الفصل الأول: أدلتهم من الكتاب والسنة على زيادة الإيمان ونقصانه ونقل بعض أقوالهم في ذلك
المبحث الأول: أدلة زيادة الإيمان ونقصانه من الكتاب
المبحث الأول أدلة زيادة الإيمان ونقصانه من الكتاب
لقد جاء في كتاب الله ﷿ نصوص كثيرة تدل على زيادة الإيمان ونقصانه وأن أهله متفاضلون فيه بعضهم أكمل إيمانًا من بعفر، منهم السابق بالخيرات، ومنهم المقتصد، ومنهم الظالم لنفسه، منهم المحسن، ومنهم المؤمن، ومنهم المسلم، ليسوا في الدين سواء في مرتبة واحدة، بل فضل الله بعضهم على بعض ورفع بعضهم فوق بعض درجات.
وقبل الشروع في ذكر هذه الأدلة القرآنية الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه أودّ التنبيه على نقطة هامة، وهي:
أن كل دليل دلّ على زيادة الإيمان فهو يدل على نقصانه، وكذا العكس، فما دل على نقصان الإيمان فهو يدل على زيادته، فالآيات التي أوردها هنا وظاهرها الدلالة على زيادة الإيمان فقط، فهي تدل على نقص الإيمان باللزوم، وذلك لأن الزيادة تستلزم النقص، ولأن ما جاز عليه الزيادة جاز عليه النقص، ولأن الزيادة لا تكون إلا عن نقص.
ولهذا فإنا نجد أهل العلم كثيرًا ما يستشهدون بأدلة زيادة الإيمان على نقصانه وكذا العكس للأسباب المتقدمة، وتأمل- مثالًا على ذلك- صنيع البخاري في صحيحه فقد أورد بعض الآيات المصرحة بزيادة الإيمان في باب زيادة الإيمان ونقصانه مستدلًا بها على الزيادة والنقصان معًا.
[ ٣٥ ]
قال ابن حجر في شرحه لهذا الباب:".. ثم شرع المصنف يستدل لذلك بآيات من القرآن مصرحة بالزيادة، وبثبوتها يثبت المقابل، فإن كل قابل للزيادة قابل للنقصان ضرورة"١.
وقال في موضع آخر مبينًا أن الزيادة مستلزمة للنقص"والاستدلال بهما- أي: الآيتين في الباب- نص في الزيادة وهو يستلزم النقص٢.
وقال الكرماني مجيبًا على ما قد يستشكل من: استدلال البخاري بالآيات على الزيادة والنقصان معًا مع أنها نص في الزيادة فقط:".. فإن قلت: هذه الآيات دلّت على الزيادة فقط، والمقصود بيان الزيادة والنقصان كليهما، قلت: كل ما قبل الزيادة لا بد وأن يكون قابلًا للنقصان ضرورة"٣.
أما النقول عن أهل العلم في هذا فكثيرة.
قال الإمام أحمد ﵀:"إن كان قبل زيادته- أي الإيمان- تامًا فكما يزيد كذا ينقص"٤.
وقال أبو محمد بن حزم في فِصَله: (فإذ قد وضح وجود الزيادة في الإيمان فبالضرورة ندري أن الزيادة تقتضي النقص ضرورة ولا بد، لأن معنى الزيادة إنما هي عدد مضاف إلى عدد، وإذا كان ذلك فذلك العدد المضاف إليه هو بيقين ناقص عند عدم الزيادة
_________________
(١) ١ فتح الباري (١/ ٤٧) وذكر نحوه القسطلاني في شرحه للصحيح (١/ ١١١) . ٢ فتح الباري (١/ ١٠٤) . ٣ شرح صحيح البخاري للكرماني (١/ ٧١)، ونقله عنه العيني في شرحه للبخاري (١/١١١) . ٤ رواه الخلال في السنة (٢/٦٨٨، ح١٠٣٠) .
[ ٣٦ ]
فيه.."١.
وقال ابن بطال في شرحه لبعض الآيات الدالة على زيادة الإيمان نصًا:
"فإيمان من لم تحصل له الزيادة ناقص"٢.
وقال البيهقي بعد أن ذكر جملة من الآيات المصرحة بزيادة الإيمان:"فثبت بهذه الآيات أن الإيمان قابل للزيادة، وإذا كان قابلًا للزيادة فعدمت الزيادة كان عدمها نقصانًا"٣.
وقال:"وإذا قبل الزيادة قبل النقص"٤.
وقال أبو الفضل التميمي٥ في رسالته التي أملاها في ذكر معتقد الإمام أحمد٦. وإن كان قد غلط في مواضع منها فيما نسبه للإمام. قال:" وما جاز عليه الزيادة جاز عليه النقص"٧.
وقال البغدادي بعد أن ذكر الآيات المصرحة بزيادة الإيمان:".. ففي هذه الآيات الست تصريح بأن الإيمان يزيد، وإذا صحت الزيادة
_________________
(١) ١ الفصل (٣/ ٢٣٧) . ٢ نقله عنه النووي في شرح مسلم (١/١٤٦) . ٣ شعب الإيمان (١/ ١٦٠) . ٤ الاعتقاد (ص ١١٦) . ٥ هر الإمام الفقيه أبو الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز بن الحارث التميمي البغدادي الحنبلي المتوفى سنة ٤١٠ هـ انظر ترجمته في السير للذهبي (١٧/ ٢٧٣) . ٦ طبعت في آخر طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٢/ ٢٩١-٣٠٧)، وانظر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه الرسالة في درء التعارض (٢/١٧) والفتاوى (٦/٥٣) ٧ آخر طبقات الحنابلة (٢/ ٣٠٢) .
[ ٣٧ ]
فيه كان الذي زاد إيمانه قبل الازدياد أنقص إيمانًا منه في حال الازدياد"١.
ومن علماء عصرنا يقول العلامة الشيخ محمد العثيمين حفظه الله:
"وكل نص يدل على زيادة الإيمان فإنه يتضمن الدلالة على نقصه وبالعكس، لأن الزيادة والنقص متلازمان لا يعقل أحدهما بدون الآخر"٢.
وبهذا يعلم أن كل دليل أورده هنا وهو نص في زيادة الإيمان، يعد دليلًا على الزيادة والنقصان معًا لزومًا وكذا العكس وبالله التوفيق.
وفيما يلي أسوق بعض ما جاء في كتاب الله من أدلة على زيادة الإيمان ونقصانه مع بيانها، وبيان وجه دلالتها على المقصود، وهي على أنواع:
أولًا- آيات فيها التصريح بزيادة الإيمان:
جاء في كتاب الله في ستة مواضع منه، التصريح بزيادة الإيمان، وذلك في قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ٣، وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ٤، وقوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ
_________________
(١) ١ أصول الدين (ص ٢٥٣) . ٢ فتح رب البرية بتلخيص الحموية (ص ٦٣) . ٣ سورة آل عمران، الآية: ١٧٣. ٤ سورة الأنفال، الآية: ٢.
[ ٣٨ ]
يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ١، وقوله: ﴿وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ ٢، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ٣، وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ ٤.
فهذه ستة مواضع من كتاب الله ﷿ صرح فيها سبحانه بزيادة الإيمان، وهذا من أوضح الأدلة وأظهرها على زيادة الإيمان، بل لا أدل منه على ذلك.
وقد استدل بهذه الآيات على زيادة الإيمان ونقصانه علماء المسلمين من أهل السنة والجماعة.
قيل لسفيان بن عيينة الإيمان يزيد وينقص قال: أليس تقرأون: ﴿فزادهم إيمانًا﴾ ٥، ﴿وزدناهم هدى﴾ ٦ في غير موضع، قيل: فينقص؟ قال: ليس شيء يزيد إلا وهو ينقص٧.
وعقد البخاري في صحيحه بابًا في زيادة الإيمان ونقصانه أورد فيه
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآية: ١٢٤. ٢ سورة الأحزاب، الآية: ٢٢. ٣ سورة الفتح، الآية: ٤. ٤ سورة المدثر، الآية: ا ٣. ٥ سورة آل عمران، الآية: ١٧٣. ٦ سورة الكهف، الآية: ١٣. ٧ رواه الآجري في الشريعة (ص ١١٧)، وابن بطة في الإبانة (برقم: ١١٤٢) ورواه الخلال بنحوه في السنة (برقم: ١٠٤٢) .
[ ٣٩ ]
بعض هذه الآيات١.
قال ابن بطال عند شرحها:"مذهب جماعة أهل السنة من سلف الأمة وخلفها أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، والحجة على زيادته ونقصانه ما أورده البخاري من الآيات أي المصرحة بزيادة الإيمان ثم قال: فإيمان من لم تحصل له الزيادة ناقص"٢.
وقال ابن كثير عند تفسير للآية الثانية من سورة الأنفال:".. وقد استدل البخاري وغيره من الأئمة بهذه الآية وأشباهها على زيادة الإيمان وتفاضله في القلوب كما هو مذهب جمهور الأمة، بل قد حكى الإجماع عليه غير واحد من الأئمة كالشافعي وأحمد بن حنبل وأبي عبيد كما بينا ذلك مستقصى في أول شرح البخاري"٣.
وقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا ﴾ ٤"وهذه الآية من أكبر الدلائل على أن الإيمان يزيد وينقص كما هو مذهب أكثر السلف والخلف من أئمة العلماء"٥.
وممن استدل بهذه الآيات من أهل العلم الآجري في الشريعة حيث عقد بابًا في ذكر ما دل على زيادة الإيمان ونقصانه أورد فيه جملة من الأحاديث والآثار الدالة على ذلك ثم قال:"كل هذه الآثار تدل على
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح (١/١٠٣) . ٢ نقله النووي في شرح صحيح مسلم (١/١٤٦) . ٣ تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٢/٢٨٥) . ٤ سورة التوبة، الآية: ١٢٤. ٥ تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٢/٤٠٢) .
[ ٤٠ ]
زيادة الإيمان ونقصه، وسنذكر من القرآن ما يدل على ما قلنا.، وهذا طريق من أراد الله الكريم به خيرًا فذكر جملة من هذه الآيات ثم قال: وهذا في القرآن كثير"١.
وعقد اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة بابًا في سياق ما جاء في القرآن والسنة من أدلة على زيادة الإيمان ونقصانه أورد فيه جملة من هذه الآيات٢.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:"والزيادة قد نطق بها القرآن في عدة آيات، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ ٣، وهذه زيادة إذا تُليت عليهم الآيات أي: وقت تُليت ليس هو تصديقهم بها عند النزول، وهذا أمر يجده المؤمن إذا تليت عليه الآيات زاد في قلبه بفهم القرآن ومعرفة معانيه من علم الإيمان ما لم يكن، حتى كأنه لم يسمع الآية إلا حينئذ، ويحصل في قلبه من الركبة في الخير والرهبة من الشر ما لم يكن، فزاد علمه بالله ومحبته لطاعته، وهذه زيادة الإيمان، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ٤، فهذه الزيادة عند تخويفهم بالعدو لم تكن عند آية نزلت فازدادوا يقينًا وتوكلًا على الله، وثباتًا على الجهاد وتوحيدًا بألا يخافوا المخلوق، بل يخافون الخالق وحده، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا
_________________
(١) ١ الشريعة للآجري (١١٦) . ٢ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٣/١٨) . ٣ سورة الأنفال، الآية: ٢. ٤ سورة آل عمران، الآية: ١٧٣.
[ ٤١ ]
وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ* وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ ١، وهذه الزيادة ليس مجرد التصديق بأن الله أنزلها بل زادتهم إيمانًا بحسب مقتضاها، فإن كانت أمرًا بالجهاد أو غيره ازدادوا رغبة، وإن كانت نهيا عن شيء انتهوا عنه فكرهوه، ولهذا قال: ﴿وهم يستبشرون﴾ والاستبشار غير مجرد التصديق وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ ٢، وهذه نزلت لما رجع النبي ﷺ وأصحابه من الحديبية فجعل السكينة موجبة لزيادة الإيمان، والسكينة طمأنينة في القلب غير علم القلب وتصديقه.."٣.
وقال ابن سعدى عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً﴾ ٤، وفي هذا دليل على زيادة الإيمان ونقصه كما قاله السلف الصالح ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ ٥، ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ ٦، ويدل عليه أيضًا الواقع فإن الإيمان قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح، والمؤمنون متفاوتون في هذه الأمور أعظم تفاوت"٧.
وقال الألوسي عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾،"وهذا
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآيتان: ١٢٥- ١٢٦. ٢ سورة الفتح، الآية: ٤. ٣ الإيمان (ص ٢١٥، ٢١٦) . ٤ سورة مريم، الآية: ٧٦. ٥ سورة المدثر، الآية: ٣١. ٦ سورة الأنفال، الآية: ٢. ٧ تفسير ابن سعدي (٥/ ٣٣) .
[ ٤٢ ]
أحد أدلة من ذهب إلى أن الإيمان يزيد وينقص، وهو مذهب الجم الغفير من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين وبه أقول، لكثرة الظواهر الدالة على ذلك من الكتاب والسنة من غير معارض لها عقلًا، بل قد احتج عليه بعضهم بالعقل أيضًا، وذلك أنه لو لم تتفاوت حقيقة الإيمان لكان إيمان آحاد الأمة بل المنهمكين في الفسق والمعاصي مساويًا لإيمان الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام واللازم باطل فكذا الملزوم"١.
ثانيًا- آيات فيها التصريح بزيادة الهدى:
والهدى من الإيمان وقد جاء ذلك في القرآن في ثلاثة مواضع، وهي:
قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ ٢. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ ٣، وقوله في أصحاب الكهف: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ ٤.
فهذه الآيات فيها تصريح الحق سبحانه بزيادة الهدى، والهدى من الإيمان كما دل على ذلك كتاب الله في نحو قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ ٥، وقوله: ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ ٦، وقوله: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح
_________________
(١) ١ روح المعاني (٩/ ١٦٥) . ٢ سورة مريم، الآية: ٧٦. ٣ سورة محمد، الآية: ١٧. ٤ سورة الكهف، الآية: ١٣. ٥ سورة البقرة، الآية: ١٣٧. ٦ سورة عمران، الآية: ٢٠.
[ ٤٣ ]
صدره للإسلام﴾ ١ وغيرها من الآيات.
فإخبار الله سبحانه بزيادة الهدى دليل على زيادة الإيمان، ولهذا استدل أهل العلم بهذه الآيات على زيادة الإيمان ونقصانه. كما قال ابن كثير ﵀ عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ ٢:"واستدل بهذه الآية وأمثالها غير واحد من الأئمة كالبخاري وغيره ممن ذهب إلى زيادة الإيمان وتفاضله وأنه يزيد وينقص"٣.
وهذه الآيات الدالة على زيادة الهدى هي نظير الآيات المتقدمة الدالة على زيادة الإيمان، قال ابن جرير الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً﴾ ٤:"يقول تعالى ذكره: ويزيد الله من سلك قصد المحجة واهتدى لسبيل الرشد، فآمن بربه، وصدق بآياته، فعمل بما أمره به، وانتهى عما نهاه عنه، هدي بما يتجدد له من الإيمان بالفرائض التي يفرضها عليه، ويقر بلزوم فرضها إياه ويعمل بها، فذلك زيادة من الله في اهتدائه بآياته هدى على هداه، وذلك نظير قوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ٥"٦.
ثالثًا- إخباره سبحانه بزيادة الخشوع:
وذلك في موضع واحد من كتابه، وهو قوله تعالى في وصف الذين
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية: ١٢٥. ٢ سورة الكهف، الآية: ١٣. ٣ تفسير ابن كثير (٣/ ٧٤) . ٤ سورة مريم، الآية: ٧٦. ٥ سورة التوبة، الآية: ١٢٤. ٦ جامع البيان (٩/ ١١٩) .
[ ٤٤ ]
أوتوا العلم من أهل الكتاب: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ ١.
فإخبار سبحانه بزيادة الخشوع دليل على زيادة الإيمان، لأن الخشوع من الإيمان كما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ ٢، وقوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ ٣.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أأعمال القلوب مثل محبة الله ورسوله، وخشية الله تعالى ورجاؤه، ونحو ذلك، هي كلها من الإيمان، كما دل على ذلك الكتاب والسنة واتفاق السلف، وهذا يتفاضل الناس فيه تفاضلًا عظيمًا"٤.
قال ابن جرير في بيان معنى ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ ٥"أي: ويزيدهم ما في القرآن من المواعظ والعبر خشوعًا، يعني خضوعًا لأمر الله وطاعته، واستكانة له"٦.
وقال ابن كثير:"أي: إيمانًا وتسليمًا كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ " ٧.
_________________
(١) ١ سورة الإسراء، الآية: ١٠٩. ٢ سورة المؤمنون، الآيتان: ١- ٢. ٣ سورة الحديد، الآية: ١٦. ٤ الإيمان (ص ٢٢٢) . ٥ سورة الإسراء، الآية: ١٠٩. ٦ جامع البيان (٩/ ١٨١) . ٧ تفسير ابن كثير (٣/٦٨)
[ ٤٥ ]
رابعًا- إخباره سبحانه بتفضيله بعض المؤمنين على بعض:
كما في قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ١، وقوله: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ٤، ونحوها من الآيات.
فهذه من أوضح الأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه وتفاضل أهله فيه فبعضهم أقوى إيمانًا من بعض، وتفضيل الله لهم وتمييزه بينهم إنما هو بإيمانهم وطاعتهم له لا بحسن صورهم أو كثرة أموالهم أو غير ذلك مما قد يكون معيارًا للتفضيل عند الناس.
قال ابن بطة ﵀ في إبانته بعد أن ذكر بعض هذه الآيات: (فقد علم أهل العلم والعقل أن السابق أفضل من المسبوق والتابع دون
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآيتان: ٩٥- ٩٦. ٢ سورة الحديد، الآية: ١٠. ٣ سورة النمل، الآية: ١٥. ٤ سورة التوبة، الآية: ١٠٠.
[ ٤٦ ]
المتبوع، وأن الله ﷿ لم يفضل الناس بعضهم على بعض برشاقة الأجسام ولا بصباحة الوجه، ولا بحسن الزي وكثرة الأموال، ولو كانوا بذلك متفاضلين لما كانوا به عنده ممدوحين، لأن ذلك ليس هو بهم ولا من فعلهم فعلمنا أن العلو في الدرجات والتفاضل في المنازل إنما هو بفضل الإيمان وقوة اليقين والمسابقة إليه بالأعمال الزاكية والنيات الصادقة من القلوب الطاهرة.. فهذا وأشباهه في كتاب الله يدل على زيادة الإيمان ونقصانه وتفاضل المؤمنين بعضهم على بعض وعلوهم في الدرجات.. ولو كان الإيمان كله واحدًا لا نقصان له ولا زيادة لم يكن لأحد على أحد فضل"١.
ثم قال ﵀:"وبذلك فضل الله أوائل هذه الأمة على أواخرها ولو لم يكن للسابقين بالإيمان فضل على المسبوقين للحق آخر هذه الأمة أولها في الفضل ولتقدمهم، إذ لم يكن لمن سبق إلى الله فضل على من أبطأ عنه، ولكن بدرجات الإيمان قدم السابقون، وبالإبطاء عن الإيمان أخّر المقصرون.. إلى أن قال: ألا ترى يا أخي رحمك الله كيف ندب الله المؤمنين إلى الاستباق إليه فقال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ٢ الآية وقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ﴾ ٣ الآية، فبدأ بالمهاجرين الأولين على درجاتهم في السبق ثم ثنى بالأنصار على سبقهم ثم ثلث بالتابعين لهم بإحسان فوضع كل قوم على درجاتهم ومنازلهم عنده.. إلى أن قال: فهذه درجات الإيمان ومنازله تفاضل الناس بها عند الله واستبقوا إليه بالطاعة بها فالإيمان هو الطاعة، وبذلك فضل الله
_________________
(١) ١ الإبانة لابن بطة (٢/ ٨٣٦) . ٢ سورة الحديد، الآية: ٢١. ٣ سورة التوبة، الآية: ١٠٠.
[ ٤٧ ]
المهاجرين والأنصار، لأنهم أطاعوا الله ورسوله.. إلى أن قال: فالإيمان يا أخي -رحمك الله- هو القول والعمل هو الطاعة، والقول تبع للطاعة والعمل، والناس يتفاضلون فيه على حسب مقادير عقولهم ومعرفتهم بربهم وشدة اجتهادهم في السبق بالأعمال الصالحة إليه"١.
وقال أبو عبد الله محمد بن أبي زمنين:"ومن قول أهل السنة أن الإيمان درجات ومنازل يتم ويزيد وينقص، ولولا ذلك استوى الناس فيه ولم يكن للسابق فضل على المسبوق، وبرحمة الله وبتمام الإيمان يدخل المؤمنون الجنة، وبالزيادة يتفاضلون في الدرجات: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ ٢، ومثل هذا في القرآن كثير"٣.
والآيات المتقدمة في صدر هذا النوع دلّت بمنطوقها على تفاضل أهل الإيمان فيه، وليس فيها تصريح بزيادة الإيمان ونقصانه فوجه دلالة الآيات على زيادة الإيمان ونقصانه يؤخذ من مفهوم الآيات دون منطوقها إذ إن فيها إخبارًا بتفاضل أهل الإيمان فيه، وقد سبق بيان أن تفاضلهم إنما يكون بالإيمان دون غيره، فيفهم من هذا أن الإيمان بزيد وينقص، فمن زاده الله إيمانًا أفضل ممن هو دونه في الإيمان، فالتفاضل بينهم في الإيمان حصل لكون إيمانهم يزيد وينقص والله أعلم.
قال ابن عبد البر: (الإيمان مراتب بعضها فوق بعض، فليس الناقص فيه كالكامل) ٤.
_________________
(١) ١ الإبانة لابن بطة (٢/ ٨٣٧- ٠ ٨٤) . ٢ سورة الإسراء، الآية: ٢١. ٣ أصول السنة لابن أبي زمنين (٢/ ٧٧٦) . ٤ التمهيد (٩/ ٢٤٤) وانظر الفتاوى لابن تيمية (١٢/ ٤٧٤) .
[ ٤٨ ]
خامسًا- إخباره سبحانه بتفاضل درجات المؤمنين في الجنة:
فهذا مما يدل على زيادة الإيمان، فتفاضلهم في درجات الجنة سببه تفاضلهم في الإيمان، فمن كان إيمانه أشد وأقوى كان أعلى درجة وأرفع من غيره، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ١، وقال: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ ٢، وقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ٣، وقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ٤ وذكر بعض أوصافهما، ثم قال: ﴿َمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ ٥، وذكر بعض أوصافهما، وذكر سبحانه نحو هذا في سورة الواقعة، وجاء في السنة نحو هذا كثير، فهذا وأشباهه من أعظم الأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه، وقد ميز الله بين درجات الجنة، وجعلها درجات بعضها أرفع من بعض، لأن المؤمنين ليسوا سواء في إيمانهم بالله، بل بعضهم أعظم وأشد وأقوى إيمانًا من بعض، قال ابن حبان ﵀:"فمن أتى بالإقرار الذي هو أعلى شعب الإيمان، ولم يدرك العمل ثم مات أدخل الجنة، ومن أتى بعد الإقرار من الأعمال قل أو كثر أدخل الجنة، جنة فوق تلك الجنة، لأن من كثر عمله علت درجاته وارتفعت، لا أن الكل من المسلمين يدخلون جنة واحدة، وإن تفاوتت أعمالهم وتباينت، لأنها
_________________
(١) ١ سورة الأنفال، الآية: ٤. ٢ سورة الإسراء، الآية: ٢١. ٣ سورة المجادلة، الآية: ١١. ٤ سورة الرحمن، الآية: ٤٦. ٥ سورة الرحمن، الآية: ٦٢.
[ ٤٩ ]
جنان كثيرة، لا جنة واحدة"١.
وقال شيخ الإسلام:"فدرجة المؤمن القوي في الجنة أعلى وإن كان كل منهم كمل ما وجب عليه"٢.
وقال الشيخ حافظ حكمي في معارج القبول:"وكما أخبر الله ﵎ عن تفاوتهم في الإيمان في دار التكليف كذلك جعل الجنة التي هي دار الثواب متفاوتة الدرجات مع كون كل منهم فيها.. إلى أن قال: وأهل الجنة متفاوتون في الدرجات حتى إنهم يتراءون أهل عليين يرون غرفهم من فوقهم كما يرى الكوكب في الأفق الشرقي أو الغربي، ومتفاوتون في الأزواج، ومتفاوتون في الفواكه من المطعوم والمشروب، ومتفاوتون في الفرش والملبوسات ومتفاوتون في الملك، ومتفاوتون في الحسن والجمال والنور، ومتفاوتون في قربهم من الله ﷿، ومتفاوتون في تكثير زيارتهم إياه، ومفاوتون في مقاعدهم يوم المزيد، ومتفاوتون تفاوتًا لا يعلمه إلا الله ﷿ "٣.
وما هذا التفاوت بينهم إلا لأنهم متفاوتون في الإيمان والتوحيد قوة وضعفًا زيادة ونقصًا.
سادسًا- إخباره سبحانه بإكمال الدين:
وذلك في قوله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا﴾ ٤.
_________________
(١) ١ انظر الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (١/ ٢١١) . ٢ الإيمان لابن تيمية (ص ٣٢١) . ٣ معارج القبول (٢/ ٤٠٩، ٤١٠) . ٤ سورة المائدة، الآية: ٣
[ ٥٠ ]
فهذه الآية تعد دليلًا واضحًا على زيادة الإيمان ونقصانه، وذلك لأن فيها التنصيص على إكمال الدين، وترك شيء من الكمال يعد نقصًا، وإذا ثبت النقص، فالنقص يستلزم حصول الزيادة..
وممن استدل بهذه الآية على زيادة الإيمان ونقصانه البخاري في صحيحه حيث عقد ﵀ بابًا في زيادة الأيمان ونقصانه أورد تحته ثلاث آيات منها هذه الآية، ثم أعقبها بقوله:"فإذا ترك شيئًا من الكمال فهو ناقص"١.
قال ابن حجر:".. وأما الكمال فليس نصًا في الزيادة، بل هو مستلزم للنقص فقط، واستلزامه للنقص يستدعي قبوله للزيادة"٢ وبهذا يظهر وجه استدلال البخاري بها.
وقد وقع لسفيان ابن عيينة من قبل الاستدلال بهذه الآية بنظير ما أشار إليه البخاري رحمهما الله، فقد قال رجل لسفيان: يا أبا محمد ما تقول الإيمان يزيد وينقص؟ قال: يزيد ما شاء الله وينقص حتى لا يبقى معك منه شيء، وعقد بثلاثة أصابع وحلق بالإبهام والسبابة، فقال الرجل: فإن قومًا يقولون الإيمان كلام، قال: قد كان القول قولهم قبل أن تنزل أحكام الإيمان وحدوده، بعث الله النبي ﷺ إلى الناس أن يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها حقنوا بها دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله.. فذكر بقية الأركان، الصلاة والزكاة والحج ثم قال: فلما علم الله ما تتابع عليهم من الفرائض ومثولهم لها، قال له: قل لهم:
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح (١٠٣/١) . ٢ فتح الباري (١/ ١٠٤) .
[ ٥١ ]
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا﴾ ١، فمن ترك شيئًا من ذلك كسلًا أو مجونًا أدبناه عليه، وكان عندنا ناقص الإيمان ومن تركها عامدًا كان بها كافرًا، هذه السنة أبلغ عني من سألك من المسلمين"٢.
وقد روي عن ابن عباس ﵁ نظير هذا الاستدلال بالآية، فقد أخرج الطبري بسنده عن ابن عباس ﵁ في قول الله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ ٣ أنه قال:"إن الله جل ثناؤه بعث نبيه محمدًا ﷺ بشهادة ألا إله إلا الله فلما صدقوا بها زادهم الصلاة، فلما صدقوا بها زادهم الزكاة، فلما صدقوا بها زادهم الحج، ثم أكمل لهم دينهم، فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ ٤، فأوثق إيمان أهل الأرض وأهل السموات وأصدقه وأكمله شهادة ألا إله إلا الله، ٥ إلا أن في إسناد هذا الأثر انقطاعًا، لأنه من رواية علي بن أبي طلحة٦ عن
_________________
(١) ١ سورة المائدة، الآية: ٣. ٢ رواه أبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٩٥، ٢٩٦) ونقله عنه الحافظ في الفتح (١/١٠٣) وذكره الحليمي في المنهاج (١/ ٨٤) من طريق عمرو بن عثمان الرقي، وهو ضعيف كما في التقريب. ٣ سورة الفتح، الآية: ٤. ٤ سورة المائدة، الآية: ٣. ٥ تفسير الطبري (١٣/٧٢)، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/٢٥٥ رقم:١٣٠٢٨)، ومحمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (١/٣٥١ رقم ٣٥٣) واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٥/٢٣ رقم: ١٦٠٢) وأخرجه أيضًا ابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في دلائل النبوة كما في الدر المنثور (٧/ ٥١٤) كلهم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. ٦ هو علي بن أبي طلحة مولى بني العباس، سكن حمص صدوق قد يخطىء أرسل عن ابن عباس ولم يره مات سنة ثلاث وأربعبن ومائة، قال فيه الإمام أحمد: له أشياء منكرات، وقال دحيم: لم يسمع التفسير من ابن عباس، وقال أبو حاتم: على ابن أبي طلحة عن ابن عباس مرسل، وذكره الذهبي في الضعفاء. انظر الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٦/ ١٩١) والمراسيل له (ص ١٤٠) وجامع التحصيل للعلائي (ص ٢٩٤)، وتقريب التهذيب لابن حجر (٢/٣٩)، والمغني في الضعفاء للذهبي (٢/١٨) .
[ ٥٢ ]
ابن عباس، وعلى هذا لم ير ابن عباس فروايته عنه مرسله وضعفه جماعه من أهل العلم.
واستدل بهذه الآية أيضًا أبو عبيد في كتاب الإيمان فقال:"فذكر الله جل ثناؤه إكمال الدين في هذه الآية، وإنما نزلت فيما يروى قبل وفاة النبي ﷺ بإحدى وثمانين ليلة.. فلو كان الإيمان كاملًا بالإقرار، ورسول الله ﷺ بمكة أول النبوة.. ما كان للكمال معنى، وكيف يكمل شيئًا قد استوعبه وأتى على آخره"١.
وقال محمد بن نصر المروزي في كتابه تعظيم قدر الصلاة بعد أن ذكر هذه الآية:"فأخبر الله تبارك أنه أكمل للمؤمنين دينهم في ذلك اليوم، ولو كان قبل ذلك اليوم مكملًا تامًا لم يكن لإكمال ما كمل وتم معنى"٢.
قال ابن بطال:"هذه الآية حجة في زيادة الإيمان ونقصانه: لأنها نزلت يوم كملت الفرائض والسنن واستقر الدين، وأراد الله ﷿ قبض نبيه فدلت هذه الآية أن كمال الدين إنما يحصل بتمام الشريعة فتصور كماله يقتضي تصور نقصانه"٣.
_________________
(١) ١ الإيمان لأبي عبيد (ص ٦٢)، وأشار إليه الحافظ في الفتح (١/ ١٠٣) . ٢ تعظيم قدر الصلاة (١/ ٣٤٩) . ٣ نقله العيني في عمدة القاري (١/٢٥٨) .
[ ٥٣ ]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:"فأكمل الله الدين بإيجابه لما أوجبه من الواجبات التي آخرها الحج، وتحريمه للمحرمات المذكورة في هذه الآية، هذا من جهة شرعه، ومن جهة الفعل الذي هو تقويته وإعانته ونصره، يئس الذين كفروا من ديننا، وحج النبي ﷺ حجة الإسلام، فلما أكملوا الدين قال عقب ذلك: ﴿يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ إلى قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ١ فكان إحلاله الطيبات يوم أكمل الدين، فأكمله تحريمًا وتحليلًا لمَّا أكملوه امتثالًا"٢.
وظاهر كلام شيخ الإسلام يدل على أنه يرى أن الآية دليل على تفاضل الإيمان في قلوب المؤمنين، يظهر هذا من قوله:"فلما أكملوا الدين"وقوله:"لما أكملوه امتثالًا"، والإكمال كما هو معلوم لا يكون إلا عن نقص، والنقص يقتضي قبول الزيادة.
وقال في شرحه للعقيدة الأصفهانية:"إن الإيمان الذي أوجبه الله تعالى يزيد شيئًا فشيئًا كما إن القرآن كان ينزل شيئًا فشيئًا، والدين يظهر شيئًا فشيئًا حتى أنزل الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ ٣.
فالآية ظاهرة الدلالة على زيادة الإيمان ونقصانه وتفاضل أهله فيه، وقد اعترض على استدلال البخاري المتقدم بهذه الآية بأنه يلزم منه أن من مات من الصحابة قبل نزول الآية كان إيمانه ناقصًا.
_________________
(١) ١ سورة المائدة، الآية: ٣. ٢ الفتاوى (٢٠/١٥٢،١٥٣) وانظر مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية (٣/٣٤٢) . ٣ شرح العقيدة الأصفهانية (ص ١٣٩) .
[ ٥٤ ]
فأجاب عن هذا الاعتراض القاضي أبو بكر ابن العربي، ونقله عنه الحافظ ابن حجر: (بأن النقص أمر نسبي، لكن منه ما يترتب عليه الذم ومنه ما لا يترتب، فالأول ما نقصه بالاختيار كمن علم وظائف الدين ثم تركها عمدًا، والثاني ما نقصه بغير اختيار كمن لم يعلم أو لم يكلف، فهذا لا يذم بل يحمد من جهة إن كان قلبه مطمئنًا بأنه لو زيد لقبل ولو كلف لعمل وهذا شأن الصحابة الذين ماتوا قبل نزول الفرائض"١.
قال ابن حجر:"ومحصله أن النقص بالنسبة إليهم صوري نسبي، ولهم فيه رتبة الكمال من حيث المعنى، وهذا نظير قول من يقول إن شرع محمد أكمل من شرع موسى وعيسى لاشتماله من الأحكام على ما لم يقع في الكتب التي قبله، ومع هذا فشرع موسى في زمانه كان كاملًا، وتجدد في شرع عيسى بعده ما تجدد، فالأكملية أمر نسبي كما تقرر"٢.
وقال البيهقي: (وأما قول الله ﷿: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وما ورد في معناه، فإنه لا يمنع من قولنا بزيادة الإيمان ونقصانه، لأن معنى قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ أي: أكملت لكم وضعه، فلا أفرض عليكم من بعد ما لم أفرض عليكم إلى اليوم، ولا أضع عنكم بعد اليوم ما قد فرضته قبل اليوم، فلا تغليظ من الآن ولا تخفيف ولا نسخ ولا تبديل، وليس معناه أنه أكمل لنا ديننا من قبل أفعالنا، لأن ذلك لو كان كذلك لسقط عن المخاطبين بالآية الدوام على الإيمان، لأن الدين قد كمل وليس بعد الكمال شيء، فإذا كان الدوام على الإيمان مستقبلًا وهو إيمان فكذلك الطاعات الباقية التي تجب شيئًا فشيئًا كلها إيمان، والكمال راجع
_________________
(١) ١ فتح الباري (١/١٠٤) . ٢ فتح الباري (١/١٠٤) .
[ ٥٥ ]
إلى إكمال الشرع والوضع لا إلى إكمال أداء المؤدين له وقيام القائمين به والله أعلم"١.
وبما تقدم تعلم أن دلالة الآية على زيادة الإيمان ونقصانه ظاهرة ظهورًا واضحًا لا خفاء فيه، ومع هذا فقد تعقب السندي في حاشيته على سنن النسائي على استدلال النسائي بها على زيادة الإيمان ونقصانه فقال:"وفيه نسبة الإكمال للدين، وأخذ منه المصنف القول بزيادة الإيمان وفيه خفاء لا يخفى"٢.
قلت: بل هو ظاهر لا خفاء فيه، وما تقدم كاف في الإجابة على هذا الاعتراض.
سابعًا- إخباره عن طلب نبيه إبراهيم ﵇ اطمئنان القلب:
وهذا زيادة في الإيمان، وذلك في قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ﴾ ٣.
قال ابن بطة ﵀:"يريد لازداد إيمانًا إلى إيماني، بذلك جاء التفسير"٤.
_________________
(١) ١ شعب الإيمان للبيهقي (١/١٧٠) وقوله: (أي أكملت لكم وضعه إلخ) هو من كلام الحليمي في المنهاج (١/٦٢) وكثيرًا ما ينقل عنه البيهقى في شعب الإيمان. ٢ حاشية السندي على"سنن النسائي (٨/ ١١٤)،. ٣ سورة البقرة، الآية: ٢٦٠. ٤ الإبانة لابن بطة (٢/٨٣٣) .
[ ٥٦ ]
قال سعيد بن جبير: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ١:"ليزداد إيماني".
وفي رواية:"أي: ازداد إيمانًا مع إيماني"وفي رواية:"أي ليزداد يقيني"وهي ألفاظ متقاربة المعنى٢.
وقال مجاهد في تفسيرها:"أي: أزداد إيمانًا إلى إيماني"٣وروى ابن جرير ﵀ نحو هذا التفسير للآية عن جماعة من السلف منهم: الضحاك، وقتادة، والربيع بن أنس، وإبراهيم النخعي٤.
ولهذا احتج البخاري بها في صحيحه على زيادة الإيمان ونقصانه، فأوردها في باب قول النبي ﷺ:"بني الإسلام على خمس" وهو قول وعمل ويزيد وينقص.
قال الحافظ ابن حجر في الشرح."أشار إلي تفسير سعيد بن جبير ومجاهد وغيرهما لهذه الآية، فروى ابن جرير بسنده الصحيح إلى سعيد قال: قوله: ﴿ليطمئن قلبي﴾، أي: يزداد يقيني، وعن مجاهد قال لأزداد إيمانًا إلى إيماني، وإذا ثبت ذلك عن إبراهيم ﵇ مع أن نبينا ﷺ قد أمر باتباع ملته، كأنه ثبت عن نبينا ﷺ ذلك"٥.
وقال الحليمي في المنهاج مبينًا وجه دلالة الآية على زيادة الإيمان
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية: ٢٦٠. ٢ رواه عنه بهذه الألفاظ وببعضها: ابن جرير في تفسيره (٣/ ٥٠، ٥١) وعبد الله في السنة (١/٣٦٩)، والآجري في الشريعة (ص ١١٨) واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٥/ ٢٤ رقم: ١٦٠٣) وابن بطة في الإبانة (برقم ١١٢٠) وصحح اسناده الحافظ في الفتح (١/٤٧) . ٣ رواه ابن جرير في تفسيره (٣/٥١) والبيهقي في الشعب (١/١٩٨) . ٤ انظر تفسير الطبري (٣/ ٥٠، ٥١) .- ٥ فتح الباري (١/٤٧) وانظر شرح الكرماني لصحيح البخاري (١/٧٣) .
[ ٥٧ ]
ونقصانه:"ومعلوم أن طمأنينة القلب بصدق وعْد الله، أو بقدرته على ما أخبر أنه فاعله إيمان فإنما يسأل الله تعالى ما يزيده إيمانًا على إيمان، فثبت بذلك أن الإيمان قابل للزيادة"١.
وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: (وأما قوله: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى ﴾ فمن أعظم الأدلة على تفاوت الإيمان ومراتبه حتى الأنبياء فهذا طلب الطمأنينة مع كونه مؤمنًا، فإذا كان محتاجًا إلى الأدلة التي توجب له الطمأنينة فكيف بغيره"٢.
ثامنًا- أمره سبحانه المؤمنين بالإيمان:
كما في قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ ﴾ ٣ الآية.
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ ﴾ ٤ الآية.
فهذا ظاهر في الدلالة على أن الإيمان يزيد، فالله سبحانه أمرهم بالإيمان بعد أن وصفهم به، ومراده سبحانه بذلك أن يستكثروا من الأعمال الصالحة ويزدادوا إيمانًا وإخلاصًا ويقينًا.
قال ابن بطة في إبانته بعد أن أورد الآية دليلًا على زيادة الإيمان ونقصانه:"فلو لم يكونوا مؤمنين لما قال لهم يا أيها الذين آمنوا، وإنما أراد بقوله دوموا على أيمانكم وازدادوا إيمانًا بالته وطاعته واستكثروا من
_________________
(١) ١ المنهاج في شعب الإيمان للحليمي (١/ ٧٦) . ٢ مجموع مؤلفات الشيخ قسم الفتاوى (ص ٧٣) . ٣ سورة النساء، الآية: ١٣٦. ٤ سورة الحديد، الآية: ٢٨.
[ ٥٨ ]
الأعمال الصالحة التي تزيد في إيمانكم وازدادوا يقينًا وبصيرة ومعرفة بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وقد يقول الناس بعضهم لبعض مثل ذلك في كل فعل يمتد ويحتمل الازدياد فيه، كقولك لرجل يأكل: كل تريد زد أكلك، ولرجل يمشي: امش تريد أسرع في مشيك، ولرجل يصلي أو يقرأ: صل أو أقرأ تريد زد في صلاتك.
ولما كان الإيمان له بداية بغير نهاية، والأعمال الصالحة والأقوال الخالصة تزيد المؤمن إيمانًا جاز أن يقال: يا أيها المؤمن آمن، أي: ازدد في إيمانك، ولا يجوز أن يقال ذلك في الأفعال المتناهية التي لا زيادة على نهايتها، كما لا تقول للقائم قم، ولا لرجل رأيته جالسًا اجلس، لأن ذلك فعل قد تناهى فلا مستزاد فيه فهذا يدل على زيادة الإيمان لأنه كلما ازداد بالله علمًا وله طاعة ومنه خوفًا كان ذلك زائدًا في إيمانه"١:
وقال أبو عبيد في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ ٢:"فلولا أن هناك موضع مزيد، ما كان لأمره بالإيمان معنى"٣.
وقال ابن كثير في تفسيره:"يأمر تعالى عباده المؤمنين بالدخول في جميع شرائع الإيمان وشعبه وأركانه ودعائمه وليس هذا من باب تحصيل الحاصل، بل من باب تكميل الكامل وتقريره وتثبيته والاستمرار عليه كما يقول المؤمن في كل صلاة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي: بصرنا فيه
_________________
(١) ١ الإبانة لابن بطة (٢/٨٣٤) . ٢ سورة النساء، الآية: ١٣٦. ٣ الإيمان لأبي عبيد (ص ٦٥) .
[ ٥٩ ]
وزدنا هدى وثبتنا عليه"١.
قلت: وهذا يوضح ما جاء عن السلف قولهم:"تعالوا بنا نؤمن ساعة"أي: نردد إيمانًا، وسيأتي قريبًا إن شاء الله.
وقال ابن سعدي في تفسيره:"اعلم أن الأمر إما أن يوجه إلى من لم يدخل في الشيء ولم يتصف بشيء منه، فهذا يكون أمرًا له في الدخول فيه وذلك كأمر من ليس بمؤمن بالإيمان، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ ٢ الآية.
وإما أن يوجه إلي من دخل في الشيء، فهذا يكون أمره ليصحح ما وجده منه ويحصل ما لم يوجد، ومنه ما ذكره في هذه الآية٣ من أمر المؤمنين بالإيمان، فإن ذلك يقتضي أمرهم بما يصحح إيمانهم من الإخلاص والصدق وتجنب المفسدات والتوبة من جميع المنقصات، ويقتضي أبضًا الأمر بما لم يوجد من المؤمن من علوم الإيمان وأعماله، فإنه كلما وصل إليه نص وفهم معناه واعتقده فإن ذلك من المأمور به، وكذلك سائر الأعمال الظاهرة والباطنة، كلها من الإيمان كما دلّت على ذلك النصوص الكثيرة وأجمع عليه سلف الأمة.. إلى أن قال: وأمره هنا بالإيمان به وبرسله وبالقرآن وبالكتب المتقدمة، فهذا كله من الإيمان الواجب الذي لا يكون العبد مؤمنًا إلا به، إجمالًا فيما لم يصل إليه تفصيله، وتفصيلًا فيما علم من ذلك بالتفصيل، فمن آمن هذا الإيمان
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير (١/٥٦٦) . ٢ سورة النساء، الآية: ٤٧. ٣ أي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، سورة النساء، الآية: ١٣٦.
[ ٦٠ ]
المأمور به فقد اهتدى وأنجح"١.
تاسعًا- تقسيمه سبحانه المؤمنين إلى ثلاث طبقات:
وذلك في قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ ٢، ثم أخبر أنهم جميعًا في الجنة فقال: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ ٣.
فهذا فيه دلالة ظاهرة على زيادة الإيمان ونقصانه، قال الشيخ عبد الرحمن ابن سعدى ﵀:"ومن زيادته ونقصانه. أي: الإيمان: أن قسم المؤمنين إلى ثلاث طبقات: سابقون بالخيرات، وهم الذين أدوا الواجبات والمستحبات وتركوا المحرمات والمكروهات فهؤلاء هم المقربون، ومقتصدون وهم الذين أدوا الواجبات وتركوا المحرمات وظالمون لأنفسهم وهم الدين تجرأوا على بعضي المحرمات وقصروا في بعض الواجبات مع بقاء أصل الإيمان معهم فهذا منا أكبر البراهين على زيادة الإيمان ونقصه، فما أعظم التفاوت بين! هؤلاء الطبقات"٤.
_________________
(١) ١ تفسير ابن سعدي (٢/ ١٩٣، ١٩٤)، وكلامه ﵀ كلام محرر نفيس فتأمله. ٢ سورة فاطر، الآية: ٣٢. ٣ سورة فاطر، الآية: ٣٣. ٤ التنبيهات اللطيفة (ص ٥٠) وانظر المثل الذي ضربه ابن رجب في كتابه شرح حديث أبي الدرداء في طلب العلم (ص ٤٤) وما بعدها في بيان انقسام الناس في إجابتهم لدعوة النبي ﷺ إلى أقسام ثلاثة: سابق، ومقتصد، وظالم ولولا خشية الإطالة لنقلته لجودته وأهميته، وانظر أيضًا الفتاوى لابن تيمية (٥/١٠ وما بعدها) .
[ ٦١ ]
وقال شارح العقيدة الواسطية:"ومن الأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه أن الله فسم المؤمنين ثلاث طبقات فقال سبحانه: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فالسابقون بالخيرات هم الذين أدوا الواجبات والمستحبات وتركوا المحرمات والمكروهات، وهؤلاء هم المقربون والمقتصدون هم الذين اقتصروا على أداء الواجبات وترك المحرمات، والظالمون لأنفسهم هم الذين اجترأوا على بعض المحرمات وقصروا في بعض الواجبات مع بقاء أصل الإيمان معهم"١.
وقد اختلف أهل التفسير في الظالم لنفسه هل هو من هذه الأمة أو لا؟ وأصح ما قيل أنه منهم ومن المصطفين علي ما فيه من تقصير، قال ابن كثير بعد أن أشار إلى هذا الخلاف:"والصحيح أن الظالم لنفسه من هذه الأمة، وهذا اختيار ابن جرير، كما هو ظاهر الآية، وكما جاءت به الأحاديث عن رسول الله ﷺ من طرق يشد بعضها بعضًا"٢ ثم ذكر ما تيسر من الأحاديث والآثار الدالة على ذلك.
قلت: لكنه قد يعاقب على ظلمه وتقصيره وتفريطه بخلاف السابق بالخيرات والمقتصد فإنهما لا يعاقبان.
قال شيخ الإسلام:"والمقتصد والسابق كلاهما يدخل الجنة بلا عقوبة، بخلاف الظالم لنفسه"٣.
_________________
(١) ١ شرح العقيدة الواسطية للهراس (ص ١٤٩) وانظر معارج القبول للحكمي (٢/٤٠٨) . ٢ تفسير ابن كثير (٣/٥٥٥) . ٣ الفتاوى (٧/١٠) .
[ ٦٢ ]
عاشرًا- أمره سبحانه بامتحان المؤمنات المهاجرات:.
وذلك في قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ ١الآية.
استدل بهذه الآية على زيادة الإيمان ونقصانه أبو عبيد في كتابه الإيمان، فقال: ومما يبين لك تفاضله في القلب قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ .
ألست ترى أن ها هنا منزلًا دون منزل ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ ٢.
حادي عشر- إثباته سبحانه في القرآن إسلامًا بلا إيمان:
وذلك في قوله: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ٣.
فهؤلاء الأعراب مسلمون، إلا أنهم لم يصلوا إلى درجة ما ادعوه وهو الإيمان، فلهذا نفاه الله عنهم وأثبت لهم الإسلام وحده.
قال شيخ الإسلام:"لم يأتوا بالإيمان الواجب، فنفى عنهم لذلك وإن كانوا مسلمين، معهم من الإيمان ما يثابون عليه"٤.
وقال ابن رجب:"وأما إذا نفي الإيمان عن أحد وأثبت له الإسلام
_________________
(١) ١ سورة الممتحنة، الآية: ١٠. ٢ الإيمان لأبي عبيد (ص ٦٥) . ٣ سورة الحجرات، الآية: ١٤. ٤ الإيمان (ص ٢٣٠) .
[ ٦٣ ]
كالأعراب الذين أخبر الله عنهم، فإنه ينتفي رسوخ الإيمان في القلب، وتثبت لهم المشاركة في أعمال الإسلام الظاهرة مع نوع إيمان يصحح لهم العمل، إذ لولا هذا القدر من الإيمان لم يكونوا مسلمين، وإنما نفى عنهم الإيمان لانتفاء ذوق حقائقه ونقص بعض واجباته وهذا مبني على أن التصديق القائم بالقلوب يتفاضل وهذا هو الصحيح "١.
فالآية فيها دليل على أن الإيمان مراتب وأنه يتفاضل، فإذا كان كذلك فهو يزيد وينقص، ويزيد المسلم فيه حتى يبلغ أعلى درجات الدين، وينقص حتى لا يبقى منه شيء، والله أعلم.
