تمهيد:
كان الكلام في البابين السابقين عن مسألة زيادة الإيمان ونقصانه، أما الكلام هنا فسيكون عن مسألة مهمة من مسائل الإيمان هي مسألة الاستثناء في الإيمان؟ وذلك بأن يجيب من يسأل هل هو مؤمن؟ بصيغة من إحدى صيغ متعددة تشعر بعدم القطع كأن يقول: أرجو، أو إن شاء الله، أو آمنت بالله، أو نحو ذلك من الصيغ.
ومسألتنا هذه ذات ارتباط وثيق وعلاقة وطيدة بمسألتنا السابقة وذلك لأن من كان مذهبه أن الإيمان يزيد وينقص وأن أهله يتفاضلون فيه يرى الاستثناء في الإيمان على اعتبار أنه لا يقطع بتكميل الإيمان وبالإتيان به على الدرجة العالية المطلوبة، بخلاف من يرى أن الإيمان شيء واحد لا يتجزأ ولا يزيد ولا ينقص وأن أهله فيه سواء فصاحب هذا القول يرى عدم جواز الاستثناء في الإيمان ويقطع بإيمانه، بل ويعد من استثنى في إيمانه شاكًا.
وبهذا يعلم مدى صلة هذه المسألة بمسألة زيادة الإيمان ونقصانه، وإن كان الجميع يعد من مسائل الإيمان ومباحثه المهمة.
ومما يوضح قوة صلة هذه المسألة بسابقتها أن هذه المسألة تبحث دائمًا في كتب العقيدة تلو مسألة زيادة الإيمان ونقصانه للارتباط بين المسألتين ولتعلق نتائج كل بنتائج الأخرى، وهذا يعلم بمطالعة كتب العقيدة.
ثم بين المسألتين ارتباط من جهة أخرى وهي أن كلتا المسألتين
[ ٤٥٥ ]
حدث الخوض فيهما بسبب الإرجاء الذي نشأ في الأمة بفعل أهل الأهواء، ولهذا ذم سلف الأمة الإرجاء وما يشتمل عليه من عقائد منحرفة، منها عدم القول بزيادة الإيمان ونقصانه ومنها القطع بالإيمان عند الله وبكمال الإيمان.
يقول محمد بن الحسين الآجري ﵀: "احذروا رحمكم الله قول من يقول: إن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل، ومن يقول: أنا مؤمن عند الله، وأنا مؤمن مستكمل الإيمان، هذا كله مذهب أهل الإرجاء"١.
ثم ساق بسنده إلى الأوزاعي أنه قال: "ثلاث هن بدعة: أنا مؤمن مستكمل الإيمان، وأنا مؤمن حقًا، وأنا مؤمن عند الله تعالى"٢.
وأول الخوض في مسألة الاستثناء هذه وسببه هم المرجئة، بل إن أصل الإرجاء وأس نشأته هو ترك الاستثناء في الإيمان، كما قال عبد الرحمن بن مهدي ﵀: "إذا ترك الاستثناء فهو أصل الإرجاء"٣، وفي لفظ آخر له "أول الإرجاء ترك الاستثناء"٤، وفي لفظ ثالث له: "أصل الإرجاء من قال إني مؤمن"٥.
ولهذا كان أئمة السلف كالإمام أحمد وغيره يكرهون سؤال الرجل لغيره أمؤمن أنت؟ ويكرهون الجواب عن ذلك؛ لأن هذه بدعة أحدثها المرجئة ليحتجوا بها لقولهم، فإن الرجل يعلم من نفسه أنه ليس بكافر،
_________________
(١) ١ الشريعة للآجري (ص ١٤٦) . ٢ المصدر السابق. ٣ رواه الآجري في الشريعة (ص ١٣٦)، وابن بطة في الإبانة (٢/٨٧١) . ٤ رواه الخلال في السنة (٣/٥٩٨) . ٥ رواه الطبري في تهذيب الآثار برقم (١٠٢٣) .
[ ٤٥٦ ]
بل يجد قلبه مصدقًا بما جاء به الرسول، فيقول: أنا مؤمن، فيثبت أن الإيمان هو التصديق، لأنه يجزم بأنه مؤمن، ولا يجزم بأنه فعل كما أمر به.
فلما علم السلف مقصدهم ذلك صاروا يكرهون الجواب أو يفضلون فيه١ بل ويعدون السؤال هذا بدعة محدثة، وما أروع ما قاله الأوزاعي في هذا، وذلك حينما سئل عن الرجل يسأل الرجل أمؤمن أنت؟ فأجاب ﵀: "إن المسألة عما تسأل عنه بدعة والشهادة به تعمق لم نكلفه في ديننا، ولم يشرعه نبينا، ليس لمن يسأل عن ذلك فيه إمام، القول به جدل والمنازعة فيه حدث.
ولعمري ما شهادتك لنفسك بالتي توجب لك تلك الحقيقة إن لم تكن كذلك، وما تركك الشهادة لنفسك بها بالتي تخرجك من الإيمان إن كنت كذلك، وإن الذي يسألك عن إيمانك ليس يشك في ذلك منك، ولكنه يريد ينازع الله ﵎ علمه في ذلك حتى تزعم أن علمه وعلم الله في ذلك سواء فاصبر نفسك على السنة وقف حيث وقف القوم، وقل فيما قالوا وكف عما كفوا واسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم، وقد كان أهل الشام في غفلة من هذه البدعة حتى قذفها إليهم بعض أهل العراق ممن دخل في تلك البدعة بعدما ورد عليهم فقهاؤهم وعلماؤهم فأشربها قلوب طوائف منهم واستحلتها ألسنتهم وأصابهم ما أصاب غيرهم من الاختلاف.
ولست بآيس أن يدفع الله ﷿ شر هذه البدعة إلى أن يصيروا إخوانا في دينهم ولا قوة إلا بالله.
_________________
(١) ١ الفتاوى لابن تيمية (٧/٤٤٨) .
[ ٤٥٧ ]
ثم قال: لو كان هذا خيرًا ما خصصتم به دون أسلافكم فإنه لم يدخر عنهم شيء خبيء لكم دونهم لفضل عندكم، وهم أصحاب نبينا ﷺ الذين اختارهم الله له وبعثه فيهم ووصفه بهم فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا..﴾ ١، إلى آخر السورة٢،ا. هـ.
قلت: يرحمه الله ما أروع بيانه، وما أجود نصحه وتبيانه، ولا والله لا خير فيمن لم يسعه ما وسعهم فإنهم عن علم ثاقب وقفوا، وعن بصيرة نيرة كفوا، والخير كل الخير في اتباعهم.
ثم إن الآثار المروية عن السلف يرحمهم الله في ذم الإرجاء بعامة، وفي ذم ترك الاستثناء وذم سؤال الناس عن إيمانهم بخاصة كثيرة جدًا، وكذلك النصوص عنهم في تبديع أهل هذه المسائل كثيرة، وسيأتي شيء منها في بحث قادم إن شاء الله تعالى.
ثم إنه لما خاض هؤلاء في هذه المسألة بباطل، وقلبوا فيها الأمور، وناقضوا الحقائق، لزم أهل الحق أن يتصدوا لهذا التيار وأن يجابهوا هذا الباطل بدحضه ورده وإحقاق الحق مكانه، لهذا كثر كلام أهل السنة في هذه المسألة وطال نقاشهم وردهم لهذا الباطل في كتبهم المفيدة ورسائلهم العديدة فنفع الله بها من شاء من خلقه.
وإني لأرجو الله أن يكون ما أكتبه هنا خرزة في ذلك العقد المبارك، فيه تهذيب لقول من سلف ونصر له، وإبطال لقول من خلف ودحض له،
_________________
(١) ١ سورة الفتح، الآية: ٢٩. ٢ رواه ابن بطة في الإبانة (٢/ ٨٨٢)، والآجري في الشريعة (ص ٤٢ ١)، والخلال في السنة (٣/٥٦٨)، وذكره الذهبي في السير (٨/٥٤٣) ووصفه بأنه فصل نافع.
[ ٤٥٨ ]
على رسم أهل السنة ووفق منهجهم، إن ربي لسميع الدعاء.
هذا، وإن أقوال الناس في مسألتنا هذه إجمالًا تنحصر في ثلاثة أقوال:
١- قول أنه يجب الاستثناء ومن لم يستثن كان مبتدعًا.
٢- وقول أن الاستثناء محظور، فإنه يقتضي الشك في الإيمان.
٣- والقول الثالث أوسطها وأعدلها أنه يجوز الاستثناء باعتبار وتركه باعتبار، وهذا أصح الأقوال، وهو قول أهل السنة والجماعة١.
فهذه ثلاثة أقوال في المسألة سأجعل كل واحد منها -بحول الله- في فصل مستقل، وأبدأ أولًا بقول أهل السنة والجماعة تقديمًا للحق، على غيره وبالله التوفيق.
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى لابن تيمية (١٣/٤٠) و(٧/ ٤٢٩ و٦٨١)، وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (٢/٤٩٤) ولوامع الأنوار البهية للسفاريني (١/٤٣٢) وغيرها.
[ ٤٥٩ ]
*
الفصل الأول: بيان مذهب أهل السنة والجماعة في مسألة الاستثناء في الإيمان
يشتمل هذا الفصل المعقود لبيان مذهب أهل السنة والجماعة في مسألة الاستثناء في الإيمان على أربعة مباحث مهمة، أرجو أن تكون وافية بالمقصود محققة للمنشود، وهي:
المبحث الأول: بيان قول أهل السنة في الاستثناء ومأخذهم فيه وأدلتهم عليه.
المبحث الثاني: نقل أقوالهم في الاستثناء مع التوفيق بينها.
المبحث الثالث: ما ورد عنهم من تبديع السؤال بـ "أمؤمن أنت".
المبحث الرابع: حكم الاستثناء في الإسلام.
[ ٤٦١ ]
المبحث الأول: بيان قول أهل السنة في الاستثناء ومأخذهم فيه وأدلتهم عليه
إن مجمل قول أهل السنة والجماعة في هذه المسألة هو أن الاستثناء في الإيمان جائز مشروع؛ لأن الإيمان عندهم شامل للاعتقادات والأقوال والأعمال، فإذا سئل أحدهم هذا السؤال استثنى في إيمانه مخافة عدم تكميل الأعمال التي بكمالها يكمل الإيمان فيقول أحدهم إذا أجاب أنا مؤمن إن شاء الله، أو مؤمن أرجو أو نحو ذلك.
وليس هذا منهم شكًا في أصل الإيمان معاذ الله. فهم أعلى وأرفع من ذلك، وإنما هو ترك لتزكية النفس والشهادة لها بتكميل الأعمال لهذا وقع منهم الاستثناء في الإيمان.
ولهم على ذلك دلائل وشواهد كثيرة من الكتاب والسنة يأتي ذكرها قريبًا وعلى هذا مضى مذهبهم واتفقت كلمتهم.
قال يحيى بن سعيد القطان: "ما أدركت أحدًا من أصحابنا ولا بلغنا إلا على الاستثناء"١.
وقال الوليد بن مسلم: "سمعت أبا عمرو يعني الأوزاعي ومالك بن أنس وسعيد بن عبد العزيز ينكرون أن يقول أنا مؤمن ويأذنون في
_________________
(١) ١ رواه الخلال في السنة (٣/ ٥٩٥)، وعبد الله في السنة (٩/٣١٠)، والآجري في الشريعة (ص ١٣٨)، وابن بطة في الإبانة (٢/٨٧١) .
[ ٤٦٣ ]
الاستثناء أن يقول أنا مؤمن إن شاء الله"١.
وقال البيهقي: "وقد روينا هذا - يعني الاستثناء في الإيمان- عن جماعة من الصحابة والتابعين والسلف الصالح ﵃ أجمعين"٢.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما مذهب سلف أصحاب الحديث كابن مسعود وأصحابه والثوري وابن عيينة وأكثر علماء الكوفة ويحيى بن سعيد القطان فيما يرويه عن علماء أهل البصرة، وأحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة، فكانوا يستثنون في الإيمان، وهذا متواتر عنهم.. "٣.
وقال: "والمأثور عن الصحابة وأئمة التابعين وجمهور السلف، وهو مذهب أهل الحديث وهو المنسوب إلى أهل السنة أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأنه يجوز الاستثناء فيه"٤.
وقال: "الاستثناء في الإيمان سنة عند أصحابنا وأكثر أهل السنة"٥، ومعنى قوله الاستثناء سنة أي: جائز، ردا على من نهى عنه وحرمه.
وسيأتي في مبحث مستقل، إن شاء الله نقل أقوال السلف وعباراتهم الدالة على ذلك والمبينة أن مذهبهم في الاستثناء هو أنه جائز مشروع.
وأما مأخذ السلف في الاستثناء، ووجه استثنائهم في الإيمان، فالمتأمل لأقوالهم الواردة في ذلك يجد أنهم عندما كانوا يستثنون
_________________
(١) ١ رواه عبد الله في السنة (١/ ٣٤٧)، وابن بطة في الإبانة (٢/٨٧٣) . ٢ شعب الإيمان للبيهقي (١/٢١٢) . ٣ الفتاوى (٧ / ٤٣٨، ٤٣٩) . ٤ الفتاوى (٧/ ٥٠٥) . ٥ الفتاوى (٧/ ٦٦٦) .
[ ٤٦٤ ]
يلحظون أمورًا أربعة - وإن كان في بعضها نوع تداخل يأتي التنبيه عليه في محله إن شاء الله - وهي:
١- أن الإيمان المطلق شامل لكل ما أمر الله به والبعد عن كل ما ينهى عنه، ولا يدعي أحد إنه جاء بذلك كله على التمام والكمال.
٢- أن الإيمان النافع هو المتقبل عند الله.
٣- البعد عن تزكية النفس، وليس هناك تزكية لها أعظم من التزكية بالإيمان.
٤- أن الاستثناء يكون في الأمور المتيقنة غير المشكوك فيها كما جاءت بذلك السنة.
فهذا مجمل الأمور التي كان يستثني من أجلها السلف في إيمانهم، وتفصيل هذه الأمور كما يلي:
١- فالمأخذ الأول:
للسلف في استثنائهم في الإيمان هو اعتبارهم أن الإيمان المطلق يتضمن فعل ما أمر الله به عبده كله، وترك المحرمات كلها، فإذا قال الرجل: أنا مؤمن بهذا الاعتبار فقد شهد لنفسه بأنه من الأبرار المتقين، القائمين بفعل جميع ما أمروا به وترك كل ما نهوا عنه، فيكون من أولياء الله١. ولا يدعي مسلم عاقل هذا لنفسه.
لهذا كان السلف يستثنون مخافة واحتياطًا أن لا يكونوا كملوا الأعمال وأتوا بها على وجهها المطلوب، فقول أنا مؤمن عندهم كقول
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى لابن تيمية (٧/ ٤٤٦) .
[ ٤٦٥ ]
أنا ولي أو أنا تقي، ولا يجزم أحد أنه كمل مراتب التقوى وأتم مراتب الولاية إلا من خسف عقله وقل خوفه، فكذلك لا يجزم أنه كمل مراتب الإيمان وأتم درجاته، فعندئذ لزمه الاستثناء في إيمانه مخافة واحتياطًا.
فهذا مأخذ عامة السلف الذين كانوا يستثنون في الإيمان لأن الإيمان عندهم قول وعمل؛ والقول كل يجزم أنه أتى به، وأما العمل فلا، إذ الناس متفاوتون في القيام به تفاوتًا عظيمًا، وأقوال السلف في هذا كثيرة.
قال الإمام أحمد: "أذهب إلى حديث ابن مسعود في الاستثناء في الإيمان، لأن الإيمان قول وعمل، والعمل الفعل فقد جئنا بالقول ونخشى أن نكون قد فرطنا في العمل فيعجبني أن نستثني في الإيمان، بقول: أنا مؤمن إن شاء الله"١.
وقال: "لو كان القول كما تقول المرجئة أن الإيمان قول ثم استثنى بعد على القول لكان هذا قبيحًا أن تقول لا إله إلا الله إن شاء الله ولكن الاستثناء على العمل"٢.
وقال: "لا نجد بدًا من الاستثناء لأنه إذا قال أنا مؤمن فقد جاء بالقول، فإنما الاستثناء بالعمل لا بالقول"٣.
وقال له رجل: قيل لي أمؤمن أنت؟ قلت: نعم. هل علي في ذلك شيء هل الناس إلا مؤمن وكافر؟ فغضب أحمد وقال: هذا كلام
_________________
(١) ١ رواه الخلال في السنة (٣/٦٠٠)، وابن هانىء في مسائله (٢/١٦٢)، وذكره شيخ الإسلام، انظر الفتاوى (٧/٤٤٧) . ٢ رواه الخلال في السنة (٣/ ٦٠١) . ٣ رواه الخلال في السنة (٣/٥٩٧) .
[ ٤٦٦ ]
الإرجاء، قال الله ﷿: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ﴾ ١ من هؤلاء؟ ثم قال أحمد: أليس الإيمان قولًا وعملًا؟ فقال الرجل: بلى، قال فجئنا بالعمل؟ قال: لا. قال: كيف نعيب أن تقول إن شاء الله وتستثني٢؟
وعن الميموني أنه سأل أبا عبد الله عن قوله ورأيه في مزمن إن شاء الله. قال: أقول مؤمن إن شاء الله ومؤمن أرجو؛ لأنه لا يدري كيف أداؤه للأعمال على ما افترضت عليه أم لا٣.
وقال الإمام أحمد: "إنما نصير الاستثناء على العمل؛ لأن القول قد جئنا به"٤.
