*
الفصل الأول: قول من قال الإيمان يزيد وتوقف في النقصان
الفصل الأول
قول من قال الإيمان يزيد وتوقف في النقصان
لقد جاء عن الإمام مالك رحمه الله تعالى في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه روايتان، قال في إحداهما: إن الإيمان يزيد أما النقصان فتوقف فيه وطلب من السائل أن يكف عن السؤال عنه، لأنه لم يجد عليه دليلًا من كتاب الله.
أما الرواية الأخرى: فقد جاءت عنه من طرق متعددة صحيحة، قال فيها: إن الإيمان يزيد وينقص، كقول أهل السنة والجماعة سواء.
ولهذا خصصت هذا الفصل لدراسة الرواية الواردة عنه ﵀ في أن الإيمان يزيد مع التوقف في النقصان، وذكر ما قاله أهل العلم من تعليلات لقوله هذا، وبيان الصواب منها، مع ذكر الروايات الأخرى الثابتة عنه في أن الإيمان يزيد وينقص.
ولنبدأ أولًا بالرواية الأولى التي فيها قوله أن الإيمان يزيد وتوقف في النقصان، فهذه الرواية جاءت عنه من ثلاث طرق:
الأولى- من طريق عبد الله بن وهب
قال: سئل مالك بن أنس عن الإيمان؟ فقال: قول وعمل، قلت أيزيد وينقص؟ قال: قد ذكر الله سبحانه في غير آي من القران أن الإيمان يزيد، فقلت له: أينقص؟ قال: دع الكلام في نقصانه وكف عنه. فقلت
[ ٢٧٧ ]
بعضه أفضل من بعض؟ قال: نعم١.
الثانية- من طريق ابن القاسم٢:
قال ابن عبد البر:"وقد يزيد، روى ابن القاسم عن مالك أن الإيمان ووقف في نقصانه"٣.
ونقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية٤.
وقال القاضي عياض:"قال ابن القاسم: كان مالك يقول: الإيمان يزيد، وتوقف عن النقصان، وقال: ذكر الله زيادته في غير موضع فدع الكلام في نقصانه وكف عنه"٥.
_________________
(١) ١ ذكر هذه الرواية ابن عبد البر في الانتقاء (ص ٣٣) قال:- قال"الدولابي" وأخبرنا يونس بن عبد الأعلى قال: نا ابن وهب فذكره. وهذا إسناد صحيح. فالدولابي: هو الإمام الحافظ البارع أبو بشر محمد بن حماد بن سعيد بن مسلم الأنصاري الدولابي، ت٣١٠ هـ السير (١٤/٣٠٩)، قال ابن كثير: أحد الأئمة من حفاظ الحديث، البداية والنهاية (١١/١٤٥) . ويونس بن عبد الأعلى: هو أبو موسى الصدفى المصري، ثقة من صغار العاشرة مات سنة أربع وستين ومائتين، وهو من رجال مسلم، التقريب (٢/٣٨٥) . وابن وهب: هو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمد المصري، ثقه حافظ عابد، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومائتين، أخرج له الشيخان وأصحاب السنن التقريب (١/٤٦٠) والتهذيب (٦/٦٥) . ٢ هو عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقي أبو عبد الله البصري، الفقيه صاحب مالك، ثقة من كبار العاشرة، مات سنة ٢٩١ هـ. التقريب (١/ ٤٩٥) . ٣ التمهيد (٩/٢٥٢) . ٤ الفتاوى (٧/٣٣١) . ٥ ترتيب المدارك (٢/٤٣) .
[ ٢٧٨ ]
ونقله عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء١.
الثالثة- من طريق إسماعيل بن أبي أويس٢:
قال: سئل مالك عن الإيمان يزيد وينقص؟ فقال: يزيد (وينقص) ٣ وذلك في كتاب الله، فقيل له: وينقص يا أبا عبد الله؟ قال: ولا أزيد أن أبلغ هذا٤.
فهذا ما وقفت عليه مما نقل عنه ﵀ في أن الإيمان يزيد مع التوقف في النقصان، ولم أقف فيما أطلعت عليه من روايات عن الإمام أنه جزم بعدم نقص الإيمان، وإنما الذي ورد عنه في بعض الروايات التوقف في القول بنقص الإيمان، وفرقٌ بين الجزم بنفي الشيء، وبين التوقف فيه. وبهذا يتبين خطأ قول الزبيدي عندما أورد قول مالك هذا (أي: توقفه في النقصان) ثم أورد بعده ما روي عن أبي حنيفة من طريق غسان وجماعة من أصحابه أنه قال:"الإيمان يزيد ولا ينقص". ثم قال الزبيدي:"وهو بعينه قول مالك"٥.
قلت: فهذا خطأ بين إذ إن مالكًا ﵀ إنما جاء عنه التوقف
_________________
(١) ١ السير (٨/١٠٢) . ٢ هو إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن أبي أويس الإمام الحافظ أبو عبد الله الأصبحي المدني،: كان عالم أهل المدينة ومحدثهم في زمانه على نقص في حفظه وإتقانه ت ٢٢٦ هـ السير (١٠/٣٩١) . ٣ هكذا في المخطوط، والذي يبدو لي أنها زائدة، كما يظهر ذلك من السياق. ٤ ذكر هذه الرواية ابن عبد الهادي في ارشاد السالك (ص ٥١) فقال: قال ابن الأخضر قال محمد بن سعد حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال سئل مالك فذكره. ٥ اتحاف السادة المتقين (٢/٢٥٦) .
[ ٢٧٩ ]
بالنقصان لا الجزم بعدمه، والفرق بين الأمرين ظاهر.
فهو ﵀ كان متوقفًا في القول بنقص الإيمان لعدم بلوغ النص إليه، ثم لما بلغه ذلك جزم بنقص الإيمان، كما هو ثابت عنه من طرق متعددة.
أما توقفه في النقصان في هذه الرواية فقد ذكر له أهل بعض التعليلات:
ا- فقيل إنه توقف في بعض الروايات عن القول بالنقصان، لأن التصديق بالله تعالى ورسوله ﷺ لا ينقص؟ إذ لا يجوز نقصان التصديق، لأنه إذا نقص صار شكًا وخرج عن اسم الإيمان، قاله ابن بطال١.
وقال بعض أهل العلم: إنما توقف مالك عن القول بنقصان الإيمان خشية أن يتأول عليه موافقة الخوارج الذين يكفرون أهل المعاصي من المؤمنين بالذنوب٢.
٣- وقيل: إنه توقف في ذلك لأنه وجد ذكر الزيادة في القرآن ولم يجد ذكر النقص.
قال شيخ الإسلام:"وكان بعض الفقهاء من أتباع التابعين لم يوافقوا في إطلاق النقصان عليه. لأنهم وجدوا ذكر الزيادة في القران، ولم يجدوا ذكر النقص، وهذا إحدى الروايتين عن مالك"٣.
_________________
(١) ١ نقله النووي في شرحه لصحيح مسلم (١/١٤٦) . ٢ شرح صحيح مسلم للنووي (١/١٤٦) وانظر الجامع لابن أبي زيد القيرواني (ص ١٢٢) . ٣ الفتاوى (٧/ ٥٠٦) .
[ ٢٨٠ ]
فهذا جملة ما وقفت عليه من تعليلات لهذه الرواية، والذي أراه صوابًا من هذه التعليلات الثالث منها، وهو أنه توقف عن القول بالنقص لعدم وقوفه على النص، لأمور:
أولًا: أن هذا هو اللائق به ﵀ والأنسب لمقامه، فما وجده في الكتاب والسنة قال به، وما لم يجده لم يقل به، وهذا هو شأن العلماء المحققين من أهل السنة والجماعة لا يصدرون في أقوالهم وأعمالهم إلا عن كتاب أو سنة، وكثيرًا ما كان يتمثل ﵀ بقول الشاعر:
وخير أمور الدين ما كان سنة وشر الأمور المحدثات البدائع١
ثانيًا: أن هذا هو منصوصه ﵀، فقد نص في جميع الروايات المتقدمة أنه إنما قال بالزيادة لوجودها في القرآن، ولما لم يجد للنقص ذكرًا توقف عنه. ففي رواية ابن وهب قال:"قد ذكر الله سبحانه في غير آي من القران أن الإيمان يزيد".
وفي رواية ابن القاسم قال:"قد ذكر الله زيادته في غير موضع، فدع الكلام في نقصانه وكف عنه".
وفي رواية ابن أبي أويس قال:"وذلك في كتاب الله".
فظاهر من هذه الروايات أنه إنما قال بالزيادة لورود النص فيها، أما النقص فتوقف عن القول به لعدم وقوفه على نص فيه.
ثالثًا: يؤكد ذلك أنه ورد عنه روايات متعددة صحيحة يأتي ذكرها
_________________
(١) ١ الانتقاء لابن عبد البر (ص ٣٧) .
[ ٢٨١ ]
قريبًا فيها القول بزيادة الإيمان ونقصانه، فلعل هذا بعد أن تبين له النص في النقص كحديث:"ما رأيت من ناقصات
عقل ودين" أو وقف على بعض الآثار الكثيرة عن الصحابة والتابعين، والتي فيها التصريح بالزيادة والنقصان، أو غير
ذلك، فصار يقول به لوقوفه على النص فيه.
رابعًا: أن هذا ما رآه شيخ الإسلام ابن تيمية ذو الفهم الثاقب، والإطلاع الواسع والعناية الفائقة بأقوال السلف، فهو من أعلم الناس بأقوالهم وأفهمهم لها، وإن النفس لتطمئن كثيرًا وغالبًا لما يختاره ويراه لدقة فهمه وشدة تحريه، وقد تقدم من قوله ﵀ تعليل رواية مالك هذه بأنه توقف لأنه لم يجد التنصيص على النقصان في القران.
أما التعليل الأول والثاني فأرى أنهما غير سديدين.
أما الأول: وهو أنه توقف في النقص لأن التصديق لا ينقص فغير صحيح بل باطل، لأن التصديق يعتريه النقص كما تعتريه الزيادة، وقد سبق أن ذكرت في أوجه زيادة الإيمان ونقصانه أن الإيمان يزيد وينقص من جهة التصديق، ودللت على ذلك، ونقلت عن أهل العلم كالنووي وابن تيمية وابن حجر وغيرهم ما يؤيده، فأغنى عن إعادته هنا.
فقول أن نقصان التصديق شك ليس من قول أهل السنة والجماعة في شيء، فغير لائق أن يتأول قول مالك ﵀ على هذا القول الباطل، ويترك السبب الذي جاء عنه هو في تعليل تركه للقول بنقصان الإيمان.
أما الثاني: وهو أنه توقف حتى لا يفهم منه موافقة الخوارج الذين يكفرون أهل المعاصي من المؤمنين بالذنوب، فبعيد جدًا.
[ ٢٨٢ ]
لأن القول بنقص الإيمان لا يفهم منه البتة كفر من نقص إيمانه إلا على مذهب الخوارج وغيرهم من القائلين بأن الإيمان كل واحد لا يتجزأ إذا ذهب بعضه ذهب كله، وهو قول باطل بلا ريب ترده نصوص الكتاب والسنة.
أما أهل السنة والجماعة فالإيمان عندهم له أجزاء وأبعاض وشعب والناس متفاوتون في القيام بها، فهو يزيد بزيادتها وينقص بنقصها، فإماطة الأذى عن الطريق إيمان كما في حديث الشعب، وترك إماطته نقص في كمال الإيمان المستحب ولا يقال إن فعله هذا كفر لتركه شيئًا من أمور الإيمان، ولا يفهم هذا منه.
ثم لو فهم هذا ممن انحرفت فطرهم وسادت فيهم البدع والخرافات، فلا يليق أن ينسب إليه ﵀ أنه ترك ما جاء الدليل مصرحًا به حتى لا يفهم كلامه على غير مراده، فلو كان ذلك كذلك وطرد هذا الأمر على بقية أمور الإعتقاد لضاع الدين.
فهل يترك القول بأن الله سميع بصير عليم خبير وأنه مستو على عرشه وأن له يدًا وقدمًا وغير ذلك من أوصاف كماله ﷾ حتى لا يقال مجسمة؟!
أو يترك العناية بالأحاديث وتتبع الآثار والتنقيب عنها وفهمها حتى لا يقال حشوية؟!
أو يترك الاستثناء في الإيمان بأن يقول أنا مؤمن أو أنا مؤمن حقًا حتى لا يقال شكاكًا؟! وغير ذلك مما يطول ذكره.
وهل لا نروي قول النبي ﷺ:"لا يؤمن أحدكم كذا" في أحاديث كثيرة حتى لا يفهم من ذلك أنا نرى ما يراه الخوارج وغيرهم من خروج
[ ٢٨٣ ]
مرتكب الكبيرة من الإيمان؟!
ولقد فهم المبتدعة من كلام الله في كتابه وكلام رسوله ﷺ في الثابت عنه ما يوافق مذاهبهم، وليس العيب في النص تنزه كلام الله ورسوله عن ذلك، بل العيب في فهمهم على حد قول الشاعر:
وكم من عائب قولًا صحيحًا
وآفته من الفهم السقيمٍ
ولم يمنع فهمهم من نص شرعي موافقة مذهبهم أن يتلى النص ويبلغ ويتداول.
وعليه فإني أرى أنه ليس من اللائق أبدًا أن يؤول قول الإمام على ذلك وأن يفهم من قوله هذا الفهم الفاسد، ولو كان ﵀ يخشى ما فهمه هؤلاء لقال بما جاء به النص:"الإيمان يزيد وينقص"ثم بيّن للسائل أنه لا يلزم من القول بنقصه أنه يكفر، إذ لا تلازم بينهما، أو نحو هذا مما يبين السبيل ويزيل الإشكال إن وجد. والله أعلم.
وعلى كل فالإمام ﵀ نص على أنه ترك القول بالنقص لعدم ورود النص، فلا حاجة بنا بعد إلى مثل هذه التعليلات.
وأيضًا فالإمام ثبت عنه القول بزيادة الإيمان ونقصانه وترك قوله الأول، بل إن قوله الأخير هو المعروف عنه عند أهل العلم كما قال أحمد بن القاسم تذاكرنا من قال الإيمان يزيد وينقص فعد الإمام أحمد غير واحد ثم قال: ومالك بن أنس يقول: يزيد وينقص، فقلت له إن مالكًا يحكون عنه أنه قال: يزيد ولا ينقص١.
_________________
(١) ١ قلت: لم يرد عن مالك ﵀ أنه قال إن الإيمان يزيد ولا ينقص وإنما الذي ورد عنه هو التوقف في النقصان لا نفيه، فلعل هذا الحاكي فهم من النصوص الواردة عنه في أن الإيمان يزيد مع التوقف في النقصان أنه يقول بعدم النقصان، وهذا ليس بلازم كما هو معلوم.
[ ٢٨٤ ]
فقال: بلى قد روي عنه يزيد وينقص كان ابن نافع يحكيه عن مالك، فقلت له: ابن نافع يحكيه عن مالك؟ قال: نعم١.
والروايات الواردة عنه ﵀ في أن الإيمان يزيد وينقص كثيرة، وفيما يلي أسوق ما وقفت عليه منها:
أولًا- رواية عبد الرزاق:
قال عبد الرزاق:"سمعت معمرًا وسفيان الثوري ومالك بن أنس، وابن جريج وسفيان بن عيينة يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص"٢.
وقال:"لقيت اثنين وستين شيخًا منهم معمر ومالك بن أنس كلهم يقولون:"الإيمان قول وعمل يزيد وينقص"٣.
ثانيًا- رواية إسحاق بن محمد الفروى٤:
قال:"كنت عند مالك بن أنس فسمعت حماد بن أبي حنيفة يقول لمالك يا أبا عبد الله إن لنا رأيًا نعرضه عليك فإن رأيته غير ذلك كففنا
_________________
(١) ١ رواه الخلال في السنة (٢/٦٩٣ ح ١٠٤٣) وتصرفت في نقله. ٢ تقدم تخريجه (ص ١٢٨) . ٣ تقدم تخريجه (ص ١٠٦) . ٤ هو إسحاق بن محمد بن إسماعيل بن عبد الله بن أبي فروة الفروى، المدني الأموي مولاهم صدوق، كف فساء حفظه، مات سنة ٢٢٦ هـ التقريب (١/٦٠) .
[ ٢٨٥ ]
عنه، قال: رما هو؟ قال يا أبا عبد الله لا نكفر أحدًا بذنب، الناس كلهم مسلمون عندنا.
قال: ما أحسن هذا، ما بهذا بأس. فقام إليه داود بن أبي زنبر وإبراهيم بن حبيب وأصحاب له فقاموا إليه فقالوا: يا أبا عبد الله إن هذا يقول بالإرجاء، قال ديني مثل دين جبريل وميكائيل والملائكة المقربين، قال: لا والله: الإيمان يزيد وينقص ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ ١ وقال إبراهيم ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ٢ فطمأنينة قلبه زيادة في إيمانه"٣.
ثالثًا- رواية ابن نافع:
قال: كان مالك بن أنس يقول:"الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص"٤.
رابعًا- رواية معن بن عيسى٥:
_________________
(١) ١ سورة الفتح، الآية: ٤. ٢ سورة البقرة، الآية: ٢٦٠. ٣ أخرجه اللالكائي في شرح الاعتقاد (٥/ ٩٦٠ ح ١٧٤٣) قال أخبرنا محمد بن الحسن بن محمد الوراق قال نا أحمد بن خلف قال: نا أبو إسماعيل يعني الترمذي قال سمعت إسحاق بن محمد يقول.. فذكره. وذكره بنحو القاضي عياض في ترتيب المدارك (٢/ ٤٨) . ٤ رواه عبد الله في السنة (١/ ٣١٧ ح ٦٣٦)، والخلال في السنة (ح ١٠٨٢)، وأبو نعيم في الحلية (٦/٣٢٧)، والآجري في الشريعة (ص ١١٨) واللالكائي في شرح الاعتقاد (٥/ ٩٥٩ ح ١٧٤٢) والنجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق (ص٧١) . وابن عبد البر في الانتقاء (ص ٣٦) من طرق عن أبي الحسن سريج بن النعمان، قال حدثنا عبد الله بن نافع.. فذكره. وهذا إسناد صحيح. ٥ هو أبو يحيى معن بن عيسى بن يحيى الأشجعي مولاهم المدني القزاز، ثقة ثبت، قال أبو حاتم: هو أثبت أصحاب مالك من كبار العاشرة ت سنة ١٩٨ هـ روى عنه الجماعة، التقريب (٢/٢٦٧) .
[ ٢٨٦ ]
أشار إليها ابن عبد البر في التمهيد١ ونقلها عنه شيخ الإسلام٢، ولم أقف عليها مسندة.
خامسًا- رواية أبي عثمان سعيد بن داود بن أبي زنبر الزنبري٣:
قال كان مالك يقول:"الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص"٤.
سادسًا- رواية سويد بن سعيد بن سهل الهروي:
قال:"سمعت مالك بن أنس وحماد بن زيد.. وجميع من حملت عنهم العلم يقولون: الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص "٥.
فالقول بأن الإيمان يزيد وينقص ثابت عنه ﵀ من طرق متعددة، ولذا قال ابن عبد البر في التمهيد بعد أن أشار إلى رواية ابن القاسم عنه في أن الإيمان يزيد مع التوقف في النقصان، قال:"وروى عنه عبد الرزاق، ومعن بن عيسى، وابن نافع، وابن وهب أنه يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وعلى هذا مذهب الجماعة من أهل الحديث والحمد لله"٦.
_________________
(١) (٩/٢٥٢) وتصحف فيه معن إلى معمر وهو خطأ. ٢ الفتاوى (٧/٣٣١) . ٣ سعيد بن داود بن أبي زنبر، صدوق له مناكير عن مالك، ويقال اختلط عليه بعض حديثه، وكذبه عبد الله بن نافع في دعواه أنه سمع من لفظ مالك، من العاشرة مات في حدود سنة ٢٢٠ هـ التقريب (١/٢٩٤) . ٤ رواه الخلال في السنة (ح ١٠١٤) قال أخبرني عبد الملك قال سمعت الزنبري أبا عثمان صاحب مالك قال: فذكره. وقد تصحف"الزنبري" إلى"الزبيري" في المتن والهامش في المطبوعة من كتاب السنة للخلال. ٥ رواه البيهقي في السنن (١٠/٢٠٦) . ٦ التمهيد (٩/ ٢٥٢)، قلت: والذي وقفت عليه من رواية ابن وهب عن مالك القول بأن الإيمان يزيد وتوقف في النقصان كما تقدم وقد رواه ابن عبد البر، فلعله وهم هنا، أو أن لابن وهب رواية أخرى غير المتقدمة وإليها يشير ابن عبد البر هنا، والله أعلم.
[ ٢٨٧ ]
وقال القاضي عياض:"قال غير واحد: سمعت مالكًا يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وبعضه أفضل من بعض"١.
وخلاصة الكلام في هذا الفصل أن مالكًا ﵀ كان يقول إن الإيمان يزيد ولا يقول ينقص متوقفًا في ذلك لا منكرًا له، ثم بان له بعد ذلك وظهر من خلال تأمله للنصوص وإعادة النظر فيها أنه ينقص، مستدلًا على ذلك بنصوص القرآن المصرحة بالزيادة نفسها، إذ إن ما دل على الزيادة تصريحًا يدل على النقصان لزوما.
قال ابن رشد:"وقد روي عن مالك ﵀ أنه كان يطلق القول بزيادة الإيمان وكف عن إطلاق نقصانه، إذ لم ينص الله تعالى إلا على زيادته، فروي عنه أنه قال عند موته لابن نافع وقد سأله عن ذلك: قد أبرمتموني إني تدبرت هذا الأمر فما من شيء يزيد إلا وينقص، وهو الصحيح والله ﷾ أعلم"٢.
قلت: وقول ابن رشد هذا فيه تحرير جيد لموقف مالك من هذه المسألة، ألا أن قوله عنه أنه قال ذلك عند موته فيه نظر عندي، إذ إن الروايات المتقدمة عنه ﵀ في أن الإيمان يزيد وينقص من طريق غير واحد من أصحابه لا تفيد ذلك وليس فيها تصريح به، سيما رواية ابن نافع المعينة هنا وقد تقدمت معنا ولفظها:"كان مالك يقول
_________________
(١) ١ ترتيب المدارك (٢/ ٤٣) . ٢ المقدمات (١/ ٣٧) .
[ ٢٨٨ ]
الإيمان يزيد وينقص"فليس فيها ما يفيد أن ذلك إنما كان عند موته ﵀، ثم إن تعدد الروايات عنه في ذلك من طريق عبد الرزاق ومعمر وابن نافع وغيرهم من أصحابه تفيد أن قوله إن الإيمان يزيد وينقص لم يكن قال به عند موته فقط بل قبل ذلك، فلست أدري على ماذا أستند ابن رشد في قوله هذا؟ والذي أراه أنه لا مستند له، فجميع الذين رووه من طريق نافع ممن تقدم ذكرهم في التخريج لم يذكر أحد منهم ما أشار إليه ابن رشد، ثم إن الروايات الأخرى عنه في أن الإيمان يزيد وينقص تدل على عدم صحة هذا كما هو ظاهر مما تقدم، والله أعلم.
وعلى كل فهذا القول أعني قول مالك ﵀:"الإيمان يزيد وينقص، هو الأخير من أقواله وهو المشهور عنه عند أصحابه وغيرهم لا الأول، أما قول الزبيدي:
"وتوقف مالك عن القول بنقصانه، هذا هو المشهور من مذهبه"١.
فغير صحيح، إلا إن كان يعني بالشهرة شهرته عند أهل البدع فنعم، فهم يتتبعون ما وافق أهواءهم من النصوص وأقوال أهل العلم ويأخذون به ويعدونه صحيحًا مشهورًا ويدعون ما سواه.
فالمشهور عن مالك هو القول بأن الإيمان يزيد وينقص، ولهذا لما عدد الإمام أحمد من قال الإيمان يزيد وينقص من أهل العلم عد منهم مالكًا ﵀ مع علمه أنه روي عنه القول بأن الإيمان يزيد مع التوقف في النقصان.
_________________
(١) ١ إتحاف السادة المتقين (٢/٢٥٦) .
[ ٢٨٩ ]
ولما عدد عبد الرزاق ﵀ القائلين بأن الإيمان يزيد وينقص عد منهم مالكًا ﵀، وهكذا صنع أبو عبيد وغيرهم من أهل العلم، وما ذاك إلا لأنه المشهور عن مالك ﵀.
ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعد أن أشار إلى توقف مالك في النقصان:"والرواية الأخرى عنه، وهو المشهور عند أصحابه كقول سائرهم أنه يزيد وينقص".
رواية غريبة:
وقد ذكر القاضي عياض في ترتيب المدارك رواية غريبة عن مالك في ذلك فقال:"قال زهير بن عباد: قلت لمالك ما قولك في صنفين عندنا بالشام اختلفوا في الإيمان فقالوا: يزيد وينقص؟ قال بئس ما قالوا "إلى آخر سياق هذه الرواية وهو طويل.
قلت: وهذا غريب جدا، بل لا يثبت عن مالك ﵀ لاسيما أن القاضي عياض ذكره مرسلًا هكذا. ولم يذكر من خرجه ولم يذكر له سندا، فعلى هذا لا يكون صحيحًا، ولا تصح نسبته إليه، كيف وهو مخالف للصحيح الثابت عنه ﵀، اللهم إلا أن يكون في الرواية تحريف أو سقط، والله أعلم.
_________________
(١) الفتاوى (٧/٥٠٦) . هو زهير بن عباد بن مليح بن زهير الرؤاسي الكوفي ابن عم وكيع بن الجراح ت ٢٣٨ هـ. انظر تهذيب التهذيب لابن حجر (٣/٢٩٧) . ترتيب المدارك (٢/٤٢) .
[ ٢٩٠ ]
الفصل الثاني
قول من قال الإيمان يزيد ولا ينقص، والرد عليه
لقد كان الحديث في الفصل السابق عمن قال الإيمان يزيد وتوقف في النقصان، أما الحديث في هذا الفصل فسيكون إن شاء الله عمن خالف قول أهل السنة والجماعة في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه، فقال: إن الإيمان يزيد ولا ينقص.
وجملة من وقفت على أنه قال بذلك بعد التتبع والنظر في كتب الفرق والمقالات وغيرها، مما تيسر لي الوقوف عليه هم:
ا- طائفة من الأشاعرة.
٢- رواية عن أبي حنيفة.
٣- الغسانية.
٤- النجارية.
٥- الإباضية.
وتفصيل ذلك كما يلي:
أما قول الطائفة من الأشاعرة فقد أشار إليه البغدادي في "أصول الدين"فقال: "وأما من قال: إنه التصديق١ بالقلب فقد منعوا من النقصان فيه، واختلفوا في زيادته فمنهم من منعها ومنهم من أجازها"٢.
_________________
(١) ١ أي الإيمان وهم الأشاعرة. ٢ أصول الدين (ص ٢٥٢) .
[ ٢٩٣ ]
وذكر نحو قوله هذا العيني في عمدة القارئ١.
وقال البيجوري في شرحه لقول اللقاني في جوهرة التوحيد:
ورجحت زيادة الإيمان بما تزيد طاعة الإنسان
ونقصه بنقصها وقيل لا وقيل لا خلف كذا قد نقلا
قال في الشرح: "ويحتمل في أن يكون النفي في كلام المصنف راجعًا إلى أقرب مذكور وهو قوله: "ونقصه بنقصها"فكأنه قال: وقيل لا ينقص فيكون مراده بهذا القيل أن الإيمان يزيد ولا ينقص "٢.