ثاني عشر- إخباره سبحانه بأن الذنوب تذهب الإيمان شيئًا فشيئًا حتى يطبع على القلب ويختم عليه من كثرة الذنوب.
كما في قوله تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٢ وبهذا جاء التفسير لهذه الآية عن رسول الله ﷺ.
ففي الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:"إن المؤمن إذا أذنب ذنبًا نكت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب ونزع واستغفر صقل منها قلبه، فإن زاد زادت حتى تعلو قلبه فذلك الران الذي قال الله ﷿: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ جامع العلوم والحكم (ص ٢٨) . ٢ سورة المطففين، الآية: ١٤. ٣ رواه الترمذي (٥/ ٤٣٤) وابن ماجه؛ (٢/ ١٤١٨) وأحمد (٢/ ٢٩٧) وابن جرير الطبري (١٥/ ٩٨) والحاكم (٢/ ٥١٧) والآجري في الشريعة (ص ١١١) وابن بطة في الإبانة (برقم: ١١٠٧)، وعبد بن حميد وابن حبان وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الشعب كما في الدر المنثور (٨/٤٤٥) من طرق عن محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة. وقال الترمذي:"حديث حسن صحيح" وقال الحاكم:"هذا حديت صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي. قلت: إلا أن ابن عجلان هذا حسن الحديث، وإنما أخرج له مسلم متابعة، ولهذا فالحديث حسن فقط، ولهذا اكتفى الألباني بتحسينه كما في صحيح الترمذي (٣/ ١٢٧) .
[ ٦٤ ]
وقد جاء تفسير الآية بذلك عن جمع من السلف: منهم حذيفة بن اليمان، وابن عمر، ومجاهد، والحسن، وإبراهيم التيمي، وقتادة، وغيرهم١.
قال حذيفة ﵁:"القلب هكذا مثل الكف فيذنب الذنب فينقبض منه ثم يذنب الذنب فينقبض منه حتى يختم عليه فيسمع الخير فلا يجد له مساغًا.. يجمع فإذا اجتمع طبع عليه، فإذا سمع خيرًا دخل في أذنيه حتى يأتي القلب فلا يجد فيه مدخلًا فذلك قوله: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ ٢.
وقال مجاهد: كانوا يرون القلب مثل الكف، وذكر مثله٣.
وقال أيضًا في قوله: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾ قال:"العبد يعمل بالذنوب فتحيط بالقلب ثم ترتفع، حتى تغشى القلب"٤.
وقال الحسن في الآية"الذنب على الذنب حتى يعمى القلب فيموت"٥.
_________________
(١) ١ انظر تفسير الطبري (١٥/ ٩٨-١٠٠) والدر المنثور (٨/ ٤٤٦- ٤٤٨) . ٢ أخرجه الفريابي والبيهقي (كما في الدر المنثور ٨/ ٤٤٦) . ٣ أخرجه ابن جرير الطبري (١٥/ ٩٩) وابن بطة في الإبانة (برقم:١١٠) . ٤ أخرجه ابن جرير (١٥/٩٨) . ٥ أخرجه عبد بن حميد كما في الدر المنثور (٨/٤٤٧) ومن طريقه ابن جرير في تفسيره (٥/٩٨) .
[ ٦٥ ]
وقال إبراهيم التيمي في الآية:"إذا عمل الرجل الذنب نكت في قلبه نكتة سوداء ثم يعمل الذنب بعد ذلك فينكت في قلبه نكتة سوداء، ثم كذلك حتى يسود عليه.."١.
ويشبه هذه الآية سواء قول الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٢.
ولهذا قال مجاهد:"وهي مثل الآية التي في سورة البقرة فذكرها"٣:
قلت: ويؤيد هذا المعنى المتقدم للآية من حيث الجملة ما ثبت في صحيح مسلم من حديث حذيفة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مربادًا، كالكوز مجخيًا، لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب هواه" ٤.
وهذا الحديث ذكره شيخ الإسلام في كتابه الإيمان محتجًا به على زيادة الإيمان ونقصانه٥.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن المنذر كما في الدر المنثور (٨/ ٤٤٦) . ٢ سورة البقرة، الآية:٨١. ٣ تفسير ابن جرير (١٥/١٠٠) . ٤ أخرجه مسلم ٢١/ ٧١ نووي) ومعنى أشربها أي: (دخلت فيه، والصفا هو: الحجر الأملس، والمرباد: هو شدة البياض في سواد، ومجخيا أي مائلا وراجع شرح النووي للحديث. ٥ الإيمان (ص ٢١٣) .
[ ٦٦ ]
المبحث الثاني
أدلة زيادة الإيمان ونقصانه من السنة
لقد ثبت عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة فيها دلالة ظاهرة على زيادة الإيمان ونقصانه، بل إن بعضها فيه التصريح بذلك.
وفي هذا المبحث أورد بعض ما جاء عنه ﷺ مما يدل على ذلك إما تصريحًا أو تضمنًا، مع بيان وجه دلالته، وأتبع ذلك بذكر بعض أقوال أهل العلم ممن احتج بهذه الأحاديث على الزيادة والنقصان.
وليعلم قبل مطالعة هذه الأدلة أن كل دليل على زيادة الإيمان فهو دليل على نقصانه، وكذا العكس، لأن الزيادة تستلزم النقص ولأن قبول الشيء للزيادة دليل على قبوله للنقص، وقد سبق التنبيه على هذا في صدر المبحث الأول بأوسع من هنا فليراجع.
وفيما يلي أورد أدلة من السنة على زيادة الإيمان ونقصانه مستمدًا العون من الله وحده:
١- حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:"لا
يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن) ١.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٥/١١٩، ١٠/ ٣٠، ١٢/٥٨، ١٢/ ١٤ فتح)، ومسلم (٢/٤١ نووي) .
[ ٦٧ ]
فالمراد بهذا الحديث نفي كمال الإيمان الواجب عمن اقترف هذه المعاصي وأنه"لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ويراد نفي كماله ومختاره، كما يقال لا علم إلا ما نفع، ولا مال إلا الإبل، ولا عيش إلا عيش الآخرة، ومما يدل على هذا التأويل حديث أبي ذر وغيره:"من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق" ١، وحديث عبادة بن الصامت الصحيح المشهور أنهم بايعوه ﷺ على ألا يسرقوا ولا يزنوا ولا يعصوا، إلى آخره، ثم قال:"فمن وفى فأجره على الله ومن فعل شيئًا من ذلك فعوقب في الدنيا فهو كفارته، ومن فعل ولم يعاقب فهو إلى الله تعالى إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه" ٢.
فهذان الحديثان مع نظائرهما في الصحيح مع قول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٣، مع إجماع أهل الحق على أن الزاني والسارق والقاتل وغيرهم من أصحاب الكبائر غير الشرك لا يكفرون بذلك بل هم مؤمنون ناقصوا الإيمان إن تابوا سقطت عقوبتهم، وإن ماتوا مصرين على الكبائر كانوا في المشيئة، فإن شاء الله تعالى عفا عنهم وأدخلهم الجنة أولًا، وإن شاء عذبهم ثم أدخلهم الجنة"٤.
_________________
(١) ١ رواه البخاري (١٠/٢٨٣ فتح) ومسلم (١/٩٥) . ٢ رواه البخاري (١/ ٦٤ فتح) ومسلم (٣/١٣٣٣) . ٣ سورة النساء، الآيتان: ٤٨، ١١٦. ٤ شرح مسلم للنووي (٢/٤١) بتصرف يسير، وانظر شعب الإيمان للبيهقي (١/١٧٩) ومنهاج السنة لابن تيمية (٥/٢٩٧) والفتاوى (١١/٦٥٣، ٦٥٤)، ومجموعة الرسائل والمسائل (٣/ ٣٤٢)، والرد على الأخنائي (ص ٣١٦) .
[ ٦٨ ]
قال ابن عبد البر١ بعد أن ذكر حديث أبي هريرة:"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" وبين أن مراد النبي ﷺ بقوله وهو مؤمن: أي مستكمل الإيمان، قال:"ولم يرد نفي جميع الإيمان عن فاعل ذلك، بدليل الإجماع على توريث الزاني والسارق وشارب الخمر إذا صلوا للقبلة وانتحلوا دعوة الإسلام من قرابتهم المؤمنين الذين آمنوا بتلك الأحوال.
وفي إجماعهم على ذلك مع إجماعهم على أن الكافر لا يرث المسلم أوضح الدلائل على صحة قولنا: إن مرتكب الذنوب ناقص الإيمان بفعله ذلك، وليس بكافر كما زعمت الخوارج في تكفيرهم المذنبين"٢.
ودلالة الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه ظاهرة مما- تقدم، فالمؤمن قد يرتكب هذه المعاصي فينقص إيمانه فيكون مؤمنًا ناقص الإيمان، معه مطلق الإيمان وانتفى عنه الإيمان المطلق، فإذا تاب وأقلع عن هذه المعاصي زاد إيمانه. وقد احتج جماعة من أهل العلم بهذا الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه، منهم إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ﵀.
قال إسحاق بن إبراهيم٣: سألت أبا عبد الله عن الإيمان ونقصانه
_________________
(١) ١ هو الإمام العلامة حافظ المغرب شيخ الإسلام أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري الأندلسي القرطبي المالكي صاحب التصانيف الفائقة توفي سنة ثلاث وستين وأربع مائة انظر ترجمته في السير للذهبي (١٨/١٥٣) . ٢ التمهيد لابن عبد البر (٩/٢٤٣) وانظر تهذيب الآثار للطبري السفر الثاني (ص ٦٥٠) وجامع العلوم والحكم لابن رجب (ص ٢٧) . ٣ هو أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم النيسابوري، خدم الإمام أحمد وهو ابن تسع سنين، وكان دينًا ورعًا، نقل عن الإمام أحمد مسائل كثيرة توفي في بغداد سنة خمس وسبعين ومائتين انظر طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (١/١٠٨) وسير أعلام النبلاء للذهبي (١٣/١٩) .
[ ٦٩ ]
قال: نقصانه قول النبي ﷺ "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق وهو مؤمن" ١.
وقال المروذي٢: سمعت أبا عبد الله يقول:."الإيمان قول وعمل يزبد وينقص وقال: الزيادة من العمل، وذكر النقصان إذا زنى وسرق٣.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد: سمعت أبي ﵀ وسئل عن الإرجاء فقال: نحن نقول الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص إذا زنى وضرب الخمر نقص إيمانه٤.
وممن احتج به أبو داود فقد خرّجه في سننه في باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه٥ وقال ابن القيم ﵀ في تهذيبه للسنن بعد أن أضاف إلى هذا الحديث جملة من الأحاديث الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه:"وكل هذه النصوص صحيحة صريحة لا تحتمل التأويل في أن
_________________
(١) ١ رواه الخلال في السنة (برقم: ١٥٤٥) وابن هاني في مسائله (٢/ ١٦٤)، وأما الحديث فقد تقدم تخريجه. ٢ هو الإمام المحدث شيخ الإسلام أبو بكر أحمد بن محمد بن الحجاج المروذي، صاحب الإمام أحمد كان إمامًا في السنة شديد الإتباع، له جلالة عجيبة ببغداد، روى عن الإمام أحمد مسائل كنيرة توفي سنة خمس وسبعين ومائتين انظر سير أعلام النبلاء (١٣/ ١٧٥) . ٣ رواه الخلال في السنة (برقم: ١٠٣٥) وابن بطة في الإنابة (برقم: ١٠٤٥) . ٤ السنة لعبد الله (١/٣٠٧) . ٥ سنن أبي داود (٤/ ٢٢١) .
[ ٧٠ ]
نفس الإيمان القائم بالقلب يقبل الزيادة والنقصان"١.
واحتج به البيهقي فقد أخرجه في باب القول في زيادة الإيمان ونقصانه وتفاضل أهل الإيمان في إيمانهم من كتابه الشعب ثم قال بعده:"وإنما أراد- والله تعالى أعلم-"وهو مؤمن"مطلق الإيمان، لكنه ناقص الإيمان بما ارتكب من الكبيرة، وترك الانزجار عنها، ولا يوجب ذلك تكفيرًا بالله ﷿.."٢واحتج به الخلال٣ والآجري٤ وابن بطة٥ وابن مندة٦ وغيرهم من أهل العلم.
٢- حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:"الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" ٧.
ففي هذا الحديث"بيان أن الإيمان الشرعي اسم لمعنى ذي شعب وأجزاء، له أعلى وأدنى، فالاسم يتعلق ببعضها كما يتعلق- بكلها، والحقيقة تقتضي جميع شعبها وتستوفي جملة أجزائها، كالصلاة الشرعية لها شعب وأجزاء، والاسم يتعلق ببعضها كما يتعلق بكلها، والحقيقة تقتضي جميع أجزائها وتستوفيها"٨.
_________________
(١) ١ تهذيب السنن لابن القيم (٧/ ٥٥، ٥٦) بهامش مختصر السنن للمنذري. ٢ شعب الإيمان للبيهقي (١/١٧٩) . ٣ في السنة (٢/٦٩٣) . ٤ في الشريعة (ص ١١٣) . ٥ في الإبانة (٢/ ٧٤١) . ٦ في الإيمان (٢/ ٥٧٤) . ٧ أخرجه البخاري (١/ ٥١ فتح) ومسلم (٢/ ٦ نوري) وهذا لفظ مسلم. ٨ معالم السنن لخطابي (٧/٤٣،٤٤) .
[ ٧١ ]
وهذه الشعب متفاوتة ليست على درجة واحدة في الفضل، بل بعضها أفضل من بعض، كما هو ظاهر لفظ الحديث في قوله:"أعلاها "وقوله:"أدناها"، فشعب الإيمان منها ما يزول الإيمان بزوالها إجماعًا كشعبة الشهادتين، ومنها ما لا يزول بزوالها إجماعًا كترك إماطة الأذى عن الطريق، وبينهما شعب متفاوتة تفاوتًا عظيمًا منها ما يقرب من شعبة الشهادتين، ومنها ما يقرب من شعبة إماطة الأذى"١.
وجميع هذه الشعب والخصال متفرعة، إما عن أعمال القلب، أو أعمال اللسان أو أعمال الجوارح، ونصيب العبد من الإيمان بحسب نصيبه من هذه الشعب قلة وكثرة، قوة وضعفًا، تكميلًا وتقصيرًا، تمامًا ونقصًا، ولا شك أن الناس متفاوتون في ذلك تفاوتًا عظيمًا فقيامهم بهذه الشعب والخصال ليس على درجة واحدة، بل بعضهم أكمل من بعض، فمنهم المحسن ومنهم المسيء، فهذا من أوضح الدلائل على زيادة الإيمان ونقصانه، وتفاضل أهله فيه.
وقد استدل به الترمذي على زيادة الإيمان ونقصانه، فخرجه في باب"ما جاء في استكمال الإيمان وزيادته ونقصانه"، من سننه٢.
وبوب له ابن حبان في صحيحه بقوله:"ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص"٣ثم ذكر حديث أبي هريرة.
وقال ابن مندة بعد ذكره لحديث الشعب في كتابه الإيمان:"والعباد
_________________
(١) ١ شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (ص ٣٢٢) . ٢ السنن (٥/١٠) . ٣ انظر الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان لابن بلبان (١/ ١٩٤) .
[ ٧٢ ]
يتفاضلون في الإيمان على قدر تعظيم الله في القلوب والإجلال له والمراقبة لله في السر والعلانية، وترك اعتقاد المعاصي، فمنها قيل الإيمان يزيد وينقص"١.
وقال الخطابي:"وفي هذا الباب إثبات التفاضل في الإيمان، وتباين المؤمنين في درجاته"٢.
وقال صديق حسن خان بعد أن ذكر حديث الشعب:"وفي هذا دليل على أن الإيمان فيه أعلى وأدنى وإذا كان كذلك كان قابلًا للزيادة والنقصان"٣.
وقال الشيخ العلامة ابن سعدي بعد ذكره لحديث أبي هريرة:"وهذا صريح في أن الإيمان يزيد وينقص بحسب زيادة هذه الشرائع والشعب، واتصاف العبد بها أو عدمه، ومن المعلوم أن الناس يتفاوتون فيها تفاوتًا كثيرًا، فمن زعم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص فقد خالف الحس، مع مخالفته لنصوص الشرع كما ترى"٤.
وقال الشيخ الهراس في شرحه للواسطية:"ومن ذهب إلى أن الإيمان غير قابل للزيادة أو النقصان فهو محجوج بقوله ﷺ "الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" فالإيمان المطلق مركب من الأقوال والأعمال والاعتقادات، فهي ليست كلها بدرجة
_________________
(١) ١ الإيمان (١/ ٣٠٠) . ٢ معالم السنن (٧/ ٤٤) وانظر أعلام الحديث له (١/ ١٤٤) والإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان (١/ ١٩٢) . ٣ فتح البيان في مقاصد القرآن (٤/ ٦) . ٤ التوضيح والبيان لشجرة الإيمان (ص ١٤) .
[ ٧٣ ]
واحدة"١.
ثم إن في الحديث دلالة أخرى على زيادة الإيمان ونقصانه، وذلك بجعل النبي ﷺ في هذا الحديث، الحياء من الإيمان، ومن المعلوم المسلم به عظم اختلاف الناس في القيام بهذه الخصلة وتفاوتهم فيها، لذا قال ابن حبان في صحيحه بعد أن ذكر الحديث:" فمن الناس من يكثر ذلك فيه"أي الحياء"، ومنهم من يقل ذلك فيه، وهذا دليل صحيح على زيادة الإيمان ونقصانه، لأن الناس ليسوا كلهم على مرتبة واحدة في الحياء، فلما استحال استواؤهم على مرتبة واحدة فيه صح أن من وجد فيه أكثر كان إيمانه أزيد، ومن وجد فيه منه أقل كان إيمانه أنقص"٢.
ومما يدل على تفاضل الناس في الحياء قوله ﷺ في حديث آخر "الحياء من الإيمان وأحيا أمتى عثمان" ٣.
قلت: وفي هذا أيضًا أبين دلالة على أن الزيادة والنقصان في الإيمان كما أنها شاملة لأعمال الجوارح الظاهرة فهي كذلك شاملة لأعمال القلوب الباطنة.
٣- حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:"لا إيمان لمن لا أمانة له" ٤.
_________________
(١) ١ شرح العقيدة الواسطية (ص ١٤٩) بتصرف. ٢ انظر الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان لابن بلبان (١/ ١٩٤، ١٩٥) . ٣ أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق كما في الجامع الصغير للسيوطي (١٥٣/١) وصححه الألباني انظر السلسلة الصحيحة (٤/ ٤٤٢) . ٤ أخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٣٥)، وابن أبي شيبة في مصنفه (١١/١١) وفي الإيمان (ص ٥) وابن حبان في صحيحه (١/ ٢٠٨ الإحسان) والبغوي في شرح السنة (١/ ٧٥) وقال البغوي:"هذا حديث حسن وصححه الألباني في تحقيقه للإيمان لابن أبي شيبة.
[ ٧٤ ]
فهذا الحديث دليل على أن من لا أمانة له، فقد نقص فيه شيء من واجبات هذا الدين، فيذهب عنه كمال الإيمان الواجب وتمامه، ويكون بذلك مؤمنًا ناقص الإيمان١.
يوضح الاستدلال بهذا الحديث ويبينه ما جاء عن عروة بن الزبير ﵀ أنه قال:"ما نقصت أمانة عبد قط إلا نقص إيمانه"٢، فنقص الأمانة في العبد دليل على نقص الإيمان وضعفه فيه
ولهذا لما سئل الإمام أحمد ﵀ مرة عن نقصان الإيمان احتج بهذا، قال الفضل بن زياد٣ سمعت أبا عبد الله وسئل عن نقص الإيمان فقال: حدثنا وكيع عن سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه قال:"ما انتقصت أمانة رجل إلا نقص إيمانه"٤.
وقاد الشيخ عبد الرحمن بن حسن حفيد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵏:"إذا عرفت أن كلًا من الأعمال الظاهرة والباطنة من مسمى الإيمان شرعًا، فكل ما نقص من الأعمال التي لا يخرج نقصها
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى (١١/٦٥٣) . ٢ رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١١/ ١٢) وفي الإيمان (ص ٦)، وعبد الله في السنة (١/٣٦٨) والخلال في السنة (ق ١٥٩/ ب) والآجري في الشريعة (ص ١١٨) والبيهقي في الشعب (١/١٩٧) وابن بطة في الإبانة (برقم:١١٤٧) . ٣ هو أبو العباس الفضل بن زياد القطان البغدادي، كان من المتقدمين عند أبي عبد الله، وكان أبو عبد الله يعرف قدره ويكرمه روى عن الإمام مسائل كثيرة جياد، وحدث عنه جماعة انظر طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (١/٢٥١) . ٤ رواه الخلال في السنة (برقم: ٧٨٩) والآجري في الشريعة (ص ١١٨) وابن بطة في الإبانة (برقم ١١٤٨) .
[ ٧٥ ]
من الإسلام فهو نقص قي كمال الإيمان الواجب كما في قوله ﷺ "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له" فالمنفي في هذا الحديث كمال الإيمان الواجب، فلا يطلق الإيمان على مثل أهل هذه الأعمال إلا مقيدًا بالمعصية أو بالفسوق، فيقال مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته"١.
٤- حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال "يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير وبخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير" ٢.
فهذا الحديث، ومثله حديث الشفاعة الطويل٣ ونحوهما من الأحاديث الدالة على أن القائلين"لا إله إلا الله"متفاوتون في إيمانهم، وأن منهم من يدخل النار بتفريطه وتقصيره في الطاعة إلا أنه لا يخلد فيها لوجود أصل الإيمان معه، فيها دلالة واضحة على زيادة الإيمان ونقصانه وتفاضل أهل الإيمان فيه.
فلا يسوى في الإيمان بين من منعه إيمانه من دخول النار كلية، وبين من لم يمنعه إيمانه من دخولها لتفريطه وكثرة معاصيه، وكذلك لا يسوى بين من استوجبت له معاصيه أن يمكث فترة قصيرة في النار، وبين من استوجبت له أن يمكث فترة أطول.
_________________
(١) ١ الدرر السنية (١/ ١٦٢، ١٦٣) ومجموعة الرسائل والمسائل النجدية (٢/ ٣، ٤) بتصرف. ٢ أخرجه البخاري (١/ ١٥٣ فتح) ومسلم (٣/ ٥٩ نووي) . ٣ أخرجه البخاري (١٣/ ٤٧٣ فتح) ومسلم (١/١٨٢) عن أنى بن مالك ﵁.
[ ٧٦ ]
فالحديث من أظهر الأدلة وأوضحها على زيادة الإيمان ونقصانه، وهو أحد أدلة أهل السنة والجماعة الكثيرة على زيادة الإيمان ونقصانه.
قال أبو بكر الأثرم١: قيل لأبي عبد الله: فنقول الإيمان يزيد وينقص فقال:"حديث النبي ﷺ يدل على ذلك قوله"أخرجوا من في قلبه كذا، أخرجوا من كان في قلبه"فهذا يدل على ذلك"٢.
وقال عبد الملك بن عبد الحميد٣ سمعت أبا عبد الله: ذكر نقصان الإيمان واستدل له بحديث:" يخرج من النار من في قلبه حبة" وحديث:"لا يزنى الزاني" ٤.
وقد احتج البخاري في جامعه الصحيح بهذا الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه، فخرجه في"باب زيادة الإيمان ونقصانه من كتاب الإيمان٥.
_________________
(١) ١ هو الإمام الجليل الحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن هانىء الطائي الأثرم الاسكافي، نقل مسائل كثيرة عن الإمام أحمد وبوبها ورتبها، توفي في سنة إحدى وستين ومائتين أو في حدودها انظر ترجمته في طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (١/ ٦٦) والعبر للذهبي (١/٣٧٤) . ٢ رواه الخلال في السنة (برقم: ١٠٤١) وذكره شيخ الإسلام في كتابه الإيمان (ص ٢٤٢) . ٣ هو الإمام العلامة الحافظ الفقيه أبو الحسن عبد الملك بن عبد الحميد بن شيخ الجزيرة ميمون بن مهران الميموني الرقي، تلميذ الإمام أحمد، ومن كبار الأئمة، كان عالم الرقة ومفتيها في زمانه، توفي سنة أربع وسبعين ومائتين. انظر سير أعلام النبلاء للذهبي (١٣/٨٩) . ٤ رواه الخلال في السنة (برقم: ١٠٤٦) ونقلته منه بمعناه. ٥ صحيح البخاري (١/١٠٣ فتح) .
[ ٧٧ ]
وكذلك احتج به ابن خزيمة في كتابه التوحيد حيث قال:"باب ذكر الأخبار المصرحة عن النبي ﷺ أنه قال إنما يخرج من النار من كان في قلبه في الدنيا إيمان دون من لم يكن في قلبه في الدنيا إيمان ممن كان يقر بلسانه بالتوحيد خاليًا من الإيمان مع البيان الواضح أن الناس يتفاضلون في إيمان القلب، ضد قول من زعم من غالية المرجئة أن الإيمان لا يكون في القلب، وخلاف قول من زعم من غير المرجئة أن الناس إنما يتفاضلون في إيمان الجوارح الذي هو كسب الأبدان فإنهم زعموا أنهم متساوون في إيمان القلب الذي هو التصديق وإيمان اللسان الذي هو الإقرار "١.
ثم أورد بعض الأحاديث في الباب، منها حديث أنس بن مالك ﵁.
وقال البيهقي بعد أن ذكر الحديث وغيره محتجًا بها على زيادة الإيمان ونقصانه:"والأحاديث في أن الإيمان يزيد وينقص سوى ما ذكرنا كثيرة"٢.
وقال أبو حامد الغزالي"وقد ظهر أن ما قاله السلف من زيادة الإيمان ونقصانه حق، وكيف لا وفي الأخبار"أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان"وفي بعض المواضع في خبر آخر"مثقال دينار"فأي معنى لاختلاف مقاديره إن كان ما في القلب لا يتفاوت"٣.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:" وأما الصحابة وأهل السنة والحديث فقالوا: إنه يزيد وينقص، كما قال النبي ﷺ:"يخرج من النار
_________________
(١) ١ التوحيد (ص ٢٩٣، ٢٩٤) . ٢ الاعتقاد (ص ١١٩) . ٣ الاحياء (١/٢١٣) .
[ ٧٨ ]
من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان" ١.
واحتج به الذهبي في السير٢ وابن القيم كما في تهذيبه لسنن أبي داود٣.
وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم بعد هذا الحديث:"وفي هذا الحديث دلالة لمذهب السلف وأهل السنة ومن وافقهم من المتكلمين في أن الإيمان يزيد وينقص، ونظائره في الكتاب والسنة كثيرة"٤.
وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀:"قوله سبحانه في الحديث"أخرجوا من النار من في قلبه مثقال ذرة"إلى آخره، يوافق ما ذكرناه٥ فإن الإيمان أعلى من الإسلام، فيخرج الإنسان من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام إلا الكفر، فيخرج الإنسان من الإيمان إلى الإسلام الذي ينفعه وإن كان ناقصًا"٦.
٥- حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:"أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا" ٧.
_________________
(١) ١ منهاج السنة النبوية (٥/ ٢٠٥) وانظر الفتاوى (١١/٦٥٤) . ٢ انظر سير أعلام النبلاء (١١/٣٦٣) . ٣ تهذيب السنن (٧/ ٥٥) . ٤ شرح صحيح مسلم (٣/٦٣)، وانظر شرح صحيح البخاري للنووي (ص ٢٢٤) . ٥ يقصد تفريقه بين الإسلام والإيمان. ٦ الدرر السنية (١/١١٧) ومجموع مؤلفاته" قسم السيرة والفتاوى" (ص ٥٧) . ٧ رواه أحمد (٢/٢٥٠/ ٤٧٢) وابن أبي شيبة في المصنف (١١/٢٧) وفي الإيمان (ص ٨) وأبو داود (٤/٢٢٠) والترمذي (٣/ ٤٦٦) والآجري في الشريعة (ص ١١٥) وابن حبان في صحيحه (٤٧٥ موارد) وعبد الله في السنة (١/٣٥٠) وابن أبي زمنين في أصول السنة (٢/٧٨٤) والحاكم في المستدرك (١/٣) وأبو نعيم في الحلية (٩/٢٤٨) وابن عبد البر في التمهيد (٩/٢٣٧) والبيهقي في الشعب (١/١٦١) وفي الاعتقاد (ص ١١٨) والذهبي في السير (١٢/٢٠٦) من طرق عن أبي هريرة ﵁ وقال الترمذي:"حديث حسن صحيح"، وصححه الحاكم والذهبي، والألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/٥١١)، وله شواهد كثيرة.
[ ٧٩ ]
فهذا الحديث فيه دلالة على أن حسن الخلق من الإيمان، وأن المسلم كلما ازداد منه زاد إيمانه وارتقى إلى الكمال، وأن النقص منه نقص من الإيمان، فهو يدل على أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بحسن الخلق وينقص بنقصه، كما أنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
قال ابن عبد البر:"ومعلوم أنه لا يكون هذا أكمل، حتى يكون غيره أنقص"١.
وقد احتج بهذا الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه أبو داود، فخرجه في"باب زيادة الإيمان ونقصانه". والترمذي فخرجه في"باب ما جاء في استكمال الإيمان وزيادته ونقصانه"، من سننهما.
وقال الحليمي٢:"فدل هذا القول على أن حسن الخلق إيمان، وأن عدمه نقصان إيمان، وأن المؤمنين متفاوتون في إيمانهم، فبعضهم أكمل إيمانًا من بعض"٣.
وقال شيخ الإسلام:"والإيمان عندهم- أي أهل السنة- يتفاضل،
_________________
(١) ١التمهيد لابن عبد البر (٩/٢٤٥) . ٢هو القاضي أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري الشافعي، له مصنفات عديدة من أشهرها"المنهاج" توفي سنة ثلاث وأربعمائة، انظر السير للذهبي (١٧/٢٣١) . ٣المنهاج (١/٦١)، ونقله عنه البيهقي في الشعب (١/١٦١) .
[ ٨٠ ]
لأن الترك هنا تكليف، وإن كانت مع ذلك توصف بنقص الدين.
وليس المراد هنا بوصف النساء بنقص الدين تثريبهن ولومهن على ذلك، لأن هذا من أصل الخلقة، وإنما المراد بذلك هو التنبيه على ذلك تحذيرًا من الافتتان بهن، ولهذا رتب العذاب على ما ذكر من الكفران وغيره لا على النقص١.
وهذا الحديث هو أحد الدلائل القوية لأهل السنة والجماعة على زيادة الإيمان ونقصانه، إذ فيه التصريح بنقص الدين، وأما الزيادة فمصرح بها في القرآن، كما تقدم.
ولهذا فقد احتج به غير واحد من أهل العلم على ذلك. فقد خرجه أبو داود في سننه في،"باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه"٢، وخرجه الترمذي في"باب ما جاء في استكمال الإيمان وزيادته ونقصانه"٣.
قال البغوي مبينًا عقيدة أهل السنة والجماعة في الإيمان:"وقالوا إن الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، على ما نطق به القرآن في الزيادة، وجاء في الحديث بالنقصان في وصف النساء"٤ يشير إلى حديثنا هذا.
وقال أبو محمد بن حزم:"وقد جاء النص بذكر النقص وهو قول رسول الله ﷺ المشهور المنقول نقل الكواف أنه قال للنساء (ما رأيت من
_________________
(١) ١ انظر فتح الباري لابن حجر (١/ ٤٥٦) . ٢ سنن أبي داود (٤/ ٢١٩) . ٣ سنن الترمذي (٥/ ١٠) . ٤ شرح السنة (١/٣٩) .
[ ٨٢ ]
ناقصات عقل ودين أسلب للب الرجل الخازم منكن" ١.
وبوب له النووي في شرحه لمسلم"باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات ) ٢، وقال:"وفيه بيان زيادة الإيمان ونقصانه"٣.
وقال الحليمي في المنهاج"ومما يدل على أن الإيمان يزيد وينقص قول النبي ﷺ للنساء أإنكن ناقصات عقل ودين ""٤.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية"والقرآن نطق بالزيادة في غير. موضع، ودلت النصوص على نقصه كقوله"لا يزنى الزاني حين يزني وهو مؤمن"لكن لم يعرف اللفظ إلا في قوله في النساء"ناقصات عقل ودين"وجعل من نقصان دينها أنها إذا حاضت لا تصوم ولا تصلي، وبهذا استدل غير واحد على أنه ينقص"٥.
٧- حديث أبي أمامة الباهلي ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال:"مَن أحبّ لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله فقد استكمل الإيمان" ٦.
_________________
(١) ١ الفصل في الملل والأهواء والنحل (٣/٢٣٧) . ٢ شرح صحيح مسلم (٢/٦٥) . ٣ المصدر نفسه (٢/ ٦٧) . ٤ المنهاج (١/ ٦٣) . ٥ الفتاوى (١٣/٥١) وانظر الفتاوى (٧/٢٣٣) . ٦ رواه أبو داود (٤/ ٢٢٠) وابن أبي الدنيا في الاخوان (ص ١٠٢) والطبراني في الكبير (برقم: ٧٧٣٧) وابن بطة في الإبانة (٢/٦٥٨) والبغوي في شرح السنة (١٣/ ٥٤) والبيهقي في الاعتقاد (ص ١١٨) . وحسن الألباني إسناده وله شاهد عن حديث سهل بن معاذ عن أبيه رواه الترمذي (٤/ ٦٧٠) وأحمد (٣/ ٤٤٥) والبيهقي في الشعب (١/١٢٨) وحسن الألباني إسناده، ثم قال:"فالحديث بمجموع الطريقين صحيح". انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/٦٥٧) .
[ ٨٣ ]
ففي هذا الحديث بيان أن المسلم"إذا كان حبه لله ومنعه لله وهما عمل قلبه، وعطاؤه لله ومنعه لله وهما عمل بدنه، دل على كمال محبته لله، ودل ذلك على كمال الإيمان، وذلك أن كمال الإيمان أن يكون الدين كله لله، وذلك بعبادة الله وحده لا شريك له، والعبادة تتضمن كمال الحب وكمال الذل، والحب مبدأ جميع الحركات الإرادية، ولا بد لك من حب وبغض، فإذا كانت محبته لمن يحبه الله، وبغضه لمن يبغضه الله، دل ذلك على صحة الإيمان في قلبه، لكن قد يقوى ذلك وقد يضعف بما يعارضه من شهوات النفس وأهوائها، الذي يظهر في بذل المال الذي هو مادة النفس، فإذا كان حبه لله وعطاؤه لله ومنعه لله، دلّ على كمال الإيمان باطنًا وظاهرًا"١.
فالحديث بهذا من أوضح الأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه، لتفاوت الناس في عمل القلب وعمل الجوارح المذكورين في الحديث تفاوتًا عظيمًا، بل إن الفرد المسلم تختلف أحواله من وقت لآخر من جهة القيام بهذه الأعمال.
ثم إن قوله ﷺ في الحديث:"فقد استكمل الإيمان" ظاهر الدلالة على زيادة الإيمان ونقصانه، لأن الاستكمال لا يكون إلا عن نقص، وإذا ثبت النقص فإنه مستلزم للزيادة. فالإيمان يزيد حتى يصل إلى درجة الكمال، وينقص حتى لا يبقى منه شيء.
وقد احتج أبو داود في سننه بهذا الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه فخرجه في"باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه"، وكذا البيهقي في
_________________
(١) ١ الفتاوى لابن تيمية (١٠/ ٧٥٤) .
[ ٨٤ ]
كتاب الاعتقاد ثم قال بعد أن ذكره مع غيره من الأحاديث الدالة على ذلك:"والأحاديث في أن الإيمان يزيد وينقص سوى ما ذكرنا كثيرة، وفيما ذكرنا هنا كفاية) ١.
٨- حديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أمرهم أمرهم من الأعمال بما يطيقون، قالوا: إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله، إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه ثم يقول: (إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا) ٢.
فقد أفاد هذا الحديث أن الناس متفاضلون في معرفة الله وتقواه وهما من أعظم أعمال الإيمان، وأن أفضل الناس وأتقاهم لله ﷿ وأعظمهم معرفة به هو رسول الله ﷺ.
ودلالة الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه واضحة، لأن الإنسان كلما ازداد معرفة بالله وتقوى له ازداد إيمانًا.
قال ابن حجر في شرحه للحديث:"وفيه دليل على زيادة الإيمان ونقصانه، لأن قوله ﷺ: "أنا أعلمكم بالله" ظاهر في أن العلم بالله درجات، وأن بعض الناس فيه أفضل من بعض، وأن النبي ﷺ منه في أعلى الدرجات، والعلم بالله يتناول ما بصفاته وما بأحكامه وما يتعلق بذلك فهذا هو الإيمان حقًا"٣.
وقد بوب البخاري لهذا الحديث في كتاب الإيمان من صحيحه بـ"باب قول النبي ﷺ"وأنا أعلمكم بالله"وأن المعرفة فعل القلب".
واستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ
_________________
(١) ١ الاعتقاد للبيهقي (ص ١١٨) . ٢ أخرجه البخاري (١/ ٧٠ فتح) . ٣ فتح الباري (١/٧٠) .
[ ٨٥ ]
قُلُوبُكُمْ﴾ ١، ومراده من هذا أن يبرهن على أن الإيمان لا يتم بالقول وحده، بل لا بد من ضم الاعتقاد إليه، والإعتقاد فعل القلب٢.
وهذا فيه دلالة على أن التقوى ومعرفة الله من الإيمان، والحديث دل على تفاضل الناس فيهما، فأعمال القلوب إذن متفاضلة والإيمان فيها يزيد وينقص.
ومثل هذا الحديث في الدلالة حديث أبي ذر رضي لله عنه القدسي الطويل وفيه قال الله تعالى "يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا" ٣ الحديث.
فهو يدل على أن الناس يتفاضلون في التقوى والله أعلم.
٩- حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" ٤.
بين النبي ﷺ في هذا الحديث مراتب إنكار المنكر، وأنه حسب الاستطاعة فإما أن يغير باليد أو باللسان أو بالقلب، بمعنى يكرهه بقلبه، وهذه المراتب الثلاث للإنكار يقوم بها المكلف على قدر استطاعته، ولا شك أن المرتبة الأخيرة باستطاعة جميع المكلفين، فمن رأى المنكر ولم يكرهه بقلبه وهو يعلم أنه منكر فإن هذا يكون علامة على ضعف إيمانه.
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية: ٢٢٥. ٢ انظر فتح الباري (١/٧٠) . ٣ أخرجه مسلم (٤/ ١٩٩٤) . ٤ رواه مسلم (٢/ ٢٢ نووي) .
[ ٨٦ ]
وما من شك في أن المكلفين متفاضلون في القيام بهذه المراتب، فمنهم من ينكر بيده، ومنهم من ينكر بلسانه، ومنهم من ينكر بقلبه، فمن أنكر بيده فهو أفضل ممن أنكر بلسانه، ومن أنكر بلسانه فهو أفضل ممن أنكر بقلبه فقط.
فالناس إذا يتفاضلون في الإيمان، فبعضهم يزداد إيمانه حتى ينكر المنكر بيده وبعضهم يضعف إيمانه فلا ينكر المنكر إلا بقلبه، فالحديث بهذا من أوضح الدلائل وأبينها على زيادة الإيمان ونقصانه.
ثم إن قول النبي ﷺ في الحديث:"وذلك أضعف الإيمان"تصريح
بأن الإيمان يضعف، وضعفه نقصان، فالإيمان ينقص بنقص الطاعة وارتكاب المعصية، كما أنه يزيد بفعل الطاعة والبعد عن المعصية.
وقد احتج بهذا الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه وتفاضل أهله فيه النسائيُ في سننه فبوب له بـ"باب تفاضل أهل الإيمان"١. وابن منده في كتابه الإيمان فقال:"ذكر خبر يدل على أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالأركان يزيد وينقص"٢ ثم ذكر حديث أبي سعيد ﵁.
وبوب له النووي في شرحه لمسلم بـ"باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص "٣.
ومثل هذا الحديث في الدلالة حديث عبد الله بن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال:"ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف
_________________
(١) ١ سنن النسائي (٨/١١) . ٢ الإيمان لابن منده (٢/٣٤١) . ٣ شرح صحيح مسلم للنووي (٢/٢١) وانظر مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية (٣/٣٤٣) .
[ ٨٧ ]
من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" ١.
فدلالة هذا الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه ظاهرة كسابقه، إذ فيه ذكر مراتب الإنكار الثلاث، وأن أضعفها مرتبة الإنكار بالقلب التي ليس وراءها من الإيمان حبة خردل.
قال ابن منده:"ذكر خبر يدل على أن الإيمان ينقص حتى لا يبقى في قلب العبد مثقال حبة خردل، وأن المجاهدة بالقلب واللسان واليد من الإيمان"٢ ثم ذكر هذا الحديث.
وفي الحديث فائدتان ليستا في الذي قبله: إحداهفا: تصريحه بأن هذه المراتب الثلاث للإنكار من الإيمان، والثانية: إخباره بأنه ليس وراء المرتبة الأخيرة من الإنكار حبة خردل من إيمان.
وقول النبي ﷺ "وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" المراد به
أنه لم يبق بعد هذه المراتب الثلاث للإنكار ما يكون داخلًا في مسمى الإيمان حتى يقوم به المؤمن، بل إن الإنكار القلبي هو آخر حدود الإيمان، وليس المراد نفى أصل الإيمان عن من لم ينكر المنكر، ولهذا قال في الحديث "ليس وراء ذلك"؛"أي: ليس وراء هذه الثلاث ما هو من الإيمان، ولا قدر حبة خردل. والمعنى: هذا آخر حدود الإيمان، ما بقي بعد هذا من الإيمان شيء، ليس مراده أنه من لم يفعل ذلك لم يبق معه من الإيمان شيء"٣.
_________________
(١) ١ رواه مسلم (١/ ٧٠) . ٢ الإيمان لابن منده (٢/ ٣٤٥) . ٣ انظر الفتاوى (٧/ ٥٢) .
[ ٨٨ ]
وقد جعل النبي ﷺ في هذا الحديث المؤمنين ثلاث طبقات، وكل منهم فعل الإيمان الذي يجب عليه، لكن الأول لما كان أقدرهم كان الذي يجب عليه أكمل مما يجب على الثاني، وكان ما يجب على الثاني أكمل مما يجب على الآخر، وعلم بذلك أن الناس يتفاضلون في الإيمان الواجب عليهم بحسب استطاعتهم مع بلوغ الخطاب إليهم كلهم١.
لكن قد يرد على هذا سؤال: وهو إذا كان ذلك حسب الاستطاعة فمن لم يستطع لا بيده ولا بلسانه فعمل حسب استطاعته وهو الإنكار بقلبه، فكيف يقال إن إيمانه ناقص، وهذا الذي فعله هو الذي في استطاعته؟.
والجواب على هذا، أن يقال: إن إيمان هذا الأخير عُد ناقصًا من جهة نقص عمله عن الآخرين إذ هما قاما من أمر الدين بعمل أكمل منه فعد إيمانه من هذه الجهة ناقصًا، وأما هذا النقص الذي عنده فلا يحاسب عليه لأنه خارج عن استطاعته والله ﷿ لا يكلف النفس إلا وسعها وما تطيقه، بل قال شيخ الإسلام"ومتى كانت إرادة القلب وكراهته كاملة تامة، وفعل العبد معها بحسب قدرته فإنه يعطى ثواب الفاعل الكامل"٢.
وذلك من فضل الله وسعة رحمته لأنه سبحانه لم يكلف الناس إلاّ بما يطيقون.
ومن هذا الجنس المرأة الحائض التي تترك الصوم والصلاة وقت حيضتها تعد ناقصة إيمان من هذه الجهة إذ إن الرجل لا ينقطع عن الصلاة بمانع مثلها فهو أكمل منها بهذا الاعتبار، وإن كانت لا تحاسب على هذا
_________________
(١) ١ الأيمان لابن تيمية (ص ٤٠٩، ٤١٠) . ٢ الفتاوى (٢٨/ ١٣١) .
[ ٨٩ ]
النقص، لأنها مكلفة به على ما سيأتي شرحه قريبًا إن شاء الله.
١٠- حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ:"من اقتنى كلبًا إلا كلب حاشية أو ضاريًا١ نقص من عمله كل يوم قيراطان" ٢.
فهذا الحديث فيه دلالة على نقص العمل بارتكاب المعاصي، فاقتناء الكلب لغير ما جاء في الشرع جواز اقتنائه له معصية تنقص الأجر، ومن ثم تضعف الإيمان.
قال ابن حجر:"وفي الحديث الحث على تكثير الأعمال الصالحة، والتحذير من العمل بما ينقصها، والتنبيه على أسباب الزيادة فيها والنقص منها، لتجتنب أو ترتكب "٣.
فالحديث دلالته ظاهرة على زيادة الإيمان ونقصانه، وأن الإيمان يزيد بالأعمال الصالحة، وينقص بالمعاصي.
ولهذا احتج به ابن أبي زمنين على ذلك فخرجه في"باب زيادة الإيمان ونقصانه"من كتابه أصول السنة٤.
١١- حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:"بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون عليَّ وعليهم قمص، منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما دون ذلك، وعرض على عمر بن الخطاب
_________________
(١) ١ جمع ضوار، وهو الكلب المعلم المدرب للصيد، يقال: ضرا الكلب وأضراه صاحبه أي عوده وأغراه بالصيد، انظر فتح الباري لابن حجر (٩/ ٦٠٩) . ٢ أخرجه البخاري (٩/ ٦٠٨ فتح) ومسلم (١٠/ ٢٣٩ نووي) . ٣ فتح الباري (٥/ ٧) . ٤ أصول السنة (٢/٧٧٨) .
[ ٩٠ ]
وعليه قميص يجره، قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله قال: الدين" ١.
"المراد بالناس في هذا الحديث المؤمنون، لتأويله القمص بالدين، والمراد بالدين العمل بمقتضاه، كالحرص على امتثال الأوامر واجتناب المناهي، والنكتة في القميص أن لابسه إذا اختار نزعه وإذا اختار بقاءه، فلما ألبس الله المؤمنين لباس الإيمان واتصفوا به كان الكامل في ذلك سابغ الثوب ومن لا فلا، وقد يكون نقص الثوب بسبب نقص الإيمان، وقد يكون بسبب نقص العلم"٢.
فالحديث يدل على أن الناس يتفاوتون في الدين، قوة وضعفًا، زيادة ونقصًا.
وقد خرج البخاري الحديث في صحيحه في"باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال"قال ابن حجر مبينًا مطابقة الحديث للترجمة:"ومطابقته للترجمة ظاهرة من جهة تأويل القميص بالدين، وقد ذكر أنهم متفاضلون في لبسها فدل على أنهم متفاضلون في الإيمان"٣.
وخرجه النسائي في"باب زيادة الإيمان"٤ من سننه، ومطابقته للترجمة ظاهرة مما تقدم، والله أعلم.
١٢- حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، أنه قال:"أعطى رسول الله ﷺ رهطًا وأنا جالس
فترك رجلًا هو أعجبهم إليَّ فقلت: يا
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (١/ ٧٣، ٧/ ٤٣، ١٢/ ٣٩٥، ٣٩٦ فتح) ومسلم (٥ ١/١٥٩نووي) . ٢ فتح الباري لابن حجر (١٢/ ٣٩٦) باختصار، وهو من كلام ابن أبي جمرة. ٣ فتح الباري (١/ ٧٤) . ٤ سنن النسائي (٨/ ١١٢) .
[ ٩١ ]
رسول الله مالك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمنًا. فقال أو مسلمًا، فسكت قليلًا، ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي فقلت: مالك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمنًا، فقال: أو مسلمًا، ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي وعاد رسول الله ﷺ ثم قال: إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليَّ منه خشية أن يكبه الله في النار" ١.
فسعد ﵁"رأى رسول الله ﷺ يعطي ناسًا ويترك من هو
أفضل منهم في الدين، وظن أن العطاء يكون بحسب الفضائل في الدين، وظن أن النبي ﷺ لم يعلم حال هذا الإنسان المتروك فأعلمه به وحلف أنه يعلمه مؤمنًا، فقال له النبي ﷺ أو مسلمًا فلم يفهم منه النهي عن الشفاعة فيه مرة أخرى فسكت، ثم رآه يعطى من هو دونه بكثير فغلبه ما يعلم من حسن حال ذلك الإنسان فقال: يا رسول الله مالك عن فلان تذكيرًا وجوز أن يكون النبي ﷺ هم بعطائه من المرة الأولى ثم نسيه فأراد تذكيره، وهكذا المرة الثالثة إلى أن أعلمه النبي ﷺ أن العطاء ليس هو على حسب الفضائل في الدين "٢.
قال ابن رجب:"وكذلك قول النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص لما قال
له"لم تعط فلانًا وهو مؤمن"، فقال النبي ﷺ"أو مسلم"يشير إلى أنه لم يتحقق مقام الإيمان فإنما هو مقام الإسلام الظاهر، ولا ريب أنه متى ضعف الإيمان الباطن لزم منه ضعف أعمال الجوارح الظاهرة أيضًا"٣.
فدل الحديث على أن الدين مراتب متفاوتة ومقامات مختلفة وأن الناس متفاضلون فيه، فمنهم المؤمن ومنهم المسلم، وما هذا التفاضل
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (١/ ٧٩، ٣/٣٤٠ فتح) ومسلم (٢/ ١٨٠، ٧/ ١٤٩ نووي) . ٢ شرح صحيح مسلم للنووي (٧/١٤٨) . ٣ جامع العلوم والحكم (ص ٢٧) .
[ ٩٢ ]
بينهم فيه إلا لأنه يزيد وينقص.