قال شيخ الإسلام بعد أن ذكر طائفة من هذه النقول: "ومثل هذا كثير في كلام أحمد وأمثاله "٥.
وقال محمد بن حسين الآجري: ".. هذا طريق الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان، عندهم إن الاستثناء في الأعمال، لا يكون في القول والتصديق بالقلب، وإنما الاستثناء في الأعمال الموجبة لحقيقة الإيمان، والناس عندهم على الظاهر مؤمنون به يتوارثون، وبه يتناكحون، وبه تجري أحكام ملة الإسلام ولكن الاستثناء منهم على حسب ما بيناه لك، وبينه العلماء من قبلنا. روي في هذا سنن
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآية: ١٠٦. ٢ رواه الخلال في السنة (٣/ ٥٩٧)، وأبو داود في مسائله (ص ٢٧٣)، وبنحوه الآجري في الشريعة (ص ١٣٧) . ٣ رواه الخلال في السنة (٣/٦٠١) وذكره شيخ الإسلام الفتاوى (٧/ ٤٤٨)، وانظر تعليق شيخ الإسلام عليه. ٤ رواه عبد الله في السنة (١/٣٠٨) . ٥ الفتاوى (٧/ ٤٤٨) .
[ ٤٦٧ ]
كثيرة"١.
٢- وأما المأخذ الثاني:
فهو الاستثناء بالنظر إلى تقبل الأعمال من الله تعالى، إذ إن من قام بالعمل وأتى به لا يدري هل تقبل منه عمله أو لا؟
قال تعالى في وصف المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ ٢.
وقد سألت عائشة ﵂ النبي ﷺ عن هؤلاء فقالت: يا رسول الله أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر، ويخاف أن يعذب؟ قال: "لا، يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصلي ويصوم ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه" ٣.
وهكذا كان دأب السلف الصالح من صحابة وتابعين، يقومون بالأعمال الكثيرة الجليلة، ثم يخافون ألا نكون قد تقلبت منهم.
قال ابن بطة العكبري: "فهذه سبيل المؤمنين وطريق العقلاء من العلماء لزوم الاستثناء والخوف والرجاء لا يدرون كيف أحوالهم عند الله ولا كيف أعمالهم أمقبولة هي أم مرودة، قال الله ﷿: ﴿إنما
_________________
(١) ١ الشريعة للآجري (ص ١٣٦) . ٢ سورة المؤمنون، الآية:٦٠. ٣ رواه الحميدي في مسنده (١/١٣٢)، وأحمد (٦/١٥٩، ٢٠٥)، والترمذي (٥/ ٣٢٧)، وابن ماجه (٢/١٤٠٤)، والحاكم (٢/ ٣٩٣) وقال الحاكم صحيح الإسناد ووافقه الذهبي وصححه الألباني انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/٢٥٥) .
[ ٤٦٨ ]
يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ ١ وأخبر عن عبده الصالح سليمان ﵇ في مسألته إياه ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ ٢.
أفلا تراه كيف يسأل الله الرضا منه بالعمل الصالح لأنه قد علم أن الأعمال ليست بنافعة وإن كانت في منظر العين صالحة إلا أن يكون الله: ﷿ قد رضيها وقبلها، فهل يجوز لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يجزم أن أعماله الصالحة من أفعال الخير وأعمال البر كلها مرضية وعنده زكية ولديه مقبولة، هذا لا يقدر على حتمه وجزمه إلا جاهل مغتر بالله، نعوذ بالله من الغرة بالله والإصرار على معصية الله.
أما ترون رحمكم الله إلى الرجل من المسلمين قد صلى الصلاة فأتمها وأكملها وربما كانت في جماعة وفي وقتها وعلى تمام طهارتها فيقال له: صليت فيقول: قد صليت إن قبلها الله، وكذلك القوم يصومون شهر رمضان فيقولون في آخره صمنا إن كان الله قد تقبله منا، وكذلك يقول من قدم من حجه بعد فراغه من حجه وعمرته، وقضاء جميع مناسكه إذا سئل عن حجه إنما يقول قد حججنا ما بقي غير القبول، وكذلك دعاء الناس لأنفسهم ودعاء بعضهم لبعض: اللهم تقبل صومنا وصلاتنا وزكاتنا، وبذلك يلقى الحاج فيقال له قبل الله حجك وزكى عملك، وكذا يتلاقى الناس عند انقضاء شهر رمضان فيقول بعضهم لبعض قبل الله منا ومنك.
بهذا مضت سنة المسلمين وعليه جرت عادتهم وأخذه خلفهم عن
_________________
(١) ١ سورة المائدة، الآية: ٢٧. ٢ سورة النمل، الآية: ١٩.
[ ٤٦٩ ]
سلفهم فليس يخالف الاستثناء في الإيمان ويأبى قبوله إلا رجل خبيث مرجيء ضال قد استحوذ الشيطان على قلبه نعوذ بالله منه"١.
وقال شيخ الإسلام: "وخوف من خاف من السلف أن لا يتقبل منه، لخوفه أن لا يكون أتى بالعمل على وجهه المأمور، وهذا أظهر الوجوه في استثناء من استثنى منهم في الإيمان وفي أعمال الإيمان كقول أحدهم أنا مؤمن إن شاء الله، وصليت إن شاء الله، لخوف أن لا يكون أتى بالواجب على الوجه المأمور به، لا على جهة الشك فيما بقلبه من التصديق"٢.
وسئل ابن المبارك فقيل له. إن قومًا يقولون: إن سفيان الثوري حين كان يقول إن شاء الله كان ذاك منه شك، فقال ابن المبارك: أترى سفيان كان يسبقني في وحدانية الرب أو في محمد ﷺ إنما كان استثناؤه في قبول إيمانه وما هو عند الله٣.
وقد نقل الإمام أحمد عن سليمان بن حرب أنه كان يستثني ويحمل هذا على التقبل يقول نحن نعمل، ولا ندري يتقبل منا أو لا٤؟
فهذا وجه من أوجه الاستثناء عند السلف الصالح وهو النظر إلى التقبل، وهو في الحقيقة عند التأمل يعود إلى الوجه الأول، وهو النظر إلى الأعمال وتكميلها؟ لأن القبول متعلق بالإتيان بالأعمال على الوجه المطلوب، فمن كان عمله كذلك قبل منه.
_________________
(١) ١ الإبانة لابن بطة (٢/ ٨٧٢، ٨٧٣) . ٢ الفتاوى (٧/ ٤٩٦)، وانظر السلسلة الصحيحة للألباني (١/ ٢٥٧) . ٣ رواه إسحاق بن راهوية في مسنده (٣/٦٧٠) . ٤ رواه الخلال في السنة (٣/ ٥٩٧)، وابن بطة في الإبانة (٢/٨٧٣) .
[ ٤٧٠ ]
لذا يقول شيخ الإسلام عقب ذكره لأثر سليمان بن حرب المتقدم: "والقبول متعلق بفعله كما أمر. فكل من اتقى الله في عمله، ففعله كما أمر فقد تقبل منه لكن هو لا يجزم بالقبول، لعدم جزمه بكمال الفعل"١ ثم ذكر حديث عائشة المتقدم.
٣- المأخذ الثالث:
في الاستثناء عند السلف، هو البعد عن تزكية النفس٢. وليس هناك تزكية للنفس وراء الشهادة لها بالإيمان، الذي قال الله في وصف أهله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ٣.
فمن قال عن نفسه إنه مؤمن فقد زكاها بأعظم تزكية ونعتها بأكمل الصفات وأجملها، والله قد نهى عن ذلك في محكم تنزيله، قال تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ ٤.
قال الحسن في معنى الآية: "علم الله من كل نفس ما هي صانعة وإلى ما هي صائرة، فلا تزكوا أنفسكم فلا تبرئوها عن الآثام ولا تمدحوها بحسن أعمالها"٥.
_________________
(١) ١ الفتاوى (٧/٤٤٧) . ٢ انظر الفتاوى (٧/٦٦٨) . ٣ سورة الأنفال، الآية: ٢، ٣، ٤. ٤ سورة النجم، الآية: ٣٢. ٥ تفسير البغوي (٤/٢٥٣) .
[ ٤٧١ ]
فإذا علم أن الله قد نهى عباده عن الثناء على أنفسهم وتزكيتها، فأي وصف وثناء أبلغ من الثناء عليها بالإيمان وأي تزكية أعظم من هذا، يقول الخليل النحوي: "إذا قلت إني مؤمن فأي شيء بقي"١.
ومن لطيف ما روي في هذا أن أعرابيًا سئل أمؤمن أنت، فقال: "أزكي نفسي"٢. وتأمل كيف وفق هذا الأعرابي بفطرته السليمة إلى هذا الفقه المسدد، الذي لا يتهيأ مثله لمن شغل أوقاته بالفلسفات الكلامية والآراء المنطقية، التي هي أشد ما يكون خطرًا على الإيمان والفطر.
فينبغي للعقلاء أهل الإيمان أن يتجنبوا قول ما فيه تزكية نفوسهم، كما قال ابن بطة ﵀ في ذكر بعض أوصاف أهل الإيمان: "اعلموا رحمنا الله وإياكم أن من شأن المؤمنين وصفاتهم وجود الإيمان فيهم، ودوام الإشفاق على إيمانهم، وشدة الحذر على أديانهم، فقلوبهم وجلة من خوف السلب، قد أحاط بهم الوجل، لا يدرون ما الله صانع بهم في بقية أعمارهم، حذرين من التزكية، متبعين لما أمرهم به مولاهم الكريم حين يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ ٣ " ٤.
فهذا مأخذ ثالث للسلف في الاستثناء، يستثنون مخافة تزكية النفس، فكلمة مؤمن تعدل عندهم كلمة بر وتقي ومن أهل الجنة.
قال شيخ الإسلام: "فإذا قال الرجل: أنا مؤمن بهذا
_________________
(١) ١ رواه الخلال في السنة (٣/٥٦٨) وعبد الله في السنة (١/ ٣١٦)، واللالكائي في شرح الاعتقاد (٥/ ٩٦١) . ٢ رواه اللالكائي في شرح الاعتقاد (٥/١٠٠٧) من طريق الأصمعي وسليمان بن حرب عن حماد، وقال في آخره سليمان: "وكان حماد يعجبه قوله". ٣ سورة النجم، الآية: ٣٢. ٤ الإبانة لابن بطه (٢/ ٨٦٢) .
[ ٤٧٢ ]
يصبح جنبًا يصوم؟ فقال: "إني لأفعل ذلك ثم أصوم " فقال: إنك لست مثلنا أنت قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك، فقال: "والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله" ١ وهذا كثير وأشباهه على اليقين.
ودخل عليه شيخ فسأله عن الإيمان فقال: قول وعمل، فقال له يزيد قال: يزيد وينقص. فقال له: أقول مؤمن إن شاء الله؟ قال نعم، فقال له: إنهم يقولون لي: إنك شاك. قال بئس ما قالوا. ثم خرج فقال: ردوه، فقال: أليس يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، قال: نعم. قال هؤلاء مستثنون، قال له: كيف يا أبا عبد الله؟ قال قل لهم زعمتم أن الإيمان قول وعمل، فالقول قد أتيتم به، والعمل فلم تأتوا به، فهذا الاستثناء لهذا العمل، فقيل له: فيستثنى في الإيمان قال: نعم أقول: أنا مؤمن إن الله شاء الله، استثني على اليقين لا على الشك، ثم قال: قال الله ﷿: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ٢ فقد علم ﵎ أنهم داخلون المسجد الحرام٣.
قال شيخ الإسلام معلقًا على كلام أحمد هذا منبهًا على ما فيه من فوائد: "فقد بيّن أحمد في كلامه أنه يستثني مع تيقنه بما هو الآن موجود فيه، يقوله بلسانه وقلبه لا يشك في ذلك، ويستثنى لكون العمل من الإيمان وهو لا يتيقن أنه أكمله بل يشك في ذلك، فنفى الشك وأثبت اليقين فيما يتيقنه من نفسه وأثبت الشك فيما لا يعلم وجوده، وبين أن الاستثناء مستحب
_________________
(١) ١ رواه مسلم في صحيحه (٢/٧٧٩) عن عمر بن أبي سلمة ﵁ وهو صاحب المسألة. ٢ سورة الفتح، الآية: ٢٧. ٣ رواه الخلال في السنة (٣/ ٥٩٥، ٥٩٦) .
[ ٤٧٤ ]
لهذا الثاني الذي لا يعلم هل أتى به أم لا، وهو جائز أيضًا لما يتيقنه، فلو استثنى لنفس الموجود في قلبه جاز كقول النبي ﷺ: "والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله"وهذا أمر موجود في الحال ليس بمستقبل وهو أخشانا،
فإنه لا يرجو أن يصير أخشانا لله، بل هو يرجو أن يكون حين هذا القول أخشانا لله، كما يرجو المؤمن إذا عمل عملًا أن يكون الله تقبله منه ويخاف أن لا يكون تقبله منه"١.
وعن محمد بن الحسن بن هارون قال: سألت أبا عبد الله عن الاستثناء في الإيمان؟ فقال: نعم الاستثناء على غير معنى شك مخافةً واحتياطًا للعمل، وقد استثنى ابن مسعود وغيره وهو مذهب الثوري، قال الله ﷿ ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ٢، وقال النبي ﷺ لأصحابه: "إني لأرجو أن كون أتقاكم لله" ٣ وقال في البقيع: "عليه تبعث إن شاء الله" ٤.
قال شيخ الإسلام موضحًا كلام الأمام أحمد هذا: "فقد بين أحمد أنه يستثني مخافةً واحتياطًا للعمل، فإنه يخاف أن لا يكون قد كمل المأمور به، فيحتاط بالاستثناء وقال على غير معنى شك يعني من غير شك مما يعلمه الإنسان من نفسه، وإلا فهو يشك في تكميل العمل الذي خاف أن لا يكون كمله، فيخاف من نقصه ولا يشك في أصله"٥.
_________________
(١) ١ الفتاوى (٧/ ٤٥٢) . ٢ سورة الفتح، الآية: ٢٧. ٣ تقدم تخريجه قريبًا. ٤ رواه الخلال في السنة (٣/٥٩٣)، وابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (١/٢٨٩) . ٥ الفتاوى (٧/ ٤٥٠) .
[ ٤٧٥ ]
وقال الفضل بن زياد سمعت أبا عبد الله يقول إذا قال أني مؤمن إن شاء الله ليس هو بشاك، قيل له: إن شاء الله ليس هو شكًا؟ قال معاذ الله أليس قد قال الله ﷿: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ وفي علمه أنهم يدخلون، وصاحب القبر إذ قال: "عليه تبعث إن شاء الله"فأي شك ها هنا وقال النبي ﷺ: "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" ١.
وقال حرب بن إسماعيل سمعت أحمد يقول في التسليم على أهل القبور أنه قال: "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون"٢ قال: هذا حجة في الاستثناء في الإيمان؟ لأنه لابد من لحوقهم ليس فيه شك وقال الله ﷿: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ٣ وهذه حجة أيضًا لأنه لا بد داخلوه٤.
وقال أبو بكر الأثرم سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل سئل عن الاستثناء في الإيمان ما تقول فيه؟ قال: أما أنا فلا أعيبه، قال أبو عبد الله إذا كان تقول أن الإيمان قول وعمل فاستثني مخافةً واحتياطًا، ليس كما يقولون على الشك، إنما يستثنى للعمل، قال الله ﷿: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ٥ فهذا استثناء بغير شك، وقال النبي ﷺ: "إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله ﷿" ٦ قال: هذا كله
_________________
(١) ١ رواه ابن بطة في الإبانة (٢/ ٨٧٤)، والآجري في الشريعة (ص ١٣٨) . ٢ تقدم تخريجه قريبًا. ٣ سورة الفتح، الآية: ٢٧. ٤ رواه الخلال في السنة (٣/ ٥٩٥) . ٥ سورة الفتح، الآية: ٢٧. ٦ تقدم تخريجه قريبًا.
[ ٤٧٦ ]
تقوية للاستثناء في الإيمان١.
وقال المروذي قيل لأبي عبد الله إن استثنيت في إيماني أكن شاكًا؟ قال: لا٢.
وقال حماد بن زيد: "يسموننا الشكاك والله ما شككنا في ديننا قط، ولكن جاءت أشياء، أليس ذكر أن اليسير من الرياء شرك، فأينا لم يراء؟ "٣.
فبهذه النقول الجليلة والأقوال الجميلة يندفع عن أهل السنة والجماعة شناعة المشنعين من أهل البدع والأهواء بأنهم شكاك، وحاشاهم ﵏، بل هم أهل دين وورع وعلم ويقين.
وبعد، فهذه وجوه أربعة من أجلها استثنى من استثنى من السلف في إيمانه وملخص هذه الوجوه ما ذكره شيخ الإسلام بقوله: "فإذا كان مقصوده - أي المستثنى في إيمانه - إني لا أعلم أني قائم بكل ما أوجب الله علي، وأنه يقبل أعمالي، ليس مقصوده الشك فيما في قلبه فهذا استثناؤه حسن، وقصده أن لا يزكي نفسه، وأن لا يقطع بأنه عمل عملًا كما أمر فقبل منه، والذنوب كثيرة والنفاق مخوف على عامة الناس"٤. فجمع ﵀ في كلمته هذه الجامعة الوجوه الأربعة التي كان ليحظها السلف عند استثنائهم في الإيمان.