فمن خلال ما تقدم يظهر أن بعض الأشاعرة ذهبوا إلى أن الإيمان يقبل الزيادة دون النقصان، ولهم على ذلك أدلة يأتي ذكرها ونقضها قريبًا.
وأما الرواية عن أبي حنيفة أن الإيمان يزيد ولا ينقص، فقد ذكرها غير واحد ممن كتب في المقالات، من طريق غسان وغيره عن أبي حنيفة ﵀.
قال الأشعري: "فأما غسان وأكثر أصحاب أبي حنيفة فإنهم يحكون عن أسلافهم أن الإيمان هو الإقرار والمحبة لله والتعظيم له والهيبة منه وترك الاستخفاف بحقه وأنه يزيد ولا ينقص"٣.
وقال الزبيدي: "وحكى غسان وجماعة من أصحاب أبي حنيفة أنه
_________________
(١) (١/١٠٧) . ٢ تحفة المريد (ص ٥١) . وانظر جوهرة التوحيد ضمن مجموعة مهمات المتون (ص١٢) . ٣ مقالات الإسلاميين (ص ١٣٩) .
[ ٢٩٤ ]
يزيد ولا ينقص"١.
ونقله عن الكشميري الحنفي في "فيض الباري"٢، ونقل نحوه الكاندهلوي الحنفي في "تحفة القارئ"وقال: "وروى عن أبي حنيفة ومالك يزيد ولا ينقص"٣.
قلت: سبق أن بينت أن مالكًا لم يقل إن الإيمان يزيد ولا ينقص، وإنما قال: يزيد وتوقف في النقصان، وفرقٌ بين الأمرين.
ثم إن الكشميري والكندهلوي لما ذكرا نسبة هذا القول لأبي حنيفةلم يتكلما بشيء حول عدم صحة هذه النسبة إليه، بل إن الأول منهما أخذ يوجه هذا القول، فكأن هذا إقرار منه بصحة النسبة.!
وعلى كل ففي صحة نسبة هذا القول لأبي حنيفة نظر.
فقد ذكر البغدادي عن الغسانية، وهم اتباع غسان المرجئ أن من أقوالهم أن الإيمان يزيد ولا ينقص، ثم قال: "وزعم غسان هذا في كتابه أن قوله في هذا الكتاب كقول أبي حنيفة"٤.
ثم خطأه في ذلك فقال: "وهذا غلط منه عليه، لأن أبا حنيفة قال: إن الإيمان هو المعرفة والإقرار بالله تعالى ورسله وبما جاء من الله تعالى ورسله في الجملة دون التفصيل، وأنه لا يزيد ولا ينقص، ولا يتفاضل الناس فيه، وغسان قد قال: بأنه يزيد ولا ينقص"٥.
_________________
(١) ١ إتحاف السادة المتقين (٢/ ٢٥٦) . (١/٦٧) . (ص ٥١) . ٤ الفرق بين الفرق (ص ٢٠٣) . ٥ الفرق بين الفرق (ص ٢٠٣) .
[ ٢٩٥ ]
فالبغدادي يرى أن نسبة هذا القول لأبي حنيفة غلط عليه، وهذا ظاهر لأن المشهور والمعروف عنه نفي الزيادة والنقصان معًا.
لذا قال الإسفرايني: "كان يقول أي غسان الإيمان إقرار بالله ومحبة لله تعالى وتعظيم له، وهو يقبل الزيادة ولا يقبل النقصان على خلاف ما قاله أبو حنيفة ﵀ حيث قال: لا يزيد ولا ينقص"١.
قلت: فلعل الغسانية نسبة هذا القول لأبي حنيفة ترويجًا لمذهبهم، وإشهارًا له، ولا غرابة في هذا، فإن هذا سجية لأهل البدع وطبيعة لهم ينحلون الأئمة ما لم يقولوه ليروج باطلهم وينتشر وخصوصًا أبا حنيفة، فقد نحل ﵀ من عقائد الجهمية والمعتزلة والماتريدية وغيرهم شيء كثير لم يقل به وإنما نسبه إليه أهل الباطل باطلًا٢.
هذا بشكل عام، أما قول أبي حنيفة في هذه المسألة بخصوص فهو أشد من قول هؤلاء، وأكثر بعدًا عن الصواب، إذ إن المشهور عنه ﵀، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك قريبا، هو نفي الزيادة والنقصان كليهما وسيأتي الكلام على مذهبه هذا موسعًا في الفصل القادم إن شاء الله، وإنما الذي قصدت بيانه هنا هو عدم صحة نسبة هذا القول - أعني أن الإيمان يزيد ولا ينقص- إليه.
وأما الغسانية فالقول بأن الإيمان يزيد ولا ينقص مشتهر عنهم، وقد
_________________
(١) ١ التبصير في الدين (ص ١٠١) . ٢ وقد أبان هذا بما لا مزيد عليه الأخ الفاضل شمس الدين بن محمد أشرف في رسالته "الماتريدية، وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات" في مواضع متعددة منها.
[ ٢٩٦ ]
نسبه إليهم غير واحد ممن كتب في المقالات والفرق١.
وأما النجارية٢، فلهم أصول باطلة جانبوا فيها الحق وفارقوه منها: قولهم إن الاسمان يزيد ولا ينقص، وقد حكى ذلك عنهم غير واحد ممن كتب في مقالات الفرق كالأشعري والأسفرايني والبغدادي وغيرهم٣.
وأما الإباضيه٤، فلم أقف على قولهم إن الإيمان يزيد ولا ينقص في كتب المقالات وإنما ذكر أبو محمد عبد الله بن حميد السالمي من الاباضية٥ في كتابه مشارق أنوار العقول: "الإيمان بالمعنى الشرعي الذي هو أداء الواجبات مطلقًا ليس ينقص نظرًا إلى إيمان كل مؤمن فإنه
_________________
(١) ١ انظر مقالات الإسلاميين للأشعري (ص ١٣٩) والتبصير في الدين للأسفرايني (ص ٩٨) والفرق بين الفرق للبغدادي (ص ٢٠٣) . ٢ وهم أتباع أبي عبد الله حسين بن محمد بن عبد الله النجار، عده ابن النديم من متكلمة المجبرة، وعده الذهبي من المعتزلة، وعده الأشعري من المرجئة، قلت: فلعل مذهبه خليط من عدة مذاهب. وانظر الفهرست لابن النديم (ص ٢٥٤)، والسير للذهبي (١٠/ ٥٥٤) ومقالات الإسلاميين للأشعري (ص ١٣٧) . ٣ انظر مقالات الإسلاميين (ص ١٣٦) والتبصير في الدين (ص ١٠١)، والفرق بين الفرق (ص ٢٠٨) والفتاوى لابن تيمية (٧/ ٥٤٦) . ٤ وهم فرقة من الخوارج- وإن تنصلوا من هذه النسبة- وقد كشفت كتبهم الأخيرة حقيقة مذهبهم وجليته وصلته الوثيقة بمذهب الخوارج، بل وبمذهب المعتزلة، فمن قرأ كتاب "الحق الدامغ " للخليلي، أو "السيف الحاد" للقنوبي، أو "ارشاد الساري في نفي رؤية الباري" للراشدي أو غيرها مما كتبه الإباضية المعاصرون علم ذلك علم يقين، ومن عقائدهم الباطلة: إنكار رؤية الله يوم القيامة، والقول بخلق القرآن، وتخليد مرتكب الكبيرة في النار، وإنكار حجية أخبار الآحاد في العقيدة وغير ذلك. ٥ انظر ترجمته في الأعلام للزركلي (٤/٨٤) .
[ ٢٩٧ ]
في ذاته غير متفاوت بالنسبة إلى إيمان غيره"١.
فقال المعلق على الكتاب وهو من الإباضية المعاصرين: "ذهب أصحابنا ﵏ إلى أن الإيمان يزيد ولا ينقص، وهذا المذهب إذا تؤمل له أصالته في العقيدة سواء حملنا الإيمان على حقيقته اللغوية أو حقيقته الشرعية..
إلى أن قال: وإذا اعتقد ما لزمه اعتقاده ولم يحضره فرض قولي أو عملي كان مؤمنًا كامل الإيمان، وإذا وجب عليه شيء من الأقوال أو الأفعال وأداه كما وجب عليه ازداد إيمانه وإذا أخل بهذا الواجب انهدم إيمانه كله"٢.
وكما ترى قد وافق هذا أسلافه الخوارج بقوله: "وإذا أخل بهذا الواجب انهدم إيمانه كله".
فهم يخرجون من أخل بشيء من الأعمال عن الإيمان، لأن الإيمان عندهم كل لا يتجزأ إذا ذهب بعضه ذهب كله، وهذه الشبهة هي التي أفسدت على هؤلاء وعلى غيرهم عقيدتهم في الإيمان، كما قال شيخ الإسلام ﵀:
"ولهذه الشبهة والله أعلم امتنع من امتنع من أئمة الفقهاء أن يقول بنقصه، كأنه ظن إذا قال ذلك يلزم ذهابه كله بخلاف ما إذا زاد"٣.
قلت: وهذه الشبهة باطلة معلومة الفساد، وسيأتي نقضها في الفصل القادم.
_________________
(١) ١ مشارق الأنوار (ص ٣٥- ٣٦) . ٢ المصدر السابق. ٣ الفتاوى (٧/٥١١) .
[ ٢٩٨ ]
فهذا ما تيسر لي الوقوف عليه ممن قال بهذا القول، ولهؤلاء أدلة يحتجون بها، فيما يلي أسوقها، ثم أتبع ذلك بمناقشتها وبيان بطلانها:
أدلتهم:
١- بنوا قولهم هذا على تعريفهم للإيمان:
فالإيمان عندهم هو التصديق، والتصديق عندهم لا يقبل النقص لأنه إذا قبله صار شكًا، لكنه يقبل الزيادة بناء على أن الشخص يؤمن إجمالًا ثم يزيد تصديقه بالتفاصيل١.
وقد تقدم معنا قول البغدادي: "وأما من قال إنه التصديق بالقلب فقد منعوا من النقصان فيه ".
وقال العيني: "وقال اخررن إنه لا يقبل النقصان لأنه لو نقص لا يبقى إيمانًا، ولكن يقبل الزيادة لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ ٢ ونحوها من الآيات"٣.
٢- احتجوا بحديث الإسلام يزيد ولا ينقص:
قال الكشميري "وروي عن إمامنا الأعظم رحمه الله تعالى أن الإيمان يزيد ولا ينقص، وكأنه مأخوذ مما روي عند أبي داود في كتاب الفرائض عن معاذ بن جبل: "أنه ورث المسلم عن الكافر ولم يورثه من المسلم وقال الإسلام يزيد ولا ينقص"قيل في شرحه أي يعلو ولا
_________________
(١) ١ انظر أصول الدين للبغدادي (ص ٢٥٢)، والنبراس شرح العقائد (ص ٤٠٢)، وعمدة القاري (١/ ١٠٧) . ٢ سورة الأنفال، الآية: ٢. ٣ عمدة القاري (١/ ١٠٧) .
[ ٢٩٩ ]
يعلى"١.
وقال الفرهاري في النبراس: "ومن العجب أن بعضهم استدل بما روى عن معاذ بن جبل ﵁ أنه كان يورث المسلم من الكافر ولا يورث الكافر من المسلم ويقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الإيمان يزيد ولا ينقص" وخفي عليهم أن هذه الزيادة والنقصان معنى آخر على نحو الإسلام يعلو ولا يعلى"٢.
٣- واحتجوا بأن المعاصي لا تحبط الطاعات وإذا لم تحبطها فلا نقصان يلحق الإيمان:
قال الحليمي: "ومن ذهب إلى أن الإيمان يزيد ولا ينقص فإنه يقول أصله يتكثر بفروعه، وفروعه تتكثر بعضها، والمعاصي لا تحبط الطاعات، وإذا لم تحبطها فلا نقصان يلحق الإيمان.
والدليل على صحة ذلك أن فروع الإيمان متأيدة بأصلها، فما لا يحبط أصلها لا يحبطها، لأن الفروع لا تتميز عن أصلها، فإذا لم يجز وجود الكفر مع الإيمان، لم يجز وجود فروعه مع الإيمان، ولأن طاعات المؤمن إنما كانت فروع الإيمان لوجودها في الإيمان المحرك عليها، كذلك معاصي الكافر فروع للكفر لأن كفره هو المحرك له عليها، وقد علمنا أن الأفعال الحسنة في أنفسها إذا وجدت من الكافر لم تكن فروع الإيمان، ولأن طاعات المؤمن لما كانت فروع الإيمان كانت إيمانا، فلو كانت سيئاته فروع الكفر فلتكن كفرًا"٣.
_________________
(١) ١ فيض الباري (١/ ١٣٧) . ٢ النبراس (ص ٤٠٢) . ٣ المنهاج في شعب الإيمان (١/٦٩) .
[ ٣٠٠ ]
فهذا ما وقفت عليه من أدلة لهؤلاء، ولهم شبه أخرى يوافقون فيها من قال إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فيأتي ذكرها ونقضها هناك.
والرد على هذه الأدلة من وجهين مجمل ومفصل:
أما المجمل:
١- فيقال: إن زيادة الإيمان ثابتة في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، وهم يقولون بها، فإذا ثبتت الزيادة، فالنقصان ثابت باللزوم، لأن الزيادة تستلزم النقص، ولأن قبول الشيء للزيادة يستدعى قبوله للنقص، ولأن الزيادة لا تكون إلا عن نقص، وسبق أن نقلت عن أهل العلم الإمام أحمد وابن حزم وابن بطال والبيهقي وأبن حجر وغيرهم ما يؤيد هذا، فأغنى عن إعادته هنا١.
فالزيادة إن كانت ثابتة من نص القرآن منطوقًا فهي ثابتة من نصه مفهومًا، بل إن بعض أهل العلم يرى أنها ثابتة من نصه منطوقًا.
ولهذا لما قال الكشميري "وليعلم أن القرآن لا يدل بمنطوقه إلا على زيادة الإيمان، أما على نقصانه فلا، إلا أن يؤخذ عنه بالزوم، ويقال إن الإيمان إذا ثبتت فيه الزيادة أمكن فيه النقصان أيضًا"٢.
تعقبه الشيخ ابن عبد الحق النورفوري بقوله: "إن دلالة اللفظ على ما وضع له، أو جزئه، أو لازمه المتأخر عبارة إن سيق له، وإلا فإشارة، وعلى لازمه المتقدم اقتضاء، ولا ريب أن هذه الثلاث من المنطوق.
قال في إرشاد الفحول في الباب الثامن من المقصد الرابع منه:
_________________
(١) ١ انظر صدر المبحث الأول من الفصل الأول من هذه الرسالة. ٢ فيض الباري (١/ ٦٦) .
[ ٣٠١ ]
"والحاصل أن الألفاظ قوالب للمعاني المستفادة منها، فتارة تستفاد منها من جهة النطق تصريحًا، وتارة من جهته تلويحًا، فالأول المنطوق، والثاني المفهوم، والمنطوق ينقسم إلى قسمين:
الأول: ما لا يحتمل التأويل، وهو النص.
والثاني: ما يحتمله، وهو الظاهر.
والأول أيضًا ينقسم إلى قسمين، صريح إن دلل عليه اللفظ بالمطابقة أو التضمن، وغير صريح إن دل عليه بالالتزام، وغير الصريح ينقسم إلى دلالة اقتضاء وإيماء وإشارة، فدلالة الاقتضاء هي إذا توقف الصدق أو الصحة العقلية أو الشرعية عليه مع كون ذلك مقصود التكلم إلخ"١.
والاستثناء في قوله- أي الكشميري-: "أما على نقصانه فلا إلا أن يؤخذ عنه باللزوم"متصل، فظهر أن القرآن يدل على النقصان بمنطوقه، كما يدل على الزيادة بمنطوقه، إلا أن دلالته على الزيادة من قبيل العبارة، وعلى النقصان من باب الاقتضاء أو الإشارة، فالحق أن الإيمان إذا ثبت فيه الزيادة ثبت فيه النقصان البتة لا كما قال: أمكن فيه النقصان"٢.
قلت: وهذا تعقب محرر جدًا، ورجه آخر في الرد وهو ما جاء عن ابن عيينة رحمه الله تعالى قال: "نطق القرآن بزيادة الإيمان ونقصانه، قوله تعالى: ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ وقوله تعالى:
_________________
(١) ١ إرشاد الفحول (ص ١٥٦) . ٢ إرشاد القاري (١/ ٣٧٤) مخطوط.
[ ٣٠٢ ]
﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رجسهم﴾ فهذا نقصان الإيمان"١.
والمقصود أن القرآن الكريم كما أنه دل على زيادة الإيمان فهو يدل على نقصه، ومن أخذ بدلالته على الزيادة وترك دلالته على النقص فقد عطل القران عن دلالاته، وتناقض فيما يأتي ويذر.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي بعد أن ذكر جملة من الآيات المصرحة بزيادة الإيمان: "وهذه الآيات المذكورة نصوص صريحة في أن الإيمان يزيد مفهوم منها أنه ينقصه أيضًا، كما استدل بها البخاري ﵀ على ذلك، وهي تدل عليه دلالة صريحة لا شك فيها، فلا وجه معها للاختلاف في زيادة الإيمان ونقصه كما ترى، والعلم عند الله"٢.
٢- ويقال أيضًا إن النقص مصرح به في السنة، كما في الحديث الصحيح الثابت عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال للنساء "ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن" ٣.
فهذا الحديث نص في نقصان الإيمان، فالحديث حجة قاصمة لظهر كل من قال إنه لا ينقص وشجًا في حلقه إلا أن يدع قوله، قال ابن حزم: "وقد جاء النص بذكر النقص، وهو قول رسول الله ﷺ المشهور المنقول نقل الكواف أنه قال للنساء: "ما رأيت من ناقصات عقل ودين أسلب للب الرجل الحازم منكن" ٤.
_________________
(١) ١ رواه الجورقاني في ألأباطيل (١/٣٤) . ٢ أضواء البيان (٤/٢٩) . ٣ تقدم تخريجه (ص ٨١) . ٤ الفصل (٣/ ٢٣٧) .
[ ٣٠٣ ]
وأيضًا: ثبت عنه ﷺ من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" ١.
فقوله ﷺ: "وذلك أضعف الإيمان "صريح أن الإيمان يضعف وضعفه نقصان بلا ريب؛ ولذا احتج به أهل العلم على زيادة الإيمان ونقصانه كما سبق بيانه.
قلت: فلا مجال بعد قوله ﷺ لعقل ولا رأي إلا القبول ع والتسليم، لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فهو ﷺ يخبر بصريح العبارة أن الإيمان يضعف وينقص، فلا يجوز لمن كأن يؤمن به أن يقول لا ينقص، معارضًا برأيه قول رسول الله الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ.
٣- وأيضًا يقال: إن القول بزيادة الإيمان ونقصانه هو قول أهل السنة والجماعة الصحابة وتابعيهم بإحسان، وقد نقلت فيما سبق عن غير واحد منهم التصريح بأن الإيمان يزيد وينقص، فمن الصحابة عن عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن رواحة وأبي الدرداء وأبي هريرة وجندب بن عبد الله البجلي وعمير بن حبيب الخطمي وغيرهم رضي الله عن الصحابة أجمعين، ومن السلف عمومًا عن علقمة بن قيس وعمر بن عبد العزيز ومجاهد بن جبر والأوزاعي والثوري وحماد بن زيد ومالك وابن المبارك والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم خلق كثير لا يحصون، هذا هو الثابت عنهم لا قول لهم غيره، وهذا هو السبيل الذي يعضده الدليل من الكتاب والسنة، والله يقول: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه (ص ٨٦) .
[ ٣٠٤ ]
الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى ﴾ ١.
وكان شيخ الإسلام ﵀ يقول: "من فارق الدليل ضل السبيل، ولا دليل إلا بما جاء به الرسول"٢.
بلى لقد جاء عن بعض السلف عد هذا القول من أقوال المرجئة المذمومة، كما جاء عن الإمام أحمد ﵀ أنه سئل عمن قال الإيمان قول بلا عمل وهو يزيد ولا ينقص قال هذا قول المرجئة.
وسئل ما المرجئة؟ قال الذين يقولون الإيمان قول، قيل: فالذي يقول الإيمان يزيد ولا ينقص قال ما أدري ما هذا.
قلت: أي أنه قول منكر لم يعهد عن أحد من علماء السنة. وهذان الأثران عن الإمام ﵀ رواهما عنه الخلال في السنة في باب الرد على المرجئة قولهم إن الإيمان يزيد ولا ينقص٣.
فعلم من جميع ما تقدم أن القول بأن الإيمان يزيد ولا ينقص قول محدث لا دليل عليه من الكتاب والسنة ولم يقل به أحد من سلف هذه الأمة، فمن قال به وترك قول أهل السنة فقد فارق السبيل وترك الجادة التي عليها أئمة الهدى ومصابيح الدجى الذين هم أعلم وأحكم بمسائل العلم والدين.
ويحسن أن أنقل هنا ما نقله شيخ الإسلام عن الشافعي ﵀ في سياق آخر قال: "وما أحسن ما قاله الشافعي ﵁ في رسالته
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية: ١١٥. ٢ مفتاح السعادة لابن القيم (ص٩٠) . ٣ السنة للخلال (٣/٥٦٩) .
[ ٣٠٥ ]
"هم فوقنا في كل علم وعقل ودين وفضل، وكل سبب ينال به علم أو يدرك به هدى، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا"١.
فإذا كانوا بهذه المثابة والمنزلة وهم كذلك، وقد اتفقوا على أن الإيمان يزيد وينقص، ومستندهم في ذلك الكتاب والسنة، فلا يجوز لأحد أن يعدل عن قولهم لشبه عقلية وخيالات وهمية٢، ما هي إلا ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾، هذا على سبيل الإجمال.
أما التفصيل، فهو في نقد حججهم السالفة الذكر، ونقضها شبهة شبهة.
أولًا - قولهم: إن الإيمان لا ينقص:
لأنه هو التصديق، والتصديق إذا صار شكًا، لكنه يزيد.
قلت: وهذا قول باطل مناقض للحق والواقع، أما الحق: فقد بينت في مبحث أوجه زيادة الإيمان ونقصانه أن الحق الذي لا ريب فيه في التصديق أنه يزيد وينقص ويقوى ويضعف، ولا يلزم من ضعفه أن يكون شكًا أو كفرًا حاشا وكلا، بل يضعف تصديق الشخص عن درجة اليقين الكامل إلى درجة أضعف دون أن يكون ذاهب التصديق كلية، أو مرتابًا
_________________
(١) ١ نقض المنطق (ص ١٣٠) . ٢ قلت: ولم يكتف بعض أهل البدع بالعدول عن مذهب أهل السنة فحسب، بل، صاروا يلمزونهم ويشنعون عليهم ويصفونه بـ "النقصانية"؛ لقولهم بنقص الإيمان، وبـ"المخالفة"؛ لمخالفتهم ما عليه أهل البدع. ولهذا يقول أبو حاتم الرازي وهو يعدد بعض علامات أهل البدع: " تسميتهم أهل السنة مخالفة ونقصانية.." انظر شرح الاعتقاد للالكائي (١/ ١٧٩، ٣/ ٥٣٣) .
[ ٣٠٦ ]
في الأمر شاكًا فيه.
وإبراهيم الخليل ﵇ لما قال: ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ وأراه الله، زاد تصديقه وإيمانه، وبلغ درجة الاطمئنان ولم يكن شاكًا قبل ذلك حاشاه ﵇ فلا تلازم بين الشك والنقص، فقد يوجد أحدهما دون أن يلزم من ذلك وجود الآخر، وقد نقلت فيما سبق عن أهل العلم ما يدل على أن التصديق يقبل الزيادة والنقصان دون أن يقتضي ذلك الشك والريب فليراجع في محله١.
وأما مناقضته للواقع: فإن الواقع يشهد لبطلان ذلك، فإن من الناس من يكون تصديقه قويًا معتمدًا على الحجج والبراهين، بالغًا أعلى درجات اليقين، لا تزعزعه الشبهات ولا تصرفه، ومنهم من يكون تصديقه ضعيفًا بحيث تزعزعه الشبه وتصرفه، فإن سلم منها بقي على تصديقه الضعيف ولا يعد شاكًا، فشتان بين هذا وذاك.
ثم إن هذا أمر يحسه كل أحد من نفسه، فإن المرء أحيانًا يكون تصديقه قويًا، وأحيانًا يكون ضعيفًا، وهو في كلا الحالين مصدق، وما ذاك إلا لأن التصديق يقبل التفاضل والزيادة والنقصان في الشخص الواحد، وكذلك يتفاضل من شخص لآخر، فمن كان تصديقه أكمل فهو أفضل من الآخر الذي تصديقه أنقص، والمقصود أن التصديق كما أنه يزيد فهو ينقص بلا ريب.
أقول ما تقدم جدلًا على فرض أن الإيمان هو التصديق، أما الإيمان فهو وراء ذلك، بل هو التصديق والقول والعمل كما هو مقرر في عقيدة أهل السنة والجماعة، فالإيمان ينقص بنقص العمل وبفعل
_________________
(١) ١ في مبحث أوجه زيادة الإيمان ونقصانه.
[ ٣٠٧ ]
المعاصي وبغير ذلك، ولا يلزم من نقصه في ذلك أن يكون شكًا أو كفرًا، بل بحسب المعصية فإن كانت المعصية المرتكبة كفرًا كفر، وإن كانت كبيرة نقص كمال إيمانه الواجب، وإن كانت مستحبًا تَرْكُها نقص كمال إيمانه المستحب، فلا يلزم من ارتكاب المعصية كفر المرتكب، إلا على مذهب الخوارج؟.
ثم يقال لهؤلاء إن كان التصديق على قولكم يقبل الزيادة ولا يقبل النقصان أخبرونا عن حاله قبل حصول الزيادة أكان ناقصًا أو كاملًا؟
فإن كان كاملًا فما وجه الزيادة فيه وهو كامل، وإن كان ناقصا وهو كذلك خصمتم، وبهذا يظهر تناقضهم، وتهافت قولهم، وبالله التوفيق.
ثانيا- أما إحتجاجهم بحديث الإسلام يزيد ولا ينقص:
فمنتقص من وجهين:
الأول:
أن الحديث ضعيف لا يحتج به، فقد أخرجه أبو داود وأحمد والطيالسي والحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن، والجورقاني في الأباطيل١ كلهم من طريق عمرو بن حكيم عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر عن أبي الأسود الدؤلي عن معاذ بن جبل أنه أتي في ميراث يهودي وارثه مسلم، فقال سمعت النبي ﷺ يقول: "الإسلام يزيد ولا ينقص" فورثه منهم.
_________________
(١) ١ انظر سنن أبي داود (٣/ ١٢٦)، والمسند (٥/٢٣، ٦٣٦)، ومسند الطيالسي (ص ٧٧)، والمستدرك (٤/٣٤٥) وسنن البيهقي (٦/٢٠٥، ٢٥٤) والأباطيل (٢/١٥٧) .
[ ٣٠٨ ]
وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
قال الألباني حفظه الله: "لكنه معلول بالانقطاع، فقد أخرجه أبو داود من طريق عبد الوارث عن عمرو بن أبي حكيم الواسطي: ثنا عبد الله بن بريدة أن أخوين اختصما إلى يحيى بن يعمر: يهودي ومسلم، فورث المسلم منهما وقال: حدثني أبو الأسود أن رجلًا حدثه أن معاذًا حدثه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكره، فورث المسلم.