وقد خرّج أبو داود هذا الحديث في سننه في"باب زيادة الإيمان ونقصانه"١ محتجًا به، ودلالته على الترجمة ظاهرة لما دلّ عليه من التفاوت في مراتب الدين، وكل هذا يرجع إلى زيادة الإيمان ونقصانه، وقوته وضعفه.
١٣- حديث علي وغيره، عن النبي ﷺ أنه قال:"ملىء عمار إيمانًا إلى مشاشه" ٢.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود (٤/ ٢٢٠) . ٢ أخرجه النسائي (٨/ ١١١) والحاكم (٣/ ٣٩٢) وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٢/٦٢١) في ترجمة عمار من طرق عن عبد الرحمن بن مهدي قال حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبي عمار عن عمرو بن شرحبيل عن رجل من أصحاب النبي ﷺ عن النبيﷺ- فذكره. قال الحاكم:"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي، قال الألباني- كما في حاشيته على كتاب الإيمان لابن أبي شيبة (ص ٣١):" وفيه نظر، فإن أبا عمار لم يخرجاه، فهو صحيح فقط، وصحح إسناده الحافظ في الفتح (٧/ ٩٢) . وسمى الحاكم هذا الصحابي المبهم في رواية له (عبد الله) يعني ابن مسعود وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١١/٢٢) وفي كتاب الإيمان (ص ٣١) من هذا الطريق، إلا أنه مرسل وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١١/ ٢٢) وفي كتاب الإيمان (ص ٣١) وابن ماجة (١/ ٥٢) وأبو نعيم في الحلية (١/١٣٩) وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٢/ ٦٢١)، من طريق عثام بن علي عن الأعمش عن أبي إسحاق عن هانىء بن هانىء، قال: دخل عمار على عليّ بن أبي طالب فقال مرحبًا بالطيب المطيب سمعت رسول الله ﷺ يقول:" إن عمارًا ملىء إيمانًا إلى مشاشه" قال الألباني:"ورجاله ثقات رجال البخاري، غير هانىء بن هانىء وهو مستور كما في التقريب، سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢/٤٦٦) . وأخرجه البزار كما في مجمع الزوائد (٩/٢٩٥) وفتح الباري (٧/ ٩٢) بنحوه، عن عائشة ﵂ مرفوعًا، قال الهيثمي"رجاله رجال الصحيح" وقال الحافظ ابن حجر:"وإسناده صحيح". والمشاشة: هي رؤوس العظام اللينة التي يمكن مضغها، انظر جامع الأصول لابن الأثير (٩/ ٤٦) .
[ ٩٣ ]
فوصف رسول الله ﷺ في هذا الحديث لعمار بأنه ملىء إيمانًا، يدل على أن الإيمان يزيد حتى يمتلىء المسلم به، ويدل أيضًا على أن المؤمنين يتفاضلون في الإيمان فمن امتلأ بالإيمان خير ممن كان إيمانه ناقصًا ضعيفًا
فالحديث فيه حجة لما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، في أن في الإيمان يزيد وبنقص، وأن أهله متفاضلون فيه.
وقد احتج به النسائي في سننه على تفاضل المؤمنين فأخرجه في"باب تفاضل أهل الإيمان"ومطابقته للترجمة ظاهرة مما تقدم.
١٤- حديث عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب، قالوا: من هم يا رسول الله، قال: هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون" ١.
هذا الحديث دليل قوي لما ذهب إليه أهل السنة والجماعة في الإيمان أنه يزيد وينقص. قال شيخ الإسلام ابن تيمية:" وفي حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة كفاية فإنه من أعظم الأدلة على زيادة
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم (١/١٩٨) ورواه الشيخان بنحوه من حديث ابن عاص ﵄. البخاري (١١/ ٤٠٥ فتح) ومسلم (١/ ١٩٩) .
[ ٩٤ ]
الإيمان ونقصانه، لأنه وصفهم بقوة الإيمان وزيادته في تلك الخصال التي تدل على قوة إيمانهم وتوكلهم على الله في أمورهم كلها"١.
١٥- حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:"المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان" ٢.
قال النووي:"والمراد بالقوة هنا عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقدامًا على العدو في الجهاد وأسرع خروجًا إليه وذهابًا في طلبه وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى في كل ذلك، واحتمال المشاق في ذات الله تعالى وأرغب في الصلاة والصوم والأذكار وسائر العبادات وأنشط طلبًا لها ومحافظة عليها ونحو ذلك.
وأما قوله ﷺ:"وفي كلى خير" فمعناه في كل من القوي والضعيف خير لاشتراكهما في الإيمان مع ما يأتي به الضعيف من العبادات"٣ فمن قام بأوامر الله وامتثلها، وكمّل نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح، وكمل غيره بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر، فهو المؤمن القوي الذي حاز أعلى مراتب الإيمان، ومن لم يصل إلى هذه المرتبة فهو المؤمن الضعيف.
_________________
(١) ١ الإيمان لابن تيمية (ص ٢١٣) . ٢ رواه مسلم (١٦/ ٢١٥ نووي) . ٣ شرح صحيح مسلم (١٦/٢١٥) وانظر مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية (٣/٣٤٣) .
[ ٩٥ ]
قال ابن سعدي بعد أن بين هذا المعنى المتقدم:"وهذا من أدلة السلف على أن الإيمان يزيد وينقص، وذلك بحسب علوم الإيمان ومعارفه، وبحسب أعماله، وهذا الأصل قد دل عليه الكتاب والسنة في مواضع كثيرة"١.
١٦- حديث حنظلة الأسدي ﵁ قال: لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال قلت: نافق حنظلة. قال: سبحان الله ما تقول؟ قال قلت: نكون عند رسول الله ﷺ يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرًا. قال: أبو بكر فوالله إنا لنلقى مثل هذا فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ. قلت: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ وما ذاك؟ قلت: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرًا، فقال رسول الله ﷺ:"والذي نفسي بيده، إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة، ثلاث مرات" ٢.
فقول حنظلة ﵁"نافق حنظلة"لا يلزم منه وقوع النفاق فيه، لأن ذلك وقع منه على سبيل المبالغة والورع والتقوى وقوة المراقبة وشدة الخوف، كما هو شأن باقي أصحاب النبي ﷺ.
قال ابن أبي مليكة٣ ﵀:"أدركت ثلاثين من أصحاب
_________________
(١) ١ بهجة قلوب الأبرار (ص ٣٣) . ٢ أخرجه مسلم (١٧/ ٦٦، ٦٧ نوري) . ٣ هو الإمام الحجة الحافظ أبو بكر عبد الله بن عبيد الله بن أبي ميكة زهير بن عبد الله بن جدعان القرشي التيمي المكي، ولد في خلاقة علي أو قبلها، حدث عن بعض الصحابة، وكان عالما مفتيًا صاحب حديث وإتقان، مات سنة سبع عشرة ومائة، انظر السير للذهبي (٥/ ٨٨) .
[ ٩٦ ]
النبي ﷺ وكلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل"١.
وإنما معنى كلامه هو أنه خاف من النفاق حيث كان يحصل له الخوف في مجلس النبي ﷺ ويظهر مع شدة المراقبة والتفكر والإقبال على الآخرة وهذا زيادة في الإيمان، فإذا خرج اشتغل بالزوجة والأولاد ومعاش الدنيا، فيكون إيمانه في هذه الحالة أضعف مما هو عليه عندما يكون في مجلس الذكر. وهذا نقص في الإيمان، فهو ﵁ حسب أن هذا نفاق٢، فبين له النبي ﷺ أن هذا ليس نفاقًا وأنه لا يستطيع أن يداوم على درجة واحدة من الإيمان، لأن الإيمان يتفاوت فيزيد إذا حصلت أسباب الزيادة وينقص إذا حصلت أسباب النقص٣.
_________________
(١) ١ رواه البخاري في صحيحه تعليقًا (١/١٠٩ فتح) ووصله في التاريخ الكبير (٣/١/١٣٧) والخلال في السنة (برقم: ١٠٨١) وابن حجر في تغليق التعليق (٢/٥٣) من طريق يحيى بن يمان عن سفيان عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة به. ورواه المروزي من طريق أخرى في تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٦٣٤ ح ٦٨٨) بلفظ: أدركت زيادة على خمسين من أصحاب رسول الله ﷺ فذكره بنحوه، ورواه ابن أبي خيثمة في تاريخه كما في الفتح (١/ ١١٠) واللالكائي في شرح الاعتقاد (٥/ ٩٥٥ ح ١٧٣٣) بنحوه ولكن أبهم العدد. ٢ وقد تأول بحض أهل البدع خوف السلف هذا بأن المراد به أنهم كانوا يخافون أن يبتلوا بالنفاق تجل أن يموتوا، وقد سئل الأوزاعي عن نحو هذا فقال:"هذا قول أهل البدع" انظر شرح اعتقاد أهل السنة للالكائي (٥/ ٩٨٣) . ٣ وانظر ما كتبه ابن القيم ﵀ في مدارج السالكين (١/٣٥٨) حول خشية الصحابة من النفاق وخوفهم منه لعلمهم بدقه وجله، مع أن قلوبهم كانت ممتلئة إيمانًا بخلاف غيرهم ممن لا يجاوز الإيمان حناجرهم، ويظنون أنهم أكمل الناس إيمانًا.
[ ٩٧ ]
كما قال عمير بن حبيب الخطمي ﵁:"الإيمان يزيد وينقص، قال: إذا ذكرنا الله ﷿ وحمدناه وسبحناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا وضيعنا ونسينا، فذلك نقصانه"١.
وبهذا يتبين وجه دلالة الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه، والله أعلم.
١٧- حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:"سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" ٢.
فقد أطلق الشارع الحكيم هنا على قتال المسلم كفرًا، مع أن الاقتتال بين المسلمين لا يخرج من الملة، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ﴾ ٣، وقوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ ٤.
ففي الآية الأولى وصف الله الطائفتين بالإيمان حال اقتتالهما، وسمى في الآية الثانية القاتل أخًا للمقتول والمراد الأخوة الإيمانية، فدل ذلك على أن القتل وإن سماه الشارع كفرًا فإنه لا يخرج من الملة، فهو كفر دون كفر٥.
_________________
(١) ١ سيأتي تخريجه (ص ١١٦) . ٢ أخرجه البخاري (١/ ١١٠، ١٠/ ٤٦٤، ١٣/ ٢٦ فتح) ومسلم (١/ ٨١) . ٣ سورة الحجرات، الآية: ٩. ٤ سورة البقرة الآية: ١٧٨. ٥ انظر تيسير العزيز الحميد (ص ٥١٤) .
[ ٩٨ ]
وما من شك في أن القاتل لأخيه قد ارتكب إثمًا عظيمًا، وعرض نفسه لوعيد شديد، بيّنه الله في قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ ١.
فإذا تبين عظم هذا الذنب وشدة خطره، ثم هو مع ذلك لا يخرج فاعله من الدين، تبين أن فاعله قد نقص أجره بهذا العمل وضعف دينه فأصبح بذلك مؤمنًا ناقص الإيمان، ومن هنا يتبين وجه دلالة الحديث على زيادة الأيمان ونقصانه.
وفي الحديث وجه آخر يدل على زيادة الإيمان ونقصانه، في قوله ﷺ:"سباب المسلم فسوق"، حيث أن سب المسلم جرم يفسق به صاحبه، والفسق نقص في الإيمان.
ولهذا قال المناوي في شرحه للحديث."وفيه.. أن الإيمان ينقص ويزيد لأن الساب إذا فسق نقص إيمانه وخرج عن الطاعة فضره ذنبه.."٢.
وروى اللالكائي في شرح الاعتقاد عن زبيد بن الحارث قال:"لما ظهرت المرجئة آتيت أبا وائل فحدثني عن النبي ﷺ قال:"سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" ٣.
١٨- حديث البراء بن عازب ﵁ قال: قال ﷺ:"أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله" ٤.
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية: ٩٣. ٢ فيض القدير (٤/ ٨٤) . ٣ انظر شرح الاعتقاد (٥/ ١٠٠١) . ٤ أخرجه أحمد (١/٢٨٦) وابن أبي شيبة في المصنف (١١/ ٤١) وفي الإيمان (ص ٣٦) والطيالسي (ح ٧٤٧) وابن أبي الدنيا في الإخوان (ص ٨٦) . قال الهيثمي"وفيه ليث بن أبي سليم وضعفه الأكثر" مجمع الزوائد (١/٩٠) . وله شاهد من حديث أبي ذر أخرجه احمد (٥/ ٤٦ ١) وأبو داود (٤/١٩٨) بلفظ" أفضل الأعمال الحب في الله والبغض في الله" قال المنذري:"وفي إسناده يزبد بن أبي زياد الكوفي ولا يحتج بحديثه، وقد أخرج له مسلم متابعة، وفيه أيضًا رجل مجهول""مختصر السنن" (٥/٧) . وله شاهد ثان من حديت معاذ بن جبل أخرجه أحمد (٥/٢٤٧) والبيهقي في الشعب (١/ ٣٣٩) وفيه عد الله بن لهيعة وزبان بن فائد ضعيفان. وله شواهد أخرى. قال الألباني بعد أن ذكر بعض طرقه:" فالحديث بمجموع طرقه يرتقي إلى درجة الحسن على الأقل والله اعلم""سلسلة الأحاديث الصحيحة" (٤/٣٠٧) .
[ ٩٩ ]
فهذا الحديث يدل على أن الإيمان مراتب بعضها أوثق من بعض وأن أوثق مراتبه الحب في الله والبغض في الله.
قال ابن عبد البر بعد أن ساق هذا الحديث".. وهو يدل على أن بعض الإيمان أوثق عروة وأكمل من بعض"١.
فإذا كان الإيمان كذلك له مراتب بعضها أوثق من بعض، فهو يتفاضل ويزيد وينقص لتفاوت الناس بالقيام بها.
١٩- حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال:"إذا زنى العبد خرج منه الإيمان، فكان على رأعه كالظلة فإذا أقلع رجع إليه" ٢.
_________________
(١) ١ التمهيد (٩/ ٢٤٥) بتصرف. ٢ رواه الترمذي تعليقًا (٥/ ١٥) وأخرجه موصولًا أبو داود (٤/ ٢٢٢) والطبري في تهذيب الآثار (برقم: ٩١٠) والحاكم (١/ ٢٢) وابن منده في الإيمان (٢/ ٥٧٩) من طريق سعيد بن أبي مريم أنبأ نافع بن يزيد، ثنا ابن الهاد أن سعيد بن أبي سعيد المقبري حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله ﷺ فذكره. وقال الحاكم"حديت صحيح على شريط الشيخين" ووافقه الذهبي، وقال الألباني:"وهو كما قالا إلا في نافع فإنما أخرج له البخاري تعليقًا فهو على شرط مسلم وحده""سلسلة الأحاديث الصحيحة" (٢/ ٢٢)، وصحح إسناده الحافظ في الفتح (١٢/ ٦١) .
[ ١٠٠ ]
قد يتوهم بعض من قرأ هذا الحديث أن فيه دلالة على أن مرتكب الكبيرة يكفر، ويخرج من الدين، ويسلب الإيمان بالكلية، ويظن أن هذا هو الظاهر والمتبادر من الحديث. فينحى بفهمه هذا منحى الخوارج والمعتزلة في إخراجهم مرتكب الكبيرة من الدين، وتخليده في النار.
مع أن الحديث لا دلالة فيه على هذا بل إن ظاهر الحديث المتبادر لا يدل عليه قال شيخ الإسلام:".. ولا هو أيضًا ظاهر الحديث، لأن قوله:"خرج منه الإيمان فكان فوق رأسه كالظلة"دليل على أن الإيمان لا يفارقه بالكلية فإن الظلة تظلل صاحبها وهي متعلقة ومرتبطة به نوع ارتباط"١.
وقال صاحب مرعاة المفاتيح:"وفيه إشارة إلى أنه وإن خالف حكم الإيمان فإنه تحت ظله، لا يزول عنه حكم الإيمان ولا يرتفع عنه اسمه"٢.
ولهذا فإن من الأمور المتقررة في عقيدة أهل السنة والجماعة أن من زنى أو ارتكب أي كبيرة من الكبائر لا يسلب منه اسم الإيمان المطلق، ولا يعطى أيضًا اسم الإيمان المطلق، بل يقال: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن عاص، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، ويقال: ليس بمؤمن حقًا، أو
_________________
(١) ١ الفتاوى (٧/ ٦٧٣) . ٢ مرعاة المفاتيح (١/ ١٣٨) .
[ ١٠١ ]
ليس بصادق الإيمان. أما تكفير مرتكب الكبيرة وإخراجه من الدين فهذا ليس من عقيدة أهل السنة والجماعة في شيء، بل ليس في ظواهر نصوص الكتاب والسنة ما يدل على هذا القول ويؤيده، ومن فهم من النصوص شيئًا من ذلك فقد أتي من سوء فهمه وجهله.
فالحديث ليس فيه أي دليل لما ذهب إليه هؤلاء، بل هو دليل لما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من أن المعاصي تنقص الإيمان وتضعفه، فالزاني لم يعدم الإيمان الذي به يستحق ألا يخلد في النار، وبه ترجى له الشفاعة والمغفرة، وبه يستحق المناكحة والموارثة، لكن عَدِم الإيمان الذي به يستحق النجاة من العذاب ويستحق به تكفير السيئات وقبول الطاعات وكرامة الله ومثوبته، وبه يستحق أن يكون محمودًا مرضيًا"١ وهذا هو ظاهر الحديث الذي يليق به.
ولهذا أخرجه أبو داود في باب زيادة الإيمان ونقصانه من سننه، محتجًا به على ذلك، والحجة فيه ظاهرة.
٢٠- حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال؟ قال رسول الله ﷺ:"إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم" ٢.
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى (٧/ ٦٧٣- ٦٧٦) . ٢ أخرجه الحاكم (١/ ٤) من طريق ابن وهب أخبرني عبد الرحمن بن ميسرة عن أبي هانىء الخولاني حميد بن هانىء عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمر بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: فذكره وقال:"رواته مصريون ثقات". ووافقه الذهبي. ورواه الطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد (١/ ٥٢) وقال الهيثمي:"إسناده حسن". والحديث صححه الألباني. انظر صحيح الجامع (٢/ ٥٦) والسلسلة الصحيحة (٤/١١٣) .
[ ١٠٢ ]
فهدا من أوضح الدلائل على أن الإيمان يزبد وينقص ويقوى ويضعف في قلب المرء المسلم، ومعنى قوله ﷺ: إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، أي: يبلى ويضعف ويدخله النقص من جراء ما قد يقع فيه المرء من معاص وآثام تذهب جدة الإيمان وحيويته وقوته، لهذا أرشد ﵊ في هذا الحديث إلى تعاهد الإيمان والعمل على تقويته وسؤال الله تعالى دائمًا الإيمان والثبات عليه، قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ ١.
ففي هدا أببن دلالة على أن الإيمان الذي في القلب يقبل التفاوت ويزيد تارة ويقص أخرى، والأعمال الظاهرة تبع له فإن زاد زادت وإن نقص نقصت، فهل يقال- بعد هذا- إن الإيمان على هيئة واحدة لا يقبل زيادة ولا نقصانًا.
هذا، ولم أقف- فيما اطلعت عليه من كتب أهل العلم- على من احتج بهذا الحديث على زيادة الأيمان ونقصانه رغم صحته ووضوح دلالته على المقصود، والله الموافق.- ثم في ختام ذكر هذه النصوص النبوية الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه أود الإشارة إلى أنه لم يثبت عن النبي ﷺ حديث بلفظ"الإيمان يزيد وينقص"وما روي من ذلك مرفوعًا إليه فلا يصح كما بين ذلك أهل العلم
_________________
(١) ١ سورة الحجرات، الآية: ٧.
[ ١٠٣ ]
بالحديث١، بل قد قال ابن القيم ﵀ في مناره المنيف:"وهذا كلام صحيح، وهو إجماع السلف، ولكن اللفظ كذب على رسول الله ﷺ"٢.
قلت: وفي النصوص الصحيحة الثابتة وإجماع سلف الأمة غنية وكفاية، ولله الحمد. وما أحسن وأجود ما قاله ابن القيم ﵀ في سياق آخر بعد أن ذكر الحديث الذي رواه ابن ماجة في سننه من حديث عبد السلام بن صالح٣ أن النبي ﷺ قال:"الإيمان معرفة بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأركان" ٤ حيث قال:"في الحق ما يغني عن الباطل، ولو كنا ممن يحتج بالباطل ويستحله لروجنا هذا الحديث وذكرنا بعض من أثنى على عبد السلام، ولكن نعوذ بالله من هذه الطريقة، كما نعوذ به من طريقة تضعيف الحديث الثابت وتعليله إذا خالف قول إمام معين، وبالله التوفيق"٥.
ومثل هدا القول قول إمام الأئمة ابن خزيمة في كتابه التوحيد:" وقد أعلمت ما لا أحصي من مرة أني لا أستحل أن أموه على طلاب العلم بالاحتجاج بالخبر الواهي، وإني خائف من خالقي جل وعلا إذا موهت على طلاب العلم بالاحتجاج بالأخبار الواهية وإن كانت الأخبار
_________________
(١) ١ راجع: الموضوعات لابن الجوزي (١/ ١٢٨)، والميزان للذهبي (٤/ ١٤٤) واللآلىء المصنوعة للسيوطي (١/ ٣٦) وتنزيه الشريعة لابن عراق (١/ ١٥٠) . ٢ المنار المنيف (ص ١١٩) . ٣ هو أبو الصلت الهروي، مولى قريش، نزل نيسابور، صدوق له مناكير، وأفرط العقيلي، فقال: كذاب، تقريب التهذيب لابن حجر (١/ ٥٠٦) . وقال الذهبي: واه شيعي متهم مع صلاحه. الكاشف (٢/ ١٧٢) . ٤ سنن ابن ماجه (١/ ٢٥، ٢٦) . ٥ تهذيب السنن (٧/ ٥٩) .
[ ١٠٤ ]
حجة لمذهبي"١.
فشتان بين هؤلاء الأئمة وبين أهل الأهواء والبدع على اختلاف مشاربهم وتباين طرائفهم الذين تعج أقوالهم وتمتلىء كتبهم بالتلبيس والتمويه والزخرفة والمخرقة والكذب ببن مقل ومستكثر٢.
_________________
(١) ١ التوحيد (ص ٢١٥) . ٢ وانظر شرح الاعتقاد للالكائي (١/١٨٠) .
[ ١٠٥ ]
المبحث الثالث: أقوال السلف في زيادة الإيمان ونقصانه
المبحث الثالث
أقوال السلف الصالح في زيادة الإيمان ونقصانه
لقد جاء عن السلف الصالح آثار كثيرة قرروا فيها ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من حجج ودلالات على زيادة الإيمان ونقصانه، فبينوا ﵏ أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وكثرة العبادة والمداومة عليها، وينقص باللهو والغفلة والمعصية والتقصير في فعل الطاعة، بل لقد حكى إجماعهم واتفاقهم على ذلك غير واحد من أهل العلم.
قال يحيى بن سعيد القطان:"ما أدركت أحدًا من أصحابنا، إلا على سنتنا في الإيمان، ويقولون: الإيمان يزيد وينقص"١.
وقال الإمام عبد الرزاق الصنعاني ﵀:"لقيت اثنين وستين شيخًا، فذكر عددًا منهم ثم قال: كلهم يقولون:"الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص"٢.
وقال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام:"هذه تسمية من كان يقول الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فسمى أكثر من مائة وثلاثين رجلًا من أهل العلم من الصحابة وغيرهم.. ثم قال: هؤلاء كلهم
_________________
(١) ١ رواه ابن هاني في مسائل الإمام أحمد (٢/ ١٦٢) وذكر نحوه الذهبي في السير (٩/١٧٩) في ترجمة يحيى بن سعيد. ٢ رواه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٥/ ٩٥٨ ح ١٧٣٧) .
[ ١٠٦ ]
يقولون الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، وهو قول أهل السنة، والمعمول به عندنا"١.
وقال إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل ﵀:"أجمع سبعون رجلًا من التابعين وأئمة المسلمين وفقهاء الأمصار على أن السنة التي توفي عليها رسول الله ﷺ.. فذكر أمورًا منها: الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية"٢.
وقال أمير المؤمنين في الحديث أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ﵀:"لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدًا يختلف في أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص"٣.
وقال أبو يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي ٤:"الإيمان عندنا أهل السنة الإخلاص لله بالقلوب والألسنة، والجوارح، وهو قول وعمل، يزيد وينقص، على ذلك وجدنا كل من أدركنا من عصرنا بمكة والمدينة
_________________
(١) ١ رواه ابن بطة في الإبانة (٢/ ٨١٤ برقم:١١١٧) وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الإيمان (ص ٢٩٣- ٢٩٥) . ٢ رواه ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد (ص ٢٢٨) وابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (١/ ١٣٠) بلفظ أجمع تسعون إلخ. ٣ ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح (١/ ٤٧)، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين (٢/ ٢٥٦) وعزواه للالكائي في السنة، وصححا إسناده، قلت: وهو في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي"المطبوع" (٥/ ٨٨٩ رقم:١٥٩٧) بنحوه، وليس فيه"ويزيد وينقص، فلعل هذه اللفظة سقطت من المطبوع، أو أن الحافظ والزبيدي اطلعا على نسخة اشتملت على ما حكياه. وانظر (ص ٤١٨) من هذه الرسالة. ٤ هو الإمام الحافظ الحجة الرحال، محدث إقليم فارس أبو يوسف يعقوب بن سفيان بن جوان الفارسي، من أهل فسا، له تاريخ كبير، توفي سنة سبع وسبعين ومائتين، انظر ترجمته في السير للذهبي (١٣/١٨٠) .
[ ١٠٧ ]
والشام والبصرة والكوفة،. ثم ذكر منهم بعضًا وثلاثين"١.
وقال سهل بن المتوكل الشيباني٢:"أدركت ألف استاذ وأكثر كلهم يقولون الإيمان قول وعمل يزيد وينقص "٣.
وقال ابن جرير الطبري:"وأما القول في الإيمان هل قول وعمل يزيد وينقص، أم لا زيادة فيه ولا نقصان؟ فإن الصواب فيه قول من قال: هو قول وعمل يزيد وينقص، وبه جاء الخبر عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ، وعليه مضى أهل الدين والفضل"٤.
وقال أبو عمر بن عبد البر:"أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية"٥.
وقال أبو الحسن الأشعري ﵀:"وأجمعوا على أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وليس نقصانه عندنا شك فيما أمرنا بالتصديق به، ولا جهل به، لأن ذلك كفر، وإنما هو نقصان في مرتبة العلم وزيادة البيان كما يختلف وزن طاعتنا وطاعة النبي ﷺ وإن كنا جميعًا مؤديين للواجب علينا"٦.
_________________
(١) ١ رواه اللالكائي في شرح الاعتقاد (٥/ ٩٦٣ ح ١٧٥٣) . ٢ هر سهل بن المتوكل بن حجر أبو عصمة البخاري من بني شيبان، يروى عن أبي الوليد الطيالسي وأهل العراق، روى عنه أهل بلده. انظر الثقات لابن حبان (٢٩٤/٨) . ٣ رواه اللالكائي في شرح الاعتقاد (٥/ ٩٦٤ ح ١٧٥٤) . ٤ صريح السنة (ص ٢٥) . ٥ التمهيد (٩/ ٢٣٨)، ونقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية انظر الفتاوى (٧/٣٣٠) . ٦ رسالة إلى أهل الثغر (ص ٢٧٢) قلت: وقول أبي الحسن هذا وكذا قوله المماثل له في كتابه مقالات الإسلاميين (ص ٢٩٠) إنما كان منه بعد رجوعه لمعتقد أهل السنة والجماعة وهو المعتقد الذي استقر عليه قدمه آخر عمره بعد تنقل طويل في الاعتزال أولا ثم الكلابية ثانيًا ثم عقيدة أهل السنة والجماعة، إلا أن اتباعه الاشاعرة أصروا إلى يومنا هذا على البقاء على المعتقد الذي تبين لإمامهم فساده وبطلانه. وقوله:"وإن كنا جميعًا مؤديين للواجب علينا" فيه نظر سيأتي بيانه (ص ٣٦٨) .
[ ١٠٨ ]
وقال ابن أبي زيد القيرواني في كتابه المفرد في السنة:"فصل فيما أجمعت عليه الأمة من أمور الديانة ومن السنن التي خلافها بدعة وضلالة.. فذكر أمورًا منها: أن الإيمان قول باللسان وإخلاص بالقلب وعمل بالجوارح يزيد ذلك بالطاعة وينقص بالمعصية نقصًا عن حقائق الكمال لا محبط للإيمان، ولا قول إلا بعمل ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بموافقة السنة"١.
وقال ابن بطال المالكي:"مذهب جماعة أهل السنة من سلف الأمة وخلفها أن الأيمان قول وعمل، يزيد وينقص"٢.
وقال الحافظ عبد الغني المقدسي في عقيدته:"اعلم وفقنا الله وإياك.. أن صالح السلف وخيار الخلف وسادات الأئمة وعلماء الأمة اتفقت أقوالهم وتطابقت آراؤهم فذكر أمورًا ثم قال: والإيمان بأن الإيمان قول وعمل ونية يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية"ثم
_________________
(١) ١ نقله عنه ابن القيم في اجتماع الجيوش (ص ١٥٠-١٥٢) . ٢ نقله عنه النووي في شرحه لمسلم (١/١٤٦) والكرماني في شرحه للبخاري (١/٧٦) .
[ ١٠٩ ]
أورد بعض النصوص الدالة على ذلك١.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:"وأجمع السلف أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص"٢.
وقال ابن القيم:".. فإنه بإجماع السلف: يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية"٣. وقد تقدم معنا قول ابن كثير ﵀: وهذا"مذهب جمهور الأمة، بل حكى الإجماع عليه غير واحد من الأئمة كالشافعي وأحمد بن حنبل وأبي عبيد"٤.
وقال السفاريني:"والذي اعتمده أئمة الأثر وعلماء السلف: أن الإيمان: تصديق بالجنان وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان"٥.
وبعد هذه النقول السابقة المبينة لإجماع أهل السنة والجماعة على زيادة الإيمان ونقصانه، وأنهم متضافرون على قول واحد فيه، أذكر جملة من النقول عن بعض الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن نقل عنه ذلك، ذاكرًا أقوال الصحابة أولًا، فالتابعين، فمن بعدهم، مرتبًا لهم حسب وفياتهم عدا الصحابة فلم أراع في ترتيبهم ذلك:
١- كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول لأصحابه:"هلموا
_________________
(١) ١ عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي ضمن"المجموعة العلمية السعودية" جمع الشيخ العلامة عبد الله بن حميد ﵀ (ص ٣٠- ٤٩) . ٢ الفتاوى (٧/ ٦٧٢) . ٣ مدارج السالكين (١/ ٤٢١) . ٤ تفسير ابن كثير (٢/٢٨٥) ٥ شرح ثلاثيات المسند (٢/ ٢١٨) .
[ ١١٠ ]
نزداد إيمانًا"وفي لفظ:"تعالوا نزداد إيمانًا"١.
٢- وقال عبد الله بن مسعود ﵁:"اجلسوا بنا نزداد إيمانًا"٢ وكان يقول في دعائه:"اللهم زدني إيمانًا ويقينًا وفقهًا"٣.
٣- وعن معاذ بن جبل ﵁ أنه كان يقول:"اجلسوا بنا نؤمن ساعة"٤
_________________
(١) ١ أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (١١/٢٦) وفي الإيمان (ص ٣٦) والخلال في السنة (ق ١٠٨/أ، ح ١١٢٢) والآجري في الشريعة (ص ١١٢) وابن بطة في الإبانة (٢/٨٤٧ ح ١١٣٤) واللالكائي في شرح الاعتقاد (٥/ ٩٤١ح ٠ ١٧٠) والبيهقي في الشعب (ص ٨٦)، من طرق عن محمد بن طلحة عن زبيد اليامي عن زر بن حبيش، قال كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول لأصحابه، فذكره. وزاد الآجري في روايته (فيذكرون الله ﷿) وإسناده صحيح. ٢ أخرجه البيهقي في الشعب (ص ٩١) من طريق محمد بن فضيل عن أبيه عن شباك الضبي عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود ﵁. ٣ أخرجه عبد الله في السنة (١/٣٦٨ ح ٧٩٧) والخلال في السنة (ق ١٠٨/أ، ح ١١٢٠) والآجري في الشريعة (ص ١١٢) وابن بطة في الإبانة (٢/٨٤٦ ح ١١٣٢) واللالكائي في شرح الاعتقاد (٥/ ٩٤٢ ح ١٧٠٤) والبيهقي في الشعب (ص ا ٩) من طرق عن شريك عن هلال بن حميد عن عبد الله بن عكيم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عه. قال الحافظ في الفتح (١/٤٨):"وإسناده صحيح". ٤ رواه البخاري في صحيحه تعليقًا (١/٤٥ فتح) ووصله أبو عبيد في الإيمان (ص ٧٢) وابن أبي شيبة في المصنف (١١/٢٥، ٢٦) وفي الإيمان (صر ٣٥) وعبد الله في السنة (١/٣٦٨ ح ٧٩٦، ١/٣٧٨ ح ٨٢٣) وأبو بكر الخلال في السنة (ق ١٠٨/أ، ح ١١٢١) وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٣٥) وابن بطة في الإبانة (٢/٨٤٧ ح ١١٣٥) واللالكائي في شرح الاعتقاد (٥/٩٤٣ ح ١٧٠٦ و١٧٠٧) والبيهقي في الشعب (ص٩٠) . من طرق عن جامع بن شداد عن الأسود بن هلال المحاربي قال: قال معاذ فذكره، بألفاظ متقاربة في بعضها" اجلس" بالإفراد، وبعضها"اجلسوا" بالجمع، وبعضها بزيادة"أي: نذكر الله" وزيادة:"فيجلسان يتذاكران الله ويحمدانه". وصحح الحافظ إسناده في الفتح (١/ ٤٨) والألباني في تعليقه على الإيمان لابن أبي شيبة (ص ٣) والإيمان لأبي عبيد (ص ٧٢) .
[ ١١١ ]
قال ابن حجر مبينًا وجه دلالته على زيادة الإيمان ونقصانه:"ووجه الدلالة منه ظاهرة، لأنه لا يحمل على أصل الإيمان لكونه كان مؤمنًا وأي مؤمن، وإنما يحمل على إرادة أنه يزداد إيمانًا بذكر الله تعالى"١.
أما قول ابن العربي عنه:"لا تعلق فيه للزيادة"معلالًا ذلك:"بأن معاذًا إنما أراد تجديد الإيمان، لأن العبد يؤمن في أول مرة فرضًا، ثم يكون أبدًا مجددًا كلما نظر أو فكر"٢.
فغير صحيح، لأن الإيمان الذي ينجم عن النظر والتفكر بعد تحقق أصل الإيمان، يعد في الحقيقة زيادة إيمان، فما سماه ابن العربي هنا تجدد إيمان هو في واقع أمره زياد إيمان وإن سمي بغير اسمه.
ولذا تعقبه الحافظ بقوله:"وما نفاه أولًا أثبته آخرًا، لأن تجدد الإيمان إيمان"٣.
٤- وكان عبد الله بن رواحة ﵁ يأخذ بيد النفر من أصحابه فيقول:"تعالوا نؤمن ساعة، تعالوا فلنذكر الله ونزدد
_________________
(١) ١ فتح الباري (١/ ٤٨) . ٢ نقله عنه الحافظ في الفتح (١/٤٨) . ٣ فتح الباري (١/ ٤٨) .
[ ١١٢ ]
إيمانًا بطاعته، لعله يذكرنا بمغفرته"١.
٥- وعن أبي الدرداء عويمر الأنصاري ﵁ أنه قال:"الإيمان يزداد وينقص"٢.
_________________
(١) ١ رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١١/٤٣) وفي الإيمان (ص ٣٨) من طريق موسى بن مسلم عن ابن سابط قال"كان عبد الله بن رواحة يأخذ.." وإسناده ضعيف لأن سابط هذا لم يدرك عبد الله بن رواحة. وله طريق أخرى من رواية أحمد بن يونس عن شيخ من أهل المدينة عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار أن عبد الله بن رواحة قال لصاحب له: فذكره بنحوه. أخرجه البيهقي في الشعب (١/ ١٩٢) . وإسناده ضعيف، لإبهام شيخ أحمد بن يونس، ولأن عطاء لم يدرك عبد الله بن رواحة. وله طريق ثالث يرويه عبد الله بن المبارك عن سعيد بن عبد العزيز عن بلال بن سعد أن أبا الدرداء قال:" كان ابن رواحة يأخذني بيدي فيقول: تعال نؤمن ساعة إن القلب أسرع تقليًا من القدر إذا استجمعت غليًا". أخرجه ابن بطة في الإبانة (٢/ ٨٤٨ ح ١١٣٧) ورواية بلال عن أبي الدرداء مرسلة، انظر جامع التحصيل (ص ١٧٩) . وله طريق رابع يرويه عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين عن شهر بن حوشب بنحوه مرسلًا، أخرجه ابن أبي زمنين في أصول السنة (٢/ ٧٩٠) . وله طريق خامس يرويه أحمد بن حنبل عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن عمارة عن زياد النميري عن أنس بن مالك قال: كان عبد الله بن رواحة إذا لقي الرجل من أصحابه يقول: تعال نؤمن بربنا ساعة.. فذكره بسياق آخر. أخرجه ابن عساكر في تاريخه (٩/ ٢٠١) . وهذا إسناد ضعيف فزياد هو ابن عبد الله ضعيف كما في التقرب (١/٢٦٩) . فالأثر بمجموع هذه الطرق حسن إن شاء الله. ٢ رواه عبد الله في السنة (١/ ٣١٤ح ٦٢٣) والخلال في السنة (ق ١١٠/أ، ح١١٦١) وابن بطة في الإبانة (٢/٨٤٣ ح ١١٢٦) و(٢/٨٤٨ ح ١١٣٨ واللالكائي في شرح الاعتقاد (٥/٩٤٤ ح ١٧٠٩) والبيهقي في الشعب (ص ٩٧)، من طريق إسماعيل بن عياش عن حريز بن عثمان عن أبي حبيب الحارث بن مخمر عن أبي الدرداء ﵁. ورجاله ثقات، فإسماعيل بن عياش ثقة في روايته عن الشاميين، وهذا منها، انظر الكاشف للذهبي (١/ ٧٦) . وحريز بن عثمان، ثقة ثبت، وهو حمصي. انظر التقريب (١/ ١٥٩) . والحارث بن مخمر ثقة. وثقة الإمام أحمد وغيره، وقد لقي أبا الدرداء، انظر تاريخ دمشق لابن عساكر (٤/ ١٢٥) . تنبيه: وقع عدة تصحيفات في إسناد هذا الأثر في بعض مصادره المتقدمة، وصوابه ما أثبته.
[ ١١٣ ]
وروى عنه ﵁ أنه قال:"من فقه العبد أن يعلم أمزداد هو أو منتقص، وإن من فقه العبد أن يعلم نزغات الشيطان أنى تأتيه"١.
٦- وعن أبي هريرة ﵁ قال:"الإيمان يزداد وينقص"٢.
_________________
(١) ١ رواه ابن بطة في الإبانة (٢/٨٤٩ ح ١١٤٠) من طريق حريز بن عثمان عن بعض أشياخه عن أبي الدرداء ﵁، وذكره شيخ الإسلام في كتاب الإيمان (ص ٢١١) وإسناده ضعيف لإبهام شيخ حريز. ٢ رواه عبد الله في السنة (١/ ٣١٤ ح ٦٢٢) والخلال في السنة (ق ٥٨ ١/ أ، ح ١١١٨) والآجري في الشريعة (ص ١١١) وابن بطة في الإبانة (٢/ ٨٤٤ ح ١١٢٧،١١٢٨) واللالكائي في شرح الاعتقاد (٥/ ٩٤٥ ح ١٧١١) والبيهقي في الشعب (ص ٩٨) من طرق عن إسماعيل بن عياش قال حدثني صفوان بن عمرو عن عبد الله بن ربيعة الحضرمي عن أبي هريرة ﵁. ورجال إسناده ثقات، غير عبد الله بن ربيعة الحضرمي لم يوثقه إلا ابن حبان (٥/٢٧)، وذكره البخاري في التاريخ (٣/١/ ٨٥) وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٥/ ٥١) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا.
[ ١١٤ ]
وروي عنه وعن ابن عباس ﵄ أنهما قالا:"الإيمان يزيد وينقص"١.
٧- وعن جندب بن عبد الله البجلي ﵁ قال:"كنا مع رسول الله ﷺ فتيانًا حزاورة فتعلمنا الإيمان، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانًا"٢.
٨- وعن عمير بن حبيب الخطمي ﵁ قال."الإيمان يزيد وينقص، فقيل: وما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله ﷿ وحمدناه وسبحناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا وضيعنا
_________________
(١) ١ رواه ابن ماجه (٢٨/١ ح ٧٥) والآجري في الشريعة (ص ١١١) وابن بطة في الإبانة (٢/ ٨٤٥ ح ١١٢٩، ١١٣٠) واللالكائي في شرح الاعتقاد (٥/ ٩٤٥ ح ١٧١٢) والبيهقي في الشعب (ص ٩٧) من طرق عن إسماعيل بن عياش عن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس وأبي هريرة ﵄ قالا: فذكره. وإسناده ضعيف جدًا، فيه عبد الوهاب بن مجاهد"متروك" التقريب (١/٥٢٨) . وإسماعيل بن عياش ضعيف في روايته عن غير الشاميين، وهذا منها. انظر التقريب (١/ ٧٣) والكاشف (١/ ٧٦) والأثر ضعفه البوصيري في زوائد ابن ماجه، وقال الألباني في ضعيف ابن ماجه (ص ٨) "ضعيف جدًا". ٢ رواه ابن ماجه (١/٢٣ ح٦١) وعبد الله في السنة (١/ ٣٦٩ ح ٧٩٩ و١/٣٧٩ ح ٨٢٥) والطبراني في الكبير (١٢/٧٧ ح١٦٧٨) وابن منده في الإيمان (٢/٣٧٠) وابن بطة في الإبانة (٢/٨٤٨ ح١١٣٦) من طرق عن حماد بن نجيح عن أبي عمران الجوني عن جندب ﵁ وإسناده صحيح، ورجاله ثقات، وصحح إسناده البوصيري في زوائد ابن ماجه (١/ ١٢ مصباح الزجاجة)، والألباني في صحيح ابن ماجه (١/ ١٦) .
[ ١١٥ ]
ونسينا، فذلك نقصانه"١.
_________________
(١) ١ تفرد بروايته حماد بن سلمه عن أبي جعفر الخطمي، وأختلف فيه على حماد، فروي عنه من وجهين. أحدهما: حماد بن سلمة عن أبي جعفر عمير بن يزيد بن عمير بن حبيب الخطمي عن أبيه عن جده. والثاني: حماد بن سلمة عن أبي جعفر الخطمي عن جده، بإسقاط أبيه، رواه على الوجه الأول عن حماد:
(٢) عفان بن مسلم: أخرجه ابن سعد في الطبقات (٤/٣٨١) وابن أبي شيبة في المصنف (١١/١٣) وفي الإيمان (ص ١٧) وعبد الله في السنة (١/ ٣١٥ خ ٣٢٤) .
(٣) أبو نصر التمار: أخرجه ابن بطة في الإبانة (٢/٨٤٥ ح١١٣١) واللالكائي في شرح الاعتقاد (٥/ ٧٧ ح ١٧٢٠) والبيهقي في الشعب (ص ٩٨) والبغوي (كما في الاصابه ٣/٣٠) .
(٤) عبد الأعلى بن حماد النرسي: أخرجه عبد الله في السنة (١/ ٣٣١ ح ٦٨٠) .
(٥) الحسن بن موسى الأشيب وعنه احمد بن حنبل، أخرجه الخلال في السنة (ق ١٠٩، ح ١١٤١) والآجري في الشريعة (ص ١١٢) وابن جرير الطبري في صريح السنة (ص ٢٥) والصابوني في عقيدة السلف (ص ٦٧) وابن أبي يعلى في الطبقات (١/ ٣٠٧) . ورواه على الوجه الثاني عن حماد:
(٦) محمد بن الفضل: أخرجه الآجري في الشريعة (ص ١١١) .
(٧) يزيد بن هارون: أخرجه الحاكم في شعار أصحاب الحديث (ص ٢٧) .
(٨) أسد بن موسى: أخرجه ابن أبي زمنين في أصول السنة (٢/ ٧٨٦) .
(٩) الحجاج بن المنهال ومحمد بن عبد الجبار الخزاعي وداود بن شبيب: أخرجه اللالكائي في شرح الاعتقاد (٥/ ٧٧ ح ١٧٢١) .
(١٠) أبو سلمة موسى ابن إسماعيل: أخرجه الجورقانى فى الأباطيل محتجًا به (١/٣١) . فالأثر بهذا الوجه الأخير منقطع، لأن أبا جعفر الخطمي لم يدرك جده، إلا إن الوجه الأول ثابت عن حماد، فإن حمادًا هو سبب الاختلاف فيه، فقد كان يرويه أولا عن أبي جعفر عن أبيه عن جده. ثم شك فيه قصار يسقط أبا أبي جعفر. نبه على هذا عفان بن مسلم أحد رواته عن حماد فقال بعد أن رواه عن حماد على الوجه الأول (.. ثم سمعت حمادًا بعد يشك يقول عن عمير بن حبيب، فقلت: عن أبيه عن جده قال: أحسب أنه عن أبيه عن جده) . انظر طبقات ابن سعد (٤/ ٣٨١)، وحسبك بكلام عفان هذا، فإنه من أثبت الناس في حماد، قال يحيى بن معين:"من أراد أن يكتب حديث حماد بن سلمة فعليه بعفان بن مسلم) . انظر شرح علل الترمذي لابن رجب (٥١٧/٢) . وعلى هذا فالأثر ليس فيه انقطاع. أما عمير بن حبيب فهو ابن حباشة بن جويبر الخطمي الأنصاري صحابي جليل عده ابن سعد في الصحابة الذين أسلموا قبل الفتح. الطبقات (٤/ ٣٨١) وأما يزيد بن عمير: فلم أقف على من ترجمه. وأما عمير بن يزيد: فهو أبو جعفر الخطمي نزيل البصرة، ثقة، وثقه يحيى بن معين والنسائي والذهبي وغيرهم وروى له الجماعة عدا الشيخين. انظر تهذيب الكمال للمزي (٢/ ١٠٦٢) . والكاشف للذهبي (٢/ ٣٠٣) فالأثر إسناده فيه ضعف لجهالة حال يزيد بن عمير إلا أن عبد الرحمن بن مهدي قال:"كان أبو جعفر وأبوه وجده قومًا يتوارثون الصدق بعضهم عن بعض". انظر تهذيب الكمال للمزي (٢/ ١٠٦٢) فإن عد هذا توثيقًا فإسناده حسن، والله أعلم.
[ ١١٦ ]
قال ابن القيم ﵀:"وأقدم من روي عنه زيادة الإيمان ونقصانه
من الصحابة عمير بن حبيب الخطمي"١.
قلت: ولم يتبين لي وجه هذه الأقدمية، ولم أقف على تاريخ وفاة عمير ﵁، وإنما عد ممن أسلم قبل الفتح، وفي الذين نقل عنهم من الصحابة ذلك عبد الله بن رواحه وكان قد استشهد في غزوة مؤتة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم٢.
_________________
(١) ١ تهذيب السنن (٧/ ٥٦) . ٢ وقد وقعت غزوة مؤتة في أدنى البلقاء من أرض الشام في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة، وقد عد ابن رواحة ﵁ ممن استشهد فيها من الأنصار انظر السيرة النبوية لابن هشام (٣/ ١٢٠٠) وعيون الأثر لابن سيد الناس (٢/١٦٥) .
[ ١١٧ ]
٩- وعن عقبة بن عامر الجهني ﵁ قال: إن الرجل ليتفضل بالإيمان كما يتفضل ثوب المرأة"١.
قلت: ولعل التشبيه بثوب المرأة هو لكونه ضافيًا وافيًا، وقد تقدم معنا الرؤيا التي رآها رسول الله ﷺ حيث قال:"بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون عليّ وعليهم قمص.." الحديث، ثم فسر القمص بالدين.
١٠- وعن عمار بن ياسر ﵁ قال:"ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنفاق من الإقتار، والإنصاف من النفس، وبذل السلام للعالم"٢.
_________________
(١) ١ رواه عبد الله في السنة (١/٣٣٤ ح ٦٩٤) وابن بطة في الإبانة (٧١٦/٢ ح ٩٦٩) واللالكائي في شرح الاعتقاد (٥/ ٩٤٧ ح ١٧١٦) . ٢ رواه بهذا اللفظ موقوفًا على عمار البخاري في صحيحه (١/ ٨٢ فتح) تعليقًا، ووصله ابن أبي شيبة من الإيمان (ص ٤٤) وعبد الرزاق في المصنف (١٠/٣٨٦) والبيهقي في الشعب (١/١٩١) من طرق عن أبي إسحاق السبيعي عن صلة بن زفر عن عمار ﵁. ورواه يعقوب بن شيبة في مسنده (كما في الفتح ١/ ٨٢) من طريق شعبة عن أبي إسحاق به. ورواه اللالكائي في شرح الاعتقاد (٥/٩٤٥ ح ١٧١٣) من طريق فطر عن أبي إسحاق به كلهما بلفظ"ثلاث من كان فيه فقد استكمل الإيمان " قال شيخ الإسلام:"وصح عن عمار بن ياسر أنه قال: ثلاث من كن فيه فقد استكمل الإيمان" الفتاوى (٧/ ٢٢٥) . قلت: وقد روي هذا الأثر من طريق عبد الرزاق مرفوعًا ولكنه ضعيف الإسناد، ضعفه الحافظ في الفتح ثم قال:"إلا أن مثله لا يقال بالرأي فهو في حكم المرفوع" الفتح (١/٨٣) وقد أفرد فيه الحافظ ابن ناصر الدين جزءًا سماه:"الإتحاف بحديث فضل الإنصاف" وهو مطبوع، وقد جمع فيه طرقه وذكر بعض الفوائد المتعلقة به، فليراجع.