وعلى كل فهذا ما كان يستثنى السلف لأجله في إيمانهم ولم يكن احد
_________________
(١) ١ رواه الآجري في الشريعة (ص ١٣٧)، وذكره شيخ الإسلام في الفتاوى (٧/٢٥٤) ٢ رواه ابن بطة في الإبانة (٢/ ٩٥٥) . ٣ رواه عبد الله في السنة (١/٣٤٧) . ٤ الفتاوى (١٣/٤١) .
[ ٤٧٧ ]
من السلف يستثني في إيمانه بحسب الموافاة كما يظنه بعض أهل الأهواء بل هذا من الغلط عليهم، وفي بيان سبب هذا الغلط يقول شيخ الإسلام: "فهؤلاء لما اشتهر عندهم عن السلف أنهم يستثنون في الإيمان، ورأوا أن هذا لا يمكن إلا إذا جعل الإيمان هو ما يموت العبد عليه، وهو ما يوافي به العبد ربه، ظنوا أن الإيمان عند السلف هو هذا، فصاروا يحكون هذا عن السلف، وهذا القول لم يقل به أحد عن السلف، ولكن هؤلاء حكوه عنهم بحسب ظنهم، لما رأوا أن قولهم لا يتوجه إلا على هذا الأصل "١.
وسيأتي مناقشة هؤلاء في قولهم عند ذكر مذهبهم إيجاب الاستثناء في الإيمان بحسب الموافاة، إذ المقصود هنا بيان قول السلف ومأخذهم في الإيمان.
_________________
(١) ١ الفتاوى (٧/٤٣٦) .
[ ٤٧٨ ]
المبحث الثاني: نقل أقوال السلف في الاستثناء مع التوفيق بينها
تقدم معنا أن الاستثناء سنة ماضية عند سلفنا الصالح ﵃ ورحمهم، وتقدم ذكر مأخذهم في الاستثناء وأدلتهم عليه، وفي هذا المبحث أنقل بعض عبارات السلف الواردة عنهم في ذلك، والتي تتضمن النكير على أهل الإرجاء الذين يقطعون بأنهم مؤمنون عند الله من غير استثناء في ذلك.
والسلف لهم في الاستثناء صيغ متعددة، فمنهم من يستثني بقول: إن شاء الله أو أرجو، أو آمنت بالله ، أو لا إله إلا الله أو نحو ذلك من الصيغ، وجميع هذه الصيغ مؤداها واحد، وهو عدم القطع بالإيمان المطلق الكامل وتفويض ذلك إلى الله سبحانه.
وفيما يلي أنقل بعض ما ورد عن السلف في ذلك، مصنفا أقوالهم حسب الصيغ الواردة عنهم في الاستثناء.
١- استثناؤهم بقول: "إن شاء الله ":
(أ) عن عبد الرحمن بن عصمة قال: كنت عند عائشة ﵂ فأتاها رسول معاوية ﵁ بهدية فقال: أرسل بها إليك أمير المؤمنين، فقالت: أنتم المؤمنون إن شاء الله تعالى، وهو أميركم وقد قبلت هديته١.
_________________
(١) ١ رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١١/٢٨)، وفي كتاب الإيمان (ص ٩)، وعبد الله في السنة (١/ ٣٤٩) ولم أقف لابن عصمة على ترجمة.
[ ٤٧٩ ]
(ب) وعن أحمد بن حنبل قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: إذا سئل أمؤمن أنت إن شاء لم يجبه، وسؤالك إياي
بدعة، ولا أشك في إيماني، وقال: إن شاء الله ليس يكره، وليس بداخل في الشك١.
(ج) وقال جرير بن عبد الحميد: "كان الأعمش ومنصور ومغيرة وليث وعطاء بن السائب وإسماعيل بن خالد وعمارة بن القعقاع والعلاء بن المسيب وابن شبرمة وسفيان الثوري وأبو يحيى صاحب الحسن وحمزة الزيات يقولون نحن مؤمنون إن شاء الله، ويعيبون من لم يستثن"٢.
(د) وسئل أحمد ما تقول في الاستثناء في الإيمان؟ قال: نحن نذهب إليه.
قيل الرجل يقول أنا مؤمن إن شاء الله؟ قال نعم٣.
وسئل عن الرجل يقال له أمؤمن أنت قال: سؤاله إياك بدعة، يقول: إن شاء الله٤.
وسئل عن الرجل يسألني مؤمن أنت؟ قال: تقول نعم إن شاء
_________________
(١) ١ رواه عبد الله في السنة (١/٣١٠)، والخلال في السنة (٣/ ٦٠٢)، والآجري في الشريعة (ص١٣٨)، وابن بطة في الإبانة (٢/٨٨١) . ٢ رواه عبد الله في السنة (١/ ٣٣٥)، والآجري في الشريعة (ص ١٣٩)، وابن بطة في الإبانة (٢/٨٧١) . ٣ رواه الخلال في السنة (٣/ ٥٩٤) . ٤ رواه الخلال في السنة (٣/ ٦٠٢) . ترجمة.
[ ٤٨٠ ]
الله١.
٢- استثناؤهم بقول: أرجو:
(أ) - عن سعيد بن جبير قال: سألت ابن عمر قال: قلت اغتسل من غسل الميت؟ قال: مؤمن هو؟ قلت: أرجو، قال:
فتمسح بالمؤمن ولا تغتسل منه٢.
(ب) - عن إبراهيم النخعي قال: قال رجل لعلقمة أمؤمن أنت؟ قال: أرجو٣.
(ج) - وعن إبراهيم النخعي عن علقمة - وتكلم عنده رجل من الخوارج بكلام كرهه- فقال علقمة ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ ٤ فقال له الخارجي: أو منهم أنت؟ فقال: أرجو٥.
(د) - وعن الحسن بن عبيد الله قال: قال إبراهيم النخعي: إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟ فقل أرجو٦.
_________________
(١) ١ رواه الخلال في السنة (٣/ ٦٠٢) . ٢ رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (٣/٢٦٧)، وعبد الله في السنة (١/٣٢١) . ٣ رواه أبو عبيد في الإيمان (ص ٦٨)، وابن أبي شيبة في الإيمان (ص ٩)، وفي المصنف (١١/١٥)، وعبد الله في السنة (١/٣٤٠)، والآجري في الشريعة (ص١٣٦) . ٤ سورة الأحزاب، الآية: ٥٨. ٥ رواه عبد الله في السنة (١/ ٣٢٢)، والآجري في الشريعة (ص ١٤١)، وأبن بطة في الإبانة (٢/٨٧٠) . ٦ رواه عبد الله في السنة (١/٣٤٠)، والطبري في تهذيب الآثار (برقم ١٠٠٠)، والآجري في الشريعة (ص١٤١)، وابن بطة في الإبانة (٢/٨٧٩) .
[ ٤٨١ ]
(هـ) - وسئل أحمد بن حنبل عمن يقال له أنت مؤمن؟ فقال: سؤاله إياك بدعة، وقل أنا مؤمن أرجو١.
٣ - استثناؤهم بقول: "آمنت بالله وملائكته..":
(أ) - عن علقمة بن الأسود قال: قال رجل عند عبد الله: إني مؤمن. قال: قل إني في الجنة، ولكنا نقول: آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله٢.
(ب) - وعن ابن طاووس عن أبيه أنه كان إذا قيل له أمؤمن أنت؟ قال: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله، ولا يزيد على هذا٣.
(ج) - وعن سفيان بن محل قال: قال لي إبراهيم: "إذا قيل لك أمؤمن أنت فقل: آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله"٤.
(د) وعن عبد الرحمن بن بكير السلمي قال: كنت عند محمد بن سيرين وعنده أيوب فقلت له: يا أبا بكر يقول لي: أمؤمن أنت؟ أقول: مؤمن، فانتهرني أيوب، فقال
_________________
(١) ١ رواه الخلال في السنة (٣/ ٦٠٢) . ٢ رواه أبو عبيد في الإيمان (ص ٦٧)، وابن أبي شيبة في الإيمان (ص ٩)، وعبد الله في السنة (١/ ٣٢٢) . ٣ رواه عبد الله في السنة (١/ ٢٣)، والآجري في الشريعة (ص ١٤٢)، وابن بطة في الإبانة (٢/٨٧٨) . ٤ رواه أبو عبيد في الإيمان (ص ٦٨)، وعبد الله في السنة (١/٣٢٠)، والآجري في الشريعة (ص١٤١)، وابن بطة في الإبانة (٢/٨٧٨) .
[ ٤٨٢ ]
محمد: وما عليك أن تقول آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله١.
(هـ) وعن حبيب بن الشهيد قال: قال محمد بن سيرين: "إذا قيل لك أنت مؤمن فقل: آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق"٢.
(و) وعن أحمد بن أصرم المزني أن أبا عبد الله قيل له إذا سألني الرجل أمؤمن أنت؟ فقال: سؤاله إياك بدعة لا نشك
في إيماننا. قال المزني: وحفظي أن أبا عبد الله قال: أقول كما قال طاووس: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله٣.
٤- استثناؤهم بقول "لا إله إلا الله ":
(أ) عن سوار بن شبيب قال جاء رجل إلى ابن عمر فقال إن هاهنا قومًا يشهدون علي بالكفر قال: "ألا تقول لا إله
إلا الله فتكذبهم"٤.
(ب) وعن الحسن بن عمرو عن إبراهيم النخعي قال: إذا قيل لك أمؤمن أنت؟ فقال: لا إله إلا الله٥.
_________________
(١) ١ رواه عبد الله في السنة (١/٣٢٠) وابن بطة في الإبانة (٢/٨٧٨) . ٢ رواه عبد الله في السنة (١/٣٢٠)، والآجري في الشريعة (ص ١٤١)، وابن بطة في الإبانة (٢/ ٨٧٩) . ٣ رواه الخلال في السنة (٣/٦٠١) . ٤ رواه ابن أبي شيبة في الإيمان (ص ١٠)، وفي المصنف (١١/٣٠) . ٥ رواه عبد الله في السنة (١/٣٢١)، والآجري في الشريعة (ص ١٤١)، وابن بطة في الإبانة (٢/ ٨٧٨) .
[ ٤٨٣ ]
فجميع هذه النقول تدل بوضوح على أن الاستثناء في الإيمان سنة ماضية عند السلف الصالح بصيغ مختلفة مدارها على البعد عمت تزكية النفس والشهادة لها بتكميل الأعمال وإتمام الإيمان.
ولا يشكل على هذا ما نقل عن بعض السلف أنه أجاب بأنه مؤمن دون استثناء مثل:
١- ما نقل عن معاذ بن جبل ﵁ أنه خطبهم فقال: "أنتم المؤمنون وأنتم أهل الجنة، والله إني لأطمع أن يكون عامة من تصيبون بفارس والروم في الجنة، فإن أحدهم يعمل الخير فيقول أحسنت بارك الله فيك أحسنت رحمك الله، والله يقول: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ١ "٢.
فهذا الأثر خوطب فيه الجماعة ولم بعين به شخص، وفي آخره رجع إلى الاستثناء في دخول الجنة فقال:"إني لأطمع"٣.
٢- وعن ابن أبي كثير عن رجل لم يسمه عن أبيه: قال سمعت ابن مسعود يقول: أنا مؤمن٤.
وإسناد هذا الأثر ضعيف فالرجل الذي لم يسم وأبوه مجهولان.
٣- وعن عبد الله بن يزيد الأنصاري قال: "تسموا باسمكم الذي سماكم الله بالحنيفية والإسلام والإيمان"٥.
_________________
(١) ١ سورة الشورى، الآية: (٢٦) . ٢ رواه الحاكم (٢/ ٤٤٤)، والبيهقي في الشعب (١/ ٢١٣)، وقال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. ٣ انظر شعب في الإيمان للبيهقي (١/ ٢١٤) . ٤ رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١١/ ٢٩)، وفي كتاب الإيمان (ص ١٠) . ٥ رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١١/ ٣٠)، وفي كتاب الإيمان (ص ١٠)، وقال الألباني صحيح الإسناد موقوفًا.
[ ٤٨٤ ]
٤- وعن أبي عبد الرحمن الشيباني قال: لقيت عبد الله بن معقل فقلت له: إن أناسًا من أهل الصلاح يعيبون عليَّ أن أقول: أنا مؤمن، فقال عبد الله: لقد خبت وخسرت إن لم تكن مؤمنًا١.
٥- وعن إبراهيم التميمي قال: "وما على أحدكم أن يقول: أنا مؤمن، فوالله لئن كان صادقًا لا يعذبه الله على صدقه، وإن كان كاذبًا لما دخل عليه من الكفر أشد عليه من الكذب"٢.
ومراده بـ "أنا مؤمن"أصل الإيمان كما يدل على ذلك آخر كلامه قوله "لما دخل عليه من الكفر..".
٦-وعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: "إذا سئل أحدكم: أمؤمن أنت؟ فلا يشك في إيمانه"٣.
٧ - وعن يوسف بن ميمون قال: قلت لعطاء: "إنَّ قبلنا قومًا نعدهم من أهل الصلاح إن قلنا نحن مؤمنون عابوا ذلك علينا، قال: فقال عطاء: نحن المسلمون المؤمنون وكذلك أدركنا أصحاب رسول الله ﷺ يقولون"٤.
_________________
(١) ١ رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١١/٢٩)، وفي كتاب الإيمان (ص ١٠) وقد تصحف الاسم في كتاب الإيمان من ابن معقل إلى ابن مغفل. ٢ رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١١/ ١٥)، وفي كتاب الإيمان (ص ٢٣) وقال الألباني إن السند إلى إبراهيم صحيح. ٣ رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١١/ ٢٩) وفي كتاب الإيمان (ص ٩) . ٤ رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١١/٣٥) وفي كتاب الإيمان (ص ١٦)، وقال الألباني: إسناده ضعيف.
[ ٤٨٥ ]
فهذه الآثار لا تشكل على ما ذكرته آنفًا من أن مذهب السلف هو جواز الاستثناء في الإيمان، لأنها لا تخلو من أحد أمور:
١- إما أن تكون ضعيفة الإسناد غير ثابتة عن الصحابي أو التابعي المروية عنه كما في بعض الآثار المتقدمة.
٢ - أو أن يكون قاله على سبيل التعميم كما في الأثر الأول، وهذا لا إشكال فيه إذ أهل القبلة كلهم مؤمنون باعتبار الظاهر منهم، وبذلك يتوارثون ويتناكحون ويتعاملون بالأخوة الإيمانية.
٣- أو أن يكون قصد بذلك أصل الإيمان لإتمامه وكماله، بل هذا هو مقصودهم عند إطلاق القول "أنا مؤمن"أو "أنت مؤمن"لأن اسم الإيمان عند السلف على ضربين: مطلق ومقيد.
فإذا استعمل مطلقًا شمل جميع ما يحبه الله ورسوله من أقوال العبد وأعماله الظاهرة والباطنة.
وإذا استعمل مقيدًا يكون متناولًا لأصل الإيمان وأساسه، وهو الإيمان الباطن بأركانه الستة الواردة في حديث جبريل المشهور.
وللإيمان عندهم أصل وفرع؛ فأصل الإيمان في القلب وهو قول القلب وعمله، وفرعه الأعمال الظاهرة بأنواعها١.
وعلى هذا فإن من استثنى من السلف في إيمانه قصد به الإيمان التام الكامل المقبول عند الله، ومن لم يستثن قصد الإيمان الباقي الذي هو أصل الإيمان وأساسه وهذا لا استثناء فيه.
وعلى هذا ينبغي لمن سئل هل هو مؤمن أو، لا؟ أن يستفصل من السائل ماذا يريد بالإيمان؟ هل يريد بذلك الإيمان الكامل التام المقبول
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى لابن تيمية (٧/ ٦٤٢ وما بعدها) .
[ ٤٨٦ ]
عند الله الذي أهله يقينا في الجنة؟ أو يريد الإيمان المقيد الذي هو أصل الإيمان وأساسه؟
فإن أراد الأول فلا بد من الاستثناء، وإن أراد الثاني فلا استثناء، على ما سبق بيانه وشرحه.
وتأكيدًا لما ذكرت أنقل بعض أقوال السلف المؤكدة لذلك والمؤيدة له، والمبينة أن مقصودهم بترك الاستثناء في الإيمان أصله، وبالاستثناء فيه تمامه وكماله.
فعن تمام بن نجيح قال سأل رجل الحسن البصري عن الإيمان فقال: "الإيمان إيمانان فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار والبعث والحساب فأنا مؤمن، وإن كنت تسألني عن قول الله ﷿ ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ ١ فوالله ما أدري أنا منهم أم لا"٢.
قال البيهقي معلقًا: "فلم يتوقف الحسن في أصل إيمانه في الحال، وإنما توقف في كماله الذي وعد الله ﷿ لأهله الجنة بقوله: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ "٣.
_________________
(١) ١ سورة الأنفال، الآيات: ٣-٤. ٢ تقدم تخريجه (ص ٤٠٤) . ٣ الاعتقاد (١٢٠) .
[ ٤٨٧ ]
وقال سفيان الثوري: "الناس عندنا مؤمنون في الأحكام والمواريث ونرجو أن يكونوا كذلك، ولا ندري ما حالنا عند الله ﷿"١.
وعن وكيع قال: "كان سفيان الثوري يقول أنا مؤمن وأهل القبلة كلهم مؤمنون في النكاح والدية والمواريث، ولا يقول مؤمن عند الله ﷿"٢.
وعن قتيبة بن سعيد قال: "هذا قول الأئمة المأخوذ في الإسلام والسنة بقولهم ونقول: الناس عندنا مؤمنون بالاسم الذي سماهم الله في الإقرار والحدوث والمواريث، ولا نقول: حقًا، ولا نقول: عند الله ولا نقول: كإيمان جبريل وميكائيل؛ لأن إيمانهما متقبل"٣.