فهذا يدل على أن أبا الأسود لم يسمعه من معاذ، بينهما رجل لم يسم، فهو مجهول، فهو علة الحديث، وبه أعله البيهقي، فقال بعد أن ساقه من طريق أبي داود: "وهذا رجل مجهود، فهو منقطع"، وقال الحافظ في الفتح (١٢/٤٣) بعد ما ذكر تصحيح الحاكم له: "وتعقب بالانقطاع بين الأسود ومعاذ، لكن سماعه منه ممكن، وزعم الجورقاني أنه باطل، وهي مجازفة".
قلت: الذي يبدو لي أن حكم الجورقاني عليه بأنه باطل، إنما هو باعتبار ما فيه من توريث المسلم من اليهودي الكافر، فإن الأحاديث الصحيحة على خلاف ذلك كقوله ﷺ: "لا يتوارث أهل ملتين شتى"وهو مخرج مع غيره مما في معناه في كتابي إرواء الغليل"اهـ١.
والحديث أعله المناوي بالانقطاع٢.
وأخرجه الجورقاني في الأباطيل٣ من طريق أخرى عن محمد بن المهاجر البغدادي قال حدثنا يزيد بن هارون قال حدثنا حماد بن سلمة
_________________
(١) ١ سلسلة الأحاديث الضعيفة (٣/ ٢٥٢، ٢٥٣)، وانظر الإرواء (٥/ ١٠٦) . ٢ انظر التيسير للمناوي (١/٤٢٤)، وفيض القدير له (٣/ ١٧٩) . (٢/١٥٦)
[ ٣٠٩ ]
عن خالد الحذاء عن عمرو بن كردي عن يحيى بن يعمر عن معاذ بن جبل: فذكره.
قال الجورقاني: هذا باطل.
وأورده ابن الجوزي في الموضوعات١، واتهم بوضعه محمد بن المهاجر، وقال: قال ابن حبان: كان يضع الحديث، وقد رواه فغير إسناده ولفظه.
ونازعه في ذلك السيوطي في اللآلىء٢، وذكر طريقه المتقدمة وطريقًا أخرى وليس فيهما محمد بن المهاجر. وعلى كل فالحديث ضعيف لا يحتج به.
الوجه الثاني:
وعلى فرض صحته، فإن الحديث معناه على غير ما فهمه هؤلاء من أنه يدل على أن الإيمان يزيد ولا ينقص، وإنما هو في باب آخر غير هذا، كما هو واضح من بيان أهل العلم للحديث.
فقد قيل في معناه: "أي: أن حكم الإسلام يغلب ومن تغليبه أن يحكم للولد بالإسلام بإسلام أحد أبويه"٣ قاله عبد الوارث بن سعيد.
وقال البيهقي"وإن صح الخبر فتأويله غير ما ذهب إليه- يعني: معاذ في توريثه للمسلم من الكافر محتجًا لذلك بهذا الحديث- إنما أراد أن الإسلام في زيادة ولا ينقص بالردة"٤.
_________________
(١) (٣/٢٣٠) . (٢/٤٤٢) . ٣ انظر سنن البيهقي (٦/٢٠٥) . ٤ انظر سنن البيهقي (٦/٢٥٥) .
[ ٣١٠ ]
وقيل "أي: يزيد بما يفتح من البلاد، ولا ينقص بما غلب عليه الكفرة منها"١.
أما ما فهمه معاذ ﵁ من الحديث على فرض صحته من أنه يدل على أن المسلم يرث من الكافر من غير عكس فهو معارض بالأحاديث الصحيحة الثابتة في أنه لا يتوارث أهل ملتين فلا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر.
ففي الصحيحين من حديث أسامة بن زيد ﵄ أن رسول الله قال: "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" ٢.
وما ذهب إليه بعض أهل العلم: أنا نرث أهل الكتاب ولا يرثونا، كما يحل النكاح فيهم ولا يحل لهم، وبه قال مسروق وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وإسحاق.
فمردود بأنه قياس في معارضة النص وهو صريح في المراد ولا قياس مع وجوده، بهذا أجاب الجمهور.
وعلى كل فالحديث ليس نصًا في المراد بل هو محمول على أنه يفضل غيره من الأديان، ولا تعلق له بالإرث٣.
فالحديث لا يدل على توريث المسلم من الكافر، ولا يدل على أن الإيمان يزيد ولا ينقص على المعنى الذي فهمه هؤلاء، بل المراد به أن الإسلام له الغلبة دائما وأنه يعلو ولا يعلى.
_________________
(١) ١ انظر عون المعبود (٨/١٢٣) . ٢ البخاري (١٢/٥٠ فتح)، ومسلم (٣/١٢٣٣) . ٣ انظر فتح الباري (١٢/٥٠،٥١)، وشرح مسلم للنووي (١١/٥٢) .
[ ٣١١ ]
وهذه اللفظة "الإسلام يعلو ولا يعلى"ثابتة عن النبي ﷺ كما بين ذلك الألباني في الإرواء فقد استوفى طرق الحديث ثم قال: "وجملة القول أن الحديث حسن مرفوعًا بمجموع طريقي عائذ ومعاذ، وصحيح موقوفًا، والله أعلم"١.
قلت: فعلى هذا المعنى يحمل حديث معاذ إن صح، والله أعلم.
وبهذا ينتقض احتجاجهم به. ولله الحمد.
ثالثًا- احتجاجهم بأن المعاصي لا تحبط الطاعات وإذا لم تحبطها فلا نقصان يلحق الإيمان..الخ.
وقولهم هذا باطل، فهو في جملته يعارض الحق الثابت في الكتاب والسنة في الإيمان وأنه يقبل النقصان كما يقبل الزيادة، ومفاد هذه التعليلات إبطال ذلك وتقرير أن الإيمان يقبل الزيادة فقط دون النقصان.
وهذا تحكم في نصوص الشرع، وإدلاء بالعقل في مقابل النص!
فهل تكفي مثل هذه التعليلات العقلية حجة في أمر يناقض الكتاب والسنة ويخالفهما؟؟
ثم إن قولهم هذا متضمن في ثناياه أمورًا باطلة عدة منها:
قولهم: "المعاصي لا تحبط الطاعات"فهذا القول هكذا ليس على إطلاقه فإن من المعاصي الشرك الأكبر وهو يحبط الطاعات بيقين، والمعصية إذا أطلقت تشمل الكفر وغيره، والله لم يجعل شيئا يحبط جميع الحسنات إلا الكفر، فكان ينبغي أن يستثنى الشرك الأكبر من هذا
_________________
(١) ١ إرواء الغليل (٥/١٠٦) .
[ ٣١٢ ]
الإطلاق.
ثم أمر آخر وهو أن هناك من المعاصي ما هو دون الشرك إلا أنه ببطل بعض الطاعات كالذي يتبع صدقاته بالمن والأذى كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾ .
قال ابن كثير: "فأخبر أن الصدقة تبطل بما يتبعها من المن والأذى كما تبطل صدقة من راءى بها الناس فأظهر لهم أنه يريد وجه الله ".
فالصدقة طاعة والمن والأذى معصية، والذي يتبع صدقاته بالمن والأذى تبطل طاعته، فالمعصية إذن قد تبطل بعض الطاعات، ولهذا فإن قولهم المتقدم ليس على إطلاقه وتحريره أن يقال: "المعاصي التي دون الشرك لا تحبط جميع الطاعات"فإذا تبين لك فساد مقدمتهم علمت فساد نتيجتها.
وكذلك قولهم: "إذا لم تحبطها فلا نقصان يلحق الإيمان".
قلت: فهذه نتيجة باطلة مبنية على مقدمة فاسدة، ثم إنه لا تلازم بين الأمرين فإن المعاصي وإن لم تحبط الطاعات فقد تؤثر على الإيمان بالنقص كما هو معلوم.
وعلى كل فنقصان الإيمان ثابت شرعًا واقع عرفًا ولا سبيل إلى رده بمثل هذه التخرصات والشبه التي لا تغني من الحق شيئًا.
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٦٤. تفسير ابن كثير (١/٣١٨) .
[ ٣١٣ ]
*
الفصل الثالث: قول من قال الإيمان لا يزيد ولا ينقص
سيكون الحديث في هذا الفصل، بعون الله عن القائلين بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص مع ذكر من قال بذلك وعرض أدلتهم ومناقشتها، وبيان موقفهم من النصوص الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه، وأختم ذلك بوقفات مع بعض المتأخرين من القائلين بهذا القول، وقد جعلت هذا في ثلاثة مباحث وهي:
المبحث الأول: في ذكر القائلين بهذا القول.
المبحث الثاني: في ذكر أدلتهم وشبههم، والرد عليهم.
المبحث الثالث: في بيان موقفهم من النصوص الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه.
[ ٣١٥ ]
المبحث الأول
ذكر القائلين بهذا القول
لقد قاد بهذا القول طوائف كثيرة من أهل الكلام والإرجاء١، والتجهم، وطلبًا للاختصار فإني سأكتفي بعرض أشهر من قال بذلك.
أولًا- أبو حنيفة وأصحابه:
لقد اشتهر عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى وغفر له أنه يقول بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، واستفاض هذا عنه، بحيث لا يدع مجالًا للشك أو التردد في نسبته إليه، ويمكن أن أبرز أهم الأسباب المؤكدة لصحة نسبة هذا القول إليه في النقاط التالية:
١- إن عامة كتب الفرق والمقالات تنسب هذا القول إليه، كالمقالات لأبي الحسن الأشعري، والفَرْق بين الفِرَق
_________________
(١) ١ بل إن إيمان المرجئة صار مضرب مثل لما لا يزيد ولا يقص، كما ذكر ذلك الثعالبي حيث قال: "إيمان المرجىء: يضرب به المثل لما لا يزيد ولا ينقص، لأن المرجئة يقولون: إن الإيمان قول فرد لا يزيد ولا ينقص، فيشبه بإيمانهم ما يكون بهذه الصفة". انظر ثمار القلوب في المضاف والمنسوب للثعالبي (ص ١٧٣) . قلت: ومع هذا فليعلم أن إيمان المرجىء نفسه يزيد وينقص بحسب قيامه بأمور الإيمان أو إخلاله بها، والقول بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص هو مجرد دعوى من المرجئة يعوزها الدليل وتفتقر لبرهان، والأدلة والبراهين على ضدها كما تقرر، والله أعلم.
[ ٣١٧ ]
للبغدادي، والمِلَلْ والنِحَلْ للشهرستاني، وغيرها.
يقول الأشعري في مقالاته: "وزعم أن الإيمان لا يتبعض ولا يزيد ولا ينقص، ولا يتفاضل الناس فيه"١.
ويقول البغدادي عن أبي حنيفة أنه قال في الإيمان: "أنه لا يزيد ولا ينقص، ولا يتفاضل الناس فيه"٢.
ويقول الشهرستاني: "وعده كثير من أصحاب المقالات من جملة المرجئة ولعل السبب فيه أنه لما كان يقول الإيمان هو التصديق بالقلب وهو لا يزيد ولا ينقص، ظنوا أنه يؤخر العمل عن الإيمان"٣.
ولم أقف مع هذا على قول لأحد ممن كتب في المقالات حاول فيه تبرئة أبي حنيفة من هذا القول، أو نفاه عنه.
٢- إن الكتب المؤلفة في العقيدة والمنسوبة إلى أبي حنيفة ﵀ تذكر هذا القول، كالفقه الأكبر، وكتاب العالم والمتعلم، والوسيطين الصغير والكبير والوصية ورسالته إلى البتي٤.
وهذه الكتب إن لم يصح نسبتها جميعًا إليه، فلا بد أن يصح نسبة بعضها أو واحد منها على أقل تقدير إليه، وعلى كل إن لم يصح لا هذا ولا ذاك فإن هذه الكتب مطبوعة متداولة، وقد احتفى بها الأحناف شرحًا ونشرًا ونقلًا، فهي عند عامتهم مسلم بما فيها، وقد شرح بعضها شروحًا
_________________
(١) ١ المقالات (ص ١٣٩) . ٢ الفَرْق بين الفِرَق (ص ٢٠٣)، ونقله عنه الزبيدي في الإتحاف (٢/٢٦٥) . ٣ الملل والنحل (١/١٤١) . ٤ انظر فيض الباري للكشميري (١/٥٩) .
[ ٣١٨ ]
مطولة عديدة، ونقل منها نقولٌ متكاثرة، واعتمد على ما فيها من عقائد.
وفيما يلي أنقل أقواله في هذه المسألة من بعض الكتب المشار إليها آنفًا وأبدًا أولًا بأبرز هذه الكتب وأشهرها نسبة إليه وهو كتاب الفقه الأكبر.
(أ) قال في الفقه الأكبر: "والإيمان هو الإقرار والتصديق، وإيمان أهل السماء والأرض لا يزيد ولا ينقص من جهة المؤمن به، ويزيد وينقص من جهة اليقين، والمؤمنون مستوون في الإيمان والتوحيد، متفاضلون في الأعمال"١.
هكذا وجدت كلامه في بعض النسخ من الفقه الأكبر، وغير خاف ما في هذا الكلام من تناقض وتعارض، ففيه أن الإيمان يزيد وينقص من جهة اليقين، ثم فيه بعد ذلك أن أهل الإيمان مستوون في الإيمان والتوحيد، وأن التفاضل بينهم إنما هو في الأعمال التي هي عندهم خارجة من مسمى الإيمان.
ومن المعلوم أيضا أنهم لا يقولون بزيادة التصديق ونقصانه لما يقتضيه في نظرهم من الشك في الإيمان، وإنما يقولون بزيادة الإيمان ونقصانه من جهة المؤمن به فحسب، والكلام هنا على خلاف ذلك وبعكسه.
والذي يظهر أن كلام أبي حنيفة هنا حصل فيه قلب من قبل بعض نساخ الكتاب فكان أصل كلامه هكذا: "وإيمان أهل السماء والأرض يزيد وينقص من جهة المؤمن به، ولا يزيد ولا ينقص من جهة اليقين
_________________
(١) ١ انظر الفقه الأكبر بشرح الماتريدي (ص ١٤٩، ١٥٠) وبشرح علي القاري طبع دار الكتب العلمية (ص ١٢٦) وبشرح أبي المنتهي (ص ٣٣) .
[ ٣١٩ ]
والتصديق "ثم قلب من بعض النساخ بتقديم وتأخير، فأصبح كما ترى متناقضًا متعارضًا مخالفًا للمشهور عن أبي حنيفة أن التصديق لا يقبل الزيادة والنقصان.
ويدل على ذلك عدة أمور:
أحدها: أن نص العبارة ذكر في بعض نسخ الفقه الأكبر هكذا: "وإيمان أهل السماء والأرض لا يزيد ولا ينقص"١ بدون ذكر للمؤمن به أو التصديق، وهذا يرجح أن هذا الموضع دخله تحريف من قبل نساخ الكتاب إما بحذف أو تقديم وتأخير.
الثاني: أن شارح الفقه الأكبر على القارىء تال في شرح هذه العبارة: "أي: من جهة المؤمن به نفسه، لأن التصديق إذا لم يكن على جهة التحقيق يكون في مرتبة الظن والترديد، والظن غير مفيد في مقام الاعتقاد عند أرباب التأييد"٢.
وهذا يدل على أن مفهوم عبارة أبي حنيفة عنده أنها تدل على عدم زيادة الإيمان ونقصانه من جهة التصديق، خلافًا للنص المتقدم عن أبي حنيفة في أن الإيمان يزيد وينقص من جهة التصديق.
الثالث: أن الملا حسين الحنفي شارح الوصية لأبي حنيفة نقل نص العبارة المتقدمة من الفقه الأكبر هكذا: "إيمان أهل السماء والأرض لا يزيد ولا ينقص والمؤمنون مستوون في درجة
_________________
(١) ١ الففه الأكبر لشرح علي القاري طبع دار الكتب العربية (ص ٧٧)، وطبع دار قديمي كتب خانه (ص ٨٧)، وبشرح علي بن محمد بن الحسين (ق ٣٣/أ) . ٢ شرح الفقه الأكبر (ص ٨٧) .
[ ٣٢٠ ]
الإيمان والتوحيد متفاضلون في الأعمال"١.
وهذا يؤكد ما سبق ذكره في رقم واحد من أن هذا الموضع اعتراه بعض التغيير من قبل نساخ الكتاب.
الرابع: أن الملا حسين الحنفي ذكر في شرحه للوصية ما أورد عليهم مثل قوله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ مما يدل على زيادة الإيمان، ثم قال: "أجيب عن ذلك بأن ذلك في حق الصحابة ﵃ لأن القرآن كان ينزل في كل وقت
فيؤمنون به فيكون زيادة على الأول، وأما في حقنا فلا لإنقطاع الوحي.
وروي عن ابن عباس﵄ وأبي حنيفة ﵀: أنهم كانوا آمنوا بالجملة ثم يأتي فرض بعد فرض فيؤمنون بكل فرض خاص فزادهم إيمانًا بالتفصيل مع إيمانهم بالجملة، فيكون زيادة الإيمان باعتبار المؤمن به لا في أصل التصديق"٢.
وهذا فيه التصريح أنه الزيادة إنما هي باعتبار المؤمن به فحسب، لا باعتبار التصديق.
الخامس: ما ذكره شيخ الإسلام عن المرجئة الذين قالوا إن الإيمان تصديق القلب وقول اللسان، والأعمال ليست منه، ومنهم أبو حنيفة ﵀، أنهم قالوا: "نحن نسلم أن الإيمان يزيد بمعنى أنه كلما أنزل الله آية وجب التصديق بها،
_________________
(١) ١ الجوهرة المنيفة (ص٣) . ٢ انظر الجوهرة المنيفة (ص ٤)، وانظر معه شرح العقائد للتفتازاني (ﷺ ١٤٢)، وكتاب البداية من الكفاية لنور الدين الصابوني (ص ١٥٥) .
[ ٣٢١ ]
فانضم هذا التصديق إلى الذي كان قبله، لكن بعد كمال ما أنزل الله ما بقي الإيمان يتفاضل عندهم، بل إيمان
الناس كلهم سواء إيمان السابقين الأولين كأبي بكر وعمر، وإيمان أفجر الناس كالحجاج وأبي مسلم الخرساني وغيرهما"١.
فالزيادة التي قالوا بها هنا هي باعتبار زيادة المؤمن به فحسب، فلما كمل التشريع وتم لم يعد هناك مجال لزيادة الإيمان عندهم، وهذا خلاف النص المتقدم عن أبي حنيفة الذي فيه أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص من جهة المؤمن به.
السادس: سيأتي في النقول الأخرى عن كتب أبي حنيفة ما يؤكد ذلك ويؤيده.
فمما تتقدم يتبين أن أبا حنيفة ﵀ يرى ن الإيمان لا يزيد ولا ينقص من جهة التصديق واليقين، ويزيد وينقص من جهة المؤمن به، ثم بعد كال التشريع لم يعد هناك مجال لزيادته أو نقصانه.
(ب) وفي الفقه الأبسط قال أبو مطيع: "قال أبو حنيفة ﵀ ينبغي أن يقول أنا مؤمن حقًا لأنه لا يشك في إيمانه، قلت: أيكون إيمانه كإيمان الملائكة؟ قال: نعم"٢.
(ج) وقال في رسالته إلى عثمان البتي: "ومما يعرف به اختلافهما- أي الإيمان والعمل- أن الناس يختلفون في التصديق ولا يتفاضلون فيه، وقد يتفاضلون في العمل وتختلف فرائضهم، ودين أهل السماء ودين
_________________
(١) ١ الفتاوى (٧/١٩٥)، وانظر في الرد على ذلك الفتاوى (١٣/٥٢) . ٢ الفقه الأبسط (ص٤٦) .
[ ٣٢٢ ]
الرسل واحد"١.
(د) وفي كتاب الجوهرة المنيفة في شرح وصية الإمام أبي حنيفة لمؤلفه الملا حسين الحنفي يقول: "قال المصنف أبو حنيفة ﵁: "الإيمان لا يزيد ولا ينقص"أقول: هذا عند أبي حنيفة وأصحابه ﵃، وقال ﵀: "لأنه لا يتصور نقصانه إلا بزيادة الكفر، ولا يتصور زيادته إلا بنقصان الكفر، وكيف يجوز أن يكون الشخص الواحد في حالة واحدة مؤمنًا وكافرًا" استدل الإمام ﵁ على هذا بأن زيادة الإيمان لا يتصور إلا بنقصان الكفر، ونقصانه لا يتصور إلا بزيادة الكفر، واجتماعهما في ذات واحدة في حالة واحدة محال، وهذا لأن الكفر ضد الإيمان، وهو تكذيب وجحود"٢.
فجميع هذه النقول المتقدمه عنه ﵀ تتفق في الدلالة على أنه يرى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأنه لا يتفاضل.
٣- إن عامة كتب الأحناف المؤلفة في العقيدة تذكر هذا القول، وتنسبه إلى أبي حنيفة ﵀، ولم أقف على قول لأحدهم يبرىء فيه أبا حنيفة من هذا القول، سوى محاولة ضعيفة من الكشميري صاحب فيض الباري خرج منها بأن تأكد من صحة نسبة هذا لأبي حنيفة، وعلى حد تعبيره، قال: "وكيف ما كان سلمت القول المذكور"٣.
_________________
(١) ١ رسالة أبي حنيفة إلى عثمان البتي (ص ٣٣) . ٢ الجوهرة المنيفة (ص ٣) والشبهة المذكورة سيأتي جوابها مفصلًا في المبحث القادم إن شاء الله. ٣ فيض الباري (١/٦٠) .
[ ٣٢٣ ]
وفيما يلي أشير إلى بعض من نسب هذا القول لأبي حنيفة من علماء الأحناف.
قال ابن الهمام في المسايرة "قال أبو حنيفة وأصحابه لا يزيد الإيمان ولا ينقص "١.
وقال الفرهاري: "مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀ والمتكلمين من أهل السنة لا يزيد ولا ينقص.."٢.
وقال الزبيدي: "وقال أبو حنيفة وأصحابه لا يزيد ولا ينقص.. "٣.
قلت: ولم يكتف هؤلاء بتسليم صحة القول لأبي حنيفة ﵀ فحسب، بل جهدوا في تأويل نصوص الشرع المصرحة بزيادة الإيمان، وتعسفوا في صرفها عن ظاهرها لأجله.
ولهذا يقول محمد رشيد رضا: "فمن العجب بعد هذا أن تنقل هفوة لبعض العلماء أنكر فيها زيادة الإيمان بالمعنى المصدري لشبهة نظرية، ويجعل مذهبًا يقلد صاحبه فيه تقليدًا، وتؤول غلايات والأحاديث لأجله تأويلًا"٤.
ويقول: "وهذه المسألة من أغرب مسائل عصبيات المذاهب عند النظار الجدليين ومقلديهم، وما كان ينبغي لمسلم أن يجعل هذا موضع خلاف لبحث بعض من ينتسب إليهم في مفهوم لفظ الإيمان الذي يتحقق
_________________
(١) ١ انظر المسامرة شرح المسايرة (ص ٣٦٧) . ٢ النبراس شرح العقائد (ص ٤٠٢) وانظر (ص ٤٠٦) . ٣ إتحاف السادة المتقين (٢/ ٢٥٦) . ٤ تفسير المنار (٩/ ٥٩٢) .
[ ٣٢٤ ]
باعتقاده الدخول في الملة هل يقبل الزيادة والنقصان في ذاته؟.. "١.
٤- أنه سيق في بعض كتب السنة روايات مسندة في بعضها تصريح من بعض علماء السنة بأن أبا حنيفة يقول بذلك، وفي بعضها ما يدل عليه.
فمنها:
(أ) ما رواه الخطيب بسنده إلى شريك القاضي قال: " أبو حنيفة أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص"٢.
قلت: وشريك معاصر لأبي حنيفة رحمهما الله.
(ب) وساق عبد الله بن الإمام أحمد في السنة بسنده إلى أبي إسحاق الفزاري قال: "كان أبو حنيفة يقول: إيمان إبليس وإيمان أبي بكر الصديق ﵁ واحد، قال أبو بكر: يا رب، وقال: إبليس: يا رب "٣.
ثم قال أبو إسحاق: ومن كان من المرجئة ثم لم يقل هذا، انكسر عليه قوله.
قلت: ولعل هذا ليس قولًا لأبي حنيفة وإنما هو لازم قوله كما يفيد
_________________
(١) ١ تفسير المنار (١١/٨٦) . ٢ تاريخ بغداد (١٣/ ٣٧٢) . ٣ السنة (١/٢١٩) ورواه اللالكائي في شرح الاعتقاد (برقم: ١٨٣٢) والخطيب في التاريخ (١٣/ ٣٧٣) وقال محقق السنة لعبد الله: إسناده صحيح، وقال معلقًا على الأثر: ل"لعل مراده بذلك: التصديق القلبي. ومعلوم أنه لا يكفي وحده"، قلت: سبحان الله ولو كان يكفي وحده فهل يصح أن يقال تصديق أبي بكر القلبي كتصديق إبليس!!
[ ٣٢٥ ]
ذلك قول أبي إسحاق.
(ج) وساق بسنده إلى أبي عبد الرحمن المقرىء قال: "كان والله أبو حنيفة مرجئًا، ودعاني إلى الرجاء فأبيت عليه"١.
(د) وساق بسنده إلى يحيى بن معين قال: "كان أبو حنيفة مرجئًا، وكان من الدعاة.. "٢.
(هـ) وساق الخطيب بسنده إلى يحيى بن ادم قال: "ذكر لأبي حنيفة هذا الحديث أن النبي ﷺ: "الوضوء نصف الإيمان" ٣. قال: لتتوضأ مرتين حتى تستكمل الإيمان"٤.
وهذه الروايات تدل على أنه ﵀ كان من أهل الإرجاء، وهو التأخير لأنه كان يخرج العمل من مسمى الإيمان، وتدل أيضًا على أنه يرى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص ولا يتفاضل.
قلت: وهو ﵀ قد تأثر في هذا بقول شيخه حماد بن أبي سليمان، فقد نقل عن حماد إنكار دخول العمل في الإيمان، وإنكار تفاضله، كما قال شيخ الإسلام ﵀: "وأنكر حماد بن أبي سليمان ومن اتبعه تفاضل الإيمان ودخول الأعمال فيه والاستثناء فيه، وهؤلاء من مرجئه الفقهاء، وأما إبراهيم النخعي إمام أهل الكوفة شيخ حماد بن أبي
_________________
(١) ١ السنة (١/٢٢٣) . ٢ السنة (١/٢٢٦) . ٣ أخرجه بهذا اللفظ أحمد (٥/٣٦٥)، وأخرجه مسلم (١/٢٠٣) بلفظ "الطهور شطر الإيمان". ٤ رواه المروزي في تعظيم قدر الصلاة (١/٤٣٥)، والبغدادي في تاريخ بغداد (١٣/٣٨٨) .
[ ٣٢٦ ]
سليمان، وأمثاله ومن قبله من أصحاب ابن مسعود كعلقمة والأسود فكانوا من أشد الناس مخالفة للمرجئة، وكانوا يستثنون في الإيمان، لكن حماد بن أبي سليمان خالف سلفه، واتبعه من اتبعه ودخل نجي هذا طائف من أهل الكوفة ومن بعدهم"١.
وشيخ الإسلام في اجر كلامه يشير إلى أبي حنيفة وغيره من علماء الكوفة ممن نحا منحى حماد في هذه المسألة، ونص شيخ الإسلام في موضع آخر أن أبا حنيفة تابعٌ في مقالته في الإيمان لشيخه حماد بن أبي سليمان٢.
