من طرق الحكماء تُوْصِل إلى زيادة المعرفة والقوة الغريبة، ولكنهم يراؤون الناس بزعم أنهم يعتقدون [٧٤] أنها عبادة. ثم لما كان مقرَّرًا عند جمهور الأمة أن الله ﷿ يكرم صالحي عباده بأن يخرق لهم العادة أحيانًا، وقد نقل شيء من ذلك عن بعض الصحابة والتابعين، وكان أكثر الناس يجهلون أن الرياضة من شأنها ترقية قُوَى الناس إلى حدِّ الغرائب= صاروا يسمُّون كلَّ ما يظهر أو ينسب إلى المرتاضين من الغرائب: كراماتٍ، مع أنها محتملة لذلك، ومحتملة أن تكون من آثار الرياضة. والله أعلم.
[ ٢ / ٢٦٢ ]
وقد قال الصوفية أنفسهم بأن السالك يمر على مرتبة السحر العال (^١) يكون صاحبها بحيث لا يريد شيئًا إلا كان في الحال، وأنه إن وقف عليها هلك. ذكره غير واحدٍ، منهم: عبد الكريم الجيليّ (^٢) في «الإنسان الكامل»، في الباب السادس والثلاثين (^٣)، وفي كتب الغزاليّ نحو ذلك.
ومن الغرائب ما يكون بمساعدة الشياطين، إما لمشاكلة بينهم وبين نفس ذلك الإنسان، كابن صَيَّاد الثابتة قصته في الصحيحين وغيرهما (^٤).
وإما بسعي ذلك الإنسان فيما يرضي الشياطين حتى يساعدوه، كما في كُهَّان العرب. وكان في زمن الحجاج رجل يقال له عبد الله بن هلال، ويلقَّبُ «صديق إبليس»؛ كان يعمل الغرائب، وكان يترك صلاة العصر إرضاء لإبليس حتى يساعده (^٥).
_________________
(١) كذا في الأصل بحذف ياء المنقوص، وفسَّره الجيليّ في الإنسان الكامل (١/ ٧١) بأنه شيءٌ يشبه الكرامات، قال: «لأنه بلا أدويةٍ ولا عملٍ ولا تلفُّظٍ بشيءٍ، بل بمجرَّد قوىً سحريَّةٍ في الإنسان تُجْري الأمور على حسب ما اقتضاه الساحر».
(٢) عبد الكريم بن إبراهيم بن عبد الكريم الجيلي القادري، قطب الدين، صوفي، من تصانيفه الكثيرة: الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل، الإسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلَّى لأهل الذكر من الأنوار لابن عربي، توفي سنة ٨٣٢ هـ. الأعلام ٤/ ٥٠ - ٥١ ومعجم المؤلفين ٥/ ٣١٣.
(٣) ١/ ٧١.
(٤) انظر: البخاريّ، كتاب الجهاد والسير، بابٌ كيف يعرض الإسلام على الصبيّ؟ ٤/ ٧٠ - ٧١، ح ٣٠٥٥. وصحيح مسلمٍ، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر ابن صيَّادٍ، ٨/ ١٨٩ - ١٩٤، ح ٢٩٢٤. [المؤلف]
(٥) انظر ترجمته في: لسان الميزان [٣/ ٣٧٢ - ٣٧٤]. [المؤلف]
[ ٢ / ٢٦٣ ]
فصل (في الكلام على الكرامات)
وكثير من الناس في الهند وغيرها في عصرنا هذا يسلكون هذه الطريقة، أي التقرب إلى الشياطين.
وإما لقصد الشياطين أن يُضِلُّوا ذلك الإنسان ويُضِلُّوا به، وقصة الشيخ عبد القادر الجيلي ﵀ وتعرُّض الشيطان له مشهورة، وأشباهها كثيرة.
قال ابن قتيبة في عيون الأخبار (^١): حدثني محمد بن داود، قال: حدثنا أبو الربيع الزهراني، قال: حدثنا أبو عوانة، عن المغيرة، عن إبراهيم في الرجل يرى الضوء في الليل قال: هو من الشيطان، لو كان فضلًا لأوثر به أهل بدر.
وعن السلف آثار أخرى في هذا المعنى، كما روي عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ وغيرها، من قولهم لِمَنْ يُصْعَقُ عند سماع القرآن: من الشيطان، وغير ذلك (^٢).
وفي مقابلها آثار كثيرة عن التابعين فمن بعدهم في تحسين الظنِّ بمن ظهر على يده شيء من الغرائب، وكان واقفًا عند حدود الله تعالى، متحقِّقًا بالكتاب والسنة، بلا تحريف ولا تأويل يخالف به العلماء. والله أعلم.
فأما السحر، فمنه ما يكون بالرياضة، ومنه ما يكون بالتقرُّب من الشياطين، ومنه ما يكون بغير ذلك، وسنتكلم عليه في ما يأتي إن شاء الله.
[٧٥] فصل
واعلم أن الخوارق والغرائب متقاربة يلتبس بعضها ببعض غير أن المعجزة تمتاز بما قدمنا، وكذلك الإهانة ممتازة كما مرّ.
_________________
(١) ٤/ ٣٠١. [المؤلف]
(٢) انظر: سنن سعيد بن منصور، كتاب فضائل القرآن ٢/ ٣٣٠ ح ٩٥، وانظر آثارًا أخرى في هذا المعنى في الدر المنثور ٧/ ٢٢١ - ٢٢٢.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
فأما الكرامة فذكر أهل العلم أنها تمتاز بوقوعها على يد المسلم العالم بالشريعة العامل بها.
قال الشعراني في كتابه «تنبيه المغترِّين»: «من أخلاق السلف الصالح ﵃ ملازمة الكتاب والسنة كلزوم الظلِّ للشاخص، ولا يتصدَّر أحدهم للإرشاد إلا بعد تبحره في علوم الشريعة المطهرة بحيث يطلع على جميع أدلة المذاهب المندرسة والمستعملة، ويصير يقطع العلماء في مجالس المناظرة بالحجج القاطعة أو الراجحة الواضحة، وكتب القوم مشحونة بذلك، كما يظهر من أقوالهم وأفعالهم.
وقد كان سيد الطائفة الإمام أبو القاسم الجنيد ﵁ يقول: كتابنا هذا ــ يعني القرآن ــ سيد الكتب وأجمعها، وشريعتنا أوضح الشرائع وأدقُّها، وطريقتنا ــ يعنى طريق أهل التصوف ــ مشيدة بالكتاب والسنة، فمن لم يقرأ القرآن ويحفظ السنة ويفهم معانيها لا يصح الاقتداء به.
وكان ﵁ يقول: ما نزل من السماء علم وجعل الله لغير [٧٦] نبيٍّ إليه سبيلًا إلا وجعل لي فيه حظًّا ونصيبًا.
وكان ﵁ يقول لأصحابه: لو رأيتم رجلًا قد تربَّع في الهواء فلا تقتدوا به حتى تروا صنعه عند الأمر والنهي، فإن رأيتموه ممتثلًا لجميع الأوامر الإلهيّة مجتنبًا لجميع المناهي فاعتقدوه واقتدوا به، وإن رأيتموه يخلُّ بالأوامر ولا يجتنب المناهي فاجتنبوه. انتهى» (^١).
وفي الأنوار: «ومن ادَّعى الكرامات لنفسه بلا غرض ديني فكاذب
_________________
(١) تنبيه المغترين ص: ٦. [المؤلف]
[ ٢ / ٢٦٥ ]
يلعب به الشيطان» (^١).
وقال الشاطبي: «وقال أبو يزيد البسطامي: لو نظرتم إلى رجل أُعْطِيَ من الكرامات حتى يرتقي في الهواء فلا تغترُّوا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود وآداب الشريعة» (^٢).
وقال الحافظ ابن حجر في الكلام على غزوة الرجيع من فتح الباري: «ووراء ذلك كله أن الذي استقر عند العامة أن خرق العادة يدلّ على أنّ من وقع له ذلك من أولياء الله تعالى، وهو غلط ممن يقوله؛ فإن الخارق قد يظهر على يد المبطل من ساحرٍ وكاهن وراهب، فيحتاج مَنْ يستدلُّ بذلك على ولاية أولياء الله تعالى إلى فارقٍ، وأولى ما ذكروه أن يُخْتبر حالُ مَنْ وقع له ذلك، فإن كان متمسِّكًا بالأوامر الشرعية كان ذلك علامة ولايته، ومَنْ لا فلا» (^٣).
أقول: والتمييز بين الكرامة والابتلاء والغرائب التي قدَّمناها صعب جدًّا، كثيرًا ما يشتبه على من جرت الواقعة على يده فضلًا عن غيره. وأقصى ما يمكن: أن تمتحن تلك الواقعة مع النظر في جميع ما يتعلق بها، وتوزن بالكتاب والسنة، فإن وُجِد فيها مخالفةٌ ما لظاهرٍ من ظواهر الشريعة كان الظاهر أنها ليست بكرامة، وإلا كانت محتملة.
وهذا ــ والله أعلم ــ مراد الجنيد وأبي يزيد. فأما أمرهما بالاعتقاد والاقتداء فإنما ذلك لكون ذلك الرجل عالمًا عاملًا [٧٧] بحسب الظاهر،
_________________
(١) نقله ابن حجر ص: ٥٤ وأقرّه في الإعلام [بهامش الزواجر ٢/ ١٦١]. [المؤلف].
(٢) الاعتصام ١/ ١١٣ - ١١٤.
(٣) فتح الباري ٧/ ٢٦٩. [المؤلف]
[ ٢ / ٢٦٦ ]
ومن كان كذلك كان أهلًا أن يُعْتَقَد فيه ويُقْتَدى به وإن لم يظهر على يده شيء، فظهور تلك الواقعة مع سلامتها عن الدلالة على مخالفته للشريعة إن لم يزده لم ينقصه، فتدبَّرْ.
وعلينا إذا رأينا مَنْ ظهر على يده شيء من ذلك، وهو معتصم بالشريعة واقف عند حدودها، ولم يتعاط شيئًا من أسباب الغرائب، أن نظن تلك الظاهرة كرامة، وهذا مجرد ظن لا يكون حجة على القطع بأنه وليٌّ لله تعالى.
وقد تقدّم في الطريق الثالث (^١) ما فيه كفاية، والحمد لله.
[وفي الصحيحين عن أبي بكرة قال: أثنى رجل على رجل عند النبي ﵌ فقال: «ويحك قطعت عنق صاحبك»، يقولها مرارًا: «إن كان أحدكم مادحًا لا محالة، فليقل: أحسب كذا وكذا، إن كان يرى أنه كذلك، وحسيبه الله، ولا يزكِّي على الله أحدًا» (^٢).
وفي صحيح البخاريِّ وغيره حديث سعد بن أبي وقاص وقوله في رجل: إنه لمؤمن، فقال النبي ﵌: «أو مسلم»، الحديث (^٣).
_________________
(١) لعله يشير إلى استناد بعضهم إلى تقليد الصوفية المعتَقَد فيهم العصمة.
(٢) البخاريّ، كتاب الأدب، باب ما يُكرَه من التمادح، ٨/ ١٨، ح ٦٠٦١. ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب النهي عن المدح إذا كان فيه إفراطٌ، ٨/ ٢٢٧ - ٢٢٨، ح ٣٠٠٠. [المؤلف]
(٣) البخاريّ، كتاب الإيمان، بابٌ إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، ١/ ١٤، ح ٢٧. [المؤلف]. وهو في صحيح مسلمٍ، كتاب الإيمان، باب تألُّف مَن يُخاف على إيمانه، ١/ ٩١، ح ١٥٠.
[ ٢ / ٢٦٧ ]
وحديث الأنصارية التي قالت في عثمان بن مظعون بعد وفاته: فشهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال النبي ﵌: «وما يدريكِ أن الله أكرمه؟» الحديث. وفيه: «والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل به» (^١).
وفي مسند أحمد وغيره عن شقيق، ومسروق، عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «إن من أصحابي مَنْ لا يراني بعد أن أفارقه»، فبلغ عمرَ ﵁، فجاء عمرُ فدخل عليها فقال لها: بالله منهم أنا؟ فقالت: لا، ولن أبرِّئ أحدًا بعدك (^٢)] (^٣).
[٧٨] وبالجملة، الأدلة في هذا كثيرة، وحاصلها: النهي عن القطع، فأما الظن وما يتبعه من الثناء المبني على الظاهر بدون نصٍّ على القطع، فلا حرج فيه. وإذا ظننا في إنسان أنه وليٌّ لله تعالى بما ظهر لنا من علمه وعمله، واستقامته على الصراط الشرعي؛ فلا يلزم من ذلك أن نجعل قوله حجة؛ لأن ولايته لم تثبت بالقطع، ولو ثبتت فهي لا تقتضي العصمة.
وقد سئل الجنيد: أيزني العارف؟ فسكت قليلًا، ثم قال: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨] (^٤).
وهب أننا ظننا برجل أنه معصوم أو كالمعصوم، فإنما ذلك عن التعمُّد، فأمَّا عن الخطأ فلا شبهة في عدم عصمته؛ إذ لا تمنعه تقواه وورعه أن يخطئ
_________________
(١) البخاريّ، كتاب الشهادات، باب القرعة في المشكلات، ٣/ ١٨٢، ح ٢٦٨٧. [المؤلف]
(٢) المسند ٦/ ٢٩٠، وص ٢٩٨، وص ٣٠٧، وص ٣١٢، وص ٣١٧. [المؤلف]
(٣) ما بين المعقوفتين رأينا عليه خطًّا معترضًا، يحتمل أن يكون للضرب عليه.
(٤) انظر: الرسالة القشيرية ص ١٨٧.
[ ٢ / ٢٦٨ ]
فيقول أو يعمل ما يظنه حقًّا وهو في نفس الأمر باطل. وكذلك لا يمنعنا اعتقاد أنه أخطأ مِنْ حُسْنِ الظن به، وظنِّ أنه كان صالحًا فاضلًا أو وليًّا لله ﷿؛ فإن المجتهد إذا أخطأ لم يأثم، بل هو مأجور، كما ورد في الحديث (^١)، وأشار إليه القرآن في قصة داود وسليمان، فقال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩].
واعلم أن كثيرًا من مسائل العقائد لا تخرج عن هذا؛ فإن كثيرًا من الأعمال والأقوال يُعَدُّ كفرًا، ومع ذلك يُنْقل شيء منه عن بعض الأكابر، ولا يمنع ذلك من اعتقاد فضلهم وصلاحهم وولايتهم؛ فإن إنكار آية من القرآن كفر، ومع ذلك فقد قال ابن مسعودٍ ﵁: إن المعوذتين ليستا من القرآن، ولم يقدح ذلك في جلالته، لما كان له من العذر. وأمثلة ذلك كثيرةٌ، لعلَّنا نفرد لها فصلًا، وقد قدَّمنا (^٢) ما يتعلَّق بهذا.
وحاصله: أنه ليس كل ما ثبت في العمل أنه كفر أو شرك ثبت أن كلَّ مَنْ عَمِله يكون كافرًا أو مشركًا، بل ربما يكون العمل كفرًا أو شركًا ويكون بعضُ عامليه من أولياء الله ﷿؛ لأنه كان معذورًا في عمله.
وبهذا يندفع عنك ما تتوهَّمه؛ إذ تقول لك نفسك: لو كان هذا كفرًا أو شركًا لكان فلان وفلان وآبائي ومشايخي كفارًا، وأنت لا تستطيع أن تتصوَّر ذلك، وبهذا التوهم تتجنَّب النظر إلى الأدلة بالعدل والإنصاف.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، ٩/ ١٠٨، ح ٧٣٥٢. ومسلم في كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، ٥/ ١٣١، ح ١٧١٦، من حديث عمرو بن العاص ﵁.
(٢) في ص ١٣٢ - ١٤٧.
[ ٢ / ٢٦٩ ]
وقد غلط كثير من الناس فصاروا إذا ظهر لهم في أمرٍ أنه كفر تعدَّوا الحدود وأعلنوا بتكفير جماعة من أئمة الدين والأولياء الصالحين، وهذه حماقة شيطانية.
نعم لا يلزم من عذر بعض العاملين أن يُعْذَر جميعهم؛ فإن للعذر شرائط، فلا يخدعنَّك الشيطان، فتقول: إذا كان أولئك معذورين فأنا معذور على فرض أن هذا العمل كفر أو شرك؛ فإنك إنما تعذر إذا بحثت وحقَّقْت وبذلت وُسْعَك ثم تبيَّن لك أنه ليس ذلك العمل بكفر ولا شرك، بشرط أن تكون أهلًا للبحث والنظر، وإلَّا فإنه يتعين عليك الاحتياط.
ولعلَّنا نوضح هذا المعنى، وإنما قدَّمنا هنا الإشارة إليه مخافة أن يمنعك التوهُّمُ المذكور عن النظر في رسالتنا هذه نظر الطالب للحقِّ من حيث هو حقٌّ. والله الموفق.
وأنت خبير أن سادة الأولياء هم الصحابة ﵃، ولم يُجْعَل قولُ أحد منهم حجة كما تقدَّم.
وكثيرًا ما نجد المنسوبين إلى الولاية يختلفون فيما بينهم، ويخطِّئ بعضهم بعضًا، وقد يَنْسُبُ كلٌّ منهما رأيَه إلى الكشف، وقد يقول أحدهم قولًا ينسبه إلى الكشف ثم يرجع عنه، وينسب رجوعه إلى الكشف أيضًا، وفي ذلك دلالة على أن الكشف يخطئ. وفي أبيات لابن عربي (^١):
واعتصم بالشرع في الكشف فقد فاز بالخير عُبيدٌ قد عُصِم
_________________
(١) نقلها الآلوسيُّ في روح المعاني (١/ ١٤١ - ١٤٢) عن الفتوحات لابن عربيّ. وستأتي بقيَّة الأبيات في ص ٣٠٧.
[ ٢ / ٢٧٠ ]
وسبب الخطأ في الكشف يُعْلَم مما قدمنا في الخوارق والغرائب.
وأزيدك هاهنا فائدة جليلة.
[٧٩] اعلم أن الكشف، وإن ثبت أنه صحيح، فالأغلب أنه يكون له تأويل كتأويل الرؤيا، يوكل ذلك التأويل إلى فهم المكلَّف. والبرهان على ذلك مكاشفات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ فإنَّ النبيَّ ﵌ رأى ليلة أُسْرِي به الفطرة في صورة اللبن، والشهوات في صورة الخمر، وأشياء كثيرة رآها (^١)، وهي من باب التمثيل تحتاج إلى تأويلٍ.
وكذلك رؤيا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ فقد رأى يوسف ﵇ الكواكب والشمس والقمر ساجدين له، وكان تأويلُ ذلك سجودَ أبويه وإخوته.
وقال الله تعالى لنبيه محمد ﵌: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ ﴾ [الأنفال: ٤٣].
فرآهم قليلًا وليسوا في الواقع قليلًا، ولكن ذلك كناية عن الذلَّة، وأنهم سيُغلبون. ورأى أنه في درع حصينة فأوَّلها المدينة. ورأى بقرًا تُنْحَرُ، فأوّلها بمن يقتل من أصحابه. ورأى سوارين من ذهب، فأولهما بالكذَّابَيْنِ: مسيلمة والأسود. وأمثال ذلك كثير (^٢).
وإنما يكون الظاهر حجة في الأوامر التكليفية التي كلف الله العباد أن
_________________
(١) سيأتي تخريج هذه الأحاديث بعد أسطر.
(٢) انظر: باب التعبير في صحيح البخاريِّ ٩/ ٢٩ - ٤٦، [ح ٦٩٨٢، وما بعده]. وكتاب الرؤيا في صحيح مسلمٍ ٧/ ٥٠ - ٥٨، [ح ٢٢٦١، وما بعده]. [المؤلف].
[ ٢ / ٢٧١ ]
يتدبروها ويعملوا بما فيها، فأمّا ما عدا ذلك فهو على ما وصَفْتُ.
هذا مع أن رؤيا الأنبياء وحي، فأما رؤيا غيرهم فإنها كما جاء [٨٠] في الحديث محتملة أن تكون صادقة، وأن تكون من حديث النفس، وأن تكون من الشيطان.
والكشفُ عند التحقيق ضرب من الرؤيا، غاية الأمر أن الروح إذا قويت وضعف الجسد صارت الروح تعمل في اليقظة مثل ما تعمل غيرها من الأرواح في النوم. والبرهان على هذا حديث البخاري وغيره عن أبي هريرة قال: قال النبي ﵌: «لم يبق من النبوَّة إلا المبشِّرات»، قالوا: وما المبشِّرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة» (^١).
فلو كان الكشف أقوى من الرؤيا لكان أولى بأن يستثنيه.
ثم رأيت في فتح الباري نقلًا عن الطيبي: « فلا يظهر على غيبه إظهارًا تامًّا وكشفًا جليًّا إلا لرسول وأما الكرامات فهي من قبيل التلويح واللمحات» (^٢).
فأما حديث الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «ولقد كان فيما قبلكم من الأمم محدَّثون، فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر»، وفي روايةٍ: «فإن عمر بن الخطَّاب منهم» (^٣). فقد تتبعنا
_________________
(١) البخاريّ، كتاب التعبير، باب المبشِّرات، ٩/ ٣١، ح ٦٩٩٠. [المؤلف]
(٢) انظر: فتح الباري ١٣/ ٢٨٤. [المؤلف]
(٣) البخاريّ، كتاب فضائل أصحاب النبيِّ - ﷺ -، باب مناقب عمر بن الخطَّاب ﵁، ٥/ ١٣، ح ٣٦٨٩، [من حديث أبي هريرة ﵁]. ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، بابٌ من فضائل عمر ﵁، ٧/ ١١٥، ح ٢٣٩٨، [من حديث عائشة ﵂]. [المؤلف].
[ ٢ / ٢٧٢ ]
سيرة عمر ﵁ فلم نجد له من هذا القبيل إلا الفراسة وصدق الظن. ولم يكن ذلك مطَّرِدًا له، بل كان ربما أخطأ، ولم يكن يحتج في الشريعة بمجرد ظنه، بل كان يقضي القضاء ثم يرجع عنه لحديث يبلغه، أو لرأي يبدو له أو غير ذلك.
وهكذا لم يقل أحد من الصحابة ولا مَن بَعْدَهُم: إن قول عمر يكون حجة لحديث التحديث، وقد وجدنا صغار الصحابة وأئمة التابعين والأئمة الأربعة المجتهدين وأضرابهم كثيرًا ما يخالفون عمر لأدلَّة ظنية، بل لم يكن أحد من الصحابة يحتجّ في قليل ولا كثير [٨١] بالكشف، بل لا يكاد يصحُّ، بل لا يصحُّ عن أحد منهم دعوى الكشف لنفسه أو لغيره منهم، والله المستعان.
وقصَّة: (يا سارية الجبل) لم تصحَّ، وإن قال بعض المتأخِّرين: إن لها طرقًا تبلغ بها درجة الحسن لغيره (^١)، ومع ذلك ففيها: أن عمر سُئل بعد أن قال: «يا سارية الجبل»، فأجاب أنه شيءٌ جرى على لسانه لم يُلْقِ له بالًا، وسيأتي بقية الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى (^٢).
وهكذا نجد نقل الكرامات عنهم قليلًا، والنادرَ من ذلك القليل صحيحًا، مع أنهم خير الأمة وأقربها من الله تعالى ورسوله، وأولاها بكل
_________________
(١) لعلَّه يعني الحافظ ابن كثيرٍ؛ فإنه قال بعدما ذكر طرقًا لهذه القصَّة: (فهذه طرقٌ يشدُّ بعضها بعضًا). انظر: البداية والنهاية ١٠/ ١٧٦. أو الحافظ ابن حجرٍ؛ فإنه حسَّن إسنادها في الإصابة، ترجمة سارية بن زنيم بن عبد الله الدؤليِّ، ٤/ ١٧٧.
(٢) انظر: ص ٧٩٩.
[ ٢ / ٢٧٣ ]
الصحابة وخيار التابعين وأتباعهم كانوا شديدي الخوف من الله، شديدي المقت لأنفسهم وذكر الآثار عنهم
فضل، ولا يبلغ أحد ممن بعدهم مُدَّ أحدهم ولا نصيفه، عَمِلَ ما عَمِل. ولقد ينقل لواحد من أفراد الأمة بعد القرون الفاضلة أضعاف أضعاف ما نُقِلَ عن مجموع الصحابة ﵃ وأكثر من ذلك، وأنت إذا كنت قد تدبَّرت ما قدَّمنا فقد علمت السبب الحقيقيَّ في ذلك. والله أعلم.
وأغرب من ذلك أنك تجد الصحابة وخيار التابعين ومَنْ يليهم من العارفين كانوا شديدي الخوف من الله ﷿، والمقت لأنفسهم، واتهامها بالغرور والرئاء وغير ذلك، مع أن منهم مَنْ مدحه الله ﷿ في كتابه وبشره بالجنة على لسان رسوله، وكثر ثناء النبي ﵌ عليه، وكان ممن ورد فيهم: «اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم» (^١)، فلا تجد أحدا منهم ادّعى لنفسه الخير والصلاح، وأن الله يحبه، وأنه من المقربين، ونحو ذلك.
[٨١ ب] وفي الصحيحين عن عائشة قالت: صنع النبي ﵌ شيئًا ترخص (^٢) وتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبيَّ ﵌، فحمد الله ثم قال: «ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟! فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشيةً» (^٣).
_________________
(١) صحيح البخاري كتاب الجهاد، باب الجاسوس ، ٤/ ٥٩ ح ٣٠٠٧، وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أهل بدر ٧/ ١٦٧ ح ٢٤٩٤ من حديث عليٍّ ﵁.
(٢) في بعض نسخ البخاريِّ: ترخَّص فيه.
(٣) البخاريّ، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنَّة، باب ما يُكرَه من التعمُّق والتنازع، ٩/ ٩٧، ح ٧٣٠١، مسلم، كتاب الفضائل، باب علمه - ﷺ - بالله تعالى وشدَّة خشيته، ٧/ ٩٠، ح ٢٣٥٦، وفي رواية له: «فغضب حتى بان الغضب في وجهه». [المؤلف]
[ ٢ / ٢٧٤ ]
وفي معنى ذلك أحاديث أخرى.
وفي الموطأ عن زيد بن أسلم، عن أبيه أنَّ عمر بن الخطَّاب دخل على أبي بكر الصديق ﵄ وهو يجبذ لسانه، فقال له عمر: مه! غفر الله لك، فقال له أبو بكر: إن هذا أوردني الموارد (^١).
وجاء عن عمر ﵁ أنه أخذ تِبْنَة من الأرض، فقال: ليتني كنت هذه التبنة، ليتني لم أُخْلَق، ليتني لم أكن شيئًا، ليتني كنت نسيًا منسيًّا (^٢).
وفي مسند أحمد وغيره عن مسروقٍ (^٣).
وعن علي ﵇ أنه كان يقول في مناجاته بالليل: «آه من قلة الزاد وبُعد السفر ووحشة الطريق» (^٤).
وقال ابن سعد (^٥):
وعن ابن مسعود أنه قال رجل عنده: ما أحب أن أكون من أصحاب
_________________
(١) الموطَّأ بهامش شرحه المنتقى للباجي ٧/ ٣١٢. [المؤلف]. وهو في كتاب الجامع، باب ما جاء فيما يُخاف من اللسان، ٢/ ٥٨٦، ح ٢٨٢٥ - ط: دار الغرب-.
(٢) انظر: الزهد لابن المبارك ص ٧٩، ح ٢٣٤، الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/ ٣٦٠، مصنَّف ابن أبي شيبة، كتاب الزهد، كلام عمر بن الخطَّاب، ١٩/ ١٤٩، ح ٣٥٦٢١. وفي إسناده: عاصم بن عُبَيد الله، وهو ضعيفٌ.
(٣) بيَّض له المؤلِّف.
(٤) انظر: حلية الأولياء ١/ ٨٥، تاريخ دمشق ٢٤/ ٤٠١. وفي إسناده: محمد بن السائب الكلبي، وهو متهم بالكذب. وله طريق آخر عند ابن عبد البر في الاستيعاب ٣/ ٤٤ (بهامش الإصابة)، وفيه رجل مبهم.
(٥) بيَّض له المؤلِّف.
[ ٢ / ٢٧٥ ]
اليمين، أكون من المقربين أحب إليَّ. فقال عبد الله بن مسعود: لكن هاهنا رجل ودّ أنه إذا مات لا يُبْعَث، يعني نفسه (^١).
وعنه قال: لو تعلمون ما أعلم من نفسي حثيتم عليّ التراب (^٢).
وعنه قال: لو وقفت بين الجنة والنار فقيل لي: اختر نخيِّرْك، من أيهما تكون أحب إليك، أو تكون رمادًا؛ لأحببت أن أكون رمادًا (^٣).
يريد أن يخيّر بين أمرين:
أحدهما: أن يكون رمادًا.
الثاني: أن يُقْضَى له بما يستحقه من الجنة أو النار، فهو يختار الأول، أي: أن يكون رمادًا، لأنه لو اختار الثاني لا يدري لعله يقضى له بالنار.
وعن ابن عمر قال: لو علمت أن الله يقبل مني سجدة واحدة وصدقة درهم لم يكن غائبٌ أحبَّ إليَّ من الموت، ثم تلا: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] (^٤).
_________________
(١) انظر: الزهد للإمام أحمد ص ١٩٥ و١٩٨، حلية الأولياء ١/ ١٣٣، صفة الصفوة ١/ ٤٠٥.
(٢) انظر: الزهد لأبي داود، ص ١٤٤، ح ١٤٨، المعرفة والتاريخ ٢/ ٥٤٩، المستدرك، كتاب معرفة الصحابة، ذكر مناقب عبد الله بن مسعودٍ، ٣/ ٣١٦، حلية الأولياء ١/ ١٣٣، صفة الصفوة ١/ ٤٠٦ - ٤٠٧.
(٣) انظر: مصنَّف ابن أبي شيبة، كتاب الزهد، كلام ابن مسعود، ١٩/ ١٦٥، ح ٣٥٦٨٣، المعجم الكبير للطبراني ٩/ ١٠٥، ح ٨٥٣٥، حلية الأولياء ١/ ١٣٣، صفة الصفوة ١/ ٤٠٦. قال الهيثمي: (ورجاله ثقاتٌ، إلَّا أني لم أجد للحسن سماعًا من ابن مسعود). مجمع الزوائد ١٠/ ٤٠٧.
(٤) انظر: تاريخ دمشق ٣١/ ١٤٦، صفة الصفوة ١/ ٥٧٦.
[ ٢ / ٢٧٦ ]
وروى ابن سعد في ترجمة ابن عمر من الطبقات عن أبي الوازع أنه قال: قلت لابن عمر: لا يزال الناس بخير ما أبقاك الله لهم. قال: فغضب وقال: إني لأحسبك عراقيًّا، وما يدريك ما يُغْلق عليه ابن أمّك بابه؟ (^١).
وعن أبي ذرٍّ قال: والله لوددت أن الله ﷿ خلقني يوم خلقني شجرة تُعْضَد، ويؤكل ثمرها (^٢).
[٨١ ج] وعن أبي الدرداء قال: أخوف ما أخاف أنْ يقال لي يوم القيامة: أعَلِمْتَ أم جَهِلْتَ؟ فإن قلتُ: علمتُ لا تبقى آية آمرة أو زاجرة إلا أُخِذْتُّ بفريضتها، الآمرة هل ائتمرت، والزاجرة هل ازدجرت (^٣).
_________________
(١) الطبقات الكبرى ٤/ ١٦١. وانظر: الزهد لابن المبارك (زيادات نُعَيم بن حمَّادٍ) ص ١٤، ح ٥٤، المعرفة والتاريخ ٣/ ١٩١، المدخل للبيهقيِّ ٢/ ٩١، ح ٥٤٢، تاريخ دمشق ٣١/ ١٥٧ - ١٥٨، صفة الصفوة ١/ ٥٧٢.
(٢) انظر: مسند أحمد ٥/ ١٧٣، مصنَّف ابن أبي شيبة، كتاب الزهد، كلام أبي ذرٍّ، ١٩/ ٢٠٩، ح ٣٥٨٢٧، الزهد لأبي داود، ص ١٨٦ - ١٨٧، ح ٢٠٣، الزهد لوكيعٍ ١/ ٣٩٣، ح ١٥٩، المستدرك، كتاب الأهوال، بشارة النبيِّ للمؤمنين أن يكونوا شطر أهل الجنَّة، ٤/ ٥٧٩. الزهد لهناد ص ٢٥٩، ح ٤٥٠، الزهد لابن أبي عاصم، ص ٤٢، ح ٦٦، حلية الأولياء ١/ ١٦٤، صفة الصفوة ١/ ٥٩٥. وروي مرفوعًا، أخرجه الترمذيُّ في كتاب الزهد، باب قول النبيِّ - ﷺ -: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا»، ٤/ ٥٥٦، ح ٢٣١٢، وقال: (هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ). وابن ماجه في كتاب الزهد، باب الحزن والبكاء، ٢/ ١٤٠٢، ح ٤١٩٠، والحاكم في المستدرك، الموضع السابق، ٤/ ٥٧٩، وقال: (هذا حديثٌ صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه)، ولم يتعقَّبه الذهبيُّ. والموقوف هو الأشبه، كما قال الألباني في السلسلة الضعيفة ٤/ ٢٦١، ح ١٧٨٠، والسلسلة الصحيحة ٤/ ٢٩٩، ح ١٧٢٢.
(٣) انظر: حلية الأولياء ١/ ٢١٤، صفة الصفوة ١/ ٦٣٠. وورد نحوه في الزهد للإمام أحمد ص ١٧٠، وشعب الإيمان للبيهقيِّ ٤/ ٤١١، ح ١٦٤٦، وجامع بيان العلم ١/ ٥٤٩، ح ١٢٠١. ورُوِي مرفوعًا، وأوَّله: «كيف أنت يا عُوَيمر إذا قيل لك يوم القيامة: أعلمتَ أم جهلتَ ». أخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده، كما في بغية الباحث ٢/ ١٠٠٤، ح ١١٢٤، والخطيب في اقتضاء العلم العمل ص ١٩، ح ٥، وابن عساكر في تاريخه ٦٧/ ١٨١. وضعَّفه الألبانيُّ في السلسلة الضعيفة ٩/ ١٧٩، ح ٤١٥٧.
[ ٢ / ٢٧٧ ]
وعن أم المؤمنين عائشة ﵂؛ دخل عليها ابن عباس وهي محتضَرة فبشرها، وذكر فضائلها. فقالت: دعني عنك يا ابن عباس، فوالذي نفسي بيده، لوددت أني كنت نسيًا منسيًّا (^١).
وعن زين العابدين علي بن الحسين بن علي ﵈ أنه حجَّ فلما أحرم واستوت به راحلته اصْفَرَّ لونه، وانتفض، ووقع عليه الرِّعْدة ولم يستطع أن يلبي فقيل له: مالك لا تلبي؟ فقال: أخشى أن أقول: لبيك فيقال لي: لا لبيك، فقيل له: لا بدَّ من هذا، فلما لَبَّى غُشِيَ عليه، وسقط عن راحلته، فلم يزل يعتريه ذلك حتى قضى حجَّه (^٢).
وعن محمد بن عليِّ بن الحسين أنه كان يقول في جوف الليل: إلهي أمرتني فلم آتَمِرْ، وزجرتني فلم أزدجر، هذا عبدك بين يديك ولا أعتذر (^٣).