وعن إسماعيل بن سعيد قال: "سألت أحمد من قال: أنا مؤمن عند نفسي من طريق الأحكام والمواريث ولا أعلم ما أنا عند الله ﷿، قال: ليس هذا بمرجىء"٤.
فبهذه النقول يعلم ما سبق ذكره عن مذهب السلف أنهم يجوزون الاستثناء باعتبار ويمنعونه باعتبار حسب مراد القائل بكلمة الإيمان.
ولهذا كان من السلف من يرى أن الاستثناء وتركه سواء على المعنى الذي أشرت إليه.
قال الأوزاعي: "من قال أنا مؤمن فحسن، ومن قال: أنا مؤمن إن
_________________
(١) ١ رواه عبد الله في السنة (١/٣١١)، وأبو داود في مسائل الإمام أحمد (ص ٢٧٤)، والآجري في الشريعة (ص ١٣٨)، وابن بطة في الإبانة (٢/ ٨٧٢) . ٢ رواه البيهقي في الشعب (١ / ٢١٩) . ٣ رواه البيهقي في الشعب (١ / ٢١٩) . ٤ رواه الخلال في السنة (٣/ ٥٧٤) .
[ ٤٨٨ ]
شاء الله فحسن، لقول الله ﷿: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ١. وقد علم أنهم داخلون"٢.
ولا يتنافى هذا مع ما جاء عن بعضهم من كراهة ترك الاستثناء كما روي ذلك عن سفيان الثوري أنه ينكر ويكره أن يقول: أنا مؤمن٣، وقد تقدم معنا عن جمع من السلف أنهم كانوا يعيبون من لا يستثني.
قال أبو عبيد: "وإنما كراهتهم عندنا أن يثبتوا الشهادة بالإيمان مخافة ما أعلمتكم في الباب الأول من التزكية والاستكمال عند الله، وأما على أحكام الدنيا فإنهم يسمون أهل الملة جميعًا مؤمنين؛ لأن ولايتهم وذبائحهم وشهاداتهم ومناكحتهم وجميع سنتهم إنما هي على الإيمان، ولهذا كان الأوزاعي يرى الاستثناء وتركه جميعًا واسعين"٤.
قلت: ولكن لما كان ترك الاستثناء شعارًا للمرجئة، ومتضمنًا لتزكية النفس والثناء عليها وهذا منهي عنه شرعًا، فإني أرى أن لزوم الاستثناء أولى وأكمل، وأن لا يترك الاستثناء إلا إذا بين المقصود والمراد.
ولهذا كان الإمام أحمد لا يعجبه ترك الاستثناء٥، بل قال مرة لحسين بن منصور من قال من العلماء: أنا مؤمن؟ قلت: ما أعلم رجلًا أثق به. قال: لم تقل شيئًا لم يقله أحد من أهل العلم قبلنا٦.
_________________
(١) ١ سورة الفتح، الآية: ٢٧. ٢ رواه أبو عبيد في الإيمان (ص ٦٩) وبنحوه الخلال في السنة (٣/ ٥٩٨) . ٣ رواه الآجري في الشريعة (ص ٣٨ ١)، وابن بطة في الإبانة (٢/٨٧١) . ٤ الإيمان (ص ٦٨) . ٥ رواه الخلال في السنة (٣/٥٩٨) . ٦ رواه الخلال في السنة (٣/ ٥٦٦) .
[ ٤٨٩ ]
قال شيخ الإسلام: " ولهذا كان الصحيح أنه يجوز أن يقول: أنا مؤمن بلا استثناء إذا أراد ذلك- أي أصل الإيمان- لكن ينبغي أن يقرن كلامه بما يبين أنه لم يرد الإيمان المطلق، ولهذا كان أحمد يكره أن يجيب على المطلق بلا استثناء يقدمه"١.
ولم يكن أحمد ﵀ ينكر على من ترك الاستثناء إذا لم يكن قصده قصد المرجئة أن الإيمان مجرد القول، قال الأثرم قلت لأبي عبد الله: فكأنك لا ترى بأسًا أن لا يستثني، فقال: إذا كان ممن يقول: الإيمان قول وعمل فهو أسهل عندي، ثم قال أبو عبد الله: إن قومًا تضعف قلوبهم عن الاستثناء، فتعجب منهم٢.
فبهذا التفصيل المنقول عن السلف يستبين السبيل في مسألة الاستثناء في الإيمان، وتلتقي الأقوال، والله أعلم.
_________________
(١) ١ الفتاوى لابن تيمية (٧/ ٤٤٩) . ٢ ذكره شيخ الإسلام في الفتاوى (٧/ ٢٢٥، ٦٦٩)، وانظر أيضًا (٧/ ٤٤٩) .
[ ٤٩٠ ]
المبحث الثالث: ما ورد عنهم من تبديع السؤال بـ" أنت مؤمن"
المبحث الثالث: ما ورد عنهم من تبديع السؤال بـ "أمؤمن أنت"
لما كان المرجئة هم أول من أثار مسألة الاستثناء في الإيمان؛ لحاجة في نفوسهم ولمقصد سيء في صدورهم، وهو دعم قولهم في الإيمان وأنه التصديق وحده وأن العمل خارج من مسماه، ولما أكثروا من طرح هذه المسألة بين الناس بغية تحقيق ذاك المقصد، أنكر عليهم السلف ذلك أشد الإنكار وحاربوا مقالتهم أقوى محاربة، ولهذا كثرت أقوالهم ﵏ المبينة للجواب الشرعي على هذه المسألة البدعية، ونصوا ﵏ على كراهة هذه المسألة وأنها من بدع المرجئة السيئة.
وأقوالهم ﵏ في ذم هذه المسألة وتبديع قائلها كثيرة جدًا، حتى إن بعض من صنف في العقيدة على رسم السنة أفرد بابًا في مصنفه في هذا الموضوع على الخصوص كالآجري في الشريعة، فقد أفرد بابًا "فيمن كره من العلماء لمن سأل غيره فيقول له: أنت مؤمن هذا عندهم مبتدع رجل سوء"١ وكذلك فعل ابن بطة في الإبانة فقد أفرد بابًا بعنوان: "سؤال الرجل لغيره أمؤمن أنت وكيف الجواب له وكراهية العلماء هذا السؤال وتبديع السائل عن ذلك"٢.
وقد أوردا رحمهما الله في هذين البابين نصوصًا كثيرة عن السلف
_________________
(١) ١ الشريعة (ص ١٤٠) . ٢ الإبانة (٢/٨٧٧) .
[ ٤٩١ ]
﵏ في ذم المرجئة وتبديعهم في مقالتهم هذه صيانة منهم للمعتقد وحفاظًا على الديانة.
قال ابن بطة ﵀ في نهاية الباب المذكور: "فقد ذكرت في هذا الباب من كلام أئمة المسلمين وقول الفقهاء والتابعين ما إن عمل به المؤمن أراح به نفسه من خصومة المرجىء الضال، وأزاح به علته وكان لدينه بذلك صيانة ووقاية والله أعلم"١.
ولما كان الأمر بهذه المثابة خصصت هذا الموضوع بهذا المبحث لأنقل فيه بعض ما ورد عن السلف في ذلك تحذيرًا من هذه المقالة السيئة المبتدعة، وتبصيرًا بالحق والسنة.
١- سأل رجل ميمون بن مهران قال: فقال لي: أمؤمن أنت؟ قال: قل: آمنت بالله وملائكته وكتبه، قال: لا يرضى مني بذلك، قال: فردها، فقال: لا يرضى، فردها عليه ثم ذره في غيظه يتردد٢.
٢- وعن إبراهيم النخعي قال: "سؤال الرجل الرجل أمؤمن أنت بدعة"٣. وسأله رجل: أمؤمن أنت فقال: "ما أشك في إيماني وسؤالك إياي عن هذا بدعة"٤.
٣- وقال الإمام أحمد سمعت سفيان بن عيينة يقول: "إذا سئل أمؤمن أنت؟ إن شاء لم يجبه، أو يقول: سؤالك إياي بدعة، ولا أشك
_________________
(١) ١ الإبانة (٢/٨٨٣) . ٢ رواه ابن بطة في الإبانة (٢/٨٧٧) . ٣ رواه عبد الله في السنة (١/٣٢١)، والآجري في الشريعة (ص ٧٦٥)، وابن بطة في الإبانة (٢/٨٨٠) . ٤ رواه عبد الله في السنة (١/٣٣٩) .
[ ٤٩٢ ]
في إيماني"١.
٤- وقيل له الرجل يقول: مؤمن أنت؟ فقال: "فقل: ما أشك في إيماني وسؤالك إياي بدعة، وتقول ما أدري أنا عند الله ﷿ شقي أم سعيد، مقبول العمل أم لا"٢.
٥- وسئل الإمام أحمد عن الرجل يقال له: أمؤمن أنت؟ قال: سؤاله إياك بدعة، ويقول: إن شاء الله٣.
٦- وقال الإمام محمد بن حسين الآجري:، إذا قال لك رجل: أنت مؤمن؟ فقل: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والموت والبعث من بعد الموت والجنة والنار، وإن أحببت أن لا تجيبه تقول له: سؤالك إياي بدعة، فلا أجيبك، وإن أجبته، فقلت: أنا مؤمن إن شاء الله على النعت الذي ذكرناه فلا بأس به، واحذر مناظرة مثل هذا، فإن هذا عند العلماء مذموم، واتبع من مضى من أئمة المسلمين تسلم إن شاء الله تعالى"٤.
وبهذه النقول الطيبة عن سلف الأمة يعلم أن من البدع الحوادث ومن الأقوال المبتدعة سؤال الرجل أخاه أمؤمن أنت؟ فالواجب على المسلم العاقل أن يحبس نفسه على السنة وأن يحذر من البدعة وأن يقف حيث وقف القوم ويقول فيما قالوا ويكف عما كفوا وسلك سبيل السلف الصالح رحمهم الله تعالى.
_________________
(١) ١ رواه عبد الله في السنة (١/٣١٠)، والخلال في السنة (٣/ ٦٠٢)، والاجري في الشريعة (ص ١٣٨)، وابن بطة في الإبانة (٣/٨٨١) . ٢ رواه عبد الله في السنة (١/ ٣٣٨)، والآجري في الشريعة (ص ١٤٠) . ٣ رواه الخلال في السنة (٣/٦٠١) . ٤ الشريعة (ص ١٤٠) .
[ ٤٩٣ ]
المبحث الرابع: حكم الاستثناء في الإسلام
لقد كان الحديث فيما سبق كله منصبًا حول بيان حكم الاستثناء في الإيمان، وأما الحديث في هذا المبحث فسيكون عن بيان حكم الاستثناء في الإسلام، وقد علمنا فيما مضى أن هناك فرقا بين الإسلام والإيمان، وبين المسلم والمؤمن، وأن الناس في الدين طبقات منهم المحسن ومنهم المؤمن ومنهم المسلم، وأن أكملهم دينًا المحسن ثم المؤمن ثم المسلم.
فالإسلام هو أقل هذه الدرجات، وليس وراءه إلا الكفر، فمن لم يكن مسلمًا فهو كافر، وأما من لم يكن مؤمنًا فقد يكون مسلمًا، ولهذا لما ادعى بعض الأعراب درجة الإيمان التي لما يصلوا إليها وإنما كانوا مسلمين فقط، رد الله عليهم قولهم هذا بقوله سبحانه: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ ١ فهؤلاء الأعراب ليسوا منافقين، إذ لا يلزم من نفي الإيمان عنهم أن يكونوا منافقين من أهل الدرك الأسفل من النار، بل المراد أنهم لم يأتوا بالإيمان الواجب الذي يستحقون معه أن يوصفوا بالمؤمنين، فنفي عنهم الإيمان لذلك، وإن كانوا مسلمين معهم من الإيمان ما يثابون عليه٢.
_________________
(١) ١ سورة الحجرات، الآية: ١٤. ٢ انظر الفتاوى لابن تيمية (٧/ ٢٤٣) .
[ ٤٩٤ ]
ولما تذكر درجات الدين هذه يراد بالإسلام من أتى بالأعمال الظاهرة مع شيء من الإيمان يصحح عمله كحال الأعراب المذكورين في الآية المتقدمة، وكحال الرجل الذي قال عنه سعد بن أبي وقاص إني لأراه مؤمنًا، فقال له النبي ﷺ أو مسلمًا.
فمن دخل في هذا الدين ونطق بالشهادتين فهو المسلم له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، فمثل هذا يقال عنه مسلم، وكل أحد يصح أن يعبر عن نفسه بذلك بدون أن يستثني كما أرشد لذلك النبيﷺ- في حديث سعد، وكما أرشد إلى ذلك الأعراب كما تقدم في الآية.
وبهذا يعلم أن الصحيح في مسألة حكم الاستثناء في الإسلام أن يقال: مسلم بدون استثناء، وهذا هو المشهور عن سلف الأمة في هذه المسألة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والمشهور عند أهل الحديث أنه لا يستثنى في الإسلام، وهو المشهور عن أحمد ﵁، وقد روي عنه فيه الاستثناء"١.
قلت: وإنما كان السلف لا يستثنون في الإسلام لأسباب أهمها أمران:
الأول: ورد ما يرشد إلى ذلك في نصوص الشرع المطهر، كما في آية الحجرات، وحديث سعد وقد تقدما، وكما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ الفتاوى (٧/٤٣)، وسيأتي قريبًا توجيه رواية أحمد التي جوز فيها الاستثناء في الإسلام. ٢ سورة فصلت، الآية: ٣٣.
[ ٤٩٥ ]
فهذه النصوص فيها إشارة إلى جواز قول: مسلم بدون استثناء، وآية الحجرات واضحة صريحة في الدلالة على ذلك، ولهذا احتج بها على ذلك غير واحد من أهل العلم.
قال شيخ الإسلام: "وهذه الآية - أي: آية الحجرات- مما احتج بها أحمد بن حنبل وغيره على أنه يستثنى في الإيمان دون الإسلام، وأن أصحاب الكبائر يخرجون من الإيمان إلى الإسلام، قال الميموني: سألت أحمد بن حنبل عن رأيه في أنا مؤمن إن شاء الله؟ فقال: أقول: مؤمن إن شاء الله، وأقول: مسلم ولا استثني، قال: قلت لأحمد؟ تفرق بين الإسلام والإيمان؟ فقال لي: نعم. فقلت له: بأي شيء تحتج؟ قال لي: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ وذكر أشياء"١.
الأمر الثاني: أن كل من نطق بالشهادتين صار بذلك مسلمًا له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، ويكون متميزًا عن اليهود والنصارى تجري عليه أحكام الشرع الجارية على المسلمين، وهذا القدر كل أحد يجزم به بلا استثناء في ذلك.
قال شيخ الإسلام: "ولما كان كل من أتى بالشهادتين صار مسلمًا متميزًا عن اليهود والنصارى تجري عليه أحكام الإسلام التي تجري على المسلمين، كان هذا مما يجزم به بلا استثناء فيه"٢.
لهذا كان المشهور عن السلف الصالح عدم الاستثناء في الإسلام
_________________
(١) ١ الفتاوى (٧/ ٢٥٣) وأثر الميموني عن أحمد رواه ابن مندة في الإيمان (١/٣١١)، وروى نحوه الخلال ض السنة (٣/٦٠٤ ح ١٠٧٧) من رواية عبد الملك بن عبد الحميد. ٢ الفتاوى (٧/ ٤١٥) .
[ ٤٩٦ ]
كما ذكر ذلك شيخ الإسلام فيما تقدم، ومما ورد عنهم في ذلك:
- ما رواه هشام الأزدي عن الحسن البصري ومحمد بن سيرين: أنهما كان يقولان مسلم ويهابان مؤمن١.
وقال أبو بكر المروزي: قيل لأبي عبد الله نقول نحن المؤمنون؟ تال: نقول نحن المسلمون٢.
وقال أيضًا: قيل لأبي عبد الله نقول: إنا مؤمنون؟ قال: لا، ولكن نقول: إنا مسلمون٣.
وقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: فأما إذا قال أنا مسلم فلا يستثنى؟ فقال: لا يستثني إذا قال: أنا مسلم٤.
أما ما ذكره شيخ الإسلام عن أحمد بن حنبل أن له روايتين في المسألة: إحداهما بتجويز الاستثناء في الإسلام، فسببه عائد إلى أن للإمام أيضًا روايتين في تعريف الإسلام: إحداهما: أن الإسلام هو الكلمة، والأخرى: أنه أعمال الإسلام الظاهرة كاملة. فإن أريد به الكلمة فلا استثناء، وإن أريد به الأعمال الظاهرة كلها فلا بد من الاستثناء؟ لأن الجزم بفعلها وإتمامها كالجزم بالإيمان سواء.
قال شيخ الإسلام: "وأحمد إنما منع الاستثناء فيه- أي الإسلام- على قول الزهري هو: الكلمة، هكذا نقل الأثرم والميموني وغيرهما
_________________
(١) ١ رواه عبد الله في السنة (١/٣٢٢) والخلال في السنة (٥٣/٦٠٣ ح ١٠٧٥) والآجري في الشريعة (ص ١٣٩) وابن بطة في الإبانة (٢/٨٧٤) واللالكائي في شرح الاعتقاد (٤/٨١٥) . ٢ رواه الخلال في السنة (٣/٦٠٢ ح ١٠٧٣)، والآجري في الشريعة (ص ١٣٩) . ٣ رواه ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (٢/ ١٤) وهو والأثر الذي قبله ذكرهما شيخ الإسلام انظر الفتاوى (٧/ ٤٤٩) . ٤ رواه ابن بطة في الإبانة (٢/٨٧٦) .