٥- لم أقف في حدود ما اطلعت عليه من مؤلفات تعرضت لهذا الموضوع على كلام لأحد الأحناف أو غيرهم يبرئ فيه أبا حنيفة من هذا القول وينفيه عنه، سوى محاولة الكشميري متقدمة الذكر، وقد خبرت نتيجتها.
وبكل الإنصاف في هذا والحق يقال: أن هذه تعد فهوة لأبي حنيفة ﵀ وغفر له وزلة قدم، وليس هو بالمعصوم، ولكنها مغمورة إن شاء الله في بحر علمه وورعه وتحريه للخير والصواب.
فهذا هو الحق إذا ما وزنت الأمور بميزان الكتاب والسنة، وابتعد عن العواطف الجياشة، والعصبيات المطغية، والأهواء المضلة، عصمنا الله من ذلك وحمانا بمنه وكرمه.
ثم إن أقوال أبي حنيفة ﵀ مبنية على اجتهاد وتحر للصواب ولا يخفى أن المجتهد عرضةٌ للخطأ والزلل، فإن أخطأ فما ينبغي لأتباعه
_________________
(١) ١ الفتاوى (٧/ ٥٠٧) ٢ الفتاوى (٧/١١٩) و(١٨/٢٧١) .
[ ٣٢٧ ]
أن يتعصبوا لخطئه، ويعرضوا عن نصوص الوحي المخالفة له؛ لأن المحقق والباحث عن الصواب لا يهوله اسم معظم عن الحق المحتم، فالحق لا يعرف بالرجال، بل من عرف الحق عرف أهله.
والأمر كما قال شيخ الإسلام: "كل قائل إنما يحتج لقوله لا به، إلا الله ورسوله"١.
سيما والأئمة أنفسهم قد حذروا أتباعهم ومن تأثر بهم من التقليد الأعمى والتعصب المقيت، حتى أبي حنيفة ﵀ فقد أثر عنه في هذا الشيء الكثير.
يقول الألباني حفظه الله ونفع بعلمه: "وقد روى عنه أصحابه أقوالًا شتى وعبارات متنوعة كلها تؤدي إلى شيء واحد، وهو وجوب الأخذ بالحديث وترك تقليد آراء الأئمة المخالفة له:
١- "إذا صح الحديث فهو مذهبي".
٢- "لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه"وفي رواية: "حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي"زاد في رواية) فإننا بشر نقول القول اليوم ونرجع عنه غدًا (وفي أخرى) ويحك يا يعقوب (هو أبو يوسف) لا تكتب كل ما تسمع مني، فإني قد أرى الرأي اليوم وأتركه غدًا، وأرى الرأي غدا وأتركه بعد غد".
٣- إذا قلت قولًا يخالف كتاب الله تعالى وخبر الرسول ﷺ فاتركوا
_________________
(١) ١ انظر الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية للبزار (ص ٢٩) وانظر لزامًا الفتاوى (٢٦/٢٠٢) .
[ ٣٢٨ ]
قولي"١.
قلت: يرحمك الله فهذا عين العدل والإنصاف، ولكن أين عقول أقوام من فهم هذا وقبوله؟!
فإن قول أبي حنيفة في مسألتنا هذه- زيادة الإيمان ونقصانه- مخالفٌ للنص قطعًا وعلى الضد له تمامًا، فإن نصوص الكتاب والسنة صريحة في أن الإيمان يزيد وينقص، وأن أهله متفاضلون فيه، وأنهم ليسوا فيه سواء على درجة واحدة، وأما أقوال أبي حنيفة المأثورة عنه في هذا فصريحة بعكس ذلك.
ثم هو ﵀ لم يتعمد الخطأ فيما أخطأ فيه، ولم يتعمد مخالفة الرسول ﷺ في هذا، وإنما هذا ما أداه إليه اجتهاده وبلغ إليه علمه، كيف وقد قيل له أتخالف النبي ﷺ؟.
فقال: "لعن الله من يخالف رسول الله ﷺ به أكرمنا الله وبه استنقذنا"٢.
قال شيخ الإسلام ﵀: "ومن ظن بأبي حنيفة أو غيره من أئمة المسلمين أنهم يتعمدون مخالفة الحديث الصحيح لقياس أو غيره فقد أخطأ عليهم وتكلم إما بظن وإما بهوى، وقد بينا هذا في رسالة (رفع الملام عن الأئمة الأعلام)، وبينا أن أحدًا من أئمة الإسلام لا يخالف حديثًا صحيحًا بغير عذر، بل لهم نحو من عشرين عذرًا "٣.
_________________
(١) ١ انظر تخريجًا مفصلًا لهذه الروايات في صفة صلاة النبي ﷺ للألباني (ص ٢٤-٢٦) . ٢ الانتقاء لابن عبد البر (ص ٧٨)، وانظر الفتاوى لابن تيمية (٢٠/٢٣٢) . ٣ الفتاوى (٢٠/ ٣٠٤) .
[ ٣٢٩ ]
ولهذا كان ينبغي على الراغب في الخير والمتحري للحق أن يترك قول أبي حنيفة هذا ويعرض عنه، اتباعًا لأبي حنيفة في قوله المتقدم:"إذا قلت قولًا يخالف كتاب الله تعالى وخبر الرسول ﷺ فاتركوا قولي".
بل قد ورد في بعض الروايات عن أبي حنيفة ما يشعر أنه رجع عن قوله هذا وتركه تسليمًا منه بما جاء في النصوص الصريحة المخالفة لقوله.
فقد روى ابن عبد البر في التمهيد بسنده إلى حماد بن زيد قال كلمت أبا حنيفة في الإرجاء فجعك يقول وأقول.
ثم روى له حماد حديث: "أي الإسلام أفضل؟ "إلى أخره وقال له: ألا تراه يقول: أي الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان، ثم جعل الهجرة والجهاد من الإيمان، قال: فسكت أبو حنيفة، فقال بعض أصحابه: ألا تجيبه يا أبا حنيفة؟ قال: لا أجيبه وهو يحدثني بهذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
قلت: وهذا هو موقف الأئمة جميعهم من النصوص، أبي حنيفة وغيره، القبول والرضى والتسليم التام، ولعل في هذه القصة ما يدل على تراجع الإمام أبي حنيفة ﵀ عما قال.
فليترك قوله هذا المخالف للنصوص، والذي يحتمل أنه قد رجع عنه، وليتمسك بما جاء في كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ فهذا الذي يدعو إليه أبو حنيفة وغيره من الأئمة يرحمهم الله.
ومع هذا لم يفتأ أقوام من تعصب مقيت وغلو مفرط لقول أبي حنيفة هذا، بدت آثاره في جوانب مختلفة وفي مواقف متعددة، وهي بحق تدعو
_________________
(١) ١ التمهيد (٩/٢٤٧) ونقل القصة ابن أبي العز في شرح الطحاوية (٢/ ٤٩٤) حكاية عن الطحاوي ﵀.
[ ٣٣٠ ]
للعجب والإستغراب.
ولعلي أعرض هنا بعض ما وقفت عليه من مظاهر الغلو في هذه المسألة على الخصوص إذ هي محل بحثنا، وإن كانت مظاهر الغلو قد تكاثرت في مجالات أخرى عديدة.
١- عد بعض المتعصبة في بعض الكتب الفقهية من الأمور المكفرة التي يكفر قائلها القول بأن الإيمان يزيد وينقص، كما فعل ذلك ابن نجيم الحنفي في كتابه البحر الرائق، فقد عدّ من الأمور التي يرتد المسلم بقولها القول بزيادة الإيمان ونقصانه١.
ولهذا يقول السندي- وهو حنفي- بعد أن بين الحق في هذه المسألة وهو أن الإيمان يزيد وينقص بدلالة الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة: "وبهذا ظهر أن ما وقع في بعض كتب الفقه من عد القول بالزيادة والنقصان من كلمات الكفر هفوة عظيمة نسأل الله العفو والعافية"٢.
فالقول بزيادة الإيمان ونقصانه هو صريح الكتاب والسنة وليس مفهومهما فحسب، ومع هذا عد كفرًا!!
٢- وأعظم من هذا، وأشد غلوا، وأوغل في الإفراط أن بعض هؤلاء كذبوا على رسول الله ﷺ أحاديث كثيرة فيها التصريح بعدم زيادة الإيمان ونقصانه، وأن زيادته كفر ونقصانه شرك، وأن من قال إنه يزيد وينقص فقد خرج من أمر الله، وأنهم براء من رسول الله ﷺ، وأن رسول الله ﷺ بريء منهم، وأنهم أعداء الرحمن وفارقوا الدين، وأن من يقول إنه يزيد وينقص ولم يتب تضرب عنقه بالسيف، إلى غير ذلك من
_________________
(١) ١ انظر البحر الرائق (٥/١٣١) . ٢ شرح سنن ابن ماجة للسندي (١/٣٨) .
[ ٣٣١ ]
الهراء السمج، والقول البغيض، والكذب الفاضح والذي لا تنفثه إلا نفوس رديئة وقلوب مريضة. وستقف على هذه الأحاديث في موضعها من هذا البحث إن شاء الله١.
٣- عدّ بعض هؤلاء من يقول بزيادة الإيمان ونقصانه مبتدعًا، مع أن القائلين بذلك هم الصحابة وتابعوهم بإحسان، خير أمة محمد ﷺ وأفضلهم، بل هو بإجماعهم كما سبق نقل ذلك وبيانه.
يقول ابن الحكيم السمرقندي: "ينبغي أن يعلم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص لأن من يرى الزيادة والنقصان في الإيمان فهو مبتدع إلى أن قال: ولم يقل أحد من العلماء والصالحين أن الإيمان يزيد وينقص.."٢.
وتأمل كيف أوغل في الخطأ، فجمع في كلامه هذا بين تبديع السلف من جهة، وتجاهل أقوالهم من جهة أخرى، فالله المستعان.
ثم كرر قوله هذا مرة أخرى فقال: "واعلم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص ومن قال يزيد وينقص فهو مبتدع وهذا كفاية للعاقل"٣ إضافة إلى هذا فقد احتج ببعض الأحاديث المكذوبة على النبي ﷺ في ذلك.
وعدّ من علامة السواد الأعظم الذين هم عنده أهل السنة والجماعة أن يكون متصفًا باثنين وستين خصلة، منها: "أن يرى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص"٤.
٤- من يطالع غالب كتبهم المؤلفة في العقيدة عند الكلام على هذه
_________________
(١) ١ انظر (ص ٣٨٣ وما بعدها) من هذه الرسالة. ٢ السواد الأعظم (ص ٣٣) . ٣ السواد الأعظم (ص ٣٤) . ٤ السواد الأعظم (ص ٤) .
[ ٣٣٢ ]
المسألة، يجد فيها من التأويلات المستكرهة والتعطيل الصريح لنصوص الوحي الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه الشيء الكثير، فهم يوردون النصوص لا للاستدلال بها، وإنما لتعطيلهما وتأويلها على ما يوافق ما رأوه وما أثر عن أسلافهم، فتجدهم عندما يوردون النصوص المخالفة لأقوالهم يشرعون في تأويلها شروع من قصد ردها كيفما كان، وبأي صورة وطريقة كانت، بخلاف منهج السلف أهل السنة والجماعة القائم على الاعتصام بالكتاب والسنة في كل حال.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والمقصود هنا أن السلف كان اعتصامهم بالقرآن والإيمان، فلما حدث في الأمة ما حدث من التفرق والاختلاف صار أهل الفرق شيعًا، صار هؤلاء عمدتهم في الباطن ليست على القرآن والإيمان، ولكن على أصول ابتدعها شيوخهم، عليها يعتمدون في التوحيد والصفات والقدر والإيمان بالرسول وغير ذلك، ثم ما ظنوا أنه يوافقها من القرآن احتجوا به، وما خالفها تأولوه، فلهذا تجدهم إذا احتجوا بالقران والحديث لم يعتنوا بتحرير دلالتهما، ولم يستقصوا ما في القرآن من ذلك المعنى، إذ كان اعتمادهم في نفس الأمر على غير ذالك، والآيات التي تخالفهم يشرعون في تأويلها شروع من قصد ردها كيف أمكن، ليس مقصوده أن يفهم مراد الرسول، بل أن يدفع منازعه عن الاحتجاج بها"١.
قلت: ومن يتأمل كلام شيخ الإسلام هذا ويسبر غوره ويتعمق في مكنونه مريدًا للخير طالبًا للحق يسلم من الوقوع في هوة سحيقة ومزلة عميقة تردى بها كثيرون من أهل التفرق والاختلاف وحادوا عن الجادة السوية والطريقة المرضية، ولهذا فإنك عندما تقرأ كتب أهل الأهواء
_________________
(١) ١ الفتاوى (١٣/ ٥٨، ٥٩) .
[ ٣٣٣ ]
المؤلفة في الاعتقاد تستغرب عندما لا تجد فيها ذكر الأدلة من الكتاب والسنة إلا النادر القليل، ثم هذا النادر القليل ذكر لا ليحتج به وإنما ذكر للشروع في تعطيله وتأويله.
ثم قال شيخ الإسلام: "والمقصود أن كثيرًا من المتأخرين لم يصيروا يعتمدون في دينهم لا على القرآن، ولا على الإيمان الذي جاء به الرسول، بخلاف السلف، فلهذا كان السلف أكمل علمًا وإيمانًا، وخطؤهم أخف وصوابهم أكثر"١.
قلت: هم القدوة وأهل السلامة الذين جمع الله لهم بين كمال العلم وقوة الإيمان وفقنا الله لإتباعهم، وألحقنا بهم، حشرنا في زمرتهم، وهدى ضال المسلمين للتأسي بهم، والسير على نهجهم.
٥- ومن طريف تعصبهم أن أحدهم حلف بطلاق زوجته، إن كان الإيمان يزيد وينقص، وذلك في زمن المعتصم، فسئل عن ذلك كمال الدين أبو الحسين بن أبي بكر الشهراياني البغدادي، فأفتى بوقوع طلاقه، وبسط الكلام في هذه المسألة في جزء مفرد٢.
وما تقدم هو قول من تعصب منهم وغلا، وغير خاف أن كثيرًا من هؤلاء انحرفوا أيضًا عن بقية أقوال إمامهم الأخرى الصحيحة كإثبات العلو وإثبات الصفات وغير ذلك إلى التجهم والإعتزال والتصوف والتشيع وغيرها٣.
أما من أنصف منهم في هذه المسألة فله موقف آخر وطريق ثان يتسم
_________________
(١) ١ الفتاوى (١٣/ ٦٠) . ٢ انظر ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (٢/ ٢٨٤) . ٣ انظر الفتاوى (٢٠/ ١٨٦، ١٨٧) .
[ ٣٣٤ ]
بالعدل والإنصاف وتحري الحق المطابق للكتاب والسنة وإن خالف رأى الإمام، واختصارًا اكتفي بذكر أربعة أمثلة لأهل هذا الموقف:
١- فمن هؤلاء أحمد بن عمران الليموسكي الإستراباذي الحنفي المتوفي سنة ٣٣١ هـ.
فقد ذكر في ترجمته أنه يقول: "الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص"١.
قال السمعاني في الأنساب: " وكان على اعتقاد أهل السنة مجانبًا لأهل البدع"٢.
٢- ومنهم الإمام القاضي علي بن علي بن محمد أبي العز الدمشقي الحنفي المتوفى سنة ٧٩٢ هـ ٣ صاحب الكتاب العظيم والمؤلف القيم "شرح العقيدة الطحاوية"والذي نهج فيه منهج أهل السنة والجماعة، مقررًا الحق بدليله، بأسلوب بليغ، وعبارات جامعة، تشهد للمؤلف بحسن إلمامه وسعة إطلاعه وجوده تصنيفه.
فقد خالف أبا حنيفة في هذه المسألة، وأورد النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة، الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه.
قال ﵀: "والأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه من الكتاب والسنة والآثار السلفية كثيرة جدًا.. فأورد جملة منها ثم قال: وفي هذا
_________________
(١) ١ الجواهر المضية في طبقات الحنفية (١/ ٢٢٥) . ٢ الأنساب (٥/ ١٥٣) . ٣ انظر ترجمته في الدرر الكامنة لابن حجر (٣/٨٧)، وشذرات الذهب لابن العماد (٦/٣٢٦) .
[ ٣٣٥ ]
المقادر كفاية، وبالله التوفيق"١.
٣- ومنهم جلال الدين بن أحمد بن يوسف التبريزي المعروف بالتباني الحنفي المتوفى سنة ٧٩٣ هـ٢ وصف بحب السنة، وحسن العقيدة، وبغض البدع والمبتدعة.
قال ابن حجر: "برع في العلوم مع الدين والخير.. وكان محيًا في السنة (كذا) حسن العقيدة شديدًا على الإتحادية والمبتدعة"٣.
وقال الشوكاني: "كان محبًا للحديث، حسن الاعتقاد، شديدًا على الاتحادية والمبتدعة، وانتهت إليه رئاسة الحنفية"٤.
فقد ذكر أن له رسالة في زيادة الإيمان ونقصانه٥، ولم أقف عليها، إلا أن عنوانها يشعر أنها مؤلفة للتدليل على زيادة الإيمان ونقصانه، والاحتجاج لذلك بالسنن والآثار، ثم تأكد لي ذلك لما رأيت ابن حجر والشوكاني ذكرا في ترجمته أن له تصنيفًا في أن الإيمان يزيد وينقص، ففي كلامهما التنصيص على أنها مؤلفة في أن الإيمان يزيد وينقص، فإذا انضم لهذا ما ذكر عنه أنه حسن الاعتقاد محب للسنة يتحقق من ذلك أنه إنما ألف رسالته لبيان أن الإيمان يزيد وينقص، وللرد على من قال بخلاف
_________________
(١) ١ شرح العقيدة الطحاوية (ص ٣٢٤- ٣٢٧) . ٢ انظر ترجمته في الدرر الكامنة (١/ ٥٤٥)، وإنباء الغمر (١/ ٤٢٤) كلاهما لابن حجر، والبدر الطالع للشوكاني (١/١٦٨)، والنجوم الزاهرة لابن تغزي بردي (١٢/١٢٢) . ٣ الدرر الكامنة (١/ ٥٤٥) . ٤ البدر الطالع (١/ ١٨٦) . ٥ كشف الظنون لحاجي خليفة (١/٥٥٤)، وقد وقع فيه خطأ في اسم المصنف وتاريخ وفاته، فليصحح.
[ ٣٣٦ ]
ذلك من أصحابه وغيرهم.
٤- ومنهم أبو الثناء شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي الحنفي الشهير بـ (الألوسي الكبير)، المتوفى سنة ١٢٧٠ هـ ١ صاحب التفسير المشهور الموسوم بـ "روح المعاني في تفسير القران والسبع المثاني ".
فقد ذهب إلى القول بزيادة الإيمان ونقصانه؛ لأنه رأى نصوص الكتاب والسنة صريحة بذلك.
قال في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ ٢ ".. وهذا أحد أدلة من ذهب إلى أن الإيمان يزيد وينقص، وهو مذهب الجم الغفير من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين، وبه أقول لكثرة الظواهر الدالة على ذلك من الكتاب والسنة من غير معارض لها عقلًا، بل قد احتج يعضهم بالعقل أيضًا، وذلك أنه لو لم تتفاوت حقيقة الإيمان لكان إيمان آحاد الأمة بل المنهمكين في الفسق والمعاصي مساويًا لإيمان الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام، واللازم باطل فكذا الملزوم"٣.
وألمح في موضع آخر من تفسيره إلى أنه يقول بهذا القول وإن كان القائل بخلافه إمام يعتد بقوله وكلامه.
قال: "وقبول التصديق نفسه الزيادة والنقص والشدة والضعف مما
_________________
(١) ١ انظر ترجمته في فهرس الفهارس للكتاني (١/٩٧)، والأعلام للزركلي (٧/ ١٧٦)، ومعجم المؤلفين لكحالة (١٢/١٧٥) . ٢ سورة الأنفال، الآية: ٢. ٣ روح المعاني (٩/١٦٥) .
[ ٣٣٧ ]
قال به جمع من المحققين وبه أقول لظواهر الآيات والأخبار ومن لم يقبل قبوله للزيادة ولم يدخل الأعمال في الإيمان قال: إن زيادته بزيادة متعلقه والمؤمن به وفيه نظر وإن قاله من تعقد عليه الخناصر وتعتقد بكلامه الضمائر"١.
بل وصرح أنه خالف في هذه المسألة إمامه أبا حنيفة لأنه وجد الأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه لا تحصى.
قال: "وما عليَّ إذا خالفت في بعض المسائل مذهب الإمام الأعظم أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه للأدلة التي لا تكاد تحصى فالحق أحق بالإتباع، والتقليد في مثل هذه المسائل من سنن العوام"٢.
قلت: صدق والله، وإنما يوفق لمثل هذا من ابتعد عن العواطف والأهواء، واحتكم إلى الوحيين الكتاب والسنة، عملًا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ٣ وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ ٤.
فمن كان كذلك هدي ولم يضل، ومن لم يكن كذلك فقد تنكب الصراط وحاد عن الجادة وتلقفته الأهواء، ولا تسأل عن هلكته، والله الهادي والموفق.
_________________
(١) ١ روح المعاني (١١/٥٠)، وانظر (٢٦/٩٢-٩٤) . ٢ روح المعاني (٩/ ١٦٧) . ٣ سورة النساء، الآية: ٥٩. ٤ سورة الأحزاب، الآية: ٣٦.
[ ٣٣٨ ]
ثانيًا- الجهمية:
ومن القائلين بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص إن لم يكونوا أصل نشأته ومبدأ حدوثه- الجهمية أتباع الجهم بن صفوان أس الضلالة وركيزة الانحراف ورأس الابتداع، الذي تلقى عقيدته وأخذ دينه عن الجعد بن درهم، وجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان، وأخذها أبان عن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر النبي ﷺ، فأصل مقالات الجهمية وأساس نشأتهم مرتبط باليهود١.
ولا أدل من هذا على خبث هذه الفرقة وتأصل الشر والفساد فيها، ولهذا كان ذم السلف للجهمية من أعظم الذم بل نصوا على زندقتهم وكفرهم وأنهم ليسوا من أهل القبلة قال أبو سعيد الدارمي ﵀: "ناظرني رجل ببغداد منافحًا عن هؤلاء الجهمية فقال: بأية حجة تكفرون هؤلاء الجهمية وقد نهي عن إكفار أهل القبلة؟ بكتاب ناطق تكفرونهم، أم بأثر، أم بإجماع؟ فقلت: ما الجهمية عندنا من أهل القبلة، وما نكفرهم إلا بكتاب مسطور، وأثر مأثور، وكفر مشهور.."٢.
ثم ساق من نصوص الكتاب والسنة وآثار سلف الأمة ما يدل على كفرهم وخروجهم من ملة الإسلام.
وكان ابن المبارك ﵀ لا يعدهم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم٣، ويرى
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى (٥/٢٠)، والبداية والنهاية لابن كثير (٩/٣٥٠)، ولوامع الأنوار البهية للسفاريني (١/ ٢٣) . ٢ الرد على الجهمية للدارمي (ص١٧١ وما بعدها) . ٣ الإبانة لابن بطة (١/٣٨٥)، وانظر درء التعارض لابن تيمية (٧/١١٠) ومجموعة الرسائل والمسائل له (٣/ ٣٤٣) .
[ ٣٣٩ ]
أن كلامهم شر من كلام اليهود والنصارى، يقول: "لأن أحكي كلام اليهود والنصارى أحب إلى من أن أحكي كلام الجهمية"١.
قال الدارمي: "وصدق ابن المبارك إن من كلامهم ما هو أوحش من كلام اليهود والنصارى"٢.
وقال الإمام البخاري ﵀ مبينًا كفر الجهمية وخبث أقوالهم: "نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس فما رأيت أضل في كفره منهم، وإني لأستجهل من لا يكفرهم إلا من لا يعرف كفرهم"٣.
ومن مقولاتهم الفاسدة وآرائهم المنحرفة زعمهم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص ولا يتفاضل أهله فيه.
قال الأشعري: "وزعمت الجهمية.. أن الإيمان لا يتبعض ولا يتفاضل أهله فيه"٤.
وقال الشهرستاني: "قال أي الجهم: والإيمان لا يتبعض أي لا ينقسم إلى عقد وقول وعمل، قال: ولا يتفاضل أهله فيه، فإيمان الأنبياء وإيمان الأمة على نمط واحد، إذ المعارف لا تتفاضل "٥.
وقال ابن القيم في نونيته٦ حاكيًا بعض عقائد هؤلاء:
_________________
(١) ١ خلق أفعال العباد للبخاري (ص ١٥) والرد على الجهمية للدارمي (ص٢٥) . ٢ الرد على الجهمية للدارمي (ص ٢٥) . ٣ خلق أفعال العباد (ص١٩) . ٤ المقالات (ص ١٣٢) . ٥ الملل والنحل (١/٨٨) . ٦ الكافية الشافية (ص١٣) .
[ ٣٤٠ ]
قالوا وإقرار العباد بأنه خلاقهم هو منتهى الإيمان
والناس في الإيمان شيء واحد كالمشط عند تماثل الأسنان
وجهم وأتباعه إنما قالوا بهذا القول لأن الإيمان عندهم مجرد التصديق، فمن صدق بقلبه فهو عندهم مؤمن كامل الإيمان وإن تكلم بالكفر، وسب الله ورسوله ﷺ وسخر بالدين، وأحل المحرمات، وفعل غير ذلك من الأمور التي هي كفر بواح.
والتصديق عندهم يتساوى فيه العباد، ولا يقبل الزيادة والنقصان فهو إما أن يعدم وإما أن يوجد، ولا يقبل التبعض، فإذا ذهب بعضه ذهب كله، ولا يتفاضل الناس فيه، فإيمان الملائكة والأنبياء والصديقين وإيمان فساق الأمة وأهل الخنا والفجور سواء١.
وقولهم هذا فاسد ظاهر البطلان وفساده معلوم من دين الله بالاضطرار ويظهر هذا من وجوه متعددة:
أحدها: أنهم أخرجوا ما في القلب من حب الله وخشيته والإنابة إليه والتوكل عليه ونحو ذلك من الأعمال القلبية من أن يكون من نفس الإيمان.
ثانيها: أنهم جعلوا ما علم أن صاحبه كافر، مثل إبليس وفرعون واليهود وأبي طالب وغيرهم، أنه إنما كان كافرًا لأن ذلك مستلزم لعدم تصديقه في الباطن وهذا مكابرة للعقل والحس، وكذلك جعلوا من يبغض الرسول ويحسده كراهة دينه مستلزمًا لعدم العلم بأنه صادق ونحو ذلك.
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى (٧/ ٥٨٢) .
[ ٣٤١ ]
ثالثها: أنهم جعلوا ما يوجد من التكلم بالكفر من سب الله ورسوله والتثليث وغير ذلك قد يكون مجامعًا لحقيقة الإيمان الذي في القلب، ويكون صاحب ذلك مؤمنا عند الله حقيقة، سعيدًا في الدار الآخرة، وهذا يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام.
رابعها: أنهم جعلوا من لا يتكلم بالإيمان قط، مع قدرته على ذلك، ولا أطاع الله طاعة ظاهرة مع وجوب ذلك عليه وقدرته، يكون مؤمنًا بالله تام الإيمان سعيدًا في الدار الآخرة.