[ ١١٨ ]
١١- وعن علقمة بن قيس النخعي١ ﵀ أنه كان يقول لأصحابه:"امشوا بنا نزدد إيمانًا"٢.
١٢- وكتب عمر بن عبد العزيز٣ إلى عدي بن عدي٤ أحد عماله على الجزيرة:"أما بعد: فإن للإيمان حدودًا وشرائع وفرائض، من استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان"٥.
_________________
(١) ١ هو فقيه الكوفة وعالمها ومقرئها الإمام الحافظ أبو شبل علقمة بن قيس النخغي، ولد في أيام الرسالة المحمدية، وعداده في المخضرمين، هاجر في طلب العلم والجهاد، ونزل الكوفة ولازم ابن مسعود ﵁ حتى رأس في العلم والعمل، وتفقه به العلماء، وبعد صيته، حدت عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وغيرهم من الصحابة ﵃ أجمعين، توفي بعد الستين من الهجرة النبوية، انظر ترجمته في السير للذهبي (٤/٥٣) . ٢ أخرجه ابن أبي شيبة، في مصنفه (١١/ ٢٥) وفي الإيمان (ص ٣٤) وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٩٩) واللالكائي في شرح الاعتقاد (٥/ ٩٥٢ ح١٧٣٠) عن شباك عن إبراهيم عن علقمة. وحسن الألباني إسناده في حاشيته على الإيمان لابن أبي شيبة. ٣ هو أمير المؤمنين الإمام الحافظ الزاهد أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي المدني، وأمه هي أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، كان ﵀ ثقة مأمونًا له فقه وعلم وورع، وروى حديثًا كثيرًا، كان إمام عدل، توفي سنة إحدى ومائة ﵀. انظر ترجمته في السير (٥/ ١١٤) . ٤ هو الإمام الفقيه الناسك أبو فروة عدي بن عدي بن عميرة، لأبيه صحبة، وكان عاملًا لعمر بن عبد العزيز على الجزيرة توفي سنة عشرين ومائة انظر ترجمته في طبقات ابن سعد (٧/ ٤٨٠)، والجرح والتعديل (٧/ ٣)، والعبر للذهبي (١/١١٦) . ٥ رواه البخاري تعليقًا (١/ ٤٥ فتح) ووصله ابن أبي شيبة في المصنف (١١/٤٨)، وفي الإيمان (ص ٤٥) والخلال في السنة (ق ١١٠/ ب) وابن بطة في الإبانة (٢/ ٨٥٩ ح ١١٦٦) واللالكائي في شرح الاعتقاد (٤/ ٨٤٤ ح ١٥٧٢) والبيهقي في الشعب (١/١٩٧) والبغوي في شرح السنة (١/ ٤٠) كلهم من طريق جرير بن حازم عن عيسى بن عاصم عن عدي، وصحح الألباني إسناده.
[ ١١٩ ]
علقه البخاري في كتاب الإيمان من صحيحه، وقال ابن حجر مبينًا سبب ذكر البخاري له:"والغرض من هذا الأثر أن عمر بن عبد العزيز كان ممن يقول بأن الإيمان يزيد وينقص، حيث قال: استكمل ولم يستكمل"١.
١٣- وعن مجاهد بن جبر٢ قال: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص٣.
_________________
(١) ١ فتح الباري (١/ ٤٧) . ٢ هو شيخ القراء والمفسرين الإمام أبو الحجاج مجاهد بن جبر المكي الأسود، روى عن ابن عباس وأبي هريرة وعائشة وغيرهم ﵃. توفي سنة أربع ومائة. انظر ترجمته في السير (٤/٤٤٩) . ٣ رواه عبد الله في السنة (١/ ٣١١ ح ٦١١) وابن بطة في الإبانة (٨٥٩/٢ ح١١٦٧) واللالكائي في شرح الاعتقاد (٥/ ٩٥٢ ح ١٧٢٨) والبيهقي في الشعب (ص ١٠٠) من طريق عبد الصمد بن حسان عن صفيان الثوري عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد. وإسناده ضعيف فيه يزيد بن أبي زياد ضعيف. التقريب (٢ /٣٦٥) وله طريق أخرى من رواية سويد بن سعيد عن يحيى بن سليم عن ابن مجاهد عن أبيه، أخرجه عبد الله في السنة (١/ ٣٣٥ ح ٦٩٥) واللالكائي في شرح الاعتقاد (٥/ ٩٥١ ح ١٧٢٧) . وهو أشد ضعفًا من سابقه ففيه ابن مجاهد وهو عبد الوهاب متروك الحديث وكذبه الثوري. التقريب (١/٥٢٨) فالأثر إسناده ضعيف لكن يشهد له تفسير مجاهد لقوله تعالى: ﴿بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ أي يزداد إيماني، وقد تقدم ذكره (ص٥٧) .
[ ١٢٠ ]
١٤- وقال عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي١: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص فمن زعم أن الإيمان يزيد ولا ينقص فاحذروه فإنه مبتدع"٢.
وسئل ﵀ عن الإيمان أيزيد؟ قال: نعم حتى يكون كالجبال. قيل: فينقض؟ قال: نعم حتى لا يبقى منه شيء"٣.
١٥- وقال سفيان الثوري٤:"الإيمان يزيد وينقص"٥.
_________________
(١) ١ هو شيخ الإسلام، وعالم الشام، أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد، كان يسكن بمحلة الأوزاعي، بدمشق، كان واسع العلم كثير الاجتهاد في العبادة، توفي سنة سبع وخمسين ومائة. انظر ترجمته في السير (٧/١٠٧) . ٢ رواه الآجري في الشريعة (ص ١١٧) واللالكائي في شرح الاعتقاد (٥/ ٩٥٨ ح ١٧٣٩) من طريق فديك بن سليمان قال سمعت الأوزاعي يقول: فذكره وفديك قال فيه الحافظ: مقبول التقريب (٢/١٠٧) أي حيث يتابع وإلا فلين الحديث. ويشهد لأوله الآتي بعده في المتن. ٣ رواه اللالكائي في السنة (٥/ ٩٥٩ ح ١٣٤٠) . ٤ هو شيخ الإسلام، إمام الحفاظ، سيد العاملين في زمانه أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، كان ينوّه بذكره في صغره من أجل فرط ذكائه وحفظه، وحدث وهو شاب قال يحيى بن معين: لا يقدم على سفيان أحدًا في زمانه في الفقه والحديث والزهد وكل شيء توفي ﵀ سنة إحدى وستين ومائة، انظر ترجمته في السير (٧/ ٢٢٩) . ٥ رواه عبد الله في السنة (١/ ٣١٠ ح ٦٠٤) وابن بطة في الإبانة (٢/ ٨٥٢ ح ١١٤٩) من طريق أحمد بن حنبل عن أبي نعيم قال سمعت سفيان يقول: فذكره. وإسناده صحيح، وله طريق ثاني من رواية محمد بن يحيى الذهلي عن أبي أحمد الزبيري قال: سمعت سفيان- يعني الثوري- غير مرة يقول: فذكره. أخرجه اللالكائي في شرح الاعتقاد (٥/٩٥٨ ح ١٧٣٨) وله طريق ثالث من رواية يعقوب بن إبراهيم الدورقي قال سمعت محمد بن القاسم الأسدي قال سمعت سفيان الثوري يقول: فذكره. أخرجه الآجري في الشريعة (ص ١١٧) وابن بطة في الإبانة (٢/ ٨٥٠ ح ١١٤٣) .
[ ١٢١ ]
١٦- وكتب حماد بن زيد١ إلى جرير بن عبد الحميد:"بلغني أنك تقول في الإيمان بالزيادة، وأهل الكوفة يقولون بغير ذلك، أثبت على ذلك ثبتك الله"٢.
١٧- وثبت عن الإمام مالك ﵀ القول بزيادة الإيمان ونقصانه من طرق متعددة يأتي ذكرها في مبحث مستقل.
١٨- وقال عبد الله بن المبارك ٣:"الإيمان قول وعمل، والإيمان يتفاضل"٤.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"وبعضهم أي: السلف عدل عن لفظ الزيادة والنقصان إلى لفظ التفاضل. فقال أقول: الإيمان يتفاضل ويتفاوت، ويروى هذا عن ابن المبارك، وكان مقصوده الإعراض عن لفظ وقع فيه النزاع إلى معنى لا ريب في ثبوته"٥.
_________________
(١) ١ هو العلامة الحافظ الثبت أبو إسماعيل حماد بن زيد بن درهم الأزدي، مولى آل جرير بن حازم البصري، توفي سنة تسع وسبعين ومائة انظر ترجمته في السير للذهبي (٧/٤٥٦) . ٢ رواه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (١/١٧٧)، ومن طريقه اللالكائي في شرح الاعتقاد (٥/ ٩٦١ ح ١٧٤٦) بإسناد حسن. ٣ هو الإمام شيخ الإسلام عالم زمانه، وأمير الأتقياء في وقته أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك بن واضح، عولاهم التركي ثم المروزي، توفي سنة إحدى وثمانين ومائة ﵀ انظر ترجمته في السير للذهبي (٨/٣٧٨) . ٤ رواه عبد الله في السنة (١/٣١٦ ح ٦٣١)، والخلال في السنة (ق١١٠/ ب، ح١١٦٣)، واللالكائي في شرح الاعتقاد (٥/ ٩٦١ ح ١٧٤٧) بإسناد صحيح، وسئل الإمام أحمد عن قول ابن المبارك في الإيمان فقال:" كان يقول الإيمان يتفاضل" رواه الخلال في السنة (٢/ ٦٨٢ ح ١٠١٨) بإسناد صحيح. ٥ الفتاوى (٧/ ٥٠٦، ٥٠٧) .
[ ١٢٢ ]
قلت: ولا ريب كذلك في ثبوت لفظ الزيادة والنقصان عند السلف؛ فالزيادة مصرح بها في القرآن والنقصان مصرح به في السنة، كما تقدم بيانه، ولعل سبب عدول ابن البارك ﵀ عن لفظ الزيادة والنقصان هو استحسانه لكلمة"التفاضل"، لا لسبب آخر، كما إنه روي ذلك عن بعض السلف، فقد ساق الخلال بسنده إلى محمد بن أبان١ قال قلت لعبد الرحمن بن مهدي٢: الإيمان قول وعمل؟ قال: نعم. قلت: يزيد وينقص؟ قال يتفاضل كلمة أحسن من كلمة٣. فهذا هو وجه عدول ابن مهدي عن كلمة الزيادة والنقصان كما هو منصوصه على ذلك، فلعل ذلك أيضًا هو سبب عدول ابن المبارك عن هذه الكلمة، والله أعلم.
وقد كان من السلف من ينكر على من عدل عن لفظة الزيادة والنقصان لثبوتها، كما قد روى ذلك عبد الرحمن بن مهدي نفسه ﵀ قال:"أنا أقول الإيمان يتفاضل، وكان الأوزاعي يقول: ليس هذا زمان تعلم، هذا زمان تمسك"٤.
ثم وقفت على أثر عن الإمام أحمد﵀- قد يفهم منه سبب
_________________
(١) ١ هو الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن أبان بن وزير البلخي المستملي، مستملي وكيع مدة طويلة نحو بضع عشرة سنة، توفي سنة ارتع وأربعين ومائتين ببلخ، انظر ترجمته في السير (١١/١١٧) . ٢ هو الإمام الناقد المجود الحافظ أبو سعيد عبد الرحمن بن مهدي بن حسان بن عبد الرحمن العنبري وقيل الأزدي، مولاهم البصري كان إمامًا حجة قدوة في العلم والعمل، توفي بالبصرة سنة ثمان وتسعين ومائة، انظر ترجمته في السير (٩/١٩٢) . ٣ السنة (٢/٦٧٧ ح ١٠٠٥) . ٤ رواه عبد الله في السنة (١/٣٣٣ ح ٦٨٨)، وابن بطة في الإبانة (٢/٨٤٨ ح ١١٣٧) بإسناد صحيح.
[ ١٢٣ ]
اختيار ابن المبارك للفظة"يتفاضل"فقد قال ابن هاني في مسائله:"سمعت أبا عبد الله سأل ابن أبي رزمة ما كان أبوك يقول عن عبد الله بن المبارك في الإيمان؟ قال: كان يقول: الإيمان يتفاضل.
قال أبو عبد الله:"يا عجباه، إن قال لكم بزيد وينقص رجمتموه، وإن قال يتفاضل تركتموه، وهل شيء يتفاضل إلا وفيه الزيادة والنقصان"١.
وعلى كل فابن المبارك عدل عن ذلك، وصار يصرح بزيادة الإيمان لكونها منصوصًا عليها في القرآن، قال ﵀:"م أجد بدًا من الإقرار بزيادة الإيمان إزاء كتاب الله".
ذكر ذلك لما قال له المستملي: يا أبا عبد الرحمن: إن ها هنا قومًا يقولون: الإيمان لا يزيد، فسكت عبد الله، حتى سأله ثلاثًا. فأجابه، فقال: لا تعجبني هذه الكلمة منكم أن ها هنا قومًا، ينبغي أن يكون أمركم جمعًا، ثم ساق ابن المبارك بسنده قول عمر بن الخطاب:"لو وزن إيمان أبي بكر الصديق بإيمان أهل الأرض لرجحهم"ثم قال: بلى إن الإيمان يزيد، بلى إن الإيمان يزيد ثلاثًا، وقال:"لم أجد بدًا من الإقرار بزيادة الإيمان إزاء كتاب الله"٢.
وقال له شيبان بن فروخ: ما تقول فيمن يزنى ويشرب الخمر ونحو هذا أمؤمن هو؟ قال ابن المبارك: لا أخرجه من الإيمان. فقال شيبان: على كبر السن صرت مرجئًا؟ فقال له ابن البارك: يا أبا عبد الله إن المرجئة لا تقبلني أنا أقول الإيمان يزيد والمرجئة لا تقول ذلك، والمرجئة تقول: حسناتنا متقبلة وأنا لا أعلم تقبلت مني حسنة٣.
_________________
(١) ١ مسائل الإمام أحمد لابن هاني (٢/١٢٧) . ٢ رواه إسحاق بن راهويه في مسنده (٣/ ٦٧١) . ٣ رواه إسحاق بن راهويه في مسنده (٣/ ٦٧٠) .
[ ١٢٤ ]
بل قد وجد في كلامه ﵀ التصريح بنقصان الإيمان. كما روى ذلك النجاد عن علي بن الحسن بن شقيق قال سمعت عبد الله بن المبارك يقول:"الإيمان قول وعمل يزيد وينقص"١.
وروى إسحاق بن راهويه في مسنده عن محمد بن أعين قال: قال ابن المبارك وذكر له الإيمان فقال: قوم يقولون إيمانًا مثل جبريل وميكائيل. أما فيه زيادة أما فيه نقصان، هو مثله سواء، وجبريل ربما صار مثل الوضع من خوف الله تعالى. وذكر أشباه ذلك٢.
قلت: أي ذكر أشباه ذلك من أساليب الإنكار على المرجئة القائلين بعدم زيادة الإيمان ونقصانه، وأن أهله فيه سواء، وبهذا يعلم أن ابن المبارك ﵀ كان يقول بزيادة الإيمان ونقصانه كغيره من أئمة أهل السنة والجماعة، رحم الله الجميع.
١٩- وقال خالد بن الحارث٣:"الإيمان قول وعمل، يزيد وبنقص"٤.
٢٠- وقال جرير بن عبد الحميد٥:"الإيمان قول وعمل، يزيد
_________________
(١) ١ الرد على من يقول القرآن مخلوق للنجاد (ص ٥٤) . ٢ مسند إسحاق (٣/ ٦٧٠) . ٣ هو الحافظ الحجة الإمام أبو عثمان خالد بن الحارث بن عبيد الهجمي البصري، كان من أوعية العلم، كثير التحري، مليح الاتقان، متين الديانة، توفي سنة ست وثمانين ومائة.. انظر ترجمته في السير (٩/ ١٢٨) . ٤ رواه عبد الله في السنة (١/ ٣٣٦ ح ٦٩٩) بسند صحيح. ٥ هو الإمام الحافظ القاضي أبو عبد الله جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي، ولد سنة عشرة من الهجرة، توفي سنة ثمان وثمانين ومائة انظر ترجمته في السير (٩/٩) .
[ ١٢٥ ]
وبنقص١.
٢١- وقال وكيع بن الجراح٢:"الإيمان يزبد وينقص"٣.
٢٢- وحسن يحيى بن سعيد القطان٤: الزيادة والنقصان ورآه٥.
قاله الإمام أحمد.
وتقدم في صدر هذا المبحث قول يحيى:"ما أدركت أحدًا من أصحابنا، إلا على سنتنا في الإيمان ويقولون: الإيمان يزيد وينقص".
_________________
(١) ١ رواه أبو داود في مسائل الأمام أحمد (ص ٢٧٣) وعبد الله في السنة (١/ ٣١٥ ح ٦٢٦) والخلال في السنة (ق ١١٠/ أ، ح ١١٦٣) والآجري في الشريعة (ص ١٣٢)، واللالكائي في شرح الاعتقاد (٥/ ٩٦١ ح ١٧٤٧) كلهم من طريق أحمد بن حبل عن إبراهيم بن شماس قال سمعت جرير بن عبد الحميد يقول: فذكره، وإسناده صحيح. ٢ هو الإمام الحافظ محدث العراق أبو سفيان وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي الرؤسي الكوفي، كان من بحور العلم وأئمة الحفظ، توفي سنة سبع وتسعين ومائة.. انظر ترجمته في السير (٩/ ١٤٠) . ٣ رواه أبو داود في مسائل الإمام أحمد (ص ٢٧٢) وعبد الله في السنة (١/ ٣١٠/ ح ٦٠٦) والخلال في السنة (ق ١١٣/أ، ح ١١٧٨) وابن بطة في الإبانة (٢/ ٨٥١ح١١٤٦)، واللالكائي في شرح الاعتقاد (٥/ ٩٦٢ ح ١٧٤٩) كلهم من طريق الإمام احمد رحمه الله تعالى. ٤ هو الإمام الكبير أمير المؤمنين في الحديث أبو سعيد يحيى بن سعيد القطان التميمي مولاهم البصري توفي سنة ثمان وتسعين ومائة.. انظر ترجمته في السير (٩/١٧٥) . ٥ رواه أبو داود في مسائل الإمام أحمد (ص ٢٧٢) وعبد الله في السنة (١/ ٣١٠ ح ٦٠٥) والخلال في السنة (٢/ ٦٨٢ ح ١٠١٥)، وإسناده صحيح.
[ ١٢٦ ]
٢٣- وقال ابن عيينة١"الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فقال له أخوه إبراهيم ابن عيينة٢ يا أبا محمد لا تقولن يزيد وينقص فغضب وقال: اسكت يا صبي بل ينقص حتى لا يبقى منه شيء"٣.
وقيل له: هل الإيمان يزيد وينقص؟ قال: فأي شيء إذن؟ ٤.
وسئل أيضًا عن الإيمان فقال:"قول وعمل، يزيد وينقص، يزيد ما شاء الله، وينقص حتى ما يبقى منه شيء مثل هذه وأشار بيده"٥.
٢٤- وقال النضر بن شميل٦:"الإيمان قول وعمل، والإيمان يتفاضل"٧.
_________________
(١) ١ هو الإمام الحافظ شيخ الإسلام أبو محمد سفيان بن عيينة بن أبي عمران مولى محمد بن مزاحم، توفي سنة ثمان وتسعين ومائة انظر ترجمته في السير (٨/٤٥٤) . ٢ هو أبو إسحاق إبراهيم بن عيينة أخو سفيان، ولد سنة عشرين ومائة، توفي سنة تسع وتسعين ومائة انظر ترجمته في السير (٨/٤٧٥) . ٣ رواه الحميدي في رسالته أصول السنة (٢/٥٤٦) "آخر مسنده" ومن طريقه العدني في الإيمان (ص ٩٤)، والآجري في الشريعة (ص ١١٧)، وابن بطة في الإبانة (٢/ ٨٥٥ ح١١٥٥)، واللالكائي في شرح الاعتقاد (٥/ ٠ ٩٦ ح ١٧٤٥)، والصابوني في عقيدة السلف (ص ٦٩)، وابن عبد البر في التمهيد (٩/ ٢٥٤) وقد جاء لفظه في بعض المصادر"لا تقولن ينقص". ٤ رواه الآجري في الشريعة (ص ١١٦)، وابن بطة في الإبانة (٢/ ٨٥٥ ح ١١٥٧) . ٥ رواه ابن بطة في الإبانة (٢/ ٨٥٥ ح ١١٥٦)، ورواه بنحوه أبو نعيم في الحلية (٧/٢٩٠) . ٦ هو العلامة الإمام الحافظ أبو الحسن النضر بن شميل بن خرشة المازني البصري، توفي آخر يوم من ذي الحجة سنة ثلاث ومائتين، ودفن بمرو انظر ترجمته في السير (٩/٣٢٨) . ٧ رواه عبد الله في السنة (٦/٣١٦ ح ٦٣٢) عن أبيه عن إبراهيم بن شماس عن النضر، وهذا إسناد صحيح.
[ ١٢٧ ]
٢٥- وقال الإمام محمد بن إدريس الشافعي:"الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص"١.
وروي أن اثنين تناظرا عند الشافعي في هذه المسألة فذهب أحدهما إلى القول بعدم زيادة الإيمان ونقصانه، فحمي الشافعي وتقلد المسألة على أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص٢.
٢٦- وقال عبد الرزاق الصنعاني٣:"سمعت معمرًا وسفيان الثوري ومالك بن أنس، وابن جريج، وسفيان بن عيينة يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص"٤.
_________________
(١) ١ رواه أبو نعيم في الحلية (١٠/١١٥)، والحاكم في مناقب الشافعي (كما في الفتح ١/ ٤٧) وابن عبد الير في الانتقاء (ص ٨١)، والبيهقي في الشعب (١/٨١) وفي الاعتقاد (ص ١٢٠) وفي مناقب الشافعي (١/ ٣٨٥) من طريق الربيع بن سليمان قال سمعت الشافعي يقول: فذكره. وذكره النووي في تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٦٦)، والذهبي في السير (١٠/ ٣٢)، وابن حجر في الفتح (١/٤٧) . ٢ روى ذلك ابن أبي حاتم في آداب الشافعي (ص ١٩٢)، وأبو نعيم في الحلية (١٠/١١٥)، واللالكائي في شرح الاعتقاد (٥/٩٦٢ ح ١٧٥١)، والبيهقي في مناقب الشافعي (١/ ٣٨٧) . ٣ هو الحافظ الكبير عالم اليمن أبو بكر عبد الرزاق بن همام، بن نافع الحميري مولاهم الصنعاني كان عنده تشيع، توفي سنة إحدى عشرة ومائتين، انظر ترجمته في السير (٩/٥٦٣) . ٤ رواه عبد الله في السنة (١/ ٣٤٢) والآجري في الشريعة (ص ١٣٢) واللالكائي في شرح الاعتقاد (٥/٩٥٧- ١٧٣٥)، وابن عبد البر في التمهيد (٩/ ٢٥٢)، وذكره الذهبي في السير (٨/١٠٨) من طرق عن مسلمة بن شبيب عن عبد الرزاق، وإسناده صحيح. ورواه الأجري في الشريعة (ص ١١٧) ٥ واللالكائي في شرح الاعتقاد (٥/ ٩٥٧ ح ١٧٣٦)، والجورقاني في الأباطيل (١/ ٣٢)، من طريق ابن زنجويه عن عبد الرزاق، وأسقط منه مالكًا وابن عيينة. ورواه ابن عبد البر في التمهيد (٩/٢٥٣) من طريق محمد بن يزيد عن عبد الرزاق وزاد فيه عبد الله بن عمر والأوزاعي. ورواه ابن عد البر في الانتقاء (ص ٣٤) من طريق مؤمل بن إهاب عن عبد الرزاق، فذكره بتقديم وتأخير في ذكر الأسماء.
[ ١٢٨ ]
وفي رواية أن عبد الرزاق قال:"وأنا أقول ذلك، الإيمان قول وعمل، والإيمان يزيد وينقص، فإن خالفتهم فقد ضللت إذن وما أنا من المهتدين"١.
٢٧- وقال عبد الله بن الزبير الحميدي٢: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، لا ينفع قول إلا بعمل، ولا عمل ولا قول إلا بنية، ولا قول وعمل بنية إلا بسنة"٣.
٢٨- وقال إسحاق بن راهويه٤:"الإيمان يزيد وينقص حتى لا يبقى منه شيء"٥.
_________________
(١) ١ هذه الزيادة عند عبد الله في السنة، وعند ابن عبد البر في التمهيد. ٢ هو الإمام الحافظ الفقيه شيخ الحرم أبو بكر عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي الأسدي الحميدي المكي صاحب المسند، توفى سنة تسع عشرة ومائتين انظر ترجمته في السير (١٠/ ٦١٦) . ٣ أصول السنة له، طبعت في آخر مسنده (٢/٥٤٦) . ٤ هو الإمام الكير شيخ المشرق سيد الحفاظ أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن راهويه التميمي ثم الحنظلي المروزي نزيل نيسابور، توفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين انظر ترجمته في السير (١١/٣٥٨) . ٥ رواه الخلال في السنة (٢/٦٨٠ ح١٠١١) و(٢/٦٩٤ ح ١٠٤٨) .
[ ١٢٩ ]
٢٩- وأما أقوال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل في زيادة الإيمان ونقصانه فكثيرة جدًا.
قال ﵀:"الإيمان بعضه أفضل من بعض، يزيد وينقص، وزيادته في العمل، ونقصانه في ترك العمل، لأن القول هو مقر به"١.
وقال:"الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، إذا عملت الخير زاد، وإذا ضيعت نقص"٢.
وسئل ﵀ عن زيادة الإيمان ونقصانه فقال:"يزيد حتى يبلغ أعلى السموات السبع وينقص حتى يصير إلى أسفل السافلين السبع"٣ وأقواله غير ما ذكرت كثيرة يطول ذكرها٤.
٣٠- وقال أبو زرعة الرازي٥:"الإيمان عندنا قول وعمل، يزيد
_________________
(١) ١ رواه الخلال في السنة (٢/٦٧٨ ح ١٠٠٨) . ٢ رواه الخلال في السنة (٢/٦٨٠ ح ١٠١٣) . ٣ رواه ابن أبي يعلى في الطبقات (١/٢٥٩) . ٤ أنظرها في السنة للخلال (٥/٦٥٥ ح ٩٥٧ و٦٧٦ ح ١٠٠٤ و٦٨٠ ح ١٠١٠، و٦٨٣ ح ١٠٢٠ و٦٨٩ ح ١٠٣٢) ومسائل الإمام أحمد لأبى داود (ص ٢٧٢)، ومسائل الإمام احمد لابن هانىء (٢/١٦٢، ١٦٤، ١٥٦، ١٦٢) والشريعة للآجري (ص ١٣٢ و١١٧)، والإبانة لابن بطة (٢/ ٨٥١ح ١١٤٦) و(٢/ ٨٧٥ ح ١١٩٩)، وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (١/٢٤، ٢٥، ١٣٠، ١٣١، ٢٩٥، ٣١٣، ٣٤٣)، ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (ص ٢٠١)، وغيرها مما يطول ذكره. ٥ هو الإمام سيد الخفاظ أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد الرازي محدث الري، مولده بعد نيف ومائتين، توفي سنة أريع وستين ومائتين انظر ترجمته في السير (١٣/٦٥) .
[ ١٣٠ ]
وينقص، ومن قال غير ذلك فهو مبتدع مرجىء"١.
٣١- وقال أبو حاتم الرازي٢:"مذهبنا واختيارنا وما نعتقده وندين الله به ونسأله السلامة في الدين والدنيا: أن الإيمان قول وعمل.. يزيد وينقص"٣.
هذه بعض أقوال السلف الصالح أهل السنة والجماعة في زيادة الإيمان ونقصانه، والأمر كما قال شيخ الإسلام:"والآثار في هذا كثيرة، رواها المصنفون في هذا الباب عن الصحابة والتابعين في كتب كثيرة معروفة"٤.
وقد قال بهذا القول غير من تقدم خلق كثير من أهل السنة يطول ذكرهم، يمكن مطالعة أقوالهم في الكتب التي تعني بنقل أقوال السلف والآثار الواردة عنهم في ذلك أمثال: الإيمان لأبي عبيد، والإيمان لابن أبي شيبة، والمصنف له، والمصنف لعبد الرزاق، والسنة لعبد الله، والسنة للخلال، والشريعة للآجري، وتهذيب الآثار للطبري، والتفسير له، والإيمان لابن مندة، والإبانة لابن بطة، وأصول السنة لابن أبي زمنين، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي، والتمهيد لابن عبد البر، وشعب الإيمان للبيهقي، والاعتقاد له، وغيرها وهؤلاء العلماء المشار إلى مصنفاتهم آنفًا كلهم قالوا بهذا القول، ولهذا ذكروه في
_________________
(١) ١ رواه ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (١/٢٠٣) . ٢ هو الإمام الحافظ الناقد شيخ المحدثين أبو حاتم محمد بن إدريس بن المنذر الرازي الحنظلي، كان من بحور العلم، توفي سنة سبع وسبعين ومائتين. انظر ترجمته في السير (١٣/١٤٧) . ٣ رواه ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (١/٢٨٦) . ٤ الفتاوى (٧/٢٢٥) .
[ ١٣١ ]
مصنفاتهم، واحتجوا له بنصوص الكتاب والسنة وآثار سلف الأمة.
وقال بهذا القول بعدهم خلق كثير، ممن نهج منهج السلف الصالح، أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، والذهبي، وابن كثير، وابن رجب، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، والصنعاني، والشوكاني وغيرهم كثير مما يصعب حصره، ويطول ذكره، ولو تقصيت أقوالهم في ذلك، ودونتها، لطال المقام، وأفضى إلى الإملال.
والمقصود بيان أن قول أهل السنة والجماعة بلا ريب، أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، لا قول لهم غيره، بل هم مجمعون عليه ومن نسب إليهم خلاف ذلك فقد جهل مذهبهم ونسب إليهم ما لم يقولوه.
ثم إني بعد ذلك لأعجب أشد العجب ممن يعد هذه المسألة من مسائل الخلاف بين أهل السنة ثم يقول: وجمهور أهل السنة على أنه يزيد وينقص، وذلك لأنه رأى البعض شذ في هذا، وأتى بقول ليس عليه دليل لا من كتاب ولا سنة ولا عقل، بل الكتاب والسنة والعقل على خلافه.
فهل كل من شذ في مثل هذا عد شذوذه معتبرًا، وعد الأمر المجمع عليه خلافيًا؟!
وهل كل من خالف النور الأبلج والحق المبين، عد ما خالف فيه من الأمور المتنازع فيها؟!
[ ١٣٢ ]
الفصل الثاني
أوجه زيادة الإيمان ونقصانه
أوضحت في الفصل الذي سبق، قول أهل السنة والجماعة في زيادة الإيمان ونقصانه، وبسطت أدلتهم عليه من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ثم اتبعت الأدلة بنقل جملة من أقوالهم الصالحة في ذلك.
أما هذا الفصل فهو لبيان الأوجه التي يكون فيها زيادة الإيمان ونقصانه، إذ إن الإيمان الذي أمر الله به عباده، والذي يكون من عباده المؤمنين يزيد وينقص من أوجه متعددة، فهو يزيد وينقص من جهة معرفة القلب وتصديقه وأعماله، ومن جهة أقوال اللسان وأعماله، ومن جهة الأعمال الظاهرة، ومن أوجه أخرى غيرها، وفي هذه الأوجه أبلغ رد على من أنكر زيادة الإيمان ونقصانه إجمالًا، أو أنكر ذلك في بعض جوانبه، كتصديق القلب أو معرفته أو غير ذلك.
وقد بسط شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه الإيمان هذه الأوجه بسطًا وافيًا وأحسن في بيانها وذكر أدلتها١ فسأذكر في هذا الفصل الأوجه التي ذكرها شيخ الإسلام مع شيء من التصرف في العبارة، وزيادة بيان في بعض المواضع، وزيادة في بعض الأدلة، وذلك
_________________
(١) ١ انظرها في الفتاوى لشيخ الإسلام (٧/٢٣٢- ٢٣٧، و٥٦٢- ٥٨٤، و٦٧٢) ونقلها عنه السفاريني في لوامع الأنوار (١/٤١٣- ٤١٦) واختصر بعضها ابن أبي العز في شرحه لعقيدة الإمام الطحاوي (ص ٣١٧ و٣١٨) .
[ ١٣٥ ]
حسب ما يقتضيه المقام وتدعو إليه الحاجة وفيما يلي ذكر هذه الأوجه مجملة ثم يأتي بعد ذلك تفصيلها.
ا- أن الإيمان يزيد وينقص من جهة الإجمال والتفصيل فيما أمروا به.
٢- أنه يزيد وينقص من جهة الإجمال والتفصيل فيما وقع منهم.
٣- أنه يزيد وينقص من جهة علم القلب وتصديقه.
٤- أنه يزيد وينقص من جهة المعرفة القلبية وهي دون التصديق.
٥- إنه يزيد وينقص من جهة عمل القلب كالمحبة والخوف والرجاء وغيرها.
٦- أنه يزيد وينقص من جهة أعمال الجوارح الظاهرة.
٧- أنه يزيد وينقص من جهة استحضار الإنسان لأوامر الدين الحنيف وعدم الغفلة عنها والثبات والدوام عليها.
٨- أنه يزيد وينقص من جهة أن الإنسان قد يكون منكرًا ومكذبًا بأمور، لا يعلم أنها من الإيمان، ثم يتبين له بعد أنها منه، فيزداد بذلك إيمانه.
٩- أنه يزيد وينقص في هذه الأمور من جهة الأسباب المقتضية لها.
فهذه أوجه زيادة الإيمان ونقصانه على وجه الإجمال، أما التفصيل لها فكما يلي:
الوجه الأول:
الإجمال والتفصيل فيما أمروا به، فإنه وإن وجب على جميع
[ ١٣٦ ]
الخلق الإيمان بالله ورسوله، ووجب على كل أمة التزام ما يأمرهم به رسولهم، فمعلوم أنه لا يجب في أول الأمر ما وجب بعد نزول القرآن كله وإتمام الشرع، ولا يجب على كل عبد أن يؤمن إيمانًا مفصلًا بكل ما أخبر به الرسول إن لم يبلغه تفاصيل ذلك، فمن بلغه وجب عليه أن يؤمن به إيمانًا مفصلًا، فإن من عرف القرآن والسنن ومعانيها لزمه من الإيمان المفصل بذلك ما لا يلزم غيره. فلو آمن رجل بالله وبالرسول باطنًا وظاهرًا، ثم مات قبل أن يعرف شرائع الدين، مات مؤمنًا بما وجب عليه من الإيمان، وليس ما وجب عليه ولا ما وقع منه مثل إيمان من عرف الشرائع بتفاصيلها فآمن بها وعمل بها، بل إيمان هذا الأخير أكمل وجوبًا ووقوعًا، لأن ما وجب عليه من الإيمان أكمل وكذلك ما وقع منه أكمل، وبهذا يعلم أنه ليس من التزم طاعة الرسول مجملًا، ومات قبل أن يعرف تفصيل ما أمره به، كمن عاش حتى عرف ذلك مفصلًا وأطاعه فيه، فليس إيمان من آمن بالرسول مجملًا من غير معرفة منه بتفاصيل أخباره، كمن عرف ما أخبر به عن الله وأسمائه وصفاته، والجنة والنار والأمم، وآمن به في ذلك كله، فشتان ما بين هذا وذاك.
وقول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ ١ المراد به إكمال التشريع بالأمر والنهي، وليس المراد به أن كل واحد من الأمة وجب عليه ما يجب على سائر الأمة، وأنه فعل ذلك، بل لقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه وصف النساء بأنهن ناقصات عقل ودين٢، وجعل نقصان عقلها أن شهادة امرأتين شهادة رجل واحد، ونقصان دينها أنها إذا
_________________
(١) ١ سورة المائدة، الآية: ٣. ٢ تقدم تخريجه (ص ٨١) .
[ ١٣٧ ]
حاضت لا تصوم ولا تصلي، وهذا النقصان ليس هو نقصًا مما أمرت به، فلهذا لا تعاقب عليه لأنها لم تؤمر به، لكن من أمر بالصلاة والصوم ففعله كان دينه كاملًا بالنسبة إلى هذه الناقصة الدين، والتي تترك الصلاة والصوم حال حيضها، وإن كانت مأمورة بهذا الترك، فذاك إيمانه أكمل من هذه للتفاوت بينهما في المأمور به. فهدا وجه من أوجه الزيادة، والنقصان في الإيمان.
وذكر شيخ الإسلام نحو ما تقدم في شرحه للعقيدة الأصفهانية ثم قال: "فصار النقص في الدين والإيمان نوعين نوعًا لا يذم العبد عليه لكونه لم يجب عليه لعجزه عنه حسًا أو شرعًا، وإما لكونه مستحبًا ليس بواجب، ونوعًا يذم عليه وهو ترك الواجبات"١ قلت. أي دون عذر.
الإجمالي والتفصيل فيما وقع منهم، فإن الناس وإن تساووا في وجوب الإيمان عليهم جميعًا، فهم متفاوتون في القيام به:
١- فمنهم من يطلب علم ما أمر به وما وجب عليه فيتعلمه ويعمل به، فيجمع بين العلم والعمل.
٢- ومنهم من يطلب علم ما أمر به فيتعلمه ويؤمن به ويصدق، ولكن لا يعمل به.
٣- ومنهم من يؤمن بما جاء به رسول الله ﷺ مطلقًا ولا يكذبه قط، لكنه يعرض عن معرفة أمره ونهيه ويعرض عن طلب
_________________
(١) ١ شرح العقيدة الأصفهانية (ص ١٣٩) . قلت: وقوله: "لعجزه عنه حسًا"، كالمرض، وقوله: "أو شرعًا"كالحيض، وانظر الفتاوى (٧/ ١٩٦) وفتح رب البرية لابن عثيمين (ص ٦٦) .
[ ١٣٨ ]
العلم الواجب عليه بل يتبع هواه فلا يتعلم الواجب عليه ولا يعمل به.
فهؤلاء الثلاثة وإن اشتركوا في الوجوب، فإنهم متفاوتون في الإيمان تفاوتًا عظيمًا فالأول منهم وهو الذي طلب علم التفصيل وعمل به إيمانه أكمل من إيمان الثاني الذي عرف ما يجب عليه والتزمه وأقرّ به، لكنه لم يعمل به وهو خائف من عقوبة ربه على ترك العمل معترف بذنبه، وهذا الثاني إيمانه أكمل من إيمان الثالث الذي لم يطلب معرفة ما أمر به الرسول ﷺ ولا عمل بذلك ولا هو خائف أن يعاقب، بل هو في غفلة عن تفصيل ما جاء به رسول الله ﷺ، مع أنه مقر بنبوته باطنًا وظاهرًا.
وهذا التفاوت بينهم في الإيمان إنما هو فيما وقع منهم، لا في ما أمروا به لأنهم متساوون في وجوبه عليهم جميعًا، وبهذا يتبين أن الإيمان يزيد وينقص من جهة قيام المؤمنين به ووقوعه منهم، فكلما علم القلب ما أخبر به الرسول فصدقه، وما أمر به فالتزمه، كان ذلك زيادة في إيمانه على من لم يحصل له ذلك، وإن كان معه التزام عام وإقرار عام، وكذلك من عرف أسماء الله ومعانيها، فآمن بها، كان إيمانه أكمل ممن لم يعرف تلك الأسماء بل آمن بها إيمانًا مجملًا، أو عرف بعضها، وكلما ازداد الإنسان معرفة بأسماء الله وصفاته وآياته، كان إيمانه به أكمل.
وبالجملة فإنه كلما ازداد المسلم قيامًا بأوامر هذا الدين والتزامًا لأحكامه، زاد إيمانه بذلك، وكان أكمل من غيره ممن لم يقم بذلك، وهذه الزيادة في الإيمان إنما وقعت من جهة قيام المؤمنين به ووقوعه منهم.
[ ١٣٩ ]
الوجه الثالث:
أن العلم والتصديق نفسه يكون بعضه أقوى من بعض وأثبت وأبعد عن الشك والريب، وهذا أمر يشهده كل أحد من نفسه، فإن الإنسان يجد في نفسه أن علمه بمعلومه يتفاضل حاله فيه، كما يتفاضل حاله في سمعه لمسموعه، ورؤيته لمريئه، وحبه لمحبوبه، وكراهيته لمكروهه، ورضاه بمرضيه، وبغضه لبغيضه، ولا ينكر التفاضل في هذه أحد، بل من أنكر التفاضل فيها كان مسفسطًا مكذبًا للأمور المسلمات.
فالعلم والتصديق يتفاضل ويتفاوت كما يتفاضل سائر صفات الحي من القدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، بل سائر الأعراض من الحركة والسواد والبياض ونحو ذلك، فإذا كانت القدرة على الشيء تتفاوت فكذلك الإخبار عنه يتفاوت، وإذا قال القائل العلم بالشيء الواحد لا يتفاضل كان بمنزلة قوله القدرة على المقدور الواحد لا تتفاضل، وقوله ورؤية الشيء الواحد لا تتفاضل.
ومن المعلوم أن الهلال المرئي يتفاضل الناس في رؤيته، فهم وإن اشتركوا فيها، فبعضهم تكون رؤيته أتم من بعض، وكذلك سمع الصوت الواحد يتفاضلون في إدراكه، وكذلك الكلمة الواحد يتكلم بها الشخصان ويتفاضلان في النطق بها وكذلك شم الرائحة الواحدة وذوق النوع الواحد من الطعام يتفاضل الشخصان فيه، فما من صفة من صفات الحي وأنواع إدراكاته وحركاته، بل وغير صفات الحي، إلا وهي تقل التفاضل والتفاوت إلى ما لا يحصره البشر، وهذا مما لا يختلف فيه اثنان.
فإذا كان ذلك كذلك فإن علم القلب وتصديقه يتفاضل أعظم من هذا بكثير، فالمعاني التي يؤمن بها من معاني أسماء الرب وكلامه، يتفاضل الناس في معرفتها، أعظم من تفاضلهم فني معرفة غيرها، وهكذا سائر أمور الإيمان
[ ١٤٠ ]
ومما يوضح هذا الوجه في التفاضل في تصديق القلب، أن التصديق المستلزم لعمل القلب أكمل من التصديق الذي لا يستلزم عمله١، فالعلم الذي يعمل به صاحبه أكمل من العلم الذي لا يعمل به، فمن آمن وصدق بأن الله حق، ورسوله حق، والجنة حق، والنار حق، وأوجب له هذا التصديق محبة الله وخشيته والرغبة في الجنة، والهرب من النار، فإيمان هذا أكمل ممن آمن وصدق بهذه الأمور إلا أن إيمانه لم يوجب له ذلك.
قال النووي بعد أن ذكر قول من قال إن التصديق لا يزيد ولا ينقص وإنه متى قبل الزيادة كان شكا وكفرًا، قال: "والأظهر والله أعلم أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر وتظاهر الأدلة ولهذا يكون إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريهم الشبه، ولا يتزلزل إيمانهم بعارض، بل لا تزال قلوبهم منشرحة نيرة وإن اختلفت عليهم الأحوال، وأما غيرهم من المؤلفة ومن قاربهم ونحوهم فليسوا كذلك، فهذا مما لا يمكن إنكاره "٢.
وقال النووي أيضًا. "والناس يتفاضلون في تصديق القلب على قدر علمهم ومعاينتهم فمن زيادته بالعلم قوله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ ومن المعاينة قوله تعالى: ﴿لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ فجعل له مزية على علم اليقين والله أعلم "٣.
_________________
(١) ١ وقد جعل شيخ الإسلام هذا وجهًا مستقلًا، لكن يبدو أنه مرتبط بالذي قبله، وأنه بمثابة التوضيح له. ٢ شرح صحيح مسلم للنووي (١/١٤٨، ١٤٩)، وانظر أيضا نحو هذا في فتاويه المسماة بـ"المسائل المنثورة" (ص ١٩٤) . ٣ شروح البخاري (١/ ٢٢٦) .
[ ١٤١ ]
ونقله عنه الحافظ في الفتح ثم قال: "ويؤيده أن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل، حتى إنه يكون في بعض الأحيان الإيمان أعظم يقينًا وإخلاصًا وتوكلًا منه في بعضها، وكذلك في التصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها"١.
وقال شيخ الإسلام: "إن التصديق نفسه يتفاضل كنهه، فليس ما أثنى عليه٢ البرهان بل تشهد له الأعيان، وأميط عنه كل أذى وحسبان، حتى بلغ أعلى درجات الإيقان، كتصديق زعزعته الشبهات، وصدفته الشهوات، ولعب به التقليد، ويضعف لشبه المعاند العنيد، وهذا أمر يجده من نفسه كل منصف رشيد"٣.
وقال ابن رجب: "والتصديق القائم بالقلوب يتفاضل، وهذا هو الصحيح، وهو أصح الروايتين عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل، فإن إيمان الصديقين الذي يتجلى الغيب لقلوبهم حتى يصير كأنه شهادة بحيث لا يقبل التشكيك والارتياب ليس كإيمان غيرهم ممن لا يبلغ هذه الدرجة بحيث لو شكك لدخله الشك "٤.
قلت: لم أقف على نقل عن الإمام أحمد رأى فيه أن التصديق لا يتفاضل، وإنما الذي نقل عن الإمام فيه روايتان فيما أطلعت عليه هو: "المعرفة القلبية"كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وكما سيأتي في الوجه التالي، فلعل الحافظ ابن رجب قصد بالروايتين عنه
_________________
(١) ١ فتح الباري (١/ ٤٦) . ٢ أي: فليس التصديق الذي أثنى إلخ. ٣ الفتاوى (٦/٤٨٠، ٤٨١)، وانظر تهذيب السنن لابن القيم (٧/ ٥٦) . ٤ جامع العلوم والحكم (ص ٢٨)، بتصرف يسير.
[ ١٤٢ ]
في التصديق ما جاء عنه في المعرفة والله أعلم.
وقال الكرخي: "إن نفس التصديق يقبل القوة، وهي التي عبر عنها بالزيادة، للفرق المميز بين يقين الأنبياء ويقين آحاد الأمة وكذا من قام عليه دليل واحد ومن قامت عليه أدلة كثيرة، لأن تظاهر الأدلة أقوى للمدلول عليه وأثبت لقدمه"١.
فبهذا البيان والنقول يتضح بما لا مجال للشك في، أن التصديق نفسه يقبل الزيادة والنقصان، فتأمل هذا الوجه جيدًا فقد اشتمل على أوضح رد وأجلى بيان لبطلان قول من قال إن التصديق لا يزيد ولا ينقص، وإن نقصانه يقتضي الشك والكفر، وسيأتي مزيد بيان لذلك، وذكر من قال به وإبطاله في مبحث قادم إن شاء الله تعالى.
الوجه الرابع:
إن المعرفة القلبية- وهي دون التصديق٢- يتفاضل الناس فيها، فهي تختلف من حيث الإجمال والتفصيل، والقوة والضعف، ودوام الحضور والغفلة فليست المعرفة المستحضرة الثابتة التي يثبت الله صاحبها كالمجملة التي غفل عنها صاحبها، وإذا حصل له ما يريبه فيها ارتاب ثم رغب إلى الله في كف الريب.
قال شيخ الإسلام: "وكذلك المعرفة التي في القلوب تقبل التفاضل
_________________
(١) ١ نقله عنه أبو السعود في تفسيره (٣/٤) وصديق حسن خان في كتابه فتح البيان (٤/ ٦) والنقل بتصرف. ٢ لمعرفة الفرق بين المعرفة والتصديق انظر رسالة الإمام أحمد للجوزجاني ضمن السنة للخلال (ق ١٠٥/أ) وانظرها وشرح شيخ الإسلام لها في الفتاوى (٧/ ٣٩٠، وما بعدها)، قال شيخ الإسلام في شرحها (٧/ ٣٩٥): "وأحمد فرق بين المعرفة التي في القلب وبين التصديق الذي في القلب.. ".
[ ١٤٣ ]
على الصحيح عند أهل السنة، وفي هذا نزاع، فطائفة من المنتسبين إلى السنة تنكر التفاضل في هذا كله كما يختار ذلك القاضي أبو بكر وابن عقيل وغيرهما، وقد حكي عن أحمد في التفاضل في المعرفة روايتان "١.
وقال شيخ الإسلام: "وقد ذكر القاضي أبو يعلى في ذلك عن أحمد روايتين، ٢.
قلت: وكلتا الروايتين ثابتتان عن الإمام ﵀ بسند صحيح، أما الرواية الأولى فقد خرّجها الخلال في السنة من طريق أبي بكر محمد بن علي أن يعقوب بن بختان حدّثهم قال: سألت أبا عبد الله عن المعرفة والقول تزيد وتنقص؟ قال: لا، قد جئنا بالقول والمعرفة وبقي العمل٣.
وأما الرواية الثانية فخرجها أيضًا الخلال في السنة من طريق المروذي قال: قلت لأبي عبد الله في معرفة الله ﷿ في القلب يتفاضل فيه؟ قال: نعم، قلت: ويزيده قال: نعم٤.