[ ٤٩٧ ]
عنه. وأما على جوابه الآخر الذي لم يختر فيه قول من قال: الإسلام الكلمة فيستثني في الإسلام كما يستثني في الإيمان، فإن الإنسان لا يجزم بأنه فعل كل ما أمر به من الإسلام فإذا أريد بالإسلام الكلمة فلا استثناء فيه، كما نص عليه أحمد وغيره، وإذا أريد به من فعل الواجبات الظاهرة كلها، فالاستثناء فيه كالاستثناء في الإيمان. ولما كان كل من أتى بالشهادتين صار مسلمًا متميزًا عن اليهود والنصارى تجري عليه أحكام الإسلام التي تجري على المسلمين، كان هذا مما يجزم به "١.
وقال: ".. لكن الإسلام الذي هو أداء الخمس كما أمر به يقبل الاستثناء، فالإسلام الذي لا يستثنى فيه الشهادتان باللسان فقط فإنها لا تزيد ولا تنقص فلا استثناء فيها"٢.
_________________
(١) ١ الفتاوى (٧/٤١٥) . ٢ الفتاوى (٧/٢٥٩) .
[ ٤٩٨ ]
الفصل الثاني: فيمن قال بوجوب الاستثناء
إن أشهر من ذهب للقول بوجوب الاستثناء في الإيمان وانتصر له هم الكلابية والأشعرية١ حيث أن الإيمان عندهم هو ما مات عليه الإنسان، والإنسان إنما يكون عند الله مؤمنًا وكافرًا باعتبار الموافاة، وما سبق في علم الله أنه يكون عليه، وما قبل ذلك لا عبرة به، والإيمان الذي يعقبه الكفر فيموت صاحبه كافرًا ليس بإيمان، كالصلاة التي يفسدها صاحبها قبل الكمال، وكالصيام الذي يفطر صاحبه قبل الغروب، وصاحب هذا هو عند الله كافر لعلمه بما يموت عليه، وهذا المأخذ هو مأخذ كثير من المتأخرين ممن يريد أن ينصر ما اشتهر عن أهل السنة من قولهم أنا مؤمن إن شاء الله٢ فحسب هؤلاء أن استثناء السلف إنما هو باعتبار الموافاة.
ومقصودهم بالموافاة: أن العبد يأتي موافيًا به بأن يبقى عليه إلى الوفاة، فيكون متصفًا به إلى آخر حياته، إذ إن الإيمان لا يكون نافعًا معتبرًا منجيًا لصاحبه إلا إذا مات عليه.
فلما كان هذا الإيمان هو المعتبر في النجاة صار هؤلاء إلى الاستثناء في الإيمان بهذا الاعتبار، فإذا قيل لأحدهم: أمؤمن أنت؟ قال: إن شاء الله وهو في ربطه هذا الإيمان بالمشيئة يلحظ أنه قد لا يموت
_________________
(١) ١ انظر المسامرة شرح المسايرة (ص ٢٨٣)، وإتحاف السادة المتقين (٢/ ٢٨٢)، والروضة البهية (ص ٨) . ٢ الفتاوى (٧/٤٣٠) .
[ ٥٠١ ]
على هذا الإيمان ولا يثبت عليه إلى الوفاة١.
ثم حمل هؤلاء جميع الآثار الواردة عن السلف في الاستثناء على هذا المحمل الذي هو أبعد ما يكون عن مراد السلف، ومقصودهم بالاستثناء.
يقول الجويني: "فإن قيل: قد أثر عن سلفكم ربط الإيمان بالمشيئة، وكان إذا سئل الواحد منهم عن إيمانه قال إنه مؤمن إن شاء الله، فما محصول ذلك؟ قلنا: الإيمان ثابت في الحال قطعًا لا شك فيه ولكن الإيمان الذي هو علم الفوز وآية النجاة إيمان الموافاة فاعتنى السلف به وقرنوه بالمشيئة، ولم يقصدوا التشكك في الإيمان الناجز"٢.
فهكذا توهم هؤلاء أن ذلك الذي قالوا هو مراد السلف في الاستثناء بالإيمان بينما الواقع أن هذا الذي نسبوه للسلف ليس مرادًا لهم ولا أحد منهم استثنى في إيمانه لهذا الاعتبار، كما قال شيخ الإسلام: "وأما الموافاة فما علمت أحدًا من السلف علل بها الاستثناء، ولكن كثيرًا من المتأخرين يعلل بها من أصحاب الحديث من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم، كما يعلل بها نظارهم كأبي الحسن الأشعري وأكثر أصحابه، لكن ليس هذا قول سلف أصحاب الحديث"٣.
فالسلف كانوا يستثنون في الإيمان وهذا متواتر عنهم لكن ليس في هؤلاء من قال: أنا استثني لأجل الموافاة، وأن الإيمان إنما هو اسم لما يوافي به العبد ربه، بل صرح أئمة هؤلاء بأن الاستثناء إنما هو لأن
_________________
(١) ١ المسامرة (ص ٣٨٣) وانظر المعتمد للقاضي أبي يعلى (ص ١٩٠) . ٢ الإرشاد للجويني (ص ٣٣٦) . ٣ الفتاوى (٧/ ٤٣٩) .
[ ٥٠٢ ]
الإيمان يتضمن فعل الواجبات فلا يشهدون لأنفسهم بذلك كما لا يشهدون لها بالبر والتقوى، فإن ذلك مما لا يعلمونه وهو تزكية لأنفسهم بلا علم، وقد سبق النقل عنهم من أقوالهم وألفاظهم ما يدل على ذلك ويؤيده.
وأما سبب غلط هؤلاء في نسبة هذا القول للسلف مع أنهم لم يقولوه، فعائد إلى أنه: "لما اشتهر عند هؤلاء أن السلف يستثنون في الإيمان ورأوا أن هذا لا يمكن إلا إذا جعل الإيمان هو ما يموت العبد عليه، وهو ما يوافي به العبد ربه، ظنوا أن الإيمان عند السلف هو هذا فصاروا يحكون هذا عن السلف وهذا القول لم يقل به أحد من السلف ولكن هؤلاء حكوه عنهم بحسب ظنهم لما رأوا أن قولهم لا يتوجه إلا على هذا الأصل وهم يدعون أن ما نصروه من أصل جهم في الإيمان هو قول المحققين والنظار من أصحاب الحديث، ومثل هذا يوجد كثيرًا في مذاهب السلف التي خالفها بعض النظار وأظهر حجته في ذلك ولم يعرف حقيقة قول السلف فيقول من عرف حجة هؤلاء دون السلف أو من يعظمهم لما يراه من تميزهم عليه: هذا قول المحققين، وقال المحققون، ويكون ذلك من الأقوال الباطلة، المخالفة للعقل مع الشرع وهذا كثيرًا ما يوجد في كلام بعض المبتدعين وبعض الملحدين. ومن أتاه الله علمًا وإيمانًا علم أنه لا يكون عند المتأخرين من التحقيق إلا ما هو دون تحقيق السلف لا في العلم ولا في العمل، ومن كان له خبرة بالنظريات والعقليات وبالعمليات، علم أن مذهب الصحابة دائمًا أرجح من قول من بعدهم وأنه لا يبتدع أحد قولًا في الإسلام إلا كان خطأ وكان الصواب قد سبق إليه من قبله"١.
_________________
(١) ١ الفتاوى (٧/ ٤٣٦) .
[ ٥٠٣ ]
والمقصود: أن هؤلاء غلطوا على السلف من جهة حيث نسبوا إليهم شيئًا لم يقولوه، وضلوا عن الحق من جهة أخرى حيث أوجبوا الاستثناء في الإيمان على هذا الاعتبار الذي ابتدعوه.
وقد احتج هؤلاء لقولهم ببعض الشبه والدلائل أذكر فيما يلي أهمها مع التنبيه على غلطهم فيما احتجوا به.
فمن ذهب إلى هذا القول واحتج له القاضي أبو يعلى فقد قال في كتابه المعتمد في أصول الدين: "ولا يجوز أن يقول: أنا مؤمن حقًا بل يجب أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله خلافًا للمعتزلة١ في قولهم لا يجوز أن يقول أنا مؤمن إن شاء الله بل يجب أن يقول أنا مؤمن حقًا والدلالة عليه إجماع السلف، فروى عمر بن الخطاب﵁- أنه قال: من زعم أنه مؤمن فهو كافر وعن الحسن أن رجلًا قال عند عبد الله بن مسعود إني مؤمن، فقيل لابن مسعود إن هذا يزعم أنه مؤمن، قال: فسلوه أفي الجنة هو أو في النار، فسألوه فقال: الله أعلم، فقال عبد الله فهلا وكلت الأولى كما وكلت الآخرة.
وعن علقمة أنه كان بينه وبين رجل من الخوارج كلام فقال له علقمة: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا
_________________
(١) ١ قول المعتزلة في هذه المسألة هو خلاف ما ذكره القاضي أبو يعلى عنهم هنا فقد ذكر القاضي عبد الجبار في كتابه شرح الأصول الخمسة أنهم لا يجيزون غير الاستثناء قال: "ومن ذلك الكلام في أحدنا هل يجوز أن يقول أنا مؤمن إن شاء الله تعالى؟ والأصل فيه أنه يجوز بل لا يجوز خلافه". شرح الأصول الخمسة (ص ٨٠٣)، فهذا صريح في أن المعتزلة يوجبون الاستثناء فلو قال: خلافًا للجهمية لأصاب، وانظر هامش كتاب مسائل الإيمان للقاضي أبي يعلى (ص ٤٤٥) .
[ ٥٠٤ ]
بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ ١.
فقال له الرجل: ومؤمن أنت؟ قال: أرجو.
ولأن المؤمن الحقيقي، والمؤمن عند الله﷿- هو الذي يكون من أهل الجنة ولا يكون كذلك إلا بعد أن يوافي بالإيمان باتفاق، والواحد منا لا يعلم أنه يوافي بالإيمان أم بالكفر وإذا لم يعلم ذلك لم يعلم إنه مؤمن حقًا"٢.
فخلص لهم من هذا دليلان:
الأول: بعض الآثار الواردة عن السلف ظنوا أن فيها حجة لهم.
الثاني: قولهم إن الإيمان الحقيقي المنجي هو الإيمان الذي يوافي به العبد ربه وعلى هذا يجب أن يستثنى شكًا منه في المستقبل.
قلت: أما استدلالهم الأول ببعض الآثار الواردة عن السلف في ذلك فالجواب عنه إجمالًا قد تقدم حيث ذكرت فيما سبق بالنقل عن شيخ الإسلام أن هذا لم يثبت عن أحد من السلف فضلًا عن أن يكونوا مجمعين عليه.
ثم إن الآثار التي ذكرها القاضي محتجًا بها على وجوب الاستثناء في الإيمان باعتبار الموافاة لا حجة له فيها إذ المراد بالإيمان فيها الإيمان التام الكامل الذي وصف الله أهله بأنهم هم المؤمنون حقًا لكونهم استوفوا أعمال الإيمان بصدق وإخلاص وتنافسوا في مستحباته فإنه إذا
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب، الآية: ٥٨. ٢ المعتمد (ص١٩٠)، قلت: وللقاضي أبي يعلى في هذه المسألة قول آخر يوافق ما جاء عن السلف، انظره في كتاب الإيمان له (ص ٤٢٨) .
[ ٥٠٥ ]
قصد بالإيمان هذا القدر فالاستثناء في الإيمان واجب بعدًا عن التزكية ومجانبة لادعاء الكمال.
قال عمر من قال أنا مؤمن- أي كامل الإيمان- فهو كافر. وليس هذا من الكفر الاعتقادي المخرج من الملة بل من الكفر العملي الذي ينقص الإيمان ولا يخرج من الملة كقولهﷺ- "اثنتان في الناس هما بهم كفر الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت" ١.
فيكون مراد عمر ﵁ بقوله: من قال أنا مؤمن فهو كافر أي من ادعى لنفسه كمال الإيمان واستيفاء واجباته وأنه من الذين قال الله فيهم:
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ٢.
فمن ادعى لنفسه هذه الأمور وهي لازمة لمن قال إني مؤمن لأن اسم الإيمان يشملها فمن ادعى ذلك يكون كافرًا كفرًا عمليًا غير مخرج من الملة، ككفر من ناح على الميت، أو طعن في الأنساب فهو كفر دون وهذا أمر معلوم متقرر عند أهل السنة والجماعة وله نظائر كثيرة يطلق فيها الكفر ويراد الكفر العملي.
والمقصود: أن أثر عمر الخطاب﵁- يحمل على هذا إن صح إذ في صحته نظر٣.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه (ص ٣٥٤) . ٢ سورة الأنفال، الآية: ٢، ٣. ٣ فقد رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده كما في المطالب العالية لابن حجر: (٣/٩٨)، وابن بطة في الإبانة (٢/٨٦٨) من طريق قتادة عن عمر بن الخطاب إلا أن قتادة- وهو ابن دعامة السدوسي- لم يدرك عمر. انظر ترجمته في تهذيب التهذيب (٨/ ٣١٥) . ولهذا أعله العراقي والبوصيري بالانقطاع. ورواه ابن مردويه كما في تفسير ابن كثير (١/٥١٢) من طريق موسى بن عبيدة عن طلحة بن عبيد الله بن كريز عن عمر ﵁. وموسى بن عبيدة ضعيف. انظر التقريب (٢/٢٧٨)، والمغني في الضعفاء للذهبي (٢/٣٣٥) . ورواه اللالكائي في شرح الاعتقاد (٥/٩٧٥) قال أنا محمد بن أحمد البصير قال: أنا عثمان بن أحمد قال نا حنبل، قال: حدثني أبو عبد الله يعني أحمد بن حنبل قال: نا معتمر عن أبيه عن نعيم بن أبي هند قال: قال عمر بن الخطاب فذكره. ولم أعرف شيخ اللالكائي ولا شيخ شيخه وبقية الإسناد رجاله ثقات وقد ذكر شيخ الإسلام هذا الأثر بصيغة التمريض مما يشير إلى أنه لم يثبت عنده حيت قال بعد أن ذكره: "يروى عن عمر بن الخطاب من وجوه مرسلًا من حديث قتادة ونعيم بن أبي هند وغيرهما". انظر الفتاوى (٧/ ٤١٧) .
[ ٥٠٦ ]
ولهذا أيضًا قال ابن مسعود لمن قال: إني مؤمن: "قل: إني في الجنة"؛ لأن من أتى بالإيمان الكامل في الدنيا كان من أهل الجنة يوم القيامة بلا حساب ولا عذاب ولا يقطع أحد لنفسه بذلك بل يرجو ويخاف. فالمراد إذًا بالمؤمن في أثر ابن مسعود أي: المؤمن المطلق الموعود بالجنة بلا نار إذا مات على إيمانه ومن شهد لنفسه بذلك فقد زكاها بأعظم تزكية.
قال شيخ الإسلام بعد أن أشار إلى هذا المعنى: "ولهذا كان ابن مسعود وغيره من السلف يلزمون من شهد لنفسه بالإيمان أن يشهد لها بالجنة يعنون إذا مات على ذلك فإنه قد عرف أن الجنة لا يدخلها إلا من مات مؤمنًا.
[ ٥٠٧ ]
فإذا قال الإنسان: أنا مؤمن قطعًا وأنا مؤمن عند الله قيل له: فاقطع بأنك تدخل الجنة بلا عذاب إذا مت على هذا الحال فإن الله أخبر أن المؤمنين في الجنة "١.
فلهذا المعنى كان ابن مسعود﵁- ينكر على من يقطع بالإيمان ويأمر بالاستثناء فيه لا على المعنى الذي ظنه هؤلاء من أن ابن مسعود يأمر بالاستثناء نظرًا للخاتمة.
يقول شيخ الإسلام: "وابن مسعود﵁- لم يكن يخفى عليه أن الجنة لا تكون إلا لمن مات مؤمنًا وأن الإنسان لا يعلم على ماذا يموت فإن ابن مسعود أجل قدرًا عن هذا، وإنما أراد سلوه هل هو في الجنة إن مات على هذه الحال؟ كأنه قال: سلوه أيكون من أهل الجنة على هذه الحال؟ فلما قال: الله اعلم قال: أفلا وكلت الأولى كما وكلت الثانية يقول: هذا التوقف يدل على أنك لا تشهد لنفسك بفعل الواجبات وترك المحرمات فإنه من شهد لنفسه بذلك شهد لنفسه أنه من أهل الجنة إن مات على ذلك "٢.
وفد ذكر في بعض الروايات أن ابن مسعود﵁- رجع عن قوله وهذا بسبب سؤال أورده عليه بعضهم وهو: "أنشدك بالله أتعلم أن الناس في زمن الرسول ﷺ- على ثلاثة أصناف: مؤمن السريرة مؤمن العلانية، وكافر السريرة كافر العلانية، ومؤمن العلانية كافر السريرة؟ "٣.
_________________
(١) ١ الفتاوى (٧/ ٤١٦) . ٢ الفتاوى (٧/ ٤١٧، ٤١٨) . ٣ رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١١/ ١٤) وفي الإيمان (ص ٢٣) والطبري في تهذيب الآثار (٢/١٨٣) عن أبي قلابة قال حدثني الرسول الذي سأل عبد الله بن مسعود: فذكره. وهذا إسناد ضعيف لجهالة الرجل الذي سأل ابن مسعود، وبهذا أعله الألباني.
