وأشكل تطبيقها على الشرك
تمهيد
اعلم أنَّ كون الشيء سببًا أو علامة قد لا يكون تديُّنًا، وهو ما يرجع إلى أصل عاديٍّ مبني على الحسِّ والمشاهدة الموجبين للقطع ولو في جنس ذلك الشيء، كأن يأكل مجذوم ورق شجرة اتِّفاقًا فيبرأ فيعتقد هو وغيره أنَّ أكل ورق تلك الشجرة ينفع من الجذام، فإن هذه تجربة ناقصة، ولكنها ترجع إلى أصل قطعيٍّ وهو أن العقاقير تنفع من الأمراض.
وكأن يكون رجل في بيت بعيد عن القرية فأراد أن يخرج ليلًا لحاجة كصلاة العشاء أو الصبح جماعة، فسمع نُباح الكلب، فظن وجود إنسان مختفٍ قريبًا من بيته ليسرق مثلًا، فمنعه ذلك من الخروج، فإنَّ نُباح الكلب ليس بعلامة قطعيَّة على وجود إنسان غريب، ولكنه يرجع إلى أصل قطعيٍّ وهو أنَّ الكلاب تنبح لرؤية الغرباء.
وقد يكون تديُّنًا، وهو ما يرجع إلى اعتقاد بأمر غيبيٍّ، كاعتقاد أنَّ استلام الحجر الأسود سبب للخير، وأنَّ نفرة النفس عن الحاجة بعد الاستخارة فيها علامة على أنه لا خير فيها، وغير ذلك.
[٦٦٧] وقد يُتَرَدَّد في بعض الظنون أَمِنَ الضرب الأوَّل هو أم مِنَ الثاني، وذلك كما يُظَنُّ في بعض الأحجار أنَّ التختُّم بها يورث السرور أو يدفع العين أو يطرد الجنَّ.
والحكم في هذا، والله أعلم، أنَّ صاحب الظن إن كان يرى أن تلك
[ ٣ / ٩٤٧ ]
الخاصية ناشئة عن سبب من جنس الأسباب العاديَّة المبنيّة على الحسِّ والمشاهدة إلا أنه لم يتبين ذلك السبب فهذا من الضرب الأول، ولكن ينبغي المنعُ من العمل بهذا الظن سدًّا للذريعة.
وإن كان مجوِّزًا أنَّ تلك الخاصيّة ناشئة عن سبب غيبي، كأن يكون ذلك الحجر محبوبًا عند الله ﷿ أو عند الملائكة أو الجن أو شبه ذلك فهذا من الضرب الثاني.
وقد علمت فيما تقدَّم أن التديُّن بما لم يشرعه الله ﵎ شرك، وربما يقع التردُّد في الظنّ أقد بلغ الحدَّ المعتدَّ به في الحكم أم هو من قبيل الوسوسة؟ فيضبط الشارع الظنَّ المعتدَّ به بما نشأ عنه فعل أو قول.
وكثيرًا ما يقيم الشارع القولَ أو الفعل الذي من شأنه أن ينشأ عن ظنٍّ معتدٍّ به مقام ذلك الظن كما مضى في السجود للصنم أو الشمس ونحو ذلك.
ولنشرع في المقصود، ومن الله ﷿ التوفيق.
[ ٣ / ٩٤٨ ]
[٦٦٨] الطِّيَرة
عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﵌: «الطيرة من الشرك وما منا، ولكن الله يذهبه بالتوكل». أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح سمعت محمد بن إسماعيل [البخاري] يقول: كان سليمان بن حرب يقول في هذا الحديث: «وما منا ولكن الله يذهبه بالتوكل» قال سليمان: هذا عندي قول عبد الله بن مسعود «وما منا» (^١).
وأخرجه أبو داود ولفظه: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل» (^٢).
ورواه الحاكم في كتاب الإيمان من المستدرك بلفظ الترمذي وقال: «صحيح سنده، ثقات رواته»، وأقرّه الذهبي (^٣).
أقول: لا يخلو المتطيِّر أن يظن أن الطائر سبب أو علامة، وعلى الحالين فهذا الظن من قسم التديُّن؛ لأنه لا يُعْرَفُ له توجيه من الأصول العادية المبنيّة على الحسِّ والمشاهدة، وهو تديُّنٌ بما لم يشرعه الله ﷿، فيكون شركًا.
وإنما الشأن في حصول الظنِّ، وقد جعل الشارع ضابط حصول الظن هو العمل به، ففي صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم: قلت: يا رسول الله، إني حديث عهدٍ بجاهليَّة، وقد جاء الله بالإسلام، وإنَّ منَّا رجالًا
_________________
(١) جامع الترمذيّ، كتاب السير، باب ما جاء في الطيرة، ١/ ٣٠٤، ح ١٦١٤. [المؤلف]
(٢) سنن أبي داود، كتاب الطبِّ، بابٌ في الطيرة، ٢/ ١٩٠، ح ٣٩١٠. [المؤلف]
(٣) المستدرك، كتاب الإيمان، «الطيرة شركٌ»، ١/ ١٨. [المؤلف]
[ ٣ / ٩٤٩ ]
يأتون الكهَّان، قال: «فلا تأتهم». قال: ومنَّا رجال يتطيَّرون، قال: «ذاك شيء يجدونه في صدورهم، فلا يصدَّنَّهم » (^١).
[٦٦٩] وفي مسند أحمد بسندٍ فيه نظرٌ عن الفضل بن عبَّاسٍ، عن النبيِّ ﵌: «إنما الطيرة ما أمضاك أو ردَّك» (^٢).
فالذي يعرض للمؤمنين إنما هو من قبيل الوسوسة التي لا تقدح في الإيمان أصلًا، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال النبي ﵌: «إن الله تجاوز لي عن أمتي ما وسوست به صدورها ما لم تعمل أو تكلَّم» (^٣).
وفي صحيح مسلمٍ عن عبد الله بن مسعودٍ قال: سُئل النبيُّ ﵌ عن الوسوسة، قال: «تلك محض الإيمان» (^٤).
وعن أبي هريرة قال: جاء ناس من أصحاب النبيِّ ﵌ فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: «وقد
_________________
(١) صحيح مسلمٍ، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة ، ٢/ ٧٠، ح ٥٣٧. [المؤلف]
(٢) المسند ١/ ٢١٣. [المؤلف]. وفي سنده: محمَّد بن عبد الله بن عُلاثة العُقَيليُّ، وقد تُكُلِّم فيه. ومسلمة بن عبد الله بن ربعيٍّ الجهنيُّ، وهو مجهول الحال، ولم يدرك الفضلَ بن عبَّاسٍ.
(٣) صحيح البخاريِّ، كتاب العتق، باب الخطإ والنسيان في العتاقة، ٣/ ١٤٥، ح ٢٥٢٨. وصحيح مسلمٍ، كتاب الإيمان، باب حديث النفس والخواطر بالقلب، ١/ ٨١ - ٨٢، ح ١٢٧. [المؤلف]
(٤) صحيح مسلمٍ، كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان، ١/ ٨٣، ح ١٣٣.
[ ٣ / ٩٥٠ ]
وجدتموه؟» قالوا: نعم، قال: «ذاك صريح الإيمان» (^١).
فالعمل بالطيرة أن تصدَّك عن أمر قد عزمت عليه أو كنت متردِّدًا فيه أو تُمْضِيَكَ في أمرٍ لم تكن عازمًا عليه.
نعم، لو عزم رجل على معصية أوهمّ بها فعرض عارض فَهِمَ منه إشارة إلى موعظة فصدّه عن المعصية لم يكن هذا من الطيرة المنهي عنه (^٢)؛ لأن الذي صدّه في الحقيقة إنما هو عِلْمُه بأن ذلك الفعْلَ معصية متوعَّدٌ عليها بالعذاب. وكذا مَن كان متردِّدًا في فعلٍ يَعْلَم أنه طاعةٌ لله ﷿ فعرض عارضٌ فَهِمَ منه إشارةً ترغِّبه في الفعل فَفَعَل.
[٦٧٠] وليس من الطيرة ما يُنْقَل عن النبيِّ ﵌ من حبِّ الفأل (^٣)، فإنه لم يكن الفأل يحمله ﵌ على فعلِ ما لم يكن يريد أن يفعله، ولا يصدُّه عن فعلِ ما كان يريد أن يفعله، وإنما يُرْوَى عنه ﵌ أنه كان إذا أراد أن يرسل رسولًا تحرّى أن يكون اسمه حسنًا (^٤)، ونحو ذلك.
_________________
(١) صحيح مسلمٍ، كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان، ١/ ٨٣، ح ١٣٢. [المؤلف]
(٢) كذا في الأصل، ولعله قصد: التطيُّر.
(٣) كما في حديث أنس مرفوعًا: «يعجبني الفأل الصالح: الكلمة الحسنة». أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب الفأل، ٧/ ١٣٥، ح ٥٧٥٦. ومسلم في كتاب السلام، باب الطيرة والفأل ، ٧/ ٣٣، ح ٢٢٢٤. وفي رواية لمسلم من حديث أبي هريرة ٧/ ٣٣، ح ٢٢٢٥: «وأحب الفأل الصالح».
(٤) أخرج أبو داود في كتاب الطب، باب في الطيرة، ٤/ ١٩، ح ٣٩٢٠، عن بريدة أن النبي - ﷺ - كان لا يتطير من شيء، وكان إذا بعث عاملًا يسأل عن اسمه فإذا أعجبه فرح به إلخ. وإسناده صحيح.
[ ٣ / ٩٥١ ]
قال العلماء: إنما هذا من باب سَدِّ الذريعة لئلا يقع أمرٌ مكروه قد قُضِيَ فيلقي الشيطان في نفوس بعض الناس أن ذلك لأجل قبح اسم الرسول أو نحوه.
أقول: سيأتي أن التفاؤل محمود في الجملة؛ فاختيار الاسم الحسن ليتفاءل به المرسَلُ إليه؛ فيكون ذلك أدعى إلى امتثال ما أرسل إليه به النبيُّ ﵌، ولا يكون ذلك إلا خيرًا. ولو كان الاسم قبيحًا لتطيَّر به المرسل إليه إن كان كافرًا أو قريب عهد بالإسلام، وهم الغالب يومئذٍ.
ويُرْوَى عنه ﵌ أنه كان إذا سمع الكلمة الحسنة سُرَّ بها (^١).
وأقول في توجيه ذلك: إن ما يَعْرِضُ للإنسان مما يُتَفَاءَل به يحتمل ثلاثة أوجه:
الأول: أن يكون من الله ﷿ على سبيل التبشير.
الثاني: أن يكون من فعل الشيطان يُرَغِّب الإنسان في فِعْلِ ما لا خير له فيه.
الثالث: أن يكون أمرًا اتفاقيًّا.
_________________
(١) أخرج الترمذي في كتاب السير، باب ما جاء في الطيرة، ٤/ ١٦١، ح ١٦١٦، من حديث أنس أن النبي - ﷺ - كان إذا خرج لحاجته يعجبه أن يسمع يا نجيح يا راشد. وقال: «حديث حسن صحيح غريب».
[ ٣ / ٩٥٢ ]
فالوجه الثاني منتفٍ فيما يكون المتفائل آخذًا في العمل؛ إذ لا حاجة بالشيطان إلى الترغيب فيه وقد شرع الإنسان فيه دائبًا على فعله، ويبقى الاحتمالان الأول والثالث، فأمَّا النبي ﵌ فكان يترجَّح في حقِّه الأول؛ لأنه لم يكن يُقْدِمُ على العمل حتى يَظْهَرَ له أنه طاعة لله ﷿، وقد علم من الدِّين أن طاعة الله ﷿ سببٌ للخير، وعلم أن الشيطان لا يرغِّب في الخير. فأمّا مَن لا يريد عملًا فيسمع كلمة حسنة فيرغب فيه فاحتمال الوجه الثاني قائم فيه، والوجه الأول منتفٍ بدليل مَنْعِ الشارع من الاعتداد بذلك، ولعله [٦٧١] يكون في ذلك الفعل ضررٌ لاحتمال أن تكون تلك الكلمة من الشيطان يُرَغِّب الإنسان فيما يضرُّه، اللهمّ إلا أن يكون ذلك الفعل طاعة لله ﷿، فكان الإنسان متكاسلًا عنه فسمع كلمة فَهِمَ منها إشارة إلى الترغيب في الخير، فهذا معنىً آخر كما تقدم.
وأما الطيرة فإن الكلمة السيئة مثلًا تحتمل أن تكون من تنبيه الله ﷿ تنفيرًا عن ذلك العمل، وتحتمل أن تكون من الشيطان ليصدَّ الإنسان عن ذلك الفعل لعلمه أن له خيرًا فيه، وتحتمل أن تكون اتفاقًا.
ويترجّح الأول إذا كان العمل معصية لله ﷿ ولا يكون الانزجار عن تلك المعصية عند سماع تلك الكلمة من التطيُّر المنهي عنه؛ لأنه لم يستند إليها، وإنما استند إلى ما عنده من السلطان أن ذلك العمل معصية. ويترجح الثاني إذا كان ذلك العمل طاعة لله ﷿ أو مباحًا؛ لأن الاحتمال الأول منتفٍ بدليل منع الشارع من التطير. والاحتمال الثالث مرجوح لما عُلِمَ أن الشيطان مولَع بالإضلال والإضرار، فالانكفاف عن العمل تديُّنٌ بما لم يشرعه الله ﷿ كما مرّ، وهو مع ذلك طاعة للشيطان.
[ ٣ / ٩٥٣ ]
وقد قال ابن حجر المكي: «قال الرافعيُّ عنهم [أي الحنفية]: واختلفوا فيمن خرج لسفر فصاح العَقْعَق (^١) فرجع، هل يكفر؟ (انتهى).
زاد النووي في الروضة: قلت: الصواب أنه لا يكفر» (^٢).
[٦٧٢] أقول: وقد علمت أن الدليل مع مَن قال: يكفر هذا الراجع إن تحقَّق أنه إنما رجع لصياح العقعق إلا أن يكون ممن يُعْذَر، وقد مرّ بيان الأعذار. والله أعلم.
* * * *
_________________
(١) العَقْعَق ــ وِزان جعفرٍ ــ: طائرٌ نحو الحمامة طويل الذنب، فيه بياضٌ وسوادٌ، وهو نوعٌ من الغِربان، والعرب تتشاءم به. المصباح المنير ص ٤٢٢.
(٢) الإعلام بقواطع الإسلام، ص ٢٣. [المؤلف] وانظر: روضة الطالبين ١٠/ ٦٧.
[ ٣ / ٩٥٤ ]
الرقى بيان ما كان منها شرك، وما أذن فيه منها، وتفسير ذلك وتفصيله، مع ذكر أنواع الرقى
الرقى
قال الإمام أحمد: «ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن يحيى بن الجزار، عن ابن أخي زينب، عن زينب امرأة عبد الله قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق كراهية أن يهجم منَّا على شيء يكرهه. قالت: وإنه جاء ذات يوم فتنحنح، قالت: وعندي عجوز ترقيني من الحمرة، فأدخلتها تحت السرير، فدخل فجلس إلى جنبي، فرأى في عنقي خيط (^١)، قال: ما هذا الخيط؟ قالت: قلت: خيط أرقي (^٢) لي فيه، قالت: فأخذه فقطعه، ثم قال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله ﵌ يقول: «إن الرقى والتمائم والتِّوَلَة شركٌ». قالت: فقلت له: لم تقول هذا وقد كانت عيني تقذف، فكنت أختلف إلى فلانٍ اليهوديِّ يرقيها، وكان إذا رقاها سكنت؟ قال: إنما ذلك عمل الشيطان، كان ينخسها بيده، فإذا رقيتها كَفَّ عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما قال رسول الله ﵌: «أذهب البأس رب الناس، اشف وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقمًا» (^٣).
وأخرجه أبو داود عن محمَّد بن العلاء عن أبي معاوية، فذكره
_________________
(١) كذا في الأصل.
(٢) في سنن ابن ماجه (٢/ ١١٦٧، ح ٣٥٣٠) وشرح السنَّة للبغويِّ (١٢/ ١٥٧، ح ٣٢٤٠): «رُقِي» بصيغة المبنيِّ للمجهول، كما ضبطه في مرقاة المفاتيح ٨/ ٣٧١. وانظر رواية ابن أبي شيبة الآتية قريبًا.
(٣) المسند ١/ ٣٨١. [المؤلف]
[ ٣ / ٩٥٥ ]
مختصرًا (^١).
وأخرجه ابن ماجه من طريق عبد الله بن بشرٍ عن الأعمش (^٢).
[٦٧٣] وفي سنده: ابن أخي زينب، مجهولٌ.
لكن رواه الحاكم في المستدرك من طريق محمد بن مسلمة الكوفي، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن يحيى بن الجزار، عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن زينب، فذكره بنحوه، وقال: «صحيح الإسناد على شرط الشيخين»، وأقره الذهبي (^٣)، وفيه نظر.
ولكن أخرجه الحاكم من طريق أخرى عن ميسرة بن حبيب، عن المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن قال: دخل ابن مسعودٍ على امرأته، فرأى عليها خرزًا من الحمرة، فقطعه قطعًا عنيفًا، ثم قال: إن آل عبد الله عن الشرك أغنياء، وقال: كان مما حفظنا عن النبيِّ ﵌: «إن الرقى والتمائم والتولة من الشرك». قال الحاكم: صحيح الإسناد، وقال الذهبي: صحيح (^٤).
وأخرجه الحاكم أيضًا من طريق أبي الضحى عن أم ناجية قالت:
_________________
(١) أبو داود، كتاب الطبّ، بابٌ في تعليق التمائم، ٢/ ١٨٦، ح ٣٨٨٣. [المؤلف]
(٢) ابن ماجه، كتاب الطبّ، باب تعليق التمائم، ٢/ ١٨٨، ح ٣٥٣٠. [المؤلف]
(٣) المستدرك، كتاب الرقى والتمائم، الدعاء عند عيادة المريض ٤/ ٤١٧ - ٤١٨. [المؤلف]. وأخرجه ابن حبان في صحيحه (الإحسان)، كتاب الرقى والتمائم، ذكر التغليظ على من قال بالرقى والتمائم متكلًا عليها ١٣/ ٤٥٦ ح ٦٠٩٠ من طريق يحيى الجزار، عن ابن مسعود، وهو منقطع.
(٤) المستدرك، كتاب الطبّ، نهى عن الرقى والتمائم والتِّوَلة ٤/ ٢١٧. [المؤلف]
[ ٣ / ٩٥٦ ]
دخلتُ على زينب امرأة عبد الله أعودها من حمرة ظهرت بوجهها، وهي معلقة بخرز، فإني لجالسة دخل (^١) عبد الله، فلما نظر إلى الحِرْز أتى جذعًا معارضًا في البيت فوضع عليه رداءه، ثم حسر عن ذراعيه، فأتاها، فأخذ بالخرز فجذبها حتى كاد وجهها أن يقع في الأرض فانقطع، ثم خرج من البيت، فقال: لقد أصبح آل عبد الله أغنياء عن الشرك، ثم خرج فرمى بها خلف الجدار، ثم قال: يا زينب، أعندي تُعَلِّقين؟ ! إني سمعت رسول الله [٦٧٤] ﵌ يقول: نهي عن الرقى والتمائم والتولية، فقالت أم ناجية: يا أبا عبد الرحمن، أما الرقى والتمائم فقد عرفنا فما التولية؟ قال: التولية ما يهيج النساء» (^٢).
كذا وقع في النسخة (التولية) والمعروف: التولة، ووقع فيه: (الحرز) بالحاء المهملة، والظاهر: (الخرز) بالمعجمة. والله أعلم.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود قال: دخل عبد الله على امرأته وهي مريضة فإذا في عنقها خيط معلق، فقال: ما هذا؟ فقالت: شيء رقي لي فيه من الحمَّى، فقطعه فقال: إن آل إبراهيم أغنياء عن الشرك (^٣). كذا وقع في النسخة: (الحمَّى)، و(آل إبراهيم)، والصواب: (الحمرة)، و(آل عبد الله).
وأخرج عن إبراهيم قال: رأى ابن مسعود على بعض أهله شيئًا قد تَعَلَّقَهُ
_________________
(١) كذا في الأصل والمستدرك.
(٢) المستدرك، الموضع السابق، ٤/ ٢١٦ - ٢١٧. [المؤلف]
(٣) المصنَّف، كتاب الطبّ، في تعليق التمائم والرقى، ١٢/ ٤٠، ح ٢٣٩٢٤.
[ ٣ / ٩٥٧ ]
فنزعه منه نزعًا عنيفًا، وقال: إن آل ابن مسعودٍ أغنياء عن الشرك (^١).
وأخرج من طريق قتادة عن رافع بن سحنان (^٢) قال: قال عبد الله: مَن علّق شيئًا وكل إليه (^٣).
وأخرج الإمام أحمد وأبو داود والحاكم في المستدرك وابن حبان في صحيحه من طريق عبد الرحمن بن حرملة، عن عبد الله بن مسعود قال: كان رسول الله ﵌ يكره عشر خلال، الحديث، ذكر فيه: «الرقى إلا بالمعوذات، وعقد التمائم» (^٤).
[٦٧٥] وبالجملة فحديث قيس بن السكن عن ابن مسعود صحيح لا مغمز فيه، وبقية الروايات شواهد قوية وعواضد يبلغ بها الحديث غاية الصحة.
_________________
(١) المصنَّف، الموضع السابق، ١٢/ ٤٠، ح ٢٣٩٢٥.
(٢) كذا في الأصل في الأصل والنسخة التي نقل عنها المؤلف، وصوابه: واقع بن سَحبان، ذكره البرديجيّ في طبقات الأسماء المفردة ص ٧٣، وابن ماكولا في الإكمال ٤/ ٢٦٧، ويكنى أبا عَقِيلٍ. ترجم له ابن سعدٍ ٧/ ٢٢٧، والبخاريّ ٨/ ١٩٨، وابن أبي حاتمٍ ٩/ ٤٩، وابن حِبَّان في الثقات ٥/ ٤٩٨.
(٣) المصنَّف، الموضع السابق، ١٢/ ٤٣ - ٤٤، ح ٢٣٩٤٠.
(٤) مسند أحمد ١/ ٣٨٠، سنن أبي داود، كتاب الخاتم، باب ما جاء في خاتم الذهب، ٢/ ٢٢٤، ح ٤٢٢٢. المستدرك، كتاب اللباس، «أن نبيَّ الله - ﷺ - كان يكره عشر خصالٍ»، ٤/ ١٩٥، وقال: «صحيح الإسناد»، وأقرَّه الذهبيّ، ولكن عبد الرحمن بن حرملة مجهولٌ. [المؤلف]. وهو في صحيح ابن حبان (الإحسان)، كتاب الحظر والإباحة، باب التواضع والكبر والعجب، ذكر الزجر عن أشياء معلومة ١٢/ ٤٩٥، ح ٥٦٨٢.
[ ٣ / ٩٥٨ ]
وفي صحيح مسلمٍ عن عوف بن مالكٍ الأشجعيِّ قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: «اعرضوا عليّ رُقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شركٌ» (^١).
هذا شاهد لحديث ابن مسعود في الجملة لدلالته على أن من الرقى ما هو شرك، وهو في أحاديث أخرى في الإذن بالرقى قد مرّ بعضها تبيِّن حديث ابن مسعود بدلالتها على أنَّ من الرقى ما ليس بشرك.
وتفسير ذلك أن الرقى على ثلاثة أضرب:
الضرب الأول: الرقية بكتاب الله تعالى وذكره ودعائه اللَّذَيْنِ أُذِنَ في مثلهما فهذا حق وإيمان، ولكن الأولى بالمؤمن ألَّا يسأل غيره أن يرقيه، كما تقدَّم إيضاحه في الدعاء (^٢).