_________________
(١) ١ الفتاوى (٧/٤٠٨) وانظر الفتاوى (٠ ١/ ٧٢٢) وانظر كذلك شرح الكوكب المنير لأن البقاء الفتوحي (ص ١٨) فقد نقل عن شيخ الإسلام أنه قال:" والصحيح أن جميع الصفات المشروطة بالحياة تقبل التزايد، وعن أحمد ﵁ في المعرفة الحاصلة في القلب من الإيمان: هل تقبل التزايد والنقص؟ روايتان، والصحيح من مذهبنا ومذهب جمهور أهل السنة إمكان الزيادة في جميع ذلك..". ٢ درء التعارض (٧/٤٥١) قلت: ذكر القاضي أبو يعلى هاتين الروايتين عن الإمام في كتابه الروايتين والوجهين (ق ٢٥١/ ب) . ٣ السنة للخلال (٢/ ٦٧٧) . ٤ السنة للخلال (٢/ ٦٧٦) .
[ ١٤٤ ]
قلت: ولا تعارض عندي بين هاتين الروايتين عن الإمام، فهو ﵀ جزم في الرواية الأولى بالإتيان بالمعرفة والقول، وهذا مما لا يجوز لمسلم أن يرتاب فيه إذ إن من شك في إتيانه بالمعرفة والقول يكفر، لكن المعرفة تختلف من شخص لآخر قرة وضعفًا بحسب قوة الأدلة وكثرة النظر، وهذا ما بينّه ﵀ في الرواية الثانية، حيث بين أن الناس يتفاضلون في المعرفة ث أنها تزيد، وهذا لا يتنافى مع الجزم بالإتيان بالمعرفة، لأن القدر الواجب من المعرفة يجزم به المسلم، ولا يمكن أن يجزم بأنه بلغ أعلى درجات المعرفة، لأن المعرفة درجات والناس متفاضلون فيها، والله أعلم.
ثم بعد كتابتي هذا التوفيق بين الروايتين، وقفت على كلام نحوه للقاضي أبي يعلى في التوفيق بينهما، حيث قال ﵀ بعد أن أشار إلى هاتين الروايتين "وعندي أن المسألة ليست على روايتين وإنما هي على اختلاف حالين، فالموضع الذي قال لا تزيد ولا تنقص يعني به نفس المعرفة، لأن المعرفة هي: معرفة المعلوم على ما هو به، وذلك لا يختلف بحال.. والموضع الذي قال: تزيد وتنقص يعني بالزيادة في معرفة الأدلة وذلك قد يزيد وينقص، فمنهم من يعرف الشيء من جهة واحدة، ومنهم من يعرفه من جهات كثيرة"١.
ثم إن مما يوضح لنا هذا الوجه. أعني التفاضل في المعرفة ويبينه أن معرفة الإنسان بالشيء إن عاينه تختلف عن معرفته به إن لم يعاينه وإن كان جازمًا بصدق من أخبره.
_________________
(١) ١ الروايتين والوجهين (ق ٢٥١/ ب) .
[ ١٤٥ ]
ولهذا قال النبي ﷺ: "ليس الخبر كالمعاينة" ١ فإن موسى لما أخبره ربه أن قومه عبدوا العجل، لم يلق الألواح، فلما رآهم قد عبدوه ألقاها، وليس ذلك لشك موسى في خبر الله، لكن المُخْبَر وإن جزم بصدق المُخْبِر، فقد لا يتصور المُخْبَر به في نفسه كما يتصوره إذا عاينه، بل يكون قلبه مشغولًا عن تصور المخبر به، وإن كان مصدقًا به، ومعلوم أنه عند المعاينة يحصل له من تصور المخبر به ما لم يكن عند الخبر٢.
فالزيادة والنقصان في الإيمان شاملة لمعرفة القلوب لتفاضل الناس فيها، من جهة الإجمال والتفصيل، والقوة والضعف، والذكر والغفلة، فمعرفة الله وأسمائه وصفاته، وأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه غفور رحيم، عزيز حكيم، شديد العقاب، إلى غير ذلك من صفاته، كل ذلك داخل في الإيمان، إذ لا يمكن لمسلم أن يقول إنه ليس من الإيمان، ومعلوم أن الناس متفاوتون في معرفتها وغير متماثلين، بل لا يمكن لأحد أن يدعي تماثل الناس في ذلك٣.
ثم من المعلوم أيضًا أن الناس يتفاضلون في معرفة الملائكة وصفاتهم، ويتفاضلون في معرفة الروح وصفاتها، وفي معرفة الجن وصفاتهم، وفي معرفة الآخرة وما بها من نعيم وعذاب، بل ويتفاضلون
_________________
(١) ١ رواه أحمد (١/٢٧١) وابن حبان (كما في الإحسان ٨/ ٣٢) وأبو الشيخ في الأمثال (ص ٢٥) والحاكم (٢/٣٢١) من طرق عن سريج بن يونس عن هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا وإسناده صحيح، صححه ابن حبان، وقال الحاكم "حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه "ووافقه الذهبي، وصححه الألباني، انظر صحيح الجامع (٥/ ٨٧) . ٢ انظر الفتاوى لابن تيمية (٧/ ٢٤٣) . ٣ انظر المرجع السابق (٧/ ٤١٤) .
[ ١٤٦ ]
في معرفة أبدانهم وصفاتها وصحتها ومرضها وما يتبع ذلك، فإن كانوا متفاضلين في ذلك كله، فتفاضلهم في معرفة الله أعظم وأعظم١.
قال شيخ الإسلام: "ولا ريب أن المؤمنين يعرفون ربّهم في الدنيا، ويتفاوتون في درجات العرفان، والنبي ﷺ أعلمنا بالله وقد قال: "لا أحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" ٢ وهذا يتعلق بمعرفة زيادة المعرفة ونقصها المتعلقة بمسألة زيادة الإيمان ونقصه "٣.
وقال ابن قاضي الجبل٤ في أصوله: "الأصح التفاوت، فإنا نجد بالضرورة الفرق بين كون الواحد نصف الاثنين، وبين ما علمناه من جهة التواتر مع كون اليقين حاصل فيهما"٥.
قال السبكي في رسالة له ألّفها في الاستثناء نقل أكثرها الزبيدي في الإتحاف: "والمعرفة يتفاوت الناس فيها تفاوتا كثيرًا وأعلى الخلق معرفة النبي ﷺ ثم الأنبياء والملائكة على مراتبهم وأدنى المراتب الواجب الذي لا بد منه في النجاة من النار وفي عصمة الدم، وبين ذلك وسائط كثيرة منها واجب ومنها ما ليس بواجب وكل ذلك داخل في اسم الإيمان "٦.
وبهذا يتبين أن المعرفة القلبية تقبل الزيادة والنقصان وبالله التوفيق.
_________________
(١) ١ انظر المرجع السابق (٧/ ٥٦٩) . ٢ جزء من حديث، أخرجه مسلم (١/٣٥٢) عن عائشة ﵂. ٣ الفتاوى (٦/ ٤٧٩) . ٤ هو احمد بن الحسن بن عبد الله المعروف بابن قاضي الجبل ت ٧٧١ هـ. انظر ترجمته في ذيل الطبقات لابن رجب (٢/٤٥٣) . ٥ نقله عنه الفتوحي في شرح الكوكب المنير (ص ١٨) . ٦ إتحاف السادة المتقين (٢/٢٨٠) .
[ ١٤٧ ]
فائدة جليلة: تنازع الناس في المعرفة القلبية هل حصلت بالشرع أو بالعمل؟
قال شيخ الإسلام بعد أن نقل الخلاف في ذلك "وحقيقة المسألة: أن المعرفة منها ما يحصل بالعقل، ومنها ما لا يعرف إلا بالشرع، فالإقرار الفطري، كالإقرار الذي أخبر الله به عن الكفار، قد يحمل بالعقل كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ١.
وأما ما في القلوب من الإيمان المشار إليه في قوله تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ ٢ فلا يحصل إلا بالوحي.. "٣.
الوجه الخامس:
إن أعمال القلوب كالمحبة والخشية والخشوع والذل والإنابة والتوكل والحياة والرغبة والرهبة والخوف والرجاء وغيرها. يتفاضل الناس فيها تفاضلًا عظيمًا. وهي جميعها من أعمال الإيمان كما دل على ذلك الكتاب والسنة واتفاق سلف هذه الأمة.
فالمحبة مثلًا الناس متفاوتون فيها، ما بين أفضل الخلق محمد وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام وهما خليلا الله وأشد الناس محبة له، إلى أدنى الناس درجة في الإيمان كمن في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وبين هذين الحدين من الدرجات ما لا يحصيه إلا رب الأرض
_________________
(١) ١ سورة لقمان، الآية: ٢٥. ٢ سورة الشورى، الآية: ٥٢. ٣ درء التعارض (٧/ ٤٥٨) .
[ ١٤٨ ]
والسموات، فإنه ليس في أجناس المخلوقات ما يتفاضل بعضه على البعض كبني آدم.
بل إن هذا التفاضل في المحبة يعلمه كل إنسان من نفسه بحسب الحب الذي قام في قلبه لأي محبوب كان، سواء كان حبًا لولده أو لامرأته أو لرياسته أو لصديقه أو غير ذلك، فإن حبه لهذه الأشياء على درجات، فالحب أوله علاقة لتعلق القلب بالمحبوب، ثم صبابة لانصباب القلب نحوه، ثم غرام للزومه القلب كما يلزم الغريم غريمه، إلى غير ذلك من درجات الحب وهذا أمر يجده الإنسان في نفسه فإنه قد يكون الشيء الواحد يحبه تارة أكثر مما يحبه تارة، فإذا علم تفاضل الناس في حب هذه الأشياء من محبوباتهم، فتفاضلهم في حب الله أعظم.
وقد دل كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على تفاضل الناس فيها قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ٢.
فهاتان الآيتان فيهما دلالة على تفاضل الناس في المحبة، ففي قوله: ﴿أَشَدُّ حُبًّا﴾ في الآية الأولى وقوله: ﴿أَحَبَّ﴾ في الآية الثانية أعظم دلالة على ذلك، لاستخدام أفعل التفضيل فيهما الدال صراحة على
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآية: ١٦٥. ٢ سورة التوبة، الآية: ٢٤.
[ ١٤٩ ]
التفاضل.
وفي الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار" ١.
وفيهما عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يؤمن أحدهم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين " ٢.
وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن هشام ﵁ قال: "كنا مع النبي ﷺ وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي ﷺ: لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك. فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي. فقال النبي ﷺ: الآن يا عمر" ٣.
فهذه الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ، فيها أوضح دلالة على تفاضل الناس في المحبة. فقد ذكر فيها كلمة "أحب" الدالة على التفاضل تصريحًا.
فمن أنكر ذلك وقال بخلافه، فقد خالف الكتاب والسنة، بل وخالف اللغة والعقل والحس.
وكما أن الناس يتفاضلون في المحبة كما سبق، وهي عمل قلبي،
_________________
(١) ١ البخاري (١/٢٦٠ و٠ ١/ ٤٦٣ و١٢/ ٣١٥ فتح) ومسلم (١/ ٦٦) .. ٢ البخاري (١/٥٨ فتح) ومسلم (١/٦٧) . ٣ البخاري (١١/٥٢٣ فتح) وهذا الحديث من أفراد البخاري، ولم يشر إلى ذلك الحافظ في الفتح كما هي عادته في نهاية شرحه لكل كتاب من صحيح البخاري.
[ ١٥٠ ]
فهم كذلك يتفاضلون في سائر أعمال القلوب من خشية وإنابة وتوكل ورجاء وخوف وحياء وغير ذلك، فهذه كلها يتفاضل الناس فيها تفاضلًا عظيمًا، وهذا من الأمور المعلومة الظاهرة، والأدلة عليها في الكتاب والسنة كثيرة منها:
قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ١.
وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ٢.
وقوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ٣.
وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ ٤.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ ٥.
وقوله: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ ٦.
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ
_________________
(١) ١ سورة فاطر، الآية: ٢٨. ٢ سورة الأنفال، الآية: ٢. ٣ سورة الحديد، الآية: ١٦. ٤ سورة الرعد، الآية: ٢٨. ٥ سورة الإسراء، الآية: ٥٧. ٦ سورة النجم، الآية: ٣٢.
[ ١٥١ ]
فُرْقَانًا ﴾ ١.
وقوله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ٢ وغيرها من الآيات.
ومن السنة:
حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:"يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير" ٣ الحديث.
وحديث أبي أمامة الباهلي ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال:"من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان" ٤.
وحديث أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ:"والحياء
شعبة من الإيمان" ٥.
وحديث عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ: "إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا" ٦.
وغيرها من الأحاديث ففي هذه النصوص أوضح دلالة على تفاضل الناس في أعمال القلوب وتفاوتهم فيها.
_________________
(١) ١ سورة الأنفال، الآية ت ٢٩. ٢ سورة الزمر، الآية: ١٠. ٣ تقدم تخريجه (ص ٧٦) . ٤ تقدم تخريجه (ص ٨٣) . ٥ تقدم تخريجه (ص ٧١) . ٦ تقدم تخريجه (ص ٨٥) .
[ ١٥٢ ]
ثم إن النصوص الواردة في ذلك كثيرة، ولو تتبعتها وذكرت كل عمل من الأعمال القلبية بأدلته كما فعلت في المحبة، لطال المقام، والأمر لا يحتاج إلى ذلك، لأن كل إنسان يحس ذلك ويلمسه في نفسه، فإن الإنسان يجد نفسه في وقت أشد حياء منه في الوقت الآخر، وفي وقت أشد خوفًا منه في الوقت الآخر، وهكذا سائر أعمال القلب، فإن الإنسان يحس في نفسه تفاوته من وقت لآخر فيها.
قال شيخ الإسلام: "فإنه من المعلوم بالذوق الذي يجده كل مؤمن، أن الناس يتفاضلون في حب الله ورسوله وخشية الله والإنابة إليه والتوكل عليه والإخلاص له، وفي سلامة القلوب من الرياء والكبر والعجب، ونحو ذلك، والرحمة للخلق والنصح لهم.. ثم ذكر بعض نصوص الكتاب والسنة الدالة على ذلك، ثم قال: وهذا أمر يجده الإنسان في نفسه، فإنه قد يكون الشيء الواحد يحبه تارة أكثر مما يحبه تارة، ويخافه تارة أكثر مما يخافه تارة"١.
وبين في موضع آخر أن هذا هو قول أهل السنة والجماعة، فقال: "والذي مضى عليه سلف الأمة وأئمتها أن نفس الإيمان الذي في القلوب يتفاضل "٢.
وقال الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: "وأما كون الذي في القلب والذي في الجوارح يزيد وينقص فذاك شيء معلوم، والسلف كانوا يخافون على الإنسان إذا كان ضعيف الإيمان
_________________
(١) ١ الفتاوى (٧/ ٥٦٣، ٥٦٤) . ٢ الفتاوى (٦/ ٤٧٩) .
[ ١٥٣ ]
النفاق أو سلب الإيمان كله"١.
الوجه السادس:
إن الأعمال الظاهرة يتفاضل الناس فيها وتزيد وتنقص وهذا شامل لأعمال اللسان، كالتسبيح والتكبير والاستغفار والذكر وقراءة القرآن وغيرها، وشامل لأعمال الجوارح، كالصلاة والحج والجهاد والصدقة وغيرها. فهذه الأعمال الظاهرة هي من الإيمان، وداخله في مسماه، والتفاضل يقع فيها كما يقع في الأعمال الباطنة.
قال شيخ الإسلام: "وهذا مما اتفق الناس على دخول الزيادة فيه والنقصان، لكن نزاعهم في دخول ذلك في مسمى الإيمان "٢.
وقال: "وأما زيادة العمل الصالح الذي على الجوارح ونقصانه فمتفق عليه وان كان في دخوله في مطلق الإيمان نزاع، والذي عليه أهل السنة والحديث أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص"٣.
أما الأدلة على تفاضل الناس في الأعمال الظاهرة: أعمال اللسان، وأعمال الجوارح فكثيرة جدًا.
فمن أدلة تفاضل الناس في أعمال اللسان:
قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ٤.
_________________
(١) ١ الدرر السنية (١/ ١٠٦) ومجموع مؤلفات الشيخ "قسم الفتاوى" (ص ٥١) . ٢ الفتاوى (٧/ ٥٦٢) . ٣ الفتاوى (٦/ ٤٧٩) باختصار. ٤ سورة الأحزاب، الآيتان: ٤١- ٤٢.
[ ١٥٤ ]
وقول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ ١.
وقوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ ٢.
وقوله: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ ٣.
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ ٤.
وقوله: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ ٥.
وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربّه مثل الحي والميت" ٦.
وفي الترمذي وغيره عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "يقال لصاحب القرآن إقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها" ٧.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية: ٤١. ٢ سورة آل عمران، الآية: ١٩١. ٣ سورة الأحزاب، الآية: ٣٥. ٤ سورة فاطر، الآية: ٢٩. ٥ سورة مريم، الآية: ٥٨. ٦ البخاري (١١/ ٢٠٨ فتح) ومسلم (١/ ٥٣٩) واللفظ للبخاري. ٧ الترمذي (٥/١٧٧) ورواه أبو داود (٢/ ٧٣) وأحمد (٢/١٩٢) وابن حبان (٢/ ٧١ الإحسان) والحاكم (١/ ٥٥٣) والبغوي (٤/٤٣٥) وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"وصححه ابن حبان والحاكم وسكت عنه الذهبي وصححه الألباني انظر صحيح الجامع (٦/٣٤٩) .
[ ١٥٥ ]
فهذه النصوص فيها أوضح دلالة على تفاضل الناس في أعمال اللسان، إذ هم ليسوا سواء في القيام بأعماله، بل متفاوتون.
ومن أدلة تفاضل الناس في أعمال الجوارح:
قول الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ ١.
وقوله: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ ٢.
وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ *وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ *إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٣.
وتقدم حديث الشعب، وفيه جعل النبي ﷺ إماطة الأذى عن الطريق من الإيمان، وتقدم قوله ﷺ: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده " الحديث.
فهذه النصوص فيها ذكر جملة من الأعمال الإيمانية كالصلاة والزكاة، وأداء الأمانة، والوفاء بالعهد، وتغيير المنكر باليد على حسب
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآية: ٢٣٨. ٢ سورة إبراهيم، الآية: ٣١. ٣ سورة المؤمنون، الآيات: ١- ١١.
[ ١٥٦ ]
الاستطاعة، وإماطة الأذى عن الطريق فهذه كلها من الأعمال الإيمانية التي تكون بالجوارح، وما من شك في أن الناس متفاضلون في هذه الأعمال أداء لها ومحافظة عيها وقيامًا بها، فهم ليسوا في ذلك على درجة واحدة، بل بينهم فيها تفاوت عظيم.
الوجه السابع:
إن الإيمان يتفاضل ويزيد وينقص من جهة استحضار الإنسان بقلبه لأمور الإيمان، وذكره لها، ودوامه وثباته عليها، بحيث لا يكون غافلًا عنها، فإن من كان كذلك أكمل إيمانًا ممن صدق بالمأمور به وغفل عنه.
وذلك لأن الغفلة تضاد كمال العلم والتصديق والذكر، وأما دوام الاستحضار وعدم الغفلة فإنه يكمل العلم واليقين ويقوي الإيمان، فالعالم بالشيء في حالة غفلته عنه دون العالم بالشيء حال ذكره له، والعلم وإن كان في القلب فالغفلة تنافي تحققه.
فالغفلة وعدم استحضار الأوامر، لها أثر في نقص كمال الإيمان وضعفه ولهذا قال عمير بن حبيب الخطمي ﵁: "إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا وضعينا فذلك نقصناه"١. وكان معاذ بن جبل يقول لأصحابه "اجلسوا بنا نؤمن ساعة"٢. وهذا يدلنا على أن الحذر من الغفلة، واستحضار الإيمان سبب لزيادة الإيمان، وعدم ذلك سبب لنقصه. ولهذا فإن الله الكريم نبّه في مواضع كثيرة من كتابه على أهمية الذكرى وعظم شأنها، وخطر الغفلة وشدة ضررها، ومن ذلك قوله: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه. ٢ تقدم تخريجه.
[ ١٥٧ ]
الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١.
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ ٢ ومعنى شهيد أي: حاضر القلب وليس بغافل.
وقوله: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى﴾ ٣.
وقوله: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ ٤.
وقوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ ٥ وغيرها من الآيات.
الوجه الثامن:
إن الإنسان قد يكون مكذبًا ومنكرًا لأمور لا يعلم أنها من الإيمان، ولو كان عالمًا بأنها منه لم يكذب ولم ينكر، فإذا تبين له بعد أنها من الإيمان، وظهر له ذلك بوجه من الوجوه، فإنه يصدق بما كان مكذبًا به، ويعرف ما كان منكرًا له، وهذا تصديق جديد، وإيمان جديد، ازداد به إيمانه، وهو لم يكن قبل ذلك كافرًا بل جاهلًا.
وهذا يحصل لكثير من الناس ولاسيما أهل العلوم والعبادات، فإنه يقوم بقلوبهم من التفصيل أمور كثيرة تخالف ما جاء به الرسول ﷺ وهم لا يعرفون أنها تخالف، فإذا عرفوا رجعوا.
وكل من ابتدع في الدين قولًا أخطأ فيه، أو عمل عملًا أخطأ فيه،
_________________
(١) ١ سورة الذاريات، الآية: ٥٥. ٢ سورة ق، الآية: ٣٧. ٣ سورة الأعلى، الآيتان: ١٠- ١١. ٤ سورة الكهف، الآية: ٢٨. ٥ سورة الأعراف، الآية: ٢٠٥.
[ ١٥٨ ]
وهو مؤمن بالرسول ﷺ مصدق بما جاء به ثم عرف ما قاله وآمن به وترك ما كان عليه من خطأ، فهو من هذا الباب، وكل مبتدع قصده متابعة الرسول فهو من هذا الباب، فمن علم ما جاء به الرسول وعمل به، أكمل ممن أخطأ ذلك ومن علم الصواب بعد الخطأ وعمل به أكمل ممن لم يكن كذلك.
فهذا أحد أوجه زيادة الإيمان ونقصانه، وهو وإن أشبه الوجه الأول وهو المجمل والمفصل من جهة أنه تجدد عند هذا وهذا شيء من معارف الإيمان وعلومه مما لم يكن قبل عندهما، إلا أنهما مختلفان من جهة أن صاحب الوجه الأول كان قلبه خاليًا من تكذيب وتصديق لشيء من التفاصيل وعن معرفة وإنكار لشيء من ذلك، أما صاحب هذا الوجه فهو مكذب بشيء من التفاصيل منكر لها لجهله أنها من الإيمان وبهذا يظهر الفرق بين الوجهين.
الوجه التاسع:
إن التفاضل يحصل من هذه الأمور من جهة الأسباب المقتضية لها، فمن كان مستندًا في تصديقه ومحبته على أدلة توجب اليقين ولا تدع مجالًا للشبه العارضة، بل تدحضها وتبين فسادها، فهو ليس بمنزلة من كان تصديقه لأسباب دون ذلك، فإن تصديقه قد يتزعزع ويداخله الشك والريب لضعف أسباب التصديق عنده وكذلك من جعل له علومًا ضرورية قوي تمكنها في نفسه بحيث لا يمكنه دفعها عن نفسه، لم يكن بمنزلة من تعارضه الشبه ويريد إزالتها بالنظر والبحث وقد لا يستطيع.
ولا يستريب عاقل أن العلم بكثرة الأدلة وقوتها، وبفساد الشبه المعارضة لذلك وبطلانها ليس كالعلم الذي هو مستند على دليل واحد أو دليلين من غير معرفة بالشبه المعارضة له، وفسادها.
[ ١٥٩ ]
فالشيء كلما قويت أسبابه وتعددت وانقطعت موانعه واضمحلت كان أوجب لكماله وقوته وتمامه، والعكس بالعكس.
فهذه الأوجه التسعة تبين تفاضل الناس فيما يقوم بالقلب واللسان والجوارح، وبالتأمل قد يظهر غيرها.
ثم إن هذه الأوجه التسعة تتلخص في وجهين اثنين هما:
ا- إن الإيمان يتفاضل من جهة أمر الرب.
٢- إن الإيمان بتفاضل من جهة فعل العبد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وذلك أن أصل أهل السنة أن الإيمان يتفاضل من وجهين: من جهة أمر الرب، ومن جهة فعل العبد.
أما الأول فإنه ليس الإيمان الذي أمر به شخص من المؤمنين هو الإيمان الذي أمر به كل شخص، فإن المسلمين في أول الأمر كانوا مأمورين بمقدار من الإيمان، ثم بعد ذلك أمروا بغير ذلك، وأمروا بترك ما كانوا مأمورين به كالقبلة، فكان الإيمان في أول الأمر الإيمان بوجوب استقبال بيت المقدس، ثم صار من الإيمان تحريم استقباله ووجوب استقبال الكعبة، فقد تنوع الإيمان في الشريعة الواحدة. وأيضًا فمن وجب عليه الحج والزكاة أو الجهاد يجب عليه من الإيمان أن يعلم ما أمر به ويؤمن بأن الله أوجب عليه ما لا يجب على غيره إلا مجملًا، وهذا يجب عليه فيه الإيمان المفصل، وكذلك الرجل أول ما يسلم إنما يجب عليه الإقرار المجمل، ثم إذا جاء وقت الصلاة كان عليه أن يؤمن بوجوبها ويؤديها، فلم يتساو الناس فيما أمروا به من الإيمان..
[ ١٦٠ ]
والنوع الثاني: هو تفاضل الناس في الإتيان به مع استوائهم في الواجب، وهذا الذي يظن أنه محل النزاع وكلاهما محل النزاع.
وهذا أيضًا يتفاضلون فيه فليس إيمان السارق والزاني والشارب كإيمان غيرهم، ولا إيمان من أدى الواجبات كإيمان من أخل ببعضها، كما أنه ليس دين هذا وبره وتقواه مثل دين هذا وبره وتقواه، بل هذا أفضل دينًا وبرًا وتقوى فهو كذلك أفضل إيمانًا "١.
قلت: وهذه الأوجه ينبغي تأملها وحسن فهمها ليعلم من خلالها مدى مفارقة الطوائف لأهل السنة والجماعة في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه، ومقدار مفارقتهم للحق وبعدهم عنه، لأن منهم من يرى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص من أفي وجه، ومنهم من يرى أنه يزيد وينقص من وجه دون وجه، وليس أحد يرى أن الإيمان يزيد وينقص من كافة الأوجه المتقدمة غير أهل السنة والجماعة.
وبه أيضًا يعلم فضل علمهم على علم غيرهم، والفرق بينهم وبين غيرهم، وقوة موافقتهم للحق وإصابتهم له؛ لاعتصامهم بحبل الله وتمسكهم بكتابه واهتدائهم بما جاء عن رسول الله ﷺ، خلافًا لأهل الأهواء الذين لم يصيروا يعتمدون في دينهم لا على القرآن، ولا على الإيمان الذي جاء به الرسول ﷺ، فلهذا كان السلف أكمل علمًا وإيمانًا والموفق من وفق لأتباعهم.
_________________
(١) ١ الفتاوى (١٣/٥١-٥٥)، وانظر أيضًا الفتاوى (١٨/ ٢٧٧، ٢٧٨) .
[ ١٦١ ]
*
الفصل الثالث
أسباب زيادة الإيمان ونقصانه
لقد تقدم في الفصلين السابقين بيان أن الإيمان يزيد وينقص، وذكر الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة، وبيان أن زيادة الإيمان ونقصانه تكون من وجوه متعددة.
أما الحديث في هذا الفصل فسيكون عن أسباب زيادة الإيمان ونقصانه، إذ إن هناك أسبابًا كثيرة إذا حصلت من العبد زاد بها إيمانه ونمى وسار في طريق الكمال، وهناك أسباب أخرى إذا فعلها العبد نقص إيمانه وضعف وهوى نحو طريق الكفر والضلال.
وفي معرفة هذه الأسباب فوائد عظيمة ومنافع جمة، بل الضرورة ماسة إلى معرفتها والعناية بها، معرفة واتصافًا، وذلك لأن الإيمان هو كمال العبد وسبيل فلاحه وسعادته، وبه ترتفع درجاته في الدنيا والآخرة، وهو السبب والطريق لكل خير عاجل وآجل، ولا يحصل، ولا يقوى ولا يتم إلا بمعرفة طرقه وأسبابه.
فجدير بالعبد المسلم الناصح لنفسه أن يجتهد في معرفة هذه الأسباب، ويتأملها ثم يطبقها في حياته، ليزيد إيمانه ويقوى يقينه، وأن يبعد نفسه عن أسباب نقص الإيمان، ويحصنها من الوقوع فيها، ليسلم من عواقبها الوخيمة ومغبتها الأليمة. ومن وفق لذلك فقد وفق للخير كله.
[ ١٦٥ ]
"فالعبد المؤمن الموفق لا يزال يسعى في أمرين:
أحدهما: تحقيق الإيمان وفروعه والتحقق بها علمًا وعملًا، حالًا.
والثاني: السعي في دفع ما ينافيها وينقضها أو ينقصها من الفتن الظاهرة والباطنة. ويداوي ما قصر من الأول، وما تجرأ عليه من الثاني بالتوبة النصوح، وتدارك الأمر قبل فواته"١.
فتحقيق الإيمان وتقويته، يكون بمعرفة أسباب زيادة الإيمان، والقيام بها.
وأما السعي في دفع ما ينافيه ويضاده، فبكون بمعرفة أسباب نقصه والحذر من الوقوع فيها.
ولذا فالكلام على هذا سيكون في مبحثين:
المبحث الأول: في أسباب زيادة الإيمان.
المبحث الثاني: في أسباب نقص الإيمان.
ونسأل الله العون والتوفيق.
_________________
(١) ١ التوضيح والبيان لشجرة الإيمان لابن سعدى (ص ٣٨) .
[ ١٦٦ ]
المبحث الأول
أسباب زيادة الإيمان
لقد جعل الله سبحانه لكل مرغوب ومطلوب سببًا وطريقًا يوصل إليه، وإن أهم وأعظم المطالب وأعمها نفعًا هو الإيمان، وقد جعل الله له مواد كثيرة تجلبه وتقويه، وأسبابًا عديدة تزيده وتنميه، إذا فعلها العباد قوى يقينهم وزاد إيمانهم، بينها الله في كتابه وبينها رسوله ﷺ في سنته.
ولعل أهم هذه الأسباب ما يلي:
أولًا- تعلم العلم النافع:
إن أهم وأنفع أسباب زيادة الإيمان تعلم العلم النافع علم الشريعة المستمد من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم١.
قال ابن رجب معرفًا بهذا العلم:"فالعلم النافع هو ضبط نصوص الكتاب والسنة وفهم معانيها والتقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم في معاني القرآن والحديث وفيما ورد عنهم من الكلام في مسائل الحلال والحرام والزهد والرقائق والمعارف، وغير ذلك والاجتهاد على تمييز صحيحه من سقيمه أولًا، ثم الاجتهاد على الوقوف على معانيه وتفهمه ثانيًا، وفي ذلك كفاية لمن عقل، وشغل لمن بالعلم
_________________
(١) ١ فائدة قال شيخ الإسلام:"وطلب العلم الشرعي فرض على الكفاية إلا فيما يتعين، مثل طلب كل واحد علم ما أمره الله به وما نهاه عنه، فإن هذا فرض على الأعيان" الفتاوى (٢٨/٨٠) .
[ ١٦٧ ]
النافع عُني واشتغل "١.
وقال ابن حجر:"والمراد بالعلم العلم الشرعي الذي يفيد ما يجب على المكلف من أمر دينه في عبادته ومعاملاته، والعلم بالله وصفاته، وما يجب له من القيام بأمره، وتنزيهه عن النقائص، ومدار ذلك على التفسير والحديث والفقه"٢.
قلت: فمن وفق لهذا العلم، فقد وفق، عظم أسباب زيادة الإيمان، ومن تأمل نصوص الكتاب والسنة علم ذلك:
قال الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ ٥.
وقال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ
_________________
(١) ١ فضل علم السلف على علم الخلف (ص ٤٥) . ٢ فتح الباري (١/ ١٤١) . ٣ سورة آل عمران، الآية: ١٨. ٤ سورة النساء، الآية: ١٦٢. ٥ سورة الإسراء، الآيتان: ١٠٧- ١٠٩.
[ ١٦٨ ]
مُسْتَقِيمٍ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ٤.
وفي الصحيحين من حديث معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين" ٥.
وفي المسند وغيره من حديث أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:"من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا، سلك الله به طريقًا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر" ٦.
_________________
(١) ١ سورة الحج، الآية: ٥٤. ٢ سورة سبأ، الآية: ٦. ٣ سورة فاطر، الآية: ٢٨. ٤ سورة المجادلة، الآية: ١١. ٥ أخرجه البخاري (١/ ١٦٤، ٦/ ٢١٧، ١٢/ ٢٩٣ فتح) ومسلم (٣/ ١٥٢٤) . ٦ المسند (٥/ ١٩٦) ورواه أبو داود (٣/ ٣١٧) والترمذي (٥/ ٤٩) وابن ماجه (١/ ٨١) والدرامي (١/ ٩٨) وابن حبان (١/ ١٥٢ الإحسان)، وصححه الألباني، انظر صحيح الجامع (٥/ ٣٠٢) وقد شرحه ابن رجب في جزء مفرد فليراجع.
[ ١٦٩ ]
وفي الترمذي وغيره من حديث أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:"فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، إن الله ﷿ وملائكته وأهل السموات والأرض، حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير" ١.
فهذه النصوص المذكورة فيها بيان منزلة العلم ومكانته، وعظم شأنه وأهميته، وما يترتب عليه من آثار حميدة وخصال كريمة في الدنيا والآخر، وما ينتج عنه من خضوع وانقياد لشرع الله، وإذعان وامتثال لأمره، فالعالم عرت ربه، وعرف نبيه، وعرف أوامر الله وحدوده، وميز بين ما يحبه الله ويرضاه وبين ما يكرهه ويأباه، فهو يعمل بأمر الله فيما يأتي ويذر، هذا إن وفق للعمل بما علم وإلا فعلمه وبال عليه.
قال الآجري في مقدمة كتابه أخلاق العلماء:"إن الله ﷿ وتقدست أسماؤه اختص من خلقه من أحب فهداهم للإيمان، ثم اختص من سائر المؤمنين من أحب فتفضل عليهم فعلمهم الكتاب والحكمة وفقههم في الدين وعلمهم التأويل، وفضلهم على سائر المؤمنين، وذلك في كل زمان وأوان، رفعهم بالعلم وزينهم بالحلم، بهم يعرف الحلال من الحرام، والحق من الباطل، والضار من النافع، والحسن من القبيح، فضلهم عظيم وخطرهم جزيل، ورثة الأنبياء، وقرة عين الأولياء، الحيتان في البحار لهم تستغفر، والملائكة بأجنحتها لهم تخضع، والعلماء في
_________________
(١) ١ رواه الترمذي (٥/ ٥٠) وذكره المنذري في الترغيب والترهيب (١/ ١٠١) ونقل عن الترمذي انه قال:" حديث حسن صحيح"، وصححه الألباني، انظر صحيح الترمذي (٢/ ٣٤٣) .
[ ١٧٠ ]
القيامة بعد الأنبياء تشفع، مجالسهم تفيد الحكمة، وبأعمالهم ينزجر أهل الغفلة، هم أفضل من العُبَّاد، وأعلى درجة من الزهاد، حياتهم غنيمة، وموتهم مصيبة، يذكرون الغافل، ويعلمون الجاهل، لا يتوقع لهم بائقة، ولا يخاف منهم غائله، بحسن تأديبهم يتنازع المطيعون، وبجميل موعظتهم يرجع المقصرون، جميع الخلق إلى علمهم محتاج إلى أن قال: فهم سراج العباد، ومنار البلاد، وقوام الأمة، وينابيع الحكمة، هم غيظ الشيطان، بهم تحيا قلوب أهل الحق، وتموت قلوب أهل الزيغ مثلهم في الأرض كمثل النجوم يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، إذا انتطمست النجوم تحيروا، وإذا أسفر عنها الظلام أبصروا"١.
ثم ساق من نصوص الكتاب والسنة وأقوال أهل العلم ما يؤيد ما ذكر.
فالعلم له منزلة عالية، ومكانة سامقة، ومن أعظم ما يبين لنا فضله وعظم شأنه، قول الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ ٢.
قيل في تفسيرها: يرفع الله المؤمن العالم على المؤمن غير العالم، ورفعة الدرجات تدل على الفضل، إذ المراد به كثرة الثواب وبها ترتفع الدرجات، ورفعتها تشمل المعنوية في الدنيا بعلو المنزلة وحسن الصيت، والحسية في الآخرة بعلو المنزلة في الجنة٣.
_________________
(١) ١ أخلاق العلماء (ص ١٣، ١٤. ٢ سورة المجادلة، الآية: ١١. ٣ فتح الباري لابن حجر (١/١٤١) .
[ ١٧١ ]
وكذلك قول الله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ ١، ودلالة هذه الآية على فضل العلم ظاهرة، لأن الله لم يأمر نبيه ﷺ بطلب الازدياد من شيء إلا من العلم، لما يترتب عليه من زيادة الإيمان والثبات عليه، قال تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٤.
وهذه الآية الأخيرة كتب فيها ابن القيم ﵀ بحثًا حافلًا بين فيه دلالتها على فضل العلم من وجوه كثيرة جدًا، تربوا على مائة وخمسين وجهًا، في كتابه القيم مفتاح دار السعادة ٥.
وقول النبي ﷺ:"من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" من أعظم ما يبين فضل العلم وأهله، وأن من وفق له فقد وفق للخير كله، يدلنا على ذلك تنكير لفظة"خير"في الحديث ليعم الخير كله ويشمل القليل منه والكثير، وهذا كله من فضل الله وكرمه وعظيم إحسانه على من وفق للعلم، وعلى العكس من ذلك من حرم العلم فقد حرم الخير، بدلالة الحديث نفسه.
_________________
(١) ١ سورة طه، الآية: ١١٤. ٢ سورة آل عمران، الآية: ٧. ٣ سورة النساء، الآية: ١٦٢. ٤ سورة آل عمران، الآية: ١٨. ٥ انظر (ص ٥٢ وما بمدها) .
[ ١٧٢ ]
قال ابن القيم:"وهذا يدل على أن من لم يفقهه في دينه لم يرد به خيرًا، كما أن من أراد به خيرًا فقهه في دينه، ومن فقهه في دينه فقد أراد به خيرًا، إذا أريد بالفقه العلم المستلزم للعمل، وأما إن أريد به مجرد العلم فلا يدل على أن من فقه في الدين فقد أريد به خيرًا، فإن الفقه حينئذ يكون شرطًا لإرادة الخير وعلى الأول يكون موجبًا والله أعلم"١.
وقال ابن حجر:"ومفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين، أي: لم يتعلم قواعد الإسلام وما يتصل بها من الفروع فقد حرم الخير.. لأن من لم يعرف أمور دينه لا يكون فقيهًا ولا طالب فقه فيصح أن يوصف بأنه ما أريد به الخير، وفي ذلك بيان ظاهر لفضل العلماء على سائر الناس، ولفضل التفقه في الدين على سائر العلوم"٢.
وإنما نال العلم هذه المكانة العظيمة، لأنه وسيلة لأعظم الغايات وهي عبادة الله تعالى وحده لا شريك له والقيام بتوحيده على الوجه المطلوب.
فالعلم ليس مقصودًا لذاته وإنما هو مقصود لغيره وهو العمل، فكل علم شرعي فطلب الشرع له إنما يكون حيث هو وسيلة إلى التعبد به لله تعالى، لا من جهة أخرى، ويدل على ذلك أمور:
أحدها: أن الشرع إنما جاء بالتعبد، وهو المقصود من بعثة الأنبياء ﵈، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ ٣.
وقوله: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلا
_________________
(١) ١ مفتاح دار السعادة (ص ٦٥)، وانظر الفتاوى (٢٨/٨٠) . ٢ فتح الباري (١/ ١٦٥) . ٣ سورة البقرة، الآية: ٢١.
[ ١٧٣ ]
تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢.
وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ ٣.
وما أشبه ذلك من الآيات التي لا تكاد تحصى إلا بكلفة كلها دالة على أن المقصود من العلم هو التعبد لله ﷿، وصرف جميع أنواع العبادات والطاعات له.
الثاني: ما جاء من الأدلة الدالة على أن روح العلم هو العمل، وإلا فالعلم عارية وغير منتفع به.
فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ ٥.
فهذه الأدلة وغيرها تدل على أن العلم وسيلة من الوسائل، ليس مقصودًا لنفسه من حيث النظر الشرعي، وإنما هو وسيلة إلى العمل، وكل ما ورد في فضل العلم إنما هو ثابت للعلم من جهة ما هو مكلف بالعمل به.
_________________
(١) ١ سورة هود، الآية: ١-٢. ٢ سورة الأنبياء، الآية: ٢٥. ٣ سورة الزمر، الآيتان: ٢- ٣. ٤ سورة فاطر، الآية: ٢٨. ٥ سورة الزمر، الآية: ٩.
[ ١٧٤ ]
ومن المعلوم أن أفضل العلوم هو العلم بالله ﷿، ومع هذا لا تصح به فضيلة لصاحبه حتى يصدق بمقتضاه وهو الإيمان بالله١.
الثالث: ما ثبت في نصوص الشرع من التهديد الشديد، والتغليظ والوعيد لمن لم يعمل بعلمه، وأن العالم يسأل عن علمه ماذا عمل به، وأن من لم يعمل بعلمه يكون علمه وبالًا عليه وحسرة وندامة. قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ ٣.
وقال تعالى حكاية عن شعيب عيه السلام أنه قال لقومه: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ٤.
وغيرها من النصوص، وقد جاء عن السلف في هذا آثار كثيرة عظيمة النفع، جليلة القدر تناقلها العلماء في مؤلفاتهم ٥.
وقال شيخ الإسلام:" ولهذا يقال: العلم علمان: علم في القلب، وعلم على اللسان، فعلم القلب هو العلم النافع، وعلم اللسان
_________________
(١) ١ انظر الموافقات للشاطبي (١/٦٠- ٦٥) . ٢ سورة البقرة، الآية: ٤٤. ٣ سورة الصف، الآيتان: ٢، ٣. ٤ سورة هود، الآية: ٨٨. ٥ انظر بعضها في رسالة الخطيب البغدادي"اقتضاء العلم العمل" ورسالة الحافظ ابن عساكر"ذم من لا يعمل بعلمه" وكلاهما مطبوع.
[ ١٧٥ ]
هو حجة الله على عباده١.. فالفقيه الذي تفقه قلبه، غير الخطيب الذي يخطب بلسانه، وقد يحصل للقلب من الفقه والعلم أمور عظيمة، ولا يكون صاحبه مخاطبًا بذلك لغيره، وقد يخاطب غيره بأمور كثيرة من معارف القلوب وأحوالها، وهو عار عن ذلك، فارغ منه"٢.
وبما تقدم يعرف قدر العلم ومكانته، وعظم منافعه وعوائده، وقوة أثره على قوة الإيمان وثباته، وأنه أعظم أسباب زيادته ونمائه وقوته، وذلك لمن عمل به. بل إن الأعمال إنما تتفاوت في زيادتها ونقصها، وقبولها وردها من جهة موافقتها للعلم ومطابقتها له، كما قال ابن القيم ﵀:"والأعمال إنما تتفاوت في القبول والرد بحسب موافقتها للعلم ومخالفتها له، فالعمل الموافق للعلم هو المقبول، والمخالف له هو المردود فالعلم هو الميزان، وهو المحك"٣.
وقال:"وكل علم وعمل لا يزيد الإيمان قوة فمدخول "٤.
وزيادة الإيمان الحاصلة من جهة العلم تكون من وجوه متعددة: من جهة خروج أهله في طلب العلم، وجلوسهم في حلق الذكر، ومذاكرة بعضهم بعضًا في مسائل العلم، وزيادة معرفتهم بالله وشرعه، وتطبيقهم لما تعلموه، وفيمن تعلم منهم العلم لهم فيه أجر، فهذه جوانب متعددة يزداد به الإيمان بسبب العلم وتحصيله.
_________________
(١) ١ هذا من كلام الحسن البصري رحمه أخرجه الدارمي (١/ ١٠٢) وغيره وذكره شيخ الإسلام في الفتاوى وعزاه للحسن انظر (٧/٢٣) . ٢ درء التعارض (٧/٤٥٣، ٤٥٤) . ٣ مفتاح دار السعادة (ص ٨٩) . ٤ الفوائد (ص ١٦٢) .
[ ١٧٦ ]
قال ابن رجب:"فمتى كان العلم نافعًا ووقر في القلب فقد خشع القلب لله وانكسر له وذل هيبة وإجلالًا وخشية ومحبة وتعظيمًا، ومتى خشع القلب لله وذل وانكسر له قنعت النفس بيسير الحلال في الدنيا وشبعت به فأوجب لها ذلك القناعة والزهد في الدنيا وأوجب له علمه المسارعة إلى ما فيه محبة الله ورضاه والتباعد عما يكرهه ويسخطه"١وهذا زيادة إيمان.
أما أبواب العلم الشرعي التي يحصل بها زيادة الإيمان فكثيرة جدًا، أجمل بعضها فيما يلي:
الأول- قراءة القرآن الكريم وتدبره:
فإن هذا من أعظم أبواب العلم المؤدية إلى زيادة الإيمان وثباته وقوته، فقد أنزل الله كتابه المبين على عباده هدى ورحمة وضياء ونورًا وبشرى وذكرى للذاكرين.
قال الله تعالى" ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ فضل علم السلف على علم الخلف (ص ٤٦) بتقديم وتأخير في النقل. ٢ سورة الأنعام، الآية: ٩٢. ٣ سورة الأنعام، الآية: ١٥٥. ٤ سورة الأعراف، الآية: ٥٢.
[ ١٧٧ ]
وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ ٣.
وتال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ ٥.
فهذه الآيات الكريمات فيها فضل القرآن الكريم كتاب رب العالمين، وأن الله جعله مباركًا وهدى للعالمين، وجعل فيه شفاء من الأسقام سيما أسقام القلوب وأمراضها من شبهات وشهوات، وجعله بشرى ورحمة للعالمين وذكرى للذاكرين، وجعله يهدي للتي هي أقوم، وصرف فيه من الآيات والوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرى.
فالذي يقرأ كناب الله ويتدبر آياته ويتأملها، يجد فيه من العلوم والمعارف ما يقوي إيمانه ويزيده وينميه، ذلك أنه يجد في خطاب القرآن
_________________
(١) ١ سورة النحل، الآية: ٨٩. ٢ سورة ص، الآية ٢٩. ٣ سورة الإسراء، الآية: ٩. ٤ سورة الإسراء، الآية: ٨٢. ٥ سورة ق، الآية: ٣٧.
[ ١٧٨ ]
ملكًا له الملك كله، وله الحمد كله أزمة الأمور كلها بيده، ومصدرها منه، ومردها إليه، مستويًا على عرشه، لا تخفى عليه خافية في أقطار مملكته، عالمًا بما في نفوس عبيده، مطلعًا على أسرارهم وعلانيتهم، منفردًا بتدبير المملكة، يسمع ويرى، ويعطي ويمنع، ويثيب ويعاقب، ويكرم ويهن، ويخلق ويرزق، ويميت ويحي، ويقدر ويقضي ويدبر، ويدعو عباده، ويدلهم على ما فيه سعادتهم وفلاحهم، ويرغبهم فيه، ويحذرهم مما فيه هلاكهم، ويتعرف إليهم بأسمائه وصفاته، ويتحبب إليهم بنعمه وآلائه، فيذكرهم بنعمه عليهم، ويأمرهم بما يستوجبون به تمامها، ويحذرهم من نقمه ويذكرهم بما أعد لهم من الكرامة إن أطاعوه، وما أعد لهم من العقوبة إن عصوه ويخبرهم بصنعه في أوليائه وأعدائه، وكيف كانت عاقبة هؤلاء وهؤلاء.
ويثني على أوليائه بصالح أعمالهم، وأحسن أوصافهم، ويذم أعداءه بسيء أعمالهم، وقبيح صفاتهم، ويضرب الأمثال، وينوع الأدلة والبراهين، ويجيب عن شبه أعدائه أحسن الأجوبة، ويصدق الصادق، ويكذب الكاذب، ويقول الحق، ويهدي السبيل، ويدعو إلى دار السلام، ويذكر أوصافها وحسنها ونعيمها، ويحذر من دار البوار، ويذكر عذابها وقبحها وآلامها، ويذكر عباده فقرهم إليه وشدة حاجتهم إليه من كل وجه، وأنهم لا غنى لهم عنه طرفة عين، ويذكر غناه عنهم وعن جميع الموجودات وأنه الغني بنفسه عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه بنفسه، وإنه لا ينال أحد ذرة من الخير فما فوقها إلا بفضله ورحمته، ولا ذرة من الشر فما فوقها إلا بعدله وحكمته.
ويشهد من خطابه عتابه لأحبابه ألطف عتاب، وأنه مع ذلك مقيل عثراتهم، وغافر زلاتهم، ومقيم أعذارهم، ومصلح فاسدهم، والدافع عنهم،
[ ١٧٩ ]
والمحامي عنهم، والناصر لهم، والكفيل بمصالحهم، والمنجى لهم من كل كرب، والموفي لهم بوعده وأنه وليهم الذي لا ولي لهم سواه، فهو مولاهم الحق، ونصيرهم على عدوهم، فنعم المولى ونعم النصير.
فلا يزال العبد يستفيد من هذا التدبر لكتاب الله، ويشهد قلبه فيه من العلوم ما يزيد في إيمانه ويقويه، وكيف لا؟ وهو يجد في القرآن ملكًا عظيمًا رحيمًا جوادًا جميلًا هذا شأنه، فكيف لا يحبه وينافس في القرب منه، وينفق أنفاسه في التودد إليه، وكيف لا يكون أحب إليه مما سواه، وكيف لا يؤثر رضاه عن رضى كل من سواه، وكيف لا يلهج بذكره، ويصير حبه والشوق إليه والأنس به هو غذاؤه وقوته ودواؤه، بحيث إن فقد ذلك فسد وهلك، ولم ينتفع بحياته١.