خامسها: أنهم قالوا: إن العبد قد يكون مؤمنًا تام الإيمان، إيمانه مثل إيمان الأنبياء والصديقين ولو لم يعمل خيرا لا صلاة ولا صلة ولا صدق حديث، ولم يدع كبيرة إلا ركبها فيكون الرجل عندهم إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أئتمن خان، وهو مصر على دوام الكذب والخيانة ونقض العهود لا يسجد لله سجدة، ولا يحسن إلى أحد حسنة، ولا يؤدي أمانة، ولا يدع ما يقدر عليه من كذب وظلم وفاحشة إلا فعلها، وهو مع ذلك مؤمن تام الإيمان، مثل إيمان الأنبياء.
سادسها: أنه يلزمهم أن من سجد للصليب والأوثان طوعا، وألقى المصحف في الحش عمدا، وقتل النفس بغير الحق، وقتل كل من رآه يصلي، وسفك دم كل من يراه يحج البيت، وفعل ما فعلته القرامطة بالمسلمين، يجوز أن يكون مع ذلك مؤمنًا وليًا لله، إيمانه مثل إيمان النبيين والصديقين؛ لأن الإيمان الباطن إما أن يكون منافيًا لهذه الأمور، وإما أن لا
[ ٣٤٢ ]
يكون منافيًا، فإن لم يكن منافيًا أمكن وجودها معه فلا يكون وجودها إلا مع عدم الإيمان الباطن.
وإن كان منافيًا للأيمان الباطن كان ترك هذه من موجب الإيمان ومقتضاه ولازمه، فلا يكون مؤمنًا في الباطن الإيمان الواجب إلا من ترك هذه الأمور فمن لم يتركها دل ذلك على فساد إيمانه الباطن، وإذا كانت الأعمال والتروك الظاهرة لازمه للإيمان الباطن كانت من موجبه ومقتضاه، وكان من المعلوم أنها تقوى بقوته، وتزيد بزيادته، وتنقص بنقصانه، فإن الشيء المعلوم لا يزيد إلا بزيادة موجبه ومقتضيه، ولا ينقص إلا بنقصان ذلك، فإذا جعل العمل الظاهر موجب الباطن ومقتضاه لزم أن تكون زيادته لزيادة الباطن فيكون دليلًا على نقص الباطن، وهو المطلوب.
وهذه الأمور، كلها إذا تدبرها المؤمن بعقله تبين له أن مذهب السلف هو المذهب الحق الذي لا عدول عنه، وأن من خالفهم لزمه فساد معلوم بصريح المعقول وصحيح المنقول كسائر ما يلزم الأقوال المخالفة لأقوال السلف والله أعلم١. ثم إن سلفنا الصالح قد نقل عنهم أقوال كثيرة في رد مقولة هؤلاء الخبيثة، وبيان فسادها وشدة ضررها على الإسلام وأهله، وفيما يلي أسواق بعض ما نقل عنهم في ذلك:
١- قيل لعبد الله بن أبي مليكة: يا أبا محمد إن ناسًا يجالسونك يزعمون أن إيمانهم كإيمان جبريل، فغضب ابن أبي مليكة، فقال: والله ما رضي الله لجبريل حتى فضله بالثناء عدى محمد ﷺ فقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُمْ
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى لابن تيمية (٧/ ٥٨٢- ٥٨٥) .
[ ٣٤٣ ]
بِمَجْنُونٍ﴾ ١ يعني محمدًا ﷺ.
أفأجعل إيمان جبريل وميكائيل كإيمان فهدان، لا والله ولا كرامة.
قال نافع راوي الأثر: وقد رأيت فهدان كان رجلا لا يصحو من الشراب٢.
قال الآجري معلقًا على هذا الأثر بعد روايته له.: "من قال هذا فلقد أعظم الفرية على الله، وأتى بضد الحق، وبما ينكره جميع العلماء لأن قائل هذه المقالة يزعم أن من قال: لا إله إلا الله لم تضره الكبائر أن يعملها، ولا الفواحش أن يرتكبها، وأن عنده أن البار التقي الذي لا يباشر من ذلك شيئًا والفاجر يكونان سواء، هذا منكر قال الله ﷿: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ٣، وقال ﷿: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ ٤.
فقل لقائل هذه المقالة المنكرة: يا ضال يا مضل إن الله ﷿ لم يسو بين الطائفتين من المؤمنين في أعمال الصالحات حتى فضل بعضهم على بعض درجات، قال الله ﷿: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاَّ
_________________
(١) ١ سورة التكوير، الآية: ٢٠. ٢ رواه أبو عبيد في الإيمان (ص ٧٠)، والآجري في الشريعة (ص ١٤٧)، وابن بطة في الإبانة (برقم: ١٢٥٦)، وانظر تعليق أبو عبيد عليه بعد روايته له. ٣ سورة الجاثية، الآية: ٢١. ٤ سورة ص، الآية: ٢٨.
[ ٣٤٤ ]
وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ١ فوعدهم الله كلهم الحسنى بعد أن فضل بعضهم على بعض وقال ﷿: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ ثم قال ﴿وَكُلًا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ ٢ وكيف يجوز لهذا الملحد في الدين أن يسوي بين إيمانه وإيمان جبريل وميكائيل، ويزعم أنه مؤمن حقًا"٣.
٢- وقال ابن أبي مليكة: إن فهدان يزعم أنه يشرب الخمر، ويزعمون أن إيمانه على إيمان جبريل وميكائيل٤.
٣- ومر ميمون بن مهران بجويرية وهي تضرب بالدف وهي تقول: وهل عليَّ من قول قلته من كنود. فقال: أترون إيمان هذه كإيمان مريم بنت عمران؟ قال: والخيبة لمن يقول إيمانه كإيمان جبريل٥.
٤- وقال الوليد بن مسلم: سمعت أبا عمرو الأوزاعي ومالكًا وسعيد بن عبد العزيز يقولون: ليس للإيمان منتهى هو في زيادة أبدًا، ويقولون على من يقول أنه مستكمل الإيمان وأنه إيمانه كإيمان جبريل، قال الوليد قال سعيد بن عبد العزيز: هو أن يكون إذا أقدم على هذه المقالة إيمانه كإيمان إبليس لأنه أقر بالربوبية وكفر بالعمل، فهو أقرب إلى ذلك
_________________
(١) ١ سورة الحديد، الآية: ١٠. ٢ سورة النساء، الآية: ٩٥. ٣ الشريعة (ص ١٤٧، ١٤٨) . ٤ رواه عبد الله في السنة (١/ ٣٧١)، وابن بطة في الإبانة (برقم: ١٢٥٧) ورواه بنحوه إسحاق بن راهوية في مسنده (٣/٦٧٠) . ٥ رواه ابن بطة في الإبانة (برقم: ١٢٥٨) .
[ ٣٤٥ ]
من أن يكون إيمانه كإيمان جبريل عليه السلام١.
٥- وقال الأوزاعي: "من آمن وعصى إيمانه بإيمان إبليس أشبه منه بإيمان جبريل، لأن جبريل آمن وأطاع، وإبليس آمن وعصى"٢.
٦- وقال سفيان الثوري: اتقوا هذه الأهواء، قيل له: بين لنا رحمك الله فقال سفيان: أما المرجئة فيقولون: الإيمان كلام بلا عمل، من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله فهو مؤمن مستكمل الإيمان، إيمانه على إيمان جبريل والملائكة وإن قتل كذا وكذا مؤمن، وإن ترك الغسل من الجنابة، وإن ترك الصلاة٣.
٧- وقال ابن بطة العكبري:"احذروا رحمكم الله من يقول أنا مؤمن عند الله، وأنا مؤمن كامل الإيمان، ومن يقول إيماني كإيمان جبريل وميكائيل فإن هؤلاء مرجئة أهلُ ضلال وزغ وعدول عن الملة"٤.
٨- وكان عون بن عبد الله٥ من آدب أهل المدينة وأفقههم وكان مرجئًا فرجع عن ذلك وأنشأ يقول:
لأول من تفارق غير شك تفارق ما يقول المرجئونا
وقالوا مؤمن من أهل جور وليس المؤمنون بجائرينا
وقالوا مؤمن دمه حلال وقد حرمت دماء المؤمنين٦
_________________
(١) ١ رواه ابن بطة في الإبانة (برقم ١٢٥٩) وروى أوله عبد الله في السنة (١/ ٣٣٣) . ٢ رواه اللالكائي في شرح الاعتقاد (برقم: ١٨٣٦) . ٣ رواه اللالكائي في شرح الاعتقاد (برقم: ١٨٣٤) . ٤ الإبانة لابن بطة (٢/٨٩٩) . ٥ انظر ترجمته في السير للذهبي (٥/١٠٣) . ٦ رواه ابن بطة في الإبانة (برقم:١٢٧٣) ن واللالكائي في شرح الاعتقاد (برقم:١٨٥٠) .
[ ٣٤٦ ]
٩- وقال سليم بن منصور بن عمار١:
أيها القائل إني مؤمن إنما الإيمان قول وعمل
إنما الإرجاء دين محدث سنه جهم بن صفوان انتحل
إن دين الله دين قيّم فيه صوم وصلاة تعتمل
وزكاة وجهاد لإمرىء حارب الدين اعتدى وقتل
ليس بالمستكمل الإيمان من إن رأى صلى وإلا لم يصل
أو أتى يوما على قاذورة ترك الغسل مجونًا أو كسل
اسم هذا مؤمن الإقرار لا مؤمن حقًا وحقًا لم يقل
لست بالمرجىء ولا الخرمي لا ولا أرى برأي المعتزل
إن رأيي رأي سفيان وما كان سفيان على رأي فضل٢
_________________
(١) ١ انظر ترجمته في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٤/٢١٦) وتاريخ بغداد (٩/٢٣٢) . ٢ رواه اللالكائي في شرح الاعتقاد (برقم: ١٨٥٢) وذكر الأبيات أبو يعلى في كتابه الإيمان (ص ٢٧٥) لكن اسم الناظم تصحف عنده من "سليم" إلى "سلمان " ووقع بينهما فروق أخرى قليلة في مفردات النظم وكذلك تصحف اسم الناظم في المطبوعة من شرح الاعتقاد من " ابن عمار" إلى " ابن عامر"، وقد وقع في شرح الاعتقاد في البيت قبل الأخير "الحربي" بدل "الخرمي"، فعدت إلى كتب المقالات فوجدت فيها فرقة من الشيعة يقال لهم الحربية نسبة إلى عبد الله بن عمرو بن حرب، ووجدت فرقة أخرى يقال لهم الخرمية نسبة إلى بابك الخرمي الذي ظهر في جبل البدين بناحية أذربيجان في عهد المأمون. انظر المقالات للأشعري (ص ٢٢) والفرق بين الفرق للبغدادي (ص ٢٦٦) والأقرب إلى سياق النظم أن المراد "الخرمية" لما ذكر عنهم من الإباحية والاستحلال للمحرمات والقتل والأذى للمسلمين حتى إنهم بنوا مساجد للمسلمين ليؤذوهم فيها، وهم يعلمون أولادهم القرآن لكنهم لا يصلون في السر ولا يصومون ولا يرون جهاد الكفرة. قلت: وهذه غاية ومؤدى مذهب المرجئة الذي سيق النظم لذمه وبيان شناعته وقبحه، والله أعلم.
[ ٣٤٧ ]
وفي هذا كفاية.
ثالثًا- الخوارج والمعتزلة:
لقد ذهبت الخوارج والمعتزلة مذهب أهل السنة والجماعة في تعريف الإيمان من حيث أنه شامل للأعمال والأقوال والاعتقادات، إلا أنهم فارقوا أهل السنة والجماعة بقولهم إن الإيمان كل واحد لا يتجزأ إذا ذهب بعضه ذهب كله، وأنه لا يقبل التبعض.
ومن هنا كان الإخلال بالأعمال وارتكاب الكبائر عندهم مخرجًا من الإيمان كلية، على خلاف بينهم في تسميته كافرًا، فالخوارج قطعوا بكفره، ونازعهم المعتزلة في الاسم وقالوا نحن لا نسميه مؤمنًا ولا كافرًا، وإنما هو في منزلة بين المنزلتين أي: بين منزلة الإيمان والكفر، وإن كانوا قد اتفقوا جميعًا أنه يوم القيامة خالد مخلد في نار جهنم١.
قال شيخ الإسلام: "قالت الخوارج والمعتزلة قد علمنا يقينًا أن الأعمال من الإيمان فمن تركها فقد ترك بعض الإيمان، وإذا زال بعضه زال جميعه؛ لأن الإيمان لا يتبعض ولا يكون في العبد إيمان ونفاق، فيكون أصحاب الذنوب مخلدين في النار إذ كان ليس معهم من الإيمان شيء"٢.
وأصل غلط هؤلاء ومنشأ ضلالهم كما قال شيخ الإسلام: "أنهم
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى (٧/ ٢٢٣، ٢٥٧) وشرح العقيدة الأصفهانية لابن تيمية (ص ١٣٧) . ٢ الفتاوى (١٣/ ٤٨) .
[ ٣٤٨ ]
ظنوا أن الشخص الواحد لا يكون مستحقًا للثواب والعقاب والوعد والوعيد والحمد والذم، بل إما لهذا وإما لهذا فأحبطوا جميع حسناته بالكبيرة التي فعلها، وقالوا: "الإيمان هو الطاعة فيزول بزوال بعض الطاعة، ثم تنازعوا هل يخلفه الكفر على القولين ووافقتهم المرجئة والجهمية على أن الإيمان يزول كله بزوال شيء منه، وأنه لا يتبعض ولا يتفاضل فلا يزيد ولا ينقص وقالوا إن إيمان الفساق كإيمان الأنبياء والمؤمنين"١.
فهذه الشبهة هي التي أفسدت على هؤلاء قولهم، بل وعلى جميع المرجئة، كما قال شيخ الإسلام: "وإنما أوقع هؤلاء كلهم أي المرجئة بأقسامهم- ما أوقع الخوارج والمعتزلة في ظنهم أن الإيمان لا يتبعض بل إذا ذهب بعضه ذهب كلة، ومذهب أهل السنة والجماعة أنه يتبعض وأنه ينقص ولا يزول جميعه"٢.
وقال شيخ الإسلام: "وجماع شبهتهم في ذلك أن الحقيقة المركبة تزول بزوال بعض أجزائها كالعشرة فإنه إذا زال بعضها لم تبق عشرة، وكذلك الأجسام كالسكنجبين٣ إذا زال أحد جزئيه خرج عن كونه سكنجبين، قالوا فإذا كان الإيمان مركبًا من أقوال وأعمال ظاهرة وباطنة لزم زواله بزوال بعضها"٤.
_________________
(١) ١ شرح العقيدة الأصفهانية (ص ١٣٧، ١٣٨)، وانظر الفتاوى (٧/٤٠٤) . ٢ شرح العقيدة الأصفهانية (ص١٤٣، ١٤٤) . ٣ السكنجبين: شراب مركب من حامض وحلوا- معرب- فارسيته: سركا انكبين انظر المعجم الوسيط (١/٤٤٠) . ٤ الفتاوى (٧/٥١١) .
[ ٣٤٩ ]
والجواب عن هذه الشبهة من وجوه:
أحدها: أن الحقيقة الجامعة لأمور سواء كانت في الأعيان والأعراض. إذا زال بعض تلك الأمور فقد يزول سائرها وقد لا يزول، ولا يلزم من زوال بعض الأمور المجتمعة زوال سائرها، وسواء سميت مركبة أو مؤلفة أو غير ذلك، لا يلزم من زوال بعض الأجزاء زوال سائرها.
الثاني: أن ما مثلوا به من العشرة والسكنجبين مطابق لذلك، فإن الواحد من العشرة إذا زال لم يلزم زوال التسعة، بل قد تبقى التسعة، فإذا زال أحد جزئي المركب لا يلزم زوال الجزء الآخر، لكن أكثر ما يقولون زالت الهيئة الاجتماعية، وزال ذلك الاسم الذي استحقته الهيئة بذلك الاجتماع والتركيب كما يزول اسم العشرة والسكنجبين.
الثالث: أن كون الشيء المركب لم يبق على تركيبه بعد زوال شيء من أجزائه منه لا نزاع فيه بين العقلاء، ولا يدعي عاقل أن الإيمان أو الصلاة أو الحج أو غير ذلك من العبادات المتناولة لأمور والمشتملة على أجزاء أنه إذا زال بعضها
بقي ذلك المجتمع المركب كما كان قبل زوال بعضه، ولا يقول أحد أن الشجرة أو الدار إذا زال بعضها بقيت مجتمعة كما كانت، ولا أن الإنسان أو غيره من الحيوان إذا زال بعض أعضائه بقي مجموعًا، كما قال النبي ﷺ: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها
[ ٣٥٠ ]
من جدعاء" ١، فالمجتمعة الخلق بعد الجدع لا تبقى مجتمعة، ولكن لا يلزم زوال بقية الأجزاء، فدعواهم أنه إذا زال بعض المركب زال بعضه الآخر ليس بصواب، وإن كان يسلم لهم أنه ما بقي إلا بعضه لا كله، وأن الهيئة الاجتماعية ما بقيت كما كانت.
الرابع: أن المركبات في ذلك على وجهين:
أحدهما: ما يكون التركيب شرطًا في الإطلاق الاسم عليه.
ثانيهما: ما لا يكون التركيب شرطًا في إطلاق الاسم عليه.
ومثال الأول: السكنجبين والعشرة، فإن هذا النوع يزول عنه اسمه عند زوال بعض أجزائه منه، ولا يطلق الاسم إلا على الهيئة المركبة مجتمعة.
ومثال الثاني: جميع المركبات المتشابهة الأجزاء، وكذلك كثير من المختلفة الأجزاء فإن المكيلات والموزونات تسمى حنطة وهي بعد النقص حنطة، وكذلك التراب والماء.. ونحو ذلك.
وكذلك لفظ العبادة والطاعة والخير والحسنة والإحسان والصدقة والعلم نحو ذلك مما يدخل فيه أمور كثيرة يطلق الاسم على قليلها وكثيرها وعند زوال بعض الأجزاء وبقاء بعض الأجزاء، وكذلك لفظ القرآن فيقال على جميعه وعلى بعضه، ولو نزل قرآن أكثر من هذا لسمي قرآنًا، وكذلك لفظ الذكر والدعاء يقال للقليل والكثير وكذلك لفظ الجبل والنهر والبحر والدار والقرية ونحو ذلك يقال على الجملة المجتمعة، ثم
_________________
(١) ١ رواه البخاري (٢/ ٩٧)، ومسلم (٤/٢٠٤٧) .
[ ٣٥١ ]
ينقص كثير من أجزائها والاسم باق.
فإذا كانت المركبات على نوعين، بل غالبها من هذا النوع لم يصح قولهم، أنه إذا زال جزؤه لزم أن يزول الاسم.
الخامس: أن هذا القول مخالف لنصوص الوحي الدالة على أن للإيمان أجزاء وأبعاضًا.
مثل قوله ﷺ: "الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" ١ ومن المعلوم أنه إذا زالت الإماطة ونحوها لم يزل اسم الإيمان، ومثل قوله ﷺ: "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان"٢ فأخبر أنه يتبعض ويبقى بعضه، وأن ذاك من الإيمان، فعلم أن بعض الإيمان يزول ويبقى بعضه، وهذا ينقض مآخذهم الفاسدة.
السادس: أن ما يجب على العباد من شرائع وأحكام يختلف باختلاف حال نزول الوحي من السماء وبحال المكلف في البلاغ وعدمه، وهذا مما يتنوع به نفس التصديق، ويختلف حاله باختلاف القدرة والعجز وغير ذلك من أسباب الوجوب، وهذه يختلف بها العمل أيضًا. ومعلوم أن الواجب على كل من هؤلاء لا يماثل الواجب على الآخر. فإذا كان نفس ما وجب من الإيمان في الشريعة الواحدة يختلف ويتفاضل، وإن كان بين جميع هذه الأنواع قدر مشترك موجود في الجميع كالإقرار بالخالق،
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه (ص ٧١) . ٢ تقدم تخريجه (ص ٧٦) .
[ ٣٥٢ ]
وإخلاص الدين له والإقرار برسله واليوم الآخر على وجه الإجمال. فمن المعلوم أن بعض الناس إذا أتى ببعض ما
يجب عليه دون بعض كان قد تبعض ما أتى فيه من الإيمان، كتبعض سائر الواجبات.
لكن بقي أن يقال: إن هذا البعض الآخر الزائل إما أن يكون شرطًا في ذلك البعض وقد لا يكون شرطًا فيه، فالشرط كمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعضه، أو ببعض الرسل وكفر ببعضهم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ ١.
وقد يكون البعض المتروك ليس شرطًا في وجود الآخر ولا قبوله كفعل بعض الكبائر وترك بعض الواجبات فيما دون الكفر. وحينئذ فقد يجتمع في الإنسان إيمان ونفاق، وبعض شعب الإيمان وشعبة من شعب الكفر.
السابع: أن كون الإنسان قد يجتمع فيه إيمان ونفاق وإيمان وبعض شعب الكفر دلت عليه نصوص صحيحة صريحة.
كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية: ١٥٠.
[ ٣٥٣ ]
خاصم فجر" ١.
وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة نفاق" ٢.
وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" ٣.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت" ٤.
وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: "ليس من رجل ادعى إلى غير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعى ما ليس له فليس منا وليتبوأ مقعده من النار، ومن رمى رجلًا بالكفر أو قال يا عدو الله وليس كذلك إلا رجع عليه" ٥.
وغيرها من النصوص مما قد يطول ذكره.
الثامن: أن أجزاء الإيمان مختلفة متفاوتة، فمنها ما يزول الإيمان كلية بزوالها كفعل أمر كفري ناقض للإيمان، ومنها ما يزول كمال الإيمان الواجب بزولها كفعل كبيرة من الكبائر،
_________________
(١) ١ البخاري (الفتح ١/ ٨٩)، ومسلم (١/ ٧٩) . ٢ رواه مسلم (٣/ ١٥١٧) . ٣ تقدم تخريجه (ص ٩٨) . ٤ مسلم (١/ ٨٢) . وانظر إيضاحًا وبيانًا وافيًا لهذا الحديث في اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية (ص ٧٠) . ٥ البخاري (الفتح ٦/ ٥٣٩)، ومسلم (١/ ٧٩) .
[ ٣٥٤ ]
ومنها ما يزول كمال الإيمان المستحب بزوالها كترك إماطة الأذى عن الطريق.
مثل الصلاة فإن فيها أجزاء تنقص بزوالها عن كمال الاستحباب، وفيها أجزاء واجبة تنقض بزوالها عن الكمال الواجب مع الصحة في مذهب أبي حنيفة وأحمد ومالك، وفيها ماله أجزاء إذا زالت جبر نقصها بسجود السهو، وأمور ليست كذلك، فقد رأيت أجزاء الشيء تختلف أحكامها شرعًا وطبعًا.
التاسع: أن شعب الإيمان قد تتلازم عند القوة، ولا تتلازم عند الضعف فإذا قوي ما في القلب من التصديق والمعرفة والمحبة لله ورسوله أوجب بغض أعداء الله كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ ١، وقال: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمان وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ ٢.
وقد تحصل للرجل موادتهم لرحم أو حاجة فيكون ذنبا ينقص به إيمانه، ولا يكون به كافرًا، كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة، لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي ﷺ وأنزل الله فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سورة المائدة، الآية: ٨١. ٢ سورة المجادلة، الآية: ٢٢. ٣ سورة الممتحنة، الآية: ١.
[ ٣٥٥ ]
وكما حصل لسعد بن عبادة لما انتصر لابن أبي في قصة الإفك.
فقال لسعد بن معاذ: كذبت والله لا تقتله ولا تقدر على قتله، قالت عائشة وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا، ولكن احتملته الحمية١، ولهذه الشبهة سمى عمر حاطبًا منافقًا فقال: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق فقال: "إنه شهد بدرًا"٢ فكان عمر متأولًا في تسميته منافقًا للشبهة التي فعلها.
وكذلك قول أسيد بن حضير لسعد بن عبادة كذبت لعمر الله لنقتلنه، إنما أنت منافق، تجادل عن المنافقين٣ هو من هذا الباب، وكذلك قول من قال من الصحابة عن مالك بن الدخشم: منافق٤، وإن كان قال ذلك لما رأى فيه من نوع معاشرة ومودة للمنافقين.
ولهذا لم يكن المتهمون بالنفاق نوعًا واحدًا، بل فيهم المنافق المحض، وفيهم من فيه إيمان ونفاق، وفيهم من إيمانه غالب وفيه شعبة من النفاق.
وبهذا يعلم فساد شبهتهم وزعمهم أن الإيمان كل واحد لا يتجزأ إذا ذهب بعضه ذهب كله، وأنه كرقم عشرة إذا زال بعض أجزائه زال الاسم عنه، وأنه لا يجتمع في القلب إيمان ونفاق وإيمان وبعض شعب الكفر٥.
_________________
(١) ١ رواه البخاري (الفتح ٧/ ٤٣٣)، ومسلم (٤/٢١٣٤) . ٢ رواه البخاري (الفتح ٨/ ٦٣٣) . ٣ جزء من حديث الإفك المتقدم تخريجه. ٤ رواه البخاري (الفتح ١/ ٥١٩)، ومسلم (١/ ٤٥٦) . ٥ انظر الفتاوى لابن تيمية (٧/ ٥١٤- ٥٢٤) .
[ ٣٥٦ ]
ثم إنه مما تقدم تبين لنا أن قول الخوارج والمعتزلة في الإيمان هو أنه لا يزيد ولا ينقص، فإما أن يوجد كاملًا أو يذهب كاملًا للأصل الفاسد الذي سبق مناقشته.
ولذا فإنهم يتأولون النصوص الواردة المصرحة بزيادة الإيمان على أن المراد بالزيادة فيها زيادة الألطاف أو الأدلة أو الثواب أو غير ذلك من التأويلات.
ومن الأمثلة على هذا قول القاضي عبد الجبار المعتزلي عند قوله تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ ١:"والمراد عندنا بذلك أنه زادهم لطفًا وأدلة على جهة التأكيد لكي يكونوا إلى الثبات على الإيمان أقرب"٢.
وقوله أيضًا "فأما قوله تعالى من قبل: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً﴾ ٣ فقد بينا أنه لا ظاهر له، وأنه يتأول على زيادة الألطاف والأدلة والبيان، أو على الثواب العظيم"٤.
فمن هذين النقلين يظهر أن قولهم في الإيمان هو عدم قبوله للزيادة والنقصان، وما ورد من النصوص دالًا على ذلك متأول عندهم على الألطاف أو الأدلة أو الثواب أو غير ذلك.
فهذا هو قول الخوارج والمعتزلة في هذه المسألة كما هو ظاهر ولهذا لما ذكر القاضي أبو يعلى قول أهل السنة والجماعة في الإيمان وهو أنه يقبل الزيادة والنقصان قال: "وهو خلاف قول
_________________
(١) ١ سورة الكهف، الآية: ١٣. ٢ متشابه القران (ص ٤٧١) . ٣ سورة مريم، الآية: ٧٦. ٤ متشابه القرآن (ص ٤٨٧) .
[ ٣٥٧ ]
المعتزلة"١.
أما قول ابن حزم: "وذهب سائر الفقهاء وأصحاب الحديث والمعتزلة والشيعة وجميع الخوارج إلى أن الإيمان هو المعرفة بالقلب بالدين والإقرار به باللسان والعمل بالجوارح، وأن كل طاعة وعمل خير فرضًا كان أو نافلة فهي إيمان، وكلما ازداد الإنسان خيرًا زاد إيمانه، وكلما عصى نقص إيمانه"٢.