[ ٥٠٨ ]
وفي لفظ أنه قال له: ألم تعلم أن الناس كانوا على عهد رسول الله ﷺ ثلاثة أصناف: مؤمن ومنافق وكافر فمن أيهم كنت؟ قال: من المؤمنين١.
وهذا الذي ذكر هنا غير ثابت عن ابن مسعود﵁- وقد أنكره غير واحد من أهل العلم، قال أبو عبيد: وقد رأيت يحيى بن سعيد ينكره ويطعن في إسناده لأن أصحاب عبد الله على خلافه٢.
وروى الخلال في السنة عن الحسن بن محمد بن الحارث أنه سأل الإمام أحمد هل يصح قول ابن عميرة أن ابن مسعود رجع عن الاستثناء؟ فقال لا يصح، وأنكر أحمد قولي رجع عن الاستثناء إنكارًا شديدًا، وقال: كذلك أصحابه يقولون بالاستثناء٣.
ثم على فرض ثبوته فقوله إنه من المؤمنين محمول على أصل الإيمان ولهذا يقول أبو عبيد: "إنما نراه أراد أني كنت من أهل هذا الدين لا من الآخرين، فأما الشهادة بها عند الله فإنه كان عندنا أعلم بالله وأتقى له من أن يريده، فكيف يكون ذلك والله يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ ٤ "٥.
وبسبب هذا السؤال ظن كثير من المرجئة أن ابن مسعود﵁- رجع عن الاستثناء عندما نظر إلى الحال وأنه كان يقول بالاستثناء
_________________
(١) ١ رواه أبو عبيد في الإيمان (ص ٦٩) . ٢ الإيمان (ص ٦٩) . ٣ السنة (رقم ١٠٦٢) ونقله شيخ الإسلام، انظر الفتاوى (٧/ ٤١٧) . ٤ سورة النجم، الآية: ٣٢. ٥ الإيمان (ص ٦٩) .
[ ٥٠٩ ]
عندما كان ينظر إلى الخاتمة والمآل.
- قال شيخ الإسلام: "ولهذا السؤال صار طائفة كثيرة يقولون: المؤمن هو من سبق في علم الله أنه يختم له بالإيمان، والكافر من سبق في علم الله أنه كافر وأنه لا اعتبار بما كان قبل ذلك، وعلى هذا يجعلون الاستثناء، وهذا أحد قولي الناس من أصحاب أحمد وغيرهم وهو قول أبي الحسن وأصحابه"١.
أي: يجعلون الاستثناء بالنظر إلى الموافاة وقد سبق التنبيه إلى أن ابن مسعود أجل من أن يكون ذلك هو مراده ومقصوده بالاستثناء.
وأما أثر علقمة وأنه كان بينه وبين رجل من الخوارج كلام وأن الخارجي قال له: أمؤمن أنت؟ فقال: أرجو. فليس في هذا ما يدل على أنه يرى وجوب الاستثناء، بل وليس فيه ما يدل على أنه يرى أن الاستثناء إنما يكون بحسب الموافاة. بل مقصوده بهذا الاستثناء النظر إلى الأعمال وتكميلها والبعد عن تزكية النفس كما هي طريقة السلف في هذه المسألة. وأما استدلالهم الثاني لمسألة الموافاة: بأن الإيمان الحقيقي المنجي هو الإيمان الذي يوافي به العبد ربه، وبناء على هذا يكون الاستثناء لأجل الموافاة لأن كل أحد يشك في مستقبله هل يثبت على الإيمان أولًا؟ فالجواب عنه من وجوه:
الأول: أن هذا ليس هو مراد السلف بالاستثناء وليس مقصودهم ولا كان أحد منهم يستثنى في إيمانه لهذا السبب، لكن لما
_________________
(١) ١ الفتاوى (٧/ ٤١٧) .
[ ٥١٠ ]
اشتهر عند هؤلاء أن السلف يستثنون في الإيمان ورأوا أن هذا لا يمكن إلا إذا جعل الإيمان هو ما يموت العبد عليه
وهو ما يوافي به العبد ربه ظنوا أن الإيمان عند السلف هو هذا وهذا غلط عليهم.
الثاني: أن من لوازم هذا القول أن لا يقطع بقبول الله لتوبة التائبين وهم يلتزمونه، قال شيخ الإسلام: "ولهذا صار الذين لا يرون الاستثناء لأجل الحاضر بل للموافاة لا يقطعون بأن الله يقبل توبة التائب كما لا يقطعون بأن الله تعالى يعاقب مذنبًا فإنهم لو قطعوا بقبول توبته لزمهم أن يقطعوا له بالجنة، وهم لا يقطعون لأحد من أهل القبلة لا بجنة ولا نار إلا من قطع له النص.
وإذا قيل الجنة هي لمن أتى بالتوبة النصوح من جميع السيئات ولو مات على هذه التوبة لم يقطع له بالجنة وهم لا يستثنون في الأحوال بل يجزمون بأن المؤمن تام الإيمان ولكن عندهم الإيمان عند الله هو ما يوافي به فمن قطعوا له بأنه مات مؤمنًا لا ذنب له قطعوا له بالجنة، فلهذا لا يقطعون بقبول التوبة لئلا يلزمهم أن يقطعوا بالجنة وأما أئمة السلف فإنما لم يقطعوا بالجنة لأنهم لا يقطعون بأنه فعل المأمور وترك المحظور، ولا أنه أتى بالتوبة النصوح وإلا فهم يقطعون بأن من تاب توبة نصوحًا قبل الله توبته"١.
الثالث: أن من لوازم قولهم هذا أن يستثني في الكفر أيضًا وليس في الإيمان فقط، فيقول: لست كافرًا إن شاء الله؟ لأن كل أحد لا يعلم من نفسه هل يثبت على الإيمان إلى أن
_________________
(١) ١ الفتاوى (٧/ ٤١٨) .
[ ٥١١ ]
يموت أولا، فإنَّ مما ذكروه مطرد فيهما، ولهذا فإن بعض محققيهم التزم هذا اللازم وقال به ولكن جماهير الأئمة على أنه لا يستثنى في الكفر والاستثناء فيه بدعة لم يعرف عن أحد من السلف١.
الرابع: أن لهذه المسألة تعلقًا بمسألة الرضا والسخط هل هو قديم أو محدث بمعنى أن المؤمن الذي علم الله أنه يموت كافرًا وبالعكس هل يتعلق رضا الله وسخطه ومحبته وبغضه بما هو عليه أو بما يوافي به؟
فهم يقولون: إن محبة الله ورضاه وسخطه وبغضه قديم ثم هل ذلك هو الإراده أم صفات أخرى؟ لهم في ذلك قولان.
ويقولون: والله يحب في أزله من كان كافرًا إذا علم أنه يموت مؤمنًا، فالصحابة ما زالوا محبوبين لله وإن كانوا قد عبدوا الأصنام مدة من الدهر، وإبليس ما زال الله يبغضه وإن كان لم يكفر بعد، وهذا المعنى تابع لعلم الله، فمن علم أنه يموت مؤمنًا لم يزل وليًا لله محبوبًا له لأنه لم يزل مريدًا لإدخاله الجنة، ومن علم أنه يموت كافرًا لم يزل عدوًا لله لأنه لم يزل مريدًا لإدخاله النار٢.
فالكفر الذي عند الأول وجوده كعدمه فلم يكن هذا كافرا عندهم أصلًا، والإيمان الذي كان عند الثاني وجوده كعدمه فلم يكن عندهم مؤمنًا أصلًا لأن الإيمان هو ما يوافي به العبد ربه.
أما جمهور أهل العلم فيقولون: الولاية والعداوة وإن تضمنت محبة الله ورضاه وبغضه وسخطه فهو سبحانه يرضى عن الإنسان ويحبه
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى (٧/٤٣١) . ٢ انظر الفتاوى (٧/٤٣٠ و٦٦٧) .
[ ٥١٢ ]
بعد أن يؤمن ويعمل صالحًا، وإنما يسخط عليه ويغضب بعد أن يكفر كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ ١ فأخبر أن الأعمال أسخطته وكذلك قال: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ ٢ قال المفسرون: أغضبونا وكذلك قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ ٣ وغير ذلك من النصوص الدالة على أن غضب الله وسخطه ورضا وحبه يكون بعد حصول ما يقتضي ذلك من العبد، فالله يبغض العبد إذا حصل منه الكفر ويحبه إذا حصل منه الإيمان. وقد بسط شيخ الإسلام ابن تيمية أدلة هذه المسألة بسطًا وافيًا في كتاب الإيمان وذكر أدلتها من الكتاب والسنة٤.
الخامس: أن هؤلاء لما عللوا الاستثناء في الإيمان بتلك العلة طرد أقوام تلك العلة في الأشياء التي لا يجوز الاستثناء فيها
بإجماع المسلمين بناء على أن الأشياء الموجودة الآن إذا كانت في علم الله تتبدل أحوالها فيستثنى في صفاتها الموجودة في الحال ويقال: هذا صغير إن شاء الله لأن الله قد يجعله كبيرًا، ويقال: هذا مجنون إن شاء الله لأن الله قد يجعله عاقلًا ويقال للمرتد هذا كافر إن شاء الله لإمكان أن يتوب وهؤلاء الذين استثنوا في الإيمان بناء على هذا المأخذ ظنوا هذا قول السلف٥.
_________________
(١) ١ سورة محمد، الآية: ٢٨. ٢ سورة الزخرف، الآية: ٥٥. ٣ سورة الزمر، الآية: ٧. ٤ الفتاوى (٧/ ٤٤٢ وما بعدها) . ٥ انظر الفتاوى (٧/ ٤٣٤) .
[ ٥١٣ ]
والمقصود أن بدعة هؤلاء ومأخذهم في الاستثناء جر إلى بدع أخرى عديدة.
فإن بدعة هؤلاء كانت وراء نشوء بدعة المرازقة الذين ينتسبون إلى عثمان بن مرزوق١ فقد كانوا يستثنون في الإيمان اتباعًا للسلف واستثنوا أيضًا في الأعمال الصالحة كقول الرجل صليت إن شاء الله ونحو ذلك بمعنى القبول لما في ذلك من الآثار عن السلف ثم صار كثير من هؤلاء بآخره يستثنون في كل شيء، فيقول هذا ثوب إن شاء الله، وهذا حبل إن شاء الله فإذا قيل لأحدهم: هذا لا شك فيه قال: نعم لا شك فيه، لكن إذا شاء الله أن يغيره غيره فيريدون بقولهم إن شاء الله جواز تغييره في المستقبل وإن كان في الحال لا شك فيه كأن الحقيقية عندهم التي لا يستثنى فيها ما لم تتبدل كما يقوله أولئك في الإيمان، إن الإيمان ما علم الله أنه لا يتبدل حتى يموت صاحبه عليه٢ فبدعة أولئك جرت إلى بدعة هؤلاء، والبدع يتوالد بعضها من بعض.
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية﵀- عن بدعة المرازقة هذه فأجاب بقوله: "إن جماعات ينتسبون إلى الشيخ عثمان بن مرزوق ويقولون أشياء مخالفة لما كان عليه. وهو منتسب إلى مذهب أحمد وهم ينتسبون إلى مذهب الشافعي ويقولون أقوالًا مخالفة لمذهب الشافعي وأحمد بل ولسائر الأئمة، وشيخهم هذا من شيوخ العلم والدين له أسوة أمثاله وإذا قال قولًا علم أن قول الشافعي وأحمد يخالفه وجب تقديم قولهما على
_________________
(١) ١ هو أبو عمرو عثمان بن مرزوق بن حميد بن سلام القرشي الحنبلي انتسب إليه جماعات: قالوا بأقوال مخالفة لما كان عليه توفي بمصر سنة ٥٦٤ هـ. انظر ترجمته في ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (١/٣٠٦) . ٢ انظر الفتاوى (٧/ ٤٣٢، ٤٣٣) .
[ ٥١٤ ]
قوله مع دلالة الكتاب والسنة على قول الأئمة فكيف إذ كان القول مخالفًا لقوله ولقول الأئمة والكتاب والسنة.
وذلك مثل قولهم: ولا نقول قطعًا، ونقول نشهد أن محمدًا رسول الله ولا نقطع، ونقول: إن السماء فوقنا ولا نقطع ويروون أثرًا عن علي وبعضهم يرفعه أنه قال: "لا تقل قطعًا"وهذا من الكذب المفترى باتفاق أهل العلم، ولم يكن شيخهم يقول هذا بل هذه بدعة أحدثها بعض أصحابه بعد موته.. إلى أن قال: والواجب موافقة جماعة المسلمين فإن قول القائل: قطعًا بذلك مثل قوله أشهد بذلك وأجزم بذلك وأعلم ذلك فإذا قال: أشهد ولا أقطع كان جاهلًا والجاهل عليه أن يرجع ولا يصر على جهله ولا يخالف ما عليه علماء المسلمين فإنه يكون بذلك مبتدعًا جاهلًا ضالًا "١.
ومما قد يستدل به هؤلاء على بدعتهم المنكرة هذه ما روي مرفوعًا من حديث أبي هريرة: "إن من تمام إيمان العبد أن يستثنى في كل حديثه".
قال الذهبي: "هذا الحديث باطل قد يحتج به المرازقة الذين لو قيل لأحدهم أنت مسيلمة الكذاب لقال إن شاء الله"٢.
فيظن أن نفيه لذلك نفي لقدرة الله وهذا جهل عظيم منه لأنه سئل عن حاله ولم يسأل عن قدرة الله على تغيير حاله فسوء الفهم وقلة العلم هو سبب انحراف هؤلاء.
والمقصود: أن إيجاب الاستثناء وربطه بالموفاة ليس من نهج
_________________
(١) ١ الفتاوى (٧/ ٦٨٠- ٦٨٢) . ٢ الميزان (٤/ ١٣٤)، ونقله السيوطي في اللآليء (ص ٤٢) .
[ ٥١٥ ]
السلف ولا على طريقتهم، والواجب موافقتهم والسير على نهجهم، فهم أسعد بالدليل وأولى بالحق والسبيل، والله أعلم.
[ ٥١٦ ]
الفصل الثالث: فيمن قال بعدم جواز الاستثناء في الإيمان
عرفنا في الفصل السابق أن الأشاعرة والكلابية ذهبوا إلى إيجاب الاستثناء في الإيمان باعتبار الموافاة، وسبق بيان بطلان هذا القول وبعده عن الصواب، فعلى الضد لهؤلاء وفي المقابل لهم ذهبت الماتريدية بل والأحناف عمومًا إلى عدم جواز الاستثناء في الإيمان لما يقتضيه في نظرهم من الشك في الإيمان١ وعدوا من يستثني شاكًا في إيمانه، وصار بعضهم يلمز السلف بأنهم شكاك، بل غلا بعضهم في ذلك فمنع تزويج أو أكل ذبيحة من يستثني في إيمانه.
كما قال أبو بكر الفضلي: "من قال أنا مؤمن إن شاء الله فهو كافر لا تجوز المناكحة معه ".
وقال أبو حفص السفكردري وبعض أئمة خوارزم من الحنفية: "لا ينبغي للحنفي أن يزوج بنته من رجل شافعي المذهب ولكن يتزوج من الشافعية تنزيلًا لهم منزلة أهل الكتاب بحجة أن الشافعية يرون جواز الاستثناء في الإيمان وهو كفر"٢.
وجاء في كتب يعضهم: "لا يصلى خلف شاك في إيمانه يقصدون بذلك من يستثني في إيمانه"٣.
_________________
(١) ١ انظر التوحيد للماتريدي (ص ٣٨٨) وتأويلات أهل السنة له (ص ٢٦٥)، وبحر الكلام (ص٤٠)، والنبراس (ص ٤١٨)، والجوهرة المنيفة (ص ٥) والبداية من الكفاية (ص ١٥٥) وتحفة القاري (ص ٥٢) وغيرها. ٢ انظر البحر الرائق (٢/٤٦) . ٣ إتحاف السادة المتقين (٢/٢٧٨) .
[ ٥١٩ ]
قلت: وهذا التصرف المشين والغلو المفرط ليس عامًا في جميع الأحناف القائلين بهذا القول بل منهم من استنكره على قائله ووصفه بأنه جرأة عظيمة وتعصب لا يرضاه الله تعالى كما قال الفرهاري: "وقد بالغ بعض الحنفية في المنع حتى قال الفضلى: "لا يجوز نكاح المرأة الشافعية لأنهم كفروا بالإستثناء"وهذه جرأة عظيمة وتعصب لا يرضاه الحق سبحانه"١.
ثم إن لأهل هذا القول أدلة عديدة وشبه متنوعة يعترضون بها على من أجاز الاستثناء وقال بمشروعيته. وفيما يلي عرض لأهم هذه الشبه مع بيان بطلانها:
١- قولهم إن الإيمان هو التصديق والإقرار، ومن قام به التصديق والإقرار فهو مؤمن حقًا لا يجوز أن يقول: أنا مؤمن إن شاه الله، كمن قامت به الحياة لا يجوز أن يقول: أنا حي إن شاء الله، وكذا يكون مؤمنًا عند الله تعالى لقيام الإيمان به في الحال، وإن علم الله تعالى أنه يكفر بعد ذلك، كما يعلم الله الحي حيًا لقيام الحياة به في الحال وإن علم أنه يموت بعد ذلك، وكذلك هو مثل قول الشاب: أنا شاب إن شاء الله باعتبار أنه لا يدوم على شبابه، ومن المعلوم أن هذا غير جائز فكذلك الاستثناء في الإيمان٢.