قال الآجرى ﵀"ومن تدبر كلامه عرف الرب ﷿، وعرف عظيم سلطانه وقدرته، وعرف عظيم تفضله على المؤمنين، وعرف ما عليه من فرض عبادته، فألزم نفسه الواجب، فحذر مما حذره مولاه الكريم، فرغب فيما رغبه، ومن كانت هذه صفته عند تلاوته للقرآن وعند استماعه من غيره كان القرآن له شفاءً فاستغنى بلا مال، وعز بلا عشيرة، وأنس مما يستوحش منه غيره، وكان همه عند التلاوة للسورة إذا افتتحها متى أتعظ بما أتلو، ولم يكن مراده متى أختم السورة، وإنما مراده متى اعقل عن الله الخطاب، متى ازدجر متى اعتبر لأن تلاوة القرآن عبادة، لا تكون بغفلة، والله الموفق لذلك"٢.
ولهذا فإن الله الكريم أمر عباده وحثهم على تدبر القران فقال
_________________
(١) ١ انظر الفوائد لابن القيم (ص ٥٨- ٦٠) . ٢ أخلاق حملة القرآن للآجري (ص ١٠) .
[ ١٨٠ ]
سبحانه: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ ١.
وقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ٢.
وأخبر سبحانه أنه إنما أنزله لتتدبر آياته، فقال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ ٣.
وبين سبحانه أن سبب عدم هداية من أضل عن الصراط المستقيم، هو تركه لتدبر القرآن واستكباره عن سماعه، فقال: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ * أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ﴾ ٤.
وأخبر سبحانه عن القرآن أنه يزيد المؤمنين إيمانًا إذا قرأوه وتدبروا آياته، فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ٥.
وأخبر عن صالح أهل الكتاب أن القرآن إذا تلي عليهم يخرون للأذقان سجدًا يبكون ويزيدهم خشوعًا وإيمانًا وتسليمًا، فقال سبحانه: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية: ٨٢. ٢ سورة محمد، الآية: ٢٤. ٣ سورة ص، الآية: ٢٩. ٤ سورة المؤمنون، الآيتان: ٦٧- ٦٨. ٥ سورة الأنفال، الآية: ٢.
[ ١٨١ ]
لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ ١.
وأخبر سبحانه أنه لو أنزل القرآن الكريم على جبل لخشع وتصدع من خشية الله ﷿، وجعل هذا مثلًا للناس يبين لهم عظمة القرآن، فقال: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٢.
ووصفه بأنه أحسن الحديث، وأنه ثنى فيه من الآيات وردد القول فيه ليفهم، وأن جلود الأبرار عند سماعه تقشعر خشية وخوفًا، فقال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ٣.
وعاتب سبحانه المؤمنين على عدم خشوعهم عند سماع القرآن، وحذرهم من مشابهة الكفار في ذلك، فقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ٤.
فهذه الآيات المتقدمة فيها أوضح دلالة على أهمية القرآن ولزوم العناية به وعلى قوة أثره على القلوب، وأنه أعظم شيء يزيد الإيمان، سيما إذا كانت القراءة بتدبر وتأمل ومحاولة لفهم معانيه.
قال ابن القيم ﵀"وبالجملة فلا شيء أنفع للقلب من قراءة
_________________
(١) ١ سورة الإسراء، الآيات: ١٠٧، ١٠٨، ١٠٩. ٢ سورة الحشر، الآية: ٢١. ٣ سورة الزمر، الآية: ٢٣. ٤ سورة الحديد، الآية: ١٦.
[ ١٨٢ ]
القرآن بالتدبر والتفكر، فإنه جامع لجميع منازل السائرين وأحوال العاملين ومقامات العارفين وهو الذي يورث المحبة والشوق والخوف والرجاء والإنابة والتوكل والرضا والتفويض والشكر والصبر وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله وكذلك يزجر عن جميع الصفات والأفعال المذمومة التي بها فساد القلب وهلاكه.
فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها، فإذا قرأه بتفكر حتى مر بآية وهو محتاج إليها في شفاء قلبه كررها ولو مائة مرة، ولو ليلة، فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن "١.
وقال محمد رشيد رضا:"واعلم أن قوة الدين وكمال الإيمان واليقين لا يحصلان إلا بكثرة قراءة القرآن واستماعه مع التدبر بنية الاهتداء به والعمل بأمره ونهيه. فالإيمان الإذعاني الصحيح يزداد ويقوى وينمي وتترتب عليه آثاره من الأعمال الصالحة وترك المعاصي والفساد بقدر تدبر القرآن، وينقص ويضعف على هذه النسبة من ترك تدبره وما آمن أكثر العرب إلا بسماعه وفهمه، ولا فتحوا الأقطار ومصروا الأمصار، واتسع عمرانهم، وعظم سلطانهم، إلا بتأثير هدايته، وما كان الجاحدون المعاندون من زعماء مكة يجاهدون النبي ويصدونه عن تبليغ دعوة ربه إلا بمنعه من قراءة القرآن على الناس، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ مفتاح دار السعادة (ص ٢٠٤) . ٢ سورة فصلت، الآية: ٢٦.
[ ١٨٣ ]
وما ضعف الإسلام مند القرون الوسطى حتى زال أكثر ملكه إلا بهجر تدبر القرآن وتلاوته والعمل به"١.
فالقرآن الكريم هو من أعظم مقويات الإيمان، وانفع دواعي زيادته، وهو يزيد إيمان العبد من وجوه متعددة.
قال ابن سعدي:"ويقويه من وجوه كثيرة، فالمؤمن بمجرد ما يتلو آيات الله، ويعرف ما ركب عليه من الأخبار الصادقة والأحكام الحسنة يحصل له من أمور الإيمان خير كير، فكيف إذا أحسن تأمله، وفهم مقاصده وأسراره"٢.
لكن ينبغي أن يعلم أن زيادة الإيمان التي تكون بقراءة القرآن لا تكون إلا لمن اعتنى بفهم القرآن وتطبيقه والعمل به، لا أن يقرأه قراءة مجردة دون فهم أو تدبر وإلا فكم قارئ، للقرآن والقرآن حجيجه وخصيمه يوم القيامة.
فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال:"إن الله يرفع بهذا الكتاب أقومًا ويضع آخرين" ٣.
وثبت عنه ﷺ أنه قال:" والقرآن حجة لك أو عيك" ٤.
فهو حجة لك ويزيد في إيمانك إن عملت به، وحجة علبك وينقص إيمانك إن فرطت به وأهملت حدوده.
_________________
(١) ١ مختصر تفسير المنار (٣/ ١٧٠) . ٢ التوضيح والبيان لشجرة الإيمان (ص ٢٧) . ٣ رواه مسلم (١/ ٥٥٩) . ٤ رواه مسلم (١/ ٢٠٣) .
[ ١٨٤ ]
قال قنادة"لم يجالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان"١.
وقال الحسن البصري مبينًا معنى تدبر القرآن" أما والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن احدهم ليقول: لقد قرأت القرآن كله فما أسقطت منه حرفًا، وقد والله أسقطه كله ما يُرى له القرآن في خلق ولا عمل، حتى إن أحدهم ليقول: إني لأقرأ السورة في نفس والله ما هؤلاء بالقراء ولا العلماء ولا الحكماء ولا الورعة، متى كانت القراء مثل هذا لا كثر الله في الناس مثل هؤلاء"٢.
قلت: يرحم الله الحسن، وما عساه قائل لو رأى قراء زماننا هذا، الذين فتنوا بالألحان وإقامة الحروف وتزويقها، مع إهمال الحدود وتضييعها، بل وانصرفت أسماع الناس معهم عند سماع القرآن إلى إقامة الحروف وتلحينها، مع إهمال الإنصات والتدبر لكلام الله، وبكل حال لا اعتراض على تجويد القرآن وترتيله والتغني به وتحسين أدائه، وإنما الاعتراض على التكلف في إقامة الحروف والتنطع في ذلك، دون اهتمام أو مبالاة بإقامة الأوامر التي أنزل من أجلها القرآن، حتى إنك لا ترى في كثير من هؤلاء الورع القائم بحدود الله، بل ولا ترى فيهم القيام بالقرآن لا في خلق ولا في عمل.
_________________
(١) ١ رواه ابن المبارك في الزهد (ص ٢٧٢)، والآجري في أخلاق حملة القرآن (ص ٧٣)، والمرزوي في قيام الليل (ص ٧٧ مختصره)، وذكره البغوي في تفسيره (٣/ ١٣٣) . ٢ رواه عبد الرزاق في مصنفه (٣/٣٦٣) وابن المبارك في الزهد (ص ٢٧٤) والآجري في أخلاق حملة القرآن (٤١) والمرزوي في قيام الليل (عر ٧٦ مختصره) .
[ ١٨٥ ]
فتجد القارئ منهم الحافظ للقرآن المحسن في إقامة حروفه يحلق لحيته أو يطيل مئزره، بل ويهمل الصلاة إما كلية أو مع الجماعة، إلى غير ذلك من المنكرات حتى إن أحد هؤلاء والله المستعان افتتح بآيات من القرآن الكريم حفلًا غنائيًا لمرأة فاجرة، فقرأ بين يدي أغنيتها آيات من القرآن الكريم، جل كلام ربنا أن يدنسه مثل هؤلاء، وحسبي أن أقول مثل ما قال الحسن ﵀: متى كانت القراء مثل هذا لا كثر الله في الناس مثل هؤلاء.
وقال ابن العربي واصفًا قراء زمانه بانشغلهم بإقامة حروف القرآن مع إهمال حدوده، واتخاذهم لهذا العمل صناعة مع أن القرآن إنما أنزل ليعمل به قال:" ولكن لما صارت هذه القراءة صناعة، رفرفوا عليها وناضلوا عنها، وأفنوا أعمارهم- من غير حاجة إليهم- فيها، فيموت أحدهم وقد أقام القرآن كما يقام القدح لفظًا، وكسر معانيه كسر الإناء، فلم يلتئم عليه منها معنى"١.
فينبغي للمسلم قبل أن يقرأ القرآن أن يتعلم كيفية الاستفادة منه حتى يتم له الانتفاع به وقد ذكر ابن القيم ﵀ في هذا قاعدة جليلة القدر عظيمة النفع وهي:"إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه وألق سمعك واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه"٢.
قلت: فمن طبق هذه القاعدة وسار على هذا المنهج عند تلاوته
_________________
(١) ١ العواصم من القواصم (٢/ ٤٨٦) ضمن كتاب آراء أبي بكر بن الحربي الكلامية لعمار الطالبي، وانظر ما كتبه الذهبي عن أمثال هؤلاء القراء في كتابه زغل العلم (ص ٢٥- ٢٧) ولولا خشية الإطالة لنقلته لأهميته. ٢ الفوائد (ص ٥) وانظر الفتاوى لابن تيمية (٦ ١/ ٤٨- ١ ٥) و(٧/ ٢٣٦- ٢٣٧) .
[ ١٨٦ ]
للقرآن أو سماعه إياه ظفر بالعلم والعمل معًا، وزاد إيمانه وثبت ثبوت الجبال الشوامخ والله المسئول أن يوفقنا لذلك، ولكل خير.
ثم إن التفكر والتدبر في آيات الله على نوعين:"تفكر فيه ليقع على مراد الرب منه، وتفكر في معاني ما دعا عباده إلى التفكر فيه، فالأول تفكر في الدليل القرآني، والثاني تفكر في الدليل العياني، الأول تفكر في آياته المسموعة، والثاني تفكر في آياته المشهودة"١ قاله ابن القيم.
قلت: والكلام الذي ذكرته هنا هو عن التفكر في آيات الله المسموعة، أما التفكر في آياته المرئية المشهودة فسيأتي الكلام عليه قريبًا إن شاء الله.
الثاني- معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته العلى:
فإن معرفة أسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنة، والتي تدل على كمال الله المطلق من كافة الوجوه، لمن أعظم أبواب العلم التي يحصل بها زيادة الإيمان، والاشتغال بمعرفتها وفهمها والبحث التام عنها مشتمل على فوائد كثيرة وعظيمة، منها:
١- أن علم توحيد الأسماء والصفات أشرف العلوم وأجلها على الإطلاق، فالاشتعال بفهمه والبحث عنه اشتغال بأعلى المطالب، وحصوله للعبد من أشرف المواهب.
٢- أن معرفة الله تدعو إلى محبته وخشيته وخوفه ورجائه وإخلاص العمل له، وهذا عين سعادة العبد، ولا سبيل إلى معرفة الله إلا بمعرفة أسمائه وصفاته والتفقه في فهم معانيها.
_________________
(١) ١ مفتاح دار السعادة (ص ٢٠٤) .
[ ١٨٧ ]
٣- أن الله خلق الخلق ليعرفوه ويعبدوه، وهذا هو الغاية المطلوبة منهم، فالاشتغال بذلك اشتغال بما خلق له العبد، وتركه وتضييعه إهمال لما خلق له، وقبيح بعبد لم تزل نعم الله عليه متواترة، وفضله عليه عظيم من كل وجه أن يكون جاهلًا بربه معرضًا عن معرفته.
٤- أن أحد أركان الإيمان، بل أفضلها وأصلها الإيمان بالله، وليس الإيمان مجرد قوله آمنت بالله من غير معرفته بربه، بل حقيقة الإيمان أن يعرف الذي يؤمن به ويبذل جهده في معرفة أسمائه وصفاته حتى يبلغ درجة اليقين، وبحسب معرفته بربه يكون إيمانه، فكلما ازداد معرفة بربه، ازداد إيمانه، وكلما نقص نقص، وأقرب طريق يوصله إلى ذلك تدبر صفاته وأسمائه ﷾.
٥- أن العلم به تعالى أصل الأشياء كلها، حتى إن العارف به حقيقة المعرفة، يستدل بما عرف من صفاته وأفعاله على ما يفعله وعلى ما يشرعه من الأحكام، لأنه لا يفعل إلا ما هو مقتضى أسمائه وصفاته، فأفعاله دائرة بين العدل والفضل والحكمة، ولذلك لا يشرع ما يشرعه من الأحكام إلا على حسب ما اقتضاه حمده وحكمته وفضله وعدله، فأخباره كلها حق وصدق، وأوامره ونواهيه عدل وحكمة١.
ومن هذه الفوائد أن معرفة الأسماء الحسنى والصفات العلى مقتضية لآثارها من العبودية والخضوع، فلكل صفة عبودية خاصة هي من مقتضياتها، وموجبات العلم بها، والتحقق بمعرفتها، وهذا مطرد في
_________________
(١) ١ انظر تفسير ابن سعدى (١/ ٢٤-٢٦) وخلاصة تفسيره (ص ١٥) .
[ ١٨٨ ]
جميع أنواع العبودية التي على القلب والجوارح.
وبيان ذلك أن العبد إذا علم بتفرد الرب تعالى بالضر والنفع والعطاء والمنع والخلق والرزق والإحياء والإماتة فإن ذلك يثمر له عبودية التوكل عليه باطنًا، ولوازم التوكل وثمراته ظاهرًا.
وإذا علم بأن الله سميع بصير عليم لا يخفى عليه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، وأنه يعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور، فإن هذا يثمر له حفظ اللسان والجوارح وخطرات القلب عن كل ما لا يرضى الله، وأن يجعل تعلقات هذه الأعضاء بما يحبه الله ويرضاه.
وإذا علم بأن الله غني كريم بر رحيم واسع الإحسان فإن هذا يوجب له قوة الرجاء، والرجاء يثمر أنواع العبودية الظاهرة والباطنة بحسب معرفته وعلمه.
وإذا علم بكمال الله وجماله أوجب له هذا محبة خاصة وشوقًا عظيمًا إلى لقاء الله، وهذا يثمر أنواعًا كثيرة من العبادة.
وبهذا يُعلم أن العبودية كلها راجعة إلى مقتضيات الأسماء والصفات١.
فإذا عرف العبد ربه المعرفة الحقيقية المطلوبة السالمة من طرق أهل الزيغ في معرفة الله والتي تبنى على تحريف الأسماء والصفات أو تعطليها أو تكييفها أو تشبيهها، فمن سلم من هذه المناهج الكلامية
_________________
(١) ١ انظر مفتاح دار السعادة لابن القيم (ص ٤٢٤، ٤٢٥) وانظر نحوه بأوسع منه في الفوائد له (ص ١٢٨- ١٣١) .
[ ١٨٩ ]
الباطلة، التي هي في الحقيقة أعظم ما يحول بين العبد وبين معرفة ربه وأعظم ما ينقص الإيمان ويضعفه، وعرف ربه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى التي تعرف بها إلى خلقه والتي وردت في الكتاب والسنة وفهمها على منهج السلف الصالح، فقد وفق لأعظم أسباب زيادة الإيمان.
وقد صح عن النبي ﷺ الخبر أن لله تسعة وتسعين أسمًا من أحصاها كانت سببًا في دخوله الجنة.
ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:"إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدة، من أحصاها دخل الجنة" ١.
"وليس المراد بالإحصاء عدها فقط، لأنه قد يعدها الفاجر، وإنما المراد العمل بها"٢.
فلا بد من فهم الأسماء والصفات ومعرفه ما تدل عليه من معاني حتى يتسنى الاستفادة التامة بها.
قال أبو عمر الطلمنكي:"من تمام المعرفة بأسماء الله تعالى وصفاته التي يستحق بها الداعي والحافظ ما قال رسول الله ﷺ، المعرفة بالأسماء والصفات وما تتضمن من الفوائد وتدل عليه من الحقائق، ومن لم يعلم ذلك لم يكن عالمًا لمعاني الأسماء ولا مستفيدًا بذكرها ما تدل عليه من المعاني"٣.
وقد ذكر ابن القيم ﵀ لإحصائها ثلاث مراتب:
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٥/٤ ٣٥، ١١/ ٢١٤، ١٢/ ٣٧٧ فتح)، ومسلم (٤/٢٠٦٣) . ٢ فتح الباري (١١/ ٢٢٦) وهو من كلام الأصيلي. ٣ فتح الباري (١١/ ٢٢٦) .
[ ١٩٠ ]
المرتبة الأولى: إحصاء ألفاظها وعددها.
المرتبة الثانية: فهم معانيها ومدلولاتها.
المرتبة الثالثة: دعاء الله بها، وهذا شامل لدعاء العبادة ودعاء المسألة ١.
وقال ابن سعدي مبينًا معنى"أحصاها"الواردة في حديث أبي هريرة المتقدم: (أي: من حفظها وفهم معانيها واعتقدها وتعبد الله بها دخل الجنة، والجنة لا يدخلها إلا المؤمنون فعلم أن ذلك أعظم ينبوع ومادة لحصول الإيمان وقوته وثباته، ومعرفة الأسماء الحسنى هي أصل الإيمان والإيمان يرجع إليها"٢.
فمن عرف الله هذه المعرفة كان من أقوى الناس إيمانًا وأشدهم طاعة وتعبدًا لله، وأعظمهم خوفًا ومراقبة له سبحانه.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ٣.
قال ابن جرير الطبري في تفسيره لهذه الآية"يقول تعالى ذكره: إنما يخاف الله فيتقي عقابه بطاعته العلماء بقدرته على ما يشاء من شيء وأنه يفعل ما يريد، لأن من علم ذلك أيقن بعقابه على معصيته فخافه ورهبه خشية منه أن يعاقبه"٤.
وقال ابن كثير:"أي إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به، لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم العليم الموصوف بصفات الكمال
_________________
(١) ١ بدائع الفوائد (١/ ١٦٤) . ٢ التوضيح والبيان (ص ٢٦) . ٣ سورة فاطر، الآية: ٢٨. ٤ تفسير الطبري (١٢/ ١٣٢) .
[ ١٩١ ]
المنعوت بالأسماء الحسنى كلما كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل كانت الخشية له أعظم وأكثر"١.
وقد جمع هدا المعنى أحد السلف في عبارة مختصرة، فقال:"من كان بالله أعرف كان له أخوف"٢.
وقال ابن القيم ﵀:"وليست حاجة الأرواح قط إلى شيء أعظم منها إلى معرفة باريها وفاطرها، ومحبته وذكره والابتهاج به، وطلب الوسيلة إليه والزلفى عنده ولا سبيل إلى هذا إلا بمعرفة أوصافه وأسمائه فكلما كان العبد بها أعلم كان بالله أعرف وله أطلب وإليه أقرب، وكلما كان لها أنكر كان بالله أجهل وإليه أكره ومنه أبعد، والله ينزل العبد من نفسه حيث ينزله الجد من نفسه.."، ٣.
فمعرفة الله ﷿ تقوي جانب الخوف والمراقبة، وتعظم الرجاء في القلب، وتزيد في إيمان العبد، وتثمر أنواعًا كثيرة من العبادة، ولا سبيل إلى هذه المعرفة ولا طريق إليها إلا تدبر كتاب الله وما تعرف به سبحانه إلى عباده على ألسنة رسله من أسمائه وصفاته وأفعاله، وما نزه نفسه عنه مما لا يبغي له ولا يليق به سبحانه وتدبر أيامه وأفعاله في أوليائه وأعدائه التي قصها على عباده وأشهدهم إياها ليستدلوا بها على أنه إلههم الحق المبين الذي لا تنبغي العبادة إلا له، ويستدلوا بها على أنه على كل شيء قدير، وأنه بكل شيء عليم، وأنه شديد العقاب وأنه غفور رحيم وأنه العزيز الحكيم، وأنه الفعال لم يريد وأنه الذي وسع كل شيء
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير (٣/٥٥٣) . ٢ الرسالة القشيرية لأبي القاسم القشيري (ص ١٤١)، والقائل هو أبو عبد الله أحمد بن عاصم الأنطاكي، انظر ترجمته في السير (١١/ ٤٠٩) . ٣ الكافية الشافية (ص ٣، ٤) .
[ ١٩٢ ]
رحمة وعلمًا وأن أفعاله كلها دائرة ببن الحكمة والرحمة والعدل والمصلحة لا يخرج شيء منها عن ذلك، وهذه الثمرة لا سبيل إلى تحصيلها إلا بتدبر كلامه والنظر في آثار أفعاله١.
أما من خالف هذه الجادة، وتنكب هدا الصراط، وسلك طرق أهل الزيغ في معرفة الله، فما أبعده عن معرفة ربه وخالقه، بل إنه يكون أضعف الناس معرفة بالله، وأقلهم خوفًا وخشية منه.
قال ابن القيم ﵀ بعد أن بين أن تفاوت الناس في معرفة الله يرجع إلى تفاوتهم في معرفة النصوص النبوية وفهمها، والعلم بفساد الشبه المخالفة لحقائقها، قال:"وتجد أضعف الناس بصيرة أهل الكلام الباطل المذموم الذي ذمه السلف، لجهلهم بالنصوص ومعانيها، وتمكن الشبه الباطلة من قلوبهم".
ثم بيّن أن العوام أحسن حالًا من هؤلاء وأقوى معرفة بربهم منهم فقال:"وإذا تأملت حال العامة- الذين ليسوا مؤمنين عند أكثرهم- رأيتهم أتم بصيرة منهم، وأقوى إيمانًا، وأعظم تسليمًا للوحي، وانقيادًا للحق"٢.
وقد كان ﵀ نبه قبل هذا على أهمة البصيرة في توحيد الأسماء والصفات وفقهها، وفهمها على نهج السلف الصالح، وعلى أهمية الحذر من شبه أهل الكلام الباطل المفسد لهذا التوحيد.
_________________
(١) ١ انظر مفتاح دار السعادة لابن القيم (ص ٢٠٢) . ٢ مدارج السالكين (١/ ١٢٥) .
[ ١٩٣ ]
ثم ذكر كلامًا نافعًا جامعًا مؤديًا إلى هذه البصيرة، فقال:"وعقد هذا: أن يشهد قلبك الرب ﵎ مستويًا على عرشه، متكلمًا بأمره ونهيه، بصيرًا بحركات العالم علويه وسفليه، وأشخاصه وذواته، سميعًا لأصواتهم، رقيبًا على ضمائرهم وأسرارهم، وأمر الممالك تحت تدبيره، نازل من عنده وصاعد إليه، وأملاكه بين يديه تنفذ أوامره في أقطار الممالك، موصوفًا بصفات الكمال، منعوتًا بنعوت الجلال، منزهًا عن العيوب والنقائص والمثال، هو كما وصف نفسه في كتابه، وفوق ما يصفه به خلقه، حي لا يموت، قيوم لا ينام، عليم لا يخفى عليه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، بصير يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، سميع يسمع ضجيج الأصوات، باختلاف اللغات على تفنن الحاجات، تمت كلماته صدقًا وعدلًا، وجلت صفاته أن تقاس بصفات خلقه شبهًا ومثلًا، وتعالت ذاته أن تشبه شيئًا من الذوات أصلًا، ووسعت الخليقة أفعاله عدلًا، وحكمة ورحمة وإحسانًا وفضلًا، له الخلق والأمر، وله النعمة والفضل، وله الملك والحمد، وله الثناء والمجد، أول ليس قبله شيء، آخر ليس بعده شيء، ظاهر ليس فوقه شيء، باطن ليس دونه شيء، أسماؤه كلها أسماء مدح وحمد وثناء وتمجيد، ولذلك كانت حسنى، وصفاته كلها صفات كمال، ونعوته كلها نعوت جلال، وأفعاله كلها حكمة ورحمة ومصلحة وعدل، كل شيء من مخلوقاته دال عليه، ومرشد لمن رآه بعين البصيرة إليه، لم يخلق السموات والأرض وما بينهما باطلًا، ولا ترك الإنسان سدى عاطلًا، بل خلق الخلق لقيام توحيده وعبادته، وأسبغ عليهم نعمه ليتوسلوا بشكرها إلى زيادة كرامته، تعرف إلى عباده بأنواع التعرفات، وصرف لهم الآيات، ونوع لهم الدلالات، ودعاهم إلى محبته من جميع الأبواب،
[ ١٩٤ ]
ومد بينه وبينهم من عهده أقوى الأسباب، فأتم عليهم نعمه السبغة، وأقام عليهم حجته البالغة، أفاض عيهم النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وضمن الكتاب الذي كتبه أن رحمته تغلب غضبه"١.
فمن كانت معرفته لله كذلك، وتفقه في هذه البصيرة، كان من أقوى الناس إيمانًا، وأحسنهم إجلالًا وتعظيمًا ومراقبة لله ﷿، وأكثرهم طاعة وتقربًا إليه، والناس في ذلك متفاوتون فمقل ومستكثر.
الثالث- تأمل سيرة النبي الكريم ﷺ:
فإن من أسباب زيادة الإيمان النظر في سيرة النبي ﷺ ودراستها وتأمل ما ذكر فيها من نعوته الطيبة، وخصاله الكريمة، وشمائله الحميدة، فهو أمين الله على وحيه، وخيرته من خلقه، وسفيره بينه وبين عباده، المبعوث بالدين القويم، والمنهج المستقيم، أرسله الله رحمة للعالمين، وإمامًا للمتقين، وحجة على الخلائق أجمعين، أرسله على حين فترة من الرسل فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل، وافترض على العباد طاعته وتعزيره، وتوقيره ومحبته، والقيام بحقوقه، وسد دون الجنة الطرق فلن تفتح لأحد إلا من طريقه، فشرح له صدره، ورفع له ذكره، ووضع عنه وزره، وجعل الذلة والصغار على من خلف أمره بل ولا سبيل لأحد جاء بعده في نيل السعادة في الدنيا والآخرة إلا باتباعه وطاعته والسير على نهجه.
قال ابن القيم ﵀:"ومن ها هنا تعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول وما جاء به، وتصديقه فيما أخبر به، وطاعته
_________________
(١) ١ مدارج السالكين (١/١٢٤، ١٢٥)، وانظر أيضًا المدارج (٣/٢٥٢، ٢٥٣) والوابل الصيب لابن القيم (ص ١٢٥- ١٢٩) .
[ ١٩٥ ]
فيما أمر، فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح في الدنيا ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلا من جهتهم، ولا ينال رضي الله البتة إلا على أيديهم، فالطيب من الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلا هديهم وما جاءوا به، فهم الميزان الراجح الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم توزن الأقوال والأخلاق والأعمال، وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال، فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى حياتها، فأي ضرورة وحاجة فرضت، فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير.
وما ظنك بمن إذا غاب عنك هديه وما جاء به طرفة عين، فسد قلبك وصار كالحوت إذا فارق الماء، ووضع في المقلاة، فحال العبد عند مفارقة قلبه لما جاء به الرسل كهذه الحال، بل أعظم، ولكن لا يحس بهذا إلا قلب حي، وما لجرح بميت إيلام١.
وإذا كانت سعادة العبد في الدارين معلقة بهدي النبي ﷺ فيجب على كل من نصح نفسه، وأحب نجاتها وسعادتها، أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين به، ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه، والناس في هذا بين مستقل، ومستكثر، ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم"٢.
ولهذا فإن من درس السنة وتأمل في نعوت وصفات النبي ﷺ التي
_________________
(١) ١ عجز بيت للمتنبي وأوله:"من يهن يسهل الهوان عليه" من قصيدة يمدح بها أبا الحسين علي بن أحمد المري. أنظر ديوان المتنبي (ص/ ١٦٤) ط دار بيروت. ٢ زاد المعاد (١/ ٦٩، ٧٠) .
[ ١٩٦ ]
جاء ذكرها في الكتاب والسنة وكتب السير، فقد استكثر لنفسه من الخير، وازداد حبه للنبي ﷺ، وأورثته هذه المحبة المتابعة له في القول والعمل،"وأصل الأصول العلم، وأنفع العلوم النظر في سيرة الرسول وأصحابه"١.
فمن تأمل مثلًا قول الله تعالى في وصف نبيه ﷺ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.
وقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ٣.
وقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾ ٤ الآية وغيرها من الآيات.
وتأمل في السنة ما جاء عن الصحابة ﵃ في نعت
النبي ﷺ مثل:
حديث عائشة ﵂ قالت:"ما خيّر رسول الله ﷺ بين أمرين، ألا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثمًا، فإذا كان إثمًا كان ابعد الناس منه، وما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك محارم الله فينتقم لله بها"٥.
وحديث انس بن مالك ﵁ قال:"خدمنه ﷺ عشر سنين، فوالله ما قال لي أفٍّ قط، ولا قال لشيء فعلته لِمَ فعلت كذا، ولا لشيء
_________________
(١) ١ صيد الخاطر لابن الجوزي (ص ٦٦) . ٢ سورة التوبة، الآية: ١٢٨. ٣ سورة القلم، الآية: ٤. ٤ سورة آل عمران، الآية: ١٥٩. ٥ أخرجه البخاري (٦/ ٥٦٦ فتح) وملم (٤/ ١٨١٣) .
[ ١٩٧ ]
لَمْ أفعله، ألا فعلت كذا"١.
وقال ﵁""كان ﷺ أجود الناس، وأجمل الناس، وأشجع الناس"٢.
وقال ﵁:"كان رسول ﷺ أحسن الناس خلقًا"٣.
وحديث عبد الله بن عمرو ﵁:"أن رسول الله ﷺ لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا، وأنه كان يقول:"خياركم أحسنكم أخلاقًا" ٤.
وحديث أبو سعيد الخدري ﵁ قال:"كان رسول الله ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئًا عرفناه في وجهه"٥. وغيرها مما يطول ذكره.
فإن من تأمل ذلك انتفع به غاية الانتفاع، ثم إن هذا من أعظم ما يقوي المحبة في قلب المسلم لنبيه ﷺ، وزيادةُ المحبة له ﷺ زيادة في الإيمان، تورث المتابعة والعمل الصالح، وهذا من أعظم أبواب وسبل الهداية.
وقد ذكر ابن القيم ﵀، أن للهداية أسبابًا متعددة وطرقًا متنوعة، وهذا من لطف الله بعباده، لتفاوت عقولهم وأذهانهم وبصائرهم، وذكر من هذه الأسباب تأمل حال وأوصاف النبي ﷺ، وأن هذا سبب لهداية بعض الناس.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (١٠/ ٤٥٦ فتح) ومسلم (٤/ ١٨٠٥) . ٢ أخرجه البخاري (٦/ ٩٥ فتح) ومسلم (٤/ ١٨٠٢) . ٣ أخرجه مسلم (٣/ ١٦٩٢) . ٤ أخرجه البخاري (١٠/ ٤٥٦ فتح) ومسلم (٤/ ١٨١٠) . ٥ أخرجه البخاري (٦/ ٥٦٦ فتح) ومسلم (٤/١٨٠٩) .
[ ١٩٨ ]
قال ﵀:"ومنهم من يهتدي بمعرفته بحاله ﷺ وما فطر عليه من كمال الأخلاق والأوصاف والأفعال، وأن عادة الله أن لا يخزي من قامت به تلك الأوصاف والأفعال، لعلمه بالله ومعرفته به، وأنه لا يخزي من كان بهذه المثابة، كما قالت آم المؤمنين خديجة ﵂ له ﷺ:"أبشر فوالله لن يخزيك الله أبدًا إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتقرى الضيف وتعين على نوائب الحق"١"٢.
وقال ابن سعدي ﵀:"ومن طرق موجبات الإيمان وأسبابه معرفة النبي ﷺ، ومعرفة ما هو عليه من الأخلاق العالية، والأوصاف الكاملة، فإن من عرفه حق المعرفة لم يرتب في صدقه وصدق ما جاء به من الكتاب والسنة، والدين الحق، كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ٣، أي: فمعرفته ﷺ توجب للعبد المبادرة للإيمان ممن لم يؤمن، وزيادة الإيمان ممن آمن به.
وقال تعالى حاثًا لهم على تدبر أحوال الرسول الداعية للإيمان: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ ٤.
وأقسم تعالى بكمال هذا الرسول وعظمة أخلاقه، وأنه أكمل مخلوق بقوله ﴿نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ* مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ* وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ* وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ رواه البخاري (١/ ٢٣ فتح) ومسلم (١/ ١٤١) وهو جزء من حديث طويل. ٢ مفتاح دار السعادة (ص/٣٤٠) وانظره أيضًا (ص/ ٣٢٣) . ٣ سورة المؤمنون، الآية: ٦٩. ٤ سورة سبأ، الآية: ٤٦. ٥ سورة القلم، الآيات: ١- ٤.
[ ١٩٩ ]
فهو ﷺ أكبر داع للإيمان في أوصافه الحميدة، وشمائله الجميلة، وأقواله الصادقة، وأفعاله الرشيدة، فهو الإمام الأعظم والقدوة الأكمل ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ١، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٢.
وقد ذكر الله عن أولي الألباب الذين هم خواص الخلق أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ ٣ وهو هذا الرسول الكريم ﴿يُنَادِي لِلإِيمَانِ﴾ بقوله وخلقه، وعمله ودينه، وجميع أحواله ﴿فَآمَنَّا﴾ أي: إيمانًا لا يدخله ريب
إلى أن قال:"ولهذا كان الرجل المنصف الذي ليس له إرادة إلا اتباع الحق، بمجرد ما يراه ويسمع كلامه يبادر إلى الإيمان به ﷺ، ولا يرتاب في رسالته، بل كثير منهم بمجرد ما يرى وجهه الكريم يعرف أنه ليس بوجه كذاب "٤.
الرابع- تأمل محاسن الدين الإسلامي:
فإن الدين الإسلامي كله محاسن، عقائده أصح العقائد وأصدقها وأنفعها، وأخلاقه أحمد الأخلاق وأجملها، وأعماله وأحكامه أحسن الأحكام وأعدلها.
وبهذا النظر الجليل، والتأمل الجميل في محاسن هذا الدين، يزين الله الإيمان في قلب العبد، ويحببه إليه كما امتن به على خيار خلقه
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب، الآية: ٢١. ٢ سورة الحشر، الآية: ٧. ٣ سورة آل عمران، الآية: ١٩٣. ٤ التوضيح والبيان (ص/ ٢٩، ٣٠) .
[ ٢٠٠ ]
بقوله ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ١ فيكون الإيمان في القلب أعظم المحبوبات، وأجمل الأشياء، وبهذا يذوق العبد حلاوة الإيمان، ويجدها في قلبه، فيتجمل الباطن بأصول الإيمان وحقائقه، وتتجمل الجوارح بأعمال الإيمان٢.
قال ابن القيم ﵀:"وإذا تأملت الحكمة الباهرة في هذا الدين القويم والملة الحنيفية والشريعة المحمدية التي لا تنال العبارة كمالها ولا يدرك الوصف حسنها ولا تقترح عقول العقلاء ولو اجتمعت وكانت على أكمل عقل رجل منهم فوقها، وحسب العقول الكاملة الفاضلة أن أدركت حسنها وشهدت بفضلها، وأنه ما طرق العالمَ شريعةٌ أكمل ولا أجل ولا أعظم منها، فهي نفسها الشاهد والمشهود له، والحجة والمحتج له، والدعوى والبرهان ولو لم يأت الرسول ببرهان عليها لكفى بها برهانًا وآية وشاهدًا على أنها من عند الله"٣.
ولهذا فإن تأمل محاسن هدا الدين، والنظر فيما جاء فيه من أوامر ونواه، وشرائع وأحكام، وأخلاق وآداب، لمن أعظم الدواعي والدوافع للدخول فيه لمن لم يؤمن، وللإزدياد منه لمن آمن، بل إن من قوي تأمله لمحاسن هذا الدين، ورسخت قدمه في معرفته ومعرفة حسنه وكماله، وقبح ما خالفه، كان من أقوى الناس إيمانًا وأحسنهم ثباتًا عليه، وتمسكًا به.
ولهذا يقول ابن القيم ﵀:"والمقصود أن خواص الأمة،
_________________
(١) ١ سورة الحجرات، الآية: ٧. ٢ انظر التوضيح والبيان لابن سعدي (ص/ ٣٢، ٣٣) . ٣ مفتاح دار السعادة (ص ٣٢٤)، وانظر أيضًا (ص ٣٢٨ وما بعدها) .
[ ٢٠١ ]
ولبابها، لما شهدت عقولهم حسن هذا الدين وجلالته وكماله، وشهدت قبح ما خالفه ونقصه ورداءته خالط الاسمان به ومحبته بشاشة القلوب، فلو خير بين أن يلقى في النار وبين أن يختار دينًا غيره، لاختار أن يقذف في النار وتقطع أعضاؤه ولا يختار دينًا غيره، وهذا الضرب من الناس هم الذين استقرت أقدامهم في الإيمان، وهم أبعد الناس عن الارتداد عنه وأحقهم بالثبات عليه إلى يوم لقاء الله"١.
قلت: ويشهد لما قاله ابن القيم هنا، حديث أنس بن مالك ﵁ قال قال رسول الله ﷺ:"ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار"٢.
فهذا الذي ذاق حلاوة الإيمان وخالطت بشاشته سويداء قلبه، وأضاء نورًا به، واطمأن بذلك أشد الإطمئنان، لا يكاد بعد ذلك يرجع إلى الكفر والضلال، واتباع الأهواء والظنون الكاذبة بل إنه يكون من أرسخ الناس إيمانًا وأشدهم تمسكًا وثباتًا، وأقواهم تعلقًا بربه وخالقه، لأنه دخل الإسلام عن علم وقناعة ومعرفة، فعرف حسن الإسلام وبهاءه، وجودته ونقاءه، وتميزه عن غيره من الأديان، فرضيه دينًا لنفسه، وأنس به أشد الأنس، فكيف يبغي بعد ذلك غيره بدلًا، أو يطلب عنه مصرفًا، أو يروم عنه انتقالًا أو تحويلًا.
ولهذا فإن من الفوائد الجليلة المستنبطة من هذا الحديث أنه يعد
_________________
(١) ١ مفتاح دار السعادة (ص/ ٣٤٠، ٣٤١) . ٢ أخرجه البخاري (١/٦٠ فتح) ومسلم (١/ ٦٦) .
[ ٢٠٢ ]
دليلًا من أدلة أهل السنة والجماعة الكثيرة على زيادة الإيمان ونقصانه، وتفاضل أهله فيه. كما قال الوالد حفظه الله:"ومن فقه الحديث وما يستنبط منه فذكر أمورًا منها: أن في الحديث دليلًا على تفاضل الناس في الإيمان، وأنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وذلك أن من وجدت فيه الخصال الثلاث وجد حلاوة الإيمان بخلاف غيره"١.
الخامس – قراءة سيرة سلف هذه الأمة:
فإن سلف هذه الأمة أصحاب النبي ﷺ وتابعيهم بإحسان، أهل الصدر الأول من الإصلام، هم خير القرون، وحماة الإسلام، وهداة الأنام، وليوث الصدام، وأهل المشاهد والمواقف العظام، وهم حملة هذا الدين ونقلته لمن جاء بعدهم من العالمين، أقوى الناس إيمانًا وأرسخهم علمًا وأبرهم قلوبًا وأزكاهم نفوسًا، وخص منهم أصحاب النبي ﷺ الذين خصهم الله برؤية نبيه ﷺ ومتعهم بالنظر إلى طلعته، وأكرمهم بسماع صوته والأنس بحديثه، فأخذوا الدين منه غضًا طريًا، فاستحكمت به قلوبهم، واطمأنت به نفوسهم، وثبتوا عليه ثبوت الجبال.
ويكفي في بيان فضلهم أن الله خاطبهم بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ٢ والمعنى: أنهم خير الأمم، وأنفع الناس للناس.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:"خير أمتي القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم " ٣.
_________________
(١) ١ عشرون حديثًا من صحيح البخاري دراسة أسانيدها وشرح متونها للوالد الكريم الشيخ عبد المحسن العباد. (ص ١٦٨) . ٢ سورة آل عمران، الآية: ١١٠. ٣ مسلم (٤/ ١٩٦٤) وأخرجاه في الصحيحين من حديث عمران بن حصين بلفظ: (خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم..) البخاري (٧/٣ فتح) ومسلم (٤/١٩٦٤) .
[ ٢٠٣ ]
فمن تأمل حال هؤلاء الأخبار، وقرأ سيرهم، وعرفَ محاسنهم، وتأمل ما كانوا عليه من خلق عظيم، وتأسٍ بالرسول الكريم ﷺ، وتعهد للإيمان، وخوفٍ من الذنوب والمعاصي، وحذر من الرياء والنفاق، وإقبالٍ على الطاعة، وتنافسٍ في فعل الخير، وتبصرَ في حالهم وقوة إيمانهم، وشدة تعبدهم لله، وحرصِهم على طاعته، وإعراضهم عن الدنيا الفانية، وإقبالِهم على الآخرة الباقية، فإنه سيقف من خلال هذا التأمل والنظر على جمل من المحاسن وكثيرٍ من النعوت والخلال ما يدعوه إلى صدق التأسي بهم، ومحبة التحلي بنعوتهم، فذكرهم يُذكر بالله، وتأمل أحوالهم يقوى الإيمان ويجلو الفؤاد، وما أحسن ما قيل:
كرر على حدثهم يا حادي فحديثهم يجلي الفؤاد الصادي
وموضع التأمل والبحث في سير وأخبار هؤلاء الأخيار: كتب التاريخ، والسير والزهد، والرقائق، والورع، وغيرها، والاستفادة مما صح منها، فهذا التأمل والنظر يورث صاحبه حسن التشبه بهؤلاء، وكما يقول شيخ الإسلام:"ومن كان بهم أشبه كان ذلك فيه أكمل"١، ومن تشبه بقوم فهو منهم.
فهذه الأمور المتقدمة جميعها تزيد في الإيمان وتقويه، وهي مندرجة تحت العلم الشرعي المستمد من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وما كان عليه سلف هذه الأمة.
_________________
(١) ١ العبودية (ص/ ٩٤) .
[ ٢٠٤ ]
ثم إن العلوم الأخرى غير العلم الشرعي كعلم الطب والهندسة وعلم الفلك والحساب وعلم النبات، وغيرها من العلوم التي توسع الناس فيها حديثًا وأعطيت من العناية والإتمام أكثر من حقها، حتى شغلت الكثير ممن اعتنى بها عن تعلم بدائيات الدين، والأمور المعلومة منه بالضرورة فهذه العلوم أيضًا لها أثر بالغ في زيادة إيمان من اشتغل بها واعتنى بتحصيلها، إن أخلص القصد، وأراد الحق، وتجرد من الهوى. وكم من رجل آمن وازداد إيمانه بسبب اشتغاله بالطب، ووقوفه على إعجاز الله ودقة صنعه في خلق الإنسان، وما ركبه فيه من عجائب الخلق ودقة الصنع ما يبهر العقول ويحير الألباب.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ١.
وقال: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ ٢.
وقال: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ٣.
وكذلك الاشتغال بباقي العلوم الأخرى يزيد في إيمان الإنسان بحسب تفكره وتأمله وتحريه لنيل الحق، والأمر أولًا وأخيرًا بيد الله سبحانه فهو يهدي من شاء إلى صراط مستقيم.
ثم إن هذه العلوم لا تؤدي إلى زيادة الإيمان، إلا إذا صحبها تفكر وتأمل في آيات الله الباهرة وحججه الظاهر، فإن عدمت ذلك عدمت هذه الفائدة الجليلة والثمرة العظيمة ولم تنفع صاحبها هذا النفع العائد على
_________________
(١) ١سورة التين، الآية: ٤. ٢ سورة التغابن، الآية: ٣. ٣ سورة الذاريات، الآية: ٢١.
[ ٢٠٥ ]
إيمانه بالزيادة والقوة والثبات.
وهذا يبين أهمية التفكر والتأمل في آيات الله ومخلوقاته، وهو السبب الثاني من أسباب زيادة الإيمان، وهو موضوع البحث التالي.
ثانيًا- التأمل في آيات الله الكونية:
فإن التأمل فيها، والنظر في مخلوقات الله المتنوعة العجيبة، من سماء وأرض، وشمس وقمر، وكواكب ونجوم، وليل ونهار، وجبال وأشجار، وبحار وأنهار، وغير ذلك من مخلوقات الله التي لا تعد ولا تحصى، لمن أعظم دواعي الإيمان، وأنفع أسباب تقويته.
فتأمل خلق السماء وارجع البصر فيها كرة بعد كرة كيف تراها من أعظم الآيات في علوها وارتفاعها، وسعتها وقرارها بحيث لا تصعد علوًا كالنار ولا تهبط نازلة كالأجسام الثقيلة، ولا عمد تحتها، ولا علاقة فوقها، بل هي ممسوكة بقدرة الله، ثم تأمل استواءها واعتدالها، فلا صدع فيها ولا فطر ولا شق، ولا أمت ولا عوج.
ثم تأمل ما وضعت عليه من هذا اللون الذي هو أحسن الألوان، وأشدها موافقة للبصر وتقوية له.
وتأمل خلق الأرض وكيف أبدعت، تراها من أعظم آيات فاطرها وبديعها، خلقها سبحانه فراشًا ومهادًا، وذللها لعباده، وجعل فيها أرزاقهم، وأقواتهم ومعايشهم، وجعل فيها السبل لينتقلوا فيها في حوائجهم، وتصرفاتهم، وأرساها بالجبال فجعلها أوتادًا تحفظها لئلا تميد بهم، ووسع أكنافها ودحاها، فمدها وبسطها وطحاها فوسعها من جوانبها، وجعلها كفاتًا للأحياء تضمهم على ظهرها ما داموا أحياء، وكفاتًا للأموات تضمهم في بطنها إذا ماتوا، فظهرها وطن للأحياء وبطنها
[ ٢٠٦ ]
وطن للأموات.
ثم أنظر إليها وهي ميتة هامدة خاشعة فإذا أنزل الله عليها الماء اهتزت وربت، فارتفعت واخضرت وأنبتت من كل زوج بهيج، فأخرجت عجائب النبات في المنظر والمخبر، بهيج للناظرين كريم للمتناولين.
ثم تأمل كيف أحكم جوانب الأرض بالجبال الراسيات الشوامخ الصم الصلاب وكيف نصبها فأحسن نصبها. وكيف رفعها وجعلها أصلب أجزاء الأرض، لئلا تضمحل على تطاول السنين، وترادف الأمطار والرياح، بل أتقن صنعها وأحكما وضعها، وأودعها من المنافع والمعادن والعيون ما أودعها.
ثم تأمل هذا الهواء اللطيف المحبوس بين السماء والأرض يدرك بحس اللمس عند هبوبه، يدرك جسمه ولا يرى شخصه فهو يجري بين السماء والأرض والطير محلقة فيه سابحة بأجنحتها كما تسبح حيوانات البحر في الماء، وتضطرب جوانبه، وأمواجه عند هيجانه كما تضطرب أمواج البحار.
ثم تأمل كيف ينشء سبحانه بهذا الريح السحاب المسخر بين السماء والأرض فتثيره كسفًا ثم يؤلف بينه ويضم بعضه إلى بعض ثم تلقحه الريح وهي التي سماها سبحانه لواقح ثم يسوقه على متونها إلى الأرض المحتاجة إليه، فإذا علاها واستوى عليها اهراق ماءه عليها فيرسل سبحانه عليه الريح وهو في الجو فتذروه وتفرقه لئلا يؤذي ويهدم ما ينزل عليه بجملته حتى إذا رويت وأخذت حاجتها منه أقلع عنها وفارقها فهي روايا الأرض محمولة على ظهور الرياح.
ثم تأمل هذه البحار المكتنفة للأقطار التي هي خلجان من البحر
[ ٢٠٧ ]
المحيط الأعظم بجميع الأرض حتى أن المكشوف من الأرض والجبال والمدن بالنسبة إلى الماء كجزيرة صغيرة في بحر عظيم، وبقية الأرض مغمورة بالماء، ولولا إمساك الرب ﵎ له بقدرته ومشيئته وحبسه الماء لطفح على الأرض وعلاها كلها.