الضرب الثاني: ما كان فيه تعظيم لغير الله ﷿، فهذا إن كان مما أنزل الله تعالى به سلطانًا فهو كالأول وإلا فهو شرك، ومن ذلك الإقسام بالكواكب وأسماء الشياطين وبالحروف (^٣) والأسماء التي يزعمون أنها أسماء الروحانيِّين. ويلحق بذلك في المنع ما كان فيه كلمات أعجمية لا يدرى معناها، وإن كان معها ذكر لله ﷿ وثناء عليه؛ لأن المشركين يخلطون عبادة الله تعالى بعبادة غيره. وكذا ما كان فيه حروف مفردة فإنه لا
_________________
(١) مسلم، كتاب السلام، بابٌ: «لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شركٌ»، ٧/ ١٩، ح ٢٢٠٠. [المؤلف]
(٢) انظر ص ٧٨٧ - ٧٨٨.
(٣) كُتِب بحاشية الصفحة بقلم الرصاص عبارةٌ، كأنها: (التي لا تُعرَف)، وقد تكون من المؤلِّف.
[ ٣ / ٩٥٩ ]
يؤمَنُ أن تكون كلمات أعجمية شركية قُطِّعَتْ حروفًا.
[٦٧٦] الضرب الثالث: ما كان من الرقى كلمات عربية ليس فيها تعظيم ولا مدح، فإن كان يرى أو يجوِّز أن لتلك الكلمات أثرًا يستند إلى غيبيٍّ كالروحانيين والجن والكواكب ونحوها فحكمه كالقسم الثاني، والله أعلم. وإن كان لا يجوِّز ذلك، وإنما يقول: لعلَّ للحروف والكلمات خواصّ كخواصّ الأشجار والأحجار، فالحكم في هذا مشتبه، ولم نجد له مستندًا ثابتًا في الشريعة ولا في الحسِّ والعادة القطعيَّين. والذي أختاره الآن المنعُ من هذا؛ لأنه إن لم يكن فيه نفسه حرج فهو ذريعة إلى القسم الثاني، والله أعلم.
وفي فتح الباري: «وقال ابن التين: وتلك الرقى المنهي عنها التي يستعملها المعزِّم وغيره ممن يدَّعي تسخير الجن له فيأتي بأمور مشتبهة مركَّبة من حق وباطل يجمع إلى ذكر الله وأسمائه ما يَشُوبُه من ذكر الشياطين والاستغاثة بهم والتعوُّذ بمَرَدَتهم. ويقال: إن الحية لعداوتها للإنسان بالطبع تصادق الشياطين لكونهم أعداء بني آدم، فإذا عزَّم على الحية بأسماء الشياطين أجابت وخرجت من مكانها، وكذا اللديغ إذا رُقِيَ بتلك الأسماء سالت سمومها من بدن الإنسان. ولذلك كره من الرقى ما لم يكن بذكر الله وأسمائه خاصة وباللسان العربي الذي يعرف معناه ليكون بريئًا من الشرك. وعلى كراهة الرقى بغير كتاب الله علماء الأمة.
قال القرطبي: الرقى ثلاثة أقسام:
أحدها: ما كان يرقى به في الجاهلية مما لا يعقل معناه فيجب اجتنابه؛ لئلا يكون فيه شرك أو يُؤدي إلى الشرك.
[ ٣ / ٩٦٠ ]
الثاني: ما كان بكلام الله أو بأسمائه فيجوز، فإن كان مأثورًا فيستحب.
[٦٧٧] الثالث: ما كان بأسماء غير الله من مَلَك أو صالح أو مُعظَّم من المخلوقات كالعرش، قال: فهذا ليس من الواجب اجتنابه، ولا من المشروع الذي يتضمَّن الالتجاء إلى الله والتبرك بأسمائه؛ فيكون تركه أولى إلَّا أن يتضمن تعظيم المرقيِّ به فينبغي أن يُجتنَب كالحلف بغير الله» (^١).
أقول: ذكر اسم المَلَك أو الصالح أو المعظَّم في معرض الرقية بذكره تعظيم وأيُّ تعظيم، فالحقُّ ما قدَّمناه في الكلام على الضرب الأول.
ثم قال في الفتح: «وقال الربيع: سألت الشافعي عن الرقية، فقال: لا بأس أن يُرقى بكتاب الله وما يُعْرَف من ذكره. فقلت: أَيَرقي أهلُ الكتاب المسلمين؟ قال: نعم إذا رَقَوْا بما يُعْرَف من كتاب الله وبذكر الله. اهـ
وروى ابن وهب عن مالك كراهة الرقية بالحديدة والملح وعقد الخيط والذي يكتب خاتم سليمان، وقال: لم يكن من أمر الناس القديم
وسُئِل ابن عبد السلام عن الحروف المقطَّعة، فمنع منها ما لا يُعْرَف؛ لئلا يكون فيها كفر» (^٢).
* * * *
_________________
(١) فتح الباري ١٠/ ١٥٣. [المؤلف]. وانظر: المفهم للقرطبي ١/ ٤٦٦ - ٤٦٧.
(٢) [فتح الباري] ١٠/ ١٥٣ - ١٥٤. [المؤلف]
[ ٣ / ٩٦١ ]
التمائم (تفسير التميمة، وبيان المنع منها مطلقا، وتفصيل القول فيما كان من ذلك من القرآن)
التمائم
قد تقدَّم حديث ابن مسعود.
وأخرج الإمام أحمد والحاكم في المستدرك وغيرهما عن عقبة بن عامرٍ قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «مَن تعلَّق تميمةً فلا أتمَّ الله له، ومَن تَعَلَّق وَدَعَة فلا ودع الله له» (^١).
[٦٧٨] وأخرج الإمام أحمد والحاكم وغيرهما عن عقبة أيضًا أن رسول الله ﵌ أقبل إليه رهط فبايع تسعة وأمسك عن واحدٍ، فقالوا: يا رسول الله بايعت تسعة وتركت هذا، قال: «إن عليه تميمةً»، فأدخل يده فقطعها فبايعه، وقال: «مَن عَلَّق تميمةً فقد أشرك» (^٢).
وقال ابن أبي شيبة في المصنف: «ثنا شبابة، ثنا ليث بن سعد، عن يزيد، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامرٍ قال: موضع التميمة من الإنسان
_________________
(١) المسند ٤/ ١٥٤. المستدرك، كتاب الرقى والتمائم، الدعاء عند عيادة المريض، ٤/ ٤١٨، وقال: «صحيحٌ»، وأقرَّه الذهبيّ. [المؤلف] وهو في صحيح ابن حبان (الإحسان)، كتاب الرقى والتمائم، ذكر الزجر عن تعليق التمائم التي فيها الشرك بالله جل وعلا، ١٣/ ٤٥٠، ح ٦٠٨٦. وقال المنذري في الترغيب والترهيب ٤/ ٣٠٦: «إسناده جيد». وكذا قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٥/ ١٧٥: «ورجاله ثقات» لكن في إسناده خالد بن عبيد المعافري، وهو مجهول. انظر: السلسلة الضعيفة ٣/ ٤٢٧، ح ١٢٦٦.
(٢) مسند أحمد ٤/ ١٥٦، المستدرك، كتاب الطبّ، أمسك النبيُّ - ﷺ - عن بيعة رجلٍ كانت في عضده تميمةٌ، ٤/ ٢١٩، ورجاله ثقاتٌ، ووقع في نسخة المستدرك تحريفٌ في بعض الأسماء. [المؤلف]
[ ٣ / ٩٦٢ ]
والطفيل (^١) شركٌ»، وهذا سندٌ صحيحٌ.
وقال: «ثنا شريك، عن هلال، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن النبيِّ ﵌ قال: «مَن تعلَّق (^٢) التمائم وعقد الرقى فهو على شعبةٍ من الشرك»، وهذا مرسلٌ.
وقال: «ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون التمائم والرقى والنشر».
وقال: «ثنا حفص، عن ليث، عن سعيد بن جبير قال: من قطع تميمة عن إنسان كان كعدل رقبة» (^٣).
وقد اختلف في تفسير التمائم.
فقيل: إن التميمة خرزة مخصوصة.
وقيل: بل كل ما يُعلَّق رجاءً للنفع.
وممَّا يدل على الثاني ما في مصنف ابن أبي شيبة: [٦٧٩] «ثنا هشام (هشيم)، ثنا مغيرة، عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون التمائم كُلَّها من القرآن وغير القرآن».
ثنا هشيم، أنا يونس، عن الحسن أنه كان يكره ذلك (^٤).
_________________
(١) كذا في الأصل، والذي في المصنَّف: «والطِّفل».
(٢) كذا في الأصل، والذي في المصنَّف: «مَن علَّق».
(٣) المصنَّف، كتاب الطبّ، في تعليق التمائم والرقى، ٧/ ٣٧٣ - ٣٧٥.
(٤) المصنَّف، الموضع السابق، ٧/ ٣٧٤.
[ ٣ / ٩٦٣ ]
وفيه: «ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن إبراهيم بن المهاجر، عن إبراهيم، عن عبد الله أنه كره تعليق شيء من القرآن.
وقال: «ثنا هشيم، عن مغيرة، قلتُ لإبراهيم: أعلِّق في عضدي هذه الآية: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] من حُمَّى كانت بي؟ فكره ذلك.
وقال: «ثنا وكيع، عن ابن عون، عن إبراهيم أنه كان يكره المعاذة (^١) للصبيان، ويقول: إنهم يدخلون به الخلاء» (^٢).
ومما يدلُّ على أن التمائم يتناول (^٣) ما كان من القرآن ونحوه: ما أخرجه الحاكم في المستدرك وغيره عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: «ليست التميمة ما تُعُلِّق به بعد البلاء، إنما التميمة ما تُعُلِّق به قبل البلاء».
قال الحاكم: «هذا حديث على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ولعل متوهمًا يتوهم أنها من الموقوفات على عائشة ﵂، وليس كذلك؛ فإن رسول الله ﵌ قد ذكر التمائم في أخبارٍ كثيرةٍ، فإذا فسرت عائشة ﵂ التمائم فإنه خبرٌ مسندٌ» (^٤).
_________________
(١) ما يكتب من القرآن والدعاء ويُعلَّق كما سيأتي عند المؤلف في ص ٩٧٣.
(٢) المصنَّف، الموضع السابق، ٧/ ٣٧٣ - ٣٧٦.
(٣) كذا في الأصل على تقديراسم التمائم.
(٤) المستدرك، كتاب الطبّ، التميمة ما تُعُلِّق به قبل البلاء، ٤/ ٢١٧، وأعاده بعد ذلك [في كتاب الرقى والتمائم، التمائم ما عُلِّق قبل نزول البلاء]، ٤/ ٤١٨، وقال: «صحيح الإسناد على شرط الشيخين»، وقال الذهبيّ في تلخيصه: «صحيحٌ». [المؤلف].
[ ٣ / ٩٦٤ ]
ودلالته على العموم من وجهين:
الأول: ظاهر قولها: إنما التميمة ما تُعُلِّق به.
[٦٨٠] وكلمة (ما) من قولها: (ما تُعُلِّق به) اسم موصول، فيعمُّ كلَّ ما يُتَعَلَّق به.
الثاني: أن كلمة (أل) في قولها: (التميمة) ليست للجنس، بدليل أن المعروف في اللغة بل المتواتر أن التميمة يطلق على الخرزة التي تُعَلَّق رجاء نفعها، سواء بعد البلاء عُلِّقت أم قبله، وإنما هي للعهد. أرادت
_________________
(١) والله أعلم ليست التميمة التي نهى عنها النبي ﵌ ولو جعلنا التميمة في كلامها خاصًّا بالخرزة لدلّ كلامها أن تعلُّق الخرزة بعد البلاء غير منهي عنه، وهذا باطل لعموم الأحاديث في النهي وما في بعضها من ذكر السبب وأنه كان بعد البلاء، مع ما سيأتي عن عائشة نفسها من إنكارها جَعْلَ الخلخالين على الصبي، والصبي حينئذٍ مبتلىً. فالصواب والله أعلم حمل التميمة في كلامها على كل ما يُتعلَّق رجاء النفع، ثم يستثنى من ذلك الخرز ونحوها فإنها منهي عنها مطلقًا، ويبقى ما يُعلَّق مما فيه ذكر الله تعالى، فهذا هو الذي يجيء فيه التفصيل، فإن عُلِّق قبل البلاء فهو تميمة منهي عنها، وإن عُلِّق بعد البلاء فلا حرج فيه. وحديثها هذا هو والله أعلم حجَّة القائلين بمنع الرقى والمعاذات قبل البلاء والترخيص فيها بعد البلاء. قال الحافظ في الفتح: «وقال قوم: المنهي عنه من الرقى ما يكون قبل وقوع البلاء، والمأذون فيه ما كان بعد وقوعه، ذكره ابن عبد البر والبيهقي
[ ٣ / ٩٦٥ ]
وغيرهما (^١)، وكأنه مأخوذ من الخبر الذي قرنت فيه التمائم بالرقى»، فذكر [٦٨١] حديث ابن مسعود المتقدم، ثم قال: «والتمائم جمع تميمة، وهي خرز أو قلادة تُعَلَّق في الرأس، كانوا في الجاهلية يعتقدون أن ذلك يدفع الآفات، والتولة شيء كانت المرأة تجلب به محبة زوجها، وهو ضرب من السحر، وإنما كان ذلك من الشرك لأنهم أرادوا دفع المضار وجلب المنافع من عند غير الله. ولا يدخل في ذلك ما كان بأسماء الله وكلامه؛ فقد ثبت في الأحاديث استعمال ذلك قبل وقوعه».
فذكر حديث: كان إذا أوى إلى فراشه ينفث بالمعوذات، وحديث تعويذه ﵌ الحسن والحسين، وما في معنى ذلك، ثم قال: «لكن يحتمل أن يقال: إن الرقى أخص من التعوذ، وإلا فالخلاف في الرقى مشهور، ولا خلاف في مشروعية الفزع إلى الله تعالى والالتجاء إليه في كل ما وقع وما يتوقّع» (^٢).
أقول: أما ما كان من تعويذ الإنسان بالقول والنفث ونحوه لنفسه ولولده أو لولد غيره بدون سؤال، فهذا لا يدخل في الرقية ولا يُمنَع قبل البلاء ولا بعده. وأما ما يكون لغيره بسؤال ولا سيَّما إذا كان المسؤول منه لا يعرف بالخير والصلاح أو كان من أهل الكتاب، فهذا هو الرقية التي يمنع منها قبل البلاء ويرخص فيها بعده، بشرط أن تكون بذكر الله تعالى. فأما إذا كان المسؤول معروفًا بالخير فقد كان الصحابة ﵃ ربما يذهبون بأطفالهم الأَصِحَّاء إلى النبي ﵌ يدعو لهم، ولكن لم
_________________
(١) انظر: التمهيد ١٧/ ١٦٠ - ١٦١، سنن البيهقي ٩/ ٣٥٠، الآداب الشرعية ٢/ ٤٤٤.
(٢) فتح الباري ١٠/ ١٥٣. [المؤلف]
[ ٣ / ٩٦٦ ]
يكن ذلك يتكَرَّر، ولم يفعل السلف فيما نعلم مِثْلَ ذلك مع غير النبي ﵌، فلم يكونوا يذهبون بأطفالهم إلى أبي بكرٍ أو عمر أو غيرهما.
[٦٨٢] وأما ما يكتب ويُعَلَّق فالفرق بينه وبين تعويذ الإنسان نفسه وولده ظاهر، وقول الحافظ: «وكأنه مأخوذ من الخبر الذي قُرِنَتْ فيه التمائم بالرقى» صريح أو كالصريح في أن الحكم المذكور مُسَلَّم في التمائم أي إنها إنما يرخص فيها بعد البلاء، وهذا لا يصح في الخرز، فإنه لا يرخص فيها أصلًا، كما يدل عليه قوله: «وإنما كان ذلك من الشرك؛ لأنهم أرادوا دفع المضار وجلب المنافع من عند غير الله»، فإن هذا المعنى موجود في تعليق الخرز سواء أقبل البلاء عُلِّقت أم بعده، ولكن ينبغي أن يزاد بعد قوله: «من عند غير الله» بغير إذنه؛ لإخراج التداوي بالأدوية المعروفة.
فالحاصل: أن التمائم التي يرخص فيها بعد البلاء هي المعاذات المكتوب فيها ذكر الله ﷿. والله أعلم.
وقال البيهقي في السنن الكبرى في الكلام على حديث ابن مسعود: «وقال أبو عبيد: وأما الرقى والتمائم فإنما أراد عبد الله ما كان بغير لسان العربية مما لا يُدرى ما هو؟
قال الشيخ (^١): والتميمة يقال إنها خرزة ، ويُقال: قلادة تُعلَّق فيها العُوَذ»، ثم ذكر حديث عقبة بن عامرٍ، ثم قال: «وهذا أيضًا يرجع معناه إلى ما قال أبو عبيدٍ، وقد يحتمل أن يكون ذلك وما أشبهه من النهي والكراهة فيمن
_________________
(١) هو البيهقيّ.
[ ٣ / ٩٦٧ ]
تعلّقها وهو يرى تمام العافية وزوال العلَّة منها على ما كان أهل الجاهلية يصنعون. فأما من تعلّقها متبركًا بذكر الله تعالى فيها وهو يعلم أَلَّا كاشف إلَّا الله ولا دافع عنه سواه فلا بأس بها إن شاء الله» (^١). اهـ.
فكلام أبي عبيدٍ صريحٌ في أن التمائم تطلق على ما يكتب، وكذا كلام البيهقي أخيرًا؛ فإنه في التمائم بدليل قوله: «فيمن تعلقها وهو يرى تمام العافية»، [٦٨٣] وصريح في أن مراده التمائم المكتوبة؛ بدليل قوله: «فأما من تعلقها متبركًا بذكر الله تعالى فيها».
بقي كلام في حديث عائشة، وهو أن لفظه عند البيهقي في رواية: «ليست التميمة ما يُعلَّق قبل البلاء، إنما التميمة ما يُعَلَّق بعد البلاء ليدفع به المقادير» (^٢). كذا وقع في هذه الرواية، ورجح البيهقي الرواية التي قَدَّمناها عن المستدرك، وكأنه انقلب الحديث في هذه الرواية، على أنها لو صحت لكان لها معنى، بأن يقال: المراد بالتمائم الخرز؛ فما علق قبل البلاء لزينة مثلًا فلا بأس به، وإنما البأس فيما يُعلَّق بعد البلاء لدفع المقادير، ولكن في هذا المعنى ركاكة؛ إذ لا يكون فائدة للتقييد بقبل البلاء وبعده، بل المدار على الباعث على التعليق، فكان وجه الكلام لو أريد هذا المعنى أن يُقال: ليس التمائم ما عُلِّق للزينة؛ وإنما التمائم ما علق رجاء النفع أو نحو ذلك، فالصواب ما رجَّحه البيهقي، وأن المتن في هذه الرواية انقلب على الراوي، والله أعلم.
_________________
(١) السنن الكبرى ٩/ ٣٥٠.
(٢) السنن الكبرى، كتاب الضحايا، باب التمائم، ٦/ ٣٥٠.
[ ٣ / ٩٦٨ ]
والحاصل أن التمائم إن أريد بها الخرز ونحوها مما لا كتابة فيه فهو ممنوع البتة، وقد ورد فيه حديث ابن مسعود وحديث عقبة بن عامر، وقد تقدَّما.
وأخرج الحاكم في المستدرك عن طريق بكير بن عبد الله بن الأشج أن أمه حدثته أنها أرسلت إلى عائشة ﵂ بأخيه مخرمة، وكانت تداوي من قرحة تكون [٦٨٤] بالصبيان، فلما داوته عائشة وفرغت منه رأت في رجليه خلخالين جديدين (كذا)، فقالت عائشة: أظننتم أن هذين الخلخالين يدفعان عنه شيئًا كتبه الله عليه، لو رأيتهما ما تداوى عندي، وما مُسَّ عندي، لعمري لخلخالان من فضة أطهر من هذين».
قال الحاكم: صحيح الإسناد، وأقره الذهبي (^١).
وفي تهذيب التهذيب في ترجمة بكير بن عبد الله: «وقال أحمد بن صالح: إذا رأيت بكير بن عبد الله روى عن رجل فلا تسأل عنه؛ فهو الثقة الذي لا شك فيه».
ولعل الصواب: (خلخالين حديدًا) بدل (جديدين)، بدليل قولها: «لخلخالان من فضة أطهر من هذين».
وأخرج الإمام أحمد وابن ماجه من طريق المبارك بن فضالة عن الحسن قال: أخبرني عمران بن حصين أنَّ النبيَّ ﵌ أبصر على عضد رجل حلقة، أُراه قال: من صُفْر (^٢)، فقال: «ما هذه؟» قال:
_________________
(١) المستدرك، كتاب الطبّ، التميمة ما تُعُلِّق به قبل البلاء، ٤/ ٢١٧ - ٢١٨. [المؤلف]
(٢) من صُفْرٍ ــ بضم الصاد ــ: أي من نحاسٍ. انظر: هدي الساري ١٤٤.
[ ٣ / ٩٦٩ ]
من الواهنة (^١)، قال: «أما إنها لا تزيدك إلا وهنًا! انبذها عنك؛ فإنك لو متّ وهي عليك ما أفلحت أبدًا» (^٢).
أقول: لكن في مصنف ابن أبي شيبة: «ثنا هشيم، أنا يونس، عن الحسن، عن عمران بن حصين أنه رأى في يد رجل حَلْقَة من صُفْرٍ، فقال: ما هذه؟ قال: من الواهنة، قال: لم تزدك إلا وهنًا، ولو مت وأنت تراها نافعتك لمتَّ على غير الفطرة.
ثنا هشيم، قال: أنا منصورٌ (^٣)، [٦٨٥] عن الحسن، عن عمران بن الحصين، مثل ذلك».
أقول: وهذا هو الصحيح، موقوفٌ. المبارك بن فضالة متكلَّم فيه، وقد تابعه على رفعه مَنْ هو دونه، وهو أبو عامرٍ الخزاز صالح بن رستم. أخرجه الحاكم في المستدرك من طريقه عن الحسن، عن عمران بن حصينٍ قال: دخلت على النبي ﵌ وفي عضدي حلقة صُفْرٍ، فقال: «ما هذه؟» فقلت: من الواهنة، فقال: «انبذها». قال الحاكم: «صحيح الإسناد»، وأقرَّه الذهبي (^٤).
_________________
(١) الواهنة: عرقٌ يأخذ في المنكب وفي اليد كلِّها فيرقى منها، وقيل غير ذلك. انظر: النهاية ٥/ ٢٣٤.
(٢) المسند ٤/ ٤٤٥، واللفظ له. سنن ابن ماجه، كتاب الطبّ، باب تعليق التمائم، ٢/ ١٨٨، ح ٣٥٣١. وحسَّنه البوصيري في مصباح الزجاجة ٢/ ٢٢٣ ح ١٢٣٢.
(٣) في النسخة: ثنا هشام، قال: أنا أبو منصورٍ. [المؤلف]
(٤) المستدرك، كتاب الطبّ، إذا رأى أحدكم من نفسه أو من أخيه ما يحبُّ فليبرِّك، ٤/ ٢١٦. [المؤلف]
[ ٣ / ٩٧٠ ]
وأخرج الإمام أحمد والحاكم في المستدرك وغيرهما من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أخيه عيسى، قال: دخلت على أبي معبد الجهنيِّ وهو عبد الله بن عُكَيمٍ وبه جمرٌ (كذا) (^١)، فقلت: ألا تعلِّق شيئًا، فقال: الموت أقرب من ذلك، قال رسول الله ﵌: «مَن تعلَّق شيئًا وُكِلَ إليه» (^٢).
محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى إمامٌ في الفقه، ولكنه غير قويٍّ في الحديث، ولكن في كنز العُمَّال (^٣) أن ابن جريرٍ أخرج هذا الحديث وصحَّحه، والله أعلم.
وقال ابن أبي شيبة في المصنف (^٤): «ثنا علي بن مسهر، عن يزيد، أخبرني زيد بن وهب قال: انطلق حذيفة إلى رجل من النَّخَع يعوده، فانطلق وانطلقتُ معه، فدخل عليه ودخلت معه، فلمس عضده فرأى فيه خيطًا، فأخذه فقطعه، ثم قال: لو مُتَّ وهذا في عضدك ما صَلَّيتُ عليك.
[٦٨٦] ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن حذيفة قال:
_________________
(١) في الترمذيّ: «حمرةٌ»، وهو الصواب.
(٢) لفظ المستدرك، كتاب الطبّ، من تعلَّق شيئًا وُكِل إليه، ٤/ ٢١٦. ولفظ الإمام أحمد بنحوه، المسند ٤/ ٣١٠. [المؤلف]. وكذا أخرجه الترمذيّ في كتاب الطبّ، باب ما جاء في كراهية التعليق، ٤/ ٤٠٣، ح ٢٠٧٢. وقال: «وعبد الله بن عكيم لم يسمع من النبي - ﷺ -، وكان في زمن النبي - ﷺ - يقول: كتب إلينا رسول الله - ﷺ -».
(٣) ١٠/ ١١٠، ح ٢٨٥٥٢. لكنه من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن عكيم.
(٤) كتاب الطب، في تعليق التمائم والرقى، ١٢/ ٤١ - ٤٢، ح ٢٣٩٢٨ - ٢٣٩٢٩.
[ ٣ / ٩٧١ ]
دخل على رجل يعوده فوجد في عضده خيطًا، فقال: ما هذا؟ قال: خيط رُقِيَ لي فيه، فقطعه، ثم قال: لو مُتَّ ما صَلَّيتُ عليك».
وقال (^١): «ثنا عبدة، عن محمد بن سُوقة، أن سعيد بن جبير رأى إنسانًا يطوف بالبيت في عنقه خرزة فقطعها.
ثنا حفص، عن ليث، عن سعيد بن جبيرٍ قال: مَن قطع تميمة عن إنسان كان كعدل رقبة».
وكُلُّ هذا يدلُّ على ما قدَّمنا في التمهيد أن مَن تعلَّق خرزة أو نحوها مجوِّزًا أن تكون سببًا لنفعٍ غيبيٍّ كان ذلك شركًا، وإن لم يكن يجوِّز ذلك ولكنه يرجو أن تكون لها خاصِّيةٌ طبيعيَّةٌ في سرور النفس أو طرد الجنِّ أو دفع العين أو نحو ذلك فهذا أيضًا ممنوع سدًّا للذريعة.
وعموم الأحاديث يتناول الخيط الذي يُرْقَى فيه، ويُصَرِّح بذلك أثر ابن مسعود وأثر حذيفة؛ فإنهما لم يلتفتا إلى أن ذلك الخيط رقي فيه، ولم يسألا عن تلك الرقية بماذا كانت؟ أبذكر الله تعالى أم بغيره؟ وكأن ذلك ــ والله أعلم ــ لشبهه بالخرزة، فمُنِعَ سدًّا للذريعة، وإلَّا فقد يقاس على ما صح عن النبيِّ ﵌ أنه كان يدني يديه مِنْ فيه فيتعوَّذ وينفث فيهما ثم يمسح بهما بدنه؛ فإنَّ هذا يدلُّ أنَّ نَفْثَ القارئ يقتضي حصولَ بركة فيما نفث فيه.
فأما إذا اختار الراقي شيئًا مخصوصًا كجلد أرنب أو نحو ذلك مما لم يأت به سلطان أو عقد في الخيط فلا شبهة أنه في معنى الخرزة قطعًا، والله أعلم.
_________________
(١) الموضع السابق، ١٢/ ٤٣، ح ٢٣٩٣٨ - ٢٣٩٣٩.
[ ٣ / ٩٧٢ ]
[٦٨٧] وأما ما جرت به العادة أن يؤتى إلى الراقي بماء فيقرأ عليه ويدعو فيه ثم يُذْهَب به فَيُسْقاه المبتلى ويُرَشُّ عليه منه فلا أرى به بأسًا، والأولى بالمؤمن أَلَّا يسأله لنفسه على ما علمتَ فيما مرّ، والله أعلم.
وأما المَعَاذات وهي ما يكتب من القرآن والدعاء ويُعلَّق فقد تقدمت آثار بكراهتها وجاءت آثار بالرخصة فيها، والظاهر الجواز بعد البلاء بشرط أَلَّا يُكتَب إلَّا ما ثبت من الشرع التبرّك به من القرآن والدعاء الخالص عَمَّا لم يأذن الله تعالى به، وبشرط ألَّا يتحرَّى شيئًا لا سلطان من الله تعالى على تَحَرِّيه، وذلك كأن يكون القلم من حديدٍ، أو يكون الرقُّ جلد غزالٍ، أو يكون المداد فيه زعفران، أو يكون الخط بالسريانيَّة، أو أن يبخِّر عند الكتابة، أو أن يكتب عددًا مخصوصًا إلا الثلاثة أو السبعة فإن لتحرِّيهما أصلًا في الشريعة، أو يتحرَّى وقتًا مخصوصًا كوقت الكسوف، أو مكانًا مخصوصًا كساحل البحر، أو أن يكتب على هيئة مخصوصة كالأوفاق (^١)، أو يراعي حساب الجمَّل، أو طبائع الحروف على زعم أن لها طبائع، وغير ذلك مما هو معروفٌ في كتب العزائم كشمس المعارف وغيره، وعامَّة ذلك مأخوذ عن الصابئة، كما تقدَّم عن الشهرستاني (^٢).
فإذا تحرَّى في المَعاذة شيئًا من هذه الأشياء التي لم يجئ بها سلطان من كتاب الله ﷿ ولا من سنّة نبيّه ﵌ كانت المعاذة في معنى الخرزة، وعامة كتب العزائم والتعاويذ على خلاف الشريعة، وفي كثير منها الكفر البواح والشرك الصراح، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
_________________
(١) سبق التعريف بها ص ٦٦٣.
(٢) انظر ص ٦٧١ - ٦٧٣.
[ ٣ / ٩٧٣ ]
[٦٨٨] فصل في التِّولة والسحر
قد تقدم (^١) في حديث ابن مسعود أن التولة شرك.
وفي النهاية (^٢): «التولة: ــ بكسر التاء وفتح الواو ــ ما يحبِّب المرأة إلى زوجها من السحر وغيره، جعله من الشرك لاعتقادهم أن ذلك يؤثر ويفعل خلاف ما قدَّره الله تعالى».
وقال الحافظ ابن حجر: «والتولة بكسر المثناة وفتح الواو واللام مخففًا: شيء كانت المرأة تجلب به محبة زوجها وهو ضرب من السحر، وإنما كان ذلك من الشرك لأنهم أرادوا دفع المضار وجلب المنافع من عند غير الله» (^٣).
أقول: تحبُّب المرأة إلى زوجها على وجهين:
الأوَّل: تحبُّبُها بما جرت العادة المبنيَّة على الحسِّ والمشاهدة أنه يحبِّب، كالتزيُّن والتدلُّل وإظهار فَرْطِ محبتها له ونحو ذلك، وليس هذا من التولة.
الثاني: تحبُّبُها بما لم تَجْرِ به العادة كذلك، وإنما هو مستَنِد إلى قوَّة غيبيَّة، فهذا إن جاء سلطان من الله تعالى بالإذن فيه فذاك، وإلا فهو من التِّوَلة. وإنما جاء السلطان بالإذن في الدعاء المجرّد عن البدع والخرافات وفي كلّ ما هو طاعةٌ لله ﷿ كالصلاة والصيام والصدقة. وكل ما لم
_________________
(١) راجع ص ٩٥٥.
(٢) ١/ ٢٠٠.
(٣) فتح الباري ١٠/ ١٥٣. [المؤلف]
[ ٣ / ٩٧٤ ]
يجئ به سلطان فهو من التولة، وهي شرك؛ لأنها تتضمَّنُ خضوعًا يطلب به نفع غيبِيٌّ لم ينزل الله تعالى به سلطانًا، وتتضمَّن طاعة للشياطين والمعزِّمين وَالعَجَائِز ونحوهم فيما يُطْلَب به نفع غيبِيٌّ ولم ينزل الله تعالى بها سلطانًا، والله أعلم.
وقال ابن حجر الهيتميُّ في كتابه الإعلام بقواطع الإسلام: «قد مرَّ أن السحر قد يكون كفرًا، وغرضنا الآن استقصاء ما يمكن من الكلام فيه وفي أقسامه وحقيقته وبيان أحكامه رَدْعًا لكثيرين انهمكوا عليه وعلى ما يقرب منه، وعَدُّوا ذلك شرفًا وفخرًا، [٦٨٩] فنقول: مذهبنا في السحر ما بسطناه فيما مرَّ.
وحاصله: أنه إن اشتمل على عبادة مخلوق كشمس أو قمر أو كوكب أو غيرها أو السجود له أو تعظيمه كما يعظَّم الله سبحانه أو اعتقاد أنَّ له تأثيرًا بذاته أو تنقيص نبي أو مَلَكٍ بشرطه السابق أو اعتقد إباحة السحر بجميع أنواعه كان كفرًا وردَّةً
وأما الإمام مالكٍ رحمه الله تعالى فقد أطلق هو وجماعةٌ سواه الكفر على الساحر، وأن السحر كفر، وأن تعلمه وتعليمه كفر كذلك، وأنَّ الساحر يُقتل ولا يستتاب (^١)، سواء سحر مسلمًا أم ذِمِّيًّا كالزنديق، ولبعض أئمة مذهبه كلام نفيس وحاصله: أن الطرطوشي قال: قال مالك وأصحابه: الساحر كافرٌ ويؤدَّبُ من تَرَدَّدَ إلى السحرة إذا لم يباشر سحرًا ولا علمه؛ لأنه لم يكفر، ولكنه ركن للكفر. قال: وتعلمه وتعليمه عند مالكٍ كفرٌ.
_________________
(١) انظر: النوادر والزيادات ١٤/ ٥٣٢.
[ ٣ / ٩٧٥ ]
وقالت الحنفية (^١): إن اعتقد أن الشياطين تفعل له ما شاء فهو كافر، وإن اعتقد أنه تخييل وتمويه لم يكفر.
وقالت الشافعية ﵃: يصفه؛ فإن وجدنا فيه كفرًا كالتقرّب للكواكب ويعتقد أنها تفعل فيلتمس منها فهو كفر، وإن لم نجد فيه كفرًا فإن اعتقد إباحته فهو كفر (^٢).
قال الطرطوشي: واحتج مَن لا يقول إن تعلمه كفرٌ بأن تعلُّم الكفر ليس بكفرٍ، فإن الأصوليَّ (^٣) يتعلَّم جميع أنواع الكفر ليحذِّر منه ولا يقدح في شهادته
قال القرافي (^٤): هذه المسألة في غاية الإشكال على أصولنا، فإن السحرة يعتمدون أشياء تأبى القواعد الشرعية أن نكفِّرهم، كفعل الحجارة المتقدم ذكرها قبل هذه المسألة، وكذلك يجمعون عقاقير ويجعلونها في الأنهار والآبار أو في قبور الموتى أو في باب يفتح إلى الشرق، ويعتقدون أن الآثار تحدث عن تلك الأمور بخواصِّ نفوسهم التي طبعها الله تعالى على الربط بينها وبين تلك الآثار عند صدق العزم، فلا يمكن تكفيرهم بجمع العقاقير ولا بوضعها في الآبار ولا باعتقادهم حصول تلك الآثار عند ذلك الفعل؛ [٦٩٠] لأنهم جرَّبوا ذلك فوجدوه لا يخرم عليهم لأجل خواصِّ نفوسهم، فصار ذلك الاعتقاد كاعتقاد الأطباء عند شرب الأدوية، وخواصِّ
_________________
(١) انظر: فتح القدير لابن الهمام ٦/ ٩٩ والكلام عن الكاهن.
(٢) انظر: روضة الطالبين ٩/ ٣٤٦.
(٣) يعني: المشتغلين بعلم الكلام.
(٤) في الفروق ٤/ ٢٨٣ فما بعدها.
[ ٣ / ٩٧٦ ]
النفوس، ولا يمكن التكفير بها؛ لأنها ليست من كسبهم، ولا كُفْرَ بغير مُكْتَسَب.
وأما اعتقادهم أن الكواكب تفعل ذلك بقدرة الله، فهذا خطأ؛ لأنها لا تفعل ذلك، وإنما جاءت الآثار من خواصِّ نفوسهم التي ربط الله بها تلك الآثار عند ذلك الاعتقاد، فيكون ذلك الاعتقاد في الكوكب كما إذا اعتقد طبيب أن الله تعالى أودع في الصَّبِر والسَّقَمُونِيا (^١) عَقْدَ البطن وقَطْعَ الإسهال، وأما تكفيرهم بذلك فلا.
وإن اعتقدوا أن الكواكب تفعل ذلك والشياطين تُقْدِرها لا بقدرة الله تعالى؛ فقد قال بعض علماء الشافعية: هذا مذهب المعتزلة من استقلال الحيوانات بقدرتها دون قدرة الله تعالى، فكما لا تكفر المعتزلة بذلك لا يكفر هؤلاء.
ومنهم مَن فَرَّق بأن الكواكب مظنة العبادة، فإذا انضمَّ إلى ذلك اعتقاد القدرة والتأثير كان كفرًا.
وأجيب عن هذا الفرق: بأن تأثير الحيوان في القتل والضرِّ والنفع في مجرى العادة مشاهد من السباع والآدميين وغيرهم، وأما كون المشتري أو زُحَل يوجب شقاوة أو سعادة فإنما هو حزر وتخمين للمنجمين لا حجة في ذلك، وقد عبدت البقر والشجر، فصار هذا الشيء مشتركًا بين الكواكب وغيرها.
والذي لا مرية فيه أنه كفر إن اعتقد أنها مستقلَّة بنفسها لا تحتاج إلى الله
_________________
(١) نباتٌ يُستخرَج منه دواءٌ مسهِّلٌ للبطن ومزيلٌ لدوده. المعجم الوسيط ٤٣٧.
[ ٣ / ٩٧٧ ]
تعالى، فهذا مذهب الصابئة، وهو كفرٌ صُراحٌ
وقال قبل ذلك: ذكروا أنه يؤخذ سبعة أحجار ويرجم بها كلب شأنه أنه إذا رمي بحجر عضَّه، فإذا رمي بسبعة أحجار وعَضَّها كلها لُقِطت بعد ذلك وطُرِحت في ماء، فمن شرب منه ظهر فيه آثار [٦٩١] خاصّة يعبِّر عنها السحرة، فهذه تثبت للسحر، وليس ما يذكره الأطباء من الخواصِّ في هذا العالم للنباتات وغيرها من هذا القبيل » (^١).
أقول: أما ما اشتمل على عبادة غير الله تعالى من خضوع يطلب به نفع غيبِيٌّ ولم يأذن به الله تعالى أو طاعة فيما يطلب به نفع غيبِيٌّ ولم يأذن به الله تعالى فهو شرك وكفر قطعًا؛ فوضع العقاقير في قبور الموتى ونحوها إن كان الواضع يرى أو يجوِّز كون الوضع مرضيًّا عند الله ﷿ أو عند الروحانيِّين أو أرواح الموتى أو الجنّ أو الشياطين أو الكواكب فوضعه لها خضوع وطاعة يطلب بهما نفع غيبِيٌّ، وإذْلم يأذن الله ﷿ به فهو شرك. وإن كان لا يجوِّز شيئًا من ذلك وإنما يرى ما يحصل من قبيل الخواص الطبيعيّة؛ فإن ثبت أن تلك الآثار من مُسمَّى السِّحر كان حكمُه حكم السحر الذي لا يتضمّن كفرًا آخر، وسيأتي ما فيه إن شاء الله تعالى.
وهكذا رَمْيُ الكلب بالأحجار ولَقْطُها وَوَضْعُها في الماء إن جوّز الرامي أن عمله ذلك يرضي الله ﷿ أو الروحانيِّين أو أرواح الموتى أو الجنّ والشياطين أو الكواكب فهو من الشرك، وإن كان لا يجوِّز ذلك وإنما يرى ذلك لخاصيَّة في لُعاب الكلب عند غضبه؛ فإن ثبت أن تلك الآثار من مسمَّى السحر كان حكمُه حكمَ السحر، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) الإعلام ص ٥٨ - ٦١. [المؤلف]
[ ٣ / ٩٧٨ ]
فأما اعتقاد التأثير، فاعلم أن التأثير على ضربين:
الأوَّل: ما ثبت بالعادة القطعيَّة المبنيَّة على الحسِّ والمشاهدة، كتأثير الآدميين الأحياء وغيرهم من الحيوان [٦٩٢] إلى الحدِّ المحدود المعروف، وتأثير الشمس للحرارة واليبوسة وتأثير الأدوية في الصحة والمرض ونحو ذلك، فلا يكفر إلا مَنْ يُخْرجها من خلق الله تعالى أصلًا. فأما من يقول: إن الله تعالى أودع في النار قُوَّة الإحراق مثلًا فهي تؤثِّر بذلك إلا أن يشاء الله ﷿ سَلْبَها قوَّةَ الإحراق فيسلبها فلا يكفر هذا وإن خطَّأه كثير من العلماء (^١). ويدخل في هذا ما لم يكن قطعيًّا ولكنه مستند إلى قطعيٍّ، كما سلف في التمهيد.
الضرب الثاني: ما لم يثبت بالعادة القطعيّة المبنيَّة على الحسِّ والمشاهدة، فإن بلغ اعتقاد التأثير إلى زعم أن ذلك المؤثِّر مدبِّرٌ استقلالًا، وقد مرَّ تفسيره، فهو شرك. وإن لم يبلغ ذلك؛ فإن كان في ذلك الاعتقاد تكذيب لله ﷿ أو كذب عليه فهو كفر وشرك، وإلا فهو من الخرص المذموم.
هذا حكم الاعتقاد، فأما إن صحبه خضوع أو طاعة فقد مرّ حكم ذلك.
_________________
(١) يشير الشيخ إلى علماء الأشاعرة، فهم الذين يخطئون هذا القول ويبدِّعون قائله كما قال قائلهم: «ومن يقل بالقوة المودَعة فذاك بدعي فلا تلتفت». انظر: شرح الخريدة البهية للدردير ١٦٥. وأهل السنة يقولون: إن النار تحرق والسيف يقطع والخبز يشبع، وكلها أسباب مؤثرة إذا توافرت الشروط وانتفت الموانع، وليست مبدعة، وليس في الوجود شيء واحد يستقل بفعل شيء إذا شاء إلا الله وحده. وخالق السبب التام خالق للمسبَّب لا محالة. منهاج السنة ٣/ ١٢ - ١٣، اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٢٢٦، التدمرية ٢١١.
[ ٣ / ٩٧٩ ]
ولا يتوقّف كون الخضوع أو الطاعة شركًا على فساد الاعتقاد في التأثير؛ فإن من اعتقد أن الملائكة والجنّ قد ينفعون بني آدم بإذن الله تعالى وقد يضرّونهم بإذن الله تعالى مصيب في اعتقاده، ولكنه إن خضع للملائكة خضوعًا لم يأذن به الله تعالى يكون مشركًا. وكذلك إن خضع للجنِّ أو أطاعهم قائلًا: إنما أخضع لهم لكي ينفعوني إذا أذن لهم الله تعالى في نفعي ولكي لا يضرُّوني إذا أذن الله تعالى لهم في ضري، بل من عمد إلى شجرة فزعم أن التمسُّح بها ينفع عند الله ﷿ يكون مشركًا مع أنه لم يعتقد للشجرة تأثيرًا أصلًا، ولو اشتهرت شجرة بأنها تُعبد ثم جاء إنسان إليها فصنع كما يصنع عابدوها لكان مشركًا، وإن زعم أنه لم يعتقد أن عبادتها تقرِّب إلى الله تعالى.
[٦٩٣] حكم السحر وتعليمه وتعلمه
أما إذا كان في السحر عبادة لغير الله تعالى، أو كذب عليه ﷿، أو تكذيب بآياته، فلا شبهة في التكفير، وربما لا يخلو السحر عن ذلك، ولكن لاشتباه معنى العبادة كثيرًا مَّا يخفى الشرك. وهذا مصداق ما جاء في الحديث عنه ﵌ أنه قال: «أيها الناس اتقوا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل» الحديث (^١).
وقد تقدَّم في الأعذار بشواهده (^٢).
وتعليمه وتعلُّمه إن كانا بمباشرة الشرك أو مع اعتقاد الكفر فكلاهما
_________________
(١) مسند أحمد ٤/ ٤٠٣. [المؤلف]
(٢) انظر ص ١٤٣.
[ ٣ / ٩٨٠ ]
كفر، وذلك كأن يباشر المعلم والمتعلم الأعمال الشركية، كأن يلبسا اللباس الخاص بزُحَل ويبخِّرا ببخوره، ويقْعُدا يدعُوانه ويعظِّمانه، أو يقرِّبا القُرْبان المخصوص بالجنِّ ويقعدا يدعُوان الجنَّ، أو اعتقدا أنَّ تعظيم الكواكب جائز أو أنَّ تعظيم الملائكة يحملهم على نفع المعظِّم، وقس على ذلك.
وإن لم يكن إلَّا ذكر الصفة وسماعُها فليس في ذلك كفر، لكن إذا عَلِمَ الواصفُ أنَّ السامع يريد العمل فلا شكَّ أنه لا يجوز له حينئذٍ الوصف، بل ربما يكفر به؛ فإن كان راضيًا بأن يعمل السامع فلا شك في كفره، والله أعلم.
وكذلك إذا خاف الإنسان من نفسه أنه إذا علم الصفة نازعته نفسه إلى العمل بها فإنه لا يجوز له استماع الصفة، فأما إذا كان عازمًا على العمل فهذا العزم كفر. ويظهر لي أن مجرَّد ذكر الصفة مع ظنِّ الواصف أنَّ السامع لا يريد العمل لا يَصْدُقُ عليه أنه تعليم، وكذلك مجرَّد استماع الصفة مع عدم إرادة السامع العمل لا يُسمَّى تعلُّمًا، فتدبَّر.
وأما السحر الذي ليس فيه عبادة لغير الله تعالى ولا كذب عليه سبحانه ولا تكذيب بآياته [٦٩٤] ففيه نظرٌ، وقد يُحْتَجُّ لمالكٍ ومَن وافقه بقول الله ﷿: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ
[ ٣ / ٩٨١ ]
كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢ - ١٠٣].
والمراد بكلمة (مَا) من قوله: ﴿مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ السحر، كما جاء به التفسير عن السلف، والسياق يبيِّنه، كان الشياطين يعلِّمون الناس السحر ويزعمون أن سليمان ﵇ كان يعرفه ويعمل به، وأنه كان قِوَام مُلكه. فقوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ معناه: ما سَحَر، كما جاء به التفسير عن السلف، وهو واضح من السياق، فدلَّ هذا أن السحر كفر. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ بينه بقوله: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ فدلَّ ذلك أن تعليم السحر كفر. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ ظاهر في أن تعلُّمه كفر. وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [٦٩٥] ظاهر في كونه كفرًا؛ إذ لا يصدق على أحد أنه لا خلاق له في الآخرة إلَّا إذا كان مخلَّدًا في النار، وإنما يخلَّد الكفار، فأما الملكان فقد تقدَّم العذر عنهما (^١).