_________________
(١) انظر: صحيح البخاريِّ، كتاب التفسير، سورة النور، باب: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا ﴾، ٦/ ١٠٦، ح ٤٧٥٣، حلية الأولياء ٢/ ٤٥، صفة الصفوة ٢/ ٣٧ - ٣٨.
(٢) ذُكِرَتْ هذه القصة في ترجمة علي بن الحسين من تهذيب التهذيب [٧/ ٣٠٦]. [المؤلف]. وانظر: المجالسة وجواهر العلم ٣/ ١٥٤، تاريخ دمشق ٤١/ ٣٧٨. قال الذهبي: (إسنادها مرسلٌ). سير أعلام النبلاء ٤/ ٣٩٢.
(٣) انظر: التوبة لابن أبي الدنيا، ص ٩٢، ح ١٠١، حلية الأولياء ٣/ ١٨٦، صفة الصفوة ٢/ ١١١.
[ ٢ / ٢٧٨ ]
وعن الفضيل بن عياضٍ قال: لو خيرت بين أن أعيش كلبًا أو أموت كلبًا ولا أرى القيامة لاخترت أن أعيش كلبًا أو أموت كلبًا ولا أرى القيامة (^١).
وعنه قال: أخذت على يد سفيان بن عيينة في هذا الوادي، فقلت: إن كنت تظن أنه بقي على وجه الأرض شر مني ومنك؛ فبئس ما تظن (^٢).
[٨١ د] وعن بشرٍ الحافي أنه قال: شهرني ربي في الدنيا فليته لا يفضحني في القيامة، ما أقبح بمثلي يُظَنُّ بي ظنٌّ وأنا على خلافه، إنما ينبغي لي أن يكون أكثر ما يُظَنُّ بي أني أكره الموت، وما يكره الموت إلا مريب، ولولا أني مريب لأيِّ شيء أكره الموت (^٣).
وعنه: لقيه سكران وجعل يقبِّله ويقول: يا سيّدي، فلما ولّى تغرغرت عينا بشر بالدموع، وقال: رجل أحبَّ رجلًا على خيرٍ توهَّمه، لعلَّ المحبّ قد نجا، والمحبوب لا يدري ما حاله (^٤).
وعنه قال: ربما رفعت يدي في الدعاء فأردُّها أو قال: فأستلها، أقول: إنما يعمل هذا من كان له عنده وجه (^٥).
_________________
(١) انظر: حلية الأولياء ٨/ ٨٤، صفة الصفوة ٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩.
(٢) انظر: حلية الأولياء ٨/ ١٠١، صفة الصفوة ٢/ ٢٣٩ - ٢٤٠. ونحوه في تاريخ دمشق ٤٨/ ٤١٨.
(٣) انظر: طبقات الصوفية ص ٥٠، صفة الصفوة ٢/ ٣٢٦.
(٤) انظر: تاريخ دمشق ١٠/ ٢٠٣ - ٢٠٤، صفة الصفوة ٢/ ٣٢٧.
(٥) انظر: صفة الصفوة ٢/ ٣٣٠.
[ ٢ / ٢٧٩ ]
وعن السَّريِّ السقطي (^١) فيما حكاه الجنيد عنه، قال: ما أرى لي على أحد فضلًا، قيل: ولا على المخنثين، قال: ولا على المخنثين (^٢).
وعنه فيما حكاه الجنيد أيضًا عنه قال: ما أحب أن أموت بحيث أُعْرَف، أخاف أن تقذفني الأرض، فأفتضح (^٣).
قال الجنيد: وسمعت سَريًّا يقول: إني لأنظر إلى أنفي كلَّ يوم مرتين مخافة أن يكون قد أسودَّ وجهي (^٤).
وعن أبي عبد الله البراثي (^٥) قال: حملتنا المطامع على سوء الصنائع، نذلّ لمن لا يقدر لنا على ضرٍّ ولا نفع، ونخضع لمن لا يملك لنا رزقًا، ولا موتًا ولا حياة، ولا نشورًا، وكيف أزعم أني أعرف ربي حق معرفته، وأنا أصنع ذلك، هيهات هيهات (^٦).
_________________
(١) السري بن المغلس السقطي، أبو الحسن البغدادي، الإمام القدوة شيخ الإسلام، ولد في حدود الستين ومائة، وتوفي في رمضان سنة ثلاث وخمسين ومائتين، وقيل: إحدى وخمسين، وقيل: سبع وخمسين. انظر: تاريخ بغداد ٩/ ١٨٧، سير أعلام النبلاء ١٢/ ١٨٥.
(٢) انظر: طبقات الصوفية ص ٥٣، حلية الأولياء ١٠/ ١٢٤، صفة الصفوة ٢/ ٣٧٥.
(٣) انظر: شعب الإيمان ٣/ ١٦٩، ح ٦٩٢، حلية الأولياء ١٠/ ١١٦، صفة الصفوة ٢/ ٣٧٦.
(٤) انظر: شعب الإيمان ٣/ ١٦٩، ح ٦٩١، حلية الأولياء ١٠/ ١١٦، صفة الصفوة ٢/ ٣٧٦.
(٥) محمد بن خالد بن يزيد بن غزوان البراثي، كان كثير البر والإحسان، وكان صديق بشر بن الحارث. اللباب ١/ ١٣١.
(٦) انظر: حلية الأولياء ١٠/ ٣٢٣، صفة الصفوة ٢/ ٣٨٩.
[ ٢ / ٢٨٠ ]
وعن الجنيد قال: كنت بين يدي السَّرِيِّ السقطي ألعب وأنا ابن سبع سنين، وبين يديه جماعة [٨١ هـ] يتكلّمون في الشكر فقال لي: يا غلام! ما الشكر؟ فقلت: ألاّ تعصي الله بنعمه، فقال لي: أخشى أن يكون حظُّك من الله لسانَكَ. قال الجنيد: فأنا أبكي على هذه الكلمة التي قالها السريُّ لي (^١).
وعن الربيع بن خُثَيْم أنه كان إذا قيل له: كيف أصبحت قال: أصبحنا ضعفاء مذنبين، نأكل أرزاقنا وننتظر آجالنا (^٢).
وقال: أدركنا أقوامًا كنا في جنوبهم لصوصًا (^٣).
وعن داود الطائي أنه وعظ رجلًا ثم قال: إني لأقول لك هذا، وما أعلم أحدًا أشدَّ تضييعًا مني (^٤).
وعن سفيان الثوري رآه رجل يكثر البكاء فقال له: يا أبا عبد الله أراك كثير الذنوب فرفع شيئًا من الأرض، فقال: والله لذنوبي أهون عندي من ذا، إني أخاف أن أسلب الإيمان قبل أن أموت (^٥).
_________________
(١) انظر: الرسالة القشيرية ص ٩٥، تاريخ بغداد ٧/ ٢٤٤ - ٢٤٥، صفة الصفوة ٢/ ٤١٧.
(٢) انظر: الزهد لابن المبارك (زيادات نعيم بن حماد) ص ٣٨، ح ١٥١، الزهد لهنَّاد بن السريِّ ص ٢٩٣، ح ٥١٣، مصنَّف ابن أبي شيبة، كتاب الزهد، كلام ربيع بن خُثَيمٍ ١٩/ ٢٦٦ - ٢٦٧، ح ٣٥٩٨٧، الطبقات الكبرى ٦/ ١٨٥، المعرفة والتاريخ ٢/ ٥٦٤، الدعاء للطبراني ١/ ٥٤١، ح ١٩٤٠، حلية الأولياء ٢/ ١٠٩، صفة الصفوة ٣/ ٦٧.
(٣) انظر: الطبقات الكبرى ٦/ ١٨٩، الرقَّة والبكاء لابن أبي الدنيا، ص ١٦٣، ح ٢١٨، حلية الأولياء ٢/ ١٠٩، صفة الصفوة ٣/ ٦٨.
(٤) انظر: الزهد لابن أبي الدنيا، ص ١٩٠، ح ٤٩٠، حلية الأولياء ٧/ ٣٤٦، اقتضاء العلم العمل، ص ١١٠ - ١١١، ح ١٩٣، صفة الصفوة ٣/ ١٣٨.
(٥) انظر: شعب الإيمان ٣/ ١٣٣ - ١٣٤، ح ٨٣٩، حلية الأولياء ٧/ ١٢، صفة الصفوة ٣/ ١٥٠.
[ ٢ / ٢٨١ ]
وعن هرم بن حيان (^١) قال: والله لوددت أني شجرة من هذه الشجر، أكلتني هذه الراحلة، ثم قذفتني بَعْرًا، ولم أكابد الحساب، إني أخاف الداهية الكبرى؛ إما إلى الجنة وإما إلى النار (^٢).
وعن الحسن البصري؛ بكى مرة، فقيل: ما يبكيك؟ فقال: أخاف أن يطرحني في النار ولا يبالي (^٣).
وعنه قال: لقد أدركت أقوامًا ما أنا عندهم إلا لصٌّ (^٤).
وعن مالك بن دينار قال: رأيت أبا عبد الله مسلم بن يسار في منامي بعد موته، فسلّمت عليه فلم يردَّ السلام، فقلت: ما يمنعك أن تردّ عليّ السلام؟ فقال: أنا ميِّت، فكيف أرد عليك السلام، قال: قلت له: فماذا لقيت بعد الموت؟ قال: فدمعت عينا مالك عند ذلك، وقال: لقيت والله أهوالًا زلازل (^٥) عظامًا شدادًا، [٨١ و] قال: فقلت: فما كان بعد ذلك؟ قال: وما تراه يكون من الكريم؟ قبل منا الحسنات وعفا لنا عن السيِّئات، وضمن عنا التبعات، قال: ثم شهق مالك شهقة خرّ مغشيًّا عليه، قال: فلبث بعد ذلك
_________________
(١) هو العبدي الأزديُّ البصريُّ، أحد العُبَّاد، قال ابن سعدٍ: كان عاملًا لعمر، وكان ثقةً، له فضلٌ وعبادةٌ. سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٨. وانظر: الطبقات الكبرى ٧/ ١٣١ - ١٣٢، حلية الأولياء ٢/ ١١٩.
(٢) انظر: الزهد للإمام أحمد ص ٢٨٤ - ٢٨٥، المتمنِّين لابن أبي الدنيا ص ٣٦ - ٣٧، ح ٣٧، حلية الأولياء ٢/ ١٢٠، صفة الصفوة ٣/ ٢١٤.
(٣) انظر: صفة الصفوة ٣/ ٢٢٣.
(٤) انظر: شعب الإيمان ٩/ ٢٨٥، ح ٤٦٧٣، حلية الأولياء ٨/ ٢٤٠، صفة الصفوة ٣/ ٢٣٤.
(٥) كذا في الأصل، وفي المصادر: وزلازل.
[ ٢ / ٢٨٢ ]
أيامًا مريضًا من غشيته، ثم مات (^١).
وقال صالح المرِّي: وقف مُطرِّف بن عبد الله بن الشخِّير وبكر بن عبد الله المزني بعرفة، فقال مطرِّف: اللهم لا تردَّهم اليوم من أجلي. وقال بكر: ما أشرفه من مقام وأرجاه لأهله لولا أني فيهم (^٢).
وعن العلاء بن زياد أنه قال: إنما نحن قوم وضعنا أنفسنا في النار، فإن شاء الله أن يخرجنا منها أخرجَنا (^٣).
وعن محمد بن واسع أنه قال: لو كان يوجد للذنوب ريح ما قدرتم أن تدنوا مني من نتن ريحي (^٤).
وعنه أنه لما مرض كثر عُوَّاده فقال لرجل: أخبرني ما يغني هؤلاء إذا أُخِذَ بناصيتي وقدمي غدًا وأُلْقِيتُ في النار؟ ! ثم تلا هذه الآية: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١] (^٥).
وعن مالك بن دينار أنه قال له محمد بن واسع: يا أبا يحيى! إن كنت
_________________
(١) انظر: المنامات لابن أبي الدنيا ص ٣٩، ح ٣٠، حسن الظن بالله لابن أبي الدنيا ص ١١٤، ح ١٣١، المجالسة وجواهر العلم ١/ ٤٥٢، ح ١٤٠، حلية الأولياء ٢/ ٢٩٥، صفة الصفوة ٣/ ٢٤١.
(٢) انظر: الزهد للإمام أحمد ص ٢٩٨، صفة الصفوة ٣/ ٢٤٨.
(٣) انظر: الزهد للإمام أحمد ص ٣١٢، شعب الإيمان ٣/ ٢١١، ح ٩٥٣، حلية الأولياء ٢/ ٢٤٥، صفة الصفوة ٣/ ٢٥٤.
(٤) انظر: حلية الأولياء ٢/ ٣٤٩، صفة الصفوة ٣/ ٢٦٨.
(٥) انظر: المحتضرين لابن أبي الدنيا ص ١٤٢ - ١٤٣، ح ١٨٣ - ١٨٤، حلية الأولياء ٢/ ٣٤٨، صفة الصفوة ٣/ ٢٧١.
[ ٢ / ٢٨٣ ]
من أهل الجنة فهنيئًا لك، فقال مالك: ينبغي لنا إذا ذكرنا الجنة أن نخزى (^١).
وعنه قال: والله لو وقف ملك بباب المسجد وقال: يخرج شرّ مَنْ في المسجد لبادرتكم إليه (^٢).
وعنه أنه قال له رجل: يا مرائي! فقال: متى عرفت اسمي، ما عَرَفَ اسمي غيرُك (^٣).
وعنه لما حضرته الوفاة قال: لولا أني أكره أن أصنع شيئًا لم يصنعه أحد قبلي [٨١ ز] لأوصيت أهلي إذا أنا متُّ أن يقيِّدوني، وأن يجمعوا يديَّ إلى عنقي، وأن ينطلقوا بي على تلك الحال حتى أُدْفَن، كما يُصْنَع بالعبد الآبق (^٤).
وقال عبد الواحد بن زيدٍ: إن حبيبًا أبا محمدٍ وهو العجميُّ جزع جزعًا شديدًا عند الموت، فجعل يقول بالفارسية: أريد أن أسافر سفرًا ما سافرته قطُّ ثم أُوْقَف بين يدي الله فأخاف أن يقول لي: يا حبيب هات تسبيحةً واحدةً سبَّحتني في ستِّين سنةً، لم يظفر بك الشيطان فيها بشيءٍ، فماذا أقول وليس لي حيلةٌ؟ أقول: يا ربِّ قد أتيتك مقبوض اليدين إلى عنقي. قال عبد الواحد: هذا قد عبد الله ستِّين سنةً مشتغلًا به، ولم يشتغل من الدنيا
_________________
(١) انظر: تاريخ دمشق ٥٦/ ٤٢٢، صفة الصفوة ٣/ ٢٧٩.
(٢) انظر: صفة الصفوة ٣/ ٢٨١ - ٢٨٢.
(٣) انظر: شعب الإيمان ١٤/ ٥١٥، ح ٨١٠٨، حلية الأولياء ٨/ ٣٣٩، تاريخ دمشق ٥٦/ ٤٢٠، صفة الصفوة ٣/ ٢٨٧.
(٤) انظر: المنتخب من كتاب الزهد والرقائق للخطيب البغدايِّ ص ١٠١، ح ٧١، صفة الصفوة ٣/ ٢٨٨.
[ ٢ / ٢٨٤ ]
بشيءٍ قطُّ، فأيُّ شيءٍ حالنا؟ واغوثاه بالله! (^١).
وعن بشر بن منصورٍ (^٢) قال: كنت أوقد نارًا بين يدي عطاءٍ السلمي (^٣) في غداةٍ باردةٍ، فقلت له: يا عطاء، يَسُرُّك الساعة لو أنك أُمِرْتَ أن تُلْقِيَ نفسك في هذه النار ولا تبعث إلى الحساب؟ فقال لي: إي ورب الكعبة. قال: ثم قال: والله مع ذلك لو أُمِرْتُ لخشيت أن تخرج نفسي فرحًا قبل أن أصل إليها (^٤).
وقال عبد الواحد بن زيدٍ: ربما سهرت مفكِّرًا في طول حزن عُتبة (الغلام) (^٥)، ولقد كلَّمته ليرفق بنفسه، فبكى، وقال: إنما أبكي على تقصيري (^٦).
وعن سهل التستري أنه قال: أول الحجاب الدَّعْوَى، فإذا أخذوا في الدعوى حُرِمُوا (^٧).
_________________
(١) انظر: المجالسة وجواهر العلم ٤/ ٣٩٩ - ٤٠٠، ح ١٥٩٤، صفة الصفوة ٣/ ٣٢١.
(٢) السَّليمي، أبي محمد الأزدي البصري، عابد زاهد. توفي سنة ١٨٠ هـ. انظر: التاريخ الكبير ٢/ ٢/٨٤ برقم ١٧٧٠، سير أعلام النبلاء ٨/ ٣٥٩ - ٣٦١.
(٣) من صغار التابعين، نُقلت عنه أشياء في الخوف فيها غلو. توفي بعد الأربعين ومائة. انظر: سير أعلام النبلاء ٦/ ٨٦ - ٨٨.
(٤) انظر: شعب الإيمان ٣/ ١٦٨ - ١٦٩، ح ٨٩٠، حلية الأولياء ٦/ ٢١٦، صفة الصفوة ٣/ ٣٢٥.
(٥) هو عتبة بن أبان بن صمعة، من عباد أهل البصرة وزهادهم ممن جالس الحسن. روى عنه البصريون الحكايات. مات غازيًا. الثقات لابن حبان ٧/ ٢٧٠، السير ٧/ ٦٢.
(٦) انظر: حلية الأولياء ٦/ ٢٣٦، صفة الصفوة ٣/ ٣٧٢ - ٣٧٣.
(٧) انظر: حلية الأولياء ١٠/ ٢٠٢، صفة الصفوة ٤/ ٦٥.
[ ٢ / ٢٨٥ ]
وعنه أنه قال: ليس بين العبد وبين الله حجاب أغلظ من الدَّعْوَى، ولا طريق أقرب من الافتقار (^١).
[٨١ ح] وعن شاه بن شجاعٍ الكرماني (^٢) أنه قال: لأهل الفضل فضلٌ ما لم يروه، فإذا رأوه فلا فضل لهم، ولأهل الولاية ولايةٌ ما لم يروها، فإذا رأوها فلا ولاية لهم (^٣).
وعن يحيى بن معاذ الرازي (^٤) أنه قال: ليس بعارفٍ مَنْ لم يكن غاية أمله من ربه العفو (^٥).
وعنه أنه قال: لا يفلح مَنْ شمِمْتَ منه رائحة الرياسة (^٦).
وقال: ذنوب مزدحمة على عاقبة مبهمة، ثم قال: إلهي! سلامة إن لم يكن كرامة (^٧).
_________________
(١) انظر: المنتخب من كتاب الزهد والرقائق للخطيب البغداديِّ ص ١٢٣، ح ١٠١، صفة الصفوة ٤/ ٦٥.
(٢) هو شاه بن شجاع بن محمد بن المظفر، جلال الدين، أبو الفوارس، كان من أولاد الملوك، فتزهَّد، وصحب أبا تراب النخشبي، قال السُّلَميُّ: كان من علماء هذه الطبقة، وله رسالاتٌ مشهورةٌ، توفِّي قبل الثلاثمائة. انظر: طبقات الصوفيَّة للسلميِّ ١٩٢، الوافي بالوفيات ١٦/ ٩١.
(٣) انظر: طبقات الصوفية للسلميِّ ١٩٣، صفة الصفوة ٤/ ٦٨.
(٤) زاهدٌ، له كلامٌ جيِّدٌ، ومواعظ مشهورةٌ. توفِّي بنيسابور سنة ثمانٍ وخمسين ومائتين. انظر: طبقات الصوفيَّة ١٠٧ - ١١٤، سير أعلام النبلاء ١٣/ ١٥.
(٥) انظر: القصَّاص والمذكِّرين ص ٢٧٢، ح ١٣٤، صفة الصفوة ٤/ ٩٣.
(٦) انظر: حلية الأولياء ١٠/ ٥٣، صفة الصفوة ٤/ ٩٤.
(٧) انظر: صفة الصفوة ٤/ ٩٦.
[ ٢ / ٢٨٦ ]
وعن محمد بن أسلم الطوسي أنه كان يقول: والله الذي لا إله إلا الله هو ما رأيت نفسًا تصلِّي إلى القبلة شرًّا عندي من نفسي (^١).
وعن إبراهيم بن أدهم أنه كان ناطورًا في كَرْمٍ، فمرَّ به رجل، فقال: ناوِلْنا من هذا العنب، قال إبراهيم: ما أذن لي صاحبه. فقَلَب الرجل السوط فجعل يُقنِّعُ (^٢) رأس إبراهيم، فطأطأ إبراهيم رأسه، وقال: اضرب رأسًا طالما عصى الله (^٣).
وعن رَابِعَة العدوية أنه قال لها رجل: ادعي، فالتصقت بالحائط، وقالت: مَنْ أنا يرحمك الله، أَطِع ربك وادعه؛ فإنه يجيب المضطرَّ (^٤).
وعن شقيق البلخي (^٥) أنه قال: مَثَلُ المؤمن كمثل رجل غرس نخلة وهو يخاف أن تحمل شوكًا، ومَثَل المنافق كمَثَل رجل زرع شوكًا وهو يطمع أن يحصد تمرًا (^٦).
وعن أبي سليمان الداراني أنه قال: من حَسَّن ظنَّه بالله ثم لا يخاف الله فهو مخدوع (^٧).
_________________
(١) انظر: حلية الأولياء ٩/ ٢٤٤، صفة الصفوة ٤/ ١٢٧.
(٢) قنَّع رأسه بالسوط: علاه به.
(٣) انظر: حلية الأولياء ٧/ ٣٧٩، تاريخ دمشق ٦/ ٣١٦.
(٤) انظر: صفة الصفوة ٤/ ٢٨.
(٥) الإمام الزاهد شقيق بن إبراهيم الأزدي البلخي، أبو علي، صاحب إبراهيم بن أدهم، قُتل في غزاة كولان سنة ١٩٤ هـ. حلية الأولياء ٨/ ٥٨، سير أعلام النبلاء ٩/ ٣١٣.
(٦) انظر: حلية الأولياء ٨/ ٧١، صفة الصفوة ٤/ ١٦٠.
(٧) انظر: حلية الأولياء ٩/ ٢٧٢، صفة الصفوة ٤/ ٢٢٦.
[ ٢ / ٢٨٧ ]
وعنه أنه قال: ربّما مثل لي رأسي بين جبلين من نار، وربما رأيتُني أهوي فيها حتى أبلغ قرارها، وكيف تهنأ الدنيا مَنْ كانت هذه صفته (^١).
وعنه أنه قال: إنما ارتفعوا بالخوف، فإن ضيَّعوا نزلوا، وينبغي للعاقل وإن بلغ أعلى درجة [٨١ ط] أن يُفَزِّع (^٢) قلبَه بأسفل درجة من ذكر الموت في المقابر والبعث (^٣).
وعنه أنه قال: ليس العبادة عندنا أن تَصُفَّ قدميك وغيرُك يَفُتُّ لك، ولكن ابدأ برغيفيك فأحرزهما ثم تعبَّد، ولا خير في قلب يتوقَّع قَرْعَ الباب يتوقَّع إنسانًا يجيئه يعطيه شيئًا (^٤).
وقال أحمد بن أبي الحواري (^٥): قلت لأبي سليمان: إن فلانًا وفلانًا لا يقعان على قلبي، قال: ولا على قلبي، ولكن لعلّنا أُتِينا من قلبي وقلبك، فليس فينا خير، وليس نحبُّ الصالحين (^٦).
وعن الجنيد أنه قال: لولا أنه يُروى أنه يكون في آخر الزمان زعيم القوم أرذلهم؛ ما تكلَّمت عليكم (^٧).
_________________
(١) انظر: حلية الأولياء ٩/ ٢٦١، صفة الصفوة ٤/ ٢٢٧.
(٢) أي: يخوِّف.
(٣) انظر: صفة الصفوة ٤/ ٢٢٧.
(٤) انظر: حلية الأولياء ٩/ ٢٦٤، صفة الصفوة ٤/ ٢٣٠.
(٥) هو أحمد بن عبد الله بن ميمون، شيخ أهل الشام، إمام زاهد عالم، توفي سنة ٢٤٦ هـ. حلية الأولياء ١٠/ ٥، سير أعلام النبلاء ١٢/ ٨٥.
(٦) انظر: حلية الأولياء ٩/ ٢٦٢ - ٢٦٣، صفة الصفوة ٤/ ٢٣٢.
(٧) انظر: حلية الأولياء ١٠/ ٢٦٣، صفة الصفوة ٢/ ٤٢٠. وعبارة: «وكان زعيم القوم أرذلهم» وردت في حديثٍ ضعيفٍ أخرجه التِّرمِذيِّ في كتاب الفتن، باب ما جاء في علامة حلول المسخ والخسف، ٤/ ٤٩٤، ح ٢٢١٠، ضمن خمس عشرة خصلةً إذا فعلتها الأمَّة حلَّ بها البلاء، وقال التِّرمِذيُّ: (هذا حديثٌ غريبٌ لا نعرفه من حديث عليِّ بن أبي طالبٍ إلَّا من هذا الوجه، ولا نعلم أحدًا رواه عن يحيى بن سعيدٍ الأنصاريِّ غير الفرج بن فضالة، والفرج بن فضالة قد تكلَّم فيه بعض أهل الحديث وضعَّفه من قبل حفظه ). وانظر كلام الأئمَّة في تضعيفه في السلسلة الضعيفة ٣/ ٣١٢ - ٣١٣، ح ١١٧٠.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
الزعيم: هو الرئيس، يعني: أني إذا تكلمت عليكم أجعل نفسي رئيسكم فأنا أخاف من ذلك أن يلزم منه تزكيتي لنفسي، ولكن هذه الرواية دفعت الخوف؛ لأنها تُشْعِر بأني إذا تكلّمت عليكم فأنا أرذلكم.
وعن ذي النون المصري (^١) أنه قال: من تطأطأ لقط رُطَبًا ومن تعالى لقي عطبًا (^٢).
وعن أبي يزيد البسطامي أنه قال: لو صَفَتْ لي تهليلةٌ ما باليت بعدها بشيء (^٣).
وعنه أنه قال: ما دام العبد يظنّ أن في الخلق من هو شرٌّ منه فهو متكبِّر (^٤).
_________________
(١) هو ثوبان بن إبراهيم، وقيل في اسمه غير ذلك، الإخميميُّ النوبيُّ، يكنى أبا الفيض أو الفياض، الزاهد، كان عالمًا واعظًا فصيحًا حكيمًا، توفي سنة ٢٤٥ هـ. تاريخ بغداد ٨/ ٣٩٣، سير أعلام النبلاء ١١/ ٥٣٢ - ٥٣٣.
(٢) انظر: حلية الأولياء ٩/ ٣٧٦، صفة الصفوة ٤/ ٣١٩.
(٣) انظر: حلية الأولياء ١٠/ ٤٠، صفة الصفوة ٤/ ١٠٨.
(٤) انظر: حلية الأولياء ١٠/ ٣٦، صفة الصفوة ٤/ ١٠٩.
[ ٢ / ٢٨٩ ]
وعن أبي بكرٍ الهلالي (^١) أنه قال: رَمَوا بِهِمَمِهم إلى أعلى الفضائل وضيّعوا الفرائض، فلا إلى هممهم وصلوا ولا قاموا بقليلٍ ما به وُكِلُوا، ومَن قام بقليل ما وُكِل به اؤتمن على الكثير، ومن لم يقم بقليل ما وُكِلَ به لم يؤتمن على قليلٍ ولا كثيرٍ (^٢).
وسئل يوسف بن أسباط عن غاية (التواضع) فقال: أن تخرج من بيتك فلا تلقى أحدًا إلا رأيت أنه خيرٌ منك (^٣).
وعنه أنه قال: خرجت سَحَرًا لأؤذِّن فإذا عليّ ليلٌ، فقعدت فإذا أَسْوَد في يده حجرٌ يريد أن يضربني، ووراءه شيءٌ أبيض بيده حجرٌ يريد أن يصرفه عني، فقلت: هذان شيطانان يريدان أن يُرِيَاني أني رجلٌ صالحٌ، فقلت: كلاكما شيطان؛ فطارا (^٤).
وعن حذيفة بن قتادة المرعشي (^٥) أنه قال: إن لم تخش أن يعذِّبك الله على أفضل عملك، فأنت هالك (^٦).
وقال: لو جاءني رجلٌ، فقال لي: والله الذي لا إله إلا هو، ما عَمَلُك
_________________
(١) هو محمد بن معمر، من أهل طبرية. تاريخ دمشق ٥٦/ ١٦.
(٢) انظر: صفة الصفوة ٤/ ٢٤٣ - ٢٤٤.
(٣) انظر: حلية الأولياء ٨/ ٢٣٨، صفة الصفوة ٤/ ٢٦٥.
(٤) انظر: صفة الصفوة ٤/ ٢٦٥.
(٥) من العُبَّاد، صحب سفيان الثوري، وروى عنه. مات سنة ٢٠٧ هـ، الثقات لابن حبان ٨/ ٢١٥ - ٢١٦، حلية الأولياء ٨/ ٢٦٧، سير أعلام النبلاء ٩/ ٢٨٣.
(٦) انظر: حلية الأولياء ٨/ ٢٦٨، صفة الصفوة ٤/ ٢٦٨. قال الذهبي تعليقًا على هذا الكلام: يعني: لما يعتوِرُه من الآفات. انظر: تاريخ الإسلام ٥/ ٤٧.
[ ٢ / ٢٩٠ ]
عملَ من يؤمن بيوم الحساب؛ لقلت له: يا هذا! لا تكفِّر عن يمينك، فإنك لم تحنث (^١).
وجاء سعيد بن عبد العزيز (^٢) إلى سليمان الخوَّاص (^٣) بِصُرَّةٍ، وقال له: تنفق هذا وأنا أحلف لك بين يدي الله تعالى أنه حلالٌ، فقال: لا حاجة لي فيها، فقال له: ما ترى ما الناس فيه؟ دعوةً، فصرخ سليمان صرخةً، ثم قال: ما لك يا سعيد، فتنتني بالدنيا وتَفْتِنُني بالدين، مالي والدعاء؟ مَن أنا؟ ! (^٤).
وعن فتح الموصلي (^٥) قال: كبرت عليَّ خطاياي وكثرت، حتى لقد آيسَتْني من عظيم عفو الله، ثم قال: وأَنى آيَسُ منك، وأنت الذي جُدْتَ على السَّحَرة بعد أن غدوا كفرةً فجرةً؟ ولم يزل يقول: وأنى آيسُ منك؟ حتى سقط مغشيًّا عليه (^٦).
ما لم أنسبه من هذه الآثار فهو من كتاب صفة الصفوة، وعامَّتها في الحلية لأبي نعيم بأسانيدها.
_________________
(١) انظر: حلية الأولياء ٨/ ٢٦٨، صفة الصفوة ٤/ ٢٦٨.
(٢) أبو محمد التنوخي، الدمشقي، مفتيها، مات سنة ١٦٧ هـ. حلية الأولياء ٦/ ١٢٤، سير أعلام النبلاء ٨/ ٣٢.
(٣) من العابدين الكبار، المرابطين في الثغر في الشام، وكان لا يأكل إلَّا الحلال المحض، وما له حديثٌ مستقيمٌ يرجع إليه. الثقات لابن حبان ٨/ ٢٧٧، سير أعلام النبلاء ٨/ ١٧٨.
(٤) انظر: حلية الأولياء ٨/ ٢٧٧ (طرفه الأوَّل)، صفة الصفوة ٤/ ٢٧٣ - ٢٧٤.
(٥) هو فتح بن سعيد الموصلي، أبو نصر، كان شريفًا زاهدًا، مات سنة ٢٢٠ هـ. حلية الأولياء ٨/ ٢٩٢، تاريخ بغداد ١٢/ ٣٨١ - ٣٨٣.
(٦) انظر: حسن الظن بالله لابن أبي الدنيا، ص ١١٤، ح ١٣٠، صفة الصفوة ٤/ ١٨٦.
[ ٢ / ٢٩١ ]
فأما مَنْ ذُكِر من أهل البيت والصحابة فمقامه معروف، وأما من ذُكِرَ من غيرهم فعامَّتهم ممَّن عُرِفَ بالعلم والعمل والزهد والصلاح واشتهر بالولاية، ونُقِلَتْ عنهم كرامات كثيرة.
وكثير من الناس يقول في الآثار المتقدمة: إنها من باب التواضع. وهذا حقٌّ، ولكن قد تقدَّم عن يوسف بن أسباط تفسير التواضع. وليس المراد بالتواضع أن يخبر المرء عن نفسه بخلاف ما يعتقده؛ فإن هذا كذب، وقد كان السلف أبعد الناس عن الكذب مطلقًا.
وفي ترجمة القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق من «تهذيب التهذيب» (^١): وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: رأيت القاسم يصلِّي فجاء إليه أعرابي [٨١ ي] فقال له: أيما أعلم أنت أو سالم؟ فقال: سبحان الله، فكرَّر عليه، فقال: ذاك سالم فاسأله. قال ابن إسحاق: كره أن يقول: أنا أعلم من سالم، فيزكِّي نفسه، وكره أن يقول: سالم أعلم مني، فيكذب. قال: وكان القاسم أعلمهما».
وأنت ترى في هذه الآثار المتقدمة أن منهم من أقسم بالله تعالى وأكَّد اليمين.
وفي الآثار المتقدمة الحكم على الناس بأن المدَّعِيَ محروم، ومن رأى لنفسه فضلًا فلا فضل له، ومن رأى لنفسه ولاية فلا ولاية له، ومن حسَّن ظنه بالله ثم لا يخاف الله فهو مخدوع، وأن الذين ارتفعوا إنما ارتفعوا بالخوف، فإذا ضيَّعوا نزلوا، وأن من تعالى لقي عَطَبًا، وأنه مادام العبد يظنُّ أن في
_________________
(١) تهذيب التهذيب ٨/ ٣٣٤. وانظر: حلية الأولياء ٢/ ١٨٤.
[ ٢ / ٢٩٢ ]
الخلق من هو شرٌّ منه فهو متكبِّر، وأن التواضع أن تخرج من بيتك فلا تلقى أحدًا إلا رأيت أنه خير منك، وأنه من لم يخش أن يعذِّبه الله تعالى على أفضل عمله فهو هالك، وقول فضيل بن عياض لسفيان بن عيينة: إن كنت تظن أنه بقي على وجه الأرض شر مني ومنك فبئس ما تظن.
فهذه الآثار تصرِّح بأن على كل إنسان أن يعتقد في نفسه النقص والتقصير، ويُظهر ذلك، ويطهِّر نفسه من العُجْب وظنِّ أنه صالح أو فاضل، وأنَّ من لم يصنع ذلك فهو متكبر، والمتكبر هالك. فكيف بمن تعدَّى حسن الظن بنفسه إلى الدعوى والشَّطح؟ فانظر حال السلف وحال من بعدهم.
[٨٢] فقد جاء بعد ذلك أقوام يتغالون في مدح أنفسهم وإطرائها حتى إن بعضهم ليفضِّل نفسه على الأنبياء والمرسلين والملائكة المقرَّبين، ومنهم من يتجاوز ذلك فيزعم أنه ربُّ العالمين، أو أن ربَّ العالمين لا يقدر على مخالفته، ونحو ذلك مما يسمُّونه الشَّطح، ويعدُّونه من علامات الولاية.
وأقلُّ ما يدلُّ عليه هذا فضل علم السلف على علم الخلف، فإن ميزان العلم الخشية، قال الله ﵎: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
وفي كتب الزهد والرقائق كلمات كثيرة عن السادة الصوفية في وجوب مقت النفس وسوء الظنِّ بها، وذمِّ مَنْ يزكِّي نفسه أو يظن بها خيرًا، ولكن أكثر هذه الكتب تشتمل على أدوية وسموم، وإلى الله المشتكى.