وتأمل الليل والنهار وهما من أعجب آيات الله كيف جعل الليل سكنًا ولباسًا يغشى العالم فتسكن فيه الحركات، وتأوي الحيوانات إلى بيوتها، والطير إلى أوكارها، وتستجم النفوس وتستريح من كد السعي والتعب حتى إذا أخذت منها النفوس راحتها وسباتها وتطلعت إلى معايشها وتصرفها جاء فالق الإصباح ﷾ بالنهار يقدم جيشه بشير الصباح، فهزم تلك الظلمة ومزقها كل ممزق وكشفها عن العالم فإذا هم مبصرون، فانتشر الحيوان وتصرف في معاشه ومصالحه، وخرجت الطيور من أوكارها، فيا له من معاد ونشأة دال على قدرة الله سبحانه على المعاد الأكبر.
وتأمل حال الشمس والقمر في طلوعهما وغروبهما لإقامة دولتي الليل والنهار، ولولا طلوعهما لبطل أمر العالم، وكيف كان الناس يسعون في معاشهم، ويتصرفون في أمورهم، والدنيا مظلمة عليهم وكيف كانوا يتهنون بالعيش مع فقد النور فـ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ ١.
وتأمل خلق الحيوانات على اختلاف صفاته وأجناسه وأشكاله
ومنافعه وألوانه وعجائبه المودعة فيه، فمنه الماشي على بطنه ومنه الماشي
١ سورة الفرقان، الآيتان: ٦١- ٦٢.
[ ٢٠٨ ]
على رجليه، ومنه الماشي على أربع، ومنه ما جعل سلاحه في رجليه وهو ذو المخالب، ومنه ما جعل سلاحه المناقير كالنسر والرخم والغراب، ومنه ما جعل سلاحه الأسنان، ومنه ما جعل سلاحه القرون يدافع عن نفسه.
وتأمل وخذ العبرة عمومًا من وضع هذا العالم وتأليف أجزائه ونظمها على أحسن نظام وأدله على كمال قدرة خالقه وكمال علمه، وكمال حكمته وكمال لطفه، فإنك إذا تأملت العالم وجدته كالبيت المبني المعد فيه جميع آلاته ومصالحه وكل ما يحتاج إليه، فالسماء سقفه المرفوع عليه، والأرض مهاده بساط وفراش ومستقر للساكن، والشمس والقمر سراجان يزهران فيه، والنجوم مصابيح له وزينة وأدلة للمتنقل في طرق هذه الدار والجواهر والمعادن مخزونة فيه، كالذخائر والحواصل المعدة المهيأة كل شيء منها لشأنه الذي يصلح له وضروب النبات مهيأة لمآربه، وصنوف الحيوان مصروفة في مصالحه فمنها الركوب ومنها الحلوب ومنها الغذاء ومنها اللباس والأمتعة والآلات، ومنها الحرس، وجعل الإنسان كالملك المخول في ذلك المحكم فيه، المتصرف بفعله وأمره ففي هذا أعظم دلالة وأقوى برهان على الخالق العليم الحكيم الخبير، الذي قدر خلقه أحسن تقدير، ونظمه أحسن تنظيم.
بل وتأمل وخذ العبرة على وجه الخصوص من خلق الله لك أيها الإنسان وتأمل في مبدأ خلقك ووسطه وآخره، فانظر بعين البصيرة، إلى أول خلقك من نطفة من ماء مهين مستقذر كيف استخرجها رب الأرباب من بين الصلب والترائب منقادة لقدرته، على ضيق طرقها واختلاف مجاريها إلى أن ساقها إلى مستقرها ومجمعها، وكيف جمع سبحانه بين الذكر والأنثى، وألقى المحبة بينهما، وكيف قادهما بسلسلة الشهوة
[ ٢٠٩ ]
والمحبة إلى الاجتماع الذي هو سبب تخليق الولد وتكوينه، وكيف قدر اجتماع ذينك الماءين مع بعد كل منهما عن صاحبه، وساقهما من أعماق العروق والأعضاء، وجمعهما في موضع واحد جعل لهما قرارًا مكينًا لا يناله هواء يفسده ولا برد يجمده ولا عارض يصل إليه، ثم قلب تلك النطفة البيضاء المشربة علقة حمراء تضرب إلى سواد، ثم جعلها مضغة لحم مخالفة للعلقة في لونها وحقيقتها وشكلها، ثم جعلها عظامًا مجردة لا كسوة عليها مباينة للمضغة في شكلها وهيئتها وقدرها وملمسها ولونها، وهكذا تتدرج أطوار خلق الإنسان إلى أن يخرج بهذه الصور التي صوره الله عليها فشق له السمع والبصر والفم والأنف وسائر المنافذ ومد اليدين والرجلين وبسطهما وقسم رؤوسهما بالأصابع، ثم قسم الأصابع بالأنامل، وركب الأعضاء الباطنة من القلب والمعدة والكبد والطحال والرئة والرحم والمثانة والأمعاء كل واحد منها له قدر يخصه ومنفعة تخصه١ فسبحان الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى القائل: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ٢.
"فجميع المخلوقات من الذرة إلى العرش سبل متصلة إلى معرفته- تعالى- وحجج بالغة على أزليته، والكون جميعه ألسن ناطقة بوحدانيته، والعالم كله كتاب يقرأ حروف أشخاصه المتبصرون على قدر
_________________
(١) ١ انظر مفتاح دار السعادة لابن القيم (ص ٢٠٥-٢٢٦) فجميع ما تقدم بدءَ من (ص ٢٠٦) منقول منه شيء من التصرف. وانظر التبيان في أقسام القرآن (ص ٢٩٥ وما بعدها) وشفاء العليل (٦٦ وما بعدها) وكلاهما لابن القيم. وانظر أيضًا العظمة لأبي الشيخ الأصبهاني (١/ ٢٠٩ وما بعدها) إلى أواخر المجلد الأول من قوله: باب الأمر بالتفكر في آيات الله ﷿ وقدرته وملكه وسلطانه وعظمته ووحدانيته. ٢ سورة الذاريات، الآية: ٢١.
[ ٢١٠ ]
بصائرهم"١.
فتأمل هذه الآيات وغيرها مما خلق الله في السموات والأرض وتدبرها وإمعان النظر وإجالة الفكر فيها من أعظم ما يعود على الإنسان بالنفع في تقوية إيمانه وتثبيته، لأنه يعرف من خلالها وحدانية خالقه ومليكه، وكماله ﷾، فيزداد حبه وتعظيمه وإجلاله له، وتزداد طاعته وانقياده وخضوعه له، وهذه من أعظم ثمرات هذا النظر.
قال ابن القيم ﵀:"وإذا تأملت ما دعى الله سبحانه في كتابه عباده إلى الفكر فيه أوقعك على العلم به ﷾، وبوحدانيته، وصفات كماله، ونعوت جلاله، من عموم قدرته وعلمه، وكمال حكته ورحمته، وإحسانه وبره ولطفه وعدله ورضاه وغضبه وثوابه وعقابه فبهذا تعرف إلى عباده وندبهم إلى التفكر في آياته"٢.
وقال ابن سعدي ﵀:"ومن أسباب الإيمان ودواعيه، التفكر في الكون في خلق السموات والأرض وما فيهن من المخلوقات المتنوعة، والنظر في نفس الإنسان وما هو عليه من الصفات فإن ذلك داع قوي للإيمان، لما في هذه الموجودات من عظمة الخلق الدال على قدرة خالقها وعظمته، وما فيها من الحسن والانتظام والإحكام الذي يحير الألباب، الدال على سعة علم الله وشمول حكمته وما فيها من أصناف المنافع والنعم الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى، الدالة على سعة رحمة الله وجوده وبره، وذلك كله يدعوا إلى تعظيم مبدعها وبارئها وشكره واللهج
١ انظر ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (١/ ٣٠٧) وهو من كلام عثمان بن مرزوق القرشي.
٢ مفتاح دار السعادة لابن القيم (ص ٢٠٤) .
[ ٢١١ ]
بذكره وإخلاص الدين له وهذا هو روح الإيمان وسره"١.
ولهذا فإن الله الكريم سجانه ندب عباده في كتاب إلى تأمل هذه الآيات والدلالات، وإلى النظر والتفكر في مواضع كثيرة منه، وذلك لكثرة منافعها للعباد وعظم عوائدها عليهم.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى. ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ ٣ والآيات بعدها.
وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ٥.
وغيرها من الآيات، وهي كثيرة في القرآن، يدعو فيها عباده إلى النظر في آياته ومفعولاته التي هي أعظم دليل على توحده وتفرده وعلى
_________________
(١) ١ التوضيح والبيان (ص٣١)، وانظر الرياض الناضرة له (ص ٢٥٨- ٢٨٠) . ٢ سورة البقرة، الآية: ١٦٤. ٣ سورة الروم، الآية:. ٢. ٤ سورة الشورى، الآية: ٢٩. ٥ سورة الغاشية، الآيات: ١٧، ١٨، ١٩، ٢٠.
[ ٢١٢ ]
قدرته ومشيئته وعلمه ﷾، وعلى بره ولطفه وكرمه، وهدا أعظم داع للعباد إلى محبة الله وشكره وتعظيمه وطاعته وملازمة ذكره، وبهذا يتبين أن النظر في الكون والتأمل فيه من أعظم أسباب الإيمان وأنفع دواعيه.
ثالثًا- ومن أسباب زيادة الإيمان وتقويته:
أن يجتهد المسلم في القيام بالأعمال الصالحة الخالصة لوجه الله تعالى وأن يكثر منها، ويداوم عليها.
فإن كل عمل يقوم به المسلم مما شرعه الله ويخلص نيته فيه يزيد في إيمانه، لأن الإيمان يزيد بزيادة الطاعات وكثرة العبادات.
ثم إن العبودية التي شرعها الله لعباده وطلب منهم القيام بها، فرضها ونفلها منقسمة على القلب واللسان والجوارح وعلى كل منها عبودية تخصه.
فمن عبودية القلب التي تخصه: الإخلاص والمحبة والتوكل والإنابة والرجاء والخوف والخشية والرهبة والرضى والصبر وغيرها من الأعمال القلبية.
ومن عبودية اللسان التي تخصه: قراءة القرآن، والتكبير والتسبيح والتهليل والاستغفار، وحمد الله والثناء عليه والصلاة والسلام على رسوله وغيرها من الأعمال التي لا تكون إلا باللسان.
ومن عبودية الجوارح التي تخصها: الصدقة والحج والصلاة والوضوء والخُطا إلى المسجد ونحوها من الأعمال التي تكون بالجوارح.
فهذه الأعمال القلبية والتي باللسان والتي بالجوارح كلها من الإيمان وداخلة في مسماه فالقيام بها والإكثار منها زيادة في الإيمان
[ ٢١٣ ]
وإهمالها وإنقاصها نقص في الإيمان.
أما أعمال القلب:
فهي في الحقيقة أصل الدين ورأس الأمر وأهم المطالب، بل إن الأعمال الظاهرة لا تقبل إن خلت من الأعمال القلبية. لأن الأعمال كلها يشترط في قبولها الإخلاص بها لله ﷿، والإخلاص عمل قلبي، ولهذا كانت الأعمال القلبية واجبة على كل أحد لا يكون تركها محمودًا في حال من الأحوال. والناس في القيام بها على ثلاث درجات كما هم في أعمال البدن على ثلاث درجات: منهم الظالم لنفسه، ومنهم المقتصد، ومنهم السابق بالخيرات١.
ولذا لزم كل مسلم أن يبدأ بتطهير قلبه وإصلاحه والعناية به، قبل أن يعتني بإصلاح ظاهره، إذ لا عبرة بصلاح الظاهر مع فساد الباطن ومتى ما أصلح المسلم قلبه بالأعمال الزاكية والإخلاص والصدق والمحبة لله تعالى ولرسوله ﷺ استقامت جوارحه وصلح ظاهره، كما في الصحيحين من حديث النعمان بن بشر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول:"..ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" ٢.
فهذا الحديث فيه أعظم إشارة إلى أن صلاح حركات العبد الظاهرة بحسب صلاح حركة قلبه وباطنه، فإن كان قلبه سليما ليس فيه إلا محبة الله ومحبة ما يحبه الله، وخشية الله وخشية الوقوع فيما يكرهه صلحت حركات جوارحه كلها، بخلاف ما إذا كان قلبه فاسدًا قد استولى
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى (١٠/ ٦) . ٢ البخاري (١/ ١٢٦ فتح) ومسلم (٣/ ١٢٢٠) .
[ ٢١٤ ]
عليه حب الهوى واتباع الشهوات وتقديم حظوظ النفس فإن من كان كذلك فسدت حركات جوارحه كلها.
ولهذا يقال: القلب ملك الأعضاء وبقية الأعضاء جنوده، وهم مع هذا جنود طائعون له منبعثون في طاعته وتنفيذ أوامره لا يخالفونه في شيء من ذلك، فإن كان الملك صالحًا كانت هذه الجنود صالحة، وإن كان فاسدًا كانت جنوده بهذه المشابهة فاسدة، ولا ينفع عند الله إلا القلب السليم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ١.
والقلب السليم هو: السالم من الآفات والمكروهات كلها وهو القلب الذي ليس فيه سوى محبة الله وخشية ما يباعد منه٢.
قال شيخ الإسلام:"ثم القلب هو الأصل، فإذا كان فيه معرفة وإرادة سرى ذلك إلى البدن بالضرورة، لا يمكن أن يتخلف البدن عما يريده القلب فإذا كان القلب صالحًا بما فيه من الإيمان علمًا وعملًا قلبيًا، لزم ضرورة صلاح الجسد بالقول الظاهر والعمل بالإيمان المطلق"٣.
ولهذا فإن من أعظم ما يزيد في إيمان الشخص الظاهر والباطن أن يجاهد نفسه مجاهدة تامة على إصلاح قلبه وعمارته بمحبة الله ﷿ ومحبة ما يحبه الله من الأقوال والأعمال.
قال ابن رجب:" فلا صلاح للقلوب حتى تستقر فيها
_________________
(١) ١ سورة الشعراء، الآيتان: ٨٨- ٨٩. ٢ انظر جامع العلوم والحكم لابن رجب (ص ٧١) . ٣ الفتاوى (٧/ ١٨٧) .
[ ٢١٥ ]
معرفة الله وعظمته ومحبته وخشيته ومهابته ورجاؤه والتوكل عليه ويمتلىء من ذلك، وهذا هو حقيقة التوحيد وهو معنى لا إله إلا الله، فلا صلاح للقلوب حتى يكون إلهها الذي تألهه وتعرفه وتحبه وتخشاه هو إله واحد لا شريك له، ولو كان في السموات والأرض إله يؤله سوى الله لفسدت بذلك السموات والأرض، كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ١ فعلم بذلك أنه لا صلاح للعالم العلوي والسفلي معًا حتى تكون حركات أهلها كلها لله، وحركات الجسد تابعة لحركة القلب وإرادته، فإن كانت حركته وإرادته لله وحده فقد صلح وصلحت حركات الجسد كله، وإن كانت حركة القلب وإرادته لغير الله فسد، وفسدت حركات الجسد بحسب فساد حركة القلب"٢.
وقد سبق أن مر معنا قول النبي ﷺ:"من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان" ٣.
"ومعنى هذا أن كل حركات القلب والجوارح إذا كانت كلها لله فقد كمل إيمان العبد بذلك باطنًا وظاهرًا، ويلزم من صلاح حركات القلب صلاح حركات الجوارح، فإذا كان القلب صالحًا ليس فيه إلا إرادة الله وإرادة ما يريده لم تنبعث الجوارح إلا فيما يريده، فسارعت إلى ما فيه رضاه، وكفت عما يكرهه وعما يخشى أن يكون مما يكره وإن لم يتيقن ذلك"٤.
فمتى ما صلحت القلوب بالإيمان والصدق والإخلاص والمحبة ولم
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء، الآية: ٢٢. ٢ جامع العلوم والحكم (ص ٧١) وانظر الوابل الصيب لابن القيم (ص ١٢) . ٣ راجع (ص ٨٣) . ٤ جامع العلوم والحكم (ص ٧٢) .
[ ٢١٦ ]
يبق فيها إرادة لغير الله، صلحت جميع الجوارح فلم تتحرك إلا لله ﷿ وبما فيه مرضاته.
والقلب لا يخلو بحال من الفكر إما في واجب آخرته ومصالحها، وإما في مصالح دنياه ومعاشه، وإما في الوساوس والأماني الباطلة والمقدرات المفروضة. وجماع إصلاح القلب أن تشغله بالفكر بما فيه صلاحه وفلاحه المحقق، ففي باب العلوم والتصورات بمعرفة ما يلزمك من التوحيد وحقوقه. وفي الموت وما بعده إلى دخول الجنة والنار، وفي آفات الأعمال وطرق التحرز منها، وفي باب الإرادات والعزوم تشغله بإرادة ما ينفعك إرادته وطرح إرادة ما يضرك إرادته١.
وإن أعظم عون للعبد على ذلك هو تكثير الشواهد النافعة في القلب، لتقوى صلته بالله، ولأن الأعمال الصالحة إنما تكون بحسب قيام هذه الشواهد في القلب وكثرتها.
قال ابن القيم ﵀:"ونحن نشير بعون الله وتوفيقه إلى الشواهد إشارة يعلم بها حقيقة الأمر:
فأول شواهد السائر إلى الله والدار الآخرة، أن يقوم به شاهد من الدنيا وحقارتها، وقلة وفائها، وكثرة جفائها، وخسة شركائها، وسرعة انقضائها فإذا قام بالعبد هذا الشاهد منها، ترحل قلبه عنها، وسافر في طلب الدار الآخرة، وحينئذ يقوم بقلبه شاهد من الآخرة ودوامها، وأنها هي الحيوان حقًا، فأهلها لا يرتحلون منها، ولا يظعنون عنها بل هي دار القرار، ومحط الرحال ومنتهى السير.. ثم يقوم بقلبه شاهد من النار وتوقدها واضطرامها، ويعد قعرها، وشدة حرها وعظيم عذاب
_________________
(١) ١ انظر الفوائد لابن القيم (ص ٣١٠، ٣١١) .
[ ٢١٧ ]
أهلها، فيشاهدهم وقد سبقوا إليها سود الوجوه زرق العيون والسلاسل والأغلال في أعناقهم فلما انتهوا إليها فتحت في وجوههم أبوابها فشاهدوا ذلك المنظر الفظيع، وقد تقطعت قلوبهم حسرة وأسفًا فإذا قام بقلب العبد هذا الشاهد انخلع من الذنوب والمعاصي واتباع الشهوات، ولبس ثياب الخوف والحذر وعلى حسب قوة هذا الشاهد يكون بعده من المعاصي والمخالفات، فيذيب هذا الشاهد من قلبه الفضلات والمواد المهلكة، وينضجها نم يخرجها، فيجد القلب لذة العافية وسرورها.
فيقوم به بعد ذلك شاهد الجنة، وما أعد الله لأهلها فيها، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فضلًا عما وصفه الله لعباده على لسان رسوله من النعيم المفصل، الكفيل بأعلى أنواع اللذة، من المطاعم والمشارب والملابس والصور، والبهجة والسرور.
فيقوم بقلبه شاهد دار قد جعل الله النعيم المقيم بحذافبره فيها، تربتها المسك، وحصباؤها الدر، وبناؤها لبن الذهب والفضة، وقصب اللؤلؤ، وشرابها أحلى من العسل وأطيب رائحة من المسك، وأبرد من الكافور وألذ من الزنجبيل، ونساؤها لو برز وجه إحداهن في هذه الدنيا لغلب على ضوء الشمس، ولباسهم الحرير من السندس والإستبرق، وخدمهم ولدان كاللؤلؤ المنثور، وفاكهتهم دائمة، لا مقطوعة ولا ممنوعة، وفرش مرفوعة، وغذاؤهم لحم طير مما يشتهون، وشرابهم عليه خمرة لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون، وخضرتهم فاكهة مما يتخيرون، وشاهدهم حور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون، فهم على الأرائك متكئون، وفي تلك الرياض يحبرون، وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، وهم
[ ٢١٨ ]
فيها خالدون.
فإذا انضم إلى هذا الشاهد: شاهد يوم المزيد، والنظر إلى وجه الرب ﷻ، وسماع كلامه، منه بلا واسطة فإذا انضم هذا الشاهد إلى الشواهد التي قبله فهناك سير القلب إلى ربه أسرع من سير الرياح في مهابها فلا يلتفت في طريقه يمينًا ولا شمالًا "١.
فإذا قامت مثل هذه الشواهد في قلب العبد وأعمل فكره فيها، كانت أعظم عون له على تطهير قلبه وتنزيهه من الأوصاف المذمومة والإرادات السافلة، وعلى تخليته وتفريغه من التعلق بغير الله سبحانه، وكانت أعظم باعث له على العبادة والمحبة والخشية والإنابة والافتقار لله تعالى.
والمقصود أن أعظم باعث للإيمان، وأنفع مقوياته وأهم أسباب زيادته ونمائه هو إصلاح القلب بالإيمان وبالحب لله ولرسوله ولما يحبه الله ورسوله ﷺ، وتطهيره مما يخالف هذا ويناقضه. والله الموفق.
وأما أعمال اللسان: كذكر الله ﷿ وحمده والثناء عليه وقراءة كتابه والصلاة والسلام على رسول الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتسبيح والاستغفار والدعاء وغير ذلك من الأعمال التي تكون باللسان، فلا شك أن القيام بها والمداومة عليها والإكثار منها من أعظم أسباب زيادة الإيمان.
قال الشيخ ابن سعدي ﵀:"ومن أسباب دواعي الإيمان الإكثار من ذكر الله كل وقت، ومن الدعاء الذي هو مخ العبادة.
_________________
(١) ١ مدارج السالكين (٣/ ٢٥٠- ٢٥٢) .
[ ٢١٩ ]
فإن الذكر لله يغرس شجرة الإيمان في القلب، ويغذيها وينميها، وكلما ازداد العبد ذكرًا لله قوي إيمانه، كما أن الإيمان يدعو إلى كثرة الذكر، فمن أحب الله أكثر من ذكره، ومحبة الله هي الإيمان بل هي روحه"١.
وقد ذكر ابن القيم في كتابه الوابل الصيب أن للذكر مائة فائدة، عدد منها ثلاثًا وسبعين فائدة٢: منها أنه يطرد الشيطان، ويرضي الرحمن، ويزيل الهم والغم، ويجلب الفرح والسرور، ويقوي القلب والبدن، وينور الوجه والقلب، ويجلب الرزق، وغير ذلك مما ذكره ﵀ من الفوائد العظيمة التي تنال بذكر الله ﷿ ولا شك أن أعظم فوائد ذكر الله وأنفعها أنه يزيد في الإيمان ويقويه ويثبته ولهذا فقد ورد في الكتاب والسنة نصوص كثيرة في الأمر به والحث على الإكثار منه، وبيان فضله وأهميته: قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ ٥ الآية. وقال تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ التوضيح والبيان (ص ٣٢) . ٢ انظر الوابل الصيب (ص ٨٤ وما بعدها) . ٣ سورة الجمعة، الآية: ١٠. ٤ سورة الأحزاب، الآية: ٣٥. ٥ سورة الأنفال، الآية: ٢. ٦ سورة الرعد، الآية: ٢٨.
[ ٢٢٠ ]
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال:"كان رسول الله ﷺ يسير في طريق مكة، فمر على جبل يقال له جُمدان، فقال: سيروا، هذا جمدان، سبق المفردون، قيل: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات" ١.
وعن أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال:"ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأرضاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والورق، ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: وما ذاك؟ يا رسول الله. قال: ذكر الله" ٢.
وذكر عبد الله بن بسر أن رجلًا قال: يا رسول الله إن شرائع الإيمان قد كثرت علي، فأخبرني بشيء أتشبث به، قال:"لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله تعالى" ٣.
_________________
(١) ١ مسلم (٤/ ٢٠٦٢) . ٢ رواه أحمد (٥/ ١٩٥) وابن ماجه (٢/ ١٢٤٥) والترمذي (٥/ ٤٥٩) والطبراني في الدعاء (٣/ ١٦٣٦) والحاكم (١/ ٤٩٦) وأبو نعيم في الحلية (٢/ ١٢) والبغوي في شرح السنة (٥/ ١٥) وذكر. المنذري في الترغيب والترهيب (٢/٣٩٥) من طرق عن زياد بن أبي زياد عن أبي بحرية عن ابي الدرداء مرفوعًا وقال الحاكم:"وهذا حديت صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال ابن عبد البر:"وهذا يروى مسندًا من طرق جيدة" التمهيد (٦/٥٧) وحسن إسناده البغوي والمنذري. ٣ رواه ابن أبي شيبة (١٠/ ٣٠١) و(١٣/ ٤٥٧) والترمذي (٥/ ٤٥٨) وابن ماجة (٢/ ١٢٤٦) والحاكم (١/ ١٩٥) عن زيد بن حباب عن معاوية بن صالح عن عمرو بن قيس عن عبد الله بن بسر وقال الترمذي:"حديت حسن غريب من هذا الوجه"، وقال الحاكم"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"ووافقه الذهبي. ورواه أحمد في المسند (٤/١٩٠) وفي الزهد (ص/ ٦٢) وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٥١) عن عبد الرحمن بن مهدي. ورواه ابن حبان (٢/ ٩٢ الإحسان) عن عبد الله بن وهب. ورواه البيهقي في سننه (٣/ ٣٧١) عن) أبي صالح كاتب الليث. كلهم عن معاوية بن صالح عن عمرو بن قيس الكندي. قلت: رجال إسناده ثقات، غير معاوية بن صالح: صدوق له أوهام كما في التقريب (٢/ ٢٥٩) وأخرج له مسلم، رقد توبع عليه. فرواه أحمد (٤/١٨٨) من طريق علي بن عياش عن حسان بن نوح عن عمرو بن قيس به. ورواه ابن المبارك في الزهد (ص ٣٢٨) من طريق إسماعيل بن عياش عن عمرو بن قيس به. ورواه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٤١٦) من طريق أيوب بن سعيد السكوني عن عمرو بن قيس به. وفي الباب عن معاذ بن جبل ﵁، وفيه أنه السائل عن ذلك أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (ص ١٢) وابن حبان (٢/ ٩٣ الإحسان) والطبراني في الكبير (٢٠/ ١٠٦) من طريق الوليد بن مسلم عن ابن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن جبير بن نفير عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل قال: سألت رسول الله ﷺ أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال:"أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله" ورواه البزار من طريق ابن ثوبان به (٤/ ٣ كشف الأستار) بلفظ أخبرني بأفضل الأعمال وأقربها إلى الله قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٧٤):"وإسناد حسن".
[ ٢٢١ ]
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:"يقول الله ﵎:"أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم.." ١ الحديث.
وغيرها من النصوص، الدالة على فضل الذكر وأهميته، وفضل
_________________
(١) ١ رواه البخاري (١٣/ ٣٨٤ فتح) ومسلم (٤/ ٢٠٦١) .
[ ٢٢٢ ]
ألاشتغال به.
فإن أعرض الإنسان عن هذا كله ولم يشغل لسانه بذكر الله ﷿ اشتغل لسانه بغير ذلك من الغيبة والنميمة والسخرية والكذب والفحش، لأن العبد لا بد له أن يتكلم، فإن لم يتكلم بذكر الله تعالى وذكر أوامره تكلم بهذه الأمور.
قال ابن القيم:"فإن اللسان لا يسكت البتة، فإما لسان ذاكر، وإما لسان لاغ، ولا بد من أحدهما، فهي النفس إن لم تشغلها بالحق، شغلتك بالباطل، وهو القلب، إن لم تسكنه محبة الله ﷿، سكنته محبة المخلوقين ولا بد، وهو اللسان، إن لم تشغله بالذكر، شغلك باللغو، وهو عليك ولا بد، فاختر لنفسك إحدى الخطتين، وأنزلها في إحدى المنزلتين"١.
وأما أعمال الجوارح: من صلاة وصيام وحج وصدقة وجهاد وغير ذلك من الطاعات، فهي كذلك من أسباب زيادة الإيمان، فالاجتهاد في القيام بالطاعات التي افترضها الله على عباده، وبالقربات التي ندب عباده إليها، والإتيان بها على أحسن الوجوه وأكملها من أعظم أسباب قوة الإيمان وزيادته.
قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ
_________________
(١) ١ الوابل الصيب (ص ١٦٦، ١٦٧)، وانظر أيضًا (ص ٨٧) منه.
[ ٢٢٣ ]
هُمُ الْوَارِثُونَ* الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ١.
فهذه الصفات الثمان، كل واحدة منها تثمر الإيمان وتنميه، كما أنها من صفات الإيمان وداخلة في تفسيره.
فحضور القلب في الصلاة، وكون المصلى يجاهد نفسه في استحضار ما يقوله ويفعله من القراءة والذكر والدعاء فيها، ومن القيام والقعود، والركوع والسجود من أسباب زيادة الإيمان ونموه.
وقد سمى الله الصلاة إيمانًا بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ ٢ وقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ ٣ فهي أكبرناه عن كل فحشاء ومنكر ينافى الإيمان، كما أنها تحتوي على ذكر الله الذي يغذي الإيمان وينميه، لقوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ .
والزكاة كذلك تنمى الإيمان وتزيده، وهي فرضها ونفلها، كما قال النبي ﷺ:"والصدقة برهان" ٤ أي: على إيمان صاحبها، فهي دليل الإيمان وتغذيه وتنميه.
والإعراض عن اللغو الذي هو كل كلام لا خير فيه، وكل فعل لا خير فيه، بل يقولون الخير ويفعلونه، ويتركون الشر قولا وفعلا، لا شك أنه من الإيمان ويزداد به الإيمان، ويثمر الإيمان.
_________________
(١) ١ سورة المؤمنون، الآيات: ١- ١١. ٢ سورة البقرة، الآية: ١٤٣. ٣ سورة العنكبوت، الآية: ٤٥. ٤ جزء من حديث أخرجه مسلم (١/٢٠٣) من حديث أبي مالك الأشعري ﵁.
[ ٢٢٤ ]
ولهذا كان الصحابة ﵃ ومن بعدهم إذا وجدوا غفلة أو تشعث إيمانهم، يقول بعضهم لبعض:"اجلس بنا نؤمن ساعة"١.
فيذكرون الله، ويذكرون نعمه الدينية والدنيوية، فيتجدد بذلك إيمانهم.
وكذلك العفة عن الفواحش خصوصًا فاحشة الزنا، لا ريب أن هذا من أكبر علامات الإيمان ومنمياته، فالمؤمن لخوفه مقامه بين يدي ربه ﴿نهى النفس عن الهوى﴾ إجابة لداعي الإيمان وتغذية لما معه من الإيمان.
ورعاية الأمانات والعهود وحفظها من علائم الإيمان، وفي الحديث "لا إيمان لمن لا أمانة له" ٢ وإذا أردت أن تعرف إيمان العبد ودينه، فانظر حاله هل يرعى الأمانات كلها حالية أو قولية، أو أمانات الحقوق؟ وهل يرعى الحقوق والعهود والعقود التي بينه وبين الله والتي بينه وبين العباد؟ فإن كان كذلك فهو صاحب دين وإيمان، وإن لم يكن كذلك نقص من دينه وإيمانه بمقدار ما انتقص من ذلك.
وختمها بالمحافظة على الصلوات على حدودها وحقوقها. وأوقاتها، لأن المحافظة على ذلك بمنزلة الماء الذي يجري على بستان الإيمان، فيسقيه وينميه، ويؤتي أكله كل حين.
وشجرة الإيمان محتاجة إلى تعاهدها كل وقت بالسقي وهو
_________________
(١) ١ تقدم تخريج مثل هذا القول بلفظه وبمعناه عن بعض الصحابة مثل: عمر بن الخطاب، ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن رواحة ﵃ في مبحث أقوال السلف في زيادة الإيمان ونقصانه، فليراجع. ٢ تقدم تخريجه، وهو من حديث أنس ﵁.
[ ٢٢٥ ]
المحافظة على أعمال اليوم والليلة من الطاعات والعبادات وإلى إزالة ما يضرها من الصخور والنوابت الغريبة الضارة، وهو العفة عن المحرمات قولا وفعلا فمتى تمت هذه الأمور حيي هذا البستان وزها، وأخرج الثمار المتنوعة"١.
وبهذا البيان يتضح لنا شدة أثر الأعمال الصالحة في زيادة الإيمان، وأن القيام بها والإكثار منها سبب عظيم من أسباب زيادته.
قال شيخ الإسلام:"وكمال الإيمان هو فعل ما أمر الله به ورسوله، وترك ما نهى الله عنه ورسوله، فإذا ترك بعض المأمور وعوض عنه ببعض المحظور كان في ذلك من نقص الإيمان بقدر ذلك"٢.
فالصلاة إيمان، والحج إيمان، والصدقة إيمان، والجهاد إيمان الطاعات التي أمر الله بها عباده إيمان، فإذا فعلها الصد ازداد عنده الإيمان، وكان فعله لها سببا في زيادة إيمانه، بشرط الإخلاص والمتابعة.
قال الشيخ محمد العثيمين حفظه الله:"ولزيادة الإيمان أسباب منها - فعل الطاعة فإن الإيمان يزداد به بحسب حسن العمل، وجنسه، وكثرته، فكلما كان العمل أحسن كانت زيادة الإيمان به أعظم، وحسن العمل يكون بحسب الإخلاص والمتابعة، وأما جنس العمل فإن الواجب أفضل من المسنون وبعض الطاعات أوكد وأفضل من البعض الآخر وكلما كانت الطاعة أفضل كانت زيادة الإيمان بها أعظم، وأما كثرة العمل فإن الإيمان يزداد بها لأن العمل من الإيمان فلا جرم أن يزيد
_________________
(١) ١ التوضيح والبيان لابن سعدي (٣٤- ٣٦) بتصرف يسير. ٢ الفتاوى لابن تيمية (٢٧/ ١٧٢) .
[ ٢٢٦ ]
بزيادته"١.
وقد سبق نقل إجماع السلف في الإيمان أنه قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وسبق ذكر جملة من أقوالهم في ذلك في مبحث مستقل فأغنى عن إعادته.
ثم إن من أعظم الأعمال الصالحة التي تزيد في الإيمان- غير ما تقدم-: الدعوة إلى الله، ومجالسة أهل الخير، ولأهمية هذين الأمرين ولعظم نفعهما في زيادة الإيمان لزم الحديث عنهما هنا.
أما الدعوة إلى الله تعالى والى دينه، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، والدعوة إلى أصل الدين، والدعوة إلى التزام شرائعه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصح للمسلمين فإن ذلك من دواعي الإيمان وأسبابه، وبه يكمل العبد نفسه، ويكمل غيره، كما أقسم تعالى بالعصر أن جنس الإنسان- لفي خسر، إلا من اتصف بصفات أربع: الإيمان والعمل الصالح اللذين بهما تكميل النفس، والتواصي بالحق الذي هو العلم النافع والعمل الصالح والدين الحق، وبالصبر على ذلك كله، وبهما يكمل غيره.
وذلك أن نفس الدعوة إلى الله والنصيحة لعباده، من أكبر مقويات الإيمان، وصاحب الدعوة لا بد أن يسعى بنصر هذه الدعوة، ويقيم الأدلة والبراهين على تحقيقها، ويأتي الأمور من أبوابها، ويتوسل إلى الأمور من طرقها، وهذه الأمور من طرق الإيمان وأبوابه.
قال شيخ الإسلام:"وسبب الإيمان وشعبه يكون تارة من العبد، وتارة من غيره، مثل من يقيض له من يدعوه إلى الإيمان، ومن يأمره
_________________
(١) ١ فتح رب البرية (ص ٦٥) .
[ ٢٢٧ ]
بالخير، وينهاه عن الشر، ويبين له علامات الدين وحججه وبراهينه وما يعتبره وينزل به ويتعظ به، وغير ذلك من الأسباب"١.
وأيضًا فإن الجزاء من جنس العمل، فكما سعى إلى تكميل العباد ونصحهم وتوصيتهم بالحق، وصبر على ذلك لا بد أن يجازيه الله من جنس عمله، ويؤيده بنور منه وروح وقوة وإيمان، وقوة التوكل فإن الإيمان وقوة التوكل على الله يحصل به النصر على الأعداء من شياطين الإنس وشياطين الجن، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ٢.
وأيضًا فإنه متصد لنصر الحق، ومن تصدى لشيء فلا بد أن يفتح عليه فيه من الفتوحات العلمية والإيمانية بمقدار صدقه وإخلاصه٣.
فينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يلتزم بالصدق والإخلاص في أمره ونهيه، حتى يؤتي أكله، ويثمر الإيمان الخالص فيه وفي المدعوين، وأن يلتزم في دعوته بالحكمة والرفق، والصبر على المدعوين، والعلم بما يدعوهم إليه٤ فإن تحققت فيه هذه الأوصاف أثمرت دعوته ونفعت بإذن الله، وكانت سببًا لقوة إيمانه وقوة إيمان المدعوين.
أما مجالسة أهل الخير وملازمتهم ومرافقتهم والحرص على الاستفادة منهم، فهو سبب عظيم من أسباب زيادة الإيمان، لما يكون في تلك
_________________
(١) ١ الفتاوى (٧/٦٥٠) . ٢ سورة النحل، الآية: ٩٩. ٣ انظر التوضيح والبيان لابن سعدي (٣٦، ٣٧) . ٤ انظر الفتاوى (٢٨/ ١٣٧) .
[ ٢٢٨ ]
المجالس من التذكير بالله والتخويف منه سبحانه ومن عذابه والترغيب والترهيب وغير ذلك من الأمور التي هي من أعظم أسباب زيادة الإيمان، كما قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى﴾ ٢.
فهذا يدل على أن أصحاب القلوب المؤمنة تستفيد من التذكير وتستفيد من مجالس الذكرى أعظم الاستفادة ويحدث لهم ذلك نشاطا وهمة، ويوجب لهم الانتفاع والارتفاع، بخلاف مجالس اللهو والغفلة فإنها من أعظم أسباب نقص الإيمان واضمحلاله.
ولهذا كان سلفنا الصالح أشد الناس عناية بمجالس الذكر، وأشدهم بعدًا عن مجالس اللهو والغفلة، وقد مر معنا من أقوالهم ما يدل على ذلك الشيء الكثير مثل أثر عمير بن حبيب الخطمي ومعاذ بن جبل﵄- وغيرهما.
وسبب أخير نختم به هذه الأسباب ينبغي العناية به وعدم اغفاله وهو أن يعود المسلم نفسه ويوطنها على مقاومة جميع ما من شأنه إنقاص الإيمان أو إضعافه أو الذهاب به"فإنه كما أنه لا بد في الإيمان من فعل جميع الأسباب المقوية المنمية له فلا بد مع ذلك من دفع الموانع والعوائق وهي الإقلاع عن المعاصي والتوبة مما يقع منها، وحفظ الجوارح كلها عن المحرمات، ومقاومة فتن الشبهات المضعفة لإرادات الإيمان التي أصلها الرغبة في الخير ومحبته، والسعي فيه لا تتم إلا بترك إرادات ما ينافيها من رغبة النفس في الشر ومقاومة النفس الأمارة بالسوء، فمتى حفظ العبد من
_________________
(١) ١سورة الذاريات، الآية: ٥٥. ٢ سورة الأعلى، الآيات: ٩-١١.
[ ٢٢٩ ]
الوقوع في فتن الشبهات، وفتن الشهوات ثم إيمانه وقوي يقينه"١.
_________________
(١) ١ التوضيح والبيان لابن سعدي (ﷺ ٣٧) .
[ ٢٣٠ ]
المبحث الثاني
أسباب نقص الإيمان
كان الحديث في المبحث السابق عن أسباب زيادة الإيمان، أما الحديث هنا فسيكون عن أسباب نقصه، إذ إن الإيمان كما أن له أسبابًا تزيده وتنميه، فكذلك له أسباب تنقصه وتضعفه، وكما أن المسلم مطالب بمعرفة أسباب زيادة الإيمان ليطبقها، فهو كذلك مطالب بمعرفة أسباب نقصه ليحذرها، من باب:
عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه
ومن لم يعرف الشر من الناس يقع فيه
وقد ثبت في الصحيحين عن حذيفة بن اليمان ﵄ أنه قال:"كان الصحابة يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني"١.
وقال ابن الجوزي:"فإن في تعريف الشر تحذيرا عن الوقوع فيه"٢.
فتعلم أسباب نقص الإيمان، ومعرفة عوامل ضعفه، وطرق الوقاية منها أمر مطلوب لا بد من العناية به، بل إن تعلمها لا يقل أهمية عن تعلم أسباب زيادة الإيمان.
_________________
(١) ١ البخاري (٨/ ٩٣) ومسلم (٣/١٤٧٥) . ٢ تلبيس إبليس (ص ٤) وانظر الفتاوى لابن تيمية (١٠/٣٠١ وما بعدها) .
[ ٢٣١ ]
وقبل الشروع في ذكر أسباب نقص الإيمان وبيانها، أود أن أشير إلى أن عدم تعاهد أسباب زيادة الإيمان، وإهمال تقويته، وترك العناية بذلك، يعد سببًا من أسباب نقص الإيمان، فإهمال الأمور التي سبقت الإشارة إليها في المبحث السابق، وعدم الاعتناء بها، يضعف الإيمان وينقصه، فكما أن المحافظة عليها سبب في الزيادة، فإهمالها سبب في النقص.
قال الشيخ محمد العثيمين:"وأما نقص الإيمان فله أسباب فذكر أمورًا منها: ترك الطاعة فإن الإيمان ينقص به، والنقص به على حسب تأكد الطاعة، فكلما كانت الطاعة أوكد كان نقص الإيمان بتركها أعظم، وربما فقد الإيمان كله كترك الصلاة"١ يدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ٢. فهذا النص القرآني الكريم يدل على أهمية الطاعة والمحافظة عليها، وأن هذا من أعظم أسباب تزكية النفس، ويدل أيضًا بالمقابل على خطورة إهمال الطاعة، والوقوع في المعصية، وأن هذا من أعظم أسباب الخيبة والخسران.
قال ابن جرير الطبري ﵀ في تفسيره: قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ يقول:"قد أفلح من زكى نفسه، فكثر تطهيرها من الكفر والمعاصي، وأصلحها بالصالحات من الأعمال ".
ثم روى عن السلف من الآثار ما يؤيد ذلك: فروى عن قتادة أنه قال:"من عمل خيرًا زكاها بطاعة الله".
_________________
(١) ١ فتح رب البرية (٦٦) . ٢ سورة الشمس، الآيتان: ٩- ١٠.
[ ٢٣٢ ]
وروى عنه أيضًا أنه قال:"قد أفلح من زكى نفسه بعمل صالح".
وروى عن ابن زيد أنه قال:"قد أفلح من زكى الله نفسه".
وروى عن مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾، قالوا: من أصلحها"١.
ونقل ابن القيم عن الحسن البصري أنه قال:"قد أفلح من زكى نفسه فأصلحها وحملها على طاعة الله تعالى، وقد خاب من أهلكها وحملها على معصية الله تعالى".
ونقل عن ابن قتيبة أنه قال:"يريد: أفلح من زكى نفسه، أي نماها وأعلاها بالطاعة والبر والصدق، واصطناع المعروف"٢.
أما قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ فيقول ابن جرير في تفسيرها:"يقول تعالى ذكره: وقد خاب في طلبته، فلم يدرك ما طلب والتمس لنفسه من الصلاح من دساها، يعني من دسس الله نفسه فأخملها، ووضع منها بخذلانه إياها عن الهدى حتى ركب المعاصي وترك طاعة الله
ثم نقل عن مجاهد أنه قال: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ أي أغواها، وعن سعيد بن جبير أنه قال: أي أضلها، وعن قتادة أنه قال: أي أثمها وأفجرها"٣.
وقال ابن القيم ﵀:"أي: نقصها وأخفاها بترك عمل البر
_________________
(١) ١ تفسير الطبري (١٥/ ٣١١، ٢١٢) . ٢ إغاثة اللهفان (١/ ٦٥) . ٣ تفسير الطبري (١٥/ ٢١٢، ٢١٣) .
[ ٢٣٣ ]
وركوب المعاصي، والفاجر أبدًا خفي المكان، زمن المروءة، غامض الشخص، ناكس الرأس، فمرتكب الفواحش قد دس نفسه وقمعها"١.
فمن زكى نفسه بفعل الأوامر واجتناب النواهي فقد فاز وأفلح، ومن دس نفسه بترك الأوامر وفعل النواهي فقد خسر وخاب.
أما أسباب نقص الإيمان، وعوامل ضعفه فكثيرة ومتنوعة، إلا أنها في جملتها تنقسم إلى قسمين: أسباب داخلية، وأسباب خارجية، وتحت كل قسم منها عدة عوامل:
_________________
(١) ١ إغاثة اللهفان (١/٦٥) وانظر التبيان في أقسام القرآن لابن القيم (ص٢١) .
[ ٢٣٤ ]
أما القسم الأولى
فهو الأسباب الداخلية أو العوامل الذاتية التي لها تأثير في الإيمان بالنقض.
وهي عدة عوامل:
أولًا- الجهل وهو ضد العلم:
فهذا من أعظم أسباب نقص الإيمان، كما أن العلم من أعظم أسباب زيادته، فالمسلم العالم لا يؤثر محبة وفعل ما يضره ويشقى به ويتألم به على ما فيه نفعه وفلاحه وصلاحه، أما الجاهل فإنه لفرط جهله وقلة علمه فإنه قد يؤثر مثل هذه الأشياء على ما فيه فلاحه وصلاحه، وذلك لانقلاب الموازين عنده ولضعف التصور فيه، فالعلم أصل لكل خير، والجهل أصل لكل شر.
ومحبة الظلم والعدوان وارتكاب الفواحش واقتراف المناهي سببه الأول هو الجهل وفساد العلم، أو فساد القصد، وفساد القصد من فساد العلم، فالجهل وفساد العلم هو السبب الرئيس والأول في فساد الأعمال ونقص الإيمان.
قال ابن القيم:"وقد قيل: إن فساد القصد من فساد العلم وإلا فلو علم ما في الضار من المضرة ولوازمها حقيقة العلم لما آثره، ولهذا من علم من طعام شهي لذيذ أنه مسموم فإنه لا يقدم عليه، فضعف علمه بما في الضار من وجوه المضرة، وضعف عزمه عن اجتناب ما يوقعه في ارتكابه، ولهذا كان الإيمان بحسب ذلك، فإن المؤمن بالنار حقيقة
[ ٢٣٥ ]
الإيمان حتى كأنه يراها، لا يسلك طريقها الموصلة إليها، فضلًا عن أن يسعى فيها بجهده، والمؤمن بالجنة حقيقة الإيمان لا تطاوعه نفسه أن يقعد عن طلبها، وهذا أمر يجده الإنسان في نفسه فيما يسعى فيه في الدنيا من المنافع، أو التخلص منه من المضار"١.
فالنفس تهوى ما يضرها ولا ينفعها لجهلها بمضرته ولهذا فإن من يتأمل القران الكريم، يجد فيه أعظم إشارة إلى أن الجهل هو سبب الذنوب والمعاصي.
قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ * أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ ٥.
وغيرها من النصوص الدالة على أن ما وقع فيه الناس من شرك وكفر وفجور وارتكاب للمعاصي أعظم أسبابه الجهل بالله وبأسمائه وصفاته وبثوابه وعقابه.
_________________
(١) ١ إغاثة اللهفان (٢/١٣٣) . ٢ سورة الأعراف، الآية: ٣٨. ٣ سورة النمل، الآيتان: ٥٤- ٥٥. ٤ سورة الزمر، الآية: ٦٤. ٥ سورة الأحزاب، الآية: ٣٣.
[ ٢٣٦ ]
ولهذا فإن كل من عصى الله واقترف شيئًا من الذنوب فهو جاهل، كما جاء ذلك عن السلف الصالح في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ١ وقوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢. وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٣.
ومعنى قوله بجهالة في الآيات أي جهالة من فاعلها بعاقبتها وإيجابها لسخط الله وعقابه وجهل منه لنظر الله ومراقبته له، وجهل منه بما تأول منه من نقص الإيمان أو عدمه، فكل عاص لله فهو جاهل بهذا الاعتبار، وإن كان عالما بالتحريم، بل العلم بالتحريم شرط لكونها معصية معاقبًا عليها٤.
وبنحو هذا التفسير للآية قال جماعة من السلف، وروى جملة منها الطبري في تفسيره:
فروى عن أبي العالية أنه كان يحدث أن أصحاب رسول اللهﷺ، كانوا يقولون:"كل ذنب أصابه عبد فهو بجهالة".
وعن قتادة قال: اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ فرأوا أن كل شيء عصي الله به فهو جهالة، عمدا كان أو غيره وعن مجاهد قال:"كل من
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية: ١٧. ٢ سورة الأنعام، الآية:٥٤. ٣ سورة النحل، الآية: ١١٩. ٤ تفسير ابن سعدي (٢/ ٣٩) .
[ ٢٣٧ ]
عصى ربه فهو جاهل، حتى ينزع عن معصيته"وقال أيضًا:"كل من عمل بمعصية الله فذاك منه بجهل حتى يرجع عنه".
وقال السدي:"ما دام يعصى الله فهو جاهل".
وقال ابن زيد:"كل امرئ عمل شيئا من معاصي الله فهو جاهل أبدًا حتى ينزع عنها"١.
قال شيخ الإسلام:"وسبب ذلك أن العلم الحقيقي الراسخ في القلب يمتنع أن يصدر معه ما يخالفه من قول أو فعل فمتى صدر خلافه فلا بد من غفلة القلب عنه أو ضعف القلب عن مقاومة ما يعارضه، وتلك أحوال تناقض حقيقة العلم فيصير جهلا بهذا الاعتبار "٢.