ولا يمتنع أن يُغَلِّظَ الشرع في السحر فيجعله كفرًا وإن لم يتضمّن شركًا، ولا كذبًا على الله تعالى، ولا تكذيبًا بآياته. أو يقال: قد علم الله تعالى أن السِّحْر لا يخلو عن الشرك بالله أو الكذب عليه أو التكذيب بآياته.
هذا أقصى ما يُوَجَّه به إطلاق مالك رحمه الله تعالى.
وقد يجاب عن الآية باحتمال أن الضرب الذي نسبه الشياطين إلى سليمان ﵇ من السحر فيه شرك وكذب على الله وتكذيب بآياته،
_________________
(١) انظر ص ٣٦٩ - ٣٨١.
[ ٣ / ٩٨٢ ]
فقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ أي: ما سحر هذا الضرب من السحر، فلا يلزم من ذلك أن كلَّ سحرٍ كُفْرٌ. وأما كفر الشياطين بتعليمهم فلأنهم يعلِّمون الناس ذلك الضرب من السحر الذي هو كفر، راغبين في أن يعمل الناس به مُرغِّبين لهم في العمل به. ويشهد لذلك أن الملَكين يُعَلِّمان ولكنهما لا يرضيان بالعمل؛ فلذلك لم يكن التعليم في حقهما كفرًا. وأما قول الملكين: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ فالمعنى: لا تعمل به فتكفر. وأما قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ فاشتراؤه هو العمل به، والله أعلم.
ولنذكر بعض الطرق التي يُتوصَّل بها إلى السحر.
[٦٩٦] طرق تحصيل قوة السحر
(١) أشهر الطرق بين الحكماء هي رياضة النفس بالجوع والسهر والخلوة والتفرغ عن الشواغل، وحصر الفكر في شيء محصور، وألَّا يأكل روحًا ولا ما خرج من روح، ويمسك عن الجماع، ويَجمع همته ويرتب تَنَفُّسَه على نظام معروف عندهم ونحو ذلك، فمن واظب على هذه الأمور وكان في نفسه استعداد اكتسبت نفسه قوة غريبة هي السحر.
ويزعمون أنَّ مما يعين على حصول تلك القوة أن يكون المرتاض بريئًا من الحسد والبغضاء والطمع، يحب نفع المخلوقات كلها وخاصة الحيوان، وليس من شرطها دين مخصوص؛ لكن يرون أنَّ مما يساعد على حصول تلك القوة أن يجتهد المرتاض فيما يعتقد أنه عبادة سواء أكان لله ﷿ أم لغيره.
[ ٣ / ٩٨٣ ]
والحكماء وأشباههم يزعمون أن المقصود من هذه الرياضة تصفية النفس وتهذيبها وترقيق الحجب الجسمانية الحائلة بين النفس وبين ما هو ممكن لها من إدراك العلوم الدقيقة، والإشراف على العالم الروحاني وتطهير النفس من الأخلاق الذميمة والشهوات الحيوانية، وأن يستعمل المرتاض ما يحصل له من القوة الغريبة في تحصيل العلوم ونفع الخلق.
ويقولون: إن من اشتغل بهذه الرياضة لحصول تلك القوة الغريبة فقط أو حصلت له تلك القوة فاستعملها في الأغراض الخسيسة من تحصيل جاه أو مال أو شهوة أو ضَرَّ بها مخلوقًا فهو إنسان مذموم ساقط الهمة، وأنه لا ينبغي للأستاذ أن يعلِّم إنسانًا الرياضة أو يساعده عليها حتى يَعْلَمَ حُسْنَ قصده.
[٦٩٧] ومن العجيب (^١) أن المتصوفة نقلوا هذه الرياضة إلى الإسلام وألصقوها به، كما أشرنا إليه فيما تقدم (^٢)، وذلك معروف في كتبهم، والمحققون منهم يعترفون بأن هذه الرياضة ليست من الدين، وأن ما يحصل بسببها من القوة الغريبة لا يتوقف على كون المرتاض مسلمًا.
وفي تاريخ الهند أن بعض المسلمين كان يرتاض على يد بعض العارفين بهذا الفن من الوثنيين، وأن بعض الوثنيين ارتاض على يد بعض المتصوفة من المسلمين. والغلاة من أصحابها من المتصوفة والوثنيين وغيرهم يزعمون أن الأديان كلها حق، وقد صرّح بذلك جماعة من زعماء المتصوفة وإن تأوّله بعض أتباعهم، وقد اشتهر في هذا العصر بين البحّاثين
_________________
(١) وضع المؤلِّف فوقها بقلم الرصاص: الأسف، ولعلَّه كان يريد إبدالها بـ «العجيب».
(٢) انظر ص ٢٦١.
[ ٣ / ٩٨٤ ]
أن من العقائد الأساسية للتصوف تساوي الأديان.
وصرَّح كثير من المتصوِّفة بأن المرتاض على تلك الطريقة تحصل له قوَّة غريبة يستطيع أن يعمل بها العجائب، ولكنهم يحذِّرون المريد أن يكون ارتياضه لأجل حصول تلك القوة، وأن يقف عندها إذا حصلت له، أو يستعملها في أغراضه، وأنه إن فعل ذلك هلك.
وسماها بعضهم ــ كصاحب الإنسان الكامل ــ: السحر العال (^١)، وذكر أن السالك يمرّ عليها، فيكون بحيث لا يريد شيئًا إلا حصل له، وأنه نفسه مرّ عليها.
أما حكم هذه الطريقة، فإن تضمَّنت كفرًا ــ كاعتقاد أن الأديان كلَّها حقٌّ، أو كذبًا على الله تعالى بإلصاق ما ليس من دين الإسلام به، أو تكذيبًا بشيء من آيات الله تعالى، أو عبادة لغير الله تعالى، أو نحو ذلك مما [٦٩٨] هو كفر أو شرك ــ فالأمر واضح، وإلا فالإقدام على القول بأن تعلُّمها وتعليمَها كفرٌ صَعْبٌ؛ فإن كثيرًا من المعْتَقَدِين عند المسلمين قد سلكوها وعلَّموها وألَّفوا فيها الكتب، والله المستعان، وقد عَلِمْتَ مذهب مالك رحمه الله تعالى.
فأما من ارتاض وحصلت له تلك القوَّة وعمل بها ــ كما اشتهر عن جماعة أنهم كانوا يقتلون بالحال ونحو ذلك ــ فالكفر بذلك أقرب، ولكن لا يغيبنّ عنك ما قدمناه في فصل الأعذار، ولا تجترئ فتحكم بأن كل ما يُنْقَلُ عن المتصوفين من الغرائب هو من هذا القبيل؛ فإن الصالحين في المسلمين كثير وكرامات الأولياء حق، وعليك بالتدبر والابتهال إلى الله ﷿ أن
_________________
(١) مضى تعريفه ص ٢٦٣.
[ ٣ / ٩٨٥ ]
يرزقك نورًا وفرقانًا تفرق به بين المشتبهات. والله الموفق.
(٢) ومن طرق التعليم رياضة أخفُّ من هذه، يكون فيها أعمال مخصوصة، يزعمون أن العامل بها إذا ثبت عليها صارت له سلطة على الروحانيين والجن، فيساعدونه فيما يريد، ويزعمون أن الجنّ يعرضون للمرتاض بها ويخيِّلون له أمورًا مخيفة يهوِّلون عليه بها لكي يقطع رياضته؛ فإذا كان رابط الجأش ثبت إلى أن يُتِمَّ رياضته، فتتمَّ له السلطة، وإن خاف وقطع رياضته فاته ذلك، وربما يزول عقله من الخوف.
وهذه الطريق لا تخلو عن خضوع للروحانيين والجن، وتَدَيُّنٍ بما لم ينزل به الله تعالى سلطانًا، وغير ذلك مما هو شرك وكفر.
(٣) ومنها: ما في «شمس المعارف» (^١) وغيره من العزائم التي تتلى على هيئات مخصوصة يزعمون أن من عمل بها تمكَّن من مخاطبة الروحانيين واستخدامها، وعامَّتُها مشتملٌ على الشرك والكفر.
[٦٩٩] (٤) ومنها: المندل، وأصل هذه الكلمة في الهندية: «مَنْتَر»، وله عندهم صور: منها: أن يستحضر العامل صبيًّا ويضع له إناء من ماء أو نقطة كبيرة من المداد أو غير ذلك من الأشياء الصقيلة، ويأمر الصبي أن يحدِّق في ذلك الشيء، والعامل يكرِّر ألفاظًا أعجمية وربما يكتبها أيضًا، ويزعمون أن الصبيّ يتراءى في ذلك الشيء الصقيل أشخاصًا من الروحانيين، ويأمره العامل أن يخاطب أولئك الأشخاص كأن يقول لهم: أحضروا كبشًا، ثم يقول لهم: اذبحوه، اسلخوه، قطِّعوه، اطبخوه، كلوه؛ فيراهم يفعلون ذلك
_________________
(١) سبق التعريف به في الصفحة الأولى من الكتاب.
[ ٣ / ٩٨٦ ]
كلّه، ثم يسألهم عن غائب أو سرقة فيحضرون له ذلك الغائب بهيئته التي هو عليها حينئذٍ حتى إذا كان ميتًا يُرُونَه إياه ميتًا أو يُرُونَه قبره، ويُرُونَه الموضع الذي خبئت فيه السرقة، أو يحضرون له السارق فيراه، كُلُّ ذلك على سبيل التخييل والتمثيل، يراه الصبي في ذلك الشيء الصقيل. هكذا يزعمون، ولا أدري ما صحته.
وقد دعاني بعضهم وأنا صبي صغير، فكتب أسماء، ووضع على ظفر إبهامي نقطة كبيرة من المداد، وبقي يكرر ألفاظًا أعجمية، فيما أحسب، وأمرني بالتحديق في النقطة، وأن أقول: احضروا، ثم سألني هل ترى أشخاصًا فلم أر شيئًا؛ ولكن من شدَّة التحديق وتعب النظر مع جهد الفكر كنت أرى خيال بعض الأشياء الحاضرة، فأَتَوهَّمُ أنها صورة شخص، فإذا تأملت لم أثبته، فاعتذر العامل بأني ليس في نفسي استعداد لذلك. وهذا العمل من الشرك؛ لما فيه من الخضوع للجنِّ ودعائهم وغير ذلك.
[٧٠٠] (٥) ومنها: التقرُّب إلى الشياطين بالإقدام على أعمال خبيثة كقتل الصبيان والزنا بالمحارم وغير ذلك من الفظائع، وذلك شرك كما علمت مما تقدّم.
(٦) ومنها: ما يسمُّونه التعفين والتحريق، وقد ذُكِرَ في تذكرة داود الأنطاكي (^١). وظاهر وصفه أنه من قبيل الخواصّ الطبيعية الغريبة، فيلحق
_________________
(١) انظر: ذيل تذكرة أولي الألباب ص ٧٨ - ٧٩. وداود بن عمر الضرير الأنطاكي، رئيس الأطباء، حكيم مشارك في أنواع العلوم، ولد بأنطاكية، وتوفي بمكة سنة ١٠٠٨ هـ، من تصانيفه: «نزهة الأذهان في طب الأبدان»، و«تذكرة أولي الألباب والجامع للعجب العجاب» ويعرف بتذكرة الأنطاكي. البدر الطالع ١/ ٢٤٦، معجم المؤلفين ٤/ ١٤٠.
[ ٣ / ٩٨٧ ]
بالشعبذة، ولا أرى الشعبذة كفرًا إلا أن يقصد بتعلُّمها دعوى النبوة، أو الولاية ليضل الناس عن سبيل الله ويكذب على الله، فإن لم يقصد ذلك وقصد ما هو محرَّم كالاستعانة على السرقة ونحوها فحرام، وإلا فقد يتجه إطلاق التحريم أيضًا سدًّا للذريعة.
وقد قال ابن سعد: «أخبرنا أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي، ثنا عطاف بن خالد قال: كنت قائمًا مع سالم بن عبد الله فأُتِي بغلام ومعه غلمان وهو أشقُّهم، فسلّ خيطًا من إزاره (^١) فقطعه، ثم جمعه بين إصبعيه، ثم تفل فيه مرتين أو ثلاثًا، ثم مدّه فإذا هو صحيح لا بأس به، فقال سالم: لو وليت من أمره شيئًا لصلبته» (^٢).
* * * *
_________________
(١) كذا في الأصل، وفي طبعة دار صادر من الطبقات: «أزراره».
(٢) طبقات ابن سعد ٥/ ١٤٨. [المؤلف]
[ ٣ / ٩٨٨ ]
[٧٠١] القسم بغير الله ﷿
في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبيِّ ﵌ أنه قال: «مَن حلف فقال في حلفه: باللات والعُزَّى، فليقل: لا إله إلا الله» الحديث (^١).
وفي صحيح مسلمٍ عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله ﵌: «لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم» (^٢).
وفي الصحيحين عن ابن عمر أن رسول الله ﵌ قال: «ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، مَن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت» (^٣).
وفي مسند أبي داود الطيالسي: ثنا شعبة، عن منصورٍ والأعمش ــ قال أبو داود: وأنا لحديث الأعمش أحفظ، والإسناد واحدٌ ــ، سمعا سعد بن عبيدة يحدِّث عن ابن عمر أن رجلًا سأله عن الرجل يحلف بالكعبة فقال: لا تحلف بالكعبة ولكن احلف بربِّ الكعبة، فإن عمر كان يحلف بأبيه فقال له
_________________
(١) البخاريّ، كتاب الأيمان والنذور، بابٌ لا يحلف باللات والعزَّى ولا بالطواغيت، ٨/ ١٣٣، ح ٦٦٥٠. مسلم، كتاب الأيمان، باب مَن حلف باللات والعزَّى ، ٥/ ٨١، ح ١٦٤٧. [المؤلف]
(٢) مسلم، الموضع السابق، ٥/ ٨٢، ح ١٦٤٨. [المؤلف]
(٣) البخاريّ، كتاب الأيمان والنذور، باب لا تحلفوا بآبائكم، ٨/ ١٣٢، ح ٦٦٤٦. مسلم، كتاب الأيمان، باب النهي عن الحلف بغير الله تعالى، ٥/ ٨١، ح ١٦٤٦. [المؤلف]
[ ٣ / ٩٨٩ ]
رسول الله ﵌: «مَن حلف بغير الله فقد أشرك» (^١).
أقول: هذا إسنادٌ جليلٌ على شرط الشيخين إلَّا أن للحديث علَّةً.
قال الإمام أحمد: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن منصور، عن سعد (^٢) بن عبيدة قال: كنت عند ابن عمر فقمت وتركت رجلًا عنده من كندة فأتيت سعيد بن المسيب [٧٠٢] قال: فجاء الكندي فزعًا، فقال: جاء ابنَ عمر رجلٌ، فقال: أحلف بالكعبة؟ فقال: لا، ولكن احلف برب الكعبة، فإن عمر كان يحلف بأبيه فقال رسول الله ﵌: «لا تحلف بأبيك؛ فإنه مَنْ حلف بغير الله فقد أشرك» (^٣).
وقال أيضًا: ثنا حسين بن محمد، ثنا شيبان، عن منصور، عن سعد بن عبيدة قال: جلست أنا ومحمد الكندي إلى عبد الله بن عمر ثم قمت من عنده. فذكر الحديث بنحوه، وفيه: فجاء صاحبي ــ يعني الكندي ــ وقد اصفرَّ وجهه وتغيّر لونه، فقال: قم إليَّ، قلت: ألم أكن جالسًا معك الساعة، فقال سعيد (^٤): قم إلى صاحبك، قال: فقمت إليه، فقال: ألم تسمع إلى ما قال ابن عمر ، فذكره بنحوه (^٥).
وقال الطحاوي: إن ابن مرزوق قد حدّثنا، قال: حدّثنا شعبة، عن منصور فذكره بنحوٍ من رواية محمد بن جعفرٍ ــ غندر ــ، عن شعبة. ثم
_________________
(١) مسند الطيالسي ص ٢٥٧. [المؤلف]. وفي ط: دار هجر ٣/ ٤١٢، ح ٢٠٠٨.
(٢) في النسخة: «سعيد»، خطأ. [المؤلف]
(٣) المسند ٢/ ٨٦. [المؤلف]
(٤) في النسخة: «سعد»، خطأ. [المؤلف]
(٥) المسند ٢/ ٦٩. [المؤلف]
[ ٣ / ٩٩٠ ]
قال الطحاوي أيضًا: «وأن يزيد بن سنان قد حدثنا، قال: حدثنا الحسن (^١) بن عمر بن شقيقٍ، حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن منصورٍ فذكره بنحوٍ من رواية غندر عن شعبة أيضًا (^٢).
فهذه الروايات عن منصورٍ تبين أن سعد بن عبيدة إنما سمع القصة من محمد الكندي، وهو رجل مجهول.
فإن قلت: سعد بن عبيدة لم يوصف بتدليس فليحمل على أنهما قصتان سمع سعد من ابن عمر إحداهما وسمع الأخرى من محمد الكندي عن ابن عمر، ويوجَّه إخباره بالثانية عن الكندي مع أنه قد سمع مثلها من ابن عمر بأن في الثانية زيادةً وهي بيان ما لحق الكندي [٧٠٣] من الرَّوْع والفزع.
قلت: إنه لمحتملٌ ولكن ليس بالبيِّن، ويُضعفه أن أبا داود الطيالسي أشار إلى أنه لم يتقن الحديث كلَّ الإتقان.
وقد أخرج الإمام أحمد والترمذي والحاكم من طريق أبي خالدٍ الأحمر، عن الحسن بن عبيد الله النخعي، عن سعد بن عبيدة أن ابن عمر سمع رجلًا يقول: لا والكعبة، فقال ابن عمر: لا تحلف بغير الله فإني سمعت رسول الله ﵌ يقول: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» (^٣).
_________________
(١) في النسخة: «الحسين»، خطأ. [المؤلف]
(٢) مشكل الآثار، باب بيان مشكِل ما رُوِي عنه ﵇ من نهيه عن الحلف بغير الله تعالى ، ١/ ٣٥٩. [المؤلف]. وفي طبعة الرسالة ٢/ ٢٩٩ - ٣٠٠، ح ٨٣٠ - ٨٣١.
(٣) المسند ٢/ ١٢٥، جامع الترمذيّ، كتاب النذور والأيمان، باب ما جاء أن مَن حلف بغير الله قد أشرك ١/ ٢٩٠، وقال: «حسنٌ». المستدرك، كتاب الأيمان والنذور، تسبيح ديكٍ رجلاه في الأرض وعنقه تحت العرش، ٤/ ٢٩٧، وقال: «صحيحٌ على شرط الشيخين»، وأقرَّه الذهبيّ. وفي رواية الحاكم تصريح أبي خالدٍ بقوله: «ثنا الحسن بن عُبَيد الله»، فأُمِنَ تدليسه. [المؤلف]
[ ٣ / ٩٩١ ]
أقول: قوله في هذه الرواية «إنَّ ابن عمر سمع رجلًا يقول: لا والكعبة» يدل أن هذه قصة أخرى غير التي سمعها سعد من الكندي؛ لأن في تلك «جاء ابنَ عمر رجلٌ، فقال: أحلف بالكعبة؟» ولكن قد يُقال: إن مثل هذا الاختلاف كثيرًا ما يقع في حكاية القصة الواحدة، والحسن بن عُبيد الله ثقةٌ وثَّقه الأئمة، وأخرج له مسلمٌ في صحيحه، وأما البخاري فقال: «لم أخرج حديث الحسن بن عُبيد الله؛ لأن عامَّة حديثه مضطرب» حكاه في تهذيب التهذيب (^١).
ولما ذكر الإمام أحمد هذه الرواية في المسند أعاد عقبها روايته عن محمد بن جعفر غندر، عن شعبة (^٢) التي مرَّت؛ كأنه يشير إلى احتمال أن تُعَلَّلَ بها. وصَرَّح بذلك البيهقي في السنن (^٣)، ذكر رواية أبي خالد الأحمر، ثم قال: «وهذا مما لم يسمعه سعد بن عبيدة من ابن عمر»، فذكر حديث أحمد عن غندر، كما مضى.
[٧٠٤] وتعقبه الحافظ ابن حجر بقوله: «قلت: قد رواه شعبة عن منصور عنه قال: كنت عند ابن عمر، ورواه الأعمش، عن سعد، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن ابن عمر» (^٤).
_________________
(١) ٢/ ٢٩٢.
(٢) انظر: المسند ٢/ ١٢٥.
(٣) كتاب الأيمان، باب كراهية الحلف بغير الله ﷿، ١٠/ ٢٩. [المؤلف]
(٤) تلخيص الحبير ص ٣٩٦. [المؤلف]
[ ٣ / ٩٩٢ ]
كذا قال، فإن كان أراد رواية شعبة التي ذكرها الإمام أحمد عن غندر عنه فلا يفيد قول سعد: «كنت عند ابن عمر»، فإن بعده: «فقمت وتركت رجلًا » كما تقدم، وهو صريح أنه لم يسمع القصة، وإن أراد غيرها فلم أقف عليها. وكذلك رواية الأعمش، عن سعد، عن أبي عبد الرحمن السلمي لم أقف عليها، وستأتي رواية للأعمش على غير هذا الوجه.
وفي المستدرك من طريق جرير بن عبد الحميد، عن الحسن بن عُبيد الله النخعي، عن سعد بن عبيدة، عن ابن عمر، عن النبيِّ ﵌ قال: «مَن حلف بغير الله فقد كفر» (^١)، وقال: «هذا حديث صحيحٌ على شرط الشيخين؛ فقد احتجَّا بمثل هذا الإسناد وخَرَّجاه في الكتاب، وليس له علَّةٌ، ولم يخرجاه. وله شاهدٌ على شرط مسلمٍ شريك بن عبد الله، عن الحسن بن عبيد الله، عن سعد بن عبيدة، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «كل يمينٍ يُحْلَف بها دون الله شركٌ». أقرَّه الذهبي.
وأعاده بعد عدَّة أوراقٍ من طريق إسرائيل، عن سعيد بن مسروقٍ، عن سعد بن عبيدة، عن ابن عمر قال: قال عمر: لا وأبي، فقال رسول الله ﵌: «لا تحلفوا بآبائكم، مَن حلف بشيءٍ دون الله فقد أشرك».
[٧٠٥] ومن طريق محمد بن يحيى، ثنا عبد الرزاق، أبنا سفيان، عن أبيه والأعمش ومنصورٍ، عن سعد بن عُبيدة، عن ابن عمر قال: كان عمر يحلف: وأبي، فنهاه النبي ﵌ فقال: «مَن حلف بشيءٍ من دون
_________________
(١) المستدرك، كتاب الإيمان، مَن حلف بغير الله فقد كفر، ١/ ١٨. [المؤلف]
[ ٣ / ٩٩٣ ]
الله فقد أشرك»، وقال الآخر (^١): «فهو شركٌ».
ثم أعاد رواية جرير بن عبد الحميد من طريق أخرى ثم قال: «هذا حديث صحيحٌ على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ، وإنما أودعته كتاب الإيمان للفظ الشرك فيه، وفي حديث مصعب بن المقدام عن إسرائيل: «فقد كفر».
فأما الشيخان فإنما أخرجاه من حديث سالمٍ ونافعٍ وعبد الله بن دينارٍ عن ابن عمر أنَّ النبيَّ ﵌ قال لعمر: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم»، وهذا غير ذاك» (^٢).
ورواية عبد الرزاق عن سفيان أخرجها الإمام أحمد في المسند (^٣)، وسفيان هو الثوري، ورواية إسرائيل عن سعيد بن مسروق ــ وهو والد الثوري ــ ذكرها الطحاوي في مشكل الآثار (^٤).
فهذه الروايات أقرب إلى أن يُحْكَمَ لها بالسلامة من العلَّة؛ لأنه غير مستنكر أن يكون سعد بن عبيدة قد سمع هذا الحديث المرفوع من ابن عمر، ولكنه لم يسمع كلام ابن عمر في شأن الكعبة فاحتاج أن يذكره عن الكندي عن ابن عمر.