وليس مقصودي الطعنَ في أحدٍ من أولياء الله تعالى والعلماء به، أعوذ بالله من ذلك، وإنما المقصود بيان فضل السلف على الخلف، وإذا لم تثبت
[ ٢ / ٢٩٣ ]
أهل العلم قد يضعون من شأن العالم خشية الاغترار به
العصمة للسلف كما مرَّ، فأولى من ذلك أن لا تثبت للخلف، فإذا لم يكف في أصول العقائد تقليدُ أحد من السلف فتقليد الخلف أولى ألا يكفي.
واعلم أن الله تعالى قد يوقع بعض المخلصين في شيء من الخطأ ابتلاء لغيره أيتبعون الحق ويدَعون قوله أم يغترُّون بفضله وجلالته؟ وهو معذور بل مأجور؛ لاجتهاده وقصده الخير وعدم تقصيره؛ ولكن من تبعه مغترًّا بعظمته بدون التفات إلى الحجج الحقيقية من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﵌ فلا يكون معذورًا، بل هو على خطر عظيم.
[٨٣] ولما ذهبت أم المؤمنين عائشة ﵂ إلى البصرة قبل وقعة الجمل، أتبعها أمير المؤمنين علي ﵇ ابنه الحسن وعمار بن ياسر ﵄ لينصحا الناس، فكان من كلام عمَّار لأهل البصرة أن قال: والله إنها لزوجة نبيكم ﵌ في الدنيا والآخرة، ولكنَّ الله ﵎ ابتلاكم بها ليعلم إيَّاه تطيعون أم هي (^١).
ومن أعظم الأمثلة في هذا المعنى مطالبة فاطمة ﵍ بميراثها من أبيها ﵌ (^٢)، وهذا ابتلاء عظيم للصِّدِّيق ﵁، ثبَّته الله ﷿ فيه.
وأهل العلم إذا بلغَهُم خَطَأ العالم أو الصالح وخافوا أن يغترَّ الناس
_________________
(١) البخاريّ، كتاب الفتن، باب ١٨، ٩/ ٥٦، ح ٧١٠٠. [المؤلف]
(٢) أخرجه البخاري في كتاب فرض الخمس، باب فرض الخمس، ٤/ ٧٩، ح ٣٠٩٢. ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب قول النبي - ﷺ -: «لا نورث ما تركنا فهو صدقة» ٥/ ١٥٣، ح ١٧٥٩.
[ ٢ / ٢٩٤ ]
بجلالته ربما وَضَعوا مِنْ فَضله وغبَّروا في وجه شهرته، مع محبتهم له ومعرفتهم بمنزلته؛ ولكن يظهرون تحقيره لئلا يفتتن به الناس.
ومن ذلك ما ترى في مقدمة صحيح مسلم من الحطِّ الشديد على البخاري في صدد الردِّ عليه في اشتراط ثبوت لقاء الراوي لمن فوقه، حتى لقد يخيل إلى القارئ ما يخيل إليه، مع أن منزلة البخاري في صدر مسلم رفيعة، ومحبته له وإجلاله أمر معلوم في التاريخ وأسماء الرجال.
وقد يكون من هذا كثير من طعن المحدثين في أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
[٨٤] ولعلَّ مما حملهم على هذا علمهم بأن العامَّة وأشباه العامَّة يغترُّون بفضل القائل في نفسه، فإذا قال لهم العلماء: إنه أخطأ مع جلالته وفضله، قالوا: قد خالفتموه وشهدتم له بالجلالة والفضل، فقوله عندنا أرجح من قولكم بشهادتكم. وهكذا قال بعض الناس لعمَّار ﵁ لما قال مقالته المتقدمة آنفًا: «فنحن مع الذي شهدتَ له بالجنة يا عمَّار»، يعنُون أمَّ المؤمنين (^١).
وبالجملة؛ فمن علم القاعدة الشرعية في تعارض المفاسد لم يعذل العلماء في انتقاصهم مَنْ يخافون ضلال الناس بسببه، ولو علم محبُّو المطعون فيه هذا المعنى لما وقعوا فيما وقعوا فيه من ثَلْبِ أولئك الأكابر حميَّة وعصبيَّة، والله المستعان.
_________________
(١) انظر: تاريخ الأمم والملوك ٤/ ٤٨٥.
[ ٢ / ٢٩٥ ]
فصل (في جراءة بعض المقلدة على كتاب الله وسنة رسول الله برأيهم المحض)
فصل
وكثيرًا ما يحتج أهل زماننا وما قرب منه بآيات من كتاب الله تعالى ويفسرونها برأيهم بما لم ينقل عن السلف ولا تساعده اللغة العربية ولا البلاغة القرآنية.
وقد عظم البلاء بذلك، حتى إنك لتجد العجميَّ الذي لا يعرف من العربية إلا بعض المفردات، ولا يستطيع أن يكتب سطرين أو ثلاثة بدون لحن، وهو يفسر القرآن [٨٥] برأيه. وهكذا يصنعون بالأحاديث الثابتة، مع أنهم يشددون النكير على مخالفهم إذا احتجَّ عليهم بآية أو حديث، وأوضح تفسيرها بالحجج الصحيحة، ونقل عن تفسير السلف ما يوافق قوله أو يشهد له، ويقولون: إن الفهم من الكتاب والسنة خاصٌّ بالمجتهدين. فأما إذا خالف أحد قول إنسان يعتقدون فيه الإمامة أو الولاية؛ فإنهم يكفِّرونه أو يضلِّلونه، ويشدِّدون عليه النكير، ويقولون: انظروا إلى هذا الضالِّ المضلِّ يزعم أنه فهم من الكتاب أو السنة ما لم يفهمه الإمام فلان أو الشيخ فلان أو نحو ذلك.
ومن البلاء العظيم أن هؤلاء الجهال هم في نظر العامة هم الرؤساء في الدين. وذلك مصداق حديث الصحيحين عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﵌: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤساء جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضَلُّوا وأضلُّوا» (^١).
_________________
(١) البخاريّ، كتاب العلم، بابٌ كيف يُقبَض العلم، ١/ ٣٢، ح ١٠٠. ومسلم، كتاب العلم، باب رفع العلم، ٨/ ٦٠، ح ٢٦٧٣. [المؤلف]
[ ٢ / ٢٩٦ ]
فصل (في استناد بعضهم إلى الأحاديث الموضوعة والضعيفة والآثار المكذوبة فيما يطلب فيه اليقين)
نعم، قد بقي في الناس أفراد من العلماء؛ مصداقًا لحديث الصحيحين: [٨٦] «لا تزال طائفةٌ من أمَّتي قائمةً على الحقِّ» (^١)، وهو مبيِّن لحديث ابن عمرٍو، والله أعلم. ولكن يكاد يكون وجود أولئك الأفراد كعدمهم؛ لأنهم غرباء، لا ترى العامَّةُ إلا أنهم مبتدعون ضُلَّال، والرياسة الدينيَّة بيد غيرهم.
والمقصود هاهنا النصيحة للمسلمين أن لا يغترَّ أحد منهم بأحد ممن يحتج بالكتاب والسنة على الأمور المشتبهة، وعليه أن ينظر لنفسه إن كان أهلًا، أو يطلب العلم لتصير له أهلية، أو يعمل بالاحتياط؛ فإنه لا عسر فيه. والله أعلم.
فصل
وكثيرًا ما يحتجون بالأحاديث الموضوعة والضعيفة، وكذلك بالآثار المكذوبة عن السلف، أو التي لم تصحَّ؛ فمنهم من يكتفي بذكر الحديث أو الأثر ونقله عن كتاب معروف ولا يبين حاله من صحة وعدمها، إما لجهله بهذا العلم الجليل، وهو معرفة علوم الحديث، وإما لأنه لما رأى ذلك الحديث أو الأثر موافقًا لهواه اعتقد صحته، وإما لغير ذلك.
ومنهم من يحكي عن بعض [٨٧] المتأخرين، كالسبكي وابن حجر وابن الهمام والسيوطي ونحوهم، أنهم صحَّحوا ذلك الحديث أو الأثر أو حسَّنوه، ويكون جهابذة العلم من السلف قد ضعّفوا ذلك الحديث أو حكموا بوضعه، وهم أجلّ وأكمل من المتأخرين، وإن كان بعض المتأخرين أولي علم وفضل وتبحُّر، ولكننا رأيناهم يتساهلون في التصحيح والتحسين،
_________________
(١) سبق تخريجه ص ٢٣٢.
[ ٢ / ٢٩٧ ]
ويراعون فيه بعض أصول الفن، ويغفلون عما يعارضها من الأصول الأخرى، وفوق ذلك أن السلف كانوا أبعد عن الهوى.
ومن هنا قال ابن الصلاح: إن باب التصحيح والتحسين قد انسدَّ، ولم يبق فيهما إلا النقل عن السلف. وهذا القول خطأ، ولكنه يعين على ما نريده، وهو وجوب الاحتياط فيما يصحِّحه المتأخرون أو يحسِّنونه.
وهكذا جماعة من المتقدمين لا يُغْترُّ بتصحيحهم، كالحاكم وابن حبان، بل والترمذي، ولا سيَّما تحسينه.
وهؤلاء أئمة كبار، ولكن الحاكم كان هَمُّه في كثرة الجمع ليردَّ على مَنْ قال من المبتدعة: إنه لم يصح عند أهل الحديث إلا ما في صحيحي البخاري ومسلم، كما ذكر هذا في مقدمة مستدركه، فجمع ولم يحقِّق ولم ينتقد. وكان عَزْمُه أن ينظر في الكتاب مرة [٨٨] أخرى ليُخرج منه ما ليس من شرطه، ولكنه لم يتمكن من ذلك، كما ذكره السخاوي في فتح المغيث (^١).
وقد انتقد أحاديثه الذهبي وابن دقيق العيد، وطبع كتاب الذهبي مع المستدرك، ولكني وجدته يتسامح أيضًا، فكثيرًا ما يكون في الحديث رجلٌ مدلِّس ولم يصرِّح بالسماع، أو رجل اختلط بأخرة، وربما أخرج له الشيخان أو أحدهما مما سُمِع منه قبل الاختلاط، أو رجل ضعيف قد انتقد الأئمة مسلمًا أو البخاري في الرواية له في الصحيح، أو رجل عن رجل كان يُضَعَّف في روايته عنه، وإنما يروي له الشيخان مما رواه عن غيره، أو رجل كان يُضَعَّف في حفظه وإنما أخرج له الشيخان أو أحدهما مما حدَّث به من
_________________
(١) ص ١٣. [المؤلف]. وفي الطبعة الهنديَّة بتحقيق علي حسين علي ١/ ٤٠ - ٤١.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
كتابه، أو رجل ضعيف وإنما أخرج له الشيخان أو أحدهما في المتابعات والشواهد، إلى غير ذلك.
وفي شروط الأئمة الخمسة للحازمي بسنده إلى سعيد بن عمرو ــ هو البرذعي ــ قال: شهدت أبا زرعة الرازي وأتاه ذات يوم، وأنا شاهد، رجل بكتاب الصحيح من رواية مسلم، فجعل ينظر فيه، فإذا حديث عن أسباط بن نصر، فقال لي أبو زرعة: ما أبعد هذا عن الصحيح! يُدخل في كتابه أسباط بن نصر؟ ! ثم رأى قطن بن نسير وصل أحاديث عن ثابت فجعلها عن أنس، ثم نظر، فقال: يروي عن أحمد بن عيسى المصري في كتاب الصحيح؟ قال أبو زرعة: ما رأيت أهل مصر يَشُكُّون في أن أحمد بن عيسى - وأشار أبو زرعة بيده إلى لسانه ــ كأنه يقول: الكذب
فلما رجعت إلى نيسابور في المرة الثانية ذكرت لمسلم بن الحجَّاج فقال لي: إنَّ ما قلت صحيح، وإنما أدخلت من حديث أسباط بن نصر وقطن وأحمد ما قد رواه الثقات عن شيوخهم إلا أنه ربما وقع لي عنهم بارتفاع (^١).
أقول: وقد وافقه البخاري على الإخراج لأحمد بن عيسى، وعُذْرُه عُذْرُه. وقد قال أبو داود: كان ابن معين يحلف أنه كذَّاب. وقد تأوَّل ابنُ حجر في تهذيب التهذيب ذلك بما حاصله: أنه كان يكذب في السماع لا أنه يضع الحديث اختلاقًا (^٢). وهذا لا يدفع الجرح، والله أعلم.
_________________
(١) شروط الأئمَّة الخمسة ص ٢٣ - ٢٤. [المؤلف] قلت: وهو في كتاب الضعفاء لأبي زرعة الرازي المنشور ضمن رسالة (أبو زرعة الرازي وجهوده في السنة النبوية) ٢/ ٦٧٤ - ٦٧٦.
(٢) انظر: تهذيب التهذيب ١/ ٦٥.
[ ٢ / ٢٩٩ ]
ومع هذا يسكت الذهبيُّ عن بيان ذلك، وهكذا يسكت عن علل أخرى تكون في الأحاديث، والله المستعان.
وأما ابن حِبَّان فمِن أصله ــ كما نبَّه عليه في كتابه الثقات ــ أن المجهول إذا روى عن ثقةٍ وروى عنه ثقةٌ، ولم يكن حديثه منكرًا؛ فهو ثقةٌ، يذكره في ثقاته، ويخرج حديثه في صحاحه. ووافقه على هذا شيخه ابن خزيمة، إلا أنه أشدُّ احتياطًا منه، وكذلك الدارقطنيُّ. ويظهر لي أن الكعبيَّ (^١) صاحب الثقات كذلك. وهذا قولٌ واهٍ مخالف لما عليه جمهور الأئمَّة والأئمَّةُ المجتهدون وجهابذة الفنِّ، والنظر الصحيح يأباه.
وأما الترمذيُّ فله اصطلاحٌ في التحسين والتصحيح، وهو أن الحديث إذا روي من طريقين ضعيفين يسمِّيه حسنًا، والأئمَّة المجتهدون وغيرهم [٨٩] من الجهابذة لا يعملون بهذا الإطلاق، بل يشترطون أن تحصل من تعدُّد الطرق مع قوة رواتها غلبةُ ظنٍّ للمجتهد بثبوت الحديث، فإن لم تحصل هذه الغلبة فلا أثر لتعدد الطرق وإن كثرت.
والمتأخِّرون يعرفون هذا الشرط، ولكنهم كثيرًا ما يتغافلون عنه. وربما توهَّم أحدهم أنه قد حصلت له غلبة ظنٍّ، وإنما حصلت له من جهة موافقة ذلك الحديث لمذهبه أو لمقصوده، والله المستعان.
بل إن في الصحيحين أو أحدهما أحاديث قد انتقدها الحفاظ، مثل حديث البخاري: حدّثنا محمد بن عثمان، حدثنا خالد بن مَخْلَد، حدثنا سليمان بن بلال، حدثني شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء، عن أبي
_________________
(١) كذا في الأصل، ولم يتبيَّن لي مَنْ هو، ولعلَّه يريد العجليّ.
[ ٢ / ٣٠٠ ]
هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «إن الله قال: مَنْ عادى لي وليًّا فقد آذنتُه بالحرب، وما تَقَرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مما افترضتُ عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذ بي لأُعيذنَّه، وما تردَّدْتُ عن شيء أنا فاعله تردُّدِي عن نفس المؤمن؛ يكره الموت وأنا أكره مَسَاءتَه» (^١).
فهذا الحديث قد تكلَّم فيه الذهبي في الميزان في ترجمة خالد بن مخلد، ولم يخرجه الإمام أحمد في المسند.
وخالد بن مخلد (^٢) قال فيه الإمام أحمد: له أحاديث مناكير. وقال ابن سعد: كان متشيِّعًا، منكر الحديث، في التشيُّع مفرطًا، وكتبوا عنه للضرورة.
وقال صالح جَزَرَة: كان ثقة في الحديث إلا أنه كان مُتَّهَمًا بالغلوّ.
وقال الأعين (^٣): قلت له: عندك أحاديث في مناقب الصحابة؟ قال: قل: في المثالب والمثاقب.
_________________
(١) البخاريّ، كتاب الرقاق، باب التواضع، ٨/ ١٠٥، ح ٦٥٠٢. [المؤلف]
(٢) هنا كلمةٌ غير واضحةٍ، تشبه: (ضعيفٌ) أو (ضُعِّف).
(٣) هو محمد بن الحسن بن طريف، أبو بكر البغدادي الحافظ، روى عنه مسلم في المقدمة وأبو داود خارج سننه، وحدّث عن يزيد بن هارون وغيره، وثقه ابن حبان والخطيب البغدادي، وأثنى عليه الإمام أحمد، توفي سنة ٢٤٠ هـ. انظر: الثقات لابن حبان ٩/ ٩٥، وتاريخ بغداد ٢/ ١٨٣، وسير أعلام النبلاء ١٢/ ١١٩ - ١٢٠.
[ ٢ / ٣٠١ ]
وقال (^١) أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتجُّ به.
وذكره الساجي والعقيلي في الضعفاء.
وقال ابن معين: ما به بأس (^٢).
وحاصل القول فيه أنه صدوق يهم ويخطئ ويأتي بالمناكير، ولا سيما في التشيع، فإنه كان غاليًا فيه. ومثل هذا يتوقف عما انفرد به، ويُرَدُّ ما انفرد به مما فيه تهمة تأييدٍ لمذهبه. وقد تفرد بهذا الحديث كما ذكره الذهبي (^٣)، وكذا الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح (^٤).
وفي هذا الحديث تهمة تأييد مذهب غلاة الرافضة في الاتحاد والحلول، وإن لم يُنْقَلْ مثل ذلك عن خالد. وقد أُسْنِدت إلى هذا الحديث بدع وضلالات تصطكُّ منها المسامع، والله المستعان.
وفي سنده أيضًا شريك بن عبد الله بن أبي نمر، وحاصل كلامهم فيه أنه صدوق يخطئ (^٥). وقال الحافظ في الفتح بعد أن نقل كلام الذهبي والكلام في شريك: «ولكنْ للحديث طرق أخرى يدلُّ مجموعُها على أن له أصلًا» (^٦).
_________________
(١) من قوله: «وقال أبو حاتم» إلى قوله: «والله الموفِّق» ملحق.
(٢) انظر هذه الأقوال في تهذيب التهذيب ٣/ ١١٧ - ١١٨.
(٣) ميزان الاعتدال ١/ ٦٤٠ - ٦٤١.
(٤) هدي الساري: ٤٠٠.
(٥) وهو ما قاله ابن حجر في التقريب ص ٢٦٦.
(٦) فتح الباري ١١/ ٢٧٠. [المؤلف]
[ ٢ / ٣٠٢ ]
ثم ذكر الحافظ تلك الطرق، وعامَّتها ضعاف، إلا أنه ذكر أن الطبرانيَّ أخرجه من طريق يعقوب بن مجاهد، عن عروة، عن عائشة، وأن الطبراني أخرجه عن حذيفة مختصرًا، قال: «وسنده حسن غريب».
أقول: أما رواية حذيفة فمع الغرابة هو مختصر، وكأنه ليس فيه تلك الألفاظ المنكرة، وينبغي النظر في سنده؛ فإن الحافظ ربما تسامح في التحسين. وكذا ينبغي النظر في سند الطبراني إلى يعقوب بن مجاهد؛ فأخشى أن يكون فيه وهم؛ فإن المشهور رواية عبد الواحد بن ميمون عن عروة، وعبد الواحد متروك الحديث.
وبالجملة، فاقتصار الحافظ على قوله: «إن تلك الطرق يدلُّ مجموعها على أنَّ له أصلا»، ظاهرٌ في أنه ليس في شيء منها ما يصلح للحجَّة. ودلالة مجموعها على أنَّ له أصلًا لا يكفي في إثبات هذه الألفاظ المنكرة. ولو فهم البخاري ﵀ من تلك الألفاظ ما يزعمه الملحدون لما ذكر هذا الحديث في صحيحه.
وهذا من المهمَّات؛ فإن كثيرًا من الأئمة قد يقبل الحديث؛ لأنه يحمله على معنىً له شواهد وعواضِد بمعونتها يستحقُّ القبول، فيجيء بعض الناس يحتجُّ بالحديث على معنىً منكر، قائلًا: قد قبله فلان من الأئمة، فليُتنبَّه لهذا.
ومما ينبغي التنبه له أيضًا: أن الشيخين أو أحدهما قد يوردان في الصحيح حديثًا ليس بحجَّة في نفسه، وإنما يوردانه لأنه شاهد لحديث آخر ثابت، ثم قد يكون في هذا الحديث الذي ذكراه شاهدًا زيادةٌ لا شاهد لها، فيجيء مَنْ بعدهما يحتجُّ به بالنسبة لتلك الزيادة، وربما حمل الحديث على
[ ٢ / ٣٠٣ ]
معنىً آخر غير المعنى الذي فهمه صاحب الصحيح، وبنى عليه أنه شاهد للحديث الآخر.
وبالجملة، فمَن أراد الاحتجاج بالحديث لا يستغني عن النظر في إسناده، بعد أن يكون له من المعرفة ما يؤهِّله لهذا الأمر، وإلَّا أوشك أن يَضِلَّ ويُضِلَّ. والله الموفق.
ومن أهل زماننا وما قرب منه من يترقَّى فيذكر الراوي وبعض ما قيل فيه من جرح أو تعديل، ولكنَّ كثيرًا منهم أو أكثرهم يكون زمامه بيد الهوى، فإن كان الحديث موافقًا له نقل ما قيل في الرجل من الثناء، وأعرض عما قيل من الجرح، وإن كان مخالفًا لهواه نقل ما قيل فيه من الجرح وسكت عن الثناء.
وأكثرهم ليس عندهم من التبحر في العلم، وممارسة الفن ما يؤهلهم للترجيح ومعرفة العلل، وأعظم ما عند أحدهم أن يتمسك بظاهر قاعدة من قواعد الفن؛ فإن كان الحديث موافقًا له تمسك بقولهم: «إن الجرح لا يُقْبل إلا مفسَّرًا»، أو: «إن كلام الأقران بعضهم في بعض لا يُلْتفت إليه»، أو: «إنَّ [٩٠] المتصلِّب في مذهبٍ يجب التأنِّي في قبول كلامه في أهل المذهب الآخر»، أو نحو ذلك. وإن كان مخالفًا له تمسَّك بقولهم: «الجرح مقدَّمٌ على التعديل»، ونحوها.
فأما جهلهم بالعلل فحدِّث عنه ولا حرج. وغاية أحدهم أن ينقل عن بعض أهل العلم تعليل الحديث أو يتنبه هو للعلَّة إن تنبَّه، ثم يعمل في ذلك عمله في الجرح والتعديل؛ فإن كان الحديث موافقًا له تمسَّك بقولهم: «المثبِت مقدَّم على النافي»، أو: «زيادة الثقة مقبولةٌ»، أو: «إن من الأئمَّة مَن يقبل المرسل والمنقطع مطلقًا»، أو: «إن تصحيح بعض العلماء للحديث
[ ٢ / ٣٠٤ ]
يدلُّ أنه علم أن المدلِّس قد سمع الحديث ممن عنعنه عنه»، أو: «يدلُّ أن الراوي سمع هذا الحديث من شيخه قبل الاختلاط».
وإن كان مخالفًا له قال: «إن النافي كان أحفظ من المثبت»، و«الساكتين جماعةٌ، والذي زادَ واحدٌ»، و«أُعِلَّ بالإرسال والانقطاع، وبعنعنة المدلِّس، واختلاط الشيخ»، ولم يعرِّج على ما يخالف ذلك، أو أشار إليه، ونقل ردَّه عن بعض العلماء، وهكذا.
وهذه القواعد منها ما هو ضعيفٌ، ومنها ما ليس بكلِّيٍّ، ومنها المختلف فيه. والعالم المتبحر الممارس [٩١] للفنِّ هو الذي يصلح أن يحكم في ذلك، بشرط براءته عن الهوى، والتجائه إلى الله تعالى دائمًا أن يوفِّقه لإصابة الحقِّ.
وكثيرًا ما يحتجُّ المتأخرون بالحديث مع اعترافهم بضعفه، ولكن يستندون إلى ما قاله النوويُّ ــ وتبعه كثير ممن بعده من الشافعيَّة والحنفيَّة وغيرهم ــ أن الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال ــ بشروطٍ ذكرها الحافظ ابن حجر وغيره ــ، وقد عارضه القاضي أبو بكر ابن العربيِّ ــ مؤلِّف أحكام القرآن وشرح الترمذيِّ وغيرهما ــ بأن الفضائل إنما تُتَلقَّى من الشارع، فإثباتها بالضعيف اختراع عبادة، وشرعٌ في الدين لما لم يأذن به الله (^١).
ومما شُرط لجواز العمل أن لا يعتقد السُّنِّيَّة، أي الاستحباب، ذكره
_________________
(١) وضع المؤلِّف هنا علامة إلحاقٍ، لكنه لم يكتب شيئًا، ولعلَّه أراد الإحالة إلى الفتح المبين بشرح الأربعين لابن حجر الهيتمي: ٣٦، فإنه أورد نصَّ هذه العبارة، ونسبها إلى بعضٍ مبهم لم يفصح عنه، وجوَّز المعلِّمي في رسالة العمل بالحديث الضعيف أن يكون الهيتمي أراد بالبعض المبهم ابنَ العربي.
[ ٢ / ٣٠٥ ]
فصل: الاستدلال بالعقل والقياس في أمور التوحيد والشرك
الخطيب الشربيني في شرح المنهاج (^١)، وردَّه ابن قاسم بأنه لا معنى لجواز العمل في فضائل الأعمال إلا أنه يكون مطلوبًا طلبًا غير جازم، وكلُّ ما كان كذلك فهو سنَّةٌ (^٢).
[٨٥] (^٣) فصل
ومن الناس مَن يحتجُّ في هذا الأمر العظيم بمجرَّد العقل والقياس، وفي ذلك ما فيه.
أما العقل؛ فإنما يصحُّ الاستناد إليه إذا كان قاطعًا، والوجوه التي يحتجُّون بها غير قاطعةٍ، اللهم إلا ما أُشِير إليه في آية الكرسيِّ كما تقدَّم (^٤).
وليعلم العاقل أن عقله قوَّةٌ من قواه المخلوقة له، كالسمع والبصر
_________________
(١) المغني ١/ ٦٧. [المؤلف]
(٢) انظر: حواشي الشرواني على التحفة ١/ ٢٥١. [المؤلف]
(٣) من هنا تبدأ تكملة السقط في مخطوطة الحرم المكِّي (رقم: ٤٧٨١)؛ بدليل أن المؤلِّف كتب السطر الأوَّل من هذا الفصل أثناء ص (٨٤) من الدفتر الأوَّل، ثم ضرب عليه، وزاد فصلًا كاملًا استغرق سبع صفحاتٍ، وجعل هذا الفصل الذي ضرب على أوَّل سطرٍ منه بداية الدفتر الثاني من دفاتر الكتاب الذي عثرت عليه بتوفيق الله، واستمرَّ ترقيم الدفتر الثاني من حيث انتهى الدفتر الأول قبل زيادة سبع الصفحات. ولا يُشوِّشْ عليك تكرُّر الترقيم من ص (٨٥) إلى ص (٩١) في الدفتر الثاني مرَّةً أخرى؛ لأنه الموافق للأصل الأصيل قبل الزيادة، فلزم بقاؤه كما كان. ومن الأدلَّة على صحَّة موضع هذا الدفتر أنَّ المؤلِّف أحال إلى عدَّة مواضع منه، ثم وُجدت الأرقام المحالة مطابقةلأرقام الصفحات المُحال إليها، وفيها المعلومات المُشار إليها سواء بسواء.
(٤) في ص ٥٣.
[ ٢ / ٣٠٦ ]
والشمِّ والذوق وغيرها. فكما أن كلَّ قوَّةٍ من هذه لها حدٌّ لا تتجاوزه، فكذلك العقل. وكما أن للحواسِّ أغلاطًا معروفةً كرؤية الواحد اثنين والصغير كبيرًا وعكسه، وَتَوَهُّمِ بعض الناس أنه يسمع كلامًا في حال أن الذين بجنبه لا يسمعون شيئًا، واستطابة الروائح الكريهة في بعض الأمراض، وطعم الماء العذب مرًّا في بعضها وطعمه كأنما مُزِجَ بالسكر بعد تناول بعض الأدوية المُرَّة؛ فكذلك للعقل أغلاطٌ أدقُّ وأخفى. وقد روي عن الإمام الشافعيِّ رحمه الله تعالى أنه قال: إنَّ للعقل حدًّا ينتهي إليه كما أن للبصر حدًّا ينتهي إليه (^١).
ولابن عربيٍّ الصوفيِّ في الباب الثاني والسبعين بعد أربعمائةٍ من فتوحاته (^٢):
على السمع عَوَّلْنا فكنا أولي النهى ولا علم فيما لا يكون عن السمع
وله في الباب الثامن والخمسين بعد ثلاثمائةٍ:
كيف للعقل دليلٌ والذي قد بناه العقل بالكشف انهدم
[٨٦] فنجاة النفس في الشرع فلا تك إنسانًا رأى ثم حُرِم
واعتصم بالشرع في الكشف فقد فاز بالخير عُبَيْدٌ قد عُصِم
كلُّ علمٍ يشهد الشرع له فهو علمٌ فبه فلتعتصم
وإذا خالفه العقل فقل طَوْرَكَ الْزَمْ ما لكم فيه قَدَم
_________________
(١) توالي التأسيس في معالي ابن إدريس ص ٧٢. [المؤلف]. وانظر: مناقب الشافعي للبيهقي ٢/ ١٨٧.
(٢) ٥/ ٤٦٨. [المؤلف]
[ ٢ / ٣٠٧ ]
والخلاصة أن العقل القاطع إذا لم يوجد فما بقي إلا الخرص والتخمين، وهو سبيل المشركين، فلا ينبغي لمسلم اقتفاؤهم فيه.
وأما القياس؛ فإنه لا يفيد القطع كما حققه الغزالي والفخر الرازي (^١) وغيرهما، ومسألتنا تستدعي الدليل القاطع. بل اختلفت الأمة في القياس أدليلٌ ظنِّيٌّ هو أم ليس بدليلٍ أصلًا؟ ومن قال بدلالته شرط له عدة شرائط، منها: ألَّا يعارض شيئًا من ظواهر الكتاب والسنة، ومنها: عدم الفارق، وقد يخفى الفارق على أكابر النُّظَّار.
وقد قال الله ﵎: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٣ - ٧٤].
وجاء عن بعض الصحابة أنه قال لمن كان ربما توقَّف في الحديث وذكر أقيسة [٨٧] تعارضه: «إذا حدَّثتك عن رسول الله ﵌ حديثًا فلا تضرب له الأمثال» (^٢). وهذا المتوقِّف من الأكابر، وإنما كان يتوقف تَثَبُّتًا لاحتمال غلط الذي أخبره بالحديث أو نحو ذلك، فقد كان إذا لم يظهر له دليل على غلط المخبر يصير إلى الحديث، ولا يبالي بما خالفه، وقد نُقِل عنه من ذلك كثير.
_________________
(١) انظر: المستصفى للغزالي ١/ ٣١ والمحصول للرازي ٥/ ١٢٣ - ١٢٤.
(٢) رواه الترمذي في كتاب الطهارة، باب الوضوء مما غيَّرت النار، ١/ ١١٤، ح ٧٩، مطولًا. وابن ماجه في كتاب السنَّة (المقدِّمة)، باب تعظيم حديث رسول الله - ﷺ -، ١/ ١٠، ح ٢٢، مختصرًا. وفي كتاب الطهارة وسننها، باب الوضوء مما غيَّرت النار، ١/ ١٦٣، ح ٤٨٥، مطوَّلًا.
[ ٢ / ٣٠٨ ]
وقال الله ﷿: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
هؤلاء القوم رأوا أن البيع والربا شبيهان، في كلٍّ منهما أخذ زيادة على رأس المال؛ فرأوا أن أخذ الزيادة إما أن يحرم في الموضعين، وإما أن يحلَّ فيهما، وهذا هو القياس، فردَّ الله ﷿ عليهم بأنَّ من الفرق بينهما أن الله تعالى أحلَّ أحدهما وحرَّم الآخر، أي فإن كانوا عَبِيدَه فليطيعوه ويكتفوا بذلك. وليس في هذا نفيُ أن يكون هناك فرقٌ آخر، وإنما فيه أن فريضةَ العبد طاعةُ ربه، وإن لم يفهم الحكمة.
وروى الدارميُّ عن الحسن أنه تلا هذه الآية: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢، ص: ٧٦] قال: «قاس إبليس، وهو أوَّل مَن قاس».
وعن ابن سيرين أنه قال: «أوَّل مَن قاس إبليس، وإنما عُبِدَت الشمس والقمر بالمقاييس» (^١).
وصدق؛ فإن عامَّة دين المشركين مبنيٌّ على المقاييس والرأي.
[٨٨] فمن ذلك: نسبتهم إلى الله سبحانه الولد، واتخاذهم بعض المقربين عنده آلهةً من دونه ليشفعوا لهم إليه.
_________________
(١) سنن الدارميّ، (المقدِّمة)، باب تغيُّر الزمان وما يحدث فيه، ١/ ٦٥، ح ١٩٥ - ١٩٦. [المؤلف]. قلت: وأثر الحسن في إسناده محمَّد بن كثيرٍ الصنعانيُّ، ومطرٌ الورَّاق، وفي كلٍّ منهما مقالٌ. أما أثر ابن سيرين ففي إسناده يحيى بن سُلَيمٍ الطائفيُّ، وهو صدوقٌ سيء الحفظ.
[ ٢ / ٣٠٩ ]
وقال الله ﵎: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ١٩ - ٢٠].
وقال سبحانه: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨].
وقال ﷿: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥].
وقال ﵎: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨].
ومن ذلك: ما أحدثوا في أعمال الحجِّ، وما حرَّموه في (^١) البحيرة والسائبة وغيرهما.
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦].
_________________
(١) كذا في الأصل.
[ ٢ / ٣١٠ ]
جاء في تفسيرها روايات يجمعها أنهم كانوا يجعلون ما سمَّوه لله تعالى أو بعضه لشركائهم ولا يعكسون، محتجِّين بأن الله تعالى غنيٌّ وشركاءهم فقراء.
ومن ذلك: قولهم: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ [المؤمنون: ٢٤].
﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ [الفرقان: ٧ - ٨].
﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨].
وهكذا عامة ديانتهم، وسيأتي كثير من ذلك مع إيضاحه إن شاء الله تعالى.
وفي تفسير الخازن عند قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] ما لفظه: «قال أهل المعاني: توهَّموا أن عبادتها أشدُّ في تعظيم الله من عبادتهم إيَّاه، وقالوا: لسنا بأهلٍ أن نعبد الله، ولكن نشتغل بعبادة هذه الأصنام؛ فإنها تكون شافعة لنا عند الله» (^١).
[٨٩] وكان من المنتسبين إلى الإسلام مَن يجحد علم الله ﷿ بالأشياء قبل كونها، دعاه إلى ذلك أنه لم يقدر على تقرير عدل الله تعالى
_________________
(١) تفسير الخازن ٣/ ١٨٠.