فالجهل بالله داء خطير، ومرض فتاك، يجر على صاحبه من الويلات والعواقب الوخيمة الشيء الكثير، فمن تمكن منه هذا الداء وسيطر عليه، فلا تسأل عن هلكته، فهو هاو في ظلمة المعاصي والذنوب، متنكب عن صراط الله المستقيم، مستسلم لدواعي الشبهات والشهوات، إلا أن تتداركه رحمة الله بغياث القلوب ونور الأبصار ومفتاح الخير العلم النافع المثمر للعمل الصالح، إذ ليس هناك دواء لهذا الداء غير العلم، ولا ينفك هذا الداء عن صاحبه إلا بأن يعلمه الله ما ينفعه، ويلهمه رشده، فمن أراد الله به الخير علمه ما ينفعه، وفقهه في دينه وبصره بما فيه فلاحه وسعادته، فخرج به عن الجهل ومتى لم يرد به خيرا أبقاه على جهله، والله المسئول أن يغيث قلوبنا بالعلم والإيمان،
_________________
(١) ١ انظر هذه الآثار وغيرها في تفسير الطبري (٣/ ٢٩٩، ٥/٢٠٩) وانظر تفسير البغوي (١/٤٠٧) والفتاوى لابن تيمية (٧/ ٢٢) وتفسير ابن كثير (١/ ٤٦٣) . ٢ اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٧٨) .
[ ٢٣٨ ]
ويعيذنا من الجهل والعدوان.
ثانيًا- الغفلة والإعراض والنسيان:
فإن هذه الأمور الثلاثة سبب عظيم من أسباب نقص الإيمان، فمن اعترته الغفلة، وشغله النسيان، وحصل منه الإعراض، نقص إيمانه وضعف بحسب توافر هذه الأمور الثلاثة فيه أو بعضها، وأوجبت له مرض القلب أو موته باستيلاء الشهوات والشبهات عليه.
أما الغفلة فقد ذمها الله في كتابه وأخبر أنها خلق ذميم من أخلاق الكافرين والمنافقين، وحذر منها سبحانه أشد التحذير:
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية: ١٧٩. ٢ سورة يونس، الآيتان: ٧-٨. ٣ سورة يونس، الآية: ٩٢. ٤ سورة الروم، الآية: ٧.
[ ٢٣٩ ]
وقال لرسوله ﷺ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ ١.
فالغفلة- وهي: سهو يعتري من قلة التحفظ والتيقظ٢- داء خطير إذا اعترى الإنسان وتمكن منه لم يشغل بطاعة الله وذكره وعبادته، بل يشتغل بالأمور الملهية المبعدة عن ذكر الله، وإن عمل أعمالًا في طاعته تأتي منه على حال سيئة ووضع غير حسن فتكون أعمال عارية من الخشوع والخضوع والإنابة والخشية والطمأنينة والصدق والإخلاص، فهذه بعض آثار الغفلة السيئة على الإيمان.
أما الأعراض، فقد أخبر الله في القران الكريم أن له آثارًا سيئة كثيرة وعواقب ونتائج وخيمة:
منها: أن الله وصف المعرض بأنه لا أحد أظلم منه، ووصفه بأنه من المجرمين كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ ٣.
ومنها: إخبار الله أن المعرض يجعل الله على قلبه أكنة وأقفالا فلا يفقه ولا يهتدي أبدا كما في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ ٤.
ومنها: أن إعراضه يسبب له عيشه الضنك والضيق دنيا وآخرة، كما
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية: ٢٠٥. ٢ بصائر ذوي التمييز للفيروز أبادي (٤/١٤٠) . ٣ سورة السجدة، الآية: ٢٢. ٤ سورة الكهف، الآية: ٥٧.
[ ٢٤٠ ]
في قوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ ١.
ومنها: إخبار الله سبحانه أن المعرض عن ذكر الله يقيض له القرناء من الشياطين فيفسدون عليه دينه، كما في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ ٢.
ومنها: إخبار الله بأن المعرض يحمل يوم القيامة وزرا، وأنه يسلك العذاب الصعد كما في قوله: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾ ٣.
وقوله: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ ٤.
وغيرها من الآيات التي يخبر فيها ﷾ عن أخطار الإعراض وأضراره، والتي من أخطرها وأشنعها أنه مانع من الإيمان وحائل دونه لمن لم يؤمن، وموهن ومضعف لإيمان من آمن، وبحسب إعراض الإنسان يكن له نصيب من هذه النتائج والأخطار.
وأما النسيان- وهو: ترك الإنسان ضبط ما استودع، إما لضعف قلبه، وإما عن غفلة، وإما عن قصد حتى يرتفع عن القلب ذكره٥- فله أثر بالغ في الإيمان، فهو سبب من أسباب ضعفه، وبوجوده تقل الطاعات، وتكثر المعاصي.
_________________
(١) ١ سورة طه، الآية: ١٢٤. ٢ سورة الزخرف، الآية: ٣٦. ٣ سورة طه، الآية: ٩٩-١٠٠. ٤ سورة الجن، الآية: ١٧، ومعنى صعدا، أي: شديدا شاقًا. ٥ بصائر ذوي التمييز للفيروز أبادي (٥/ ٤٩) .
[ ٢٤١ ]
والنسيان الذي جاء ذكره في القران الكريم على نوعين: نوع: لا يعذر فيه الإنسان وهو ما كان أصله عن تعمد منه، مثل قوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ ١.
ونوع: يعذر فيه وهو ما لم يكن سببه منه كما في قوله تعالي: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ٢ وقد جاء في الحديث أن الله تعالى قال:"فعلت" ٣.
والمسلم مطالب بمجاهدة نفسه وإبعادها عن الوقوع فيه، حتى لا يتضرر في دينه وإيمانه.
ثالثًا- فعل المعاصي، وارتكاب الذنوب:
فإن هذا لا يخفى ما به من الضرر وسوء الأثر على الإيمان، فالإيمان كما قال غير واحد من السلف:"يزيد بالطاعة، وينقص بالمعاصي"، فكما أن فعل ما أمر الله به من واجب ومندوب يزيد في الإيمان، فكذلك فعل ما نهى الله عنه من محرم ومكروه ينقص الإيمان. إلا أن الذنوب متفاوتة في درجاتها ومفاسدها وشدة ضررها تفاوتا عظيمًا، كما قال ابن القيم ﵀:"ولا ريب أن الكفر والفسوق والمعاصي درجات، كما أن الإيمان والعمل الصالح درجات، كما قال تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ ٤.وقال: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا
_________________
(١) ١ سورة الحشر، الآية: ١٩. ٢ سورة البقرة، الآية: ٢٨٦. ٣ رواه مسلم (١/ ١١٦) من حديت ابن عباس ﵁. ٤ سورة آل عمران، الآية: ١٦٣.
[ ٢٤٢ ]
عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ ١، وقال: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ ٢، وقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ ﴾ ٣، ونظائره في القرآن كثير"٤.
وقد دل القران والسنة على أن من الذنوب كبائر وصغائر، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ ٥ وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾ ٦.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:"الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر" ٧.
وفي الصحيحين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه، قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال:"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثا: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور" ٨.
وفيهما عنهﷺ أنه سئل: أي الذنب أكبر عند الله؟ قال:"أن تدعو لله ندا وهو خلقك، قيل ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية: ١٣٢. ٢ سورة التوبة، الآية: ٣٧. ٣ سورة التوبة، الآيتان: ١٢٤- ١٢٥. ٤ إغاثة اللهفان (٢/ ١٤٢) . ٥ سورة النساء، الآية: ٣١. ٦ سورة النجم، غلاية: ٣٢. ٧ صحيح مسلم (١/٢٠٩) . ٨ البخاري (١٠/ ٤٠٥ فتح) ومسلم (١/ ٩١) .
[ ٢٤٣ ]
يطعم معك، قيل ثم أي؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك"١.
وغيرها من النصوص الدالة على تفاوت الذنوب وانقسامها إلى كبائر وصغائر.
ثم إن هذه الذنوب تنقسم من جهة أخرى إلى أربعة أقسام:
ملكية، وشيطانية، وسبعية، وبهيمية، ولا تخرج عن ذلك.
فالذنوب الملكية:
أن يتعاطى ما لا يصلح له من صفات الربوبية كالعظمة والكبرياء والجبروت والقهر والعلو واستعباد الخلق ونحو ذلك وهذا القسم أعظم أنواع الذنوب.
وأما الشيطانية:
فالتشبه بالشيطان في الحسد، والبغي والغش والغل والخداع والمكر والأمر بمعاصي الله وتحسينها، والنهي عن طاعته وتهجينها، والابتداع في دينه، والدعوة إلى البدع والضلال.
وهذا النوع يلي النوع الأول في المفسدة، وإن كانت مفسدته دونه.
وأما السبعية:
فذنوب العدوان والغضب وسفك الدماء والتوثب على الضعفاء والعاجزين، ويتولد منها أنواع أذى النوع الإنساني، والجرأة على الظلم والعدوان.
وأما الذنوب البهيمية:
فمثل الشره والحرص على قضاء شهوة البطن والفرج، ومنها يتولد
_________________
(١) ١ البخاري (١٢/١٨٧ فتح) ومسلم (١/ ٩١) . من حديث ابن مسعود ﵁.
[ ٢٤٤ ]
الزنى والسرقة وأكل أموال اليتامى، والبخل والشح والجبن والهلع والجزع وغير ذلك.
وهذا القسم أكثر ذنوب الخلق لعجزهم عن الذنوب السبعية والملكية، ومنه يدخلون إلى سائر الأقسام، فهو يجرهم إليها بالزمام، فيدخلون منه إلى الذنوب السبعية، ثم إلى الشيطانية، ثم إلى منازعة الربوبية والشرك في الوحدانية١.
وعلى كل فهذا وغيره يدلنا على أن الذنوب متفاوتة في تأثيرها على الإيمان وفي إنقاصها منه وإضعافها له.
وهذا التفاوت فيها وفي تأثيرها علي الإيمان يعود لاعتبارات متعددة:
منها: جنس الذنب، وقدره، وشدة مفسدته، ومكانه، وزمانه، وبحسب الفاعل له، ولغير ذلك من الاعتبارات.
قال ابن القيم ﵀:"وبالجملة فمراتب الفاحشة متفاوتة بحسب مفاسدها فالمتخذ خدنا من النساء، والمتخذة خدنا من الرجال أقل شرًا من المسافح والمسافحة مع كل أحد، والمستخفي بما يرتكبه أقل إثما من المجاهر المستعلن، والكاتم له أقل إثمًا من المخبر المحدث للناس به، فهذا بعيد من عافية الله تعالى وعفوه وكذلك الزنا بالمرأة التي لا زوج لها أيسر إثمًا من الزنا بذات الزوج، لما فيه من ظلم الزوج والعدوان عليه، وإفساد فراشه عليه، وقد يكون إثم هذا أعظم من إثم مجرد الزنا، أو دونه، والزنا بحليلة الجار أعظم من الزنا ببعيدة الدار لما أقترن بذلك من أذى الجار، وعدم حفظ وصية الله تعالى
_________________
(١) ١ انظر الجواب الكافي لابن القيم (ص١٤٧) والفتاوى (١٣/ ٨٣) .
[ ٢٤٥ ]
ورسوله به.
وكذلك الزنا بامرأة الغازي في سبيل الله أعظم إثمًا عند الله من الزنا بغيرها وكما تختلف درجاته بحسب المزني بها، فكذلك تتفاوت درجاته بحسب الزمان والمكان والأحوال، وبحسب الفاعل.
فالزنا في رمضان ليلًا أو نهارًا أعظم إثمًا منه في غيره، وكذلك في البقاع الشريفة المفضلة هو أعظم إثمًا منه فيما سواها.
وأما تفاوته بحسب الفاعل فالزنا من الحر أقبح منه من العبد، ولهذا كان حده على النصف من حده، ومن المحصن أقبح منه من البكر، ومن الشيخ أقبح منه من الشاب،.. ومن العالم أقبح منه من الجاهل لعلمه بقبحه وما يترتب عليه، وإقدامه على بصيرة، ومن القادر على الإستغناء عنه أقبح من الفقير العاجز. بل قد يقترن بالأيسر إثمًا ما يجعله أعظم إثمًا مما هو فوقه، كأن يقترن بالفاحشة من العشق الذي يوجب اشتغال القلب بالمعشوق وتأليهه له وتعظيمه والخضوع له، والذل له، وتقديم طاعته، وما يأمر به على طاعة الله تعالى ورسوله وأمره فيقترن بمحبة خدنه وتعظيمه وموالاة من يواليه، ومعاداة من يعاديه، ومحبة ما يحبه، وكراهة ما يكرهه ما قد يكون أعظم ضررا على صاحبه من مجرد ركوب الفاحشة"١.
وقال الشيخ محمد العثيمين:"وأما نقص الإيمان فله أسباب
٣- فعل المعصية فينقص الإيمان بحسب جنسها وقدرها والتهاون بها وقوة الداعي إليها أو ضعفه.
_________________
(١) ١ إغاثة اللهفان (٢/ ١٤٣،١٤٤) باختصار وانظر الجامع لشعب الإيمان للبيهقي (٢/٧٨ وما بعدها) .
[ ٢٤٦ ]
فأما جنسها وقدرها: فإن نقص الإيمان بالكبائر أعظم من نقصه بالصغائر، ونقص الإيمان بقتل النفس المحرمة أعظم من نقصه بأخذ مال محترم، ونقصه بمعصيتين أعظم من نقصه بمعصية واحدة، وهكذا.
وأما التهاون بها: فإن المعصية إذا صدرت من قلب متهاون بمن عصاه ضعيف الخوف منه كان نقص الإيمان بها أعظم من نقصه إذا صدرت من قلب معظم لله تعالى شديد الخوف منه، لكن فرطت منه المعصية.
وأما قوة الداعي إليها: فإن المعصية إذا صدرت ممن ضعفت منه دواعيها كان نقص الإيمان بها أعظم من نقصه إذا صدرت ممن قويت منه دواعيها، ولذلك كان استكبار الفقير، وزنى الشيخ أعظم إثمًا من استكبار الغنى وزنى الشاب كما في الحديث:"ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم" ١. وذكر منهم:
_________________
(١) ١ أخرجه الطبراني في الكبير (٢/٣٥١) قال حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا سعيد بن عمرو الأشعثي ننا حفص بن غياث عن عاصم الأحول عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ" ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: أشيمط زان، وعائل مستكبر، ورجل جعل الله بضاعته لا يشتري إلا بيمينه ولا يبع إلا بيمينه". ورواه البيهقي في الشعب (٤/٢٢٠) من طريق سعيد بن عمرو به. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٧٨):"رجاله رجال الصحيح" وأورده الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد باب ما جاء في كثرة الحلف وقال:"رواه الطبراني بسند صحيح" وصححه الألباني، انظر صحيح الجامع (٣/ ٧٤) . قلت: ويشهد لقوله"أشيمط زان وعائل مستكبر" ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول ﷺ ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر" صحيح مسلم (١/١٠٣) .
[ ٢٤٧ ]
"الأشميط الزني، والعائل المستكبر"؛ لقلة دواعي تلك المعصية فيهما"١.
ومما تقدم يتلخص أن الذنوب تنقص الإيمان وأنها تتفاوت في إنقاصها له بحسب اعتبارات متعددة، منها:
١- جنس الذنب.
٢- شدة مفسدته.
٣- قدره.
٤- زمانه ومكانه.
٥- التهاون به.
٦- وبحسب الفاعل له.
على ما سبق بيانه وتفصيله، وبالله التوفيق.
ومما يقي المرء من الذنوب، ويساعده على البعد عنها وعدم الوقوع فيها، معرفة أخطارها، وما يتولد منها، وسوء عواقبها، وشدة أضرارها.
وقد ذكر في ذلك ابن القيم ﵀ كلامًا وجيزًا إلا أنه واف بالمقصود فقال:"قلة التوفيق، وفساد الرأي، وخفاء الحق، وفساد القلب، وخمول الذكر، وإضاعة الوقت، ونفرة الخلق، والوحشة بين العبد وبين ربه، ومنع إجابة الدعاء، وقسوة القلب، ومحق البركة في الرزق والعمر، وحرمان العلم، ولباس الذل، وإهانة العدو، وضيق الصدر، والابتلاء بقرناء السوء الذين يفسدون االقلب ويضيعون الوقت،
_________________
(١) ١ فتح رب البرية (ص ٦٥) .
[ ٢٤٨ ]
وطول الهم والغم، وضنك المعيشة، وكسف البال تتولد من المعصية والغفلة عن ذكر الله كما يتولد الزرع عن الماء، والإحراق عن النار، وأضداد هذه تتولد عن الطاعة"١.
رابعا- النفس الأمارة بالسوء:
وهي نفس مذمومة جعلها الله في الإنسان، تأمره بكل سوء، وتدعوه إلى المهالك، وتهديه إلى كل قبيح، هذا طبعها، وتلك سجيتها، إلا ما وفقها الله وثبتها وأعانها، فما تخلص أحد من شر نفسه إلا بتوفيق الله، كما قال تعالى حاكيا عن امرأة العزيز: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ ٣ وقال تعالى لأكرم خلقه عليه وأحبهم إليه: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ ٤ وكان النبي ﷺ يعلمهم خطبة الحاجة:"الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له" ٥ فالشر كامن في النفس وهو يوجب سيئات الأعمال، فإن خلى الله بين العبد وبين نفسه هلك بين شرها وما تقتضيه من سيئات الأعمال، وإن
_________________
(١) ١ الفوائد (ص ٦٧) وانظر الجواب الكافي لابن القيم (ص ٤٦ وما بعدها) . ٢ سورة يوسف، الآية: ٣٣. ٣ سورة النور، الآية: ٢١. ٤ سورة الإسراء، الآية: ٧٤. ٥ أخرج هذه الخطبة أبو داود (٢/ ٢٣٨) والنسائي (٣/١٠٥) وغيرهما، وراجع رسالة الألباني (خطبة الحاجة) فقد جمع فيها طرق وألفاظ هذه الخطبة.
[ ٢٤٩ ]
وفقه وأعانه نجاه من ذلك كله١.
وقد جعل الله سبحانه للإنسان في مقابلة هذه النفس، نفسًا مطمئنة، فإذا أمرته النفس الأمارة بالسوء، نهته عنه النفس المطمئنة، فهو يطيع هذه مرة، وهذه مرة، وهو للغالب عليه منهما٢.
قال ابن القيم ﵀:"وقد ركب الله سبحانه في الإنسان نفسين: نفسا أمارة، ونفسا مطمئنة، وهما متعاديتان، فكل ما خف على هذه ثقل على هذه، وكلى ما التذت به هذه تألمت به الأخرى، فليس على النفس الأمارة أشق من العمل لله، وإيثار رضاه على هواها، وليس لها أنفع منه. وليس على النفس المطمئنة أشق من العمل لغير الله وما جاء به داعي الهوى، وليس عليها شيء أضر منه.. والحروب مستمرة لا تضع أوزارها إلا أن يستوفى أجلها من الدنيا"٣.
فلا أضر على إيمان الشخص ودينه من نفسه الأمارة بالسوء، التي هذا شأنها، وهذا وصفها، فهي سبب رئيس، وعضو فعال في إضعاف الإيمان وزعزعته وتوهينه.
ومن هنا لزم من أراد الحفاظ على إيمانه من النقص والضعف، أن يعنى بمحاسبة هذه النفس ومعاتبتها، وأن يكثر من لومها، حتى يسلم من مغبتها وعواقبها الوخيمة المردية.
أما محاسبة النفس فنوعان:
نوع قبل العمل، ونوع بعده.
_________________
(١) ١ انظر الروح لابن القيم (ص ٢٢٦) . ٢ انظر الوابل الصيب لابن القيم (ص ٢٧) . ٣ الجواب الكافي لابن القيم (ص ١٨٤، ١٨٥) .
[ ٢٥٠ ]
فأما النوع الأول:
فهو أن يقف عند أول همه وإرادته، ولا يبادر بالعمل حتى يتبين له رجحانه على تركه.
وأما النوع الثاني:
محاسبة النفس بعد العمل فهو ثلاثة أنواع:
أحدها: محاسبتها على طاعة قصرت فيها من حق الله تعالى، فلم توقعها على الوجه الذي ينبغي.
الثاني: أن يحاسب نفسه على كل عمل كان تركه خيرا له من فعله.
الثالث: أن يحاسب نفسه على أمر مباح أو معتاد لم فعله؟ وهل أراد به الله والدار الآخرة؟ فيكون رابحا، أو أزاد به الدنيا وعاجلها؟ فيخسر ذلك الربح ويفوته الظفر به.
وأضر ما على العبد الإهمال، وترك المحاسبة، والاسترسال، وتسهيل الأمور وتمشيتها، فإن هذا يؤول به إلى الهلاك، وهذه حال أهل الغرور، يغمض عينيه عن العواقب، ويمشي الحال، ويتكل على العفو، فيهمل محاسبة نفسه والنظر في العاقبة، وإذا فعل ذلك سهل عليه مواقعة الذنوب، وأنس بها، وعسر عليه فطامها.
وجماع ذلك: أن يحاسب نفسه أولًا على الفرائض، فإن تذكر فيها نقصا تداركه، إما بقضاء أو إصلاح، ثم يحاسبها على المناهي، فإن عرف أنه ارتكب منها شيئا تداركه بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية، ثم يحاسب نفسه على الغفلة، فإن كان قد غفل عما خلق له تداركه بالذكر والإقبال على الله، ثم يحاسبها بما تكلم به، أو مشت إليه رجلاه، أو بطشت يداه، أو سمعته أذناه: ماذا أردت بهذا؟ ولمن فعلته؟ وعلى
[ ٢٥١ ]
أي وجه فعلته؟ ويعلم أنه لا بد أن ينشر لكل حركة وكلمة منه ديوانان: ديوان لمن فعلته؟ وكيف فعلته؟ فالأول سؤال عن الإخلاص، والثاني سؤال عن المتابعة.
فإذا كان العبد مسئولا ومحاسبا على كل شيء، على سمعه وبصره وقلبه، فهو حقيق أن يحاسب نفسه قبل أن يناقش الحساب، وقد دل على وجوب محاسبة النفس قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ ١.
والمقصود أن صلاح القلب بمحاسبة النفس، وفساده بإهمالها والاسترسال معها، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله٢.
قال ابن القيم ﵀:"فالنفس داعية إلى المهالك، معينة للأعداء، طامحة إلى كل قبيح، متبعة لكل سوء، فهي تحرى بطبعها في ميدان المخالفة.
فالنعمة التي لا خطر لها: الخروج منها، والتخلص من رقها، فإنها أعظم حجاب بين العبد وبين الله تعالى، وأعرف الناس بها أشدهم إزراء عليها، ومقتًا لها"٣. فنسأل الله أن يعيذنا من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، إنه جواد كريم.
_________________
(١) ١ سورة الحشر، الآية: ١٨. ٢ انظر إغاثة اللهفان لابن القيم (١/٩٧- ١٠٠) . ٣ إغاثة اللهفان (١/ ١٠٣) .
[ ٢٥٢ ]
أما القسم الثاني
فهو الأسباب الخارجية أو المؤثرات الخارجية التي تؤثر في الإيمان بالنقص، وهي ما كان سببها عائدًا إلى تأثير غيره عليه.
وهذه تتلخص في ثلاثة عوامل:
أولًا- الشيطان:
فإنه يعد سببا قويًا من الأسباب الخارجية التي تؤثر في الإيمان بالنقص، فالشيطان عدو لدود للمؤمنين، يتربص بهم الدوائر، لا هم له ولا غاية إلا زعزعة الإيمان في قلوب المؤمنين وإضعافه وإفساده، فممن استسلم لوساوس الشيطان، وانقاد لخطارته، ولم يلجأ إلى الله منه ضعف إيمانه ونقص بل ربما ذهب كلية، بحسب استجابة المسلم لتلك الوساوس والخطرات.
ولهذا فإن الله تعالى حذرنا منه أشد التحذير وبين أخطاره، وعواقب اتباعه الوخيمة، وأنه عدو للمؤمنين، وأمرهم أن يتخذوه عدوا فيسلمون منه ومن وساوسه.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ
_________________
(١) ١ سورة النور، الآية: ٢١.
[ ٢٥٣ ]
لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ٣.
قال ابن الجوزي:"فالواجب على العاقل أن يأخذ حذره من هذا العدو الذي قد أبان عداوته من زمن ادم ﵊، وقد بذل عمره ونفسه في فساد أحوال بن ادم، وقد أمر الله بالحذر منه فذكر جملة من هذه النصوص ثم قال: وفي القران من هذا كثير"٤.
وقال أبو محمد المقدسي في مقدمة كتابه ذم الوسواس:"أما بعد: فإن الله سبحانه جعل الشيطان عدوا للإنسان، يقعد له الصراط المستقيم، ويأتيه من كل جهة وسبيل، كما أخبر الله تعالى عنه أنه قال: ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ ٥. وحذرنا الله ﷿ من متابعته وأمرنا بمعاداته ومخالفته فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ ٦ وقال: ﴿أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ ٧. وأخبر بما صنع بأبوينا تحذيرا لنا من
_________________
(١) ١ سورة فاطر، الآية: ٦. ٢ سورة يوسف، الآية: ٥. ٣ سورة المجادلة، الآية: ١٩. ٤ تلبيس إبليس (ص ٢٣) . ٥ سورة الأعراف، الآية: ١٦. ٦ سورة فاطر، الآية: ٦. ٧ سورة الأعراف، الآية: ٢٧.
[ ٢٥٤ ]
طاعته، وقطعًا للعذر في متابعته، وأمرنا الله ﷾ باتباع الصراط المستقيم "١.
فالشيطان عدو للإنسان همه إفساد العقائد وتخريب الإيمان، فمن لم يحصن نفسه منه بذكر الله واللجأ إليه والإستعاذة به صار مرتعًا للشيطان يسول له فعل المعاصي ويرغبه في ارتكاب المناهي ويؤزه لارتكاب الفواحش أزاء، فيا ضيعة دينه ويا فساد إيمانه إن استسلم له.
قال ابن القيم ﵀:"وإياك أن تمكن الشيطان من بيت أفكارك وإرادتك فإنه يفسدها عليك فسادا يصعب تداركه، ويلقي إليك أنواع الوساوس والأفكار المضرة، ويحول بينك وبين الفكر فيما ينفعك، وأنت الذي أعنته على نفسك بتمكينه من قلبك وخواطرك فملكها عليك"٢.
وضرب ﵀ مثلا بديعا لذلك ينطبق عليه تمام الإنطباق فقال في موضع آخر من كتبه:"وإذا أردت لذلك مثالا مطابقًا فمثله مثل كلب جائع شديد الجوع، بينك وبينه لحم أو خبز، وهو يتأملك ويراك لا تقاومه وهو أقرب منك، فأنت تزجره وتصيح عليه، وهو يأبى إلا التحوم عليك، والغادرة على ما بين يديك"٣.
ومراده ﵀ بهذا المثل أن يوضح مدى خطر الشيطان على الإنسان إذا لم يستعذ بالله منه ولم يلجأ إلى الله من شره بالدعوات النافعة والأذكار المباركة.
_________________
(١) ١ ذم الوسواس (ص ٤٦)، وانظر أيضًا مقدمة ابن القيم لكتابه إغاثة اللهفان (١٠/١) . ٢ الفوائد (ص ٣٠٩) . ٣ التبيان في أقسام القرآن (ص ٤١٩) .
[ ٢٥٥ ]
فمن عشى عن ذلك وأعرض لازمه الشيطان تلك الملازمة يسول له ويملي حتى يذهب بإيمانه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ* وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ ١.
ثانيًا- الدنيا وفتنها:
فهذا ثاني الحوامل الخارجية التي تؤثر في إيمان الإنسان بالنقص.
فإن من أسباب نقص الإيمان وضعفه الاشتغال بعرض الحياة الدنيا الزائل، وشغل الأوقات فيها والانهماك في طلبها، والجري خلف ملذاتها وفتنها ومغرياتها، فمتى عظمت رغبة العبد فيها وتعلق قلبه بها ضعفت الطاعة عنده ونقص الإيمان بحسب ذلك.
قال ابن القيم ﵀:"وعلى قدر رغبة العبد في الدنيا ورضاه بها يكون تثاقله عن طاعة الله وطلب الآخرة"٢.
ولهذا فإن الله الحكيم الخبير ذم في كتابه الدنيا وبين خستها وحقارتها في غير ما آية من القران الكريم.
قال سبحانه: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ
_________________
(١) ١ سورة الزخرف، الآيات: ٣٦، ٣٧، ٣٨. ٢ الفوائد (ص ١٨٠) .
[ ٢٥٦ ]
مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا مَتَاعٌ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُون * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٤.
وفي هذه الآيات أعظم وعيد لمن رضي بالحياة الدنيا واطمأن بها وغفل عن آيات الله ولم يرج لقاءه.
وقال تعالى ذامًا من رضي بالدنيا من المؤمنين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ﴾ ٥.
وقال ﷺ:"فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها،
_________________
(١) ١ سورة الحديد، الآية: ٢٠. ٢ سورة الكهف، الآيتان: ٤٥- ٤٦. ٣ سورة الرعد، الآية: ٢٦. ٤ سورة يونس، الآية: ٧. ٥ سورة التوبة، الآية: ٣٨.
[ ٢٥٧ ]
وتهلككم كما أهلكتهم"متفق عليه١ وفي لفظ لهما:"تلهيكم كما ألهتهم" ٢.
وغيرها من النصوص وهي كثيرة، فلا بد لمن أراد لإيمانه النمو والقوة والسلامة من الضعف والنقص أن يجاهد نفسه في البعد عن الدنيا وفتنها ومغرياتها وملهياتها وما أكثرها٣.
ولا يتم له ذلك ولا يتحقق إلا بعد النظر في أمرين:
الأول: النظر في الدنيا وسرعة زوالها وفنائها واضمحلالها ونقصها وخستها وألم المزاحمة عليها والحرص عليها، وما في ذلك من الغصص والنغص والأنكاد.
وآخر ذلك الزوال والانقطاع مع ما يعقب من الحسرة والأسف، فطالبها لا ينفك من هم قبل حصولها، وهم في حال الظفر بها، وغم وحزن بعد فواتها.
والثاني: النظر في الآخرة وإقبالها ومجيئها ولا بد، ودوامها وبقائها، وشرف ما فيها من الخيرات والمسرات، والتفاوت الذي بينه
_________________
(١) ١ البخاري (٦/ ٢٥٨، ٧/٣٢٠ فتح) ومسلم (٤/ ٢٢٧٤) من حديث عمرو بن عوف ﵁. ٢ البخاري (١١/ ٢٤٣ فتح) ومسلم (٤/ ٢٢٧٤) . ٣ وانظر لزامًا ما كتبه ابن الجوزي في كتابه صيد الخاطر (ص ٢٥ وما بعدها) في بيان ما الذي يذم من الدنيا وما الذي لا يذم فإن نعيم الدنيا بحد ذاته لا يذم مطلقًا، فإن الله قد تمدح به في القرآن الكريم في غير موضع، وإنما الذي يذم منها هو فعل الجهال والعصيان والإشتغال بها عن الآخرة واستعمال نعيمها في غير مرضاة الله تعالى.
[ ٢٥٨ ]
وبين ما ها هنا، فهي كما قال سبحانه: ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ١ فهي خيرات كاملة دائمة، وهذه خيالات ناقصة منقطعة مضمحلة.
فإذا تأمل في هذين الأمرين وأحسن النظر فيهما هداه ذلك لإيثار الآخرة الباقية على الدنيا الفانية، وأكبر عون له في تحقيق ذلك النظر في حال الرسول ﷺ وسيرته هو وأصحابه من نبذهم لها وراء ظهورهم، وصرفهم عنها قلوبهم، واطراحهم لها، فهم لم يألفوها، وهجروها ولم يميلوا إليها وعدوها سجنًا لا جنة، فزهدوا فيها حقيقة الزهد، ولو أرادوها لنالوها منها كل محبوب، ولو صلوا منها إلى كل مرغوب، فقد عرضت عليه مفاتيح كنوزها فردها، وفاضت على أصحابه، فآثروا بها ولم يبيعوا حظهم من الآخرة بها، وعلموا أنها معبر وممر لا دار مقام ومستقر، وأنها دار عبور لا دار سرور وأنها سحابة صيف تنقشع عن قليل، وخيال طيف ما استتم حتى آذن بالرحيل٢.
كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ ٣.
وقال: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ٤.
وقال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سورة الأعلى، الآية: ١٧. ٢ انظر الفوائد لابن القيم (ص ١٧٦-١٧٨) . ٣ سورة الشعراء، الآيات ٢٠٥- ٢٠٧. ٤ سورة يونس، الآية: ٤٥. ٥ سورة الروم، الآية: ٥٥.
[ ٢٥٩ ]
وغيرها من النصوص.
فالله المسئول أن يغيث قلوبنا بالإيمان، وأن يعيذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
ثالثًا- قرناء السوء:
فهم أضر الناس على إيمان الشخص وسلوكه وأخلاقه، فمخالطتهم ومصاحبتهم سبب عظيم من أسباب نقص الإيمان وضعفه.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال:"الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل" ١.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود. (١٣/١٧٩عون) والترمذي (٤/٥٨٩) وأحمد (٢/ ٣٠٣) وعبد بن حميد في"المنتخب من المسند" (ص ٤١٨) والحاكم (٤/١٧١) والخطابي في العزلة (ص ٥٦) وابن بطة في الإبانة (٢/٤٣١) والخطيب في تاريخه (٤/١١٥) والبغوي في شرح السنة (١٣/٧٠) وابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/٢٣٦) والذهبي في السير (٨/١٨٩) عن زهير بن محمد حدثنا موسى بن وردان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: فذكره. وقال الترمذي والبغوي:"حسن غريب" وقال النووي في رياض الصالحين (ص ١٧٤) "إسناده صحيح". ونقل حكمه المناوي في فيض القدير (٤/ ٥٢) . قلت: وفي إسناده زهير بن محمد فيه ضعف كما في التقريب (١/ ٢٦٤) .لكن للحديث طريق أخرى يتقوى بها، من رواية صدقة بن عبد الله عن إبراهيم بن محمد الأنصاري عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة ﵁ به. أخرجه الحاكم (٤/ ١٧١) وابن عساكر في" المجلس الثالث والخمسين من الأمالي" كما في السلسلة الصحيحة للألباني (٢/ ٦٣٤) وقال الحاكم:"صحيح إن شاء الله" ووافقه الذهبي. قلت: فيه صدقة بن عبد الله ضعيف كما في التقريب (١/٣٦٦) وإبراهيم بن محمد الأنصاري، ذو مناكير كما في الضعفاء للذهبي (١/٦٠) . فالإسنادان كلاهما ضعيف، إلا أن ضعفهما ليس شديدًا، فيكون الحديث حسنًا بمجموعهما، وبهذا حسنه الألباني حفظه الله في سلسلته. وقال العجلوني في كشف الخفاء (٢/٣٦٣) بعد أن أشار إلى بعض من خرجه:"وقد تساهل ابن الجوزي فأورده في الموضوعات ومن ثم خطأه الزركشي، وتبعه في الدرر، وقال الحافظ في اللآلىء:"والقول ما قال الترمذي"، يعني أن الحديث حسن" ا. هـ.
[ ٢٦٠ ]
قال ابن عبد البر"وهذا معناه والله أعلم أن المرء يعتاد ما يراه من أفعال من صحبه، والدين العادة فلهذا أمر ألا يصحب إلا من يرى منه ما يحل ويجمل فإن الخير عادة.
وفي معنى هذا الحديث قول عدي بن زيد:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن مقتدى
وقول أبي العتاهية:
من ذا الذي يخفى عليك إذا نظرت إلى خدينه
وهذا كثير جدا، والمعنى في ذلك ألا يخالط الإنسان من يحمله على غير ما يحمد من الأفعال والمذاهب، وأما من يؤمن منه ذلك فلا حرج فيه صحبته"١.
وقال أبو سليمان الخطابي"قوله:"المرء على دين خليله" لا معناه لا تخالل إلا من رضيت دينه وأمانته، فإنك إذا خاللته قادك إلى دينه ومذهبه، ولا تغرر بدينك ولا تخاطر بنفسك فتخالل من ليس مرضيًا في دينه ومذهبه.
قال سفيان بن عيينة: وقد روى في هذا الحديث انظروا إلى فرعون
_________________
(١) ١ بهجة المجالس (٢/٧٥١) .
[ ٢٦١ ]
معه هامان، انظروا إلى الحجاج معه يزيد بن أبي مسلم شر منه، انظروا إلى سليمان بن عبد الملك صحبه رجاء بن حيوة فقومه وسدده.
ويقال: إن الخلة مأخوذة من تخلل المودة القلب وتمكنها منه: وهي أعلى درج الإخاء، وذلك أن الناس في الأصل أجانب، فإذا تعارفوا ائتلفوا فهم أوداء، وإذا تشاكلوا فهم أحباء، فإذا تأكدت المحبة صارت خلة"١.
وقد قيل:"الناس كأسراب القطا"لما جبلوا عليه من تشبه بعضهم ببعض ومحاكات بعضهم لأفعال بعض. ولهذا كان المبتديء بالخير وبالشر له مثل، من تبعه من الأجر والوزر٢.
قال بعض الحكماء:"عمادة المودة المشاكلة، ركل ود عن غير تشاكل فهو سريع التصرم"٣.
قلت: وإنما جاء النهي عن مخالطة قرناء السوء والتحذير من مجالستهم، لأن طباع الإنسان مجبولة على الإقتداء والتشبه بمن يقارن، فمجالسة طلاب العلم تحرك في النفس الحرص على طلب العلم، ومجالسة الزهاد تزهد في الدنيا، ومجالسة المبتدعة وأهل الأهواء تردي في مهاوي البدع، ومجالسة الحريص على الدنيا تحرك في النفس الحرص على الدنيا، وهكذا.
فلهذا لزم المرء أن يختار من القرناء والخلطاء من يكون له في خلطتهم خير ونفع، وأن يحذر أشد الحذر من قرناء السوء.
_________________
(١) ١ العزلة (ص ٥٦) . ٢ انظر الاستقامة لابن تيمية (٢/٢٥٥) . ٣ العزلة للخطابي (ص ٦٢) .
[ ٢٦٢ ]
ومن تأمل حال السلف وتدبر سيرهم علم ذلك، ورأى شدة حذرهم وتحذيرهم من رفقاء السوء من فساق ومبتدعة وغيرهم١.
قال أبو الدرداء:"من فقه الرجل مدخله وممشاه وألفه"ثم قال أبو قلابة: بعد أن روى هذا الأثر عن أبي الدرداء: ألا ترى إلى قول الشاعر:
عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه فإن القرين بالمقارن يقتدي٢
وقال الأصمعي عن هذا البيت:"لم أر بيتا أشبه بالسنة منه"٣.
وجاء عن عبد الله بن مسعود أنه قال:"اعتبروا الناس بأخدانهم فإن المرء لا يخادن إلا من يعجبه".
وعن الأعمش قال:"كانوا لا يسألون عن الرجل بعد ثلاث: ممشاه ومدخله وألفه من الناس".
وقال سفيان:"ليس شيء أبلغ في فساد رجل وصلاحه من صاحب"
وقال قتادة:"إنا والله ما رأينا الرجل يصاحب من الناس إلا مثله وشكله فصاحبوا الصالحين من عباد الله لعلكم أن تكونوا معهم أو مثلهم".
وقال الفضيل:"ليس للمؤمن أن يقعد مع كل من
_________________
(١) ١ انظر في ذلك على سبيل المثال العزلة للخطابي (ص،٥ وما بعدها) والإبانة الابن بطة (٢/٤٣١ وما بعدها)، وغيرهما. ٢ رواه ابن الأعرابي في معجمه (برقم: ١٢٧٧) ومن طريقه الخطابي في العزلة (ص ٥٩) . ورواه ابن بطة في الإبانة (٢/٤٣٧، ٤٣٩) بلفظ مقارب. ٣ الإبانة لابن بطة (٢/٤٤٠) .
[ ٢٦٣ ]
شاء "١.
والآثار في هذا كثيرة جدا يطول ذكرها، وإنما انتقيت منها ما فيه البلغة والكفاية، فمن تأمل هذه الآثار المذكورة وغيرها عرف ما في مقارنة أهل السوء والفسق والفجور من الخطر على الدين والخلق، فأنت قد ترى الرجل مستقيما عفيفا صالحًا، فإذا قارن وخالط أهل السوء والفسق وصحبهم أصبح فاسقًا فاجرًا مثلهم، وهذه سنة الله في خلقه.
فخلطة الفساق وأهل السوء من أعظم أسباب نقص الإيمان وضعفه بل وربما اضمحلاله وتلاشيه، وذلك بحسب حال هؤلاء في السوء وبحسب خلطته لهم.
_________________
(١) ١ روى هذه الآثار ابن بطة في الإبانة (٢/ ٤٣٩، ٤٥٢، ٤٧٦، ٤٨٠، ٤٨١) .
[ ٢٦٤ ]
الفصل الرابع
في الإسلام هل يزيد وينقص؟
قبل الشروع في المراد، لا بد أولًا من تعريف الإسلام، ثم على ضوء التعريف يتم بيان هذه المسألة.
فالإسلام لغة: الانقياد والإذعان. وأما في الشرع: فلإطلاقه حالتان:
الحالة الأولى: أن يطلق على الإفراد غير مقترن بذكر الإيمان، فهو حينئذ يراد به الدين كله أصوله وفروعه من اعتقاداته وأقواله وأفعاله، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسلام﴾ ١ وقوله: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا﴾ ٢ وقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ٣ وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ ٤ ونحو ذلك من الآيات.
الحالة الثانية: أن يطلق مقترنا بالإيمان، فهو حينئذ يراد به الأعمال والأقوال الظاهرة، كقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية: ١٩. ٢ سورة المائدة، الآية: ٣. ٣ سورة آل عمران، الآية: ٨٥. ٤ سورة البقرة، الآية: ٢٠٨.
[ ٢٦٧ ]
الأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ١ الآية، وكقوله ﷺ لما قال له سعد ﵁: مالك عن فلان فوالله إني لأراه مؤمنًا فقال ﷺ"أو مسلمًا"٢ يعني أنك لم تطلع على إيمانه وإنما اطلعت على إسلامه من الأعمال الظاهرة، وغير ذلك من الآيات والأحاديث٣.
ووجه هذا الجمع والتفريق بين الإسلام والإيمان حال الاجتماع والافتراق يتضح بتقرير أصل عظيم وهو"أن من الأسماء ما يكون شاملًا لمسميمات متعددة عند إفراده وإطلاقه، فإذا قرن ذلك الاسم بغيره صار دالا على بعض تلك المسميات والاسم المقرون به دال على باقيها"٤.
فبناء على هذا الأصل يقال: إذا أفرد كل من الإسلام والإيمان بالذكر فلا فرق بينهما حينئذ، وإن قرن بين الاسمين كان بينهما فرق. وعليه فهما إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، فاجتماعهما في الذكر يقتضي افترقهما في المعنى وافترقهما في الذكر يعنى اجتماعهما فى المعنى.
"والتحقيق في الفرق بينهما أن الإيمان هو تصديق القلب وإقراره ومعرفته، والإسلام هو استسلام العبد لله وخضوعه وانقياده له فيكون حينئذ المراد بالإيمان جنس تصديق القلب، وبالإسلام جنس العمل، ومن هنا قال المحققون من العلماء كل مؤمن مسلم فإن من حقق الإيمان ورسخ في قلبه قام بأعمال الإسلام فلا يتحقق القلب بالإيمان إلا وتنبعث الجوارح في أعمال الإسلام، وليس كل مسلم مؤمنًا، فإنه قد يكون
_________________
(١) ١ سورة الحجرات، الآية: ١٤. ٢ تقدم تخريجه (ص ٩٢) . ٣ انظر معارج القبول لحافظ حكمي (٢/ ٢٤، ٢٥) . ٤ جامع العلوم والحكم لابن رجب (ص ٢٦) .
[ ٢٦٨ ]
الإيمان ضعيفًا فلا يتحقق القلب به تحققًا تامًا مع عمل جوارحه أعمال الإسلام، فيكون مسلمًا، وليس بمؤمن الإيمان التام"١.
فالإسلام على ضوء هذا التعريف المتقدم يزيد كما يزيد الإيمان وينقص كما ينقص، أما على الإطلاق الأول فظاهر، لأنه أصبح مرادفًا للإيمان فله حكمه تمامًا من حيث قبول الزيادة والنقصان، وأما على الإطلاق الثاني حال اجتماعه مع الإيمان حيث يكون المراد بالإسلام الأعمال الظاهرة، فالزيادة والنقصان في هذا لا إشكال فيهما ألبتة، لأن الأعمال تزيد وتنقص وتقل وتكثر وتتفاضل، وهذا الأمر ظاهر لكل أحد عيانًا بيانًا.
ويدل على ذلك قول النبي ﷺ:"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" ٢ فالألف واللام في قوله:"المسلم"للكمال، نحو زيدٌ الرجل أي الكامل في الرجولية، وإثبات اسم الشيء على معنى إثبات الكمال له مستفيض في كلام العرب٣.
قال النووي ﵀ في شرحه لهذا الحديث من صحيح مسلم:" قالوا: معناه المسلم الكامل، وليس المراد نفي أصل الإسلام عن من لم يكن بهذه الصفة، بل هذا كما يقال: العلم ما نفع أو العالم زيد أي الكامل أو المحبوب، وكما يقال الناس العرب والمال الإبل، فكله على التفضيل لا للحصر، ويدل على ما ذكرناه من معنى الحديث قوله أي المسلمين خير قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده" ٤.
_________________
(١) ١ جامع العلوم والحكم (ص ٢٦، ٢٧) باختصار. ٢ رواه البخاري (١/ ٥٣ فتح) ومسلم (١/ ٦٥) . ٣ انظر فتح الباري لابن حجر (١/٥٣) . ٤ شرح صحيح مسلم (٢/١٠) .
[ ٢٦٩ ]
وقد بوب النووي لهذا الحديث في صحيح مسلم بـ"باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل". ودلالة الحديث للباب ظاهرة.
وأورد في الباب نفسه حديث عبد الله بن عمرو أن رجلا سأل رسول الله ﷺ أي الإسلام خير؟ قال:"تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" ١.
فإطعام الطعام، وبذل السلام الواردان في هذا االحديث، وكف الأذى الوارد في الحديث الذي قبله كلها من أعمال الإسلام ومن خصاله الواجبة والإسلام يزيد بزيادتها وينقص بنقصها، فهذا ونحوه مما يدل على أن الإسلام يزيد وينقص.
وكذلك قول النبي ﷺ:"بنى الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان" ٢ يدل على تفاضل الإسلام، فإن من وفى بهذه الأعمال وأتى بها على الوجه أكمل كمل إيمانه، ومن نقص منها شيئًا نقص إيمانه، ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀ في مناقشته لمحمد بن نصر المروزي فيما ادعاه من ترادف الإسلام والإيمان في كل حال:
"وأما ما ذكره من أن الإسلام ينقص كما ينقص الإيمان فهذا أيضًا حق كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة فإن من نقص من الصلاة والزكاة أو الصوم أو الحج شيئًا فقد نقص من إسلامه بحسب ذلك"٣.
وبالمقابل من كمل هذه الأمور وأتى بها على وجهها زاد إسلامه
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (١/ ٥٥ فتح) ومسلم (١/ ٦٥) . ٢ أخرجه البخاري (١/ ٤٩ فتح) ومسلم (١/ ٤٥) . ٣ الفتاوى (٧/ ٤١٤) .
[ ٢٧٠ ]
وكمل.
والكلام المتقدم مبني على أعدل الأقوال وأصوبها في تعريف الإسلام وإلا فالناس في مسمى الإسلام صاروا إلى ثلاثة أقوال.
١- طائفة جعلت الإسلام هو الكلمة.
٢- وطائفة أجابوا بما أجاب به النبي ﷺ في حديث جبريل ﵇ فجعلوا الإسلام الأعمال الظاهرة، والإيمان الاعتقادات الباطنة.
٣- وطائفة جعلوا الإسلام مرادفًا للإيمان١.
والقول بزيادة الإسلام ونقصانه بناء على التعريفين الثاني والثالث للإسلام ظاهر، وإن كانت دعوى الترادف بين الإسلام والإيمان غير صحيحة. لكن على قول من قال إن الإسلام هو الكلمة، وهذا منقول عن الزهري ﵀ حيث قال:"فنرى أن الإسلام الكلمة والإيمان العمل"وقال بقوله هذا من العلماء حماد بن زيد، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، وأحمد بن حنبل رحمهم الله٢ فعلى هذا القول الإسلام لا يقبل الزيادة والنقصان، كما قال شيخ الإسلام ﵀"فالإسلام الذي لا يستثنى فيه الشهادتان باللسان فقط فإنها لا تزيد ولا تنقص فلا استثناء فيها"٣.
لكن ينبغي التنبه إلى أن الزهري ﵀- وكذلك من قال بقوله- لم يرد بذلك أن الإسلام الواجب هو الكلمة وحدها فإنه أجل
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى (٧/٢٥٩) وشرح العقيدة الطحاوية (٢/٤٨٨) . ٢ انظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (٤/ ٨١٢) . ٣ الفتاوى (٧/ ٢٥٩) .
[ ٢٧١ ]
من أن يرى ذلك، وإنما قال ما قال؛ لأن كل من أتى بالشهادتين صار مسلمًا متميزًا عن اليهود والنصارى تجزي عليه أحكام الإسلام التي تجري على المسلمين.
ولهذا فإن من أخذ قول الزهري هذا ليحتج به على أن الإسلام لا يقبل الزيادة والنقصان فهو غالط في قوله مخطىء في قصده. قال شيخ الإسلام:"ومن قال إن الإسلام هو الكلمة فقط وأراد بذلك أنه لا يزيد ولا ينقص فقوله خطأ" بل هو أشبه بأقوال المرجئة القائلين بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص.
وخلاصة القول في هذه المسألة أن الإسلام يقبل الزيادة والنقصان، ويتفاضل الناس فيه كتفاضلهم في الإيمان سواء والله أعلم.
_________________
(١) انظر الفتاوى (٧/ ٤١٥) . الفتاوى (٧/ ٤١٤) .
[ ٢٧٢ ]