ويؤيد هذا: قال الإمام أحمد «ثنا وكيع، ثنا الأعمش، عن سعد بن عبيدة
_________________
(١) لم يتبيَّن لي مَن هو، إلا أن يكون الأعمش أو منصورًا.
(٢) المستدرك، كتاب الإيمان، مَن حلف بشيءٍ دون الله فقد أشرك، ١/ ٥٢. [المؤلف]
(٣) ٢/ ٣٤. [المؤلف]
(٤) ١/ ٣٥٨. [المؤلف]
[ ٣ / ٩٩٤ ]
قال: كنت مع ابن عمر في حلقة فسمع رجلًا في حلقة أخرى وهو يقول: لا وأبي، فرماه ابن عمر بالحصى وقال: إنها كانت يمين عمر فنهاه النبي ﵌ [٧٠٦] عنها وقال: إنها شرك» (^١).
وقال الطحاوي: «حدثنا بكار، حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة» فذكره بنحوه (^٢).
ففي هذه الرواية تصريح سعد بسماعه هذا الحديث من ابن عمر، وأكَّد ذلك أن في هذه الرواية قصة غير القصة التي ذكرها عن الكندي قطعًا، وليس من المحتمل أن تكون القصة واحدة، ولكن فيه شيء وهو أن الأعمش مدلِّس ولم يصرِّح في هذه الرواية بالسماع، وإن كان قد صرَّح به في رواية أبي داود الطيالسي التي صَدَّرْنا بها. نعم، ذكر الذهبي في ترجمة الأعمش من الميزان أن روايته عن شيوخه الذين أكثر عنهم محمولة على الاتصال. كذا قال، وفيه نظر.
وبالجملة، فإن جاء في روايةٍ تصريحُ الأعمش بالسماع في الرواية التي صرَّح فيها سعدُ بن عبيدة بسماعه هذا الحديث من ابن عمر، فالحديث صحيح على شرط الشيخين حتمًا، وكذا إذا كان شعبة قد روى عن منصور عن سعد مصرِّحًا بالسماع كما سبق عن تلخيص الحبير، أو صحَّ رواية سعد الحديث عن أبي عبد الرحمن السلمي عن ابن عمر كما سبق من تلخيص الحبير أيضًا، وإلا فالحديث حسن كما قاله الترمذي. ويؤكِّد ذلك جزم
_________________
(١) المسند ٢/ ٥٨، وأعاده في ص ٦٠. [المؤلف]
(٢) مشكل الآثار، باب بيان مشكِل ما رُوِي عنه ﵇ من نهيه عن الحلف بغير الله تعالى ، ١/ ٣٥٧. [المؤلف]. وفي طبعة الرسالة ٢/ ٢٩٧، ح ٨٢٦.
[ ٣ / ٩٩٥ ]
الحاكم بأن الحديث صحيح على شرط الشيخين وليس له علَّة وأقرَّه الذهبي، ويبعد أن يكونا لم يطَّلعا على الرواية التي ذُكِرَ فيها الكندي. وقد صحَّح الحديث أيضًا ابن حبان، رواه من طريق الحسن بن عُبيد الله (^١).
وقد أشار البخاري في صحيحه إلى صحة هذا الحديث فإنه قال: «باب مَن [٧٠٧] أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال» ثم ذكر الأحاديث في ذلك، ثم قال: «باب من لم ير إكفار من قال ذلك متأولًا أو جاهلًا» ثم ذكر قول عمر لحاطب: إنه منافق، وقول معاذ للرجل الذي فارقه في الصلاة: إنه منافق، وحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «من حلف منكم فقال في حلفه: واللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله»، وحديث نافع عن ابن عمر أنه أدرك عمر بن الخطاب في ركب وهو يحلف بأبيه فناداهم رسول الله ﵌: «ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا فليحلف بالله وإلَّا فليصمت» (^٢).
فأما حديث أبي هريرة فكأن البخاري استنبط من اكتفاء النبي ﵌ بقوله: «فليقل: لا إله إلا الله»، أنه لم يجعل ذلك رِدَّة مع أن الكلمة كلمة كفر؛ ولكن لما كانت لا تقع منه عمدًا وإنما يسبق لسان بعضهم إليها لاعتياده قولها قبل أن يُسْلِمَ عَذَرَهُمْ بذلك، وأخبرهم بما يدفع مَعَرَّةَ التلفظ بها وهو أن يعلن بنقيضها وهو قول لا إله إلا الله.
قال في الفتح: «وقال ابن العربي: مَن حلف بها جادًّا فهو كافر، ومَن
_________________
(١) انظر: صحيح ابن حبان (الإحسان)، كتاب الأيمان، ذكر الزجر عن أن يحلف المرء بشيء سوى الله جلَّ وعلا، ١٠/ ١٩٩ - ٢٠٠، ح ٤٣٥٨.
(٢) انظر: صحيح البخاريِّ، كتاب الأدب، ٨/ ٢٦ - ٢٧، ح ٦١٠٣ - ٦١٠٨. [المؤلف]
[ ٣ / ٩٩٦ ]
قالها جاهلًا أو ذاهلًا يقول: لا إله إلا الله، يكفِّر الله عنه، ويرد قلبه عن السهو إلى الذكر، ولسانه إلى الحق، وينفي عنه ما جرى به من اللغو» (^١).
وأخرج النسائيُّ بسندٍ صحيحٍ عن سعد بن أبي وقَّاصٍ قال: حلفت باللات والعزَّى، فقال لي أصحابي: بئس ما قلتَ، قلتَ هُجْرًا (^٢)، فأتيت رسول الله ﵌ فذكرت ذلك له، فقال: «قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير؛ وانفث عن [٧٠٨] يسارك ثلاثًا، وتعوَّذْ بالله من الشيطان، ثم لا تَعُدْ».
وفي روايةٍ أخرى له: عن مصعب بن سعدٍ، عن أبيه، قال: كنا نذكر بعض الأمر وأنا حديث عهدٍ بالجاهليَّة، فحلفت باللات والعزَّى، فقال لي أصحاب رسول الله ﵌: بئس ما قلت، ائت رسول الله ﵌ فأخبره؛ فإنا لا نراك إلا قد كفرت، فأتيته فأخبرته فقال لي: «قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ثلاث مرَّاتٍ، وتعوَّذ بالله من الشيطان ثلاث مرَّاتٍ، واتفل عن يسارك ثلاث مرَّاتٍ، ولا تَعُدْ له» (^٣).
وأما ذِكْرُ البخاري لحديث عمر فقال في الفتح: «وقصد بذكره هنا
_________________
(١) فتح الباري ٨/ ٤٣٤. [المؤلف]
(٢) أي: قبيحًا من الكلام.
(٣) سنن النسائيّ، كتاب الأيمان والنذور، الحلف باللات والعزَّى، ٢/ ١٤٠، ح ٣٧٨٥ - ٣٧٨٦، وأخرجه ابن ماجه [في كتاب الكفَّارات، باب النهي أن يحلف بغير الله] مختصرًا، ١/ ٣٣٠، ح ٢٠٩٧. وصحَّحه ابن حِبَّان [(الإحسان)، كتاب الأيمان، ذكر الأمر بالاستعاذة بالله جلَّ وعلا من الشيطان لمن حلف بغير الله تعالى، ١٠/ ٢٠٦، ح ٤٣٦٥]، كما في الفتح ٨/ ٤٣٤. [المؤلف]
[ ٣ / ٩٩٧ ]
الإشارة إلى ما ورد في بعض طرقه: «مَن حلف بغير الله فقد أشرك». لكن لما كان حلف عمر بذلك قبل أن يسمع النهي كان معذورًا فيما صنع، فلذلك اقتصر على نهيه ولم يؤاخذه بذلك» (^١).
أقول: ومن الواضح أن احتجاج البخاري بحديث عمر في هذا الباب أنه يرى أن من حلف بأبيه غير جاهل ولا ذاهل فقد كفر، ويؤخذ من ذلك أنه يرى أن حديث سعد بن عبيدة صحيح ثابت. والله أعلم.
ومن شواهد الحديث ما في مصنف ابن أبي شيبة عن عكرمة قال: قال عمر: حَدَّثْتُ قومًا حديثًا فقلت: «لا وأبي»، فقال رجل من خلفي: «لا تحلفوا بآبائكم»، فالتفتُّ؛ فإذا رسول الله ﵌ يقول: «لو أنَّ أحدكم حلف بالمسيح هلك، والمسيح خيرٌ من آبائكم» (^٢).
قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذا مرسلٌ يتقوَّى بشواهده (^٣).
وفي كنز العمال عن مصنَّف عبد الرزاق عن الشعبي قال: مرَّ النبي ﵌ برجلٍ يقول: وأبي، فقال: «قد عُذِّب [٧٠٩] قومٌ فيهم ابن مريم، خير من أبيك، فنحن منك براءٌ حتى ترجع» (^٤).
وأخرج الحازمي في كتاب الاعتبار وابن عساكر وغيرهما عن يزيد بن سنان أنَّ النبيَّ ﵌ كان يحلف زمنًا فيقول: «لا وأبيك»
_________________
(١) فتح الباري ١٠/ ٣٩٥. [المؤلف]
(٢) المصنَّف، كتاب الأيمان والنذور، الرجل يحلف بغير الله أو بأبيه، ٣/ ٤١٦.
(٣) فتح الباري ١١/ ٤٢٥. [المؤلف]
(٤) كنز العمال ٨/ ٣٤٦. [المؤلف]. وهو في مصنَّف عبد الرزَّاق، كتاب الأيمان والنذور، باب الأيمان ولا يحلف إلا بالله، ٨/ ٤٦٨، ح ١٥٩٢٨.
[ ٣ / ٩٩٨ ]
حتى نُهِي عن ذلك، ثم قال النبي ﵌: «لا يحلف أحدكم بالكعبة؛ فإن ذلك إشراكٌ، وليقل: وربِّ الكعبة».
قال الحازمي: «هذا حديث غريب من حديث الشاميِّين، وإسناده ليس بذاك القائم غير أن له شواهد»، ثم ذكر حديث «أفلح وأبيه إن صدق» ونحوه (^١).
وأنا إنما ذكرته شاهدًا لحديث سعد بن عبيدة؛ لأن فيه: «فإنه إشراك».
وأخرج الإمام أحمد والنسائي والحاكم في المستدرك ــ وقال صحيح الإسناد وأقرَّه الذهبي ــ عن قُتَيْلَة بنت صَيْفِي ﵂ أن يهوديًّا أتى النبي ﵌ فقال: إنكم تُندِّدون، وإنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي ﵌ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: وربِّ الكعبة، ويقول أحد [هم]: ما شاء الله ثم شئت» (^٢).
وأخرج أبو داود والحاكم في المستدرك ــ وقال: صحيح الإسناد وأقرَّه الذهبي ــ[٧١٠] عن بريدة قال: قال رسول الله ﵌: «مَن
_________________
(١) الاعتبار ص ٢٢٩. [المؤلف]. وانظر: تاريخ دمشق، ترجمة يزيد بن سنانٍ، ٦٥/ ٢١٩.
(٢) مسند أحمد ٦/ ٣٧١ - ٣٧٢، سنن النسائيّ، كتاب الأيمان والنذور، الحلف بالكعبة، ٢/ ١٤٠ ح ٣٧٨٢ ــ واللفظ له ــ. والمستدرك، كتاب الأيمان والنذور، تسبيح ديكٍ رجلاه في الأرض وعنقه تحت العرش، ٤/ ٢٩٧، وفيه: « إنكم تشركون؛ تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة ». [المؤلف]. وما بين المعقوفتين من السنن الكبرى للنسائيِّ، وفي المجتبى: «ويقولون».
[ ٣ / ٩٩٩ ]
حلف بالأمانة فليس منا» (^١).
حقيقة القَسَم
وقع اشتباه في معناه، وارتباك في الجمع بين الأحاديث المتقدمة وإقسامِ الله ﵎ في كتابه بأشياء من مخلوقاته، كالشمس والقمر والتين والزيتون، وما صحَّ عن النبيِّ ﵌ من قوله: «أفلح وأبيه إن صدق» (^٢)، وقوله: «وأبيك لتنبأنَّ» (^٣)، وجاء عن أبي بكرٍ ﵁ أنه كان يقول للرجل الذي اتُّهِم بالسرقة وكان يقوم الليل: «وأبيك ما ليلك بليل سارقٍ» (^٤).
وألَّف الأستاذ حميد الدين الفراهي الهندي رسالة سماها: «الإمعان في أقسام القرآن» أجاد فيها، وسألخِّص هاهنا ما استفدته منها ومن غيرها، وما ظهر لي، فأقول:
أصل المقصود من القسم التوكيد اتفاقًا؛ ولذلك ــ والله أعلم ــ سمي
_________________
(١) سنن أبي داود، كتاب الأيمان والنذور، بابٌ في كراهية الحلف بالأمانة، ٢/ ١٠٧، ح ٣٢٥٣ - واللفظ له -. والمستدرك، الموضع السابق، ٤/ ٢٩٨. وصحَّحه النوويُّ في الأذكار ص ٥٢٦. [المؤلف]
(٢) أخرجه مسلمٌ في كتاب الإيمان، باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام، ١/ ٣٢، ح ١١ (٩).
(٣) أخرجه مسلمٌ في كتاب البرِّ والصلة والآداب، باب برِّ الوالدين ، ٨/ ٢، ح ٢٥٤٨ (٣).
(٤) أخرجه مالكٌ في الموطَّإ، كتاب الحدود، باب جامع القطع، ٢/ ٣٩٩، ح ٢٤١٨، ط: دار الغرب.
[ ٣ / ١٠٠٠ ]
يمينًا أخذًا من اليمين بمعنى القُوَّة، ويمكن أن يكون من اليد اليمين لما جرت به العادة من الصفق باليمين عند المحالفة، وسمي أليَّة من قولهم: أَلا يألو إذا اجتهد، لا من قولهم: ألا يألو إذا قصَّر.
وفي سنن أبي داود عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله ﵌ إذا اجتهد في اليمين قال: «والذي نفس أبي القاسم بيده» (^١).
وأما القَسَم فاسمٌ من قولهم: أَقْسَم إذا حلف، وكأنه مأخوذ من القَسْم بوَزْنِ فَلْسٍ، [٧١١] وهو الشك، كما في القاموس وغيره (^٢)، فقالوا: أقسم، أي: أزال القَسْم، كما قالوا: أشكاني الأمير، أي: أزال شكواي، كما في كتب اللغة والتصريف، والحالف إنما يحلف ليزيل الشكَّ.
وأما الحَلِفُ فكأنه مأخوذ من حلافة اللسان أي حدَّته ــ كما في القاموس وغيره (^٣) ــ؛ لأن حديد اللسان يكثر من القَسَم. ولذلك ــ والله أعلم ــ لم يجئ لفظ الحلف في القرآن إلا في معرض الذمِّ، قال تعالى:
_________________
(١) سنن أبي داود، كتاب الأيمان والنذور، بابٌ يمين النبيِّ - ﷺ - ما كانت، ٢/ ١٠٩، ح ٣٢٦٤. [المؤلف]. وهو في مسند أحمد ٣/ ٣٣ و٤٨. وصححه ابن الملقن في البدر المنير ٢٤/ ٢٠٨، ح ٢٤١٠. لكن في إسناده عاصم بن شميخ، لم يوثقه إلا العجلي ٢/ ٨، وذكره ابن حبان في الثقات ٥/ ٢٣٩. أما أبو حاتم فقال: (مجهول). الجرح والتعديل ٦/ ٣٤٥. ولذلك ضعَّفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود.
(٢) انظر: القاموس المحيط ١٤٨٣، لسان العرب ١٢/ ٤٨٠. وفيه أيضًا وفي معجم مقاييس اللغة ٥/ ٧٢ أن أصل ذلك من القسامة، ولم يذكر ابن فارس غيره، ونسبه إلى أهل اللغة.
(٣) انظر: القاموس المحيط ١٠٣٥، لسان العرب ٩/ ٥٦.
[ ٣ / ١٠٠١ ]
المقسم به على أضرب
﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ [التوبة: ٦٢]، وآيات أخرى كلُّها في المنافقين، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ [ن والقلم: ١٠].
فأما وجه إفادة القسم التوكيد فمختلِفٌ باختلاف المقسَم به، وهو على أضرُبٍ:
الضرب الأوَّل: أن يكون في اعتقاد الحالف ومخاطَبيه ذا قدرة غيبية، فمعنى الحلف به جَعْلُه كَفيلًا وشاهدًا على الحالف بألَّا يُخْلِفَ ولا يكذب، قال الله ﵎: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١].
وقال ﷿: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤].
قال ابن جرير: «فقال بعضهم: نزلت في الأخنس بن شريق، قَدِمَ على رسول الله ﵌ فزعم أنه يريد الإسلام وحلف أنه ما قَدِمَ إلا لذلك حدثني يونس قال: أنا ابن وهب قال: قال ابن زيد ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ إلى قوله: ﴿.. وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ قال: كان رجل يأتي إلى النبي ﵌ فيقول: أي رسول الله، أشهد أنك جئت بالحق ثم يقول: أما والله يا رسول الله إن الله ليعلم ما في قلبي مثل ما نطق به لساني (^١).
[٧١٢] فالجَعْلُ للمحلوف به كَفيلًا ظاهرٌ فيما إذا كان الحلف على فعل
_________________
(١) تفسير ابن جرير ٢/ ١٧٥ - ١٧٦. [المؤلف]
[ ٣ / ١٠٠٢ ]
شيء في المستقبل أو تركه، وإشهاده ظاهر فيما يكون الحلف على أنه وقع أو لم يقع، أو أنه واقع في الحال، أو غير واقع، وكذا على أنه سيقع في المستقبل، أو أنه لن يقع؛ لأن العلم إذا أحاط بوقوع شيء في المستقبل أو عدم وقوعه صار كأنه حاضر فتصحُّ الشهادة والإشهاد عليه كما يقول المؤمن: أشهد أن الساعة ستقوم، ونحو ذلك.
ويمكن أن يكون الحلف على الوقوع وعدمه تكفيلًا، كأن الحالف يجعل المحلوف به كفيلًا عليه ألَّا يكذب. ومن هذا الضرب: الحلف بالكعبة، لأن الحالف يرى أنها كريمة عند الله ﷿، بحيث يغضب على من احتقرها واستهان بها، ومن جعل شيئًا كفيلًا ولم يفِ أو شهيدًا على كَذِبٍ فقد احتقره واستهان به.
ومنه أيضًا الحلف بالأصنام؛ لأن الحالف يزعم أنها كريمة عند مَن جُعِلَتْ تماثيل لهم، وهم أولو قدرة غيبيَّة أو مكرمون عند الله تعالى الذي له القدرة الغيبيَّة، فيزعم أن احتقارها والاستهانة بها احتقار لهم، وقس على ذلك.
وإنما يثق المحلوف له باليمين في هذا الضرب؛ لأنه يعلم أن الحالف يُجِلُّ المحلوف به ويخاف سطوته الغيبيَّة، فيبعد أن يجعله كفيلًا ثم لا يفي له أو شهيدًا على الكذب، وعلى فرض أن الحالف يجترئ على ذلك فالمحلوف به يعاقبه ويوفي المحلوف له حقَّه من عنده.
[٧١٣] الضرب الثاني: أن يكون المحلوف به عزيزًا على الحالف ولا يرى له قدرة غيبية، وذلك كما يحلف بعض الناس بشرفه، كأنه يقول: إن شرفي كفيل عليَّ، بمعنى: أني إن لم أفِ أو إن كنتُ كاذبًا فقد احتقرتُ
[ ٣ / ١٠٠٣ ]
توجيه لفظي: (وأبيه) و(وأبيك) الواردين في بعض الأحاديث
شرفي أو فلا شرف لي. ومنه قولهم: وحقِّك، كأنه يقول: إن لم أفِ أو إن كنت كاذبًا فقد ضيَّعْتُ ما لك من الحقِّ عليَّ. وقد يكون منه قولهم: وحياتِك، ورأسِك، وجَدِّك، كأنه يقول: إن لم أف أو إن كنت كاذبًا فقد احتقرتُ حياتك واستهنتُ بها، فاعددني حينئذٍ عدوًّا، فيثق المحلوف له بهذه اليمين؛ لعلمه أن الحالف حريصٌ على بقاء المودَّة.
الضرب الثالث: أن يكون المحلوف به مما له خطر عند الحالف، بحيث يضرُّه أن يَتْلَفَ أو يَنْقُصَ، فيحلف به على معنى أني إن لم أفِ أو إن كنت كاذبًا فالإله يتلف هذا الشيء أو ينقصه، كحلف بعضهم برأسه وعينيه وحياته. ويمكن أن يكون منه قول أحدهم لصديقه: وحياتك، ورأسك، وجدِّك، كأنه يقول: إن حياتك أعزُّ عليَّ من حياتي، فهي أولى أن أقسم بها. وهذا المعنى المفهوم من القسم يَغفِرُ ما يؤول إليه المعنى؛ إذ حاصله: إن لم أَفِ أو إن كذبتُ فأفقدني الله تعالى حياتك، وكأن القائل (^١):
فإن تكُ ليلى استودعتني أمانةً فلا وأبي أعدائها لا أخونها
استشعر هذا المعنى، فرأى أنه إن قال: وأبيها، كان حاصله: أفقدني الله تعالى [٧١٤] أباها إن خنتها، وفي هذا ما فيه من الإساءة، فعدل عن أبيها إلى أبي أعدائها؛ لأنَّ فقد أبي أعدائها يسرُّها ولا يضرُّها، ولم يبال باختلال أصل المعنى اتِّكالًا على أن القرائن تبين أنه إنما أراد القسم بأبيها، ولكنه عدل إلى أبي أعدائها لما تقدَّم.
ويظهر أن لفظ الأب مقحم، وأنه أراد القسم بها، ولكن لما كان واو
_________________
(١) البيت لابن الدمينة، في ديوانه: ٩٣، وحماسة الخالديين: ٧٤.
[ ٣ / ١٠٠٤ ]
القسم لا يدخل على الضمير أقحم لفظ أب، ثم أقحم لفظ أعداء، لما تقدم.
ويشبه هذا قولهم: (الأبعد) كناية عن ضمير المتكلم مثلًا، كقولهم: إن غدر الأبعد فأهلكه الله، يريدون: إن غدرتُ، ولكن يتنزهون عن نسبة الغدر إلى النفس صريحًا.
ومثل هذا قول الآخر:
لعمر أبي الواشين إني أحبها (^١)
وقد يكون البيتان من الضرب الرابع، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
الضرب الرابع: أن يكون في المحلوف به دلالة على المحلوف عليه، فكأن الحالف جعله كفيلًا وشاهدًا بالنظر إلى حاله، كقول الحصين بن الحُمام المُرِّي يرثي نعيم بن الحارث:
قتلنا خمسة ورموا نُعيمًا وكان القتل للفتيان زينا
لعمر الباكيات على نعيم لقد جلَّت رزيته علينا (^٢)
أقسم بالباكيات منهم استدلالًا ببكائهن على عظم رزيته عليهم.
ويقرب منه قول الشويعر يتنصل إلى امرئ القيس مما بلغه عنه أنه هجاه:
_________________
(١) انظر: فتح الباري ١١/ ٥٣٤، وورد في مجالس ثعلب ٢/ ٥٠٧ وغيره بلفظ: لعمر أبي الواشين لا عمر غيرهم لقد كلَّفوني خطَّةً لا أريدها.
(٢) انظر: الأغاني ١٤/ ١٢، ونُسب إلى البطين في طبقات الشعراء لابن المعتز ٢٥٠ وهو خطأ.