[ ٢ / ٣١١ ]
وحكمته مع إثبات علمه السابق ﷾. ومن الفلاسفة مَن يجحد علم الله تعالى بالجزئيَّات، زاعمين أَنهم بذلك ينزِّهونه ﷿ عن التغيُّر. وقد توسَّط أبو البركات البغدادي (^١) في كتاب المعتبر فاعترف بعلم الله ﷿ لبعض الجزئيَّات ونفاه عن الاتفاقيَّات، زاعمًا أن العقل ينفي أن يسع علم الله تعالى جميع الجزئيَّات مع كثرتها، وأن الثواب والعقاب الذي جاءت به الشرائع لا يسوِّغه العدل والحكمة إلا إذا كان الله ﷿ لا يعلم الأعمال قبل وقوعها، وحاول أن يلطِّف العبارة جهده (^٢).
وبعض المجوس قالوا بوجود قديم غير الله ﷿ هو خالق الشرِّ، أدَّاهم إلى ذلك تنزيه الله ﷿ عن الشرِّ، زعموا أنه لا يمكن تنزيهه عنه إلا بذلك القول، ومع ذلك فهم يبغضون خالق الشرِّ ويوجبون مخالفته ويقولون: إن مصيره مع مَن تبعه إلى جهنَّم، وأكثرهم يقول: إن خالق الشر وهو الشيطان مخلوق من خلق الله تعالى، ثم يتحيرون كيف يمكن أن يخلقه الله تعالى مع علمه بخبثه، حتى التزم بعضهم أنه قديم كما سبق.
وهكذا جميع أمم المشركين وطوائف المبتدعين يزعمون أنهم بشركهم أو بدعهم معظِّمون لله ﷿، حتى فرعون وقومه كما سيأتي إيضاح ذلك إن شاء الله تعالى. ولعل أكثرهم كالصادقين في قصدهم، وإنما أُتُوا من قبل اعتمادهم على عقولهم وقياسهم وإعراضهم عن كتب الله ورسله فلم يقنعوا
_________________
(١) هبة الله بن علي بن ملكا البلدي، أبو البركات البغدادي، العلامة الفيلسوف، شيخ الطب، أوحد الزمان، كان يهوديًّا ثم أسلم، من تصانيفه: المعتبر في الحكمة (أي المنطق والفلسفة)، توفي عام نيِّفٍ وخمسين وخمسمائة. انظر: عيون الأنباء في طبقات الأطباء ٣٧٤ - ٣٧٦، وسير أعلام النبلاء ٢٠/ ٤١٩.
(٢) انظر: المعتبر ٣/ ٩٣ - ٩٩، ١٨٧ - ١٩٥.
[ ٢ / ٣١٢ ]
بما جاءت به الرسل ويسلِّموا له ويدَعوا خَرْصَهم وتخمينَهم وأهواءَهم وظنونَهم.
[٩٠] ولقد بلغ الاعتماد على العقل والقياس بل الخرص والتخمين بكثير من نظار المسلمين إلى أن زعموا أن كثيرًا من آيات الكتاب وكثيرًا من الأخبار الثابتة عن الرسول ﵌ مصروفة عن ظواهرها بدون قرينة تمنع المخاطَبين عن فهم الظاهر، بل صرَّحت طائفة بأن الله تعالى ورسوله قصد من المخاطَبين أن يفهموا ذلك الظاهر المخالف للحقيقة، فقيل لهم: فهذا كذب، فأجابوا أن الكذب للمصلحة جائز على الله تعالى وعلى رسله. فيقال لهم: فإن كثيرًا من تلك الآيات والأحاديث لا ملجئ إلى الإخبار بها على ظاهرها، ولا تتوقف على ذلك مصلحة ضرورية على فرض أن ظاهرها غير مراد، وقد تكرَّرَتْ وكَثُرَتْ وتضافرت إلى حدٍّ يقْطَع مَنْ تأمّله بأنه لا يمكن أن تكون إنما أُتي بها على تلك الصفة للضرورة التي زعموها.
ولهذا ذهب بعض أئمة الفلسفة من المنتسبين إلى الإسلام إلى أن الرسل مصلحون فقط، ولا علم لهم بالحقائق الغيبية والدقائق العقلية. قالوا: فالفيلسوف أعلم من الرسول، وسموا الأنبياء: فلاسفة العامة، والفلاسفة أنبياء الخاصة، فلم يتحاش أحدهم أن يقول: أنا أعلم بالله من أنبيائه ورسله، بل ويقول بعضهم: أنا أعلم بالله من نفسه، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا.
وإذا تتبعت كلامهم وجدتهم يزعمون أنه ما أدَّاهم إلى تلك الأقوال إلا تنزيه الله ﷿ وتعظيم رسله. والله المستعان.
[ ٢ / ٣١٣ ]
فصل (الاحتجاج بآية أو حديث والتغافل عما يعارضه)
فصل (في العصبية وصرفها للمرء عن تطلب الحجة كما ينبغي)
[٩١] فصل
ومن الناس مَن يحتج في هذا الباب بآية من كتاب الله ﷿ أو سنة ثابتة عن النبيِّ ﵌ ويغفل أو يتغافل عن عِدَّة آيات أو سنن أخرى تعارض استدلاله. وهذا غلط شنيع؛ فإن الكتاب والسنة كالكلام الواحد، بمعنى أن الاستدلال على مطلب من المطالب بآية أو حديث لا يتم الوثوق به إلا بعد العلم بأنه ليس في آية أخرى من آيات القرآن ولا حديث آخر من الأحاديث الثابتة ما يخالفه.
فكما أنه ليس لعاقلٍ أن يحتجَّ على حرمة الصلاة بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] ويقف على الصلاة، ولا على انتقاص النبي ﵌ بقول الله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] ويحذف ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾، وأمثال ذلك= فكذلك ليس له أن يحتجَّ بقول الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] على نفي قتل القاتل والزاني المحصن ودفع الصائل والباغي؛ لأن على هذه أدلَّةً خاصَّةً من الكتاب والسنَّة تبيِّن المراد بتلك الآية. وهذا أمرٌ واضحٌ، وإن أعرض عنه كثيرٌ من الباحثين في مسألتنا.
[٩٢] فصل
ومن الناس مَن تغلب عليه العصبيَّة للرأي الذي نشأ عليه وقَبِلَه من آبائه أو مشايخه، ويستغني بمحبته لذلك الرأي عن أن يتطلب له حجة، ويحول ذلك بينه وبين أن يصغي إلى الأدلة التي يتمسك بها مخالفه أو يتدبَّرَها، فإن
[ ٢ / ٣١٤ ]
تعدى هذه المنزلة أخذ يتطلب الأدلة لرأيه، فيجمع كل ما يظن فيه دلالة بدون تصحيح ولا تنقيح ولا نظر في الأدلة المعارضة له. فإن جاوز هذه الدرجة تصفَّح أدلة مخالفيه وانتقى منها ما يسهل عليه تأويله، وأعرض عن الباقي. فإن ترقى عن هذه المرتبة جَهَدَ نفسه في الكلام على ما يجده لمخالفه من الأدلة، وإن اضطر إلى التعسف والتحريف ومخالفة القواعد القطعية.
فأما من لم يكن له علم راسخ بالقواعد وما أكثرهم في المتكلمين في مسألتنا وغيرها في القرون الأخيرة فهو أقرب إلى العذر عند الناس، وعُظْمُ اللوم على من صدَّره ونحله العلم والإمامة بغير استحقاق. ولكننا نجد أفرادًا لا يُؤْتَون مِنْ جهلٍ بالقواعد وإنما يُؤْتَونَ من مخالفتها، والله المستعان.
وأريد بالقواعد ما تشتمل عليه علوم الاجتهاد. فلا ينبغي للعاقل أن يزجَّ بنفسه في بحر الاستدلال حتى يجمع أمورًا:
الأوَّل: إتقانُ [٩٣] العربية وطولُ ممارستها؛ فإننا نجد من علماء العجم من يغلط في فهم آية أو حديث غلطًا لا نشك فيه. ومع ذلك يصعب علينا أن نقنعه بقاعدة معيَّنة من القواعد المذكورة في كتب النحو وغيرها، وما ذلك إلا لأنه قد بقي من قواعد فهم اللغة ما لا يُعْرَف إلا بالممارسة التامة وتربية الذوق الصادق، بل إن القواعد المبسوطة المحرَّرة لا يُسْتَطاع تطبيقُ أكثرها بدون ممارسةٍ وحسن ذوق. وليس هذا خاصًّا بعلم العربية، بل الأمر كذلك في بقية العلوم، ألا ترى أن من الأئمة المجتهدين من يحتجُّ بالاستحسان وفسَّروه بدليل ينقدح في نفس المجتهد ولا يستطيع التعبير عنه. ونحو هذا يقول أئمة الحديث في معرفة علل الحديث حتى قال الإمام
[ ٢ / ٣١٥ ]
عبد الرحمن بن مهدي: هي إلهام، لو قلتَ للقيِّم بالعلل: من أين لك هذا؟ لم تكن له حجة (^١). وذكر السخاوي في فتح المغيث (^٢) قصصًا في ذلك ومثلوه بالصيرفيِّ والجوهريِّ. (^٣) /ومما يشبه ذلك أنَّ من خالط أهل الصين واليابان ثم رأى شخصين صينيًّا ويابانيًّا يميز أحدهما من الآخر بأوَّلِ نظرةٍ، ولو سئل عن سبب تمييزه ما استطاع أن يذكره حينئذٍ (^٤).
الثاني: المعرفة بالمعاني والبيان مع حظٍّ من معرفة أشعار العرب وفهم معانيها ولطائفها وتطبيقها على قواعد المعاني والبيان ممارسًا لذلك.
[٩٤] الثالث: معرفة أصول الفقه والتمكن فيها على وجه التحقيق لا التقليد، وكثرة الممارسة لتطبيق الفروع على الأصول.
الرابع: معرفة مصطلح الحديث والتمكُّنُ فيه، وطرفٌ صالحٌ من معرفة الرجال ومراتبهم وأحوالهم.
الخامس: كثرة مطالعة كتب الحديث، وتَفَهُّم معانيه، ومعرفة صحيحه من سقيمه، والممارسة لذلك إلى أن تكون له ملكة صحيحة في معرفة العلل والتوفيق بين المختلفات والترجيح بين المتعارضات. ويلحق بذلك معرفة السيرة النبوية وأحوال العرب قبل الإسلام وأحوال الصحابة وعلماء التابعين وتابعيهم.
_________________
(١) انظر: العلل لابن أبي حاتم ١/ ٣٨٨، ومعرفة علوم الحديث للحاكم ص ٣٦٠.
(٢) ١/ ٢٧٣.
(٣) هنا بداية ملحق ص ٩٣ وهو ثلاث صفحات وبضعة أسطر.
(٤) لفظ «حينئذٍ» مكرَّرٌ في الأصل.
[ ٢ / ٣١٦ ]
السادس: معرفة العلماء ومراتبهم في العلم ومزاياهم الخاصة التي يتفاوتون فيها، كشدَّة الاعتصام بالكتاب والسنة والورع وتجنب الأهواء والبدع والإخلاص وعدم العصبية وغير ذلك، ولا يقتصر على ما هو مشهور بين الناس من الفضائل والمناقب فإن كثيرًا من [٩٥] ذلك نشأ عن التعصب للمتبوعين والمغالاة فيهم وتنقيص مخالفيهم.
السابع
_________________
(١) وهو الأوَّل في الرتبة والأَوْلَى بالعناية : كثرةُ تدبر كتاب الله ﷿ وتفهم معانيه، وليختبر فهمه له ويكرر امتحان نفسه حتى يحصل له الوثوق التام بأن فهمه فهم العلماء، وليكن اعتماده على الفهم المطابق للقواعد العلمية ولا يقتصر على «قال فلان وقال فلان». الثامن: الإخلاص ومحبة الحق وتطهير النفس من الهوى والتعصب وحب الجاه والشهرة والغلبة، وأن يكون أعظم همِّه موافقةَ الحق وإن خالف آباءَه ومشايخه وعاداه أكثر الناس، ويكون مع ذلك محافظًا على الطاعات متنزِّهًا عن المعاصي بقدر الاستطاعة، ويبتهل إلى الله ﷿ في كلِّ وقت أن يهديه ويرشده ويوفِّقه ويسدده. ويكثر من قول «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»، و«اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك»، اللهم يا من بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه، أجرني من شر نفسي ومن شر ما خَلَقْتَ، ونحو ذلك. ويُكْثِرُ من الصلاة والسلام على [٩٦] النبي ﵌ والمحبة له ولأهل بيته ﵈ ولأصحابه الكرام رضوان الله عليهم، والاحترام للعلماء والصالحين؛ فإن ألزمه الدليل مخالفة بعضهم فلا يحمله ذلك على احتقارهم والطعن فيهم، وليعرف لهم حقهم ويعتذر لهم بما استطاع مع المحافظة على الحق أينما كان.
[ ٢ / ٣١٧ ]
ولعل قائلًا يقول: وهل كاتب هذه الرسالة جامع للأمور المتقدمة؟ فأقول: لست هنالك ولا قريبًا من ذلك.
ولكنَّ البلاد إذا اقْشَعَرَّتْ وصَوَّحَ نَبْتُها رُعِيَ الهَشِيمُ (^١)
ومَن طالع هذه الرسالة فسيعرف منزلة كاتبها، والله تعالى الموفق.
ولنختم هذا الفصل بالتنبيه على قاعدة من القواعد التي تقدَّمت الإشارة إليها وهي وجوب حمل النصوص على ظاهرها، وهي قاعدة قطعية متفق عليها بين المسلمين بل بين العقلاء. والمراد بالظاهر ما يكون ظاهرًا من النص بعد أن يُضَمَّ إليه ما يبينه من النصوص الأخرى، فالنصُّ العام ظاهره العموم فإذا قامت حجة ثابتة على تخصيصه لم يبق ظاهرًا إلا فيما بقي بعد التخصيص.
[٩٧] واعلم أن الظاهر الواحد لا يفيد وحده إلا الظن، ولكنه قد يترقى إلى القطع إذا عضدته ظواهر أخرى، أو عُلِمَ من حال السلف الصالح أنهم كانوا يحملونه على ظاهره أو غير ذلك.
ونقل ابن حجر الهيتمي في كتابه الإعلام بقواطع الإسلام عن كتاب الأنوار ما لفظه: «وأن من دافع نص الكتاب أو السنة المقطوع بها المحمول على ظاهره فهو كافر بالإجماع».
_________________
(١) البيت لأبي عليٍّ البصير، الفضل بن جعفرٍ الكوفيِّ. انظر: أمالي القالي ٢/ ٢٨٧، والوساطة بين المتنبِّي وخصومه ص ٢٢١، ومعجم الأدباء ٣/ ٨٩، ترجمة أحمد بن أبي طاهرٍ ونسبه لدعبل أيضًا، واقشعرت: أجدبت، وصوّح أي جفَّ، والهشيم الكلأ الجافّ.
[ ٢ / ٣١٨ ]
وأقرَّه ابن حجر إلا أنه قال: «والظاهر أيضًا أن معنى قوله: المحمول على ظاهره، أي بالإجماع» (^١).
أقول: ومن الإجماع عندهم أن يُنْقَلَ قولٌ عن بعض السلف ولا يعلم له مخالف منهم (^٢). والله أعلم.
وبالجملة، فالظاهر إذا لم يعتضد بشيء فإنه حجة في غير العقائد، فأما في العقائد فإنه يوجب الاحتياط، والاحتياط فيما يتعلق بالاعتقاد أصل عظيم نَبَّه عليه القرآن في مواضع قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٥٢]، وقال ﷿: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٠].
ويدخل في هذا المعنى كثير من الآيات التي يُطالَبُ المشركون فيها بالحجة والسلطان على دعواهم، أو يُنْفَى أن يكون عندهم شيء من ذلك، أو يُنْعَى عليهم الاعتماد على الظن والخرص والتقليد؛ فإن من المقصود في ذلك أن يبين لهم أنه على فرض أن حجج الأنبياء وبيناتهم لا تفيد عندكم [٩٨] القطع بصدقهم فأنتم ليس عندكم براهين قاطعة على شرككم، وحينئذٍ فالواجب عليكم الاحتياط وترجيح جانب السلامة، ولا ريب أنها ترك الشرك.
_________________
(١) الإعلام ص ٤٤. [المؤلف]
(٢) انظر: الإحكام لابن حزم ٤/ ٢١٩ إذ نسب هذا القول إلى بعض الشافعيِّين وجمهور الحنفيين والمالكيين، والسلف عنده: واحد أو أكثر من الصحابة.
[ ٢ / ٣١٩ ]
والحكماء الربانيون يسلكون هذه الطريقة لقربها، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨)﴾ إلى أن قال: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٢٨ - ٣٥].
وروي عن أمير المؤمنين علي ﵁ أنَّ دَهْرِيًّا (^١) نازعه في البعث فقال أمير المؤمنين: «يا هذا إن كان الأمر كما أقول نجوتُ أنا وهلكتَ أنت، وإن كان كما تقول نجونا جميعًا» أو كما قال (^٢). يعني: فعليك أن تحتاط لنفسك فتُسْلِمَ فتكون ناجيًا بيقينٍ.
وجاء عن ابن عمرو وابن عباس أنهما قالا لمن كان يرى أنه كما لا ينفع مع الكفر عمل لا يضرُّ مع الإيمان عمل، قالا له: عَشِّ ولا تَغْتَرَّ (^٣)، وهذا مثل
_________________
(١) في تاج العروس ١١/ ٣٤٩: «والدَّهريُّ - بالفتح، ويُضمُّ -: الملحد الذي لا يؤمن بالآخرة القائل ببقاء الدهر». وانظر: الفصل في الملل والنحل لابن حزم ١/ ٤٧.
(٢) لم أعثر عليه.
(٣) أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث ٤/ ٢٥٣، وورد أيضًا بمعناه جوابًا لسؤال معبد الجهني القدري لما قال: رجل لم يدع من الشر شيئًا إلا عمله غير أنه يشهد أن لا إله إلا الله. انظر: الجامع لمعمر ١١/ ٢٨٥ ح ٢٠٥٥٣، والزهد لابن المبارك ص ٣٢٤ - ٣٢٥ ح ٩٢٢ - ٩٢٣، ومسند ابن الجعد ٢/ ١١٦٧ ح ٣٥٠٦ - ٣٥٠٧، وحلية الأولياء ١/ ٣١١، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٦/ ١٠٧٣ - ١٠٧٤ ح ٢٠٠٢ - ٢٠٠٣.
[ ٢ / ٣٢٠ ]
أصله أن رجلا أراد أن يقطع بإبله مفازة فأراد أن لا يعشِّيها اتِّكالًا على ما في المفازة من الكلأ (^١).
وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يتعلق بهذا المعنى في الكلام على بيان شرك العرب الذين بُعِثَ فيهم محمد - ﷺ -.
[٩٩] فإن قيل: فهلا أغنى الله ﷿ رسله عليهم الصلاة والسلام عن هذه الطريقة بآيات قاطعة؟
فالجواب أن الحجج القاطعة على ضربين:
الضرب الأول: ما لا يستطيع المعاند إنكاره، ولو أنكره لمقته الناس جميعًا ولم تكن هناك أدنى شبهة يجوز أن يعتذر بها عنه، كأن يكون بصيرًا في مكان مكشوف، وحوله أمة من الناس، والشمس وسط السماء ليس دونها سحاب؛ فإنه لا يقدر أن ينكر كون الشمس في ذلك الوقت طالعة على ذلك المكان.
الثاني: ما يستطيع المعاند إنكاره؛ لظنه أنه لا يعدم عذرًا عند الناس، كأن يكون العلم بتلك الحجة متوقفًا على التدبر والتأمل، فيقال: لعل هذا لم يتدبر ولم يتفكر، بل قد يكون الواقع كذلك، أعني أنه لم يتدبر ولم يتفكر، إما لأنه قد أَلِفَ ذلك القول الباطل ووجد عليه آباءه ومشايخه ويصعب عليه أن يتبين بطلانه، فهو يَصُدُّ نَفْسَه عن التدبر والتفكر ويغالطها ويقنعها بأن ما هو عليه هو الحق، وإما لأنه أخذ ما هو عليه تقليدًا عن مُعَظَّم عنده يغلو في اعتقاده فيه، وإما لأنه يتوهم أن ما هو عليه هو الحق، ويخشى أن يوقعه
_________________
(١) انظر: نهاية ابن الأثير، مادة (عشا). [المؤلف]. ومجمع الأمثال ٢/ ١٦.
[ ٢ / ٣٢١ ]
التدبر والتفكر في خلاف الحق [١٠٠] أو نحو ذلك، وهذه الأعذار وشبهها تمنع الناس أن يسخروا منه كما يسخرون من المنكر للضرب الأول.
إذا علمت ذلك فاعلم أن عامة الحجج الدينية من الضرب الثاني. ومن الحكمة في ذلك
_________________
(١) والله أعلم أن الله ﷿ أنشأ الجن والإنس هذه النشأة في الحياة الدنيا لحكم يعلمها، منها: أن يبرز فعلًا ما انطوت عليه نفوسهم من الخضوع للحق أو الاستكبار عنه، فتكون مجازاتهم على أمرٍ قد وقع وَوُجِدَ ما ينشأ عنه من المفاسد، وشَاهَدَهُ الخلق وشهدوا به حتى تشهد به أعضاء الفاعل؛ إذ لو أراد سبحانه أن يجازيهم على ما علمه من نفوسهم لأنكروا ذلك. وقد قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٢ - ٢٣]. ولعلَّ الأرواح في عالَمِها لا يقع منها كفر ولا معصية، إما لأن الحق في ذلك العالم واضح من الضرب الأول وإما لغير ذلك، والله أعلم. وعلى كلِّ حالٍ فإن عدل الله ﷿ اقتضى ما قدمنا ألا يجازيهم على مجرد ما علمه من نفوسهم حتى تبرز آثار ذلك إلى الخارج وتشهد به الخلائق. إذا تقرَّر هذا فالحكمة المذكورة لا تتمُّ إلا إذا كانت حجج الحق وبراهينه من الضرب الثاني؛ ليتمكَّن من إنكارها مَنْ انطوت نفسه على العناد [١٠١] والاستكبار، ويتبين في مَنْ قَبِلَها أن نفسه منطوية على حبِّ الحق وقَبوله والخضوع له.
[ ٢ / ٣٢٢ ]
فصل (في تهاون بعض الناس بأمر الفصل بين التوحيد والشرك محتجين بأن الأعمال بالنيات، والكلام على معنى هذا الحديث بتحقيق قد لا تجده عند غيره)
ومثال هذا: أنك إذا أردت امتحان رجل أأمين هو أم لا؟ فإنك لا تمتحنه بأن تودعه مالًا بمحضر أمة من الناس، ثم تطالبه به في المجلس، وإنما تمتحنه بأن تودعه سرًّا مالًا له خطر، ثم تطالبه بعد أيام مثلًا، فإنه إن أدَّاه كان ذلك دليلًا على أمانته.
ثم اعلم أن الخيانة على درجات: فمن الناس مَنْ يرتكبها وهو يعلم قطعًا أنها خيانة.
ومنهم من لا يرتكبها إلا إذا كانت هناك شبهة يغالط بها نفسه، كأن يزعم أنه محتاج وأن المودِعَ لا يؤدِّي الزكاة أو نحو ذلك، فهكذا المخالف لظواهر الأدلة قد يكون يعلم من نفسه أنه على باطل وإنما يعتني بالتأويل والمغالطة كراهية أن يعترف بأنه على باطل.
ومنهم من يغالط نفسه أيضًا كما تجده في كثير من المقلدين فإن أحدهم لشدة محبته لإمامه وحسن ظنه به يعمد إلى الأدلة الظاهرة المخالفة لمذهبه فيؤولها التأويلاتِ البعيدةَ في حين أنه يشنع على مخالفه إذا فعل مثل ذلك أو أقلَّ منه.
والمقصود أن الحكماء الربانيين يسلكون الطريقة المتقدمة؛ لقربها، [١٠٢] ولأن المخالف إذا قَبِلَها لم يلبث أن تزول عنه تلك الحواجز التي كانت تحول بينه وبين معرفة الحقّ فيعرفه يقينًا. والله أعلم.
فصل
ومن الناس مَن يتهاون بهذا الأصل العظيم
_________________
(١) الفصل بين التوحيد والشرك قائلًا: «إنما الأعمال بالنيات»، زاعمين أن هذا الحديث حجة على أن المدار في البر والإثم، والطاعة والمعصية، والإيمان والكفر، وكل خير
[ ٢ / ٣٢٣ ]
وشر على مقصود العامل، فأيُّ عمل عمله قاصدًا به التقرب إلى الله ﷿ فحُكْم الشرع في حقِّه أنه متقرب يُرْجى له الثواب.
فبعض هؤلاء يجعل هذا الحديث على تأويله له حجةً يتحجَّرُها لنفسه ولا يقبلها لمخالفه، وكفى بذلك تناقضًا.
وبعضهم يسمح بالمشاركة ولكنه يجحد أَنَّ مخالفيه قصدوا الخير ويكذِّبهم في ذلك.
وبعضهم يضطرب ويرتبك.
وبعضهم يتسامح فلا ينكر على أحد. وهذا رأي فيه قيراط حق وقنطار باطل.
فأما الحديث فلفظه كما في الصحيحين: «إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (^١).
فالمراد بالأعمال الأعمال الشرعية التكليفية بقرينة أن المتكلمَ النبيُّ ﵌، وأن كلامه هذا من باب تبليغ الشريعة، وأنه مَثَّلَ [١٠٣] بالهجرة وهي عمل شرعي تكليفي.
وقال الحافظ ابن حجر: «والتقدير: الأعمال الصادرة من المكلفين
_________________
(١) البخاريّ، كتاب الأيمان والنذور، باب النيَّة في الأيمان، ٨/ ١٤٠، ح ٦٦٨٩. ومسلم، كتاب الإمارة، باب قوله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيَّة»، ٦/ ٤٨، ح ١٩٠٧. [المؤلف]
[ ٢ / ٣٢٤ ]
قال الطيِّبِي: كلام الشارع محمول على بيان الشرع» (^١).
وقوله: «إنما الأعمال بالنيات» ظاهره اتفاقًا نفي وجود الأعمال بدون النيات. وتوهم بعض أهل العلم أن النفي لا يصح إذ قد توجد صورة الصلاة بدون نية، والصواب صحة النفي؛ فإن الكلام في الأعمال الشرعية كما علمت، والموجود في الخارج بدون النية ليس هو العمل الشرعي، وقد قال النبيُّ ﵌ للمسيء صلاته: «ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ» (^٢).
ولا خفاء أنَّ مَنْ اتفق له عدمُ الأكل والشرب والجماع يومًا كاملًا بغير نية صيام يصدق عليه حقيقة أنه لم يقع منه صيام.
فهذه الجملة «إنما الأعمال بالنيات» دلَّت أنه لا يوجد عملٌ شرعيٌّ تكليفيٌّ (^٣) إلا بنيَّةٍ، والمراد بها ــ والله أعلم ــ إخراج الأعمال الصورية التي لم تقع بنية عن أن تكون شرعية تكليفية، مثل أن يكون إنسان نائمًا أو مغمى عليه فيُحْمَلَ بغير رضًا منه سابقٍ من دار الكفر إلى دار الإسلام، فهذا لم يوجد منه عمل شرعي تكليفيٌّ أصلًا.
والجملة الثانية «وإنما لامرئ ما نوى» أريد بها ــ والله أعلم ــ التمييز بين الأعمال الشرعية التكليفية المشتبهة صورة، فأفاد أنَّ الذي يوجد منها هو ما
_________________
(١) الفتح: ١/ ٩. [المؤلف]. وقد تكرَّر في الأصل قوله: «كلام الشارع» مرَّتين سهوًا.
(٢) البخاريّ، كتاب الأذان، باب أمر النبيِّ - ﷺ - الذي لا يتمُّ ركوعه بالإعادة، ١/ ١٥٨، ح ٧٩٣. ومسلم، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة، ٢/ ١١، ح ٣٩٧. [المؤلف]
(٣) في الأصل: تكليفيَّةٌ، وهو سبق قلمٍ.
[ ٢ / ٣٢٥ ]
نواه، ومَثَّلَ له بالهجرة؛ فإنَّ الخارج من دار الكفر إلى دار الإسلام [١٠٤] قاصدًا قد وُجِدَ منه عَمَلٌ شرعي تكليفيٌّ في الجملة، وهذا العمل الشرعي التكليفي يحتمل أن يكون الهجرةَ إلى الله ورسوله وحكمُه الوجوب، أو الهجرة إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها وله حكم آخر، فتعيين أحدهما بخصوصه موكول إلى نيته الخاصة. وهاهنا انتهى معنى الحديث (^١).
فأنت ترى أن الحديث إنما تعرَّض للفصل بين الأعمال الشرعية التكليفية وبين غيرها، فأما أحكام تلك الأعمال فلم يتعرَّضْ لها وإنما تؤخذ من الأدلَّة الأخرى.
ولنوضح ذلك بمثال: أربعة وقعوا على أمهاتهم، فأحدهم مجنون، والثاني ظنها زوجته، والثالث يعلم أنها أمه ولكن غلبته الشهوة، والرابع يعلم أنها أمه وقصد بِرَّها ورضاها تقربًا إلى الله تعالى في زعمه.
فالأوَّل: ليس له قصد معتدٌّ به شرعًا. «وإنما الأعمال بالنيات»، فلم يوجَدْ مِنْه عمل شرعي تكليفي أصلًا، فلا يقال لعمله: حرام ولا مكروه ولا مباح ولا مندوب ولا واجب، والآخرون قصدوا الوقوع فوُجِدَ مِنْ كلٍّ منهم عملٌ شرعيٌّ (^٢) تكليفي. ثم يقال: الثاني (^٣) إنما نوى الوقوع على زوجته،
_________________
(١) هنا كان مكتوبًا: «ولنضرب مثلًا يتَّضح به المعنى»، وهو تكرارٌ لما سيأتي بعد سطرين من قوله: «ولنوضِّح ذلك بمثالٍ»، لأنه ضرب على صفحةٍ ونصف صفحة ثم أعاد تبييضهما، فنسي أن يضرب على هذا القدر.
(٢) أي للشرع فيه حكمٌ، ولا يعني أنه مشروعٌ.
(٣) لعله: «الأوَّل» أي: في عدد الآخرين خلا المجنون، بدليل ما يأتي من الثاني والثالث.
[ ٢ / ٣٢٦ ]
«وإنما لامرئ ما نوى»، فالعمل الشرعي التكليفي الذي وُجِد منه هو الوقوع على زوجته. والثاني نوى الوقوع على أمه شهوة فالعمل الشرعي الذي وُجِدَ منه هو الزنا بأمِّه. والثالث: نوى الوقوع على أمه تقربًا إلى الله تعالى في زعمه، فالعمل الذي وجد منه هو الزنا بأمه تقربًا إلى الله تعالى في زعمه.
وهاهنا انتهى معنى الحديث، فأما الأحكام فتطلب من غيره، فحكم الثاني أنه مندوب أو مباح، وحكم الثالث أنه حرام من أكبر الكبائر، عليه التفسيق والحد، وحكم الرابع من جهة كالثالث، ومن جهة أنه كفر لاستحلاله الحرام المقطوع به وكذبه على الله تعالى، وتكذيبه بآياته وتكذيبه لرسوله، ولو كان المعنى ما توهَّمه الجهال لكان عمل الرابع يكون قربة يرجى لصاحبه الثواب. وذلك قريب مما توهّمه المشركون فيما حكى الله تعالى عنهم من قولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣].
والحاصل أن مَن نوى التقرُّب إلى الله تعالى بعملٍ لا بدَّ من النظر في الأدلَّة الشرعيَّة، فإذا دلَّت على أن ذلك العمل بذلك القصد قربة فهو قربة، وإذا دلَّت على أنه ليس بقربة ففعلُه له بنيَّة التقرب وبالٌ عليه؛ لما فيه من الكذب على الله تعالى والتكذيب بآياته وغير ذلك (^١).
فإن قيل: فقد عُلِمَ من الشريعة أن المباح يصير قربة بالنية الصالحة، بل بعض المكروهات، وكذا بعض المحرمات إذا تعينت طريقًا لدفع مفسدة أعظم منها.
قلت: نحن لم ننف ذلك، وإنما قلنا: لا بدَّ من دليل شرعيٍّ على أن هذا
_________________
(١) هنا نحو كلمتين لم تظهرا في الأصل، وكلمة: (ففعله) لم تظهر كاملةً.
[ ٢ / ٣٢٧ ]
العمل يكون قربةً بالنية، ولا يكفي في ذلك مجرد النية كما في الزاني بأمِّه تقرُّبًا في زعمه، وشاربِ الخمر تقوِّيًا على قيام الليل، والساجد للشمس احترامًا لها لأنها آية من آيات الله، وقس على ذلك، ولعلّك قد وقفت على الحكاية التي وُضِعَتْ على مؤذن حمص ومسجدها وإمامها وقاضيها، فإنها من هذا القبيل (^١).
واعلم أن سائر الكفار من أهل الكتاب والمشركين كلهم يزعمون أنهم إنما يتمسكون بكفرهم طاعة لله ﷿ وتعظيمًا له، كما تقدم بعض ذلك، وقد علمنا أن قصدهم ذلك لا ينفي عنهم اسم الكفر ولا حكمه بل يغلِّظه عليهم ويكون كفرًا على كفرٍ.
وأما ما في ذلك الرأي (^٢) من الحق فهو في رمي المسلم غَيْرَهُ بالكفر عند ظنه ذلك بعد اجتهادٍ يُعْتَدُّ به، كما قال عمر في حاطب، وأسيدُ بن حضير في سعد بن عبادة، وجلساء عتبان بن مالك [١٠٧] في مالك بن الدخشم ﵃، وسيأتي توضيح ذلك في أواخر الرسالة (^٣)، إن شاء الله تعالى.
وقد قال الإمام أحمد وغيره بكفر تارك الصلاة كسلًا، ولم يُنْكَرْ عليهم ذلك، وإن خولفوا فيه فكما خولفوا في بعض أحكام البيع مثلًا، ومَنْ طالع أبواب الردة في كتب الفقهاء وجد من ذلك كثيرًا.
_________________
(١) الحكاية في المستطرف ٢/ ٣٠٥، وهي من الحكايات الماجنة المكذوبة.
(٢) أي: عدم الإنكار على أحد، وقد مرَّ في مطلع هذا الفصل.
(٣) في باب الأعذار ص ٩٣٥ - ٩٤١.
[ ٢ / ٣٢٨ ]
ولكنَّ كثيرًا من الذين يكفِّرون بَعْضَ المصلِّين في هذا الزمان ليس عندهم شبهة قويَّة يُعْذَرُون بها، ولا هم أهلٌ للاجتهاد والنظر. والله المستعان.
فإن قلت: فهل يتصور أن يُعْذَرَ الإنسان في الكفر كما قد يعذر في التكفير؟
قلت: أما من أقدم على الكفر مختارًا وهو يعلم أو يظن أنه كفر، أو كان عنده احتمال لكون ذلك كفرًا ولم يبحث ولم ينظر، أو بحث ونظر بغير تحقيق ولا إنصاف، بل كان غرضه من البحث نصرَ هواه والردَّ على مخالفيه، أو جاهلًا أنه كفر وهو مقصِّر بجهله= فإنه لا يُعْذَر.
وأما من أقدم مكرهًا وقلبه مطمئن بالإيمان، أو جاهلًا غير مقصِّر، كمن نشأ في رأس جبل= فمعذور.
وأما مَنْ أقدم عليه يعتقد أنه ليس بكفر، وقد نظر وبحث باذلًا أقصى جهده في ذلك حريصًا على إصابة [١٠٨] الحق مخلصًا في هذا القصد، فأدَّاه اجتهاده إلى أن ذلك الأمر ليس بكفر بل هو حق؛ فإن كان مسلمًا ملتزمًا بالأصول الإسلامية العظمى، وإنما كان خلافه فيما دونها، فسيأتي الكلام عليه في الأعذار، إن شاء الله.