قلت: واعتراضهم هذا إنما يتوجه على قول الأشاعرة القائلين بوجوب الاستثناء في الإيمان باعتبار الموافاة، أما على قول أهل السنة والجماعة المستثنين باعتبار الأعمال والبعد عن تزكية النفس فغير متوجه
_________________
(١) ١ النبراس شرح العقائد (ص ٤٢٠) . ٢ انظر البداية من الكفاية (ص ١٥٥)، والنبراس شرح العقائد (ص ٤٢٠) .
[ ٥٢٠ ]
ألبتة كما لا يخفى، ومع ذلك فقد أجاب الأشاعرة عن هذا الاعتراض الوارد على قولهم بأن قالوا: إن الاستثناء في الإيمان ليس مثل قول القائل أنا شاب إن شاء الله لأن الشباب ليس من الأفعال المكتسبة ولا مما يتصور عليه البقاء في العاقبة والمآل ولا مما يحصل به تزكية النفس والإعجاب، حاصل الجواب منع استواء الكلامين لأن في الإيمان ثلاثة أمور مصححة للاستثناء غير موجودة في الشباب:
أحدها: أن الشباب ليس من الأفعال الاختيارية فلا يتصور في استثنائه تأدب، لأن التأدب ههنا هو ترك دعوى القدرة والكسب مع وجودهما، بخلاف الإيمان فإنه كسبي اختياري فيجوز فيه التأدب بترك الدعوى.
ثانيها: أن الشباب لا يتصور استمراره على ما جرت به العادة الإلهية فلما لم يكن من الأمور التي تشك في بقائها عاقبة الأمر لم يحسن الاستثناء فيه على سبيل إبهام العاقبة بخلاف الإيمان، لأن العاقبة فيه مبهمة.
ثالثها: أن الشباب ليس من الأعمال الصالحة فلا يتصور فيه الافتخار الذي يتصور في العمل الصالح، فلا يصح فيه، الاستثناء الدافع للافتخار بخلاف الإيمان فإنه رئيس الأعمال الصالحة بل الاستثناء في الإيمان مثل قولك أنا زاهد متق إن شاء الله تعالى؛ لأن الإيمان والزهد والتقوى أعمال: كسبية يتصور بقاؤها، ويكون دعواها مظنة فخر وإعجاب فكما أن الاستثناء يجوز في الزهد والتقوى إجماعًا فكذا في
[ ٥٢١ ]
الإيمان١.
ولا شك أنه بهذا الجواب يندفع اعتراض هؤلاء بتسوية الإيمان والشباب في عدم جواز الاستثناء فيهما، وأوجه هذه الأجوبة وأصوبها عندي ثالثها وهو يتطابق مع مراد السلف ومقصودهم بالاستثناء في الإيمان إلا أنه لم ينص فيه على أن الأعمال من الإيمان.
٢- ادعاؤهم أن الاستثناء فيه إيهام الشك في الإيمان فينبغي صون الكلام عنه٢.
ونقل عن أبي حنيفة أنه قال: المؤمن حقًا والكافر حقًا لا شك في الإيمان كما لا شك في الكفر، والاستثناء يدل على الشك، ولا يجوز الشك في الإيمان للإجماع على أن من قال: آمنت إن شاء الله أو آمنت بالملائكة أو بالكتب أو بالرسل إن شاء الله يكون كافرًا. ٣
قلت: والكلام على هذه الشبهة سبق مستوفى- بحمد الله- عند بيان مآخذ السلف في الاستثناء، وأن الاستثناء لا يقتضي الشك، وسبق هناك من نصوص الشرع وأقوال أهل العلم ما يكفي في دفع هذا، مثل قول الله تعالى ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ٤ وقوله ﷺ في أصحاب القبور "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" ٥ وغير ذلك من النصوص الكثيرة الدالة على أن الاستثناء قد يكون على اليقين ولا يقتضي
_________________
(١) ١ انظر النبراس شرح العقائد (ص ٤٢٠، ٤٢١) . ٢ انظر تحفة القاري (ص ٥٢) . ٣ انظر بحر الكلام (ص ٤٠) والروضة البهية (ص ١٠) . ٤ سورة الفتح، الآية: ٢٧. ٥ تقدم تخريجه (ص ٤٧٣) .
[ ٥٢٢ ]
شكًا ولا ريبًا.
ثم فرق بين قول الرجل: أنا مؤمن أو مؤمن حقا، وبين قوله: آمنت بالله، أو أشهد ألا إله إلا الله، أو أشهد أن محمدًا رسول الله، لأن المراد بهذه الأمور الأخيرة أصل الإيمان وأساسه وهذا لا استثناء فيه، وأما المراد بأنا مؤمن حقًا كمال الإيمان وتمامه وهذا لا بد من الاستثناء فيه، وإلا يكون غير المستثني في هذا مزكيًا لنفسه شاهدًا بأنه في الجنة، وهذا لا يدعيه أحد.
٣- قولهم: إن الاستثناء، تعليق والتعليق لا يتصور إلا فيما يتحقق بعد كما قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ١. وأما إذا تحقق كالماضي والحال فيمتنع تعليقه.
٤- وقولهم: إن الاستثناء يرفع العقود جميع العقود نحو الطلاق والعتاق والنكاح والبيع، فكذلك يرفع عقد الإيمان٢.
قلت: وقد ذكر شيخ الإسلام هاتين الشبهتين وأجاب عنهما جوابًا وافيًا كافيًا ولأهمية كلامه ﵀ فإني أسوقه بحروفه مع حذف شيء يسير منه، قال: "وقد علل تحريم الاستثناء فيه بأنه لا يصح تعليقه على الشرط؛ لأن المعلق على الشرط لا يوجد إلا عند وجوده، كما قالوا في قوله: أنت طالق إن شاء الله. فإذا علق الإيمان بالشرط كسائر المعلقات بالشرط لا يحصل إلا عند حصول الشرط.
قالوا: وشرط المشيئة الذي يترجاه القائل لا يتحقق حصوله إلى يوم
_________________
(١) ١ سورة الكهف، الآية: ٢٣. ٢ انظر التوحيد لأبي منصور الماتريدي (ص ٣٨٨)، وبحر الكلام (ص٤٠)، والنبراس (ص ٤١٨)، والجوهرة المنيفة (ص ٥)، والروضة البهية (ص١٠) .
[ ٥٢٣ ]
القيامة، فإذا علق العزم بالفعل على التصديق والإقرار فقد ظهرت المشيئة وصح العقد، فلا معنى للاستثناء؛ ولأن الاستثناء عقيب الكلام يرفع الكلام، فلا يبقى الإقرار بالإيمان والعقد مؤمنًا، وربما يتوهم هذا القائل القارن بالاستثناء على الإيمان بقاء التصديق، وذلك يزيله.
قلت: فتعليلهم في المسألة إنما يتوجه فيمن يعلق إنشاء الإيمان على المشيئة، كالذي يريد الدخول في الإسلام، فيقال له: آمن. فيقول: أن أومن إن شاء الله، أو آمنت أن شاء [الله]، أو أسلمت إن شاء الله، أو أشهد إن شاء الله ألا إله إلا الله، وأشهد إن شاء الله أن محمدًا رسول الله، والذين استثنوا من السلف والخلف لم يقصدوا في الإنشاء، وإنما كان استثناؤهم في إخباره عما قد حصل له من الإيمان، فاستثنوا؛ إما أن الإيمان المطلق يقتضي دخول الجنة وهم لا يعلمون الخاتمة، كأنه إذا قيل للرجل: أنت مؤمن. قيل له: أنت عند الله مؤمن من أهل الجنة، فيقول: أنا كذلك إن شاء الله أو لأنهم لا يعرفون أنهم أتوا بكمال الإيمان الواجب.
ولهذا كان من جواب بعضهم إذا اقيل له أنت مؤمن: آمنت بالله وملائكته وكتبه، فيجزم بهذا ولا يعلقه، أو يقول: إن كنت تريد الإيمان الذي يعصم دمي ومالي فأنا مؤمن، وإن كنت تريد قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ ١ وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ
_________________
(١) ١ سورة الأنفال، الآية: ٢-٤.
[ ٥٢٤ ]
الصَّادِقُونَ﴾ ١ فأنا مؤمن إن شاء الله، وأما الإنشاء فلم يستثن فيه أحد، ولا شرع الاستثناء فيه، بل كل من آمن وأسلم آمن وأسلم جزمًا بلا تعليق.
ولو قال لامرأته أنت طالق إن شاء الله: ففيه نزاع مشهور، وقد رجحنا التفصيل، وهو أن الكلام يراد به شيئان، يراد به إيقاع الطلاق تارة، ويراد به منع إيقاعه تارة، فإن كان مراده أنت طالق بهذا اللفظ. فقوله: إن شاء الله مثل قوله بمشيئة الله، وقد شاء الله الطلاق حين أتى بالتطليق فيقع وإن كان قد علق لئلا يقع، أو علقه على مشيئة توجد بعد هذا لم يقع به الطلاق حتى يطلق بعد هذا، فإنه حينئذ شاء الله أن تطلق.
وقول من قال المشيئة تنجزه ليس كما قال، بل نحن نعلم قطعًا أن الطلاق لا يقع إلا إذا طلقت المرأة بأن يطلقها الزوج أو من يقوم مقامه، من ولي أو وكيل، فإذا لم يوجد تطليق لم يقع طلاق قط، فإذا قال أنت طالق إن شاء الله وقصد حقيقة التعليق لم يقع إلا بتطليق بعد ذلك، وكذلك إذا قصد تعليقه لئلا يقع الآن. وأما إن قصد إيقاعه الآن وعلقه بالمشيئة توكيدًا وتحقيقًا فهذا يقع به الطلاق.
وما أعرف أحدًا أنشأ الإيمان فعلقه على المشيئة، فإذا علقه فإن كان مقصوده أنا مؤمن إن شاء الله أنا أومن بعد ذلك فهذا لم يصر مؤمنًا، مثل الذي يقال له: هل تصير من أهل دين الإسلام فقال: أصير إن شاء الله فهذا لم يسلم، بل هو باق على الكفر. وإن كان قصده أني قد آمنت وإيماني بمشيئة الله صار مؤمنًا، لكن إطلاق اللفظ يحتمل هذا وهذا، فلا
يجوز إطلاق مثل هذا اللفظ في الإنشاء، وأيضًا فإن الأصل أنه إنما يعلق
_________________
(١) ١ سورة الحجرات، الآية: ١٥.
[ ٥٢٥ ]
بالمشيئة ما كان مستقبلًا فأما الماضي والحاضر فلا يعلق بالمشيئة، والذين استثنوا لم يستثنوا في الإنشاء كما تقدم، كيف وقد أمروا أن يقولوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ ٢ فأخبر أنهم آمنوا فوقع الإيمان منهم قطعًا بلا استثناء.
وعلى كل أحد أن يقول: آمنا بالله وما أنزل إلينا كما أمر الله بلا استثناء، وهذا متفق عليه بين المسلمين ما استثنى أحد من السلف قط في مثل هذا، وإنما الكلام إذا أخبر عن نفسه بأنه مؤمن كما يخبر عن نفسه بأنه بر، تقي، فقول القائل له: أنت مؤمن هو عندهم كقوله: هل أنت بر تقي؟ فإذا قال: أنا بر تقي فقد زكى نفسه. فيقول: إن شاء الله، وأرجو أن أكون كذلك، وذلك: أن الإيمان التام يتعقبه قبول الله له، وجزاؤه عليه، وكتابة الملك له، فالاستثناء يعود إلى ذلك لا إلى ما علمه هو من نفسه وحصل واستقر: فإن هذا لا يصح تعليقه بالمشيئة، بل يقال هذا حاصل بمشيئة الله وفضله وإحسانه، وقوله فيه إن شاء الله بمعنى إذ شاء الله، وذلك تحقيق لا تعليق والرجل قد يقول: والله ليكونن كذا إن شاء الله وهو جازم بأنه يكون فالمعلق هو الفعل، كقوله ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ ٣ والله عالم بأنهم سيدخلونه، وقد يقول الآدمي لأفعلن كذا إن شاء الله وهو لا يجزم بأنه يقع، لكن يرجوه فيقول:
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية: ١٣٦. ٢ سورة البقرة، الآية: ٢٨٥. ٣ سورة الفتح، الآية: ٢٧.
[ ٥٢٦ ]
يكون إن شاء الله، ثم عزمه عليه قد يكون جازمًا، ولكن لا يجزم بوقوع المعزوم عليه، وقد يكون العزم مترددًا معلقًا بالمشيئة أيضًا، ولكن متى كان المعزوم عليه معلقًا لزم تعليق بقاء العزم فإنه بتقدير أن تعليق العزم ابتداءً أو دوامًا في مثل ذلك. ولهذا لم يحنث المطلق المعلق وحرف "إن"لا يبقي العزم، فلا بد إذا دخل على الماضي صار مستقبلًا، تقول: إن جاء زيد كان كذلك ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ ١ وإذا أريد الماضي دخل حرف "إن"كقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ ٢ فيفرق بين قوله: أنا مؤمن إن شاء الله وبين قوله إن كان الله شاء إيماني"٣.
٥- ومما احتج به هؤلاء على قولهم حديث الحارث بن مالك أن النبي ﷺ قال له: كيف أصبحت يا حارث بن مالك؟ قال: أصبحت مؤمنًا حقًا، قال: "إن لكل قول حقيقة فما حقيقة ذلك، قال أصبحت عزفت نفسي عن الدنيا وأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي قد أبرز للحساب، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون في الجنة، وكأني أسمع عواء أهل النار، قال: فقال له عبد نور الإيمان قي قلبه، إن عرفت فالزم" ٤.
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية: ١٣٧. ٢ سورة آل عمران، الآية: ٣١. ٣ الفتاوى (١٣/٤١-٤٦) . ٤ رواه ابن المبارك في الزهد (ص ١٠٦) عن معمر عن صالح بن مسمار أن النبي ﷺ قال: يا حارثة بن مالك كيف أصبحت قال الحافظ: "وهو معضل". ورواه عبد الرزاق في مصنفه (١١/١٢٩) وابن الأعرابي في معجمه (برقم ٢٠٥) من طريق معمر عن صالح بن مسمار، وجعفر بن برقان أن النبي ﷺ قال: فذكره. ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه (١١/٤٣)، وفي الإيمان (ص ٣٨) من طريق ابن نمير نا مالك بن مغول عن زبيد قال: قال رسول الله ﷺ فذكره. قال الألباني: "والحديث معضل فإن زبيدًا من الطبقة السادسة التي لم تلق أحدًا من الصحابة عند الحافظ في التقريب، وقد روي موصولًا عن الحارث بن مالك نفسه رواه عبد بن حميد والطبراني وأبو نعيم وغيرهم بسند ضعيف، ا. هـ. وللحديث طرق عديدة موصولة ومرسلة لكنها لا تخلو من ضعف وكلام، وقد فصل القول فيها الحافظ ابن حجر في كتابه الإصابة في ترجمة الحارث (١/ ٢٨٩) فليراجع.
[ ٥٢٧ ]
قالوا: فلم ينكر النبي ﷺ عليه، ولكن قال لكل شيء حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟ ١.
قلت: وهذا الحديث لا حجة لهم فيه لأمرين:
الأول: أن في ثبوته نظرًا وقد تكلم فيه غير واحد من أهل العلم.
الثاني: أنه إن صح فمحمول على أن المراد به أصل الإيمان، ومن المعلوم أنه إذا أريد به أصل الإيمان جاز اطلاقه كما سبق النقل في ذلك عن السلف، قال شيخ الإسلام: "وأما جواز اطلاق القول بأني مؤمن فيصح إذا عني أصل الإيمان دون كماله، والدخول فيه دون تمامه، كما يقول: أنا حاج وصائم لمن شرع في ذلك، وكما يطلقه في قوله: آمنت بالله ورسله، وفي قوله: إن كنت تعني كذا وكذا أن جواز إخباره بالفعل يقتضي جواز إخباره بالاسم مع القرينة وعلى هذا يخرج ما روي عن صاحب معاذ بن جبل، وما روي في حديث الحارث الذي قال: "أنا مؤمن حقًا"وفي حديث
_________________
(١) ١ انظر بحر الكلام في علم التوحيد (ص ٤١) والروضة البهجة (ص ١٠) .
[ ٥٢٨ ]
الوفد الذين قالوا: "نحن المؤمنون"وإن كان في الإسنادين نظرًا"١.
٦- واحتجوا أيضًا ببعض الآثار المروية عن السلف كمعاذ بن جبل وابن مسعود وعطاء وغيرهم فيها التصريح بالإيمان بدون استثناء٢.
قلت: وقد سبق ذكر هذه الآثار وتخريجها عند بيان مذهب السلف في مسألة الاستثناء٣، وأنها لا تخلو من أحد أمور ثلاثة: إما أن تكون لا ضعيفة الإسناد، أو قيلت على سبيل التعميم نحو أنتم المؤمنون، أو يكون قصد بذلك أصل الإيمان. أما إذا أريد الإيمان التام الكامل فلا بد من الاستثناء، والله أعلم.
هذا وقد ادعى بعضهم- كالسبكي في رسالته التي صنَّفها في مسألة الاستثناء، وأبي عذبة في كتابه الذي صنَّفه لبيان المسائل المختلف فيها بين الأشاعرة والماتريدية - أن الخلاف في هذه المسألة بين الأشاعرة القائلين بوجوب الاستثناء نظرًا للموافاة، وبين الماتريدية القائلين بعدم جواز الاستثناء مطلقًا لما يقتضيه في نظرهم من الشك والريب في الإيمان لفظي وليس حقيقيًا٤.