[ ٣ / ١٠٠٥ ]
لعمر أبيك الذي لا يهان لقد كان عرضك مني حراما
وقالوا: هجوت ولم أهجه وهل يجدن فيك هاجٍ مذاما (^١)
استشهد بعِزَّة أبي امرئ القيس وسلامته من الذام على أنه لم يهجه، وأوضح ذلك بقوله: «الذي لا يهان»، وقوله: «وهل يجدن فيك هاج مذاما».
وقد يكون من هذا قول الآخر وقد مرّ: «فلا وأبي أعدائها لا أخونها»، كأنه جعل أعداءها كفلاء عليه لا يخونها، وإنما جعلهم كفلاء نظرًا إلى حالهم؛ لأنهم قد جرَّبوه وعرفوا صدق محبته لها وشدة حرصه على كتمان سرِّها، فلو سُئِلوا لقالوا: هيهات [٧١٥] أن يبوح هذا الرجل بسرِّ هذه المرأة.
وكذا قول الآخر وقد تقدَّم أيضًا: «لعمر أبي الواشين إني أحبُّها»، فإن الواشين أعرف الناس بمحبته لها وأحرص الناس على إذاعتها، أي: فمن شك في محبتي لها فليستمع إلى ما يقوله الواشون عني وعنها، ففي ذلك شهادة كافية. ومنه قول أبي خراش الهذلي:
لعمر أبي الطير المُرِبَّة (^٢) غدوة على خالد لقد وقعن على لحم (^٣)
أراد على لحم عظيم؛ لأن التنكير قد يفيد التعظيم، وأقسم بالطير التي وقعت عليه لأنها أعرف الخلق به. وكلمة: «أبي» في هذه الأبيات الثلاثة مقحمة كما علم من تفسيرها، وكأن الباعث على إقحامها الفرار مما يوهمه
_________________
(١) المؤتلف والمختلف في أسماء الشعراء ٢٠٨ - ٢٠٩. والشويعر هو محمد بن حمران بن أبي حمران.
(٢) أي: المقيمة الآلفة. المعاني الكبير لابن قتيبة ٣/ ١٢٠٠.
(٣) شرح أشعار الهذليِّين ٣/ ١٢٢٦.
[ ٣ / ١٠٠٦ ]
القسم من إجلال الأول أعداء محبوبته والثاني الواشين بخليلته والثالث الطير الواقعة على صاحبه، فرأى الأول أن إيهام إجلال أبي أعدائها أهون، وقس عليه، هذا مع مراعاة الوزن في الأبيات الثلاثة.
الضرب الخامس: أن يكون المحلوف به شيئًا حقيرًا، فيحلف به على كلام قصد به التهكم والاستهزاء، ويكون الحلف به قرينة على ذلك، كقول عروة بن مرة الهذلي:
وقال أبو أمامة يا لَبَكْرٍ فقلت ومَرخةٍ (^١) دعوى كبيرُ (^٢)
وقد حقق الأستاذ الفراهي أن عامة أقسام القرآن من الضرب الرابع، وذلك واضح في كثير منها، ويحتاج في بعضها إلى تدبُّرٍ.
فأما قوله ﵌: «أفلح وأبيه إن صدق»، وقول أبي بكر: «وأبيك، ما ليلُك بليل سارق»، فيظهر أنه من الضرب الرابع.
[٧١٦] كأنه ﵌ استشهد حال ذلك الرجل؛ لأنها تدل على أنه سيفلح؛ فإن في قصته: «جاء رجل إلى رسول الله ﵌ فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله ﵌: خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: هل عليَّ غيرهنَّ؟ قال: لا، إلَّا أن تطوَّع، وصيام شهر رمضان، فقال: هل عليَّ غيره؟ فقال: لا، إلا أن تطوَّع، وذكر له رسول الله ﵌ الزكاة، فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوَّع، قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على
_________________
(١) المرخ: شجرٌ سريع الوري. القاموس المحيط ٣٣٢.
(٢) شرح أشعار الهذليِّين ٢/ ٦٦٤.
[ ٣ / ١٠٠٧ ]
هذا ولا أنقص منه، فقال رسول الله ﵌: أفلح إن صدق.
وفي رواية: «أفلح وأبيه إن صدق، أو: دخل الجنة وأبيه إن صدق» (^١).
فمجيء الرجل من نجد واهتمامه بالسؤال عن فرائض الإسلام واعتناؤه بذلك حتى سأل بعد كل فريضة: هل عليَّ غيرها؟ ثم إدباره بعد ذلك، فعلم أنه إنما جاء للسؤال عن فرائض الإسلام لم يخلط بذلك رغبة في دنيا، ثم إقسامه ألّا يزيد على الفرائض ولا ينقص، وفي إقسامه ألَّا يزيد ما يدلُّ على صدق لهجته؛ إذ أظهر ما في نفسه ولم يبال بأنَّ عليه في ذلك غضاضة، كلُّ هذا يدلُّ على صدق إيمانه وقوَّة يقينه وتصميم عزيمته على الوفاء بفرائض الإسلام، وفي ذلك أقوى علامة على فلاحه.
فأما قول النبيِّ ﵌: «إن صدق»، فهو كقول القائل: لأقضينك دينك إن شاء الله، فليس تعليقًا محضًا بحيث يخدش في دلالة الكلام على عزم المتكلم أن يقضي، وإنما هو دلالة على أنَّ عزمه على القضاء لا يقتضي علم اليقين بأنه سيقضي، وإنما يحصل علم اليقين بذلك العزم مع مشيئة الله ﷿، فهكذا: أفلح وأبيه إن صدق؛ معناه: إنني أظنُّ ظنًّا قويًّا أنه سيفلح، ولكن ظنِّي هذا لا يكفي وحده [٧١٧] لحصول الفلاح، بل لا بدَّ معه من أن يصدق الرجل فيما وعد به أن يؤدِّي الفرائض ولا ينقص منها شيئًا.
_________________
(١) صحيح مسلمٍ، كتاب الإيمان، باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام، ١/ ٣١ - ٣٢، ح ١١ (٩). [المؤلف]
[ ٣ / ١٠٠٨ ]
أو يُقال: إن زيادة «إن صدق» دفع لما قد يتوهم أن المعنى: قد أفلح الرجل على كلِّ حال حتى على فرض أنه يُقَصِّر بعد ذلك في أداء الفرائض.
وأما ما روي عن أبي بكر ﵁ من قوله: «وأبيك ما ليلك بليل سارقٍ»، فواضحٌ أنه من هذا الضرب؛ لأن قيام الليل دائمًا يدلُّ دلالة قويَّة أن صاحبه ليس بسارقٍ.
وأما قول النبي ﵌: «وأبيك لتنبَّأنَّه»، فأصل الحديث: «عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﵌ فقال: يا رسول الله، أيُّ الصدقة أعظم أجرًا؟ فقال: أما وأبيك لتنبَّأنَّه: أن تَصدَّقَ وأنت صحيحٌ شحيحٌ » (^١).
السائل يعلم أنَّ النبيَّ ﵌ عالم بما سأله عنه، وأنه ﵌ سينبئه بذلك، وكأنه ﵌ رأى من هيئة الرجل وكلامه ما يظهر منه أنه كالمتردد: أينبئه النبي ﵌ بما سأل عنه أم لا، فكأنه قال له: لم هذا التردد مع علمك بأنك إنما تسأل رسول الله، وأنه عالم بما تسأله عنه، وأنه لا يقصِّر في تعليم الناس ما يحتاجون إليه في دينهم، والله أعلم.
وقد علمت من تفسيرنا للحديثين والأثر عن أبي بكر أننا نرى أن لفظ الأب [٧١٨] مقحم فيها كما هو مقحم في الأبيات المارَّة، وكأنَّ الباعث على الإقحام أنَّ واو القسم لا تدخل على الضمير فتوصل إليه بإقحام لفظ الأب،
_________________
(١) صحيح مسلمٍ، كتاب الزكاة، باب بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح، ٣/ ٩٣ - ٩٤، ح ١٠٣٢ (٩٣). [المؤلف]
[ ٣ / ١٠٠٩ ]
وباعث آخر معنوي، وهو تبعيد إيهام التعظيم؛ فإنه يتوهم تعظيم المخاطبين؛ لأنهم مسلمون، بخلاف آبائهم المشركين، والله أعلم.
وهناك أجوبة أخرى عن الحديثين، منها: الطعن في زيادة «وأبيه» في الأول، وزيادة «أما وأبيك لتنبأنه» في الثاني بتفرد بعض الرواة بهما.
وفي مسند أحمد: ثنا إسماعيل (^١)، ثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي إسحاق (^٢)، قال: حدثني رجلٌ من غفارٍ في مجلس سالم بن عبد الله، حدثني فلان أن رسول الله ﵌ أتي بطعامٍ من خبزٍ ولحمٍ، فقال: «ناولني الذراع»، فَنُووِل ذراعًا فأكلها، قال يحيى: لا أعلمه إلا هكذا، ثم قال: «ناولني الذراع»، فَنُووِل ذراعًا فأكلها، ثم قال: «ناولني الذراع»، فقال: يا رسول الله، إنما هما ذراعان، فقال: «وأبيك، لو سكتَّ ما زلتُ أناوَلُ منها ذراعًا ما دعوتُ به»، فقال سالم: أمَّا هذه فلا، سمعت عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «إن الله ﵎ ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم» (^٣).
فأنكر سالم بن عبد الله بن عمر هذه الزيادة، وهو سلفٌ لمن أنكرها في الحديثين السابقين، ويمكن تأويلها في هذا الحديث بمثل ما تقدَّم، كأن
_________________
(١) هو ابن عُليَّة.
(٢) كذا في الأصل وفي أكثر نسخ المسند، والصواب: يحيى بن أبي إسحاق. كما في بعض نسخه وإتحاف المهرة. انظر: المسند - ط الرسالة- ح ٥٠٨٩، إتحاف المهرة ٨/ ٤٢٨، ح ٩٧٠٣. وقد رواه النسائيّ على الصواب. انظر: سنن النسائيّ، كتاب الأيمان والنذور، ٧/ ٤. تحفة الأشراف ٥/ ٤١٦، ح ٧٠٣٤.
(٣) المسند ٢/ ٤٨. [المؤلف]
[ ٣ / ١٠١٠ ]
النبيَّ ﵌ استشهد حال السامع من علمه بأن الله تعالى كثيرًا ما يخرق العادة لرسوله، وأقحم لفظ الأب، كما تقدَّم.
ومن الأجوبة: ما نقله الحافظ في الفتح، أن القَسَم في هذه المواضع للتأكيد محضًا، [٧١٩] كأن قائل ذلك أراد أن القسم انسلخ عن التكفيل والاستشهاد المستلزمين غالبًا للتعظيم، وصار بمنزلة إنَّ ونحوها للتوكيد فقط، كأنه قال: «أؤكِّد».
قال البيهقي في السنن: «ويحتمل أن النهي إنما وقع عنه إذا كان على وجه التوقير له والتعظيم لحقه دون ما كان بخلافه، ولم يكن ذلك منه على وجه التعظيم، بل كان على وجه التوكيد» (^١).
ومنها: قول السهيلي: إنه للتعجب، كأنه أراد أن قوله: «وأبيه» بمنزلة قولهم: «لله أبوه»، وقس عليه.
هذه أقوى الأجوبة فيما أرى، والجواب الذي قدَّمته أشفُّها (^٢)، إلا أنه قد يُطعن فيه بأنَّ دعوى إقحام لفظ الأب لا يعرف لها نظير في العربية.
وقد ردَّ أبو حيان قولَ مَن قال: إن كلمةَ «مثل» من قول الله ﷿: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] زائدة، ردَّه بأن الأسماء لا تُزاد. ويُدْفَعُ هذا بأنَّ المعنى إذا اقتضى توجيه اللفظ بزيادة أو نقص أو تغيير لا تأباه الحكمة ولا تدفعه الصورة الكلية المرتسمة في ذهن العارف باللغة وما يقع فيها من التغيير، فإن ذلك التوجيه يُقْبَلُ وإن لم يوجد له نظير.
_________________
(١) سنن البيهقي ١٠/ ٢٩. [المؤلف]
(٢) أفضلها. انظر: الصحاح ٤/ ١٣٨٢.
[ ٣ / ١٠١١ ]
وقد قال ابن جني: «أما إذا دلَّ الدليل فإنه لا يجب إيجاد النظير » (^١).
أوَ لا ترى إلى صيغة (أَفْعِلْ بِه) في التعجب، نحو قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ﴾ [مريم: ٢٨]، كيف وَجَّهوها بأنَّ: ﴿أَسْمِعْ﴾ فعل ماضٍ، أصله: أَسْمَعَ كأكرم، ومعناه: صار ذا سمع، فأصله في الآية: أسمَعُوا أي صاروا ذوي سمع، [٧٢٠] ثم حُوِّل إلى موازنة صيغة الأمر مع بقائه على الماضوية، ثم زيدت الباء وجوبًا، فوجب تغيير الفاعل من صورة ضمير الرفع، وهو الواو هنا، إلى صورة ضمير الجر. ولو تَطَلَّبْتَ في اللغة فعلًا ماضيًا صورته صورة الأمر لما وجدتَّه إلَّا ما ادَّعوه في هذا الموضع، فلم يمنعهم عَدَمُ النظير من توجيه اللفظ على ما سمعت لمَّا كان المعنى يقتضي ذلك، فكذلك نقول نحن. ومع هذا فقد وجدنا النظير، ولله الحمد، وهو قول الله ﵎: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]؛ فقد قال جماعة: إن كلمة (اسم) مقحمة، وإن المعنى: سبِّح ربك الأعلى، والأحاديث عن النبيِّ ﵌ والآثار عن الصحابة ﵃ تدلُّ على ذلك، انظرها في روح المعاني وتفسير ابن جرير، وأنشدوا للبيدٍ (^٢):
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومَن يبك حولًا كاملًا فقد اعتذر
فأما حديث أبي داود وغيره عن الفُجَيع (^٣)، وفيه: أنَّ النبيَّ صلَّى الله
_________________
(١) الخصائص ١/ ٢٠٣. [المؤلف]
(٢) انظر: شرح ديوان لبيد ص ٢١٤، وخزانة الأدب ٤/ ٣٣٧.
(٣) الفُجَيع بن عبد الله بن جُنْدُع بن البكاء ــ واسمه ربيعة ــ البكائي، له صحبة، سكن الكوفة. انظر: الإصابة ٨/ ٥٢٠.
[ ٣ / ١٠١٢ ]
عليه وآله وسلَّم قال: «ذلك ــ وأبي ــ الجوعُ» (^١)، فهو حديث ضعيف. وكذلك حديث يزيد بن سنان ــ وقد تقدَّم سنده ــ ضعيف، ولكنه يشهد لحديث سعد بن سنان فيما اتفقا فيه كما مرَّ، والله أعلم.
بقي أنه قد جاء في كلام الصحابة وغيرهم «لعمري»، وهي على المشهور بمعنى: أقسم بحياتي، فيكون قسمًا بغير الله تعالى.
فأقول: قد جاء في تفسير قول الله ﷿: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] ما أخرجه ابن جرير وغيره من طريق سعيد بن زيد، قال: ثنا عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء [٧٢١] عن ابن عباس قال: ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفسًا أكرم على الله من محمد ﵌، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره، قال الله تعالى ذكره: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
وأخرج ابن جرير أيضًا من طريق الحسن بن أبي جعفر (^٢)، قال: ثنا عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، قال: ما حلف الله تعالى بحياة أحد إلا بحياة محمد ﵌، قال: وحياتك يا محمد، وعُمْرك، وبقائك في الدنيا، ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي: في ضلالتهم يعمهون، أي:
_________________
(١) سنن أبي داود، كتاب الأطعمة، بابٌ في المضطرِّ إلى الميتة، ٢/ ١٧٨، ح ٣٨١٧.
(٢) ضعيف جدًّا كما سيذكره المؤلف، وقال ابن عديٍّ: هو عندي ممن لا يتعمَّد الكذب، ولعلّ هذه الأحاديث التي أُنكرت عليه توهَّمها توهُّما أو شُبِّه عليه فغلط. انظر: تهذيب الكمال ٦/ ٧٣.
[ ٣ / ١٠١٣ ]
يلعبون» (^١).
أقول: في ترجمة أبي الجوزاء من التاريخ الكبير للبخاري (^٢): «وقال لنا مُسَدَّد: عن جعفر بن سليمان، عن عمرو بن مالك النكري، عن أبي الجوزاء قال: أقمت مع ابن عباس وعائشة اثنتي عشرة سنة ليس من القرآن آية إلا سألتهم عنها. قال محمد: في إسناده نظر».
ونبه الحافظ ابن حجر في ترجمة أبي الجوزاء من تهذيب التهذيب (^٣) على أن البخاري إنما قال هذا لمكان النكري، قال: «والنكري ضعيف عنده» أي: عند البخاري، ولم يذكر في ترجمة النكري أحدًا وثَّقه إلا قول ابن حبان في الثقات (^٤): «يعتبر حديثه من غير رواية ابنه عنه، يخطئ ويغرب». وقد عُرِفَ من مذهب ابن حبان في الثقات أنه يذكر فيها المجاهيل، ومع ذلك فقوله: «يعتبر حديثه» ظاهر في أنه لا يعتمد عليه.
وقوله: «يخطئ ويغرب» الظاهر أنه وصف للأب؛ لأن هذا الكلام في ترجمته، ولأنه الموافق لقوله: «يعتبر حديثه»؛ [٧٢٢] إذ الحكم عندهم فيمن يخطئ ويغرب أن يعتبر به ولا يعتمد عليه، ولأن كلام ابن حبان في الابن صريح في أنه لا يعتبر بروايته أصلًا، فهو عنده أسوأ حالًا من أن يكون يخطئ ويغرب فقط، والله أعلم.
_________________
(١) تفسير ابن جرير ١٤/ ٢٧ - ٢٨. [المؤلف]
(٢) ٢/ ١٦ - ١٧.
(٣) ١/ ٣٨٤.
(٤) ٧/ ٢٢٨. وانظر: تهذيب التهذيب ٨/ ٩٦.
[ ٣ / ١٠١٤ ]
فأما قول الذهبي في الميزان (^١): «ثقة» فإنما اعتمد ذكر ابن حبان له في الثقات، وقد علمت ما فيه.
وسعيد بن زيد مختلف فيه، والحسن بن أبي جعفر ضعيف جدًّا على عبادته.
وأخرج ابن جرير أيضًا من طريق أبي صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿لَعَمْرُكَ﴾، يقول: لَعَيْشُك، ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾ قال: يتمادون (^٢).
وهذا السند ضعيف عندهم، إلا أن البخاري يستأنس بما رُوِيَ به فيعلِّقه في صحيحه، وأبو صالح ومعاوية بن صالح مختلف فيهما، وعلي بن أبي طلحة فيه شيء، ونصَّ الأئمة أنه لم يسمع من ابن عباس، ولكن ذكروا أنه سمع التفسير من مجاهد عن ابن عباس، وهذا لا يغني؛ لأننا لا ندري في هذه الرواية أمِمَّا سمعه من مجاهد هي أم لا؟ (^٣).
وقال ابن جرير: «وحدثني أبو السائب قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون أن يقول الرجل: لعمري، يرونه
_________________
(١) ٣/ ٢٨٦.
(٢) تفسير ابن جرير ١٤/ ٢٨. [المؤلف]
(٣) أثنى الإمام أحمد على صحيفته في التفسير، وقال أيضًا: «له أشياء منكرات»، ودافع عنه الحافظ ابن حجر بأنه «حمل عن أصحاب ابن عباس»، وقال: «بعد أن عرفت الواسطة وهو ثقة فلا ضير في ذلك». العلل للإمام أحمد رواية المروذي ص ١٦٨، الناسخ والمنسوخ للنحاس ١/ ٤٦٢، العجاب ١/ ٢٠٧، الإتقان ٦/ ٢٣٣٢.
[ ٣ / ١٠١٥ ]
كقوله: وحياتي» (^١).
أقول: أبو معاوية والأعمش يدلِّسان.
[٧٢٣] وذكر في لسان العرب (^٢) الأثر عن ابن عباس ثم قال: «قال أبو الهيثم: النحويون ينكرون هذا، ويقولون: معنى لعمرك: لدينك الذي تعمر.
وأنشد لعمر بن أبي ربيعة (^٣):
أيها المنكح الثريّا سهيلًا عمرك الله كيف يجتمعان
قال: عمرك اللهَ: عبادتك الله، فنصب.
وأنشد (^٤):
عمركِ الله ساعةً حدِّثينا ودَعِينا مِنْ قَول مَنْ يؤذينا
أقول: لأهل اللغة اضطرابٌ كثير في هذه الكلمة، وحاصله أن العَمر بالفتح يأتي بمعنى الدِّين، وبمعنى العبادة، ويمكن أن يكون المعنيان واحدًا، وبمعنى الحياة لغة في العُمر بضم العين، والضم أشهر، ولم يأت قولهم: لعمرك إلا بالفتح، وهذا مما يضعف تفسيره بالحياة.
ولا حاجة للإطالة، بل نقول: إنَّ ما صح عمَّن يُعْتَدُّ بقوله من الصحابة
_________________
(١) تفسير ابن جرير ١٤/ ٢٨. [المؤلف]
(٢) ٤/ ٦٠١.
(٣) ديوانه: ٥٠٣.
(٤) في لسان العرب: (ذرينا) بدل (دعينا). وهو كذلك في تهذيب اللغة ٢/ ٣٨١. وانظر رواية: (دعينا) في المخصص لابن سيده، المجلد الخامس (١٧/ ١٦٥).
[ ٣ / ١٠١٦ ]
وغيرهم من قولهم: لعمري ولعَمرك، فالظاهر أنهم رأوا العَمر بمعنى العبادة، ثم قصدوا به المعبود، من باب إطلاق المصدر على اسم المفعول، كقولهم: فلان عدل رضى، أي: مرضي.
فأما قولهم: (لعمر الله) فإن صح عمن يُعْتَدُّ بقوله فكأنه قصد بالعَمر البقاء، كما يقوله بعض أهل اللغة، وبقاء الله صفة له، فلا يكون القَسَمُ بها قسمًا بغير الله.
ثم رأيت هذا المعنى؛ فقد ترجم له البخاري: «باب قول الرجل: لعمر الله، قال ابن عباس: لعمرك: لعيشك»، ثم ذكر ما قاله أسيد بن حضير في حديث الإفك: «لعمر الله لنقتلنه» (^١).
وقال الحافظ في الفتح: «وقال أبو القاسم الزَّجَّاج (^٢): العمر الحياة، فمن قال: لعمر الله كأنه حلف ببقاء الله (^٣)
ومن ثم قال المالكية (^٤) والحنفية (^٥): تنعقد بها اليمين؛ لأن بقاء الله من صفة ذاته.
_________________
(١) البخاريّ، كتاب الأيمان والنذور، باب قول الرجل: لعمر الله، ٨/ ١٣٥، ح ٦٦٦٢. [المؤلف]
(٢) كذا في الأصل وفتح الباري، والصواب: الزجَّاجيّ. وهو العلّامة النحويّ أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجَّاجيّ، نسبةً إلى شيخه أبي إسحاق الزجَّاج، من مصنّفاته: الجُمَل في النحو، ت ٣٣٩ هـ. الأنساب ٦/ ٢٥٦، إنباه الرواة ٢/ ١٦٠، بغية الوعاة ٢/ ٧٧.
(٣) انظر: الجمل ص ٧٤.
(٤) النوادر والزيادات ٤/ ١٦.
(٥) الهداية شرح البداية ٢/ ٧٤، البحر الرائق ٤/ ٣٠٨.