وإن كان خلافه في أصول الإسلام العظمى فقد نُقِلَ عن رجل أو رجلين من المتقدمين أن هذا معذور، وجمهور العلماء على أنه غير معذور، وزاد بعضهم فكفَّر من يقول إنه معذور (^١). وظهر لي أن مثل هذا الشخص لا يوجد؛ لأنه قد فُرِضَ مجاهدًا في سبيل الحق مخلصًا في جهاده، فيمتنع
_________________
(١) مضى الكلام على هذا المبحث في الصفحات ١٧١ - ١٧٢، ٢٠٦ - ٢١٠.
[ ٢ / ٣٢٩ ]
ألا يُهْدى؛ فإن الله ﵎ يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]؛ فثبت من هذا أن من كان على كفر ويزعم أنه أداه إليه اجتهاده فلم يكن اجتهاده صادقًا خالصًا لوجه الحق، فثبت أنه ليس بمعذور اتفاقًا.
والتكفير دون الكفر قطعًا، ولا سيما الشرك، فقد قال الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦]، وقد مرَّ في المقدمة ما يتعلق بهذا.
ويشتد الخطر على من فهم من دلالة الكتاب أو السنة في عمل من الأعمال أنه شرك، فعارضها بمجرد التقليد وغيره مما مرَّ. وكذلك من أمكنه تدبر الكتاب والسنة فلم يفعل واكتفى بالتقليد أو غيره. وكذا من لم تمكنه المراجعة ولكنّه قد علم أن من أهل العلم مَنْ يقول في عمل من الأعمال إنه شرك فلم يجتنبه؛ [١٠٩] فإن الاحتياط واجب كما تقدم. وفي الحديث الصحيح: «الحلال بيِّن والحرام بَيِّن، وبينهما مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات كراعٍ يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه» (^١).
وشبهات الشرك أشدُّ من شبهات الحرام.
وفي حديثٍ آخر: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك؛ فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة» (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه ١/ ٢٠ ح ٥٢، ومسلم في كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات ٥/ ٥٠ ح ٤١٧٨.
(٢) المسند ٣/ ١٥٣.
[ ٢ / ٣٣٠ ]
وفي حديثٍ ثالثٍ: «لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا لما به بأس» (^١).
وبالجملة فتحقيق ما هو شرك وما ليس بشرك متوقف على تحقيق معنى كلمة التوحيد (أشهد أن لا إله إلا الله)، فعلى المسلم السعي في ذلك، وعليه أن يلتزم قبل تحقيق معناها الاحتياط، ولا يكفيه الاحتياط مع الإعراض عن الاجتهاد في تحقيق معناها. ولما كان معظم الاشتباه في معناها إنما جاء من الاشتباه في معنى الإلاهة والعبادة، فلنشرع في تحقيق معناهما، وأرجو الله ﵎ أن يهديني والمسلمين لما اختلف فيه من الحق بإذنه ويحفظنا من الزيغ والزلل بفضله ومَنِّه، آمين.
* * * *
_________________
(١) أخرجه الترمذي في كتاب صفة القيامة والرقائق، باب ١٩، ٤/ ٦٣٤ ح ٢٤٥١، وابن ماجه في كتاب الزهد، باب الورع والتقوى ٢/ ١٤٠٩ ح ٤٢١٥، وضعَّفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي.
[ ٢ / ٣٣١ ]
[١١٠] تفسير لفظ «إله» في كتب العقائد
يظهر من صنيع بعض المتكلمين ــ أعني علم الكلام أو علم العقائد أو علم التوحيد ــ أن معنى (إله) هو المعنى الذي يُعِبِّرون عنه بواجب الوجود، ولكنَّ في عباراتهم اضطرابًا. قال العضد في مواقفه: «المرصد الثالث في توحيده تعالى، وهو مقصد واحد، وهو أنه يمتنع وجود إلهين. أما الحكماء (^١) فقالوا: يمتنع وجود موجودَين كلُّ واحدٍ منهما واجب لذاته وأما المتكلمون فقالوا: يمتنع وجود إلهين مستجمعين لشرائط الإلهية، لوجهين: الأول: لو وُجِد إلهان قادران واعلم أنه لا مخالف في هذه المسألة إلا الثنوية».
قال المحشِّي حسن جلبي (^٢): «قوله: (في توحيده تعالى) التوحيد يطلق بالاشتراك على معانٍ، من جملتها: اعتقاد الوحدانية أي عدم مشاركة الغير له في الألوهية، وهذا هو المقصود هاهنا، والمشاركة فيها تستلزم الاشتراك في الوجوب الذي هو معدن كلِّ كمال ومُبْعِد كل نقصان ».
وقال الشارح السيد الشريف بعد قول المتن: (إلا الثنوية): «دون الوثنية فإنهم لا يقولون بوجود إلهين واجبي الوجود، ولا يصفون [١١١] الأوثان بصفات الإلهية وإن أطلقوا عليها اسم الآلهة، بل اتخذوها على أنها تماثيل الأنبياء أو الزهَّاد أو الملائكة أو الكواكب، واشتغلوا بتعظيمها على وجه العبادة توصُّلًا بها إلى ما هو إله حقيقةً».
_________________
(١) يعني: الفلاسفة.
(٢) ابن محمد شاه الفناري، توفي سنة ٨٨٦ هـ. انظر: شذرات الذهب ٨/ ٣.
[ ٢ / ٣٣٢ ]
قال حسن جلبي: «فعدَّهم [أي الوثنية] من المشركين لقولهم بتعدُّد المستحق للعبادة لا لقولهم بواجبي الوجود» (^١).
فهذه العبارات كما ترى.
وفي مسألة التوحيد من المقاصد وشرحها بنى الكلام على توحيد وجوب الوجود أيضًا، ولكن قال في الشرح: «حقيقة التوحيد اعتقاد عدم الشريك في الألوهية وخواصِّها، ولا نزاع لأهل الإسلام في أنَّ تدبير العالم وخلق الأجسام واستحقاق العبادة وقِدَم ما يقوم بنفسه كُلُّها من الخواصِّ ».
ثم عدَّدَ أصناف المشركين، إلى أن قال بعد ذكر الثنويَّة والمجوس: «ومنهم عَبَدَة الملائكة وعبدة الكواكب وعبدة الأصنام، أما الملائكة والكواكب فيمكن أنهم اعتقدوا كونها مؤثِّرة في عالم العناصر مدبِّرة لأمور قديمة بالزمان (^٢) شفعاء للعباد عند الله تعالى مقرِّبة إياهم إليه تعالى.
وأما الأصنام فلا خفاء أنَّ العاقل لا يعتقد فيها شيئًا من ذلك، قال الإمام ﵀: فلهم في ذلك تأويلات باطلة:
الأول: أنها صور أرواحٍ تدبِّر أمرهم وتعتني بإصلاح حالهم على ما سبق.
الثاني: أنها صور الكواكب.
_________________
(١) شرح المواقف ٣/ ٣٢ - ٣٦. [المؤلف]
(٢) سيأتي ما فيه، إن شاء الله تعالى. [المؤلف]
[ ٢ / ٣٣٣ ]
الثالث: أن الأوقات الصالحة للطِّلَّسْمات (^١) القويَّة الآثار [١١٢] لا توجد إلا أحيانًا من أزمنة متطاولة جدًّا، فعملوا في ذلك الوقت طِلَّسْمًا لمطلوب خاصٍّ يعظمونه ويرجعون إليه عند طلبه.
الرابع: أنهم اعتقدوا أن الله تعالى جسم على أحسن ما يكون من الصورة، وكذا الملائكة، فاتخذوا صورًا وبالغوا في تحسينها وتزيينها وعبدوها لذلك.
الخامس: أنه لما مات منهم مَنْ هو كامل المرتبة عند الله تعالى اتخذوا تمثالًا على صورته وعظَّموه تَشَفُّعًا إلى الله تعالى وتوسُّلًا
وبالجملة فنفي الشركة في الألوهية ثابت عقلًا وشرعًا وفي استحقاق العبادة شرعًا، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]» (^٢).
أقول: وهذه العبارة الأخيرة مفهمة أنَّ عَبَدَة الملائكة وعبدة الكواكب وعبدة الأصنام لم يشركوا في وجوب الوجود وإنما أشركوا في استحقاق العبادة، وقد جعل استحقاق العبادة غير الألوهية، وإنما يعني الألوهية بالمعنى الذي يريده المتكلِّمون منها في هذا البحث، وهو وجوب الوجود، وهو غير استحقاق العبادة قطعًا، فلا تَفْهَمْ من كلامه أنَّ المشركين الذين
_________________
(١) الطِّلَّسْم ــ بكسر الطاء وفتح اللام المشدَّدة وحُكِي تخفيفها ــ: خطوطٌ وأعدادٌ يزعم كاتبها أنه يربط بها روحانيَّات الكواكب العلويَّة بالطبائع السفليَّة لجلب محبوبٍ أو دفع أذًى. انظر: مفتاح السعادة ومصباح السيادة ١/ ٣١٦، المعجم الوسيط ٥٦٢.
(٢) شرح المقاصد ٢/ ٦٤ - ٦٥. [المؤلف]
[ ٢ / ٣٣٤ ]
حكى فيما سبق أنهم يشركون في استحقاق العبادة غيرُ مشركين في الألوهية، كيف والقرآن مملوء بالإخبار عنهم أنهم اتخذوا الأوثان آلهة، وقد قال هو نفسه في المطوَّل (^١) في بحث تعريف المسند إليه بالعَلَمِيَّة ما لفظه: «ألا ترى أنَّ قولنا: (لا إله إلا الله) كلمة توحيد بالاتفاق فيجب أن يكون إله بمعنى المعبود بحق، والله تعالى عَلَمًا للفرد الموجود منه، والمعنى: لا مستحق للعبودية له في الوجود أو موجود إلا الفرد الذي هو خالق العالم، وهذا معنى قول صاحب الكشاف: «إن الله تعالى يختصُّ بالمعبود بالحق لم يُطْلَقْ على غيره»، أي بالفَرْدِ الموجود الذي يُعبد بالحق تعالى وتقدَّس». ونقلوا نحوه عن السعد في شرح الكشاف (^٢).
فأما زعمه أنَّ نفي الشركة في استحقاق العبادة غير ثابت بالعقل، فيبطله القرآن كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وفي شرح الجوهرة لابن الناظم: «وحقيقة الألوهية وجوب الوجود والقدم الذاتي، ويلزم منه استغناؤه عن كل ما سواه وافتقارُ كلِّ ما سواه إليه».
تعقَّبه المحشِّى الأمير فقال: «قوله: (وجوب الوجود) هذا من اللوازم، وحقيقة الألوهية كونه معبودًا بحق. قوله: (ويلزم منه استغناؤه إلخ) السنوسي فسَّر الألوهية بهذين الشيئين، وأخذ ما عداهما منهما، والشارح فَعَلَ ما فَعَلَ ولم يظهر له وجه» (^٣).
وقال البيجوري في حواشيه على الجوهرة: «فحقيقة الإله المعبودُ
_________________
(١) المطول: (ص ٢١٦) نشرة د. عبد الحميد هنداوي.
(٢) ما زال مخطوطًا.
(٣) شرح عبد السلام للجوهرة لوالده ص ١١٧. [المؤلف]
[ ٢ / ٣٣٥ ]
الأمم كلها لا تشرك في وجوب الوجود حتى الثنوية
بحق، ويلزم منه أنه مستغنٍ عن كلِّ ما سواه، ومفتقر إليه كلُّ ما عداه فتفسير السنوسي الذي ذكره في الصغرى باللازم لا بالحقيقة» (^١).
أقول وأسأل الله التوفيق: أما وجوب الوجود فالأمم كلُّها لا تشرك فيه حتى الثنويَّة، والنقل عنهم مضطرب، وغالبهم يقول بحدوث الذي يقولون بأنه خالق الشر، ومَن قال منهم بقدمه فالقِدَم عندهم لا يستلزم وجوب الوجود.
وفي نهاية الإقدام للشهرستاني المطبوع بإسلامبول: «القاعدة الثالثة في التوحيد وهذه المسألة مقصورة على استحالة وجود إلهين يثبت لكلِّ واحدٍ منهما من خصائص الإلهية ما ثبت للثاني، ولست أعرف صاحب مقالة صار إلى هذا المذهب؛ [١١٤] لأن الثنويَّة وإن صارت إلى إثبات قديمين لم تثبت لأحدهما ما ثبت للثاني من كلِّ وجه. والفلاسفة وإن قضوا بكون العقل والنفس أزليَّيْن، وقضوا بكون الحركات سرمديَّة، لم يُثْبِتُوا للمعلول خصائص العلَّة، كيف وأحدهما علّة والثاني معلول. والصابئة وإن أثبتوا كون الروحانيين والهياكل أزليَّة سرمديَّة (^٢) مدبِّرة لهذا العالم وسمَّوها أربابًا وآلهة فلم يثبتوا فيها خصائص رب الأرباب. ودلالة التمانع في القرآن مسرودة على من يُثْبِت خالقًا من دون الله ﷾، قال الله تعالى: ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون: ٩١]. وعن هذا صار أبو الحسن [الأشعري] ﵀ إلى أنَّ أخصَّ وصف الإله هو القدرة على
_________________
(١) حواشي البيجوري على الجوهرة ص ٦٨. [المؤلف]. وانظر: أم البراهين ضمن مجموع المتون ٧ - ٨.
(٢) سيأتي في عبارة الشهرستاني نفسه في الملل والنحل أنَّ القوم لم يعتقدوا قِدَم الروحانيات. [المؤلف]
[ ٢ / ٣٣٦ ]
الاختراع فلا يشاركه فيه غيره، ومَن أثبت فيه شركة فقد أثبت إلهين» (^١). وسيأتي ما فيه قريبًا إن شاء الله تعالى.
نعم مَنْ قال من النصارى: إن الله ــ تعالى عما يقولون ــ عبارة عن ثلاثة أقانيم انفصل أحدها حتى حلَّ في جسد عيسى ﵇، يلزمه الشرك في وجوب الوجود، ولكنْ لهم خبط شديد لعلَّه يأتي بعضه.
ورأيت في ترجمة الكِنْدِيِّ الفيلسوف [١١٥] أن له رسالة في بيان أن الأمم جميعها موحِّدون، كأنه يريد توحيد وجوب الوجود.
وكتابُ الله تعالى مع شهادته على كثير من الأمم بالشرك ينفي عنهم الشرك في وجوب الوجود.
وسيأتي إن شاء الله تعالى إيضاح ذلك مفصَّلًا في الكلام على شرك قوم نوح وقوم إبراهيم وقوم هود وقوم صالح، والمصريين في عهد إبراهيم، ثم في عهد يوسف، ثم في عهد موسى، حتى إن فرعون نفسه لم يشرك في وجوب الوجود.
وكذلك مشركو العرب الذين بُعِثَ فيهم خاتم الأنبياء ــ عليه وعلى إخوانه من النبيين وآل كلٍّ منهم صلوات الله وسلامه ــ شهد عليهم القرآن باعترافهم بأن الله ﷿ هو الذي يرزقهم من السماء والأرض، والذي يملك السمع والأبصار، والذي يخرج الحي من الميت والذي يخرج الميت من الحي، والذي يدبر الأمر، والذي له السموات والأرض، وأنه رب السموات السبع ورب العرش العظيم، وأنه بيده ملكوت كل شيء وأنه هو
_________________
(١) نهاية الإقدام ١/ ٩٠ - ٩١. [المؤلف]
[ ٢ / ٣٣٧ ]
يجير ولا يجار عليه، وأنه هو الذي خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر، وأنه هو الذي ينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها، وأنه العزيز العليم، إلى غير ذلك، وسيأتي ــ إن شاء الله تعالى ــ سياق الآيات في ذلك.
[١١٦] وأخبر الله تعالى عنهم بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٣٥]، وآيات أخرى بهذا المعنى سيأتي ــ إن شاء الله تعالى ــ ذكرها مع بيان حجة الله البالغة في رَدِّ شبهتهم.
وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨].
وقال ﷿: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣].
وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ [الأحقاف: ٢٧ - ٢٨].
ذكر الراغب وغيره أن القربان هو من يتقرب بخدمته إلى الْمَلِك يستوي فيه الواحد والجمع (^١) ــ أي لأنه في الأصل مصدر ــ، فيكون هذا كقولهم:
_________________
(١) المفردات ٦٦٤.
[ ٢ / ٣٣٨ ]
توحيد الألوهية غير توحيد وجوب الوجود، ومعنى (إله) غير معنى واجب الوجود
﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣].
فهذه الأمم التي ثبت أنها لم تكن تشرك في وجوب الوجود هي التي [١١٧] ملئ القرآن بالإخبار عنها أنها كانت تشرك في الألوهية وتتخذ من دون الله آلهة، وعنهم أخبر الله تعالى بأنه أرسل إليهم رسله يدعونهم إلى
لا إله إلا الله، فاستكبروا عن ذلك وأعظموه، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥]، وقال ﷿: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٤، ٥].
وكانت الرسل تكتفي منهم بلا إله إلا الله، فمن قاله فقد برئ من الشرك، فأيُّ ريب يبقى في أن توحيد الألوهية غير توحيد وجوب الوجود، وأن معنى (إله) غير معنى واجب الوجود؟ وكيف يُعْقَل أن يكون معنى (إله) هو معنى واجب الوجود، وهم يؤلِّهون أحجارًا ينحتونها بأيديهم، وأشجارًا قد علموا أنها لم تكن قبلُ نابتةً ثم نَبَتَتْ، ومعادن تصاغ أمام أعينهم؟!
وأما قول السنوسي: إن معنى (إله): المستغني عن كلِّ ما سواه المفتقر إليه كلُّ ما عداه، فقد تقدَّم أنه تفسير باللازم؛ على أن في كلام السَّعْد المتقدِّم ما يدلُّ على إنكاره هذا اللزوم. وفيما تقدَّم في الكلام على إبطال أن يكون معنى (إله) هو معنى واجب الوجود ما يُعْلَمُ منه إبطالُ أن يكون [١١٨] معنى (إله): المستغني عن كلِّ ما سواه المفتقر إليه كلُّ ما عداه. فأما كون هذا المعنى ملازمًا له فحقٌّ ولكن المشركين لا يعترفون بهذه الملازمة، وسيأتي قريبًا نصُّ ابن عبد السلام وغيره على ذلك، ولذلك يؤلِّهون المخلوقات والجمادات مع علمهم باحتياجها وافتقارها واعترافهم بذلك.
[ ٢ / ٣٣٩ ]
سكوت المتكلمين عن إيضاح توحيد الألوهية الحقيقي مع أن الضرورة إليه أشد؛ لأن عامة الأمم تعترف بوحدانية وجوب الوجود وإنما تنكر توحيد الألوهية
واعلم أن المتكلمين تبعوا الحكماء في الكلام على توحيد وجوب الوجود، وأرادوا أن يعبِّروا بعبارة شرعية فاختاروا كلمة (إله)؛ لأنَّ الشارع جعلها عَلَمًا للتوحيد الآخر في لا إله إلا الله، وبنى الملازمة عليها في قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وغيرها ممّا سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.
ورأوا أن الشرع خصَّ الألوهية بالله ﷿، وكثيرًا ما يحتجّ على ذلك بالعقل، فدلَّهم ذلك على أن بَيْنَ الألوهية ووجوب الوجود ملازمةً، وهذا حقٌّ في نفسه، وكذلك الملازمة بين الألوهية والاستغناء المطلق كما مرَّ. ولا يلزم من التلازم في نفس الأمر اتحاد المعنى ولا التلازم في الاعتقاد، فإن عدم الألوهية ملازم لغير الله ﷿ في نفس الأمر، مع أن المشركين يعتقدون في أوثانهم مثلًا أنها آلهة ولا يعتقدون أنها هي الله. وإطلاق أحد المتلازمين على الآخر شائع ذائع.
ولكن المتكلمين سكتوا عن إيضاح توحيد الألوهية الحقيقيِّ مع أن الضرورة إليه أشدُّ؛ لِمَا تقدَّم أنَّ عامَّة الأمم تعترف بوحدانية وجوب الوجود وإنما تنكر توحيد الألوهية، والأمم التي بعثت إليها الرسل كذلك، وعلى ذلك الأمم الباقية على الشرك إلى يومنا هذا، ومعلوم أن تلك الأمم لا تعترف باستلزام وحدانيَّة وجوب الوجود لوحدانية الألوهية، فكان على المتكلمين أن يُبَيِّنوا وجه الملازمة، [١١٩] ويُمْعِنُوا فيه، كيف لا وعليهم اتِّكَال أكثرِ الأمَّة في بيان العقائد، وقد جعلوا التوحيد عَلَمًا لهم حتى سُمِّيَ علمُ الكلام علمَ التوحيد، فكيف لا تتَّكِل الأمَّة في بيان التوحيد على علماء التوحيد؟ ولكنهم ويا للأسف أغفلوا التوحيد الذي بُنِيَتْ عليه الشرائع وبه
[ ٢ / ٣٤٠ ]
من العجائب أن كثيرا من طلبة العلم ــ إن لم أقل من العلماء ــ في هذا العصر يتوهمون أن المشركين كانوا يعتقدون في الأصنام أنها واجبة الوجود خالقة رازقة مدبرة للعالم
أُرْسِلت الرسل، والمسلمون بغاية الضرورة إلى معرفته، وهو محور الخلاف والنزاع والقتال والجدال= أغفلوا هذا واشتغلوا بغيره.
نعم فَسَّر بعضُهم الألوهية باستحقاق العبادة، ولكن العبادة أيضًا كلمة مشتبهة فلم يبيِّنوا معناها ولا تكلّموا في بيان اختصاص الله ﷿ باستحقاقها.
ولعلَّ السبب في إهمالهم الكلامَ على توحيد الألوهية الحقيقيِّ أنهم لم يجدوا للفلاسفة كلامًا فيه، كيف وعامَّة الفلاسفة مشركون يعبدون الأرواح والكواكب والأوثان، وظنَّ المتكلمون كما صرَّح به بعضهم وتقدَّم في آخر ما نقلناه عن شرح المقاصد أن وحدانية استحقاق العبادة لا يدلُّ عليه العقل وإنما هو (^١) شرعيٌّ محض.
[١٢٠] فتقصير المتكلمين في هذه المسألة من أعظم أسباب الاشتباه فيها؛ لأن مَنْ أراد البحث عنها فَزِعَ إلى ما سَمَّوْهُ علمَ التوحيد؛ لاعتقاده أنه متكفِّل بمسائل العقائد، ولا سيما مسألة التوحيد، فوجد فيه الكلام في وحدانية وجوب الوجود مُعَنْوَنَة بوحدانية الألوهية، ووجد بعضَهم قد صرَّح بأنَّ معنى الإله هو معنى واجب الوجود أو نحوه، فظنَّ أن ذلك معنى الإله حقيقة. فإن شكَّكه في ذلك قول بعضهم: إن معنى الإله هو: المستحق للعبادة، توهَّم أن العمل لا يكون عبادة إلا مع اعتقاد أن المعبود واجب الوجود أو نحو ذلك، وإلَّا لَما أهمل علماءُ التوحيد الكلامَ عليها.
ومن العجائب أنك تجد في هذا العصر كثيرًا من طلبة العلم ــ إن لم أقل
_________________
(١) أي الاستحقاق.
[ ٢ / ٣٤١ ]
مِنَ العلماء ــ يتوهَّمون أن المشركين يعتقدون في الأصنام من أشجار وأحجار وغيرها أنها واجبة الوجود قادرة على كلِّ شيء خالقة رازقة مدبِّرة للعالَم. ولقد كَلَّمْتُ بعضهم في شأن الوثنيِّين من أهل الهند وقولهم في الأصنام، فقال: إذا كان هذا قولهم في الأصنام فليسوا بمشركين! ! وحجته أنهم لم يخالفوا التوحيد الذي حقَّقه علماء التوحيد، وهكذا غلب [١٢١] الجهلُ بمعنى لا إله إلا الله، والغلطُ فيه وفي حقيقة الشرك الذي بعث الله ﷿ رسله لإبطاله، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
واعلم أن كلمة «واجب الوجود» لم ترد في الشرع، وأقربُ ما يؤدِّي معناها من الأسماء الحسنى اسمه تعالى: «الحق». وفي الحديث الصحيح: «أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد:
ألا كلُّ شيء ما خلا الله باطل» (^١)
والمراد بالباطل هنا ــ والله أعلم ــ ما يُعَبِّر عنه المتكلمون بجائز الوجود أو ممكن الوجود فيكون ضدُّه الحقَّ بمعنى واجب الوجود.
ثم رأيت كلام الحافظ ابن حجر على هذا الحديث فرأيت فيه ما لفظه: «والحقُّ على الحقيقة مَنْ لا يجوز عليه الزوال» (^٢).
وتمام البيت:
وكلُّ نعيم لا محالة زائل
_________________
(١) البخاريّ، كتاب مناقب الأنصار، باب أيَّام الجاهليَّة، ٥/ ٤٣، ح ٢٨٤١. ومسلم، كتاب الشِّعر، ٧/ ٤٩، ح ٢٢٥٦ (٣). [المؤلف]
(٢) فتح الباري ٧/ ١٠٤. [المؤلف]
[ ٢ / ٣٤٢ ]
والبيت من قصيدةٍ قالها لبيد في شركه (^١)، وأنشدها مشركي قريش بعد بعثة النبي ﵌ وكان حاضرهم عثمان بن مظعون بعد إسلامه، فلما أنشد لبيد الشطر الأول قال عثمان: صدقت، ولما أنشد الشطر الثاني قال عثمان: كذبت، إلا نعيمَ الجنة فإنه لا يزول، فغضب لبيد لقوله: كذبت، وغضب له المشركون، وآذوا عثمان ﵁، ولم ينكر أحد من المشركين قول لبيد:
ألا كلُّ شيء ما خلا الله باطل
مع قول عثمان: صدقت (^٢).
وقد يؤخذ من كلام بعضهم أن المعنى الحقيقي لـ (إله) هو المدبِّر استقلالًا، وإليه يرجع فيما يظهر ما نقله الشهرستاني في نهاية الإقدام عن الأشعري، وقد مرَّ.
[١٢٢] ولا يخفى أن الاستقلال التامَّ إنما يكون لواجب الوجود، وقد مرَّ الكلام عليه.
فأما ما دون ذلك فمنه ما يقوله بعض الثنوية في الشيطان: إنه يعمل ما يعمل ولا يستطيع الله ــ تعالى الله عما يقولون ــ مَنْعَه في كثير من الأحوال. ولا أدري ما صحَّةُ هذا النقل عنهم، فإن مقالتهم مضطربة.
_________________
(١) انظر: ديوانه (٢٥٤ - ٢٦٦) نشرة إحسان عباس.
(٢) انظر: سيرة ابن هشام ١/ ٢٠٠ - ٢٠١، وفتح الباري ٧/ ١٠٤ - ١٠٥. [المؤلف]. وأخرجه الطبراني في الكبير ٩/ ٢٤ من مرسل عروة. وأبو نعيم في معرفة الصحابة ٤/ ١٩٥٤ - ١٩٥٦ ح ٤٩١٥ من مرسل الزهري.
[ ٢ / ٣٤٣ ]
ومنه قول بعض الفلاسفة: إن في العالم موجودات يُسَمُّونها العقول العليا، وإنها تدبر الكون بدون علم من الله ﷿؛ لزعمهم أنه سبحانه لا يعلم الجزئيات. وفي صحة هذا عنهم مقال، ففي كلام ابن رشد الحفيد آخِرَ كتابه تهافت التهافت إنكارُ كون هذا اعتقادَ الفلاسفة (^١).
ومنه ما يُحْكى عن الصابئة، قال الشهرستاني في كتابه الملل والنحل: «فإن عندهم أن الإبداع الخاصَّ بالرب تعالى هو اختراع الروحانيات ثم تفويض أمور العالم العلوي إليها، والفعل الخاص بالروحانيات هو تحريك الهياكل (الكواكب) ثم تفويض العالم السفلي إليها، كمن يبني معملة وينصب أركانًا للعمل من الفاعل والمادَّة والآلة والصورة وتفويض العمل إلى التلامذة» (^٢).
فأما الأولان فلم يقل بهما أحد عن الأمم التي أخبر الله ﷿ بأنها أشركت في الألوهيَّة وبعث إليها رُسُلَه بـ «لا إله إلا الله»، وقد مرَّ شيء من بيان ذلك. [١٢٣] وسيأتي إيضاحه مفصّلًا إن شاء الله تعالى.
وأما الثالث ــ أعني ما حكي عن الصابئة ــ فالحكايات عنهم مضطربة، وقد حكى الشهرستاني عنهم في موضع آخر ما يخالف ما تقدَّم أو يُبَيِّنه.
قال في أول الكلام على الصابئة: «ومذهب هؤلاء أن للعالم صانعًا فاطرًا حكيمًا مقدَّسًا عن سمات الحدثان، والواجب علينا معرفة العجز عن الوصول إلى جلاله، وإنما يتقرب إليه بالمتوسطات المقربين لديه، وهم الروحانيون المطهَّرون المقدَّسون جوهرًا وفعلًا وحالة وقد جُبِلوا على
_________________
(١) انظر: تهافت التهافت ص ١١٠ (ط الحلبي).
(٢) الملل والنحل ٢/ ١٢٨. [المؤلف]
[ ٢ / ٣٤٤ ]
الطهارة وفُطِرُوا على التقديس والتسبيح لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون فنحن نتقرَّب إليهم ونتوكَّلُ عليهم، فَهُمْ أربابنا وآلهتنا ووسائلنا حتى يحصل مناسبةٌ ما بيننا وبين الروحانيات، فنسأل حاجاتنا منهم ونَعرض أحوالنا عليهم ونصبو في جميع أمورنا إليهم، فيشفعون لنا إلى خالقنا وخالقهم ورازقنا ورازقهم
وأما الفعل فقالوا: الروحانيات هم الأسباب المتوسطون في الاختراع والإيجاد وتصريف الأمور من حالٍ إلى حالٍ، وتوجيه المخلوقات من مبدأ إلى كمال، يستمدون القوة من الحضرة الإلهية القدسية، ويُفِيْضون الفيض على [١٢٤] الموجودات السفلية وأما الحالة فأحوال الروحانيات ثم طعامهم وشرابهم التسبيح والتقديس والتمجيد والتهليل وأنسهم بذكر الله تعالى وطاعته، فمِن قائمٍ ومِن راكع ومن ساجد ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]» (^١).
فيظهر مما ذكر هنا أن القوم لم يدَّعوا للروحانيين تدبيرًا مستقلًّا.
وبعدُ، فقد علمت شهادة الله ﷿ على المشركين بأنهم يعترفون بأن الله ﷿ هو الذي يدبِّر الأمر والذي يرزقهم من السماء والأرض وغير ذلك، وقد أخبر الله تعالى عن كثير من الأمم أنهم اتخذوا الأصنام آلهة، واتخذوا الشياطين آلهة، واتخذوا الهوى إلهًا، واتخذوا الأحبار والرهبان أربابًا وآلهة، مع أنهم لم يعتقدوا لشيء من ذلك التدبير المستقل. وسيأتي إيضاح ذلك مفصَّلًا إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) الملل والنحل ٢/ ٩٥ - ٩٨ بهامش الفصل في الملل والنحل لابن حزم.
[ ٢ / ٣٤٥ ]
ولعلَّ مراد الشهرستاني والأشعريِّ مِن قبله ومَن يؤخذ من كلامه موافقتُهما أن الخلق والتدبير استقلالًا مناط الألوهية، بمعنى أن الموجود إذا كان متصفًا بذلك استحق أن يكون إلهًا، ومَن وصف شيئًا بذلك لزمه إثبات الألوهية له. وعليه فلا يُفْهَمْ من كلامهم أن ذلك معنى الألوهية، ولا أنَّ مَنْ لم يعتقد في شيء أنه كذلك لا يمكن أن يعتقد له الألوهية، فتدبَّر.
فقد ثبت بما تقدم أن اتخاذ الشيء إلهًا لا يتوقف على اعتقاد كونه واجبَ الوجود، ولا اعتقاد كونه مستغنيًا عما سواه، ولا كونه مدبِّرًا مستقلًّا، بل ولا غير مستقلٍّ؛ فإن الذين ألَّهوا الأصنام لم يعتقدوا لها شيئًا من التدبير كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، واتضح لك أن عبارات المتكلمين التي تُوهِم خلاف ما ذكرنا لا تخالفه في الحقيقة، ولله الحمد.
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في كتابه (الإشارة والإيجاز إلى أنواع المجاز) عند ذكر قول الله ﷿ حكاية عن قول المشركين يوم القيامة لآلهتهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨] ما لفظه: «وما سَوَّوهم به إلا في العبادة والمحبة دون أوصاف الكمال ونعوت الجلال» (^١).
وقال أبو السعود الرومي (^٢) في قوله الله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [النمل: ٦٤]: «أي هاتوا برهانًا عقليًّا أو نقليًّا يدلُّ على أن معه تعالى إلهًا، لا على أن غيره تعالى يقدر على شيء مما ذُكِرَ من أفعاله تعالى
_________________
(١) الإشارة ص ٥٥. [المؤلف]
(٢) تفسير أبي السعود ٦/ ٢٩٦.
[ ٢ / ٣٤٦ ]
كما قيل، فإنهم لا يدَّعونه صريحًا، ولا يلتزمون كونه من لوازم الألوهية وإن كان منها في الحقيقة، فمطالبتهم بالبرهان عليه لا على صريح دعواهم مما لا وجه له».
[١٢٥] الذي يدل عليه القرآن أن التدبير بالخلق والرزق ونحوهما على سبيل الاستقلال هو الذي ينبغي أن يكون مناطًا للألوهية، فمَن لم يكن كذلك لم يَنْبَغِ أن يُتَّخَذَ إلهًا، وأعني بالتدبير المستقلِّ: أن يكون المدبِّر ذا قدرة مطلقة، بحيث لا يكون فوقه قادرٌ محيط به علمًا وقدرة، يعلم جميع أحواله ويمنعه إذا أحبَّ ويغني عنه إذا أراد، أو يكون فوقه قادر كذلك ولكنَّ الأعلى فَوَّضَ الأمرَ إلى الأدنى مطلقًا يتصرَّف كيف يشاء.
قال الله ﵎: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١ - ١٩٢].
وقال ﷿: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ١٧ - ٢٠].
وقال ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣].
وقال جلّ ذكره: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ [١٢٦] وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٣].
[ ٢ / ٣٤٧ ]
عامة المشركين لا يعتقدون لشركائهم تدبيرا مستقلا
وقال عزَّ من قائل: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦].
وقال سبحانه: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [لقمان: ١١].
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ [فاطر: ٤٠].
وقال جلَّ ذكره: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٤].
والآيات في هذا المعنى كثيرة، وفي أكثرها ما يزيدك بصيرة بما قدَّمناه [١٢٧] أنَّ عامَّة المشركين لا يعتقدون لشركائهم تدبيرًا مستقلًّا، ولذلك قامت عليهم الحجة بهذه الآيات. ولكن من الأمم مَنْ يُشْرِكُ الروحانيين زاعمًا أنه كما أن للبشر قدرة يتصرفون بها على حسب اختيارهم فينفعون ويضرون ويغيثون ويعينون ويقتلون ويستحيون ونحو ذلك مما هو مشاهد، فللروحانيين قدرة يتصرفون بها على حسب اختيارهم وهي أعظم وأكمل من قدرة البشر. قالوا: وكلا (^١) القدرتين مخلوقة لله ﷿ وممنوحة منه، وإذا
_________________
(١) كذا في الأصل، والوجه: كلتا.