فغير محرر، لما تقدم.
نعم قد جاء في بعض كتب المعتزلة التصريح بزيادة الإيمان ونقصانه، كما في متشابه القرآن للقاضي عبد الجبار عند كلامه على قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ٣.
قال:"يدل على أشياء ومنها: أنه يدل على أن الإيمان يزيد وينقص على ما نقوله؛ لأنه إذا كان عبارة عن هذه الأمور التي يختلف التعبد فيها على المكلفين فيكون اللازم لبعضهم أكثر مما يلزم الغير، فتجب صحة الزيادة والنقصان، وإنما كان يمتنع ذلك لو كان الإيمان خصلة واحدة، وهو القول باللسان، أو اعتقادات مخصوصة بالقلب"٤.
وكما في كتابه المختصر في أصول الدين، قال: "فإن قال أفتقولون في الإيمان إنه يزيد وينقص؟
_________________
(١) ١ الإيمان (ص ٣٩٧) . ٢ الفصل (٣/٢٢٧) . ٣ سورة الأنفال، الآية: ٢. ٤ متشابه القرآن (ص ٣١٢) .
[ ٣٥٨ ]
قيل: نعم لأن الإيمان كل واجب يلزم المكلف القيام به، والواجب على بعض من المكلفين أكثر من الواجب على غيره، فهو يزيد وينقص من هذا الوجه"١.
فتصريحهم هذا بزيادة الإيمان ونقصانه على هذا المعنى لا يعد في الحقيقة قولًا بزيادة الإيمان ونقصانه. وإنما هو من جنس تأويلاتهم المتقدمة، لحملهم الزيادة والنقصان هنا على الأمور التي يختلف التعبد فيها على المكلفين بأن يكون لازمًا على بعض المكلفين من العبادات ما لا يكون لازمًا على غيره، فلا عبرة إذن بالتصريح إذا كان المخبر هو التأويل والتعطيل.
ثم إنا قد علمنا في مبحث أوجه زيادة الإيمان أن الإيمان عند أهل السنة يزيد من جهتين: من جهة أمر الرب، ومن جهة فعل العبد.
وكلام المعتزلة هنا الذي فيه التصريح بزيادة الإيمان هو من جهة أمر الرب، أما جهة فعل العبد فهي لا تقبل الزيادة والنقصان عندهم قطعًا لمناقضتها لأصلهم الفاسد الذي سبق ذكره ونقضه.
وسبق أن ذكرت عن أهل السنة والجماعة أن الإيمان عندهم يزيد من جهة الاعتقادات والأعمال ومن جهات أخرى عديدة، وهذا ما لا يقول به أحد من الفرق مطلقًا لا المعتزلة ولا غيرهم، فما وجد في بعض كتب الطوائف من تصريح بزيادة الإيمان ونقصانه، فهو محمول عندهم على منزلة مخصوصة ودرجة معينة، وبهذا تعلم أن جميع الطوائف مفارقة لأهل السنة والجماعة في مسألتنا هذه، حتى من صرح منهم بأنه يزيد وينقص.
_________________
(١) ١ المختصر في أصول الدين (ص ٣٨٤) من مجموع رسائل العدد والتوحيد.
[ ٣٥٩ ]
رابعًا- الأشاعرة والماتريدية:
لقد ذهب جمهور الأشاعرة وجميع الماتريدية إلى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، لشبه عقلية وأدلة نظرية يأتي ذكرها ونقضها في المبحث القادم، وذهب بعض الأشاعرة إلى أن الإيمان يزيد وينقص١.
قال الزبيدي: "وقال أبو حنيفة وأصحابه لا يزيد الإيمان ولا ينقص واختاره أبو منصور الماتريدي ومن الأشاعرة إمام الحرمين وجمع كثير"٢.
وقال ابن أبي شريف الحنفي: "وهذا القول- أي أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص- اختاره من الأشاعرة أمام الحرمين وجمع كثير، وذهب عامتهم أي أكثر الأشاعرة إلى زيادته ونقصانه"٣.
وقال الفرهاري: "مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀ والمتكلمين من أهل السنة أنه لا يزيد ولا ينقص"٤.
وقال البزدوي: "الإيمان لا يزيد ولا ينقص عند أهل السنة
_________________
(١) ١ انظر شرح مسلم للنووي (١/١٤٨)، وفتح الباري لابن حجر (١/ ٤٦)، وعمدة القاري للعيني (١/ ١٣٦) وتحفة القاري "للكاندهلري" (ص٤٤) مجموع "شروح البخاري" (١/ ١١٢)، النبراس شرح العقائد (ص ٤٠٢)، المسامرة شرح المسايرة (ص ٣٦٧)،) أصول الدين للبغدادي (ص ٢٥٢)، وأصول الدين للبزدوي (ص ١٥٣)، والاقتصاد للغزالي (ص ٢٠٨)، والمواقف للإيجي (ص ٣٨٨)، والإنصاف للباقلاني (ص ٨٦)، والإرشاد للجويني (ص ٣٣٥) وغيرها. ٢ إتحاف السادة المتقين (٢/٢٥٦) . ٣ المسامرة (ص ٣٦٧) . ٤ النبراس شرح العقائد (ص ٤٠٢) .
[ ٣٦٠ ]
والجماعة، وقال أصحاب الحديث والشافعي إنه يزيد وينقص"١.
فالماتريدية لهم قول واحد في المسألة وهو أن الإيمان غير قابل للزيادة والنقصان، وأما الأشاعرة فلهم في المسألة قولان: فجمهورهم على أنه لا يقبل الزيادة والنقصان، وذهب بعضهم إلى أنه يقبلهما، وقد علمت أن الأشاعرة يعرفون الإيمان بأنه التصديق وحده، فلا يدخل فيه القول والعمل، فبحثهم هنا هو في التصديق هل يقبل الزيادة والنقصان أو لا؟
فالذين قالوا لا يزيد ولا ينقص فبناء على أن الإيمان هو التصديق اليقيني الغير قابل للتفاوت، فإن نقص فنقصه شك وكفر، ولشبه أخرى تأتي إن شاء الله مع الرد عليها.
ومن قال منهم يزيد وينقص فللقطع بأن تصديق أحاد الأمة ليس كتصديق النبي ﷺ، واختاره النووي وعزاه التفتازاني في شرح العقائد لبعض المحققين وقال في المواقف إنه الحق٢.
قلت: وهو الحق الذي لا ريب فيه، وانظر الأدلة على ذلك المبطلة لقول من قال بخلافه في مبحث أوجه زيادة الإيمان ونقصانه المتقدم، لكن يبقى هؤلاء الأشاعرة مخالفين لأهل السنة والجماعة في دخول القول والعمل في مسمى الإيمان.
ثم قبل أن أختم هذا المبحث أود أن أقف وقفة لا بد منها مع قول
_________________
(١) ١ أصول الدين (ص ١٥٣) . ٢ انظر شرح مسلم للنووي (١/ ١٤٢) وشرح العقائد النسفية للتفتازاني (ص ١٢٦) والمواقف للأيجي (ص ٣٨٨) وانظر إرشاد الساري للقسطلاني (١/١١٢) ضمن مجموع شروح البخاري.
[ ٣٦١ ]
البزدوي المتقدم: "الإيمان لا يزيد ولا ينقص عند أهل السنة والجماعة، وقال أصحاب الحديث والشافعي إنه يزيد وينقص"، فإن فيه من الغلط ما يقتضي الوقوف عنده والتنبيه عليه لزومًا.
فإنه كما ترى جعل أهل الحديث قسيمًا لأهل السنة والجماعة وليسوا هم، وأن أهل السنة والجماعة إنما هم جماعته المتكلمون من أشاعرة وماتريدية، وكم في هذا الكلام من الغلط والجور على أئمة الدين وعلماء السلف الأولين، ومن الإجحاف حقًا وهضم الحقوق أن ينتزع هذا الاسم من أهله الذين هم أحق به وهم أهل الحديث، ويعطى لغيرهم ممن ليس لهم فيه حق.
وهذه دعوى عريضة يدعيها دومًا أهل البدع والأهواء على حد قول القائل:
وكل يدعي وصلًا لليلى وليلى لا تقر لهم بذاك
ومن هذا القبيل قول يوسف عبد الرزاق أحد علماء الأزهر في تحقيقه لكتاب إشارات المرام من عبارات الإمام بتقديم الكوثري: "إذا أطلق أهل السنة والجماعة فالمراد بهم الأشاعرة والماتريدية"١.
وكذلك من جنسه زعم الصابوني المعاصر في مقاله المنشور في
_________________
(١) ١ حاشية إشارات المرام (ص ٢٩٨) ومن هذا القبيل أيضًا تسمية بعض هؤلاء مؤلفاتهم في العقيدة بـ "عقيدة أهل السنة والجماعة" ونحو ذلك، ككتاب الماتريدي "تأويلات أهل السنة"، وكتاب الجكني الشنقيطي "إضاء الدجنة في عقيدة أهل السنة"، وكتاب محمد بن درويش البيروتي "رسائل في بيان عقائد أهل السنة والجماعة" وغيرها كثير.
[ ٣٦٢ ]
مجلة المجتمع أن الأشاعرة هم أهل السنة والجماعة١.
قلت: ولا ريب أن قولهم وادعاءهم هذا باطل غير صحيح، فإن الأشاعرة والماتريدية لا يصح إطلاق هذا اللقب الجليل عليهم فضلًا عن أن يكونوا أهله المختصين به.
فإن المراد بالسنة الطريقة المحمدية التي كان عليها رسول الله ﷺ وأصحابه الكرام وتابعوهم بإحسان قبل ظهور البدع وفشوها، فمن تأثر بشيء من الأهواء واستمسك بها لم يصح إطلاق هذا الوصف الجليل عليه.
فإنه لما أخبر النبي ﷺ أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقه كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة، وفي حديث آخر أنه قال: "هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي"٢ صار المتمسكون بالإسلام الخالص من الشوائب والأهواء هم أهل السنة والجماعة ومن سواهم أهل البدعة والضلالة.
قال شيخ الإسلام: "وأئمة السنة ليسوا مثل أئمة البدعة، فإن أئمة السنة تضاف السنة إليهم لأنهم مظاهر بهم ظهرت، وأئمة البدعة تضاف
_________________
(١) ١ انظر ما كتبه الشيخ سفر الحوالي ردًا عليه في رسالته "منهج الأشاعرة في العقيدة" فقد أحسن فيها وأجاد وأفاد وفقه الله. ٢ أخرجه الترمذي (٥/٢٦)، والآجري في الشريعة (ص ١٦)، واللالكائي في شرح لاعتقاد (١/ ١٠٠)، والمروزي في السنة (ص ١٨) وغيرهم، وانظر في الكلام عن هذا الحديث مقال الشيخ عبد الكريم مراد بعنوان حديث تفترق الأمة في مجلة الجامعة الإسلامية عدد ٥٩، ص ٤٧، وانظر رسالة الشيخ سليم الهلالي نصح الأمة في فهم أحاديث افتراق هذه الأمة.
[ ٣٦٣ ]
إليهم لأنهم مصادر عنهم صدرت.."١.
وبهذا يعلم أن الأشاعرة والماتريدية ليسوا من أهل السنة والجماعة، كيف ومذاهبهم مخالفة لأهل السنة والجماعة في أمور كثيرة خطيرة، فهم مخالفون لأهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات وفي الإيمان وفي القدر وغير ذلك من كبار مسائل الاعتقاد، وإنما هم يعدون من مبتدعة أهل القبلة ومن محدثة المسلمين، وعندهم من الخير والموافقة لأهل السنة والجماعة في بعض المسائل ما كانوا به أقرب من غيرهم ممن توغل في الإحداث والابتداع كالجهمية والمعتزلة وغيرهم٢ هدانا الله وإياهم وجميع المسلمين إلى الحق بإذنه إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
ثم إن هذه المسألة على الخصوص جرى فيها مناظرة بين شيخ الإسلام ابن تيمية وبين خصومه الأشاعرة، حيث أنكروا عليه قوله في العقيدة الواسطية: "ومن أصول الفرقة الناجية: أن الإيمان والدين قول وعمل يزيد وينقص قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح".
قالوا: فإذا قيل إن هذا من أصول الفرقة الناجية، خرج عن الفرقة الناجية من لم يقل بذلك مثل أصحابنا المتكلمين الذين يقولون إن الإيمان هو التصديق، ومن يقول الإيمان هو التصديق والإقرار، وإذا لم يكونوا من الناجين لزم أن يكونوا هالكين.
_________________
(١) ١ درء التعارض (٥/ ٥، ٦) . ٢ انظر الفتاوى لابن تيمية (١٢/ ١٣٤) ورسالة الشيخ سفر الحوالي المشار إليها آنفًا كاملة.
[ ٣٦٤ ]
فأجابهم ﵀ بقوله: "إن قولي اعتقاد الفرقة الناجية هي الفرقة التي وصفها النبي ﷺ بالنجاة، حيث قال: "تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي".
فهذا الاعتقاد: هو المأثور عن النبي ﷺ، وأصحابه ﵃، وهم ومن اتبعهم الفرقة الناجية، فإنه قد ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه قال: الإيمان يزيد وينقص، وكل ما ذكرته في ذلك فإنه مأثور عن الصحابة بالأسانيد الثابتة لفظه ومعناه، وإذا خالفهم من بعدهم لم يضر في ذلك.
ثم قلت لهم: وليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكًا، فإن المنازع قد يكون مجتهدًا مخطئًا يغفر الله خطأه، وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة، وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته، وإذا كانت ألفاظ الوعيد المتناولة له لا يجب أن يدخل فيها المتأول والقانت وذو الحسنات الماحية، والمغفور له وغير ذلك فهذا أولى، بل موجب هذا الكلام أن من اعتقد ذلك نجا في هذا الاعتقاد، ومن اعتقد ضده فقد يكون ناجيًا، وقد لا يكون ناجيًا، كما يقال من صمت نجا"١.
قلت: وفي كلام شيخ الإسلام هذا أبلغ جواب لما قد يستشكله الكثير في مسألة إخراج الأشاعرة أو غيرهم من أهل البدع من الفرقة الناجية ومن أهل السنة والجماعة، وأن ذلك يلزم منه أن يكونوا من أهل النار حتما ومن الهالكين يقينًا.
_________________
(١) ١ الفتاوى (٣/ ١٧٩) .
[ ٣٦٥ ]
ولا تلازم بين الأمرين على ما بينه شيخ الإسلام هنا، إذ النص المتقدم ونحوه من نصوص الوعيد لا يدخل فيها من لم تبلغه الحجة ولم يتبين له السبيل مع إرادته للحق وتحريه له، وقد يكون معه حسنات ماحية أو يكون متأولًا أو يكون جاهلًا معذورًا أو نحو ذلك من الأعذار وعلى كل فحكمهم في الدنيا أنهم من أهل البدع والأهواء، وأما يوم القيامة فمرجعهم إلى الله يحكم فيهم بمقتضى عدله وحكمته، ولا يظلم ربك أحدا.
ثم يقال لمعشر الأشاعرة على الخصوص، أمالكم أسوة بإمامكم وشيخكم ومؤسس مذهبكم، ومن تدعون أنكم أتباعه وعلى طريقته، فقد أبان الله له الجادة، وهداه إلى الحق، وترك ما أنتم عليه الآن إلى مذهب أهل السنة والجماعة، وصرح بذلك وأنه بما قال به إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل قائل، فدونكم إن شئتم كتبه الثلاثة الأخيرة لتروا فيها رجوعه إلى الحق وتمسكه به١.
قال ﵀ وغفر له في كتابه الإبانة: "فإن قال لنا قائل قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحلولية والرافضة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون.
قيل له: قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها التمسك بكتاب ربنا ﷿ وسنة نبينا ﷺ وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون ولمن
_________________
(١) ١ قال ابن القيم في نونيته (ص ٦٩): وكذا علي الأشعري فإنه في كتبه قد جاء بالتبيان من موجز وإبانة ومقالة ورسائل للثغر ذات بيان
[ ٣٦٦ ]
خالف قوله مجانبون لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق ودفع به الضلال وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم وجليل معظم وكبير مفخم، وعلى جميع أئمة المسلمين"١.
فيقال للأشاعرة هذا إمامكم المقدم وشيخكم المبجل يسجل لكم رجوعه إلى الحق وتمسكه به في ورق مسطر وكلام محرر، فهلا بكلام إمامكم اقتديتم وبما هدي إليه اهتديتم.
ثم أني أسوق لكم قوله الأخير في مسألتنا التي هي محل بحثنا -زيادة الإيمان ونقصانه- حيث نص ﵀ أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص وحكى إجماع السلف على ذلك.
فإليكم أقواله التي عليها نور الحق وقوة البرهان من كتبه الثلاثة التي ألفها آخر حياته ولقي عليها ربه وهي: الإبانة عن أصول الديانة، ورسالة إلى أهل الثغر، ومقالات الإسلاميين، لتكون لكم دليلًا ونبراسًا يهديكم إلى السبيل.
قال ﵀ في كتابه الإبانة: "وجملة قولنا وأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ونسلم الروايات الصحيحة في ذلك عن رسول الله ﷺ التي رواها الثقات عدل عن عدل حتى تنتهي الرواية إلى رسول الله ﷺ"٢.
وقال في رسالته إلى أهل الثغر: "وأجمعوا على أن الإيمان يزيد
_________________
(١) ١ الإبانة (ص ٥٢) والأشعري هنا إنما نسب مذهب السلف للإمام أحمد ﵀ لاشتهاره بذلك وإلا فسائر أئمة الدين سلكوا المسلك نفسه بلا إفراط ولا تفريط وانظر لوامع الأنوار للسفاريني (١/ ٢٢) . ٢ الإبانة (ص ٥٩) .
[ ٣٦٧ ]
بالطاعة وينقص بالمعصية، وليس نقصانه عندنا شك فيما أمرنا بالتصديق به ولا جهل به؛ لأن ذلك كفر، وإنما هو نقصان في مرتبة العلم، وزيادة البيان كما يختلف وزن طاعتنا وطاعة النبي ﷺ وإن كنا جميعا مؤدين للواجب علينا"١.
قلت: وقول أبي الحسن: " وإن كنا جميعا مؤدين للواجب علينا"متعقب بأن القائم بطاعة الله قد يكون قيامه بها تامًا كاملًا حينًا وقد يكون ناقصًا ضعيفًا مخلًا ببعض الواجبات حينًا آخر فلا يقال لهذا الأخير أنه أدى الواجب عليه من الإيمان وإنما يكون إيمانه ناقصًا بحسب ما قد ترك من واجبات الدين.
وقال في كتابه مقالات الإسلاميين: "جملة ما عليه أهل الحديث والسنة.. فذكر أمورًا ثم قال: ويقرون بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص..إلى أن قال: فهذه جملة ما يأمرون به ويستعملونه ويرونه، وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله وهو حسبنا ونعم الوكيل، وبه نستعين وعليه نتوكل وإليه المصير"٢.
وبهذه النقول الجميلة والأقوال الجليلة نعلم أن أبا الحسن الأشعري صار سنيًا سلفيًا بعد أن كان من أهل الأهواء، وإلا فما الذي صار إليه إن لم يكن ما تركه هوى وابتداعًا٣.
_________________
(١) ١ رسالة إلى أهل الثغر (ص ٢٧٢) . ٢ مقالات الإسلاميين (ص ٢٩٠- ٢٩٧) . ٣ انظر ما ذكره ابن كنير في كتابه طبقات الشافعية في ترجمة أبي الحسن الأشعري أنه تقلب في ثلاثة أطوار: الاعتزال ثم الكلابية ثم عقيدة أهل السنة، وانظر إتحاف السادة المتقين (٢/ ٤) وانظر الفتاوى لابن تيمية (٣/ ٢٢٨) .
[ ٣٦٨ ]
وبه نعلم أيضًا أن من قال من الأشاعرة بكتاب الإبانة وكتاب رسالة إلى أهل الثغر وكتاب مقالات الإسلاميين يعد من أهل السنة والجماعة على دخل في بعض المواضع من تلك الكتب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وأما من قال منهم بكتاب الإبانة الذي صنفه الأشعري في آخر عمره ولم يظهر مقالة تناقض ذلك، فهذا يعد من أهل السنة، لكن مجرد الانتساب إلى الأشعري بدعة، لاسيما وأنه بذلك يوهم حسنًا بكل من انتسب هذه النسبة، وينفتح بذلك أبواب شر"١.
وأما من لم يقل منهم بذلك فهو باق على الهوى الذي تركه إمامه ورجع عنه، وكان الواجب على هذا المقلد أن يتابع إمامه في رجوعه إن كان قلده دينه حقًا. أما أن يتابعه في الباطل دون الحق فهذا هوى بلا ريب.
قال الشيخ محمد العثيمين حفظه الله: "وعلى هذا فتمام تقليده إتباع ما كان عليه أخيرًا وهو التزام مذهب أهل الحديث والسنة لأنه المذهب الصحيح الواجب الإتباع الذي التزم به أبو الحسن نفسه"٢.
لكن الواقع أن الأشاعرة لا لإمامهم اتبعوا ولا للحق هدوا، والله المستعان، والهادي إلى سواء السبيل.
بقي أن أشير في ختام هذا المبحث إلى أن هناك قولًا آخر في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه غير الأقوال المتقدمة، ينسب للخطابي ﵀
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى (٦/ ٣٥٩، ٣٦٠)، وانظر الصفات الإلهية للشيخ محمد أمان (ص ١٧١) . ٢ القواعد المثلى (ص ٨٥) .
[ ٣٦٩ ]
وهو أنه قال: "الإيمان الكامل ثلاثة أمور: قول وهو لا يزيد ولا ينقص، وعمل وهو يزيد وينقص؟ واعتقاد وهو يزيد ولا ينقص وإن نقص ذهب"١.
وكون القول لا يزيد ولا ينقص ظاهر لأن المراد به النطق بالشهادتين باللسان وهذه لا تزيد ولا تنقص، ٢ وكون العمل يزيد وينقص ظاهر، وكون الاعتقاد يزيد ولا ينقص، متعقب على ما سيأتي تفصيله في الرد على من قال بعدم نقصان التصديق، ولهذا تُعقب بأنه إذا زاد ثم عاد إلى ما كان فقد نقص ولم يذهب٣.
_________________
(١) ١ ذكره الباجوري في تحفة المريد على جوهرة التوحيد (ص٣٣)، والألوسي في تفسيره (٢٦/٩٣)، ولم أقف عليه فيما أطلعت عليه من مؤلفات الخطابي. ٢ انظر الفتاوى لابن تيمية (٧/ ٢٥٩) . ٣ روح المعاني للألوسي (٢٦/ ٩٣) .
[ ٣٧٠ ]
المبحث الثاني: في ذكر أدلتهم وشبههم وبيان بطلانها
لقد تعلق أهل هذا القول بشبه نظرية وحجج عقلية، احتكموا إليها في هذه المسألة وردوا النزاع إليها، وهي في الحقيقة حجج إذا تدبرها العاقل بحق وجدها دعاوى لا تقوم على دليل، وحججًا لا تعتمد على برهان، وإنما تعتمد أولًا وآخرًا على رأيهم القاصر، وعلى ما تأولوه بفهمهم للغة العرب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وهذه طريقة أهل البدع، ولهذا كان الإمام أحمد يقول أكثر ما يخطيء الناس من جهة التأويل والقياس. ولهذا تجد المعتزلة والمرجئة والرافضة وغيرهم من أهل البدع يفسرون القرآن برأيهم وما تأولوه من اللغة، ولهذا تجدهم لا يعتمدون على أحاديث النبي ﷺ والصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، فلا يعتمدون على السنة ولا على إجماع السلف وآثارهم، وإنما يعتمدون على العقل واللغة، وتجدهم لا يعتمدون على كتب التفسير المأثورة والحديث وآثار السلف، وإنما يعتمدون على كتب الأدب وكتب الكلام التي وضعتها رؤوسهم"١.
قلت: ومن يتأمل كلام شيخ الإسلام السالف يجد أنه ﵀ يحكي ترجمة حرفية لواقع أهل البدع في مجال الحجج والبراهين،
_________________
(١) ١ الفتاوى (٧/ ١١٨، ١١٩) .
[ ٣٧١ ]
ويكشف حال هؤلاء كشفًا دقيقاُ، وهو واقع يشمل عامة أهل البدع بدون استثناء؛ لأن من جاء بباطل فليس في القرآن أو السنة ما يدل على باطله أو يؤيده، إذًا فلا حجة له إلا رأيه السقيم وفهمه القاصر للغة.
وجميع ما وقفت عليه من حجج لهؤلاء في هذه المسألة لا يخرج عما ذكره شيخ الإسلام﵀- غير أن بعضهم تكايس فأضاف في الاستدلال بعض ما وقف عليه من أحاديث موضوعة ترفع إلى النبي ﷺ كذبًا وزورًا.
أما كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ الصحيحة فلا حجة لهم فيهما؛ لأنهما يدلان صراحة على زيادة الإيمان ونقصانه، فهم على هذا بين خيارين:
إما أن يدعوا قولهم ويتركوا رأيهم إتباعًا لما جاء في الكتاب والسنة، فيصيبوا الحق بهذا ويوافقوه، أو أن يعتمدوا على عقولهم ويستمسكوا برأيهم، فيفارقوا الحق ويجانبوه، ويكون بعدهم عن الحق بقدر بعدهم عما جاء في الكتاب والسنة.
وبهذا تعتبر في قلة أخطاء السلف الصالح وكثرة موافقتهم للحق والصواب في مسائل الشرع والدين، وكثرة أخطاء من بعدهم ممن لم يكن على نهجهم، لاعتصام السلف بالكتاب والسنة وتمسكهم بهما، ولاعتماد الخلف على العقول الكاسدة والآراء الفاسدة ولجوئهم إليها، وشتان بين الفريقين.
وبعد هذا التمهيد الذي لا بد منه، أعرض هم شبه هؤلاء وأبرز دلائلهم في هذه المسألة، ثم أتبع كل شبهة بما يبين بطلانها ويكشف زيفها، مستمدًا العون والتوفيق من الله وحده.
[ ٣٧٢ ]
الشبهة الأولى:
وهي عمدة جميع من قال بهذا القول من مرجئة وخوارج ومعتزلة وغيرهم، وهي: قولهم إن الإيمان كلٌ واحدٌ لا يتجزأ إذا ذهب بعضه ذهب كله، وعليه فهو لا يزيد ولا ينقص.
إلا إن الفرق بين الخوارج والمعتزلة وبين المرجئة مع اتفاق الجميع على القول بهذه الشبهة، هو أن الخوارج والمعتزلة قالوا إن فعل الواجبات وترك المحرمات من الإيمان، فإذا ذهب بعض ذلك ذهب الإيمان كله، فلا يكون مع الفاسق إيمان أصلًا بحال، ويكون يوم القيامة مخلدًا في النار.
وأما المرجئة، فقالوا: إنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد، ثم ظنوا أن هذا لا يكون إلا مع وجود كمال الإيمان، لاعتقادهم أن الإيمان لا يتبعض، فقالوا كل فاسق فهو كامل الإيمان، وإيمان الخلق متماثل لا متفاضل وإنما التفاضل في غير الإيمان من الأعمال١.