[ ٣ / ١٠١٧ ]
فصل (الضرب الأول من القسم يفهم إجلال الحالف المحلوف به
وعن مالك: لا يعجبني الحلف بذلك
وقال الشافعي وإسحاق: لا تكون يمينًا إلا بالنية (^١)؛ لأنه يطلق على العلم، وعلى الحق، وقد يراد بالعلم المعلوم، وبالحق ما أوجبه الله
وأجابوا عن الآية: أن يقسم (^٢) من خلقه بما شاء وليس ذلك لهم، لثبوت النهي عن الحلف بغير الله » (^٣).
وأما قولهم: عَمْرك الله، فعَمْر بمعنى العبادة أو التعمير، أي: اعتقاد البقاء، وهو من باب المناشدة، كأنه قال: أنشدك بعبادتك الله أو باعتقادك بقاءه، وهذه المناشدة ليست من القَسَمِ في شيء، والله أعلم.
فأما الآية فلا مانع من أن يكون العَمْر فيها بمعنى الحياة، وقد أقسم الله تعالى في كتابه بكثير من المخلوقات كما علمت. والله أعلم.
[٧٢٤] فصل
القَسَم من الضرب الأول يُفْهِمُ إجلالَ الحالف للمحلوف به، واعتقادَه أن له سطوة غيبية بحيث ينالُ الحالفَ النفعُ الغيبي إذا وفى وصدق، وأنه إن لم يف أو يَصْدُقْ نالته عقوبته ونال المحلوفَ له النفعُ الغيبِي بإيفائه حقه إن كان له حق.
ومن ذلك: الحلف بالكعبة يُفْهِمُ احترامَ الحالف لها واعتقادَه أن لها سطوة غيبية، بمعنى أنها كريمة على الله ﷿، بحيث ينال الحالف بها
_________________
(١) روضة الطالبين ١١/ ١٦.
(٢) في فتح الباري: بأن لله أن يقسم.
(٣) فتح الباري ١١/ ٤٣٨. [المؤلف]
[ ٣ / ١٠١٨ ]
النفعُ الغيبي أو العقوبةُ الغيبيَّةُ من الله ﷿.
ونحوه الحلف بالصنم يُفْهِمُ احترامَ الحالف له واعتقادَه أن له سطوة غيبيَّة، بمعنى أنه كريم على من له سطوة غيبية، وهو مَنْ جُعِلَ الصنمُ تمثالًا أو تذكارًا له، أو أنه كريم عند مَنْ هو كريم عند مَنْ له سطوة غيبيَّة، وهذا فيمن يجعل الصنم تمثالًا لإنسان ولا يعتقد لذلك الإنسان سطوة غيبية ذاتية، ولكنه يقول: ذلك الإنسان كريم على الله ﷿، ولله تعالى السطوة الغيبيَّة.
إذا ثبت هذا فقد ثبت أن القَسَم من هذا الضرب خضوع وتعظيم للمُقْسَم به يُطْلَب به نفعٌ غَيْبِيٌّ للحالف أو للمحلوف له على فَرْضٍ، وهذا الخضوع والتعظيم هو العبادة كما مرّ تحقيقه، والعبادة إذا لم ينزل الله تعالى بها سلطانًا فهي عبادة لغير الله وعبادة غير الله كفر وشرك.
والحلف بالكعبة من هذا؛ لأن الله تعالى لم ينزل سلطانًا بجواز الإقسام بها، وإنما كان يقع من قريبي العهد بالإسلام غير عالمين بأنه شرك، فلما بين لهم النبي ﵌ ذلك اجتنبوه.
[٧٢٥] ويجوز أن الذين كانوا يقولون: والكعبةِ، كانوا يريدون: وربِّ الكعبة، ولكن لما لم تكن هناك قرينة ظاهرة على الإضمار كان ظاهر الكلام شركًا.
فأما الحلف باللات والعزى غَيْرَ جاهل ولا ذاهلٍ فشركٌ لا ريب فيه كما تقدَّم.
وقد سبق أنَّ اللات والعزى ومناة في الأصل أسماء للإناث الخياليات
[ ٣ / ١٠١٩ ]
التي كان يزعم المشركون أنهن الملائكة، ثم أُطْلِقَتْ هذه الأسماء على الأصنام؛ لأنها تماثيل لتلك الإناث (^١).
ولم يُفَرَّقْ في الأحاديث بين مَنْ قصد باللات والعزى الأصنامَ ومَنْ قصد الإناث الخياليات، ومَنْ قصد الملائكة على قياس ما تقدَّم (^٢) في توجيه رواية: «تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترجى»، فَعُلِمَ من عدم التفرقة أنه لا فرق.
وهذا مع ما تقدَّم في ذكر الحلف بالمسيح ومع عموم النصوص أن الحلف بغير الله شرك، وما حقَّقناه أنَّ القَسَم من الضرب الأول عبادة، كلُّ ذلك واضح في أنَّ الحلف بالملائكة والأنبياء والصالحين كالحلف بالكعبة.
فأمَّا ما جاء عن بعض الحنابلة في صحة القَسَمِ بالنبي ﵌ (^٣)، فإن كان إنما أراد أنَّ من أقسم بالنبي ﵌ تلزمه الكفارة تغليظًا، كما يقوله الحنفية والحنابلة فيمن نذر معصية أنَّ عليه كفارة يمين، مع قولهم: إنَّ نذر المعصية حرام أو كفر، بل قال الحنفية: إنَّ من حلف باللات والعزى والأصنام تلزمه الكفارة، قالوا: لأنَّ الله تعالى أوجب في الظهار الكفارة؛ لكون الظهار منكرًا من القول وزورًا، والحلف بالأصنام كذلك. وإنما خصَّ هذا القائل النبي ﵌ لأنه لعلوِّ درجته يُخْشَى على الناس الغلوُّ فيه.
_________________
(١) انظر ص ٧٠٨.
(٢) انظر ص ٥٨٨ - ٥٩٠.
(٣) انظر: المحرر في الفقه للمجد ابن تيمية ٢/ ١٩٧.
[ ٣ / ١٠٢٠ ]
أقول: إن كان أراد ذلك القائل هذا المعنى فله وجه، وإن كان أراد أن القَسَمَ [٧٢٦] بالنبي ﵌ جائز، فَزَلَّةُ عالم؛ إذ لا يُعْلَمُ له سلطان على ذلك.
وكذا ما نقله الحافظ في فتح الباري عن ابن المنذر أنه قال: «اختلف أهل العلم في معنى النهي عن الحلف بغير الله، فقالت طائفة: هو خاصٌّ بالأيمان التي كان أهل الجاهلية يحلفون بها تعظيمًا لغير الله تعالى، كاللات والعزى والآباء، فهذه يأثم الحالف بها ولا كفَّارة فيها. وأما ما كان يؤول إلى تعظيم الله، كقوله: وحقِّ النبيِّ والإسلام والحج والعمرة والصدقة والعتق ونحوها مما يراد به تعظيم الله والقربة إليه فليس داخلًا في النهي. وممن قال ذلك: أبو عبيد وطائفة ممن لقيناه، واحتجوا بما جاء عن الصحابة من إيجابهم على الحالف بالعتق والهدي والصدقة ما أوجبوه، مع كونهم رأوا النهي المذكور، فدلَّ على أن ذلك عندهم ليس على عمومه؛ إذ لو كان عامًّا لَنَهَوْا عن ذلك ولم يوجبوا شيئًا».
قال الحافظ عقبه: «تعقبه ابن عبد البر بأن ذِكْرَ هذه الأشياء وإن كان بصورة الحلف فليست يمينًا في الحقيقة، وإنما خرج على الاتِّساع، ولا يمين في الحقيقة إلا بالله» (^١).
أقول: المرويُّ عن الصحابة في العتق والهدي والصدقة إنما هو فيمن قال: كلُّ مملوك لي حرٌّ وإبلي هديٌ ومالي صدقة إن فعلت كذا، ونحو ذلك من صيغ الالتزام المعلَّقة، وذلك من باب النذر وهو الذي يسميه الشافعية
_________________
(١) فتح الباري ١١/ ٤٢٩. [المؤلف]
[ ٣ / ١٠٢١ ]
نذر اللَّجاج، والآثار صريحة في ذلك، انظرها في سنن البيهقي (^١) ومصنف ابن أبي شيبة (^٢) وغيرهما (^٣)، وليس ذلك من القَسَم في شيء.
نعم، كانوا يسمُّون ذلك حلفًا، فيقولون: حلف فلان بالعتق ألَّا يكلم فلانًا، إذا قال: كلُّ مملوك لي حرٌّ إن كلَّمْتُه، [٧٢٧] وهذا أيضًا ثابت في الآثار، وإنما سمَّوه حلفًا لأنه يُقْصَدُ به ما يُقْصَد بالحلف الحقيقيِّ من الامتناع، ولأنه قد جاء عن النبيِّ ﵌ أن كفارته كفارة يمين.
وفي صحيح مسلم عن عقبة بن عامر، عن رسول الله ﵌ قال: «كفارة النذر كفارة اليمين» (^٤).
وفي سنن أبي داود والمستدرك وغيرهما عن ابن عبَّاسٍ أن رجلًا جاء إلى النبي ﵌ فقال: إن أختي جعلت عليها المشي إلى بيت الله، قال: «إن الله تعالى لا يصنع بشقاء أختك شيئًا، قل لها: فلتحجَّ راكبة ولتكفِّر عن يمينها». قال الحاكم: «صحيحٌ على شرط مسلمٍ» (^٥).
_________________
(١) كتاب الأيمان، باب الخلاف في النذر الذي يخرجه مخرج اليمين، ١٠/ ٦٧ - ٦٨.
(٢) كتاب البيوع والأقضية، في رجل قال: إن فعلت كذا وكذا فغلامي حرٌّ، ١١/ ٦٢٨.
(٣) انظر: الأوسط لابن المنذر، كتاب الأيمان والنذور، ذكر ما يجب على من حلف بعتق رقيقه وحنث، ١٢/ ١٢٨.
(٤) صحيح مسلمٍ، كتاب النذر، بابٌ في كفَّارة النذر، ٥/ ٨٠، ح ١٦٤٥. [المؤلف]
(٥) سنن أبي داود، كتاب الأيمان والنذور، باب مَن رأى عليه كفَّارةً، ٢/ ١١٢، ح ٣٢٩٥. المستدرك، كتاب الأيمان والنذور، إذا شقَّ إيفاء النذر على رجلٍ فليكفِّر عن يمينه، ٤/ ٣٠٢. [المؤلف]
[ ٣ / ١٠٢٢ ]
وفي رواية للحاكم: جاء رجل إلى النبي ﵌ فقال: إن أختي حلفت أن تمشي إلى البيت (^١).
وفي روايةٍ لأبي داود عن ابن عبَّاسٍ: إن أخت عقبة بن عامرٍ نذرت أن تحجَّ ماشيةً (^٢).
والحديث في الصحيحين من حديث عقبة بن عامر قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله وأمرتني أن أستفتي لها النبي ﵌ فاستفتيته فقال: «لتمش ولتركَبْ» (^٣).
وهذا المعنى ــ أعني تسمية النذر يمينًا وحلفًا ــ كثيرٌ في الآثار، ونحوه حديث الصحيحين وغيرهما: «مَن حلف بغير ملَّة الإسلام فهو كما قال» (^٤).
وفي الفتح: «قال ابن دقيق العيد: الحلف بالشيء حقيقة هو القسم به، وإدخال بعض حروف القسم عليه كقوله: والله والرحمن، وقد يطلق على التعليق بالشيء يمين كقولهم: مَنْ حَلَف بالطلاق فالمراد تعليقُ الطلاق، وأُطْلِق عليه الحَلِفُ لمشابهته باليمين في اقتضاء الحثِّ والمنع، وإذا تقرّر
_________________
(١) المستدرك، الموضع السابق.
(٢) سنن أبي داود، الموضع السابق، ٣/ ٢٣٤، ح ٣٢٩٧.
(٣) البخاريّ، كتاب جزاء الصيد، باب مَن نذر المشي إلى الكعبة، ٣/ ٢٠، ح ١٨٦٦. ومسلم، كتاب النذر، باب مَن نذر أن يمشي إلى الكعبة، ٥/ ٧٩، ح ١٦٤٤. [المؤلف]
(٤) البخاريّ، كتاب الأيمان والنذور، باب مَن حلف بملَّةٍ سوى ملَّة الإسلام، ٨/ ١٣٣، ح ٦٦٥٢. ومسلم، كتاب الأيمان، باب تحريم قتل الإنسان نفسه، ١/ ٧٣، ح ١١٠، ولفظه: «مَن حلف على يمينٍ بملَّةٍ غير الإسلام كاذبًا فهو كما قال».
[ ٣ / ١٠٢٣ ]
تسمية النذر يمينا وحلفا والقول بأن كفارته كفارة يمين أمر معروف عن السلف
ذلك فيحتمل أن يكون المراد المعنى الثاني لقوله: «كاذبًا متعمّدًا». والكذب يدخل القضيّة الإخبارية التي يقع مقتضاها تارة ولا يقع أخرى، وهذا بخلاف قولنا: «والله» وما أشبهه، فليس الإخبار بها عن أمر خارجيٍّ، بل هي لإنشاء القَسَم، فتكون صورة الحلف هنا على وجهين:
أحدهما: أن تتعلق بالمستقبل، كقوله: إن فعل كذا فهو يهوديٌّ.
والثاني: تتعلق بالماضي، كقوله: إن كان فعل كذا فهو يهودي».
ثم قال بعد كلام: «ولهذه الخصلة من حديث ثابت بن الضحَّاك شاهدٌ من حديث بريدة، أخرجه النسائيُّ وصحَّحه من طريق الحسين بن واقدٍ، عن عبد الله بن بُريدة، عن أبيه رفعه: «مَنْ قال: إني بريء من الإسلام، فإن كان كاذبًا فهو كما قال، وإن كان صادقًا لم يَعُدْ إلى الإسلام سالمًا» (^١) يعني إذا حلف بذلك (^٢).
[٧٢٨] والحاصل: أن تسمية النذر يمينًا وحلفًا والقول بأن كفارته كفارة يمين أمر معروف عن السلف، فكلُّ ما جاء عنهم من إطلاق الحلف بالعتق والهدي والصدقة إنما يقصدون به النذر، وإطلاق الحلف واليمين على النذر مجاز. وَهَبْ أنه حقيقة أيضًا، فالنهي عن الحلف بغير الله إنما المقصود به أن يقول: والكعبة، أو أقسم بالكعبة، أو نحو ذلك. ولا يدخل فيه الحلف بمعنى النذر، كقول القائل: إن كلَّمتك فعليَّ الحجُّ ماشيًا، أو نحو ذلك. وجواز النذر ولزوم الكفارة به ــ وإن سُمِّيَ حَلِفًا ويمينًا ــ لا يَدلُّ على جواز الحلف
_________________
(١) سنن النسائيّ، كتاب الأيمان والنذور، الحلف بالبراءة من الإسلام، ٧/ ٦ - ٧.
(٢) فتح الباري ١١/ ٤٣٢. [المؤلف]
[ ٣ / ١٠٢٤ ]
بغير الله بمعنى قوله: والكعبة، ونحو ذلك. وهذا واضح جدًّا، والفرق المعنوي بينهما كفلق الصبح؛ فإن القائل: «والكعبة» معظِّم للكعبة كما علمت، والقائل: «إن كلَّمتُ فلانًا فعليَّ صدقة» لا يُفْهم منه تعظيم للصدقة، والله أعلم.
فأما القَسَمُ من الضرب الثاني فقد يُشْكِل دخوله في النهي والتحريم من جهة أن أصل معنى قول الرجل: «وشَرَفِي»: إن كذبت أو إن لم أفِ فأنا محتقر لشرفي ومضيِّع له أو فلا شرف لي، وهذا اللفظ لا يظهر كونه حرامًا لو عبر به. نعم، يمكن أن يتطرَّق إليه التحريم؛ لما فيه من مدح النفس والافتخار والإعجاب، ولكن لا يستمرُّ هذا المعنى في جميع الألفاظ من هذا الضرب، مثل: وحقِّك، ولكن الذوق يشهد أنَّ الإجلال والتعظيم الذي يُفْهَم من قوله: وشرفي، وقوله: وحقِّك، [٧٢٩] أعظم جدًّا مما يُفْهَم من قوله: إن كذبت، أو: إن لم أفِ فلا شرف لي، أو: فأنا مُخِلٌّ بحقك، وكأن ذلك لأنَّ المعروف في القسم أن يكون بالمعبود.
وفي الفتح: «قال الخطَّابي: اليمين إنما تكون بالمعبود المعظَّم، فإذا حلف باللات ونحوها فقد ضاهى الكفار » (^١).
فإما أن يكون اختصاص القَسَم بالمعبود من أصل الوضع، ويكون ما شاع عنهم من القسم بغير المعبود مجازًا على سبيل المبالغة والغلو.
وإما أن يكون لاشتهار القسم بالمعبود أكثر من غيره صار يسبق إلى الفهم من قولهم: وحقِّك ــ مثلًا ــ أن الحالف يُجِلُّ حَقَّ صاحبه إجلال
_________________
(١) فتح الباري ٨/ ٤٣٤. [المؤلف]
[ ٣ / ١٠٢٥ ]
المعبود، وهذا المعنى ظاهر لا يتيسَّر إنكاره، ولا سيَّما إذا انضم إليه دلالة الحال على التعظيم والإجلال، كما في قولهم: وشرفي، وأبي.
إذا تقرَّر هذا، فأقول: إن ظاهر هذا الضرب من القَسَم أن الحالف يُجِلُّ المحلوف به إجلال المعبود، وذلك كفر وشرك، ولا مانع من أخذ الشرع بهذا الظاهر، فإذا ثبت من الشرع ما يدلُّ على ذلك وجب القول به، وقد تقدَّم ما بلغنا عن الشرع في ذلك. والله أعلم.
وأما الضرب الثالث، فقد يقال: ليس في أصل معناه إجلال وتعظيم، وإنما فيه المحبة. وأقول: المحبة تستلزم الإجلال والتعظيم؛ لأن حبيب الإنسان جليل عظيم عنده، كما قيل (^١):
أحبك إجلالًا وما بك قدرة عليَّ ولكِنْ مَلْءُ عينٍ حبيبُها
[٧٣٠] وفي أشعار العجم ومحاوراتهم العشقية كثير مما معناه: أنا أعبدك، وأنتِ معبودتي، ونحو ذلك، فإذا أقسم الإنسان بما يحبه كان ظاهر ذلك أنه يحبه كما يحبُّ المعبود، وقد علمت توجيه ذلك، وبقية الكلام عليه كالكلام على الضرب الثاني.
وأما الضرب الرابع، فليس في أصل معناه تعظيم ولا ما يستلزم التعظيم، ولكنه يُمْنَعُ منه إذا كان يُتَوَهَّمُ أنه من الأَضْرُب السابقة.
وأقسام الله ﵎ لا يُتَوَهَّم فيها ذلك؛ إذ كيف يتخيل أن الله
_________________
(١) البيت لنُصَيب بن رباحٍ المعروف بالأكبر. انظر: شعره: ٦٨، وهو في ديوان مجنون ليلى: ٥٨. وشرح ديوان الحماسة للأعلم الشنتمريِّ ٢/ ٧٤٨. والرواية: (أهابك) بدل: (أحبُّك).
[ ٣ / ١٠٢٦ ]
حلف الإنسان بأبيه منهي عنه مطلقا، وأنه شرك
﵎ يتخذ شيئًا من خلقه معبودًا أو يجلّه كما يجلّ العابد المعبود أو يحبه كما يحب العابد المعبود.
وقد جاء عن السلف ما يشير إلى أن إقسام الله ﵎ بمخلوقاته من هذا الضرب.
قال في الفتح: «وأسند ــ يعني الطبري ــ عن مطرف بن عبد الله أنه قال: إنما أقسم الله بهذه الأشياء ليعجِّب بها المخلوقين، ويُعَرِّفَهُم قدرته؛ لعظمة شأنها عندهم، ولدلالتها على خالقها» (^١).
وكذلك ما تَقَدَّم من قول النبي ﵌: «وأبيه»، «وأبيك»؛ إذ لا يتوهم أنَّ النبيَّ ﵌ يعظِّم مشركًا أجنبيًّا عنه تعظيمَ المعبود.
وعلى كلِّ حال فينبغي المنعُ من القَسَم من هذا الضرب ما لم تكن القرينةُ الصارفة عن تَوَهُّمِ كونه من الأَضْرُبِ الثلاثة الأولى واضحةً. والله أعلم.
[٧٣١] وأما الضرب الخامس، فالظاهر المنع منه؛ لأنه من قبيل إطلاق الكلمة التي ظاهرها كفر على وجه الاستهزاء، وذلك لا يجوز، بل نصَّ جماعة من العلماء على تكفير فاعل ذلك.
إذا تقرَّر هذا، فحَلِف الإنسان بأبيه منهيٌّ عنه مطلقًا، وقد عَلِمْتَ الأدلَّةَ الدالَّة على أنه شرك، أما إذا كان من الأضرب الثلاثة الأولى فظاهر، وأما إذا كان من الرابع قصدًا فالظاهر لا يساعد على هذا القصد، بل يكون الظاهر أنه من أحد الأضرب الثلاثة الأولى.
_________________
(١) فتح الباري ١١/ ٤٢٩. [المؤلف]
[ ٣ / ١٠٢٧ ]
فأما إقسامه بأبي غيره فقد يساعد الظاهر على أنه قصد به من الضرب الرابع، كما تقدَّم في كلمتي النبي ﵌ وكلمة أبي بكر ﵁، وعلى هذا فإما أن يكون ذلك مُخَصِّصًا لعموم قوله ﵌: «لا تحلفوا بآبائكم»، وإما أن يُقال: إن الإضافة في قوله: «بآبائكم» كهي في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، والمعنى: لا يُقْسِمْ أحدٌ منكم بأبيه، وعلى هذا فلا يدخل فيه حلف أحدهم بأبي غيره، ويبقى حكم ذلك مسكوتًا عنه، فما كان بمعنى المنصوص أُلْحِقَ به وما لا فلا. فأما قوله ﵌: «مَن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليسكت»، وقوله: «مَن حلف بغير الله فقد أشرك»، فعامٌّ مخصوص تُخَصِّصه الأدلَّة الدالَّة على جواز ما يجوز من الضرب الرابع.
ولقائلٍ أن يقول: إنَّ القسم الجائز من الضرب الرابع لا يسمَّى حلفًا، بدليل أنَّ الحلف لم يجئ في القرآن إلاّ في معرض الذمّ، كما تقدّم، ولا يُذمُّ القَسَم [٧٣٢] من الضرب الرابع؛ لأنه عبارة عن إقامة دليل وحجة، وليس فيه تعظيم لغير الله تعالى ولا ما يستلزم تعظيمًا ولا ما يوهمه، ولذلك كثر إقسام الله ﷿ في كتابه، مع قوله: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠].
ويستأنس لهذا بأن الحلف مأخوذ من حلافة اللسان كما تقدَّم، وحلافة اللسان مأخوذ من قولهم: سنان حليف، إذا كان مُحَدَّدًا، وحِدَّة اللسان وحلافته عندهم ليس بمدح، فكأنهم إنما يريدون بها ما لا يستند إلى الدليل والحجة؛ لأن الاستناد إلى الدليل والحجة ليس موضعًا للذمِّ، ولا يناسب أن يقال لصاحبه: حديد اللسان، بل يوصف بالسداد والبيان والثبات ونحو ذلك، فتأمل.
[ ٣ / ١٠٢٨ ]
والحاصل: أن القَسَم الجائز من الضرب الرابع لا يدخل تحت النهي، إما لأنه لم يتناوله النهي أصلًا، وإما لأنَّ الدليل أخرجه. والله أعلم.