[ ٢ / ٣٤٨ ]
تفسير قوله تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ والآيات المشابهة لها وتقرير برهان التمانع بأحسن وجه
شاء سَلْبَ القدرة من بعض الروحانيين فَعَلَ، كما إذا شاء سَلْبَ القدرة مِنْ بعض البشر. قالوا: فنحن نؤلِّه الروحانيين ونعبدهم لينفعونا بهذه القدرة الموهوبة لهم من الله ﷿، كما أن البشر يعظِّم بعضُهم بعضًا ويخضعُ بعضُهم لبعض رغبةً في منفعة أو خشيةً من مضرَّة مع العلم بأن قدرة البشر موهوبة لهم من الله ﷿. ومِنْ هؤلاء عامَّةُ وَثَنِيِّي الهند وغيرهم.
[١٢٨] فاحتجَّ القرآن على هؤلاء وغيرهم بقوله ﷿: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠) أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٩].
وقوله جل ذكره: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) [١٢٩] بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا
[ ٢ / ٣٤٩ ]
تقرير برهان التمانع أنه لو كان مع الله تعالى أحياء يدبر كل منهم الخلق والرزق ونحوهما تدبيرا مستقلا لاختلفوا، وإذا اختلفوا فسدت السموات والأرض، كما أن الأمور الصغيرة التي يدبرها الناس مستمرة الفساد
كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٩١].
وقوله ﵎: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩) أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤١) قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٣٩ - ٤٤].
وتقرير هذا البرهان: أنه لو كان مع الله تعالى أحياء يدبِّرُ كلٌّ منهم الخلق والرزق ونحوهما من الأمور العظمى في العالم تدبيرًا مستقلًّا [١٣٠] لاختلفوا، وإذا اختلفوا فسدت السموات والأرض، كما أن الأمور الصغيرة التي يدبِّرها الناس مستمرة الفساد.
ولا ريب أن قدرة الناس لو تتناول نحو إنزال المطر ومنعِه، وإرسال الرياح وحبسها، وتيسير (^١) الهواء ورفعه، وتحريك الزلازل ونحو ذلك؛ لكان الفساد أظهر، ومعلوم بالمشاهدة أن الأمور العظمى لا يتطرَّق إليها الفساد، وما قد يظهر في بعضها مما يُتَوهَّم فسادًا تُعْلَم مصلحته عند التدبُّر. فعلم بذلك أنه ليس في العالم مع الله تعالى أحياء كلٌّ منهم يدبِّر تدبيرًا مستقلًّا.
والمراد بالآلهة هنا الجنس، أي واحد مع الله فأكثر؛ لأن الفساد كما يلزم من وجود ثلاثة مثلًا مع الله يَلْزَمُ من وجود اثنين وواحدٍ أيضًا.
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعله: «تسيير».
[ ٢ / ٣٥٠ ]
وقد علم من هذا البرهان إبطالُ ما يزعمه المشركون من أن الملائكة متمكِّنون من التصرُّف بهواهم واختيارهم كالبشر، وبيان ذلك: أن الفساد كما يلزم من تصرُّفهم بهواهم واختيارهم بناءً على أنهم مدبِّرون استقلالًا، فكذلك يلزم من تصرُّفهم بهواهم واختيارهم بناء على أن الله ﷿ مَكَّن لهم في ذلك كما مكَّن للبشر في الأرض؛ فإنّ تصرُّف البشر يَحْدُثُ منه الفسادُ قطعًا، وذلك معلومٌ بالمشاهدة، ولو تناولت قدرتُهم الأمورَ العظمى ومُكِّنوا من التصرُّف فيها تمكينَهم من الصغرى لظهر الفساد فيها حتمًا.
وبهذا التقرير اجْتُثَّتْ شبهةُ المشركين من أصلها، فلم يبق حاجةٌ إلى بيان أنه لو فُرِضَ أنَّ الملائكة مُمَكَّنون من التصرف تمكين البشر لم يستحقُّوا أن يُعْبَدُوا، مع أن القرآن قد بَيَّنَ هذا في مواضع، منها قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (٣٧) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٦ - ٣٨].
وتقريره: أنه إذا ثبت أن الله ﷿ محيطٌ بالملائكة قدرةً وعلمًا ومهيمنٌ عليهم في جميع أعمالهم، فلا يستطيعون نفع أحد يقضي الله ضرَّه ولا ضرَّ أحد يقضي الله نفعَه، ولا أن ينالوا أحدًا بشيء لا يقضيه الله تعالى له، فلم يبق معنىً لإشراكهم معه سبحانه في العبادة. فأما عدم التشديد على الناس في خضوع بعضهم لبعض فإنما ذلك فيما لم يكن عبادة على ما يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.
[ ٢ / ٣٥١ ]
والناس في هذه الدار مغمورون بالحسِّيات والعاديَّات، حتى إنَّ الإنسان يجد بحسب الظاهر أن سؤاله إنسانًا مثله أقربُ إلى حصول غرضه من الاقتصار على سؤال الله ﷿، وتوجيهُ ذلك معروفٌ في العقل والدين، ولكن الإنسان يصعب عليه أن يقتصر في أعماله على مقتضى العقل والدين لغلبة الحسّ والعادة عليه.
هذا مع أن كثيرًا من الأحكام الشرعية أو أكثرها كالمبنيِّ على هذه الأمور العادية، ألا ترى أنه ليس للإنسان أن يتناول السُّمَّ أو يمتنع من الطعام والشراب أو يمتنع من العمل بطاعة الله تعالى والكفِّ عن معاصيه قائلًا: ما سبق في علم الله فهو كائن لا محالة ففيم العناء؟
فأما حال الملائكة فإنه مخالف لحال البشر؛ فليس هناك حسٌّ ولا عادة يوهم بظاهره أن الالتجاء إلى الملائكة أقربُ في حصول المقصود من الالتجاء إلى الله ﷿، بل الأمر بالعكس، كما يدلُّ عليه حالُ المشركين حيث كانوا عند الشدائد يدعون الله ﷿ وحده، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى.
وبهذا التقرير يُعْلَمُ أن الجنَّ وأرواح الموتى كالملائكة، ولا سيما إذا ثبت أن دعاء الجن وأرواح الموتى عبادة، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. هذا مع أن ما أشرنا إليه من عدم التشديد على الناس في خضوع بعضهم لبعض ليس معناه أن ذلك مباح لهم مطلقًا، بل فيه تفصيلٌ سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
واعلم أن البرهان المتقدِّم
_________________
(١) أي: لو كان مع الله تعالى أحياء إلخ هو برهان التمانع المشهور بين المتكلمين، ولهم في تقريره خبط طويل، والذي
[ ٢ / ٣٥٢ ]
الجواب عن التشكيكات الواردة على برهان التمانع
ذكرته هو الذي يقتضيه القرآن.
وعلى هذا البرهان تشكيكاتٌ ترجع إلى التحيُّر في وجه لزوم الاختلاف على سبيل القطع؛ لأنه لِمَ لا يجوز اتفاق الآلهة؟ كيف والمفروض أنهم كاملون في العلم والحكمة، والعدل والرحمة، والأمورُ التي تقتضيها هذه الصفات لا يُتَصَوَّرُ اختلافُها؟
والجواب: أن هذا البرهان مَسُوقٌ في مقابلة الأمم التي تَدَّعِي للروحانيين تدبيرًا كما مرَّ، وسياق الآيات واضح في ذلك. وهذه الأمم كما يُعْلَم [١٣١] من ديانة اليونان والهند وغيرهم تثبت للروحانيين الاختلاف بينهم والنزاع وعدم إحاطة العلم، بل لا تكاد تميزهم عن البشر إلا بأنهم أعظم قدرةً، فثبت بذلك لزوم الفساد قطعًا. بل وثبت لزوم الفساد من جهةٍ أخرى، وهي: أن الصفات التي تثبتها تلك الأمم للروحانيين لا تكفي لإتقان تدبير العالم على مقتضى العدل والحكمة، فلو كان واحدٌ منهم فقط هو المدبر باختياره لفسد العالم، وهكذا لو كان واحد منهم يدبر العالم مع الله تعالى والله تعالى مُطْلِقٌ له العنان يفعل ما يشاء ويهوى، فإن تدبير الله تعالى يقتضي الإحكام وإتقان النظام، وتدبير ذلك الروحاني يقتضي الفساد على ما علمت، فيصبح العالَمُ كما قال عَبِيد بن الأبرص:
عيُّوا بأمرهم كما عيَّتْ ببيضتها الحمامه
جعلت لها عودين من نَشَمٍ وآخر مِنْ ثمامه (^١)
[١٣٢] ولعله قد تبيَّن بهذا معنى قوله تعالى: ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ
_________________
(١) ديوان عبيد بن الأبرص ١٢٦.
[ ٢ / ٣٥٣ ]
سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢] على القول بأن هذا إشارة إلى التمانع كالآيتين الأخريين، فيكون المعنى ــ والله أعلم ــ: لابتغوا إلى تدبير ذي العرش المقتضي للإحكام والإتقان سبيلًا بالإفساد، فيقع الفساد.
والراجح في تفسير الآية ما قاله ابن جرير: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ -: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين جعلوا مع الله إلهًا آخر: لو كان الأمر كما تقولون من أن معه آلهة ــ وليس ذلك كما تقولون ــ إذًا لابتغت تلك الآلهة القربة من الله ذي العرش العظيم، والتمست الزلفة إليه والمرتبة منه، كما حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢]، يقول: لو كان معه آلهة إذًا لعرفوا فضله ومرتبته ومنزلته عليهم فابتغوا ما يقرِّبهم إليه، حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾، قال: لابتغوا القرب إليه مع أنه ليس كما يقولون» (^١).
وروى غيره نحوه عن مجاهد، وروى عن سعيد بن جبير ما يوافق الأول.
ويحتمل أن يقال: لو كان مع الله [١٣٣] آلهة كائنة كما يقولون من أنهم بنات الله وغير ذلك من الصفات التي يصفون شركاءهم بها، إذًا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلًا، بأن ينازعوه في ملكه؛ لأن الولد تكون له خصائص أبيه وإن تأخر وجوده عنه.
_________________
(١) تفسير ابن جرير ١٥/ ٦١. [المؤلف]
[ ٢ / ٣٥٤ ]
وهذا معنىً آخر غير برهان التمانع المتقدِّم، وإنما هو تنبيهٌ لمشركي العرب على عظم غلطهم؛ فإنهم كانوا يلتزمون أنه لا يجوز أن يكون لله ﷿ منازع، وكأنهم إنما نسبوا لله تعالى الولد لما استقرَّ في أذهانهم من أن العقم عيب. قال علقمة بن علاثة لعامر بن الطفيل يفخر عليه: «إني لولودٌ، وإنك لعاقرٌ» (^١).
وقال عامرٌ نفسه:
لبئس الفتى إن كنتُ أعور عاقرًا جبانًا فلا أغني لدى كلِّ مشهد (^٢)
وأمرهم في ذلك معروفٌ، فقاسوا رب العزة على الناس في أن العقم يكون عيبًا في حقه، فأثبتوا له الولد لينزهوه بزعمهم، ولما علموا أن إثبات الولد يلزم منه إثبات المنازع جعلوا ذلك الولد إناثًا بناء على ما أَلِفوه واعتادوه أن الإناث ضعاف عواجز، وفاتهم أن ضعفهن وعجزهن لا يبلغ أن يمنعهنَّ من النزاع البتة.
ولعلَّ المعنى الذي تقدَّم عن قتادة ومجاهد ولم يذكر ابن جرير غيره أقربُ؛ فإن قوله: [١٣٤] ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾، يتبادر منه الطاعة، وقد جاء نحوه في القرآن بمعنى الطاعة، وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٥٧]، وقوله ﷿: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٩، والإنسان: ٢٩].
_________________
(١) انظر: صبح الأعشى للقلقشندي ١/ ٤٣٨، وخزانة الأدب للبغدادي ٨/ ٢٦٠.
(٢) ديوانه ص ٦٤، المفضليات ٣٦٢، أنساب الخيل في الجاهلية والإسلام وأخبارها لابن الكلبي ص ٦٤، الشِّعر والشعراء ١/ ٣٣٤. والرواية في الديوان والمصادر الأخرى: فما عذري لدى كلِّ محضر، والقصيدة رائية، فلعلَّ ما هنا سهو.
[ ٢ / ٣٥٥ ]
فإن قيل: فإن القرآن نفسه يثبت للملائكة قدرة وتصريفًا في الكون، فالجواب: نعم، ولكنه بيَّن أنهم ليسوا كما يزعم بعض الأمم يتصرفون باختيارهم كتصرف الناس، فقد مرَّ في سياق آية التمانع قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾. إلى قوله سبحانه: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٧].
وقال جلَّ ذكره: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٤٩ - ٥٠].
وقال ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ [١٣٥] مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].
وأخرج الحاكم في المستدرك وقال: «صحيح»، وأقره الذهبي، عن ابن عمر قال: جاء رجل إلى النبي ﵌ فقال: يا رسول الله أيُّ البقاع خير؟ قال: «لا أدري»، قال: أيُّ البقاع شرٌّ؟ قال: «لا أدري»، فأتاه جبريل فقال: سل ربك، فقال: ما نسأله عن شيء. فانتفض جبريل انتفاضةً كاد أن يُصعَق منها محمدٌ ﵌، فلما صعد جبريل قال الله تعالى: سألك محمد أيُّ البقاع خير وشرٌّ؟ فقال: نعم، قال: فحدِّثه أن خير البقاع المساجد وأن شر البقاع الأسواق (^١).
_________________
(١) المستدرك، كتاب البيوع، «إن من أشراط الساعة أن يفيض المال ويكثر الجهل»، ٢/ ٧ - ٨، ورواه البيهقي في السنن مطوَّلًا. سنن البيهقيّ، كتاب النكاح، بابٌ كان لا ينطق عن الهوى ، ٧/ ٥٠ - ٥١. [المؤلف]. وصححه ابن حبان (١٥٩٩)، وقال الذهبي في العلو ص ٩٩ ح ٢٣٨: حديث غريب صالح الإسناد، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة ٢/ ٢٨ ح ٩٦٩: في الحكم بصحته نظر ». وروي من وجوه أخرى.
[ ٢ / ٣٥٦ ]
[١٣٦] ويكفي في هذا المعنى قوله تعالى: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧]؛ فإن (يسبقون) فعلٌ في سياق النفي فيعمُّ، وفاعله ضمير جمع فيعمُّ، و(القول) اسم جنس معرَّف فيعمُّ، وتقديم (بأمره) على (يعملون) يقتضي الحصر، والحصر يستلزم العموم، وتقدير الحصر هكذا: (لا يعملون إلا بأمره)، فيكون (يعملون) عامًّا لما مرّ في (يسبقون). وفيه دليل آخر على العموم وهو حذف المعمول.
فتلخيص المعنى هكذا: لا ينبسُ أحدٌ منهم بكلمةٍ إلا بَعْدَ أن يأذن له الله تعالى، ولا يكون مِنْ أحدٍ منهم شيءٌ من العمل إلا بأمر الله تعالى.
وربما يخطر للقارئ احتمال أن يكون هذا من نمط القَدَرِ. وهو غلط. أما في قوله: ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ فظاهرٌ؛ إذ الأمر غير القَدَر، ولا قائل بأنه لا يكون من الناس عملٌ إلا بأمر الله تعالى كما يقال بقدر الله تعالى، وأما الإذن فإنما أردنا منه الإذن الخاص (^١) وهو الذي في نحو قوله تعالى: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩].
وإنما قدَّرناه اقتداء بقول الله تعالى في آية الكرسي: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، والشفاعة قولٌ، والمغزى من القول في قوله:
_________________
(١) سيأتي بيان الفرق بين الإذن الخاص والإذن العام إن شاء الله تعالى. [المؤلف]. انظر ص ٨١٨ - ٨٢٣.
[ ٢ / ٣٥٧ ]
﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ الشفاعة، ولدفع هذا الاشتباه [١٣٧] قال تعالى: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧ - ٢٨].
فاتضح بذلك أن المراد الإذن المصحوب بالارتضاء.
هذا، والقول عمل على رأي بعض أهل العلم، فهو داخل في عموم قوله: ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾. وإنما خصَّ القول والشفاعة بالذكر بعد دخول ذلك في عموم الفعل لأن مشركي العرب وبعض الأمم الأخرى يعترفون بموجب برهان التمانع كما مرَّ قبل آية التمانع الثانية، وإنما يَتَشَبَّثُونَ بأن الملائكة يشفعون إلى الله تعالى ويقرِّبون إليه بالشفاعة عنده، ويقولون: إن ذلك كافٍ أن يكون مناطًا للألوهية، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨].
وقال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣) لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر: ٣ - ٤].
[١٣٨] وقال ﷿: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ
[ ٢ / ٣٥٨ ]
وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٧ - ٢٨].
قال الراغب وغيره (^١): القربان الذي يتقرَّب بطاعته إلى المَلِك يستوي فيه الواحد والجمع.
واعلم أن برهان التمانع وإن سبق تقريره على وجهٍ لا يظهر منه إبطال تمكن الملائكة من الشفاعة بدون إذن، فالحق أنه يدل على ذلك، وتقرير الدلالة أن يقال: قد ثبت ببرهان التمانع أن الملائكة لا يعملون شيئًا بغير أمر الله تعالى، فلا يخلو أن يكون ذلك لعجزهم بأن لا تكون لهم قدرة ذاتية ولا قدرة مودَعة، وإنما يُقْدِرُهم الله تعالى على ما يأمرهم به، أو يكون للعصمة التامة بأن تكون لهم قدرة أودعها الله تعالى فيهم بحيث يمكنهم أن يعملوا ولكنهم لحفظ الله تعالى إياهم وإجلالهم لربهم ومحبتهم له وخوفهم منه لا يعملون شيئًا إلا بأمره، وأَ يًّا ما كان من الاحتمالين فيلزم مثلُ ذلك في القول.
فإن قيل: قد يجوز أن يمنعهم ربهم ﷿ من الفعل إلا بأمره، لئلَّا يترتب على فعلهم فساد الكون كما ثبت ببرهان التمانع، ويأذن لهم في [١٣٩] القول إذنًا مطلقًا إذ لا يترتب عليه الفساد.
فأقول: أفيقبل الله تعالى شفاعتهم حتمًا أم إذا شاء ورضي؟ ولا سبيل إلى الأول وإلّا لَزِمَ فساد الكون؛ إذ لا فرق بين أن يكونوا مدبِّرين باختيارهم بالفعل أو بالتحكُّم على ربهم، كما أنه لا فرق بين أن يكون في البلدة رؤساء متعددون غير كاملين في العلم والعدل والحكمة، كلُّ واحد منهم يحكم فيها برأيه، وأن يكون في البلدة ملك واحد عالم عادل حكيم هو الذي يحكم
_________________
(١) المفردات: ٦٦٤، تفسير القرطبي ١٨/ ٢١٨.
[ ٢ / ٣٥٩ ]
ولكن حوله مقربون غير كاملين في العلم والعدل والحكمة يتحكَّمون عليه في تدبير البلدة وهو يوافق كلًّا منهم على هواه، بل إن هذا الفعل ينفي عن الملك نفسه صفتي العدل والحكمة.
وأما الثاني ــ أعني: أن يكونوا مأذونًا لهم في القول إذنًا مطلقًا والله ﷿ يقبل شفاعتهم إذا شاء ويردُّها إذا شاء ــ فهَبْ أنه لا برهان على بطلان هذا، فإنه لا برهان على أنه الواقع، ومجرد احتمال أنه الواقع لا يصلح مسوِّغًا لاتخاذهم آلهة من دون الله تعالى، بل لو فُرِضَ ثبوت أنه الواقع فإنه لا يكفي مُسوِّغًا لاتخاذهم آلهة، والفرق بين تعظيم المقربين من ملوك الدنيا ليشفعوا إلى الملوك وبين اتخاذ الملائكة آلهة سيأتي إن شاء الله تعالى.
على أننا نقول: قد ثبت ببرهان التمانع أن الملائكة مربوبون والله ﷿ ربهم، [١٤٠] ومنصب الربوبية يقتضي ألا يكون للمربوب شيء من الاختيار، وإنما خولف هذا في الجن والإنس في حياتهم الدنيا لأنهم في دور ابتلاء واختبار ولغير ذلك مما يُعْلَم بالتأمل، وفي المحشر لأنهم لما أعيدوا كما كانوا في الحياة الدنيا أعيد لهم ضرب من الاختيار، وفي الجنة لأنها دار كرامة محضة تقتضي إطلاقهم من كل قيد، ونحوُه ما جاء في أرواح الشهداء أنها في أجواف طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت (^١)، وإكرامها بهذا الضرب من الاختيار لا يستلزم منحها الاختيار المطلق.
فأما الملائكة فهم باقون على الأصل.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة ، ٦/ ٣٨، ح ١٨٨٧، من حديث ابن مسعود ﵁.
[ ٢ / ٣٦٠ ]
هب أن هذا الاستدلال لا يفيد القطع، فإن الظن في مثل هذا يوجب التوقُّف، بل إن الشك يقتضي التوقف، بل الوهم كذلك، فأما بعد أن جاء الرسول بما يوافق ذلك الاستدلال فقد اتضح الحق، والحمد لله.
واعلم أن الاختيار الممنوح للإنس والجن ليس معناه أن الله ﷿ لا يكفُّهم عن شيءٍ أصلًا. أمَّا على رأي القائلين بأن الله تعالى هو الذي يخلق أفعال العباد كلها فواضح، وأمَّا على رأي المعتزلة ومن وافقهم فلأنهم يقولون: إن الله ﷿ يمنع العبد عن كثير من الأعمال التي تتعلَّق بغيره من العبيد ويحول بينه وبينها، والقرآن مملوء بالدلالة على ذلك، وقد قال تعالى في السحر والسحرة: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وقال تعالى لرسوله والمؤمنين فيما أصابهم يوم أحد: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٦].
وعلى هذا فكل إنسان مستغنٍ عن التذلُّل لغيره من الناس بالالتجاء إلى الله ﷿، إلا أنَّ تصرُّف بعضِ الإنس في بعضٍ لمَّا غلب على الحسِّ والعادة وامتزج بالتكليف أقيم له وزنٌ ما في الشرع كما تقدَّمت الإشارة إليه، ولعلَّه يأتي له مزيد في الكلام على الدُّعاء. وأما تصرُّف الجن في الإنس فبخلاف ذلك، ولذلك لم يرخِّص الشرع في شيء من دعاء الجن والتذلل لهم البتة، ومثلهم أرواح الموتى إن قلنا إن لها تصرفًا ما، وسيأتي توضيح المقام في فصل الدعاء إن شاء الله تعالى. والله أعلم.
* * * *
[ ٢ / ٣٦١ ]
الدفاع عن الملائكة فيما يوهم عدم العصمة وعدم حب الخير لبعض الخلق، وبيان أن إبليس لم يكن من الملائكة، وإيضاح الحق في قصة هاروت وماروت بتحقيق بديع قد لا تجده في غير هذا الكتاب
[١٤١] ذكر ما قد يعارَضُ به ما تقدَّم
في شأن الملائكة ﵈ والجواب عنه
من ذلك قول الله ﷿ في سياق آية التمانع: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩].
ومنها ما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠ - ٣٣].
ومنها ما جاء أن إبليس كان من الملائكة.
ومنها قصَّة هاروت وماروت.
ومنها ما روي أنَّ النبيَّ ﵌ قال: "لما أغرق الله فرعون قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، فقال جبريل: يا محمد! فلو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر (^١) فأدُسُّه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة" (^٢).
والجواب عن الأوَّل: أن ذلك من باب الفرض، ولا دلالة فيه على الجواز فضلًا عن الوقوع. ونظير الآية قوله تعالى لخاتم أنبيائه صلَّى الله عليه
_________________
(١) أي: طين البحر.
(٢) سيأتي تخريجه.
[ ٢ / ٣٦٢ ]
وآله وسلَّم: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ [١٤٢] مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]، مع آيات أخر قد مر بعضها في أوائل الرسالة.
وقد نُقِلَ عن بعض السلف في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ﴾ قال: هو إبليس. كذا قال، وسيأتي قريبًا تبرئة الملائكة ﵈ من اللعين.
والجواب عن الثاني: أن قولهم ﵈: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ كان بعد إذن الله تعالى لهم بأن يقولوا، والإذن مفهوم من إخباره لهم. ألا ترى أن الطبيب الماهر قد يقول لتلميذه المطيع الخاضع العارف بقصور نفسه وكمال الطبيب: سأركِّب من لحوم الحيات معجونًا، فيقول التلميذ: كيف تركِّب معجونًا من هذا السمِّ القاتل، والأدوية الخالية عن السمِّ موجودة؟ فهل تشكُّ أيها الناظر في أنَّ الطبيب إنما أراد بإخبار التلميذ أمره بأن يسأل عن الحكمة فيفيده إياها؟ أو تشك أنَّ التلميذ فَهِمَ هذا الأمر؟ أو أنه إنما أراد بسؤاله استكشاف الحكمة؟
[١٤٣] وقد أخرج ابن جرير بسند صحيح عن قتادة قال: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ فاستشار الملائكة في خلق آدم فقالوا ﴿أَتَجْعَلُ ﴾ (^١).
مراد قتادة بقوله: "فاستشار" لازمه من الإذن بإبداء الرأي.
وقال ابن جرير بعد كلام: "وأما دعوى مَنْ زعم أن الله جلَّ ثناؤه كان
_________________
(١) تفسير ابن جرير ١/ ١٥٨. [المؤلف]
[ ٢ / ٣٦٣ ]
أَذن لها بالسؤال عن ذلك فَسَأَلَتْهُ على وجه التعجُّب، فدعوى لا دلالة عليها في ظاهر التنزيل ولا خبر لها من الحجة يقطع العذر" (^١).
أقول: قد علمت الدلالة، ولو لم يكن إلا قوله تعالى: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ وقول جبريل: "ما نسأله عن شيء" لكفى.
فأما وصفهم الخليقة الأرضية بالفساد وسفك الدماء فقد جاء عن جماعة من السلف أن الله تعالى كان قد أخبر الملائكة بذلك. وفي هذا نظر. والظاهر ما جاء عن بعض السلف أيضًا أن الملائكة فهموا ذلك بالاستدلال، إما بالقياس على خلقٍ كانوا في الأرض من قبل، وإما لمعرفتهم بطبيعة الأرض وأن الخليقة التي تجعل فيها يكون من شأنها ذلك، أو غير ذلك. وسياق القصة وقرائنها ظاهرة في أن الملائكة إنما أخبروا عن ظنهم، فكأنهم قالوا: إننا نظن كذا، وعلى هذا فلا يضرُّهم استنادهم إلى دليلٍ ظنِّيٍّ، بل ولا يضرُّهم أن [١٤٤] يتبيَّن خطأ ظنِّهم.
ألا ترى إلى ما رواه مسلمٌ في صحيحه وغيره عن طلحة، قال: مررت مع رسول الله ﵌ بقومٍ على رؤوس النخل، فقال: "ما يصنع هؤلاء؟ " فقالوا: يُلَقِّحُونَه، يجعلون الذَّكَرَ في الأنثى فَيَلْقَحُ (^٢)، فقال رسول الله ﵌: "ما أظن يغني ذلك شيئًا"، قال: فأُخْبِرُوا بذلك فتركوه، فأُخبر رسول الله ﵌ بذلك، فقال: "إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنًا فلا تؤاخذوني بالظن،
_________________
(١) تفسير ابن جرير ١/ ١٦١. [المؤلف]
(٢) أي: يقبل اللقاح فينعقد طلعه.
[ ٢ / ٣٦٤ ]
ولكن إذا حدَّثْتُكُم عن الله شيئًا فخذوا به؛ فإني لَنْ أَكْذِبَ على الله".
وأخرجه مسلمٌ أيضًا عن رافع بن خَدِيجٍ، وفيه: "لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرًا"، قال: فتركوه، فنفضت أو فنقصت الحديث.
وأخرجه مسلمٌ أيضًا من حديث أنسٍ أنَّ النبيَّ ﵌ مَرَّ بقوم يلقحون فقال: "لو لم تفعلوا لصلح"، قال: فخرج شيصًا، فمرَّ بهم، فقال: "ما لِنَخْلِكُم؟ " قالوا: قلت كذا وكذا، قال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" (^١).
فالنبي ﵌ لم يكن من أهل النخل، وقد عَلِمَ أنَّ عامّة الأشجار تثمر بدون تلقيح، فقاس النخلَ عليها وأخبر بظنه، وصدق [١٤٥] ﵌ في إخباره عن ظنه ولا يضرُّه خطأ الظَّنِّ.
ومثل ذلك حديث الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة في صلاة النبي ﵌ بالناس الظهر أو العصر وتسليمه من ركعتين، قال فيه: "وفي القوم رجلٌ في يديه طولٌ يُقال له ذو اليدين، قال: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: "لم أنس، ولم تقصر"، وفي رواية: "كلُّ ذلك لم يكن" الحديث (^٢).
مراده ﵌ بقوله: "لم أنس ولم تقصر" أو "كُلُّ ذلك لم يكن": الإخبار عن ظنِّه لا عن الواقع، فكأنه قال: (في ظنِّي) وإنما
_________________
(١) صحيح مسلمٍ، كتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعًا ، ٧/ ٩٥، ح ٢٣٦١ - ٢٣٦٣. [المؤلف]
(٢) اللفظ الأوَّل أخرجه البخاريُّ في كتاب الصلاة، باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، ١/ ١٠٣، ح ٤٨٢. واللفظ الثاني أخرجه مسلمٌ في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له، ٢/ ٨٧، ح ٥٧٣ (٩٩).
[ ٢ / ٣٦٥ ]
لم يُصَرِّح بذلك لدلالة الحال عليه. والله أعلم.
وبما قرَّرناه عَلِمْتَ الفَرْقَ بين قياس الملائكة وقياس إبليس؛ فإن قياس الملائكة لم يعارض نصًّا بخلاف قياس إبليس؛ فلذلك قال الحسن وابن سيرين: إن أول من قاس إبليس، كما تقدم. والله أعلم.
وأما ما توهَّمه بعض الناس أن قول الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ من الغيبة المحرمة، فمِنْ ضِيقِ عَطَنه، وقد صحَّت عن النبيِّ ﵌ أخبارٌ كثيرةٌ عما سترتكبه أمَّته من بعده من الفجور، فهل يكون ذلك غيبة؟ !
وأما قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فإنهم لما أرسلوا الوصف كان على العموم، فنبَّههم الله تعالى أن تعميم الحكم لا ينبغي إلا بعد العلم بجميع [١٤٦] الأفراد وخصائصهم، فإذا كانوا يجهلون أسماءهم فهم لغيرها أجهل. وقد عَلِمْتَ أن الملائكة إنما أخبروا عن ظنهم، وليس في خطأ الظن ما ينافي العصمة.
وأما قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ﴾ فهو تذكير بقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ قصد به التنبيه على حصول البرهان الحسي على ذلك ليتقرر ذلك عندهم بعين اليقين، فلا ينافي أن يكونوا قبل ذلك عالمين علم اليقين، والله ﵎ أعلم.
والجواب عن الثالث
_________________
(١) وهو ما قيل: إن إبليس كان من الملائكة : فالقرآن يكذِّب ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي
[ ٢ / ٣٦٦ ]
وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠].
فقوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ نصٌّ على أنه لم يكن من الملائكة، وَزَعْمُ أن من الملائكة طائفة يقال لهم: جن، وهم غير الجن المعروفين، دعوى لا دليل عليها.
والاستدلال بقوله تعالى: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ [سبأ: ٤١] ساقطٌ، بل المراد الجنُّ المعروفون كما تفصح به (بل)؛ لأنها تقتضي نفي المسؤول عنه وهو ما في قوله تعالى: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠]، فالمعنى حينئذٍ: كلَاّ، لم يكونوا يعبدوننا، بل كانوا يعبدون الجن. وسيأتي توجيه نَفْيِهم عبادة المشركين لهم.
وكذلك الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] ليس بشيءٍ، بل المراد الجنُّ المعروفون كما يأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ يؤيد أن المراد الجن المعروفون؛ فإن الفاء للسببية، [١٤٧] يريد ــ والله أعلم ــ فبسبب كونه من الجن فَسَقَ، أي: لأنه لو كان من الملائكة لما تأتَّى منه الفسق.
ونحوها قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤، ص: ٧٤].
قال أبو السعود: "أي في علم الله تعالى إذ (ا) (^١) كان أصله من كفرة
_________________
(١) وضع المؤلِّف الألف بين قوسين إشارة إلى أنها خطأٌ في الأصل.
[ ٢ / ٣٦٧ ]
الجن، فلذلك ارتكب ما ارتكبه، على ما أفصح عنه قوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] " (^١).
فأما دخوله في الأمر بالسجود فلأن أمر الله تعالى لما وقع للملائكة وهو معهم دخل في عموم الخطاب، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾؛ فالخطاب موجَّه إليهم، والأمر لهم ولمن كان معهم، كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، فالخطاب موجَّه إلى النبيِّ ﵌، والأمر له ولأمته.
وأما استثناء اللَّعين من الملائكة فكالحمار يُسْتَثْنَى من القوم، تقول: جاء القوم إلا حمارًا، ومنه قول الله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧].
ويجوز أن يكون الاستثناء متصلًا على أن لفظ الملائكة تناول إبليس تبعًا، كما تقول: جاءت بنو تميم إلا المواليَ، تريد بقولك (بنو تميم) ما هو أعمُّ مِنْ التميميِّ صَلِيبة (^٢) والتميميِّ بالولاء.
وقال تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢].
وقد قال تعالى مخاطبًا الجنَّ والإنس: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا
_________________
(١) تفسير أبي السعود ١/ ٦٣.
(٢) أي: خالص النسب عريقه، وفي الأصل بتقديم الباء على الياء، سبق قلم.
[ ٢ / ٣٦٨ ]
تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٤ - ١٦].
وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٦ - ٢٧].
وفي صحيح مسلم وغيره عن عائشة ﵂ عن النبيِّ ﵌ قال: "خُلِقَتِ الملائكةُ من نورٍ، وخُلِقَ الجانُّ من مارجٍ من نارٍ، وخُلِقَ آدم مِمَّا وُصِفَ لكم" (^١).
وما اشتهر بين الجهال أن إبليس أراد أن يقول (من نور) فأجرى الله تعالى على لسانه (من نار) لا أصل له، والأدلة [١٤٨] على أن اللَّعين لم يكن من الملائكة حقيقة قطُّ كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية إن شاء الله تعالى.
وأما الجواب عن الرابع ــ وهو قصَّة هاروت وماروت ــ فنقول: قال الله ﵎: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢].
_________________
(١) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، بابٌ في أحاديث متفرِّقةٍ، ٨/ ٢٢٦، ح ٢٩٩٦. [المؤلف]
[ ٢ / ٣٦٩ ]
اختلف العلماء في تفسير هذه الآية، فالقول المنصور أن (ما) في ﴿وَمَا أُنْزِلَ﴾ موصولة عطف على السحر من عطف الخاصِّ على العامِّ أو على (ما) الأولى في قوله: ﴿مَا تَتْلُو﴾، و﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ مَلَكَان أذن الله ﵎ لهما في تعليم السحر بعد أن يقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾.