قلت: وقد سبق ذكر هذه الشبهة عند حكاية قول المعتزلة والخوارج، لاقتضاء المقام ذلك، وقد ذكر هنا أوجه عديدة وردود سديدة تكشف زيف هذه الشبهة وتبين بطلانها٢ وفيه كفاية إن شاء الله.
الشبهة الثانية:
قولهم إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص لأنه التصديق القلبي الذي بلغ حد الجزم والإذعان، وهذا لا يتصور فيه زيادة ولا نقصان حتى إن من
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى (١٨/ ٢٧٠) . ٢ انظر (ص ٣٤٨ وما بعدها) .
[ ٣٧٣ ]
حصل له حقيقة التصديق فسواء أتى بالطاعات وارتكب المعاصي فتصديقه باق على حاله لا تغيير فيه أصلًا١.
والجواب عن هذه الشبهة من وجوه:
أحدها: جعلهم الإيمان الشرعي هو التصديق القلبي فقط والعمل خارج عن مسماه قول باطل، وقد تقدم الكلام في بيان بطلانه ونقضه من خلال اللغة والشرع في صدر هذه الرسالة
ثانيها: لو فرض أن الإيمان هو التصديق وحده، فإنه يكون تصديقًا مخصوصًا، بمعنى أنه يشمل تصديق القلب واللسان والجوارح، إذ إن أفعال الجوارح تسمى تصديقًا كما دل على ذلك الشرع، فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال قال: رسول الله ﷺ: "كتب على ابن ادم نصيبه من الزنى مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج ويكذبه" ٢.
وجاء عن الحسن البصري ﵀ أنه قال: "ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقته الأعمال"٣.
_________________
(١) ١ انظر شرح العقائد النسفية (ص ١٢٥)، والمسامرة شرح المسايرة (ص ٣٦٩)، والنبراس شرح العقائد (ص ٤٠٢) . ٢ البخاري (١١/ ٣٦ فتح)، ومسلم (٤/ ٢٠٤٧)، واللفظ له. ٣ رواه ابن أبي شيبة في الإيمان (ص ٣١) .
[ ٣٧٤ ]
فالعمل يصدق أن في القلب إيمانًا، وإذا لم يكن عمل كذب أن في قلبه إيمانًا؛ لأن ما في القلب مستلزم للعمل الظاهر، وانتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم وقد ذكر شيخ الإسلام أنه قال بهذا القول أي: أن أفعال الجوارح تسمى تصديقًا أهل اللغة وطوائف من السلف والخلف، وأطال في شرح ذلك وبيانه١.
قال شيخ الإسلام: "واعلم أن الإيمان وإن قيل هو التصديق، فالقلب يصدق بالحق، والقول يصدق في القلب، والعمل يصدق القول "٢.
فإذا علم هذا، وعلم معه أنه لا خلاف بين أهل السنة والمرجئة في أن الأعمال تتفاضل وتزيد وتنقص، تبين من ذلك وجه هذا الرد ووجا هته.
ثالثها: قولهم: "وهذا لا يتصور فيه زيادة ولا نقصان"غير صحيح، بل باطل؛ لأن الزيادة والنقصان فيه متصورة عقلًا ثابتة شرعًا واقعة عرفًا؛ لأن كل مصدق بشيء يجد في نفسه تفاوتًا في التصديق من وقت لآخر بحسب تعدد الأدلة وقوة البراهين، وقد سبق الكلام على هذا والاحتجاج له في مبحث أوجه زيادة الإيمان ونقصانه وبين هناك أن الإيمان يزيد وينقص عند أهل السنة والجماعة من جهة التصديق، وذكر ما يدل على ذلك من نصوص الشرع ومن أقوال أهل العلم.
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى (٧/ ٢٩٣ وما بعدها)، وانظر شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٤٧٨) . ٢ الصارم المسلول (ص ٥٢٤) .
[ ٣٧٥ ]
رابعها: أن محققي هؤلاء تعقبوا هذا القول، ونبهوا على غلطه وذلك للقطع عندهم بأن تصديق آحاد الأمة ليس كتصديق النبي ﷺ أو كتصديق جبريل ﵇ أو كتصديق الخلفاء الأربعة ﵃، وقد اختار هذا القول النووي١، وعزاه التفتازاني لبعض المحققين٢، وقال الإيجي في المواقف إنه الحق وذكر أن ذلك يتبين من وجهين:
الأول: القوة والضعف وعدم القول بالتفاوت يقتضي أن يكون إيمان النبي وآحاد الأمة سواء، وهذا باطل إجماعًا.
الثاني: التصديق التفصيلي في أفراد ما علم مجيئه به جزء من الإيمان يثاب عليه ثوابه على تصديقه بالإجمال، والنصوص دالة على قبوله لهما٣.
خامسها: أن يقال ما المانع من تفاوت التصديق وقبوله للزيادة والنقصان كما هو الشأن في تفاوت الناس في الأمور الأخرى غير التصديق، وقد نطر أهل العلم له بقوة البصر وضعفه، ولا شك أن البصراء يختلفون في قوة البصر وضعفه فمنهم الأخفش والأعشى ومن يرى الخط الثخين دون الرفيع إلا بزجاجة ونحوها، ومن يرى عن قرب زائد على العادة وآخر بضده٤.
_________________
(١) ١ انظر شرح مسلم للنووي (١/ ١٤٢) . ٢ انظر شرح العقائد النسفية (ص ١٢٦) . ٣ انظر المواقف في علم الكلام (ص ٣٨٨) . ٤ انظر شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (٢/٤٦٣) .
[ ٣٧٦ ]
ومثل هذا التفاوت في الإبصار بين الناس التفاوت في التصديق بينهم، بل إن تفاوتهم في التصديق أعظم من تفاوتهم في أي شيء آخر١.
سادسها: أن يقال لو لم تتفاوت حقيقة الإيمان لكان إيمان آحاد الأمة بل المنهمكين في الفسق والمعاصي مساويًا لإيمان الأنبياء والملائكة ﵈. واللازم باطل فكذا الملزوم، رقد تقدمت الإشارة إلى هذا القول عند ذكر قول محققي هؤلاء في هذه المسألة٢.
سابعها: أن يقال إن تفاوت التصديق في القلوب أمر يعلمه كل إنسان من نفسه فكل أحد يعلم أن ما قام في قلبه من التصديق واليقين في حين أقوى منه في بعض الأحيان، ومن ثم كان إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريهم الشبه ولا يتزلزل إيمانهم بعارض بل لا تزال قلوبهم منشرحة مستنيرة وإن اختلفت عليهم الأحوال، وأما غيرهم من المؤلفة وما قاربهم ونحوهم فليسوا كذلك مما لا يمكن إنكاره، ولا يتشكك عاقل في أن نفس تصديق أبي بكر الصديق ﵁ لا يساويه تصديق آحاد الناس٣.
وفي هذه الأوجه كفاية، وليطالع معها ما سبق ذكره في مبحث أوجه زيادة الإيمان ونقصانه من تدليل ونقول عن السلف في ذلك.
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى (٧/ ٥٦٩) . ٢ وانظر روح المعاني للألوسي (٩/ ١٦٥) . ٣ انظر شرح صحيح البخاري للنووي (١/ ١١٢) ضمن مجموع شروح البخاري.
[ ٣٧٧ ]
الشبهة الثالثة:
قولهم إن الزيادة والنقصان لا يدخلان إلا في شيء مخلوق، فمن قال إن الإيمان يزيد ويقص فالإيمان إذًا عنده مخلوق١.
والجواب عن هذه الشبهة أن يقال: سبق بيان أن الإيمان عند أهل السنة والجماعة يتفاضل من جهتين من جهة أمر الرب ومن جهة فعل العبد، وسبق التدليل على ذلك٢. ولم يقل أحد ممن يعتد بكلامه أو يعتبر بقوله إنه يلزم من إثبات الزيادة والنقصان أن يكون الإيمان مخلوقًا ولم يقل أحد إنه يلزم من ذلك أن يكون غير مخلوق، وإنما طرح هذا من ابتلي ببعض الأهواء وأشرب ببعض البدع، ومن السؤالات التي طرحها أهل البدع قديمًا على السنة والجماعة قولهم هل الإيمان مخلوق أو غير مخلوق؟
وأشفى جواب في ذلك وأوفاه هو ما نقل عن الإمام أحمد ﵀ أنه سئل عن ذلك فأجاب بقوله: "أما ما كان من مسموع فهو غير مخلوق، وأما كان من عمل الجوارح فهو مخلوق"٣.
فبالتفصيل يستبين السبيل، فإن الإيمان يقصد به أمران: أمر الرب وفعل العبد، فما كان منه من أمر الرب فهو غير مخلوق بل صفة من صفات الخالق اللائقة بجلاله وكماله سبحانه، وأما ما كان منه من فعل العبد كالحركات فهو مخلوق.
_________________
(١) ١ انظر السواد الأعظم لابن الحكيم السمرقندي (ص ٣٣) . ٢ وانظر الفتاوى لابن تيمية (١٣/٥١ وما بعدها) . ٣ طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (١/٩٤) ولوامع الأنوار البهية للسفاريني (١/٤٤٦) .
[ ٣٧٨ ]
قال شيخ الإسلام: "وإذا قال الإيمان مخلوق أو غير مخلوق؟ قيل له: ما تريد بالإيمان؟ أتريد به شيئًا من صفات الله وكلامه كقوله: "لا إله إلا الله"وإيمانه الذي دل عليه اسمه المؤمن، فهو غير مخلوق، أو تريد شيئًا من أفعال العباد وصفاتهم فالعباد كلهم مخلوقون وجميع أفعالهم وصفاتهم مخلوقة ولا يكون للعبد المحدث المخلوق صفة قديمة غير مخلوقة ولا يقول هذا من يتصور ما يقول، فإذا حصل الاستفسار: والتفصيل ظهر الهدى وبان السبيل"١.
وقال الذهبي: "لا يجوز أن يقال الإيمان والإقرار والقراءة والتلفظ بالقران غير مخلوق فإن الله خلق العباد وأعمالهم والإيمان قول وعمل والقراءة والتلفظ من كسب القاريء، والمقروء الملفوظ هو كلام الله ووحيه وتنزيله وهو غير مخلوق، وكذلك كلمة الإيمان وهي قول لا إله إلا الله محمد رسول الله داخلة في القرآن وما كان من القرآن فليس بمخلوق، والتكلم بها من فعلنا وأفعالنا مخلوقة"٢.
وعليه عن قال إن الإيمان مخلوق أر قال غير مخلوق فهو مبتدع في كلا الحالين، إلا أن يفصل القول، ويعطي كل ذي حق حقه.
ولهذا قال الإمام أحمد ﵀: "من قال الإيمان مخلوق فهو كافر ومن قال قديم فهو مبتدع".
قال الحافظ عبد الغني المقدسي ﵀ موضحًا هذا القول: "وإنما كفر من قال بخلقه؛ لأن الصلاة من الإيمان، وهي تشتمل على
_________________
(١) ١ الفتاوى (٧/ ٦٦٤) . ٢ السير (١٤/ ٣٩، ٤٠)، وانظر السير أيضًا (١٢/ ٦٣٠) .
[ ٣٧٩ ]
قراءة وتسبيح وذكر الله عز وجل١ ومن قال بخلق ذلك كفر، وتشتمل على قيام وقعود وحركة وسكون، ومن قال بقدم ذلك ابتدع"ئ٢.
قلت: وبهذا البيان والتفصيل تزول شبهة هذا الملبس والله المستعان.
الشبهة الرابعة:
قولهم إن الإيمان إنما يزيد بغلبته على ضده وينقص بغلبة ضده عليه، قالوا والإيمان لا يحصل إلا بعد الغلبة على الكفر فلا يضامه حتى يقال إنه يغلب عليه٣.
قلت: وهذه الشبهة مبنية على أن الإيمان عندهم لا يجتمع مع شيء من الكفر أو النفاق في القلب الواحد، فإن وجد الإيمان فلا وجود لشيء من الكفر في القلب، وكذلك لا وجود لشيء من النفاق، ولهذا قالوا هنا: إنه إنما يزيد بغلبته على ضده وهو الكفر وينقص بغلبة ضده وهو الكفر- عليه، أما أن يضامه ويجتمعان فمحال.
قال شيخ الإسلام: "ومن العجب أن الأصل الذي أوقعهم- أي المرجئة- في هذا اعتقادهم أنه لا يجتمع في الإنسان بعض الإيمان وبعض الكفر، أو ما هو إيمان وما هو كفر، واعتقدوا أن هذا متفق عليه بين المسلمين، كما ذكر ذلك أبو الحسن وغيره، فلأجل اعتقادهم هذا
_________________
(١) ١ مراده بالقراءة والتسبيح والذكر الملفوظ وليس المراد فعل العبد الذي هو التلفظ كما سبق بيان ذلك في كلام الذهبي قريبًا. ٢ انظر ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (٢/ ٣٤)، وانظر أيضًا مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية (٣/ ٣٩٥) . ٣ انظر الذريعة إلى مكارم الشريعة للأصفهاني (ص ١٣٠)، وانظر شرح الفقه الأكبر لفخر الإسلام علي بن محمد بن حسين (ق ٣٣/أ) .
[ ٣٨٠ ]
الإجماع وقعوا فيما هو مخالف للإجماع الحقيقي، إجماع السلف الذي ذكره غير واحد من الأئمة"١.
يقصد بذلك إجماع السلف على أن الإيمان يزيد وينقص وبقبل التفاضل ويتبعض كما هو ظاهر من دلالات النصوص.
ولكن هؤلاء لما قالوا هذا القول المخالف للنص والإجماع، وتوهموا أن قولهم هذا مجمع عليه بين أهل العلم، وقعوا فيما وقعوا فيه من مخالفات لنصوص الشرع الصحيحة الصريحة في أن الإيمان يزيد وينقص، وهذا الغلط الذي وقعوا فيه هو في الحقيقة سبب غلطهم في كثير من مسائل الشرع والدين، "يقول الإنسان قولًا مخالفًا للنص والإجماع القديم حقيقة، ويكون معتقدًا أنه متمسك بالنص والإجماع"٢.
فإذا تبينت مخالفة هذا القول للنص والإجماع علم بطلانه٣، ثم إن قولهم إن الإيمان لا يجتمع معه شيء من الكفر أو شيء من النفاق غلط بين، ومخالف لكثير من النصوص الدالة على إمكان اجتماع شيء من الكفر أو النفاق مع الإيمان.
قال شيخ الإسلام في كلام له: "وحينئذ فقد يجتمع في الإنسان إيمان ونفاق وبعض شعب الإيمان وشعبة من شعب الكفر، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا،
_________________
(١) ١ الفتاوى (٧/٤٠٤) . ٢ الفتاوى لابن تيمية (٧/ ٤٠٥) . ٣ انظر ما تقدم ذكره في الفصل الأول من هذه الرسالة من أدلة ونقول عن السلف في بيان زيادة الإيمان ونقصانه ونقل إجماعهم على ذلك.
[ ٣٨١ ]
ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب وإذا أئتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" ١.
وفي الصحيح عنه ﷺ قال: "من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة نفاق" ٢ وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال لأبي ذر: "إنك امرؤ فيك جاهلية"٣ وفي الصحيح عنه ﷺ قال: "أربع من أمر الجاهلية لن يدعوهن: الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب والنياحة، والاستسقاء بالنجوم" ٤ وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" ٥.."٦.
ثم أطال شيخ الإسلام ﵀ في الاحتجاج لذلك، بما لا يدع مجالًا لمنصف وناشد حق أن يتردد في امكان اجتماع شيء من الكفر والنفاق مع الإيمان، فيكون بذلك مؤمنًا ناقص الإيمان أو مؤمنًا ضعيف الإيمان، فلا يقال إنه ذاهب الإيمان لوقوعه في بعض هذه الأعمال المنصوص في الشرع على أنها كفر، ومن قال بخلاف ذلك فقد حكم على جميع الأمة إلا النزر القليل بالكفر لكثرة الكذب وإخلاف الوعد وضعف الأمانة ووجود السباب والفجور، والطعن في الأنساب والنياحة على الميت وغير ذلك من الأعمال المنصوص في الشرع على أنها كفر، فدل ذلك على أن هذه الأعمال وإن سماها الشارع كفرًا فهي كفر عملي لا تخرج صاحبها من الملة، ودل أيضًا على إمكان وجود هذه الأمور
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه (ص ٣٥٤) . ٢ تقدم تخريجه (ص ٣٥٤) . ٣ رواه البخاري (١/ ٨٤ فتح)، ومسلم (٣/١٢٨٢) . ٤ رواه مسلم (٢/٦٤٤) . ٥ تقدم تخريجه (ص ٩٨) . ٦ الفتاوى (٧/ ٥٢٠) .
[ ٣٨٢ ]
المنصوص على إنها كفر في المسلمين، وبهذا تنتقض شبهة هؤلاء، والله أعلم.
ومما تنقض به هذه الشبهة قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ ١.
فهؤلاء ليسوا مؤمنين كما أنهم ليسوا كفارًا، فهم مؤمنون ناقصوا الإيمان، وبهذه الآية احتج أيوب السختياني لنقض قول المرجئة هذا.
فقد روى ابن بطة بإسناده إلى سلام بن أبي مطيع قال شهدت أيوب وعنده رجل من المرجئة فجعل يقول: إنما هو الكفر والإيمان قال: وأيوب ساكت، قال: فأقبل عليه أيوب، فقال: أرأيت قوله: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ أمؤمنون أم كفار؟ فسكت الرجل، فقال له أيوب: اذهب فاقرأ القران، فكل آية فيها ذكر النفاق فإني أخافها على نفسي٢.
الشبهة الخامسة:
احتجاج بعضهم ببعض الأحاديث المكذوبة على رسول الله ﷺ والمحتجون بهذه الأحاديث صنفان:
الأول: واضعوا هذه الأحاديث فجميعهم من المرجئة كما سيأتي بيان ذلك، وقد وضعوها للاحتجاج بها على مذهبهم
الباطل.
الثاني: أناس آخرون من المرجئة ليس عندهم تمييز بين الصحيح
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآية: ١٠٦. ٢ الإبانة (٢/ ٧٥٤) .
[ ٣٨٣ ]
والسقيم رأوا هذه الأحاديث واغتروا بها لموافقتها أهواءهم١.
وجملة ما وقفت عليه في هذا من أحاديث ستة أحاديث، ويفرغ من أمرها بمعرفة كذبها على النبي ﷺ واختلاقها عليه، وقد قمت بدراسة هذه الأحاديث ونقدها، وبينت أنها جميعها مكذوبة مفتراة على النبي ﷺ وذلك بالنقل عن أئمة هذا الشأن من علماء الجرح والتعديل.
ثم إني وجدت أن جميع واضعي هذه الروايات والذين تولوا كبرها وتحملوا وزرها من المرجئة القائلين بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وقد نص أهل العلم على أنهم من الكذبة، وستأتي تراجمهم وأقوال علماء الجرح والتعديل فيهم عند ذكر روايتهم، وقد أوغل هؤلاء في الضلال حينما تجرأوا على الكذب على رسول الله ﷺ دعمًا لمذهبهم الباطل وتأييدًا له، وتعرضوا بذلك لوعيد الله وأليم عقابه.
وقد قال تعالى عن الكذب بعامة: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ ٢.
وقال ﷺ عن عاقبة الكذب عليه بخاصة، وأنه ليس ككذب على أي أحد: "إن كذبًا عليّ ليس ككذب على أحد، من كذب عليّ فليتبوأ مقعده من النار" ٣.
ولا نقول إلا قاتل الله الهوى فكم فعل بأهله من الأفاعيل، وكم
_________________
(١) ١ انظر السواد الأعظم لابن الحكيم السمرقندي (ص ٣٤)، والنبراس شرح العقائد (ص ٤٠٢)، وعمدة القاري (١/١١٠) . ٢ سورة النحل، الآية: ١٠٥. ٣ أخرجه البخاري (٣/ ١٦٠ فتح)، ومسلم (١/ ١٠) .
[ ٣٨٤ ]
أدخلهم في مزالق ومعاطب مردية، حتى بلغ بهم إلى الكذب على خير الخلق ﵊ نصرة لباطلهم وترويجًا له. ثم إليك تلك الروايات مسوقة مع كلام أهل العلم عليها:
١ - حديث مأمون بن أحمد السلمي، قال حدثنا أحمد بن عبد الله الجويباري، قال حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن طاوس عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "الإيمان لا يزيد ولا ينقص" ١.
موضوع مأمون والجويباري كذابان.
فمأمون: قال عنه أبو نعيم: "خبيث وضاع يأتي عن الثقات مثل هشام بن عمار ودحيم بالموضوعات، مثله يستحق من الله ومن الرسول ﷺ ومن المسلمين اللعنة".
وقال ابن حبان: "كان دجالًا من الدجاجلة، ظاهر أحواله مذهب الكرامية "وقال الذهبي:"له طامات وفضائح"٢.
وأحمد بن عبد الله الجويباري: قال عنه النسائي والدارقطني: "كذاب"، وقال الجوزجاني: "كان يضع الحديث، ما أدري حسب إيمانه"،
_________________
(١) ١ رواه الجورقاني في الأباطيل (١/١٧)، وابن الجوزي في الموضوعات (١/١٣٢)، وأبو الليث السمرقندي في تفسيره كما في شرح الطحاوية (ص ٣٧٥)، وذكره ابن حبان في المجروحين (١/ ١٤٢)، والذهبي في الميزان (١/١٠٦)، وابن حجر في اللسان (١/١٩٣)، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين (٢/٢٦٢) . ٢ انظر المجروحين لابن حبان (٣/٤٥)، والضعفاء لأبي نعيم (ص ١٥٠)، والضعفاء والمجروحين لابن الجوزي (٣/ ٣٢)، والأباطيل للجورقاني (١/٤١)، والمغني في الضعفاء للذهبي (٢/١٤١)، وديوان الضعفاء له (ص ٣٣٥)، والميزان له (٣/ ٤٢٩)، واللسان لابن حجر (٥/ ٧) .
[ ٣٨٥ ]
وقال أبو حاتم: "دجال من الدجالين، كذاب يضع على الذين يروي عنهم ما لم يحدثوا به، لا يحل ذكره في الكتب إلا على سبيل الجرح فيه"، وقال ابن عدي: "كان يضع الحديث لابن كرام على ما يريده "، وقال أبو سعيد النقاش: "لا نعرف أحدًا أكثر وضعًا منه"، وقال الحاكم: "هذا كذاب خبيث لا تحل رواية حديثه بوجه"، وقال البيهقي: "أما الجويباري فإني أعرفه حق المعرفة بوضع الأحاديث على رسول الله ﷺ، فقد وضع عليه أكثر من ألف حديث"، وقال الذهبي: "كذاب ممن يضرب المثل بكذبه"١.
فحديثهما موضوع بيقين، قال ابن الجوزي: "هذا من موضوعات الجويباري والذي رواه عنه وهو مأمون فقد اسمه، وإنه أحد الوضاعين، ذكر أنه وضع مائة ألف حديث"٢.
وقد وضع مأمون هذا حديثًا في الإيمان فروى عن عبد الله بن مالك بن سليمان عن سفيان بن عيينة عن ابن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "الإيمان قول والعمل شرائعه" ٣.
قال ابن حبان: "فمما وضع على الثقات أنه روى عن عبد الله بن
_________________
(١) ١ انظر الضعفاء للنسائي (ص٢٢)، وأحوال الرجال للجوزجاني (ص٢٠٦)، والمجروحين لابن حبان (١/ ١٤٢)، والضعفاء والمتروكين للدار قطني (ص ١١٤)، والضعفاء والمجروحين لابن الجوزي (١/ ٧٨)، والمغني في الضعفاء للذهبي (١/٨٣)، وديوان الضعفاء له (ص ٦)، والميزان له (١/ ١٠٦)، واللسان لابن حجر (١/ ١٩٣) . ٢ الموضوعات (١/١٣٢) . ٣ ذكره ابن حبان في المجروحين (٣/٤٥) وابن الجوزي في الموضوعات (١/ ١٣٣)، والذهبي في الميزان (٣/ ٤٢٩) .
[ ٣٨٦ ]
ما لك.."فذكره١.
وقال ابن الجوزي: "وهذا من موضوعات مأمون بلا شك، وقد ذكرنا أنه من الكذابين"٢.
٢- حديث محمد بن كرام٣، قال حدثنا أحمد بن عبد الله الشيباني قال حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري، عن سالم عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "الإيمان لا يزيد ولا ينقص" ٤.
موضوع محمد بن كرام: ساقط الحديث، وأحمد بن عبد الله الشيباني هو الجويباري كذاب خبيث تقدم ذكره.
قال الحافظ بن عدي: "كان يضع الأحاديث لابن كرام على ما
_________________
(١) ١ المجروحين (٣/ ٤٥) ونقله الذهبي في الميزان (٣/ ٤٢٩) . ٢ الموضوعات (١/ ١٣٣) . ٣ هو محدث مذهب الكرامية ومنشىء ضلالتهم، تبعه عليه عالم لا يحصون بنيسابور وهراة ونواحيها فيقال لكل واحد منهم كرامي، لم يحسن العلم ولا الأدب، وأكثر كتبه صنفها له مأمون بن أحمد السلمي الكذاب، وفي الحديث كثر من الرواية عن أحمد الجويباري ومحمد بن تميم السعدي وكانا كذابين. قال ابن حبان: "خذل حتى اختار من المذاهب أردأها، ومن الأحاديث أوهاها"، وقال الذهبي: "ساقط الحديث على بدعته " ت ٢٥٥ هـ. انظر الأباطيل للجورقاني (١/ ٢٩٢)، والوافي بالوفيات للصفدي (٤/ ٣٧٥)، واللباب لابن الأثير (٣/ ٣٢)، والميزان للذهبي (٤/٢١)، واللسان لابن حجر (٥/٣٥٣) . ٤ رواه الجورقاني في الأباطيل (١/١٨)، وابن الجوزي في الموضوعات (١/١٣١)، وأورده ابن طاهر في تذكرة الموضوعات (ص ٥٠)، والذهبي في الميزان (١/١٥٦)، وابن حجر في اللسان (١/١٩٣)، وابن عراق في تنزيه الشريعة (ص ١٤٩)، والسيوطي في اللآليء (١/ ٣٩)، وعزاه لابن عدي.
[ ٣٨٧ ]
يريده، وكان ابن كرام يضعها في كتبه عنه، ويسميه أحمد بن عبد الله الشيباني"١.
وقال أبو العباس محمد بن إسحاق السراج: شهدت محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ ورفع إليه كتاب من محمد بن كرام يسأله عن أحاديث منها سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "الإيمان لا يزيد ولا ينقص".
فكتب محمد بن إسماعيل البخاري على ظهر كتابه: "من حدث بهذا استوجب الضرب الشديد والحبس الطويل"٢.
وقال الجورقاني بعد أن ساق الحديث بإسناده: "هذا حديث موضوع باطل، وليس له أصل، وهو من موضوعات أحمد بن عبد الله الجويباري، وأحمد بن عبد الله هذا كان خبيثًا دجالًا من الدجاجلة، كذابًا، يروي عن ابن عيينة ووكيع وأبي ضمرة وغيرهم من ثقات أصحاب الحديث ويضع عليهم ما لم يحدثوا، وقد روى عن هؤلاء الأئمة ألوف حديث ما حدثوا بشيء منها، كان يضعها عليهم، لا يحل ذكره في الكتب إلا على سبيل الجرح فيه"٣.