فإن قلت: حاصل كلامك أنك أبقيت قوله ﵌: «مَن حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» على ظاهره إلا ما استثنيته من الضرب الرابع، وهذا خلاف ما عليه أهل العلم. فقد قال الترمذي عقب هذا الحديث: «وفُسِّر هذا الحديث عند بعض أهل العلم أن قوله: «فقد كفر أو أشرك» على التغليظ، والحجة في ذلك حديث ابن عمر أنَّ النبيَّ ﵌ سمع عمر يقول: وأبي وأبي، فقال: «ألا إنَّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم».
وحديث أبي هريرة عن النبيِّ ﵌ أنه قال: «مَن قال في حلفه: واللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله».
[٧٣٣] قال أبو عيسى: هذا دليل على ما روي عن النبيِّ ﵌ أن الرياء شرك (^١)، وقد فسر بعض أهل العلم هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ الآية [الكهف: ١١٠]، قال: «لا يرائي» (^٢).
_________________
(١) أخرجه ــ بهذا اللفظ ــ البيهقيّ في شعب الإيمان، بابٌ في إخلاص العمل لله ﷿ وترك الرياء، ١٢/ ١٨٥، ح ٦٣٩٤، وغيره، من حديث أبي الدرداء مطوّلًا، وذكر البيهقي أنه من أفراد بقية - يعني ابنَ الوليد - عن شيوخه المجهولين. وضعّفه الشيخ الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب برقم ٢٤. وورد وصف الرياء بأنه شرك أصغر في أحاديث ثابتة، كحديث محمود بن لبيد عند الإمام أحمد (٥/ ٤٢٨ و٤٢٩) وغيره، وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة برقم ٩٥١.
(٢) جامع الترمذيّ ١/ ٢٩٠. [المؤلف]
[ ٣ / ١٠٢٩ ]
قلت: قد خالفه أستاذه البخاريّ بذكره حديث عمر محتجًّا به على أنَّ من قال لأخيه: يا كافر متأوِّلًا أو جاهلًا لا يكفر بعد جزمه أن مَنْ قال ذلك غير متأوِّل ولا جاهل يكفر، وقد تقدم بيان ذلك، وعُلم بذلك الجوابُ عن احتجاج الترمذي بحديث عمر، وحاصله: أنَّ عمر كان معذورًا، ولا يلزم من عدم إكفار المعذور عدمُ إكفار مَنْ لا عذر له.
وأما احتجاج الترمذيّ بحديث: «مَن قال في حلفه: واللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله» فعجيبٌ؛ فإنه لا حجَّة له فيه، والحلف باللات والعزى كفرٌ جزمًا، إلا إن كان الحالف جاهلًا أو ذاهلًا فيعذر، كما أشار إليه البخاري وصرَّح به ابن العربي، وقد مرَّ.
وهذا الحديث نفسه حجة في ذلك؛ فإن أمره بقول: (لا إله إلا الله) ظاهر في أنَّ الحلف باللات والعزى ينقض الشهادة الأولى، ونقض الشهادة الأولى هو الكفر والشرك، ويلزم من انتقاض الأولى انتقاض الثانية، أعني شهادة أنَّ محمدًا رسول الله.
غاية الأمر أنَّ الحالف إذا كان جاهلًا أو ذاهلًا لم تنتقض شهادته الأولى حقيقة، ولكن حصل فيها خللٌ مَّا ينقضها صورةً، فشُرِعَ جبرانه بقول: (لا إله إلا الله) تجديدًا للشهادة الأولى، ولم يشرع تجديد الشهادة الثانية؛ لأنه [٧٣٤] لم ينقضها صورة، ولم تنتقض الشهادة الأولى حقيقة فيلزمَ من ذلك انتقاضُ الشهادة الثانية، فتدَبَّرْ.
فإن قلت: ما نَسَبْتَه إلى البخاريِّ يردُّه قوله في ترجمة أخرى: «باب مَنْ حلف على مِلَّةٍ سوى مِلَّة الإسلام، وقال النبي ﵌:
[ ٣ / ١٠٣٠ ]
«مَن حلف باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله» ولم ينسبه إلى الكفر» (^١).
قلت: مراد البخاري والله أعلم أنَّ من حلف بملَّة سوى الإسلام جاهلًا أو ذاهلًا لا يكفر، بدليل حديث: «مَن حلف باللات والعزى» إلخ، فإنَّ النبيَّ ﵌ قاله عالمًا أنَّ أحدًا من أصحابه لا يحلف باللات والعزى إلَّا ذاهلًا، فأمر مَنْ وقع منه ذلك أن يقول: «لا إله إلَّا الله» ولم ينسبه إلى الكفر، فدلَّ هذا على أنَّ مَن حلف بملَّة سوى الإسلام على نحو تلك الصفة، أي: جاهلًا أو ذاهلًا، لا يكفر.
وهذا من البخاري ﵀ بيان للحديث الذي ساقه في هذه الترجمة، وهو قوله ﵌: «مَن حلف بغير ملَّة الإسلام فهو كما قال»، أي: إنه محمولٌ على مَن حلف غير جاهلٍ ولا ذاهلٍ. هكذا يجب أن يُفْهَم كلام البخاري رحمه الله تعالى ليوافق صنيعه المتقدم؛ إذ كيف يُظَنُّ به أن يرى أنَّ حَلِف الإنسان بأبيه غير جاهلٍ ولا ذاهلٍ كُفْرٌ، ومع ذلك يرى أن حلفه باللات والعزى ليس بكفر مطلقًا.
وإخراج الذاهل قد جاء في رواية لمسلم بلفظ: «مَن حلف بملة سوى ملة الإسلام كاذبًا متعمِّدًا فهو كما قال» (^٢). وكذا في صحيح البخاريِّ بلفظ: «مَن حلف بملة غير الإسلام كاذبًا متعمِّدًا فهو كما قال» (^٣).
فإن قلت: فهلَّا إذْ أراد البخاري الإشارة إلى استثناء الجاهل والذاهل كما زعمت أشار إلى هذه الرواية فإنها أصرح في ذلك؟
_________________
(١) البخاريّ ٨/ ١٣٣. [المؤلف]
(٢) مسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الإنسان نفسه، ١/ ٧٣، ح ١١٠. [المؤلف]
(٣) البخاريّ، كتاب الجنائز، باب ما جاء في قاتل النفس، ٢/ ٩٦، ح ١٣٦٣. [المؤلف]
[ ٣ / ١٠٣١ ]
قلت: كأنه عدل عن ذلك؛ لأنه قد يُفْهم من قوله ﵌: «متعمِّدًا» أنَّ المراد: متعمِّدًا للكذب، وعلى هذا فلا دلالة في الحديث على إخراج الجاهل والذاهل. وإنما ذكرت أنا هذه الرواية لأني أرى الأَوْلى إبقاء قوله: «متعمِّدًا» على إطلاقها، فيكون المراد: متعمِّدًا للحلف والكذب معًا، والله أعلم.
وذلك كأن يقول: إن كان ذاق ذلك اليوم طعامًا فهو يهودي، يعني نفسه، فإن كان لم يذق طعامًا فليس بكاذب، وإن كان ذاق طعامًا ولكنه نسي فليس بمتعمِّدٍ للكذب، وإن كان ذاق ولم ينس فهو متعمِّدٌ للكذب. ثم إن كان قوله: «فهو يهودي»، كلمةً جرت على لسانه ولم يعقد نيته على قولها فليس بمتعمِّدٍ للحلف بملَّةٍ غير الإسلام، بل هو ذاهل، وإلا فهو متعمِّدٌ. فإذا اجتمع تعمّد الكذب وتعمّد الحلف باليهودية فهو كما قال، وقس على هذا حالَ مَنْ قال: إن كنتُ أملك الآن شيئًا فأنا وذكر اليهودية. فأما من يقول: إن سافرت غدًا فأنا فالظاهر أنه إن كان حالَ اليمين عازمًا ألَّا يسافر غدًا فهو صادق، ثم إن بدا له بعد ذلك أن يسافر غدًا فسافر فلم يكن متعمِّدًا للكذب، ما لم يكن سفره غدرًا بأن كان فيه ضرر على المحلوف له، والله أعلم.
فإن قلتَ: فلماذا بنى النبي ﵌ قوله: «مَن حلف باللات والعزى» إلخ على علمه أنَّ أحدًا من أصحابه لا يحلف بهما إلَّا ذاهلًا ولم يصنع مثل ذلك في قوله: «مَن حلف بغير ملَّة الإسلام» إلخ؟
قلتُ: لأنَّ أصحابه كانوا [٧٣٥] يعلمون حقَّ العلم أنَّ الحلف باللات والعزى عمدًا كفر، فلم يكن ذلك ليقع منهم. وأما الحلف بغير ملَّة الإسلام كقول القائل: هو يهوديٌّ إن كان فعل كذا، يعني نفسه، فلم يكونوا يعلمون
[ ٣ / ١٠٣٢ ]
الشرك إذا أطلق في الشريعة في مقام الذم كان المراد به الشرك بالله ﷿، بأن يشرك معه غيره في العبادة على سبيل العبادة للشريك
لم يجئ في الشرع نص على أن الرياء شرك بالله، وإنما جاء أنه شرك فحسب
أنَّه كفرٌ، فلم يمتنع وقوع ذلك من بعضهم عمدًا، فتدبَّرْ، والله أعلم.
وأما حديث: أنَّ «الرئاء شرك» فغاية ما فيه أنَّ الشرك فيه متأوَّل على خلاف ظاهره، وتأويل كلمةٍ في كلامٍ وقعت فيه لقيام الدليل الموجب لتأويلها فيه لا يلزم منه جواز تأويل تلك الكلمة في كلِّ كلامٍ وقعت فيه، ولا دليل على تأويلها، ولزوم ذلك باطل قطعًا لا يقول به أحد.
وتحقيق المقام: أنَّ الشرك إذا أُطْلِق في الشريعة في مقام الذَّمِّ كان المراد به الشركَ بالله ﷿، بأن يُشْرِكَ معه غَيْرَه في العبادة على سبيل العبادة للشريك، هذا هو الحقيقة المتبادرة. وأما الرئاء فهو أن يشرك مع الله تعالى غيره في العبادة، ولكن لا على سبيل العبادة للشريك، فإنَّ مَنْ كان يصلِّي فحضره رجل فأطال الصلاة ليَحْسُنَ اعتقاد الرجل فيه فينالَ منه غرضًا دنيويًّا فإنَّ المرائي قد أشرك ذلك الرجل مع الله تعالى في صلاته؛ لأنَّ صلاته كانت لله ﷿ ولأجل ذلك الرجل، ولكن لم يكن ذلك على سبيل العبادة لذلك الرجل؛ [٧٣٦] لأنَّه لم يجعل إطالته صلاته لأجله خضوعًا وتعظيمًا له يَطْلُبُ به نفعًا غيبيًّا من جهة كونه خضوعًا وتعظيمًا له، فتدبّر وأمعن النظر.
فأمَّا بالنظر إلى اللغة فمن راءى فقد أشرك؛ لأنَّه فعل فعلًا لأجل الله ﷿ ولأجل غيره، وأمَّا بالنظر إلى الشرع فلم يشرك، وإطلاق بعض الأحاديث أنَّه قد أشرك مجاز.
ومما يبين هذا: أنه لم يجئ في الشرع نصٌّ على أنَّ الرئاء شرك بالله، وإنما جاء أنَّه شرك فحسب؛ لأنَّ الشرك بالله نصٌّ في الشرك الذي هو كفر، ولذلك عدّاه بالباء لتضمينه معنى الكفر بالله أو العدل بالله على ما تقدَّم، والله أعلم.
[ ٣ / ١٠٣٣ ]
توجيه ما نقل عن الشافعي من إطلاقه الكراهة على الحلف بغير الله
فأمّا قول الله ﷿: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ آخر الكهف [١١٠]، فالذي يظهر لي أنه ضمّن (يشرك) معنى (يرائي).
ومن هنا يظهر أن حديث أحمد والطبراني عن [أبي موسى الأشعري] (^١) عن النبيِّ ﵌ أنه قال: «يا أيها الناس اتقوا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل»، قالوا: وكيف نتقيه يا رسول الله؟ قال: «قولوا: اللهمَّ إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئًا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه» على ظاهره، أي: إن المراد الشرك الأكبر، لقوله في الدعاء: «أن نشرك بك»، فعدَّاه بالباء. والله أعلم.
ومما يعترض به على ما قدَّمناه: قولُ الشافعي رحمه الله تعالى: «وكلُّ يمين بغير الله فهي مكروهة منهيٌّ عنها من قِبَلِ قول رسول الله ﵌: [٧٣٧]: «إنَّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، ومن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليسكت» (^٢) فكلُّ من حلف بغير الله كَرِهْتُ له وخشيت أن تكون يمينه معصية» (^٣).
[و] الجواب: أن الشافعي رحمه الله تعالى لا نعلمه بَلَغتْه الأحاديث المصرِّحة بأنَّ الحلف بغير الله تعالى شرك، ولم يتجشَّم التفصيل، ولعلَّه لو سئل عن الضرب الأوَّل من القَسَم لم يتوقَّفْ في أنَّه إن وقع بغير الله تعالى كان شركًا، فأمَّا ما عداه فيحتمل أن يتردّد فيه، ولاسيَّما إذا لم يقف على
_________________
(١) بيض المؤلف هنا لاسم الصحابي. انظر: المسند ٣٢/ ٣٨٤، والمعجم الأوسط ٤/ ١٠. وسبق تخريج الحديث ص ١٤٤.
(٢) سبق تخريجه ص ٩٨٩.
(٣) الأم ٧/ ٥٦ - ٥٧. [المؤلف]
[ ٣ / ١٠٣٤ ]
الأحاديث المصرِّحة بأنَّ الحلف بغير الله تعالى شرك مطلقًا. والله أعلم.
وذكر الحافظ في الفتح الاختلافَ في النهي أللتحريم هو أم للكراهة؟ ثم قال: «فإن اعتقد في المحلوف به (^١) من التعظيم ما يعتقده في الله حرم الحلف به، وكان بذلك الاعتقاد كافرًا ، وأمَّا إذا حلف بغير الله لاعتقاده تعظيم المحلوف به على ما يليق به من التعظيم فلا كفر بذلك» (^٢).
أقول: لم يرد بقوله: (ما يعتقده في الله) أن يعتقد أنَّ المحلوف به واجب الوجود أو أنه خالق رازق مدبِّر استقلالًا ونحو ذلك؛ لأنَّ الشرك يحصل بدون هذا الاعتقاد قطعًا كما تقدَّم تحقيقه، بل المراد ما يعتقده في الله من استحقاق العبادة. وقد علمت أنَّ القَسَم من الضرب الأول عبادة، فإذا وقع بغير الله ﷿ فإن كان مما أنزل الله تعالى به سلطانًا فهو عبادة لله ﷿ وإلَّا فهو عبادة للمحلوف به، فكيف والمحلوف به لا يستحقُّ هذا التعظيم.
[٧٣٨] وبهذا يُعلم أنَّ قول الحافظ: «على ما يليق به من التعظيم (^٣) المحلوف به أنه يستحق أن يحلف به، ولا اعتقد أنَّ الحلف به سبب لنفع غيبِي، وهذا نظير السجود للشمس، وقد تقدَّم الكلام فيه. والله أعلم.
وأمَّا ما عدا الضرب الأول فقد تقدَّم أنَّ من ذلك ما يُفْهِمُ إجلال
_________________
(١) في النسخة: له.
(٢) فتح الباري ١١/ ٤٢٥ - ٤٢٦. [المؤلف]
(٣) أصاب بلَلٌ نحو سطرين، وظهر منهما: ( ثم إذا كان الظاهر في الـ الضرب الأوَّل النفع ).
[ ٣ / ١٠٣٥ ]
تشديد الحنفية أشد التشديد على بعض الألفاظ التي تستعمل في الحلف بغير الله
المحلوف به إجلالَ المعبود، وهذا لا يليق بمخلوق، وظاهر حال الحالف بذلك أنَّه يعتقد استحقاق المحلوف به لذلك، وعليه فقد اعتقد فيه من التعظيم ما يعتقده في الله من استحقاق العبادة؛ لأنَّه إذا اعتقد استحقاقه أن يُجَلَّ إجلال المعبود فقد اعتقد استحقاقه العبادة. وهَبْ أنَّه لم يعتقد ذلك، فقد يظهر أنه لا ينفعه، كما مرّ آنفًا في الحلف من الضرب الأول. والله أعلم.
وفي الدُّرِّ المختار من كتب الحنفية: «قال الرازي (^١): أخاف على من قال: بحياتي وحياتك وحياة رأسك أن يكفر، ومن اعتقد وجوب البِرِّ فيه يكفر، ولولا أنَّ العامة يقولونه ولا يعلمونه لقلت: إنه شرك. وعن ابن مسعود: لأن أحلف بالله كاذبًا أَحَبُّ إليَّ من أن أحلف بغيره صادقًا». وفي حاشيته ردِّ المحتار: «وفي القهستاني عن المُنْيَة: أنَّ الجاهل الذي يحلف بروح الأمير وحياته لم يتحقَّق إسلامه بعدُ» (^٢).
أقول: الأثر الذي ذكره عن ابن مسعود ذكره في فتح الباري، وذكر مثله عن ابن عباس وابن عمر والشعبي (^٣).
_________________
(١) هو علي بن أحمد بن مكي، حسام الدين الرازي، سكن دمشق، وكان فقيها فاضلًا يفتي على مذهب أبي حنيفة، له: «خلاصة الدلائل» في شرح القدوري، توفي بدمشق سنة ٥٩١ هـ. انظر: تاج التراجم ١٤٩ رقم ١٦٧.
(٢) رد المحتار ٣/ ٥٧ - ٥٨. [المؤلف]
(٣) انظر: فتح الباري ١١/ ٤٢٩. [المؤلف]. وأثر ابن مسعود أخرجه عبد الرزاق في المصنف، كتاب الأيمان والنذور، باب الأيمان ، ٨/ ٤٦٩، ح ١٥٩٢٩. وابن أبي شيبة في كتاب الأيمان والنذور، الرجل يحلف بغير الله أو بأبيه، ٧/ ٥٤٩، ح ١٢٤١٤. والطبراني في المعجم الكبير ٩/ ٢٠٥، ح ٨٩٠٢. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ٣١٨: (ورجاله رجال الصحيح).
[ ٣ / ١٠٣٦ ]
غلو العامة الذين يحلفون بمن يعتقدون فيه الصلاح من الأحياء والموتى
دعوى بعضهم أن القسم بالأولياء أوثق من القسم بالله ﷿؛ لأن الله تعالى صبور والأولياء لا يصبرون
[٧٣٩] واعتقاد وجوب البرِّ يجعل القَسَم من الضرب الأول، وقد علمت وجه كونه كفرًا وشركًا، وقد جزم الرازيُّ بأنَّ قولهم: بحياتي وحياتك وحياة رأسك شركٌ، وأطلق ذلك، وإنما توقَّف عن الحكم على قائلي ذلك من العامَّة بأنهم مشركون؛ لكونهم لا يعلمون، وهذا حقٌّ كما قدَّمناه في الأعذار. ولكن العامة في هذه الأزمنة قد غلوا في الغلوِّ، فلم يقتصروا على نحو: بحياتي وحياتك وحياة أبيك مما لا يعتقد فيه عدم وجوب البرِّ، بل صاروا يحلفون بمن يعتقدون فيه الصلاح من الأحياء والموتى، ولم يقتصروا على الحلف بهم، بل يعتقدون وجوب البرِّ، ويعلنون بذلك، ولم يقفوا عند هذا، بل يعتقدون أنَّ القَسَم بفلان وفلان مثلُ القَسَم بالله تعالى، بل ولم يقف كثير منهم عند هذا، بل يعتقدون أنَّ القَسَم بفلان وفلان أحقُّ بالبرِّ والوفاء من القَسَم بالله ﷿. ولم يكتفوا بهذا، بل إذا سئل المتفاقه منهم وعوتب قال: إنَّما نرى القَسَم بالأولياء أوثقَ من القَسَم بالله ﷿؛ لأن الله تعالى صبور والأولياء لا يصبرون!!
ولا تحسبنَّ هذا أقصى ما عندهم، بل إذا قلت لهذا المتفاقه: غاية ما يمكن من الولي أن يدعو الله تعالى على مَنْ لم يبرَّ بيمينه، فرجع الأمر إلى الله تعالى
_________________
(١) وهو صبور ، فإنَّه يجيبك حينئذٍ بشبهةٍ [٧٤٠] مِن شُبهِ عُبَّاد الملائكة، فأقربهم مَنْ يقول: أنت لا تنكر سؤال الدعاء من الصَّالح الحيِّ، فيقول له أحدنا: ادع الله أن يكفيني شرَّ من ظلمني، ويلزم من ذلك اعتقاد أنَّ الله تعالى يعجِّل عقوبة الظالم إذا دعاه وليٌّ مِن أوليائه تعجيلها، فكذلك ما نحن فيه. وأبعدُ منه مَنْ يقول: إن الله تعالى لا يردُّ دعاء أوليائه. وأَبْعَدُهُم مَنْ يقول لك: إنَّ للأولياء سلطة غيبيَّة يتصرَّفون بها في الكون، فبتلك
[ ٣ / ١٠٣٧ ]
السلطة يعجِّلون عقوبة مَنْ حلف بهم ولم يبرَّ. وقد مرَّ جوابُ هذه الشبهات.
وهذه السلطة الغيبيَّة قد شاع اعتقادها بين العلماء، فضلًا عن الأوساط، فضلًا عن العامَّة. ولم يبلغ مشركو العرب في الجاهلية إلى هذا الحدِّ في الملائكة، بل لم يثبتوا لهم إلا الشفاعة مع تردُّدهم فيها، حتى كانوا إذا وقعوا في شدَّة اقتصروا على دعاء الله تعالى كما تقدَّم ذلك مبسوطًا (^١).
وهذه السلطة الغيبية التي تُنْسَب إلى الأولياء لا نعلم عليها سلطانًا، بل قد استأصل الله ﷿ شأفتها ببرهان التمانع كما تقدَّم، وإنما ينجو من برهان التمانع قدرة الملائكة التي لا يحرِّكون بها ذرَّة، ولا ينطقون بحرف حتى يأمرهم ربهم ﷿.
وقد تقدَّم (^٢) أنَّ أرواح الموتى إن جاز أن نفرض لها قدرة فهي كقدرة الملائكة، وأمَّا قدرة الجنّ والسحرة وكذا إن فرضنا للصَّالحين الأحياء قدرة غيبيَّة فقد تقدَّم أنها محدودة بحيث لا تصادم برهان التمانع، ومع ذلك فإنها لا تؤثر إلَّا بإذن خاصٍّ من الله تعالى بخلاف القدرة العاديَّة للبشر الأحياء.
[٧٤١] والمقصود بيان الغاية التي بلغها العامَّة ومَن يقرب منهم وإن ادَّعى العلم من الغلوِّ، والله المستعان.
_________________
(١) انظر ص ٧٦٧ - ٧٦٩.
(٢) انظر ص ٨١٦.
[ ٣ / ١٠٣٨ ]
قول ما شاء الله وشئت (^١)
_________________
(١) هذا آخر ما وُجِد من كتاب العبادة، ولا يبعد أن الشيخ المعلِّمي تيسَّر له كتابةُ هذا الفصل وفصولٍ أخرى بعده؛ لأنه كان يدعو الله أن يُيسِّر له إتمام الكتاب ونشره، ولعلَّ الله استجاب دعاءه. ثم وجدت بعدُ أنه قال في رسالة البسملة والفاتحة ٨ ب (وهي متأخرة التأليف عن رسالة العبادة): «ومما كان يخفى على بعضٍ منهم أنه عبادة أو قد يكون عبادة: القَسَم بغير الله، والطيرة، وقولهم: ما شاء الله وشاء فلان، والتمائم والتولة وغيرها. وقد بسطت الكلام على ذلك في رسالة العبادة، والحمد لله».
[ ٣ / ١٠٣٩ ]