قالوا: وتعليم السِّحر وتعلُّمُه ليس كفرًا ولا حرامًا، وإنما المحظور العملُ به، كما لا يحرم أن يخبر الإنسان غيره بكيفية صناعة الخمر وإن حَرُمَ عصرُها وبيعُها وغير ذلك، وعلى فرض حرمة تعلُّمه وتعليمه في شريعتنا لا يلزم من ذلك حرمته في جميع الشرائع، وعلى فرض أنه حرام في جميع الشرائع فلا يلزم ذلك في حق الملائكة؛ فإن القتل حرام في كل الشرائع، وهذا ملك [١٤٩] الموت يقبض نفوس الخلق أجمعين والأنبياءِ والمرسلين، وإن فرضنا أن تعلُّمَه كفر فلا يلزم من تعليمه مع كراهيته وبغضه والزجر عنه الكفر، فلو أن جماعة من المشركين جعلوا مالًا عظيما لمن يسجد لصنم فجاء رجل يريد السجود له وكان هناك مسلم فسأله هذا عن الصنم فزجره هذا ووعظه ونهاه فأصرَّ فأشار له إلى الصنم= لم يظهر من هذا كفر المشير، بل إن السائل لما أصرَّ على عمل الكفرِ صار كافرًا وإن لم يسجد، فعلى هذا فلا فرق بينه وبين المشرك الأصلي إذا سأل مسلمًا عن الطريق إلى بيت الصنم فدلّه. هذا أقصى ما يُسْتَدَلُّ به لهذا القول، وفي بعضه نظر. والله أعلم.
وقيل: إن (ما) نافيةٌ، والباقي كما مرّ. والمعنى: أنه لم يكن سليمان ساحرًا، ولم ينزل الله تعالى السحرَ على الملكين، فإن السحر أَخسُّ من ذلك، أي وإنما عَلِمه الملكان بطريق أرضيَّة وإن كان ذلك بإذن الله تعالى.
[ ٢ / ٣٧٠ ]
وذهب بعضهم إلى أن (ما) نافية، والمراد بالملكين رجلان صالحان هما هاروت وماروت، واستدلَّ بالقراءة الشاذة (الملِكين) بكسر اللام، والباقي نحو ما مرَّ.
وقال جماعة: (ما) نافية، والمراد بالملكين جبريل وميكائيل أو داود وسليمان. قالوا: وهاروت وماروت بدلٌ إمَّا من ﴿الشَّيَاطِينَ﴾ فهما اسما شيطانين أو قبيلتين من الشياطين، وإما من ﴿النَّاسَ﴾ فهما اسما رجلين، وعلى هذا فلا إشكال [١٥٠] من جهة أن تعلُّم السحر وتعليمه كفر أو حرام.
واعتُرِضَ على هذا القول بأنه كيف تقول الشياطين أو الكفار ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾؟ وأجابوا بأنه لا مانع أن يأخذ الله تعالى على الشياطين هذا القول حتى لا يقدروا على التعليم بدون قوله، وكذا لا يمتنع أن يكون الإنسانان تأوَّلا جواز التعلُّم والتعليم واحتاطا بمنع التعليم حتى يقولا ذلك. ويُبْعِدُ هذا القولَ ما فيه من التعسُّف في تقدير الكلام.
وقد يؤخذ من بعض الآثار أن (ما) موصولة والمراد بالمُنَزَّل الاسمُ الأعظم، وعلى هذا فلا إشكال في جواز تعليمه وتعلُّمه وإن كان المتعلِّم قد يعمل بواسطته ما يكون كفرًا، كما يجوز أن تعطيَ مسلمًا مصحفًا وإن احتمل أن يكفر بإلقائه في نجاسة مثلًا، ويَرِدُ على هذا القول أن فيه كون الشياطين يَعْلَمون الاسم الأعظم ويُعَلِّمُونه، وهو كما ترى.
وقد أخرج ابن جرير وغيره عن عائشة أمِّ المؤمنين قالت: قدمت عليَّ امرأة من أهل دومة الجندل جاءت تبتغي رسول الله ﵌ بعد موته حداثة ذلك تسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السحر ولم تعمل به،
[ ٢ / ٣٧١ ]
قالت عائشة لعروة: يا ابن أختي فرأيتها تبكي حين لم تجد [١٥١] رسول الله ﵌ فيشفيها، كانت تبكي حتى إني لأرحمها وتقول: إني أخاف أن أكون قد هلكتُ، كان لي زوج فغاب فدخلتُ على عجوز فشكوت ذلك إليها فقالت: إن فَعَلْتِ ما آمرُكِ فأجعله يأتيك، فلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين فركبت أحدهما وركبت الآخر فلم يكن كشيء حتى وقفنا ببابل فإذا برجلين مُعَلَّقين بأرجلهما فقالا: ما جاء بك؟ فقلت: أتعلّم السحر، فقالا: إنما نحن فتنة فلا تكفري، وارجعي، فأبيت وقلت: لا، فقالا: اذهبي إلى ذلك التنُّور فبُولي فيه فذهبت ففزعت، فلم أفعل فرجعت إليهما، فقالا: أفعلت؟ قلت: نعم، فقالا: فهل رأيتِ شيئًا؟ قلت: لم أر شيئًا، فقالا لي: لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك ولا تكفري، فأبيت فقالا: اذهبي إلى ذلك التنُّور فبُولي فيه، فذهبت فاقشعررت وخفت، ثم رجعت إليهما، فقلت: قد فعلت، فقالا: فما رأيت؟ فقلت: لم أر شيئًا، فقالا: كذبتِ، لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك ولا تكفري فإنك على رأس أمرك، فأبيت، فقالا: اذهبي إلى ذلك التنُّور فبُولي فيه، فذهبت إليه فبُلْت، فرأيت فارسًا مُتَقَنِّعًا بحديد خرج مني حتى ذهب في السماء وغاب عنِّي حتى ما أراه، فجئتهما فقالا: صدقْتِ، ذلكِ إيمانكِ خرج منكِ، اذهبي. فقلت للمرأة: والله ما أعلم شيئًا وما قالا لي شيئًا، فقالت: بلى لن تريدي شيئًا إلا كان، خذي [١٥٢] هذا القمح فابذري، فبذرتُ، فقلت: اطْلُعِي فطَلَعَتْ، وقلت: أَحْقِلي فأَحْقَلَتْ، ثم قلت: أَفْرِكي فأَفْرَكَتْ، ثم قلت: أَيْبِسِي فأَيْبَسَتْ، ثم قلت: أطحني فأطحنت، ثم قلت: أخبزي فأخبزت، فلما رأيت أني لا أريد شيئًا إلا كان أُسْقِطَ في يدي وندمتُ والله يا أمَّ المؤمنين، والله ما فعلت شيئًا قطُّ، ولا أفعله أبدًا، فسَأَلَتْ أصحاب رسول الله ﵌ حداثة وفاة رسول الله ﵌ وهم
[ ٢ / ٣٧٢ ]
يومئذ متوافرون، فما دروا ما يقولون لها، وكلُّهم هاب وخاف أن يفتيها بما لا يعلم إلا أنهم قالوا: لو كان أبواك حَيَّين أو أحدهما لكانا يكفيانك.
انتهى حديث ابن جريرٍ عند قولها: "ولا أفعله أبدًا"، والزيادة من المستدرك وسنن البيهقي، قال الحاكم: صحيح وأقرَّه الذهبيّ (^١).
أقول: أما السند فلا كلام فيه، وإنما الشأن في هذه المرأة الدُّومِيَّة. ومَن تأمل القصة ومناسبتها للآية وسكوت الصحابة عن إنكارها علم أنه ليس من الإنصاف تكذيبها. وفيها بقاء الملكين إلى ذلك الوقت، وقد يشهد له قول الله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ﴾ بصيغة المضارع المشعرة بالاستمرار، ولم يقل: وما علَّما، أو: وما كانا يعلِّمان، أو نحو ذلك.
وقد أنكر أبو محمَّد بن حزمٍ ﵀ [١٣٥] بقاءهما، واحتجَّ بأن بابل موجودةٌ على وجه الأرض والناس يطوفون فيها ولا يرونهما، ومَنْ كان يؤمن بوجود الجنِّ والملائكة وإمكان أن يراهم بعض الناس بإذن الله تعالى لم يَخْفَ عليه الجوابُ (^٢).
وقد يُحتجُّ على عدم بقائهما بقلَّة السِّحر على وجه الأرض، وبأنه لو كان الأمر كما زعمت الدُّوميَّة ــ أنَّ مَن تعلَّم لم يُرِدْ شيئًا إلا كان ــ لفسدت السماوات والأرض.
والجواب: أنه لا مانع أن يقال: إن الله ﷿ يمنع الناس من الوصول
_________________
(١) تفسير ابن جريرٍ ١/ ٣٤٧. المستدرك، كتاب البرِّ والصلة، حكاية امرأةٍ فزعت من عمل السِّحر، ٤/ ١٥٥. سنن البيهقيّ، كتاب القسامة، باب قبول توبة الساحر ، ٨/ ١٣٧. [المؤلف]
(٢) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل ٤/ ٦٤.
[ ٢ / ٣٧٣ ]
إليهما إلا مَنْ ندر، ويمنع مَنْ تَعَلَّمَ ذلك مِنْ عَمَل ما يَخْتَلُّ به شيء من قوانين الخلق والأمر، كما يمنع الشياطين من ذلك، وقد بيَّنَ هذا في الآيات بقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، هذا والسياق يدلُّ أن قولها: "لا أريد شيئًا إلا كان" محمول على المُحَقَّرَات فقط. على أن هذا التعميم إنما وقع من قول العجوز الفاجرة، ومِنْ ظن هذه الدُّوميّة لما رأت قصَّة القمح.
وفي القصة أنها رأت الرجلين أو قُل (الملَكَين) معلَّقَيْنِ بأرجلهما، فإن فُهِمَ من التعليق العذابُ فلا يجوز أن يكون هذا العذاب على التعليم؛ إذ كيف يُصِرَّان على المعصية مع أنهما يعذَّبان عليها ومع ذلك يقولان: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ ويؤكِّدان ذلك غاية التأكيد مع أن في الآثار التي سيأتي الكلام عليها [١٥٤] أنهما تابا وأنابا.
فإن قيل: لعلَّ العذاب على ذنبٍ آخر كما تدلُّ عليه الآثار الأخرى، فكذلك يبعد أن يصرّا على معصية مع تعذيبهما على أخرى ويقولان مقالتهما. والأقرب إن صدقت المرأة أنهما مُثِّلا لها كذلك ليكون أَبْلَغَ للتنفير، ولا عذاب ولا تعليقَ في نفس الأمر.
وموضعُ الفائدة في هذه القصَّة أنهما لا يُعَلِّمان شيئًا وإنما يقولان: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، فإذا أصرَّ الطالبُ قالا له: اذهب فبُلْ في ذلك التنور فيذهب فَيَعْرِضُ له خوف ورعب، فإن صَمَّم وبال فما هو إلا أن يبولَ فيخرجَ منه إيمانه ويَعْلَمَ السِّحْر.
فإن صحَّ هذا فلا إشكال في الآية أصلًا، بل المعنى: ولم ينزل السِّحر
[ ٢ / ٣٧٤ ]
على الملكين ببابل، وإنما هما فتنة يفتنان مَنْ طلب تعلُّم السحر ليتبيّن تصميمه على الكفر أو عدمه، فيعظانه ويحذِّرانه، فإن أصرَّ امتحناه بأن يبول فيعرض له ذلك الخوف والرعب، فإن صمَّم وبال تبيَّن أنه قد صمَّم على الكفر فَيُنْزَعُ منه التوفيقُ، ويُخَلَّى بين الشياطين وبينه، فيحصل له السحر من صحبة الشياطين، فليس في فعل الملكين رضًا بكفر ولا تعليمُ سحر؛ وذلك أن البول في التنُّور ليس كفرًا في نفسه، بل الطالب إذا أصرَّ على التعلُّم بعد أَن يقولا له: [١٥٥] ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ فقد صار كافرًا، وإنما البول في التنُّور دليل على تصميمه على الكفر وإصراره عليه وشدة حرصه على التعلُّم الذي هو كفر بجرأته على البول مع ما يعرض له من الرعب، ولكن لما كان البول في التنُّور يقع بإشارتهما وعِلْمُ السحر يَحْصُلُ عقِبه، وكان ذلك في صورة التعليم أطلق في الآية ﴿يُعَلِّمَانِ﴾ ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾، وذلك على سبيل المجاز، والله أعلم، والقرينة الصارفة عن الحقيقة أمور:
الأوَّل: أنه قد بيَّن في الآية أن تعليم السحر كفر وأن تعلُّمه كفر، وأنهما ملكان، وقد قامت الدلائل على عصمة الملائكة.
أما بيان أن تعليم السحر كفر، فقوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾. وأما بيان أن تعلُّمَه كفر ففي قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، وقوله: ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾، واشتراؤه تعلُّمه، ونفي النصيب في الآخرة البتة إنما يكون على الكفر، وقوله: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾، أي: باعوا، وبيع النفس عبارة عن إيقاعها في الهلاك التامّ، وذلك إنما يكون بالكفر.
[ ٢ / ٣٧٥ ]
وأما دلائل عصمة الملائكة فقد تقدَّمَتْ.
الأمر الثاني: أنه لو صرف النظر عن العصمة وجُوِّزَ عليهما الكفر فكيف يقولان: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، فينهيان عن الكفر مع تلبسهما به؟
[١٥٦] الأمر الثالث: قولهما: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ و﴿إِنَّمَا﴾ للحصر، أي: ما نحن إلا فتنة، فيُفْهَم من ذلك نَفْيُ كونهما معلِّمين على الحقيقة، وعلى هذا المعنى فـ (ما) في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ﴾ نافية. والله أعلم.
وإذ قد اتضح بحمد الله تعالى معنى الآية فلننظر في الآثار الواردة عن قصَّة هاروت وماروت مع الزُّهَرَةِ، فأقول:
ساق الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله تعالى في تفسيره (^١) الآثار المذكورة ولم يعرض لها مع جزمه بعصمة الملائكة ﵈، وقد ردَّها جماعة كالقاضي عياض والفخر الرازي، نقله الآلوسي في تفسيره قال: "ونصَّ الشهاب العراقي على أن مَنْ اعتقد في هاروت وماروت أنهما مَلَكَان يُعَذَّبان على خطيئتهما مع الزُّهَرَةِ فهو كافر بالله تعالى العظيم؛ فإنَّ الملائكة معصومون، ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠]، والزُّهَرَة كانت يوم خلق الله تعالى السموات والأرض، والقول بأنها تمثَّلت لهما فكان ما كان وَرُدَّتْ إلى مكانها غير معقول ولا مقبول".
_________________
(١) ١/ ٣٤٣ - ٣٤٨. [المؤلف]
[ ٢ / ٣٧٦ ]
قال الآلوسي: "واعترض الإمام السيوطي على مَن أنكر القصَّة بأن الإمام أحمد وابن حبان والبيهقي وغيرهم رووها مرفوعة وموقوفة على عليٍّ وابن عباس [١٥٧] وابن عمر وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم بأسانيد عديدة صحيحة، يكاد الواقف عليها يقطع بصحتها؛ لكثرتها وقوَّة مُخْرِجِيها. وذهب بعض المحققين [إلى] أن ما رُوِيَ مرويٌّ حكايةً لما قاله اليهود، وهو باطل في نفسه، وبطلانه في نفسه لا ينافي صحة الرواية، ولا يَرِدُ ما قاله الإمام السيوطي عليه، إنما يَرِدُ على المنكرين بالكلِّيَّة، ولعلَّ ذلك من باب الرموز والإشارات " (^١).
وفي القول المسدَّد للحافظ ابن حجر: "قلت: وله طرق كثيرة جمعتها في جزء مفرد يكاد الواقف عليه يقطع بوقوع هذه القصة لكثرة الطرق الواردة فيها وقوة مخارج أكثرها. والله أعلم" (^٢).
أقول: أما رواية القصة عن النبيِّ ﵌، ففي مسند الإمام أحمد: عن يحيى بن أبي بكير، عن زهير بن محمد، عن موسى بن جبير، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا (^٣)، وموسى هو الأنصاري مجهول الحال لم يوثِّقه أحد إلا أن ابن حبان ذكره في ثقاته، وقال: "يخطئ ويخالف" (^٤).
قلت: وقد عُرِفَ من مذهب ابن حِبَّان أنه يذكر المجاهيل في ثقاته فيذكر مَن روى عن ثقةٍ وروى عنه ثقةٌ ولم يكن حديثه منكرًا، نبَّه على ذلك
_________________
(١) روح المعاني ١/ ٢٧٩. [المؤلف]
(٢) القول المسدد، ص ٤١. [المؤلف]
(٣) المسند ٢/ ١٣٤. [المؤلف]
(٤) انظر: الثقات ٧/ ٤٥١.
[ ٢ / ٣٧٧ ]
في كتاب الثقات نفسه (^١)، وكذلك يخرج ابن حِبَّان لمن كان كذلك في صحيحه، نبَّه عليه الحافظ ابن حجر وغيره (^٢)، فعُلِمَ من ذلك أن ذِكْرَ ابن حبان لرجلٍ في الثقات وإخراجه له في صحيحه لا يرفع عنه اسم الجهالة.
هذا مع أن قوله في موسى: "يخطئ ويخالف" جرحٌ ينزل به موسى عن درجة المستور. وهذا الحديث من جملة خطئه ومخالفته؛ فإنَّ الناس رووا القصة عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن كعب الأحبار، كذا أخرجه ابن جرير من طريق موسى بن عقبة عن سالم ومن طريق محمد بن عقبة ــ أراه أخا موسى وهو ثقة ــ عن سالم (^٣). والعجب من ابن حبان كيف أخرج الحديث في صحيحه (^٤) من طريق موسى بن جبير المذكور؟ !
وذكر القاري في شرح الشفاء عند الكلام على هذا الحديث كلام الأئمة في زهير، وفيه: "وقال الترمذي في العلل: سألت البخاري عن حديث زهير هذا فقال: أنا أتقي هذا الشيخ كأن حديثه موضوع، وليس هذا عندي بزهير بن محمد، قال: وكان أحمد بن حنبل يضعِّف هذا الشيخ ويقول: هذا الشيخ ينبغي أن يكونوا قلبوا اسمه" (^٥). كذا قال، ولينظر (^٦).
_________________
(١) انظر: الثقات ١/ ١١ - ١٢.
(٢) انظر: النكت على كتاب ابن الصلاح ١/ ٢٩٠ - ٢٩١، فتح المغيث ١/ ٤٢ - ٤٣. وراجع: صحيح ابن حبان (الإحسان) ١/ ١٥١ - ١٥٢.
(٣) انظر: تفسير الطبري ٢/ ٣٤٣ - ٣٤٤.
(٤) صحيح ابن حبان (الإحسان)، كتاب التاريخ، باب بدء الخلق، ذكر قول الملائكة عند هبوط آدم إلى الأرض ، ١٤/ ٦٣ - ٦٤، ح ٦١٨٦.
(٥) ٤/ ٢٣١. [المؤلف]
(٦) انظر: العلل الكبير ص ٣٨١، ح ٧١٣.
[ ٢ / ٣٧٨ ]
وقد أخرج ابن جرير (^١) طرفًا من القصة من طريق فرج بن فضالة عن معاوية بن صالح، عن نافع، عن ابن عمر فرفعه إلى النبي ﵌، [١٥٨] وذكره الذهبي في الميزان (^٢) في ترجمة سنيد بن داود.
والفرج بن فضالة ضعيف، وفي القول المسدَّد للحافظ ابن حجر عند ذكر هذه القصَّة: "أورده ابن الجوزي ــ يعني في الموضوعات ــ من طريق الفرج بن فضالة، عن معاوية بن صالح، عن نافع وقال: لا يصحُّ، والفرج بن فضالة ضعَّفه يحيى، وقال ابن حبان: يقلب الأسانيد، ويلزق المتون الواهية بالأسانيد الصحيحة" (^٣).
وفي تذكرة الموضوعات عند ذكر القصَّة: "فيه موسى بن جُبَيرٍ، مختلفٌ فيه، ولكن قد توبع، ولأبي نعيم عن علي، قال: لعن رسول الله ﵌ الزُّهَرَة لأنها فتنت المَلَكَينِ، وقيل: الصحيح وَقْفُهُ على كعب، وكذا قال البيهقي" (^٤).
أقول: إن كان المراد بقوله: (قد توبع) رواية فرج بن فضالة عن معاوية بن صالح فليست مما يُفْرَح به، وأما رواية أبي نعيم فلم أقف عليها، وأبو نعيم معروف بتتبُّع الواهيات.
والحق ما ذكره البيهقي أن ابن عمر إنما سمع القصة من كعب الأحبار، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري ٢/ ٣٤٧ - ٣٤٨.
(٢) ٢/ ٢٣٦.
(٣) القول المسدد، ص ٤١. [المؤلف]. وانظر: الموضوعات ١/ ٢٩٥ - ٢٩٧، ح ٣٨٩.
(٤) تذكرة الموضوعات، ص ١١٠. [المؤلف]
[ ٢ / ٣٧٩ ]
وأما الرواية في ذلك عن أمير المؤمنين عليٍّ ﵇، فقد ثبت عن عمير بن سعيدٍ النخعيّ أنه قال: سمعت عليًّا يقول: فذكر القصة، لم يذكر النبي ﵌، أخرجه الحاكم في المستدرك (^١) وغيره. وعمير ثقة عندهم، لم يطعن فيه أحد إلا أن أبا محمد بن حزم ذكر في الملل والنحل هذه الرواية وقال: "رويناه من طريق عمير بن سعيد وهو مجهول، مرَّة يُقال له: النخعيّ، ومرَّةً يُقال له: الحنفي، ما نعلم له رواية إلا هذه الكذبة، وليس أيضًا عن رسول الله ﵌، ولكنه أوقفها على عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁، وكذبةً أخرى في أنَّ حدَّ الخمر ليس سنَّةَ رسول الله ﵌ وإنما هو شيءٌ فعلوه، وحاشا لهم ﵃ من هذا" (^٢).
[١٥٩] وقد شنَّع الحافظ ابن حجر في ترجمة عمير من تهذيب التهذيب على ابن حزم فيما قال (^٣).
وأقول: لعلَّ أمير المؤمنين حكى هذه القصَّة عقب قوله مثلًا: تزعم اليهود أو زعم كعب أو نحو ذلك، ولم يسمع عمير تلك الكلمة وسمع القصة. والله أعلم.
وأما الرواية عن ابن عباس فذكرها الحاكم في المستدرك وغيره من قوله، لم يرفعه، ولفظه: "عن ابن عباس ﵄ قال: كانت الزُّهَرَة
_________________
(١) كتاب التفسير، من سورة البقرة، قصَّة الزهرة وكونها كوكبًا، ٢/ ٢٦٥. [المؤلف]
(٢) الملل والنحل: ٤/ ٣٢. [المؤلف]
(٣) انظر: تهذيب التهذيب ٨/ ١٤٦ - ١٤٧.
[ ٢ / ٣٨٠ ]
امرأة في قومها، يقال لها: بيدحة" (^١)، وسبيله سبيل ما ذكرنا في الرواية عن أمير المؤمنين عليٍّ ﵇.
وأما ابن مسعود فأخرج ابن جرير من طريق علي بن زيد، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود وابن عباس أنهما قالا: لما كثر ، فذكر القصة من قولهما (^٢)، وعلي بن زيد واهٍ، فإن صحّ فسبيل ابن مسعود سبيل ما تقدَّم. والله أعلم.
والحاصل: أن رواية سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قد أنارت الطريق وبيَّنَتْ أن القصة من أساطير كعب، والله المستعان.
فإن قيل: لكن من حكى القصة من الصحابة رضوان الله عليهم لم يبيِّنوا فسادها فيؤخذ من ذلك على الأقلِّ أنهم كانوا يرون جواز صحَّتها.
قلت: يجوز أن يكونوا بَيَّنُوا ولم يُنْقَل كما تقدَّم، ويجوز أن يكونوا إنما حكوها على وجه التعجُّب واستغنوا عن بيان بطلانها بوضوحه شرعًا وعقلًا، [١٦٠] ويجوز أن يكونوا تأوَّلوا في الزُّهَرَة تأوُّلًا معقولًا، كما أخرج ابن جرير بسنده إلى الربيع ــ هو ابن أنسٍ ــ وفيه: "وفي ذلك الزمان امرأة حُسْنُها في سائر الناس كحسن الزُّهَرة في سائر الكواكب"، فذكر القصَّة (^٣) وتأوَّلوا في الملكين أنه بعد أن سُلِخَا من المَلَكِيَّةِ زال حكمُ العصمة، وأن ذلك لا ينافي ما ثبت من عصمة الملائكة وإن كان فيه ما فيه، وقد رُوِيَتْ
_________________
(١) المستدرك، كتاب التفسير، من سورة البقرة، كانت الزهرة امرأةً، ٢/ ٢٦٦. وليس فيه ذكر لهاروت وماروت كما ترى. [المؤلف]
(٢) تفسير الطبري ٢/ ٣٤٢.
(٣) تفسير الطبري ٢/ ٣٤٥ - ٣٤٦.
[ ٢ / ٣٨١ ]
الجواب عما روي من دس جبريل الحمأة في فم فرعون، وبيان أن الحكاية لم يصح فيها شيء مرفوع، وبيان عذر من حكاها من السلف
القصة عمَّن بعد الصحابة كمجاهد وقتادة والسدي وغيرهم، والأمر في ذلك سهل. والله ﵎ أعلم.
والجواب عن الخامس ــ وهو ما رُوِي من دَسِّ جبريل الحمأة في في فرعون ــ: أن العلماء أنكروا ذلك أشدَّ الإنكار، ففي الكشاف أنَّ ذلك من زيادات الباهتين لله تعالى وملائكته ﵈، وفيه جهالتان: إحداهما: أن الإيمان يصحُّ بالقلب كإيمان الأخرس، فحالُ البحر لا يمنعه. والأخرى: أنَّ مَن كره إيمان الكافر وأحبَّ بقاءه على الكفر فهو كافر؛ لأن الرضا بالكفر كفر. ووافقه ابن المنيِّر مع تحرِّيه مخالفته في كل ما له مساس بالقَدَر. قال ابن المنيِّر: "لقد أنكر منكرًا وغضب لله تعالى وملائكته ﵈ كما يجب لهم". اهـ (^١).
أقول: أما الخبر في ذلك فرواه الإمام أحمد والترمذي وحَسَّنه من [١٦١] طريق عليِّ بن زيد بن جُدْعَان، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس مرفوعًا (^٢).
ورواه الترمذي والإمام أحمد أيضًا من طريق شعبة، أخبرني عدي بن ثابت وعطاء بن السائب، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباس، ذكر أحدهما عن النبيِّ ﵌ أنه ذكر أن جبريل ﷺ جعل في في فرعون الطين خشية أن يقول: "لا إله إلا الله" فيرحمه الله أو خشية أن يرحمه الله. قال أبو عيسى: "هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من
_________________
(١) ١/ ٤٣١ - ٤٣٢. [المؤلف]
(٢) جامع الترمذيّ، كتاب التفسير، بابٌ ومن سورة يونس، ٢/ ١٨٨، ح ٣١٠٧. مسند الإمام أحمد ١/ ٢٤٥. [المؤلف]
[ ٢ / ٣٨٢ ]
هذا الوجه" (^١).
وأخرجه الحاكم من طريق شعبة، عن عدي بن ثابت قال: سمعت سعيد بن جبير يحدِّث عن ابن عباس عن رسول الله ﵌ فذكره، ثم قال: "حديثٌ صحيحٌ على شرط الشيخين ولم يخرجاه، إلا (^٢) أكثر أصحاب شعبة أوقفوه على ابن عبَّاسٍ".
قال الذهبي في تلخيصه بعد ذكر هذا الحديث: " (خ م)، وعامَّة أصحاب شعبة أوقفوه" (^٣).
أقول: الصواب وقفه؛ فإن عليَّ بن زيدٍ ضعَّفه الجمهور، وقال فيه شعبة وغيره: كان رفّاعًا أي يَرْفَعُ ما يَقِفُه غيره. والذي رفعه من الرجلين في رواية الترمذي هو عدي بن ثابت كما بيَّنَتْه روايةُ الحاكم، وقد قال شعبة نفسه [١٦٢] في عدي بن ثابت: كان من الرفَّاعين أي الذين يرفعون الموقوفات غلطًا. وفي عديٍّ هذا كلام كثير غير هذا.
على أن عطاء بن السائب فيه كلام، وقد قال فيه الإمام أحمد: "مَنْ سمع منه قديمًا فسماعه صحيح، ومَنْ سمع منه حديثًا لم يكن بشيء، سمع منه قديمًا سفيان وشعبة وسمع منه حديثًا جرير وخالد وكان يرفع عن سعيد بن جبير أشياء لم يكن يرفعها".
_________________
(١) المسند ١/ ٢٤٠. [المؤلف]. وجامع الترمذيّ، الموضع السابق، ٥/ ٢٨٧، ح ٣١٠٨.
(٢) كذا، ولعل الصواب: لأن. [المؤلف]
(٣) المستدرك، كتاب التفسير، تفسير سورة يونس، شرح آية: "لهم البشرى "، ٢/ ٣٤٠. [المؤلف]
[ ٢ / ٣٨٣ ]
فهذا أقوى ما رُوي في هذه القصة، وهو موقوف على ابن عباس كما رأيت.
فإن قيل: إنه وإن كان الراجح روايةً أنه موقوف فله حكم المرفوع؛ لأنه مما لا مسرح للرأي فيه، ولم يكن ابن عباس مُولَعًا بالإسرائيليات، كيف وهو القائل: "كيف تسألون أهل الكتاب عن شيءٍ، وكتابكم الذي أُنزل على رسول الله ﵌ أحدث، تقرؤونه محضًا لم يُشَبْ، وقد حدَّثكم أن أهل الكتاب بدَّلوا كتاب الله وغيَّروه وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٧٩]، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟ لا والله ما رأينا منهم رجلًا يسألكم عن الذي أُنزِل عليكم" (^١).
قلت: لعلَّه ﵁ إنما أراد نهي المسلمين عن سؤال مَن لم يَزَلْ على كفره من أهل الكتاب، بدليل قوله: فوالله لا يسألكم أحد منهم عن الذي أنزل [١٦٣] عليكم، فإنهم هم الذين لا يسألون المسلمين، فأما مَن أسلم منهم فإنه يسألنا كما لا يخفى.
أو لعلَّه إنما نهى من لم يرسخ الإيمان والعلم في قلبه خوفًا عليه من الضلال.
وأظهر من ذلك أن يكون إنما نهى عن سؤالهم للاحتجاج في الدين بما يحكونه، فأما ما كان من قَبِيل الوقائع التاريخية التي تتعلق بما في القرآن فلم
_________________
(١) البخاريّ، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنَّة، باب قول النبيِّ - ﷺ -: "لا تسألوا أهل الكتاب عن شيءٍ"، ٩/ ١١١، ح ٧٣٦٣. [المؤلف]
[ ٢ / ٣٨٤ ]
يكن هو ولا غيره يرى في ذلك حرجًا، كيف وقد صحَّ عن النبيِّ ﵌ أنه قال: "بلِّغوا عني ولو آية، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومَن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"، رواه البخاريُّ وغيره (^١).
ومَن تَتَبَّع ما يُرْوَى عن ابن عبَّاسٍ وغيره من الصحابة ﵃ من التفسير عَلِمَ صحَّة ما قلناه. وفي تفسير ابن جريرٍ عدَّة آثارٍ في سؤال ابن عبَّاسٍ كعبَ الأحبار عن أشياء من القرآن، وسؤاله غير كعبٍ من أحبار اليهود. والله أعلم.
فإن قيل: إن هذه القصة تتعلَّق بالدين تَعَلُّقًا عظيمًا؛ فإن فيها نسبة جبريل ﵇ إلى ما علمت، فكيف يحكيها ابن عبَّاسٍ ولا يشير إلى بطلانها إن كانت باطلة؟
قلت: ارجع إلى الاحتمالات التي مرَّت في جواب الأمر الرابع (^٢)، وقد يكون الحبر رأى أن القصة إن صحَّت فإنما فعل جبريل ﵇ ما فعل بأمر الله تعالى تنفيذًا لما علمه ﷿ وقضاه وسبق به دعاء موسى وهارون ﵉ وإجابة الله تعالى دعوتهما.
ودونك الآيات: [١٦٤] ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ
_________________
(١) صحيح البخاريِّ، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذُكِر عن بني إسرائيل، ٤/ ١٧٠، ح ٣٤٦١. [المؤلف]. وانظر: جامع الترمذيّ، كتاب العلم، باب ما جاء في الحديث عن بني إسرائيل، ٥/ ٤٠، ح ٢٦٦٩، من حديث ابن عمرٍو ﵄.
(٢) وهو ما يتعلَّق بقصَّة هاروت وماروت.
[ ٢ / ٣٨٥ ]
عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨٩) وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨٨ - ٩١].
فإن قيل: وكيف يأمر الله تعالى بالمنع من الإيمان؟
قلت: كما دعا به موسى وهارون ﵉، وأجاب سبحانه دعوتهما. وإذا انتهى البحث إلى القَدَرِ وَجَبَ الإمساك.
فأما قول جار الله: "إن الإيمان يصحُّ بالقلب فحالُ البحر لا يمنعه"، فالجواب: أنه ليس المرادُ من إيجاره (^١) الحمأة مَنْعَهُ عن النطق كما تُوهِمُه بعضُ الروايات، بل تعجيل حال الغرغرة قبل أن يعقد قلبه على الإيمان.
هذا كلُّه إيضاح لعذر ابن عباس ﵄ في حكايته الواقعة ساكتًا عن اعتراضها. والله أعلم.
* * * *
_________________
(١) مصدر أَوْجَرَهُ: أي جعله في فيه. وأكثر ما يستعمل في الدواء.
[ ٢ / ٣٨٦ ]
قول علماء التوحيد وغيرهم في حقيقة معنى الإله، وبيان اشتقاقه
[١٦٥] تفسير الإله بالمعبود
الآيات القرآنيَّة الدالَّة على ذلك كثيرةٌ، قد تقدَّم بعضها في أوائل الرسالة في بيان اشتراط أن يكون التشهد على سبيل الالتزام، فراجعه. فأما أقوال أهل العلم، فقد سبق عن بعض علماء التوحيد أن حقيقة معنى الإله: المعبود بحق، وفسره بعضهم بالمستحق للعبادة، وبينَّا بحمد الله تعالى أن تعبير المتكلمين عن واجب الوجود بالإله وقول السنوسى: "إن معنى الإله: المستغني عن كلِّ ما سواه" إلخ، وما يؤخذ من كلام جماعة أن الإله هو الخالق أو المدبِّر استقلالًا، لا ينافي ذلك.
وهذا المعنى هو المعروف عند المفسرين والمحدِّثين والفقهاء وأهل اللغة وغيرهم.
قال الإمام أبو جعفر بن جرير في تفسيره: "وأما تأويل قول الله: (الله) فإنه على معنى ما روي لنا عن عبد الله بن عباس: هو الذي يألهه كلُّ شيء ويعبده كلُّ خَلْق، وذلك أن أبا كريب حدثنا عن عبد الله بن عباس قال: (الله) ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين
فإن قال: وما دلَّ على أن الألوهية هي العبادة وأن الإله هو المعبود وأن له أصلًا في فعل ويفعل؟ قيل: لا تَمَانُعَ بين العرب في الحكم لقول قائلٍ يصف رجلًا بعبادة ويطلب مما (^١) عند الله جلَّ ذكره: يأله [تأَلَّه] (^٢) فلان، بالصحة [ولا] (^٣) خلاف. ومن ذلك قول رؤبة بن العجاج:
_________________
(١) في طبعة محمود شاكر ١/ ١٢٣: "وبِطَلَبِ ما"، وهو أجود.