والحق أن الخلاف بين الطائفين جوهري حقيقي وليس لفظيًا فقط، وذلك لأن الماتريدية لم يرتضوا ما ذهب إليه الأشاعرة من إيجاب للاستثناء باعتبار الموافاة، فالطائفتان وإن كان بينهما اتفاق في أنه لا يقال أنا
_________________
(١) ١ الفتاوى (٧/ ٦٦٩) . ٢ انظر النبراس (ص ٤١٨)، واتحاف السادة المتقين (٢/٤٨١) . ٣ انظر (٤٨٤ وما بعدها) من هذه الرسالة وانظر أيضًا (ص ٥٠٨) . ٤ انظر إتحاف السادة المتقين للزبيدي (٢/٢٧٨)، والروضة البهية لأبي عذبة (ص ٩) .
[ ٥٢٩ ]
مؤمن إن شاء الله للشك في ثبوت الإيمان للحال، فإن بينهما خلافًا في جواز إطلاق هذا الاستثناء بالنظر إلى إيمان المآل والموافاة، فلم يجوزه الماتريدية وأوجبه الأشاعرة، وعلل الماتريدية عدم تجويزه "بأن النفس قد تعتاد التردد في إيمان الحال بسبب ترددها في ثبوت الإيمان واستمراره، وهذه مفسدة قد تجر آخر الحياة إلى الاعتياد به، خصوصًا والشيطان متبتل بالإنسان لا شغل له سواه، فيجب حينئذ تركه"١.
فإيمان الموافاة الذي يوجب الأشاعرة الاستثناء نظرًا إليه لا يجيز الماتريدية الاستثناء لأجله، فكيف يقال بعدئذ إن الخلاف بينهما لفظي، ومن المعلوم أيضًا أن بعض الماتريدية لا يجيز الصلاة خلف المستثني ولا أكل ذبيحته ويعدونه شاكًا في إيمانه دون تمييز منهم بين إيمان موافاة أو غيره.
وعلى كل فسواء أكان الخلاف بينهما حقيقيًا أو لفظيًا فإن الطائفتين غالطتان فيما ذهبتا إليه، ولم تصب أي واحدة منهما الحق، وإنما الذي أصاب الحق في هذا وناله هم أهل السنة والجماعة، وقد سبق شرح مذهبهم وبيانه والتدليل عليه، وإبطال ما خالفه من الأقوال المحدثة، وبالله وحده التوفيق.
_________________
(١) ١ انظر المسامرة شرح المسايرة لابن أبي شريف (ص ٣٨٦ وما بعدها) .
[ ٥٣٠ ]
الخاتمة
الحمد لله أولًا وآخرًا والشكر له ظاهرًا وباطنًا.
وبعد: فقد تم في هذا البحث بتوفيق من الله وامتنان وفضل منه وإحسان -حديث مفصل عن مسألتين عظيمتين من مسائل الإيمان المهمة: الأولى: عن زيادة الإيمان ونقصانه، والثانية: عن حكم الاستثناء فيه، وإني لأرجو الله الكريم أن يجعل هذا الجهد مباركًا مقبولًا عنده، نافعًا للعباد وافيًا بالمراد، وأن يغفر لي ما وقع فيه من خطأ وزلل إنه جواد كريم غفور رحيم.
وفي نهاية هذا البحث وختامه أجمل باختصار أهم نتائجه وأبرزها في النقاط التالية:
إن الإيمان عند أهل السنة والجماعة بإجماعهم قول وعمل يزيد وينقص، ولهم على ذلك أدلة كثيرة لا تحصى من الكتاب والسنة، وقد أتى هذا البحث على جملة مباركة منها موضحة مبينة، وللسلف في تقرير ذلك أقوال كثيرة جدًا يؤصلون فيها هذه العقيدة الراسخة الصحيحة، ويردون بها على الأقوال المحدثة المبتدعة المخالفة لذلك من أقوال المرجئة وغيرهم.
ثم إن زيادة الإيمان ونقصانه عند أهل السنة تكون من أوجه عديدة ذكر في هذا البحث تسعة منها، وهي في الجملة ترجع إلى وجهين اثنين هما: أن الإيمان يتفاضل من جهة أمر الرب ومن جهة فعل العبد، وهذا
[ ٥٣١ ]
من الأصول المتقررة عند أهل السنة والجماعة وليس أحد من الفرق والطوائف يوافقهم في ذلك؛ لأن منهم من يرى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص من أي وجه، ومنهم من يرى إنه يزيد وينقص من وجه دون وجه وليس أحد يرى أنه يزيد وينقص من جميع هذه الوجوه غير أهل السنة والجماعة.
وللإيمان أسباب كثيرة متنوعة تزيده وتنقيه، وأسباب أخرى متنوعة تضعفه وتنقصه وهي تعلم بالتدبر والتأمل للكتاب والسنة. وتحقيق الإيمان وتقويته إنما يكون بمعرفة هذه الأسباب وفهمها ثم بالقيام بأسباب الزيادة والبعد عن أسباب النقص.
ومن أسباب زيادته العلم النافع، وتدبر القرآن الكريم، ومعرفة أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، وتأمل محاسن ديننا الحنيف، وسيرة نبينا الكريم ﷺ، وسير أصحابه، والتأمل والنظر في كون الله الفسيح وما فيه من دلالات باهرة وحجج ظاهرة، والقيام بطاعة الله ﷿ على الوجه المطلوب، فهذه من أنفع الأمور المقوية للإيمان والجالبة له.
ومن أسباب نقصه وضعفه الجهل بدين الله والغفلة والإعراض والنسيان وفعل المعاصي، وارتكاب الذنوب، وطاعة النفس الأمارة بالسوء، ومقارنة أهل الفسق والفجور، واتباع الهوى والشيطان، والاغترار بالدنيا والافتتان بها، فهذه الأمور من أشد الأسباب المنقصة للإيمان والمضعفة له.
ثم إن الإسلام عند أهل السنة يزيد وينقص ويقوى ويضعف كالإيمان سواء لأن الإسلام عندهم شامل للطاعات كلها، وتفاضل الناس في القيام بأعمال الإسلام وتفاوتهم في ذلك أمر معلوم متقرر، إلا إن قصد بالإسلام الكلمة كما ذهب إلى ذلك بعض السلف فالكلمة لا تزيد
[ ٥٣٢ ]
ولا تنقص.
ثم إنه قد جاء عن الإمام مالك ﵀ في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه روايتان إحداهما: أن الإيمان يزيد وتوقف في النقصان؛ لأنه لم يجد نصًا صريحًا في القرآن يدل على النقصان، ثم تبين له بعد أن الإيمان ينقص كما أنه يزيد فقال به، وهذه هي الرواية الأخرى، وقد جاءت عنه من طرق عديدة ثابتة عن غير واحد من أصحابه.
وجاء عن بعض الأشاعرة والغسانية والنجارية والإباضية ونسب إلى أبي حنيفة أن الإيمان يزيد ولا ينقص، واحتجوا لذلك ببعض الشبه الواهيه والحجة الضعيفة وقد تم إيرادها وبيان بطلانها في هذا البحث بتوفيق الله.
وقد ذهبت طوائف أخرى كثيرة من أهل الكلام والإرجاء والتجهم من الجهمية والمعتزلة والخوارج والأشاعرة والماتريدية وغيرهم إلى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وقولهم هذا باطل شرعًا معلوم الفساد بالاضطرار من دين الله وليس عليه دليل لا من كتاب ولا سنة ولا عقل، بل إن صريح الكتاب وصحيح السنة والعقل بخلافه وعلى الضد له تمامًا.
ثم وإن كان من القائلين بهذا القول الإمام أبو حنيفة ﵀، فإن هذا لا يسوغ هذه العقيدة، بل إنه يعد هفوة منه ﵀ وزلة قدم يرجى أن تغتفر في بحر علمه وفضله ولاسيما وقد جاء عنه ما يشعر برجوعه عن هذا القول وهو الحري به غفر الله له، ولهذا لا يجوز متابعته في ذلك لأن أقوال العلماء- كما هو متقرر- لا يحتج بها على الأدلة الشرعية بل يحتج لها بالأدلة الشرعية، فما كان منها مخالفًا لما جاء في الشرع طرح جانبًا وتمسك فيما جاء بالشرع فقط وهذا أمر أوصى به الأئمة جميعهم أبو حنيفة وغيره.
[ ٥٣٣ ]
ولئن كان بعض الأحناف غلا في متابعة أبي حنيفة في غلطه هذا وتعصب له فيه تعصبًا مقيتًا، فإن من الأحناف من اعتدل في الأمر ووزن الأمور بميزان الشرع فترحم على أبي حنيفة وترك متابعته في خطئه، وعد متابعته في ذلك من سنن العوام.
لكن من العجيب حقًا أن بعض الذاهبين لهذا القول والمتعصبين له، لم يرعووا عن أمور ذميمة وخلال قبيحة، ركبوها تحسينًا منهم لباطلهم وترويجًا له، فكذبوا على النبي ﷺ في ذلك أحاديث كثيرة، وحرّفوا نصوصًا شرعية عديدة بتأويلات مستكرهة بعيدة عن اللغة والشرع معًا، وضللوا وكفروا وبدعوا أهل الحق والاستقامة، فهؤلاء لا حيلة فيهم إلا كشف باطلهم وتعرية ضلالهم وفضحهم على رؤوس الأشهاد؛ ولهذا كانت مواقف علماء الإسلام وأئمة السنة من مثل هؤلاء قوية صارمة تتسم بالحزم وعدم التساهل، فأوصوا بهجرهم والبعد عنهم والحذر من باطلهم، صيانة للعقيدة، وحفاظًا على السنة.
بينما نبتت في عصورنا المتأخرة وأزماننا الحاضرة مواقف مهزوزة وآراء مهلهلة، تدعوا إلى السكوت عن هؤلاء وعدم كشف باطلهم للتفرغ فقط للعدو الخارجي لدعوته أو صد عدوانه، فنجم عن هذه المواقف أن رفع أهل الباطل عقيرتهم، وأظهروا بدعهم، ونادوا بها في كل مجلس وناد، فاختلطت الأمور وتغيرت المفاهيم، وبات المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، وصارت البدعة سنة والسنة بدعة، فضاع لكثير من المسلمين رأس مالهم وسبيل نجاتهم فضلًا عن أن تتحقق الأرباح لهم.
بل وادعى بعض أهل هذه المواقف أن عقائد المرجئة والمعتزلة والجهمية وغيرهم ماتت وانقرضت ولم تعد موجودة في هذا الزمان، والحق أن هذا القول يعد تلبيسًا من قائله وتعمية منه عن الأمور البادية
[ ٥٣٤ ]
لكل مبصر، والظاهرة لكل متبصر، بل إن أهل هذه الأهواء في زماننا هذا- ولست مبالغًا في ذلك- أكثر منهم عن ذي قبل، فالبدع الأولى لا زالت موروثة، والضلالات القديمة لا زالت محروثة، غير أنه أضيف إليها في هذا الزمان أنواع أخرى من البدع والمحدثات، والله المستعان.
ثم إني قد أوضحت في هذا البحث سبب نشوء الخلاف في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه، وقررت أن الخلاف الذي حصل فيها حقيقي جوهري، وليس لفظيًا صوريًا فقط، لأن قول المخالفين في هذه المسألة مضاد تمامًا لقول أهل السنة والجماعة المستمد من الكتاب والسنة، إضافة إلى ما جره قولهم من بدع عديدة وضلالات متنوعة.
ومن بدع هؤلاء تحريمهم الاستثناء في الإيمان ووصفهم المستثني في إيمانه بأنه شاك، حتى غلا بعضهم في ذلك فمنع من تزويج أو أكل ذبيحة من يستثني في إيمانه، رغم أن الاستثناء في الإيمان من معتقد أهل السنة والجماعة، المدعم بالأدلة النقلية الصحيحة، دون أن يكون مقتضيًا للشك أو الريب كما يدعيه هؤلاء، بل إن الأمر في ذلك عائد إلى مقصود قائله، فإن قصد بقوله أنا مؤمن الشك في أصل الإيمان يكون عندئذ شاكًا في إيمانه.
أما السلف فمقصودهم بالاستثناء هو البعد عن تزكية النفس، والخوف من عدم قبول الأعمال، وبعدًا عن ادعاء القيام بالأعمال كلها، دون شك منهم في أصل الإيمان وأساسه، وحاشاهم ذلك.
ولهذا جاء عن بعض السلف اطلاق القول، أنا مؤمن دون تقييد لذلك بالاستثناء، ومقصودهم بذلك أصل الإيمان، لأنه إذا قصد بأنا مؤمن أصل الإيمان فلا استثناء في ذلك، وإن قصد تمامه وكماله فلا بد من الاستثناء.
[ ٥٣٥ ]
لكن لما كان مقصود القائل لا يظهر إلا بقرينة تدل عليه صار متعينًا على كل أحد إذا قال أنا مؤمن أن يستثني، إلا إذا أظهر من كلامه ما يدل على إرادته أصل الإيمان، ليجانب بذلك تزكية نفسه وادعاء كمالها، لهذا كره الإمام أحمد ﵀ إطلاق هذه الكلمة دون تقييد لها بالاستثناء. أما قول أنا مسلم فالمشهور عن أهل الحديث هو عدم الاستثناء
فيه، لأنه لما كان كل من أتى بالشهادتين صار مسلمًا متميزًا عن أهل الكفر تجري عليه حكام الإسلام التي تجري على المسلمين، كان هذا مما يجزم به بلا استثناء فيه.
وقد خالف السلف في مسألة الاستثناء في الإيمان طائفتان: ذهبت إحداهما إلى إيجاب الاستثناء في الإيمان لأجل الموافاة، حيث إن قائل هذه الكلمة لا يعلم هل يوافي ربه بإيمانه، فيدوم عليه إلى أن يموت أولًا؟ لهذا أوجب هؤلاء الاستثناء في الإيمان، ومأخذهم هذا في الاستثناء لا يعلم عن أحد من أهل السنة والجماعة، كما جزم بذلك شيخ الإسلام ﵀. أما الطائفة الأخرى فذهبت إلى تحريم الاستثناء مطلقًا لما يقتضيه في نظرهم من الشك في الإيمان.
ولا ريب في بطلان ما ذهبت إليه هاتان الطائفتان وبعده عن الحق والصواب إن كان هؤلاء قد تعلقوا ببعض الشبه والأدلة لنصرة قولهم، فإن ما تعلقوا به لا تقوم به حجة ولا ينهض به برهان، وقد أوردت في هذا البحث شبه كل طائفة وما تعلقت به من أدلة لنصرة مذهبها، وبينت بطلان تلك الشبه وفساد تلك الاستدلالات.
ثم إن السلامة إنما تتحقق بالبعد عن أهل الأهواء والبدع وبمتابعة أهل السنة والجماعة، فهم دائمًا أسعد بالدليل وأحظى بالحق والسبيل،
[ ٥٣٦ ]
فالسلامة معهم وكذا العلم والإيمان، جعلنا الله من أتباعهم، وحشرنا في زمرتهم، وجنبنا الأهواء المضلة والفتن المطغية، إنه سميع الدعاء.
فهذه بعض المعالم الرئيسة، والنقاط البارزة في هذا البحث، وإني في الختام لأستغفر الله من كل ذنب زلت به القدم، أو زلل طغى به القلم، والحمد لله رب العالمين، وصلاة الله وسلامه الأتمان الأكملان على نبيّه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٥٣٧ ]
الاعتبار١ فقد شهد لنفسه بأنه من الأبرار المتقين القائمين بفعل جميع ما أمروا به، وترك كل ما نهوا عنه، فيكون من أولياء الله، وهذا من تزكية الإنسان لنفسه، وشهادته لنفسه بما لا يعلم، ولو كانت هذه الشهادة صحيحة لكان ينبغي له أن يشهد لنفسه بالجنة إن مات على هذه الحال، ولا أحد يشهد لنفسه بالجنة فشهادته لنفسه بالإيمان كشهادته لنفسه بالجنة إذا مات على هذه الحال، وهذا مأخذ عامة السلف الذين كانوا يستثنون"٢.
٤- المأخذ الرابع:
هو أن الاستثناء يجوز في الأمور المتيقنة التي لا شك فيها، وقد جاءت السنة بمثل هذا لما فيه من الحكمة٣.
قال الإمام أحمد: قول النبي ﷺ حين وقف على المقابر فقال: "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" ٤ وقد نعيت إليه نفسه أنه صائر إلى الموت، وفي قصة صاحب القبر "عليه حييت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله" ٥، وفي قول النبي ﷺ: "إني اختبأت دعوتي وهي نائلة إن شاء الله من لا يشرك بالله شيئا" ٦ وفي مسألة الرجل النبي ﷺ أحدنا
_________________
(١) ١ أي باعتبار أن الإيمان المطلق يتضمن فعل كل ما أمر الله به، وترك كل ما نهى الله عنه. ٢ الفتاوى (٧/٤٤٦) . ٣ انظر الفتاوى (٧/٤٥٠) . ٤ جزء من حديث أخرجه مسلم في صحيحه (٢/٦٦٩) عن عائشة ﵂. ٥ جزء من حديث أخرجه ابن ماجه (٢/٤٢٢) قال البوصيري في الزوائد: "إسناده صحيح" وصححه الألباني انظر مشكاة المصابيح (١/٥٠)، وصحيح ابن ماجة (٢/٤٢٢) . ٦ رواه أحمد (٢/٤٢٦) وابن ماجة (٢/١٤٤٠)، والبيهقي في السنن (٨/ ١٧)، ورواه بنحوه مسلم (١/١٩٠) عن أبي هريرة ﵁.
[ ٧٤٣ ]