(٢) تصحيح من المؤلِّف للنسخة التي نقل منها.
(٣) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة كتاب العبادة، واستدركتها من تفسير ابن جرير بتحقيق محمود شاكر.
[ ٢ / ٣٨٧ ]
لله دَرُّ الغانيات المُدَّهِ سبَّحْن واسترجعن من تألُّهي (^١)
يعني: مِن تعبد وطلبِ الله بعمل (^٢)، ولا شك أن التألُّه: التفعُّلُ من أَلَه يألَه، [١٦٦] وأن معنى أله إذا نُطق به: عَبدَ اللهَ، وقد جاء منه مصدر يدلُّ على أن العرب قد نطقت [منه] (^٣) بفعل يفعل بغير زيادة، وذلك ما حدثنا عن ابن عباس أنه قرأ: (ويذرك وإلاهتك)، قال: عبادتك، ويقول: إنه كان يُعبد ولا يَعبُد عن مجاهد قوله: (ويذرك وإلاهتك) قال: وعبادتك ، فقد بيَّن قولُ ابن عباس ومجاهد هذا أن أَلَه عَبدَ وأن الإلاهة مصدره" (^٤).
وقال في تفسير قول الله ﷿: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]: "قد بينا فيما مضى معنى الألوهية وأنها اعتباد الخلق، فمعنى قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ والذي يستحق عليكم أيها الناس الطاعة ويستوجب منكم العبادة معبودٌ واحدٌ وربٌّ واحدٌ، فلا تعبدوا غيره ولا تشركوا معه سواه؛ فإن من تشركونه معه في عبادتكم إياه هو خلقٌ من خَلْقِ إلهكم مثلكم، ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ لا مثل له ولا نظير
_________________
(١) ديوانه ١٦٥. والمدَّه: جمع مادهٍ، كالمدَّح: جمع مادحٍ، أُبدِلت الحاء هاءً على لغةٍ لبعض العرب. انظر: الكامل ٢/ ١٠٥١ - ١٠٥٢.
(٢) في طبعة محمود شاكر: "يعني: مِن تعبُّدي وطلبي اللهَ بعملي"، وهو الصواب.
(٣) زيادة من النسخة التي حقَّقها محمود شاكر.
(٤) ١/ ٤٠ - ٤١. [المؤلف]
[ ٢ / ٣٨٨ ]
وأما قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، فإنه خبرٌ منه ــ تعالى ذكره ــ أنه لا رب للعالمين غيره، ولا يستوجب على العباد العبادة سواه، وأن كل ما سواه فَهُمْ خَلْقُه، والواجب على جميعهم طاعته والانقياد لأمره وترك عبادة ما سواه من الأنداد والآلهة، وهجرُ الأوثان والأصنام؛ لأن جميع ذلك خلقه، وعلى جميعهم [١٦٧] الدينونة له بالوحدانية والألوهة، ولا تنبغي الألوهة إلا له؛ إذ كان ما بهم من نعمة في الدنيا فمنه دون ما يعبدونه من الأوثان ويشركون معه من الأشراك
ثم عَرَّفَهُمْ تعالى بالآية التي تتلوها فقال تعالى ذكره: أيها المشركون إن جهلتم أو شككتم في حقيقة ما أخبرتكم من الخبر من أن إلهكم إله واحد دون ما تدَّعون ألوهيته من الأنداد والأوثان فتدبَّروا حججي وفكِّروا فيها، فإن مِنْ حججي خَلْقَ السموات والأرض واختلاف الليل والنهار فإن كان ما تعبدونه من الأوثان والآلهة والأنداد وسائر ما تشركون به ــ إذا اجتمع جميعه فتظاهر أو انفرد بعضه دون بعضٍ ــ يقدر على أن يخلق نظير شيءٍ من خلقي ــ الذي سَمَّيْتُ لكم ــ فلكم بعبادتكم ما تعبدون من دوني حينئذٍ عذرٌ، وإلَّا فلا عذر لكم " (^١).
وقال في تفسير آية الكرسي ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾: "قد دللنا فيما مضى على تأويل قوله: ﴿اللَّهُ﴾، وأما تأويل قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ فإن معناه: النهي عن أن يُعبد شيء غير الله الحي القيوم الذي صفته ما وصف به نفسه تعالى ذكره في هذه الآية، يقول: الله الذي له عبادة الخلق، الحيُّ
_________________
(١) ٢/ ٣٥. [المؤلف]
[ ٢ / ٣٨٩ ]
القيوم، لا إله سواه، لا معبود سواه، يعني: ولا تعبدوا شيئًا سواه" (^١).
وقال في تفسير قول: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ [النساء: ٨٧]: "المعبود الذي لا تنبغي العبودة [١٦٨] إلا له هو الذي له عبادة كلِّ شيءٍ وطاعة كلِّ طائعٍ" (^٢).
وقال في تفسير قول الله سبحانه: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٩]: "يقول: تشهدون أن معه معبودات غيره من الأوثان والأصنام ﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ يقول: إنما هو معبود واحد لا شريك له فيما يستوجب على خلقه من العبادة" (^٣).
وفي الكشاف: "والإله من أسماء الأجناس كالرجل والفرس، اسم يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق، كما أن النجم اسم كوكب ثم غلب على الثُّرَيَّا، وكذلك السَّنَة على عام القحط " (^٤).
وفي تفسير البيضاوي: "والإله في أصله لكل معبود ثم غلب على المعبود بالحقِّ، واشتقاقه من أَلَه إلاهة وألوهة وألوهية ــ بمعنى: عَبَد ــ، ومنه: تألَّه واسْتَأْلَه" (^٥).
وفي مفردات القرآن للراغب: "و(إله) جعلوه اسمًا لكل معبوديهم
_________________
(١) ٣/ ٤. [المؤلف]
(٢) ٥/ ١١٢. [المؤلف]
(٣) ٧/ ٩٧. [المؤلف]
(٤) ١/ ٥. [المؤلف]
(٥) هامش حواشي الشيخ زاده ١/ ٢٢. [المؤلف]
[ ٢ / ٣٩٠ ]
وكذا الذات (^١) وسموا الشمس إلاهة لاتخاذهم إياها معبودة، وأله يأله: عبد و(إله) حقُّه ألا يُجْمَعَ إذ لا معبود سواه، لكن العرب لاعتقادهم أن هاهنا معبوداتٍ جمعوه، فقالوا: الآلهة".
[١٦٩] وفي حواشي الشيخ زاده على تفسير البيضاوي: "قوله: (إلَّا أنَّه يختصُّ بالمعبود بالحقِّ) استدراكٌ بمعنى (لكنه)، وضمير (أنه) للفظ الجلالة المذكور سابقًا، ووجه الاستدراك أنه لما ذكر أن أصل لفظ الجلالة إله وهو اسم جنس يُطْلَقُ على كلِّ معبودٍ حقًّا كان أو باطلًا كما في قوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ [طه: ٩٧]، وقوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] نشأ من ذلك تَوَهُّمُ أن لفظ الجلالة أيضًا اسم جنس يَصِحُّ إطلاقُه على غير المعبود بالحق فاحتيج إلى رفع هذا الوَهْم، فَرَفَعَه بقوله: (إلا أنه يختص بالمعبود) يعني أن الإله المُحَلَّى باللام قبل أن يغلب استعماله في فردٍ معين من أفراد جنس إله يطلق على كلِّ معبود سواء كان معبودًا بالحق أو لا؛ لأنه ليس عَلَمًا قصديًّا موضوعًا لذاته المخصوصة ابتداء، بل هو عَلَمٌ اتِّفاقيٌّ عرضت له العَلَمِية بأنْ كثر استعماله حال كونه مُحَلًّى بلام العهد في فردٍ معيَّنٍ من أفراد جنسه يكون ذلك الفرد معهودًا للمخاطب بسبب شهرة ذلك الفرد المعهود من بين أفراد جنسه بكونه فردًا لذلك الجنس وأن إلاهًا المُنَكَّر اسم جنسٍ يقع على كل معبود، فإذا كان فردٌ من أفراده أيَّ فردٍ كان معهودًا للمخاطب وأشرت إليه بلفظ (الإله) المحلَّى بلام العهد صحّت الإشارة إليه [١٧٠] وإن لم يكن معبودًا بالحق، وإذا كان ذلك الفرد المعهود معبودًا بالحق وكثر استعمال لفظ
_________________
(١) يعني المعبود بحق. وفي (ط: دار القلم) ص ٨٢: اللات.
[ ٢ / ٣٩١ ]
(الإله) المحلَّى بلام العهد فيه لكونه أشهر أفراد ذلك الجنس بكونه فردًا له بحيث صار ما عدا ذلك الفرد كأنه ليس فردًا يصير لفظ (الإله) عَلَمًا له بغلبته عليه وإن كان في أصله أَيْ مَعَ قطع النظر عن غلبته عليه يصحُّ إطلاقه على كلِّ فَرْدٍ من أفراد المعبود" (^١).
وفي تفسير العلامة أبي السعود: "الإله في الأصل اسم جنس يقع على كلِّ معبود بحق أو باطل، أي مع قطع النظر عن وصف الحقية والبطلان لا مع اعتبار أحدهما لا بعينه، ثم غلب على المعبود بالحق كالنجم والصعق.
وأما (الله) بحذف الهمزة فَعَلَمٌ مختصٌّ بالمعبود بالحقِّ لم يُطْلَقْ على غيره أَصْلًا، واشتقاقه من الإلاهة والألوهة والألوهية بمعنى العبادة حسبما نص عليه الجوهري على أنه اسم منها بمعنى المألوه كالكتاب بمعنى المكتوب لا على أنه صفة منها، بدليل أنه يوصف ولا يوصف به حيث يقال: إله واحد، ولا يقال: شيء إله كما يقال: كتاب مرقوم، ولا يقال: شيء كتاب واعلم أن المراد بالمنكَّر في كلمة التوحيد هو المعبود بالحقِّ" (^٢).
[١٧١] وفي لسان العرب: " (الإله) الله ﷿ وكلُّ ما اتخذ من دونه معبودًا إله عند مُتَّخِذِه، والجمع آلهة، والآلهة: الأصنام، سموا بذلك لاعتقادهم أن العبادة تحق لها وأسماؤهم تتبع اعتقاداتهم لا ما عليه الشيء في نفسه.
وقال أبو الهيثم: فالله أصله إله، قال الله ﷿: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا
_________________
(١) ١/ ٢٤. [المؤلف]
(٢) ١/ ٧. [المؤلف]
[ ٢ / ٣٩٢ ]
كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون: ٩١]، قال: ولا يكون إلهًاحتى يكون معبودًا وحتى يكون لعابده خالقًا ورازقًا ومدبِّرًا وعليه مقتدرًا [سيأتي بيان مراده]، فمَن لم يكن كذلك فليس بإلهٍ [سيأتي بيان مراده] وإن عُبِد ظلمًا، بل هو مخلوقٌ ومتعبِّدٌ.
قال: وأصل إلاه وِلاه، فقُلِبت الواو همزةً، كما قالوا: للوِشاح إشاح وللوِجاح
_________________
(١) وهو السترُ إجاح، ومعنى (إله) أن الخلق يَوْلَهون إليه في حوائجهم وقد سمَّت العرب الشمس لما عبدوها إلاهة قال ابن سيده: فكأنهم سمَّوها إلاهة لتعظيمهم لها وعبادتهم إياها فإنهم كانوا يعظمونها ويعبدونها، وقد أوجدنا الله ﷿ ذلك في كتابه حين قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧]. والإلاهة والألوهة والألوهية العبادة، وقد قرئ: (ويذرك وإلاهتك) أي وعبادتك، وهذه الأخيرة [١٧٢] عند ثعلب كأنها هي المختارة، قال: لأن فرعون كان يُعبد ولا يعبد [فيه كلام سيأتي] قال ابن بَرِّي: يقوِّي ما ذهب إليه ابن عبَّاسٍ في قراءته: (ويذرك وإلاهتك) قول فرعون: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] وقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، [سيأتي الجمع الصحيح بين الآيات] ويقال: إله بيِّن الإلاهة والأُلْهَانيَّة، وكانت العرب في الجاهلية يدعون معبوداتهم من الأوثان والأصنام آلهة وهي جمع إلاهة [فيه نظر] قال الله ﷿: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]، هي
[ ٢ / ٣٩٣ ]
أصنام عبدها قوم فرعون معه، [هذا تخرُّصٌ وستأتي حقيقة الأمر إن شاء الله تعالى].
والله أصله إلاه على فعال بمعنى مفعول، لأنه مألوه أي معبود
قال ابن بَرِّي: فإذا قيل: الإله انطلق على الله سبحانه وعلى ما يعبد من الأصنام، وإذا قلت: الله لم ينطلق إلا عليه ﷾" (^١).
وفي القاموس (^٢): "أله إلاهة وألوهة وألوهية عبد عبادة ومنه لفظ الجلالة وأصله إلاه كفِعال بمعنى مألوه، وكلُّ ما اتُّخِذ معبودًا إله عند متَّخِذِه بَيِّن الإلاهة ".
[١٧٣] وفي المصباح (^٣): "أَلِهَ يَأْلَه من باب تعب [سيأتي ما فيه] إلاهة بمعنى عبد عبادة، وتألَّه تعبَّد، والإله المعبود، وهو الله ﷾، ثم استعاره المشركون لما عبدوه من دون الله تعالى، والجمع آلهة، فالإله فِعَال بمعنى مفعول، مثل كتاب بمعنى مكتوب وبساط بمعنى مبسوط".
وفي دستور العلماء (^٤): "والإله بمعنى المعبود المطلق حقًّا أو باطلًا".
واستيفاء النقل مما لا مطمع فيه، فقد تعرَّض له الفقهاء من جميع المذاهب وغيرهم من أهل الفنون في أوائل الشروح في الكلام على البسملة، والنحاة في الكلام على المعرَّف بالعَلَمية والمعرَّف بأل، وباب
_________________
(١) لسان العرب ١٣/ ٤٦٧ - ٤٦٩.
(٢) ص ١٦٠٣.
(٣) ص ١٩.
(٤) ١/ ١٠.
[ ٢ / ٣٩٤ ]
النداء، وأهل المعاني في ذكر تعريف المسند إليه.
والمرجع الحقيقيُّ هو التفسير واللغة وقد نقلنا عنهما ما يكفي، أو علم الكلام وقد مرَّ النقل عنه.
وتلخيص كلامهم المتقدم مع زيادةٍ: أنهم اتفقوا على أن لفظ (إله) مشتقٌّ، ثم اختلفوا فيما اشتقُّ منه، فالأكثر أنه من أله يأله إلاهةً
_________________
(١) بمعنى عبد يعبد عبادةً ، والماضي بفتح اللام، وقول صاحب المصباح: (من باب تعب) سهوٌ. وقيل: من أَلِه كفرح، بمعنى: تحيَّر أو غيره. وقيل: من أَلَهَه كمنعه إذا أجاره.
(٢) وقيل: من وَلِه كفرح بمعنى تحيَّر أو غيره ، والأصل وِلاه قلبت الواو همزة كإشاح وإجاح. ويؤخذ من كلام بعضهم أن الخلاف مختصٌّ بالإله الذي هو أصل كلمة الجلالة، فأما إله المستعمل بلفظه فلا خلاف أنه من أله بمعنى عبد، ومن كلام آخرين أن الخلاف جارٍ في المستعمل بلفظه أيضًا. وحجَّة الأكثر: الاتفاق على أن لفظ إله بمعنى معبود أو معبود بحق أو مستحق للعبادة وهو مناسب لمادة أله بمعنى عبد لفظًا ومعنى، وكأن المخالف يعتذر عن الاختلاف المعنوي بين معنى إله ومعنى متحَيَّر فيه مثلًا بأن الاسم قد يكون أخصَّ مما يقتضيه اشتقاقه كعِطاف خاص في اللغة بالثوب الذي يرتدى به مع أن اشتقاقه يقتضي أن يعمَّ كل معطوف، وهذا حق، ولكن الأصل في المشتق بقاؤه على ما يقتضيه اشتقاقه، والمناسبة بين
[ ٢ / ٣٩٥ ]
المعبود والتحيُّر ضعيفة، ومادة أله بمعنى عبد مستعملة متصرفة فكيف يعدل عنها؟
ويختص قول من قال: وِلاه بأن فيه مخالفةً أخرى للأصل بلا حجَّةٍ ولا حاجةٍ، وبأن قلب واو نحو وشاح همزة جائز غير لازم، وأكثر العرب يقولون: وشاح ولم يُسْمَعْ عنهم وِلاه، وبما ذكره البيضاوي وغيره [١٧٥] أن جمع إله آلهة ولو كان الأصل ولاه لقيل: أولهة إذ التكسير يردُّ إلى الأصل.
وبعد، فلا يهمنا الخلاف في الاشتقاق بعد الاتفاق على المعنى الراهن، فإنه كما أن أهل اللغة يفسِّرون العطاف بالرداء فكذا المخالف في إله يفسره بالمعبود أو المعبود بحق أو المستحق للعبادة، ومدار فهم المعنى على هذا لا على الأصل الاشتقاقي، والله أعلم.
فأما ما مرَّ في عبارة اللسان عن أبي الهيثم من قوله: "ولا يكون إلها حتى يكون معبودًا وحتى يكون لعابده خالقًا " فمراده أن معنى إله: معبودٌ بحقٍّ، ولا يكون معبودًا بحقٍّ حتى يكون خالقًا إلخ، بدليل قوله بعد ذلك: "وإن عُبِد ظلمًا"، أي: فإن عابده وإن كان بزعمه أنه معبودٌ بحقٍّ قد زعم أنه إلهٌ، لكنه ليس في حكم العقل والدين بمعبودٍ بحقٍّ، فليس بإلهٍ في نفس الأمر. والله أعلم.
الاختلاف الثاني: في (إله)، أهو بمعنى: معبودٌ بحقٍّ، أم: مستحقٌّ للعبادة، أم معبودٌ.
فأما العبارتان الأوليان فلا فرق بينهما، إلا أن قولنا معبود بحق يفهم منه اشتراط أن يكون معبودًا بالفعل، وليس هذا [١٧٦] بمراد اتفاقًا؛ للاتفاق على أن من اعتقد في شيء أنه مستحق للعبادة فقد اعتقد أنه إله وإن لم يعبده هو
[ ٢ / ٣٩٦ ]
ولا غيره. واللغة لا تأبى هذا، فإن فِعالًا بمعنى مفعول قد يطلق على ما مِن شأنه أن يكون مفعولًا وإن لم يكن كذلك بالفعل كما يسمون البساط بساطًا وإن لم يكن قد بُسِط. ولو كان معنى إله معبودًا بحق أي معبودًا بالفعل لكان النفي في كلمة التوحيد خاصًّا بذلك، لا يتناول المستحق للعبادة ولم يُعبد بالفعل، وعليه فلا تكون الكلمة الشريفة توحيدًا، وهذا باطل قطعًا.
فقد علم أن العبارتين الأوليين متفقتان، وقولنا: "مستحقٌّ للعبادة" أجودهما؛ لسلامتها من الإيهام، فيبقى النظر بينها وبين الثالثة.
فأقول: في القرآن آيات كثيرة تدلُّ على أن معنى (إله) مستحق للعبادة لا معبود فقط، منها قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، وقوله سبحانه: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وقوله ﷿: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء: ٩٩].
وفي القرآن آيات كثيرة تدل على عكس ذلك منها قوله ﷿: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود: ١٠١].
[١٧٧] وقوله سبحانه في قصة الخليل ﵇: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ [الصافات: ٩١].
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ [الأنعام: ٧٤].
وقوله جل ذكره: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١ - ٨٢].
[ ٢ / ٣٩٧ ]
التفصيل في شرك من قال بوجود إله غير الله لأن لفظ (إله) قد يأتي بمعنى مستحق للعبادة، وقد يأتي بمعنى (معبود) فعلا وإن كان غير مستحق، والقطع بشرك من اتخذ إلها غير الله بلا خلاف.
وقوله ﵎ في حكاية توبيخ موسى ﵇ للسامري: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ [طه: ٩٧].
وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ٣٩].
وقوله عز اسمه: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣].
وأهل العلم مختلفون، فمنهم مَن يختار أنه بمعنى معبودٌ فقط ويتأوَّل أدلَّة القول الآخر، ومنهم من يعكس.
والصواب
_________________
(١) إن شاء الله تعالى : إبقاء الآيات على ظواهرها، وأنه قد يجيء بمعنى: ما من شأنه أن يُعْبَد، فيؤخذ من ذلك قيد الاستحقاق، فمعناه حينئذٍ: مستحق للعبادة، وقد يجيء بمعنى معبود، أي بالفعل، ومعناه حينئذٍ: معبود، بلا قيد.
(٢) فحاصل ما تدلُّ عليه الآيات أن القول بوجود إله غير الله تعالى إن كان بمعنى مستحق للعبادة فشرك وإن كان بمعنى معبود بالفعل غير مستحق فلا. فأما اتخاذ إله غير الله تعالى فشرك مطلقًا، وهذا مما لا خلاف فيه بين المسلمين، أما الأول فظاهر، وأما الثاني فإنهم مجمعون أن عبادة غير الله تعالى شرك بل هذا من ضروريَّات الإسلام. وكلمة الشهادة تتضمن الأمرين أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلما قدمنا في أوائل الرسالة أن النطق بكلمة الشهادة على سبيل الالتزام يتضمن التزام ألَّا يعبد إلا الله. وإيضاح ذلك: أن لفظ (إله) في كلمة الشهادة بمعنى مستحق للعبادة، وإذا
[ ٢ / ٣٩٨ ]
شهد المرء أنه لا مستحق للعبادة إلا الله ﷿ ثم اعتقد أو ادَّعى أو جوَّز أن غير الله تعالى مستحق للعبادة فقد نقض الشهادة، ثم قد علم من شهادته بذلك اعترافه بأنه إن عبد غير الله تعالى فقد عبد ما لا يستحق العبادة.
وقد علم المشركون أن دعوة المسلمين هي إلى ترك الشرك ومنه عبادة غير الله تعالى، وإلى توحيد الله تعالى بأن يعبده ولا يشرك به شيئًا، وأنهم يكتفون من المشرك بأن يشهد ألَّا إله إلا الله [١٧٩] وأن محمدًا عبده ورسوله على سبيل البراءة من الشرك كلِّه والتزام التوحيد كلِّه، بل الإسلام كلِّه.
أولا ترى أننا لا نطالب الكافر بإقامة الصلاة وأداء الزكاة وترك الخمر وغير ذلك، فإذا أسلم طالبناه وقتلناه إن لم يُصَلِّ، وقاتلناه إن لم يزكِّ، وحَدَدْناه إن شرب الخمر.
وهل ذلك إلا لأن الكافر لم يلتزم أحكام الإسلام، فإذا تشهَّد على سبيل التزام الإسلام فقد التزم ورضي بجميع الأحكام. وفي لفظ الإسلام ما يومئ إلى ذلك أي أنه أسلم نفسه لكلِّ ما يَحْكُمُ به الدين، فإن قتلناه أو قاتلناه أو حَدَدْنَاه فبمقتضى رضاه.
ولهذا إذا حكَّمَنَا الكفار في قضية حكَمْنَا بينهم بحكم (١) ديننا ونفَّذْناه عليهم لرضاهم بذلك حين حكَّمونا، وهذا (١) يوضح لك أن النطق بالشهادة على سبيل الالتزام يتضمن التزام (١) جميع أحكام الإسلام، فإذا خالف بعد الشهادة شيئًا من (١) الأحكام فقد أَخَلَّ بالشهادة، إلا أن الإخلال قد يكون نقضًا لأصل (^١) الشهادة كزعم أن غير الله تعالى مستحق للعبادة
_________________
(١) هذه بدايات خمسة أسطر في المخطوط، وقد تآكلت الورقة فلم تظهر بعض حروف هذه الكلمات، والمثبت اجتهاد منِّي.
[ ٢ / ٣٩٩ ]
وكتكذيب النبي ﵌ أو إهانته، وقد يكون نقضًا لما تقتضيه بمعونة القرائن القطعية كما تقدَّم مع دلالة المنطوق عليه، كأن يعبد غير الله تعالى مع اعترافه أن ذلك الشيء لا يستحق العبادة؛ فإن منطوق الشهادة أنه لا مستحق للعبادة إلا الله تعالى، وعلم منه أن عبادة غيره تعالى شرك، وقد يكون الإخلال تقصيرًا دون ذلك كشرب الخمر.
فخلاصة ما تقدَّم: أن لفظ (إله) قد يأتي بمعنى مستحق للعبادة، وقد يأتي بمعنى (معبود)، وأن كلمة الشهادة تتضمن التوحيد في الأمرين، وأن الإخلال بأحدهما شرك.
ولكن الاشتباه الذي نشكوه لا يزول إلا بمعرفة معنى العبادة، فنقول (^١): "أصل العبادة في اللغة التذليل (^٢) والعبادة والخضوع والتذلُّل والاستكانة قرائب في المعاني، يقال: تعبد فلانٌ لفلانٍ إذا تذلَّل له، وكلُّ خضوعٍ ليس فوقه خضوعٌ فهو عبادةٌ طاعةً كان للمعبود أو غيرَ طاعةٍ، وكلُّ طاعةٍ لله على جهة الخضوع والتذلُّل فهي عبادةٌ، والعبادة نوعٌ من الخضوع لا يستحقُّه إلا المنعم بأعلى أجناس النعم كالحياة والعبادة لا تستحقُّ إلا بالنعمة؛ لأن العبادة تنفرد بأعلى أجناس النعم، لأن أقلَّ القليل من العبادة يَكْبُرُ عن أن يستحقه إلا مَن كان له أعلى جنسٍ من النعمة [؟] (^٣) إلا الله سبحانه، فلذلك لا يستحق العبادة إلا الله".
_________________
(١) المخصَّص. [المؤلف]. لابن سيده، المجلَّد الرابع (١٣/ ٩٦).
(٢) كذا في الأصل، والوجه التذلُّل. ونقل في موضع آخر عن أبي عليٍّ: "وأصل التعبيد: التذليل". انظر المجلد الأول ٣/ ١٤٣.
(٣) كذا في الأصل، إشارة إلى الخلل في العبارة؛ لأن الاستثناء هنا لا مناسبة له، إلا أن يكون بدلًا من الاستثناء الأوَّل.
[ ٢ / ٤٠٠ ]
بيان المؤلف معنى «العبادة» لغة واصطلاحا، ونقله أربعة تعريفات عن العلماء في ذلك، ومناقشته لها واحدا وحدا.
/فصل في تفسير أهل العلم للعبادة (^١)
أما المتكلمون وأهل العقائد المسمّى بعلم التوحيد فلم أقف لهم على كلام بيِّن في تفسير العبادة، وكأنهم يرون أن الكلام عليها خارج عن فنِّهم، بل صرّح به السعد في شرح المقاصد ــ كما تقدم ــ، وكذلك الفقهاء مع حكمهم بالردّة على من عظّم غير الله تعالى أو تذلَّل له على سبيل العبادة. وهذا عجيب؛ يبنون الأحكام على العبادة ويهملون تفسيرها!، ولو قال قائل: إن أكثر الفقهاء بعد القرون الأولى لم يكونوا يعرفون معنى العبادة على وجه التحديد لما وجدنا حجّة ظاهرة تردّ قوله.
وأما المفسِّرون؛ فقال ابن جرير: "تأويل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لك اللهمّ نخشع ونذلّ ونستكين إقرارًا لك يا ربّنا بالربوبيّة لا لغيرك" (^٢).
وفي الكشّاف: [والعبادة أقصى غاية الخضوع والتذلّل، ومنه: ثوب ذو عَبْدَةٍ، إذا كان في غاية الصفاقة وقوّة النسج؛ ولذلك لم تستعمل إلا في الخضوع لله تعالى؛ لأنه مولي أعظم النعم، فكان حقيقًا بأقصى غاية الخضوع] (^٣).
وأما أهل اللغة؛ ففي لسان العرب (^٤):
"قال الأزهري: ولا يقال عبد يعبد عبادة إلا لمن يعبد الله، ومن عبد دونه إلهًا فهو من الخاسرين.
_________________
(١) هذا الفصل ثلاث صفحات غير مرقمة من نسخة (ب).
(٢) تفسير الطبري ١/ ١٥٩.
(٣) الكشّاف ١/ ١٠، وقد بيّض المؤلِّف لكلام الزمخشري فأضفته.
(٤) ٣/ ٢٧١ - ٢٧٤.
[ ٢ / ٤٠١ ]
قال: وأمَّا عبدٌ خَدَم مولاه فلا يقال: عَبَده.
قال الليث: ويقال للمشركين: عبدة الطاغوت، ويقال للمسلمين: عباد الله يعبدون الله، والعابد الموحِّد
وعبد الله يعبده عبادة ومعبدًا ومعبدة: تألّه له؛ /والتعبد التنسك، والعبادة الطاعة، وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠] وقال الزجاج قال: تأويل (عبد الطاغوتَ) أي: أطاعه، يعني الشيطانَ فيما سوَّل له وأغواه. قال: والطاغوت هو الشيطان.
وقال في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، أي نطيع الطاعة التي يُخْضَع معها. وقيل: إياك نوحِّد، قال: ومعنى العبادة في اللغة الطاعة مع الخضوع، ومنه طريق مُعبَّد إذا كان مُذلَّلًا بكثرة الوطء
وقال ابن الأنباري: فلان عابد، هو الخاضع لربِّه المستسلم المنقاد لأمره. وقوله ﷿: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] أي: أطيعوا ربَّكم".
وفي القاموس (^١): "والعبادة: الطاعة". قال في شرحه تاج العروس (^٢): أما عَبَد اللهَ فمصدره عبادة وعبودة وعبودية، أي: أطاعه قال ابن الأثير: ومعنى العبادة في اللغة: الطاعة مع الخضوع (^٣).
_________________
(١) ص ٣٧٨.
(٢) ٨/ ٣٣٠.
(٣) تقدم قريبًا نقل هذه العبارة عن الزجاج، ولم أجدها في كتاب النهاية لابن الأثير.
[ ٢ / ٤٠٢ ]
وفي المصباح (^١): "عبدت الله أعبده عبادة وهي الانقياد والخضوع، والفاعل: عابد ثم استُعْمِل فيمن اتخذ إلهًا غير الله، وتقرَّب إليه، فقيل: عابد الوثن والشمس، وغير ذلك".
وقال الراغب: "العبودية: إظهار التذلُّل، والعبادة أبلغ منها، ولا يستحقها إلا مَنْ له غاية الإفضال، وهو الله تعالى، ولهذا قال: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف: ٤٠] " (^٢).
وتحرير هذه النقول أن لهم في تفسير العبادة عبارات:
١ - الطاعة.
٢ - الطاعة التي يُخْضَع معها.
٣ - غاية التَذَلُّل، أو أقصى درجات الخضوع.
٤ - التَألُّه أو الطاعة مع اعتقاد أن المُطاعَ إله.
فأقول: أما العبارة الأولى فقصورها واضح، وقد مرَّ (^٣) عن الأزهري قوله: "وأما عبدٌ خَدَم مولاه فلا يقال: عَبَدَه".
وقد جاء في الكتاب والسنة في مواضع لا تحصى النهيُ عن عبادة غير الله تعالى، وأن ذلك شرك، وهذا من ضروريّات الدين. وجاء في الكتاب والسنة الأمر بطاعة الرسول وأولي الأمر والوالدين، وهو /من ضروريات الدين أيضًا.
_________________
(١) ص ٣٨٩.
(٢) انظر: المفردات ص ٥٤٢.
(٣) ص ٤٠٢.
[ ٢ / ٤٠٣ ]
فإن قيل: فلعلَّ للعبادة استعمالين: أحدهما بمعنى الطاعة مطلقًا.
قلت: لم ترد العبادة في الكتاب والسنة وكلام أهل العلم لغير الله تعالى إلا مَنْهِيًّا عنها، ومطلق الطاعة منها المأمور به والمستحبُّ والجائز، وقد مرّ عن الأزهري قوله: فأمّا عبد خدم مولاه فلا يقال: عَبَده.
والحاصل أن قصور تلك العبارة أمر يقينيّ.
وأما العبارة الثانية؛ فالخضوع إن كان هو التذلُّلَ كما هو المعروف فهو غير منهيٍّ عنه مطلقًا، فقد قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]، وقال سبحانه: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]. وإن كان غيره فما هو؟
وأيضًا فلا يرتاب أحد أن العبد يطيع مولاه خاضعًا له. وقد مرّ (^١) عن الأزهري أن طاعة العبد لمولاه لا تسمَّى عبادة.
وزاد بعض الأئمة في هذه العبارة قيد المحبَّة (^٢)، ولم يصنع شيئًا؛ فإن العبد قد يطيع مولاه ويخضع له مع محبته إيّاه، وليس هذا بعبادة، والولد مأمور بطاعة والديه والخضوع لهما ومحبتهما، إلى غير ذلك.
وأما العبارة الثالثة ــ وهي المشهورة بين العلماء ــ فمجملة؛ للجهل بالحدِّ الفاصل بين ما يُعَدُّ من الغاية وما لا يُعَدُّ منها.
وأيضًا، فإن أريد بالتذلّل والخضوع ما يظهر للنظر فالأمور المعلوم بأنها
_________________
(١) ص ٤٠٢.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى ١٥/ ١٦٢، ١٦/ ٢٠٢، وإغاثة اللهفان ٢/ ٨٥٢.
[ ٢ / ٤٠٤ ]
عبادة تختلف في درجات التذلّل والخضوع، كاستلام ركن الكعبة بمحجنٍ، ولمسه باليد، وتقبيله، ووضع الجبهة عليه، وكالقيام في الصلاة والركوع والسجود، وهذه كلها عبادات، فهي بمقتضى العبارة الثالثة من غاية التذلّل وأقصى درجات الخضوع.
وإذًا فالغاية وأقصى الدرجات لها في نفسها درجات؛ فالأمور التي لم يُنَصَّ على أنها عبادات كيف نعلم أنها من الغاية، أو من أقصى الدرجات ما دامت درجات الغاية متصلة بدرجات ما قبل الغاية؟ ومَثَل ذلك مِرْقاة لها خمسون درجة مثلًا، فقال رجل لمملوكه: اصْعَدْ هذه المرقاة ولا تَبْلُغ أقصى الدرجات، وأراد بالأقصى عدّة درجات من أعلى، فمن أين يعلم المملوك عدّة الدرجات التي جعلها السّيّد غاية؟
وأوضح من ذلك أنَّ كثيرًا من الأفعال قد يكون تارة عبادة قطعًا، ثم يكون مثله ليس قطعًا بعبادة، كالسجود لله تعالى وسجود المشرك للصنم مع سجود الملائكة لآدم وآل يعقوب ليوسف ﵈.
وأما العبارة الرابعة، ففهمها متوقف على فهم معنى كلمة (إله). وقد تقدَّم أن معنى (إله) معبود، وأن معرفة معنى (معبود) تتوقَّف على معرفة معنى العبادة، وهذا دور وتفسير مجهول بمجهول. سألنا ما معنى إله؟ قالوا: معبود، قلنا: نحن لا نعرف معنى (معبود) فما معناه؟ قالوا: (إله). وهذا كما تراه.
وإنما (^١) التفسير الصحيح أن يُفَسَّر المجهول بمعلوم، فنستعين الله ﷿ في تحقيق ذلك ونقول:
_________________
(١) من هنا تكملة مأخوذة من المسوَّدة (س) من ص ٣٣/أ، وسأثبت ترقيم صفحاتها الخاصَّ بها مسبوقًا بحرف س.
[ ٢ / ٤٠٥ ]