٣- حديث أبي مطيع البلخي، قال حدثنا حماد بن سلمة عن أبي المهزم عن أبي هريرة: "أن وفد ثقيف جاءوا إلى النبي ﷺ فسألوه عن
_________________
(١) ١ رواه الجورقاني في الأباطيل (١/١٩)، وابن الجوزي في الموضوعات (١/١٣٢) . ٢ رواه الجورقاني في الأباطيل (١/١٩)، وابن الجوزي في الموضوعات (١/١٣٢)، والحاكم في تاريخه كما في اللآليء للسيوطي (١١/٣٩)، وذكره الزركشي في التذكرة (ص ٣٢)، وفي المعتبر (ص ٣٠٠) ونقله عنه جمع. ٣ الأباطيل (١/ ١٨) .
[ ٣٨٨ ]
الإيمان هل يزيد وينقص؟ فقال: لا، زيادته كفر ونقصانه شرك" ١.
موضوع. فيه أبو مطيع البلخي وأبو المهزم وكلاهما متروك والمتهم فيه هو أبو مطيع.
أما الأول وهو أبو مطيع الحكم بن عبد الله البلخي فقد قال عنه أحمد: "لا ينبغي أن يروى عنه شيء"، وقال ابن معين: "ليس بشيء"، وقال أبو داود: "تركوا حديثه"، وقال البخاري: "ضعيف صاحب رأي"، وقال ابن حبان: "كان من رؤساء المرجئة ممن يبغض السنن ومنتحليها"، وقال أبو حاتم: "كان مرجئًا كذابًا"، وقال الفلاس والدارقطني: "ضعيف"، وقال الجورقاني: "كان أبو مطيع من رؤساء المرجئة ممن يضع الحديث"٢.
وأما الأخر: وهو أبو المهزم بتشديد الزاي المكسورة التميمي البصري فقد قال عنه ابن معين: "ضعيف"، وقال مرة: "لا شيء"، وقال أبو زرعة: "ليس بقوي شعبة يوهنه"، وقال أبو حاتم: "ضعيف الحديث"،
_________________
(١) ١ رواه الجورقاني في الأباطيل (١/٢٠)، وابن الجوزي في الموضوعات (١/١٣٠)، والحاكم في تاريخه كما في اللآليء للسيوطي (ص ٣٨)، وذكره ابن حبان في المجروحين (١/٢٥٠)، وأورده ابن طاهر في تذكرة الموضوعات (ص ٤٥) وقال: فيه الحكم بن عبد الله وهو وضعه، وأورده الذهبي في الميزان (٣/٤٤) وابن حجر في اللسان (٢/٣٣٥)، وابن عراق في تنزيه الشريعة (ص ١٤٩)، وقال: والمتهم بوضعه أبو مطيع. ٢ انظر التاريخ الكبير للبخاري (٤/ ٥٧٤)، والضعفاء للنسائي (ص ١١٣)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٣/ ١٢١)، والمجروحين لابن حبان (١/٢٥٠)، والكامل في الضعفاء لابن عدي (٢/٦٣١)، والضعفاء والمجروحين لابن الجوزي (١/ ٢٢٧)، والميزان للذهبي (١/ ٥٧٤)، واللسان لابن حجر (٢/٣٣٥) .
[ ٣٨٩ ]
وقال النسائي: "متروك"، وقال مسلم بن إبراهيم عن شعبة: "رأيت أبا المهزم ولو أعطوه فلسين لحدثهم سبعين حديثًا"، وفي رواية عنه: "لوضع"، وقال علي بن الجنيد: "شبه المتروك"، وقال ابن عدي: "عامة ما يرويه ينكر عندهم"، وقال ابن حجر: "متروك"١.
وواضع الحديث هو أبو مطيع كما تقدم.
قال الحاكم: "إسناده فيه ظلمات، والحديث باطل، والذي تولى كبره أبو مطيع"٢.
وقال الجورقاني: "هذا حديث موضوع باطل لا أصل له، وهو من موضوعات أبي مطيع البلخي"٣.
وقال ابن الجوزي: "هذا حديث موضوع باطل بلا شك، وهو من وضع أبي مطيع"٤.
وقال الذهبي: "فهذا وضعه أبو مطيع على حماد"٥.
٤-حديث عثمان بن عبد الله الأموي، قال حدثنا حماد بن سلمة عن أبي المهزم عن أبي هريرة قال:
_________________
(١) ١ انظر التاريخ الكبير للبخاري (٨/٣٣٩)، والضعفاء الصغير له (ص١٢١)، والضعفاء للنسائي (ص ١١١)، والمجروحين لابن حبان (٣/ ٩٩)، والميزان للذهبي (٤/٤٢٦)، والكاشف له (٣/٣٣٧)، وتهذيب التهذيب لابن حجر (١٢/٢٤٨)، وتقريب التهذيب له (٢/٤٧٨) . ٢ ذكره ابن حجر في اللسان (٤/١٤٦)، والسيوطي في اللآليء (ص ٣٨) . ٣ الأباطيل (١/٢١) . ٤ الموضوعات (١/١٣١) . ٥ الميزان (٣/ ٤٢) .
[ ٣٩٠ ]
"قدم وفد من ثقيف على رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله جئناك نسألك عن الإيمان، أيزيد أو ينقص؟ قال: الإيمان مثبت في القلوب كالجبال الرواسي وزيادته ونقصانه كفر" ١.
موضوع فيه عثمان الأموي، وأبو المهزم.
أما أبو المهزم فتقدم ذكره.
وأما عثمان بن عبد الله الأموي فقال عنه الأزدي: "لا يحتج بحديثه"، وقال ابن عدي: "حدث بمناكير عن الثقات وله أحاديث موضوعات "، وقال ابن حبان: "يضع الحديث على الثقات لا يحل كتب حديثه إلا اعتبارًا"، وقال الدارقطني: "متروك الحديث"، وقال مرة: "يضع الأباطيل على الشيوخ الثقات"٢.
قلت: أما واضع هذا الحديث فهو أبو مطيع البلخي المتقدم في الحديث الذي قبله، فسرقه عثمان بن عبد الله هذا منه فحدث به.
قال ابن حبان: "هذا شيء وضعه أبو مطيع البلخي فسرقه هذا الشيخ
_________________
(١) ١ رواه الجورقاني في الأباطيل (١/٢٢)، وذكره ابن حبان في المجروحين (٢/١٠٣)، وابن الجوزي في الموضوعات (١/ ١٣١)، وابن طاهر في تذكرة الموضوعات (ص ٥٠)، وقال: فيه عثمان بن عبد الله وهو كذاب، وذكره الذهبي في الميزان (٣/ ٤٢)، وابن حجر في اللسان (٤/ ١٤٦) . ٢ انظر المجروحين لابن حبان (٢/١٠٣)، والكامل في الضعفاء لابن عدي (٥/ ١٨٢٣)، والضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (٢/١٧٠)، والمغني في الضعفاء للذهبي (١/٦٠٣)، والميزان له (٣/٤١)، واللسان لابن حجر (٤/١٤٣) .
[ ٣٩١ ]
وحدث عنه"١ وقال الجورقاني بعد أن روى الحديث: "هذا حدث لا يرجع منه إلى الصحة، وليس هذا الحديث أصل من حديث رسول الله ﷺ، وعثمان بن عبد الله هذا كذاب، فسرق هذا الحديث عن أبي مطيع البلخي، فرواه عن حماد ابن سلمة، وهذا شيء وضعه أبو مطيع البلخي عن حماد بن سلمة"٢.
وقال ابن الجوزي: "وقد سرق هذا الحديث من أبي مطيع، أبو عمرو عثمان بن عبد الله بن عمرو.. وغير لفظه، فرواه عن حماد عن أبي المهزم عن أبي هريرة.."ثم ساق لفظه٣.
وقال الذهبي: "فهذا وضعه أبو مطيع على حماد، فسرقه هذا الشيخ منه٤.
٥ - حديث محمد بن القاسم الطايكاني: عن عبد العزيز بن خالد عن سفيان الثوري عن أبي هارون عن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من زعم أن الإيمان يزيد وينقص فزيادته نفاق، ونقصانه كفر، فإن تابوا والإ فاضربوا أعناقهم بالسيف، أولئك أعداء الرحمن، فارقوا دين الله، وانتحلوا الكفر، وخاصموا في الله، طهر الله الأرض منهم ألا ولا صلاة لهم، ألا ولا صوم لهم، ألا ولا زكاة لهم، ألا ولا حج لهم، ألا ولا بر لهم، هم براء من رسول الله ﷺ، ورسول الله برىء منهم" ٥.
_________________
(١) ١ المجروحين (٢/١٠٣) . ٢ الأباطيل (١/ ٢٣) . ٣ الموضوعات (١/١٣١) . ٤ الميزان (٣/ ٤٢) . ٥ رواه ابن حبان في المجروحين (٢ / ٣١١)، والجورقاني في الأباطيل (١/ ٢٣)، وابن الجوزي في الموضوعات (١/ ١٣٣) وأورده الذهبي في الميزان (٤/ ١٢)، وابن حجر في اللسان (٥/ ٣٤٤)، والسيوطي في اللآلىء (١/٤٠) .
[ ٣٩٢ ]
موضوع. فيه محمد بن القاسم الطايكاني كذاب وهو واضعه.
قال ابن حبان: "روى عن أهل خراسان أشياء لا يحل ذكرها في الكتب"، وقال الحاكم: "من رؤوس المرجئة يضع الحديث على مذهبهم"، وقال: "حدث بأحاديث موضوعة"، وكذا قاله أبو نعيم، وقال الجورقاني: "كان يضع الحديث ويكذب"، وقال الذهبي: "كان يضع الحديث"١.
قال الجورقاني وقد روى الحديث: "هذا حديث موضوع، وهو من موضوعات محمد بن القاسم الطايكاني، ومحمد بن القاسم هذا كان كذابًا خبيثًا"٢.
وقال ابن الجوزي: "هذا حديث موضوع، وهو من موضوعات محمد بن القاسم الطايكاني"٣.
وقال السيوطي: "موضوع آفته الطايكاني، كذاب خبيث من المرجئة، كان يضع الحديث لمذهبه"٤.
٦- حديث محمد بن تميم السعدي الفريا بي، من حديث أنس
_________________
(١) ١ انظر المجروحين لابن حبان (٢/٣١١)، والضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (٣/٩٣)، والمغني في الضعفاء للذهبي (١/٦٢٥)، وديوان الضعفاء له (ص ٢٨٥)، والميزان له (٤/١١)، واللسان لابن حجر (٥/٣٤٣) . ٢ الأباطيل (١/٢٤) . ٣ الموضوعات (١/١٣٣) . ٤ اللآليء (١/٤٠) .
[ ٣٩٣ ]
﵁ قال: قال رسول ﷺ.
"من قال الإيمان يزيد وينقص فقد خرج من أمر الله، ومن قال أنا مؤمن إن شاء الله فليس له في الإسلام نصيب" ١.
موضوع. وآفته محمد بن تميم، وهو واضعه.
قال فيه ابن حبان: "كان يضع الحديث"، وقال الحاكم: "كذاب خبيث"، وقال النقاش: "وضع غير حديث"، وقال أبو نعيم "كذاب وضاع"٢.
قال ابن الجوزي: "وضعه ابن تميم"٣.
وقال ابن عراق: "وهو من وضع محمد بن تميم"٤.
قلت: فجميع الأحاديث المروية في أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص باطلة موضوعة بلا ريب.
ولهذا قعد ذلك ابن القيم في مناره المنيف، فقال: "وكل حديث فيه
_________________
(١) ١ أورده ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ١٣٥) وابن عراق في تنزيه الشريعة (ص ١٥٠)، والسيوطي في اللآليء (١/٤٢)، والشوكاني في الفوائد المجموعة (ص ٤٥٣) . ٢ انظر المجروحين لابن حبان (٢/٣٠٦)،: والضعفاء لأبي نعيم (ص ١٤٥)، والضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (٣/ ٤٤)، والمغني في الضعفاء للذهبي (٢/١٧٠)، والميزان له (٣/ ٤٩٤)، واللسان لابن حجر (٥/ ٩٨) . ٣ الموضوعات (١/١٣٥) وأقره السيوطي في اللآليء (١/٤٢) وتصحفت فيه هذه الكلمة تصحفًا مشينًا فكتب بدلًا من "وضعه ابن تميم "، "وضعفه محمد بن تميم"؟ فصار بهذا التصحيف إمامًا في الجرح بدل أن يكون وضاعًا. ٤ تنزيه الشريعة (ص ١٥٠) .
[ ٣٩٤ ]
أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص فكذب مختلق"١.
ويكفي في بطلان تلك الروايات مصادمتها الصريحة لنصوص الكتاب والسنة المصرحة بزيادة الإيمان ونقصانه، فهي باطلة لا وجه لها من الصحة.
ومع هذا فقد قال ملا علي القارىء بعد أن نقل هذه القاعدة عن ابن القيم: "ومعنى اللفظ الأول- أي: الإيمان لا يزيد ولا ينقص- صحيح عند المحققين من المتأخرين"٢!!
قلت: وأي صحة لما خالف وصادم نصوص الكتاب والسنة، فنصوص الكتاب والسنة صريحة بأنه يزيد وينقص، وهذه الأباطيل صريحة بأنه لا يزيد ولا ينقص، فهل من توفيق بين ضدين أو جمع بين نقيضين، لا ريب أن ذلك محال.
شتان بين الحالتين فإن ترد جمعًا فما الضدان يجتمعان
ثم إن من العجب حقًا أن يلتمس لتلك الأحاديث الأباطيل معنى من الصحة وقد افتراها أناس سمتهم الكذب وديدنهم الوضع على رسول الله ﷺ والافتراء عليه، أو من كان كذلك يتطلب لأقواله وأحاديثه المفتراة معنى من الصحة.
وقد أحسن عندما قيد تصحيح معناه بالمتأخرين، إذ إن المتقدمين من سلفنا الصالح أهل السنة والجماعة لا ريب عندهم في بطلان مثل هذا، ولهذا ضمنوا مؤلفاتهم في السنة باب زيادة الإيمان ونقصانه وأوردوا تحته الأدلة
_________________
(١) ١ المنار المنيف (ص ١١٩) . ٢ الأسرار المرفوعة (ص٣٤٤) .
[ ٣٩٥ ]
الكثيرة عليه، المبطلة لما خالفه، أما المتأخرون فلا عبرة بأقوالهم ولا اعتداد بها ما خالفت النص، وهؤلاء الذين وصفهم القارىء بالمحققين جاءوا بما ناقض التحقيق، بل والعقول الرزينة والفطر السليمة، وكيف يوصف ما جاء على الضد تمامًا لما في القرآن والسنة بأنه تحقيق؟
أما السلف الصالح أهل العلم والإيمان فعندهم أن هذا القول بدعة محدثة وليس من التحقيق في شيء كما سبق أن مر معنا في أقوال السلف، بل هو عندهم من الكذب والتلفيق؛ ولهذا يقول عبد الله بن إدريس: "كذاب من زعم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص"١.
وبهذا نصل إلى ختام ذكر شبه هؤلاء مع الرد عليها، وبحق لو لم نقل في رد هذه الشبه وبيان زيفها إلا أنها مخالفة لصريح ما جاء في الكتاب والسنة لكفى وشفى، فكيف وقد أتبعت كل شبهة بما يبين بطلانها ويكشف فسادها وزيفها وينقضها من الأساس؟
_________________
(١) ١ رواه الخطيب في تاريخه (١٣/٣٨٣) .
[ ٣٩٦ ]
المبحث الثالث:في بيان موقفهم من النصوص الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه، والرد عليهم
لقد ذكرت في صدر هذه الرسالة عند ذكر عقيدة أهل السنة والجماعة في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه نصوصًا كثيرة من الكتاب والسنة تدل بوضوح وجلاء على أن الإيمان يزيد وينقص، وضوحًا لا يقبل الرد أو التأويل، وذكرت هناك أن موقف أهل السنة والجماعة منها هو القبول والتسليم كما هم كذلك في جميع نصوص الشرع لا يقدمون بين يدي الله ورسوله رأيًا ولا عقلًا ولا غير ذلك، لكن القائلين بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص وجدوا أن هذه النصوص تتعارض مع نتاج فكرهم وما توصلوا إليه بآرائهم فلم يجدوا بدًا من تأويلها وصرفها عن ظاهرها الصريح إلى صنوف من التأويلات، وألوان عجيبة من التحريفات، حتى إن قارىء كتبهم والمطلع عليها ليلمس فيهم عند إيرادهم لنصوص الشرع أنهم إنما أوردوها ليشرعوا في ردها وتأويلها شروع من قصد ذلك أصلًا وابتداء وكيفما اتفق له ذلك الرد أو التأويل.
ولا ريب في فساد هذا المنهج وبطلانه وانحرافه وبعده عن الجادة السوية المرضية، بل إن معظم الفساد العقدي والانحراف الديني الذي منيت به أكثر الفرق الإسلامية إنما كان بسبب ذلك وثمرة من ثمراته.
وما من شك أن هذا الباب لو فتح- أعني باب التأويل- لولج كل مبطل بباطله، وادعى أن نصوص الوحي تدل عليه، ثم تأول النصوص
[ ٣٩٧ ]
لتتفق مع هواه وباطله، وليس هذا مجرد تصور، بل إن هذا هو ما حصل فعلا من عامة أهل البدع.
قال شيخ الإسلام: "وأما أهل البدع من أهل الكلام والفلسفة ونحوهم فهم لم يثبتوا الحق، بل أصلوا أصولًا تناقض الحق. فلم يكفهم أنهم لم يهتدوا ولم يدلوا على الحق حتى أصلوا أصولًا تناقض الحق، ورأوا أنها تناقض ما جاء به رسول الله ﷺ، فقدموها على ما جاء به الرسول.
ثم تارة يقولون: الرسول جاء بالتخييل، وتارة يقولون: جاء بالتأويل، وتارة يقولون: جاء بالتجهيل"١.
فهم لا يقبلون من نصوص الوحي ما خالف آراءهم وأصولهم وقواعدهم، بل ينصرفون إلى رده بأي وجه.
خلافًا لمنهج أهل الحق والسلامة والسنة والجماعة ﵏ ورضي عنهم أجمعين فإنهم كلهم متفقون على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة على كل حال، فكلمتهم واحدة من أولهم إلى آخرهم لم يسوموها تأويلًا، ولم يحرفوها عن موضوعها تبديلًا، ولم يبدوا لشيء منها ابطالًا، ولا ضربوا لها أمثالًا، ولم يدفعوا في صدورها وأعجازها، ولم يقل أحد منهم يجب صرفها عن حقائقها وحملها على مجازها، بل تلقوها بالقبول والتسليم، وقابلوها بالإيمان والتعظيم، ولم يفعلوا كما فعل أهل الأهواء والبدع حيث جعلوا القرآن عضين.
فالواجب لزوم منهج أهل السنة والجماعة، والبعد عن هذه المناهج المنحرفة، وأن يكون الرد في موضع النزاع والخلاف إلى الكتاب
_________________
(١) ١ الفتاوى (١٦/٤٤٠)، وانظر أيضًا الفتاوى (١٣/ ١٤٢) و(١٧/ ٣٦١) .
[ ٣٩٨ ]
والسنة، وأن لا يقدم بين يدي الله ورسوله شيئًا من تلك التأويلات الفاسدة والآراء الباطلة، التي هي في الحقيقة زبالات الأذهان ونخالات الأفكار وعصارات الآراء ووساوس الصدور.
ومما يبين لنا فساد هذا المنهج أن نعلم أن كل فساد وخراب حل بالعالم إنما نشأ بسبب ذلك، بسبب تقديم الرأي على الوحي، والهوى على النقل، وما استحكم هذا الأمر في قلب أحد إلا استحكم هلاكه، ولا في أمة إلا وفسد أمرها أتم فساد١.
كل ذلك وغيره يقتضي فساد التأويل الذي هو مطية أهل البدع، والذي من خلاله يتوصلون إلى تحقيق أهوائهم موهمين الأغمار والبسطاء أنهم يحتكمون إلى الكتاب والسنة، وما أبعدهم عنهما، وفيهم أناس مغرر بهم، غرهم بهرجة التأويل وحسن تزويقه، وهم قريبون إن وقفوا على الحق وصلحت النية، وفيهم آخرون دخلوا فيه عن حسن قصد وصلاح نية ولكن ليس كل من أراد الخير أصابه، والموفق من وفقه الله.
وبعد، فإني ذاكرٌ ما وقفت عليه من تأويلات للقائلين بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص للنصوص المخالفة لقولهم، وهي عندهم تعد أجوبة على ما احتج به أهل السنة والجماعة على قولهم إن الإيمان يزيد وينقص، ثم اتبع ذكر ذلك بما يبين فساد تلك التأويلات، وإن كان فسادها معلومًا من خلال ما ذكر آنفًا في بيان فساد التأويل إجمالًا.
١- فمن أجوبتهم عن الآيات الدالة على زيادة الإيمان إدعاؤهم أنها محمولة على أنهم كانوا آمنوا في الجملة، ثم كانت تأتيهم الفروض
_________________
(١) ١ انظر لوامع الأنوار البهية للسفاريني (١/ ٦) .
[ ٣٩٩ ]
فرض بعد فرضًا، فكانوا يؤمنون بكل فرض خاص إلى أن تكاملت الفروض وكمل الدين، فكان الإيمان يزيد بزيادة المؤمن به. ثم لما كمل الشرع فلا مجال بعد ذلك لزيادة الإيمان إذ إن هذا لا يتصور في غير عصره صلى الله عليه وسلم١.
والجواب عن هذا أن يقال:
لا ريب في أن الإيمان الذي أوجبه الله على عباده وأمرهم به كان يزيد شيئًا فشيئًا كما أن القرآن الكريم كان يزيد شيئًا فشيئًا إلى أن أتم الله الدين وأكمله وأنزل في بيان ذلك قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا﴾ ٢.
والإكمال الذي نص عليه في الآية عائد إلى الإيمان الذي هو أمر الرب ﷾ حيث إنه سبحانه أمر عباده بالتوحيد ثم الصلاة ثم الصيام ثم الحج، فلم يكن سبحانه قد أنزل تشريعه على عباده جملة واحدة، وإنما أنزله عليهم شيئًا فشيئًا حتى تكامل التشريع.
وليس عائدًا على أفعال المكلفين وقيامهم به إذ إن الآية ليس المراد بها أن كل واحد من الأمة وجب عليه ما يجب علي سائر الأمة وأنه فعل ذلك وقام به، وإنما المراد أن الله أكمل التشريع، فالإكمال المشار إليه في الآية عائد إلى المؤمن به.
ولا يلزم من كمال الدين وتمامه من جهة المؤمن به أن يكون الناس متساوين فيما أمروا به من الإيمان، كما فهمه هؤلاء، فإن هذا من
_________________
(١) ١ انظر شرح العقائد النسفية (ص ١٢٤)، والنبراس شرح العقائد (ص٤٠٣) إتحاف السادة المتقين (٢/٢٦١)، تحفة القاري (ص ٤٧) . ٢ سورة المائدة، الآية: ٣.
[ ٤٠٠ ]
أصول غلطهم، فإنهم ظنوا أن الإيمان شيء واحد، وأنه يستوي فيه جميع المكلفين.
وغلطهم في هذا ظاهر، لأن الإيمان الذي أوجبه الله على عباده يتنوع ويتفاضل، وهم يتباينون فيه تباينًا عظيمًا، فيجب على الملائكة من الإيمان ما لا يجب على البشر. ويجب على الأنبياء من الإيمان ما لا يجب على غيرهم، ويجب على العلماء من الإيمان ما لا يجب على غيرهم، ويجب على الأمراء ما لا يجب على غيرهم، وليس المراد أنه يجب عليهم من العمل فقط، بل ومن التصديق والإقرار فإن الناس وإن كان يجب عليهم الإقرار المجمل بكل ما جاء به الرسول فأكثرهم لا يعرفون تفصيل كل ما أخبر به، وما لم يعلموه كيف يؤمرون بالإقرار به مفصلًا، وما لم يؤمر به العبد من الأعمال لا يجب عليه معرفته ومعرفة الأمر به، فمن أمر بحج وجب عليه معرفة ما أمر به من أعمال الحج والإيمان بها، فيجب عليه من الإيمان والعمل ما لا يجب على غيره، وكذلك من أمر بالزكاة يجب عليه معرفة ما أمر الله به من الزكاة ومن الإيمان بذلك والعمل به ما لا يجب على غيره، فيجب عليه من العمل والإيمان ما لا يجب على غيره إذا جعل العلم والعمل ليسا من الإيمان، وإن جعل جميع ذلك داخلا في مسمى الإيمان كان أبلغ فبكل حال قد وجب عليه من الإيمان ما لا يجب على غيره١.
فكيف يقال بعد هذا إن زيادة الإيمان غير متصورة ولا مجال لها بعد عصر رسول الله ﷺ، فهل الإيمان
المأمور به من وجب عليه الحج لوجود الاستطاعة كالإيمان المأمور به من لم يجب عليه الحج لعدم
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى (١٣/ ٥٢، ٥٣) .
[ ٤٠١ ]
وجودها؟ وهل الإيمان المأمور به من وجبت عليه الزكاة لاكتمال النصاب، كالإيمان المأمور به من لم يكن عنده مال يبلغ النصاب؟ وهل الإيمان الواجب على من علم بتفاصيل الشريعة ودقائق مسائلها كإيمان من لم يبلغه من الأمر والنهي إلا الشيء اليسير؟ وهل إيمان من آمن بالرسول باطنًا وظاهرًا ثم مات قبل أن يعرف شرائع الدين كإيمان من عرف الشرائع بتفاصيلها فآمن بها وعمل بها؟
لذا يقول شيخ الإسلام: "فلا يمكن المنازعة أن الإيمان الذي أوجبه الله يتباين فيه أحوال الناس، ويتفاضلون في إيمانهم ودينهم بحسب ذلك"١.
ولهذا فإن قولهم إن الزيادة غير ممكنة بعد اكتمال الشرع وغير متصورة بعد عصر النبي ﷺ متعقب بما تقدم، بل إن الفرهاري شارح العقائد مع أنه من القائلين بعدم زيادة الإيمان ونقصانه قد تعقب هذا القول ونبه على غلطه، حيث قال بعد أن حكاه:
"وفيه نظر لأن الإطلاع على تفاصيل الفرائض ممكن في غير عصر النبي ﷺ فإن أحدنا لا يطلع على جميع الفرائض دفعة بل يطلع على بعضها فيؤمن به ثم على بعض آخر فيؤمن به، والإيمان يجب إجمالًا وتفصيلًا فيما علم تفصيلًا"٢.
٢- ومن أجوبتهم قولهم: إن الإيمان له معنيان:
أحدهما: تصديق الجنان بما لابد من تصديقه وهو قوله ﷺ في
_________________
(١) ١ الفتاوى (١٣/ ٥٤) . ٢ النبراس شرح العقائد (ص ٤٠٣) وانظر إرشاد الساري للقسطلاني (ص ١٢٢) ضمن مجموع شروح البخاري.
[ ٤٠٢ ]
جواب جبريل: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته.." الحديث فمن أتى بهذا التصديق صدقًا من قلبه حرمه الله تعالى عن النار الشديدة المؤبدة التي أعدها للكافرين وإن زنى وإن سرق وإن وإن أي: وإن عمل الكبائر.
والمعنى الثاني: السكينة والطمأنينه التي تحصل للمقربين وهو قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ ٣.
وخلاصة هذا: أن الإيمان قد يطلق على ما هو الأساس في النجاة وقد يطلق على الكامل المنجي بلا خلاف، فمن قال: لا يزيد ولا ينقص فمراده القدر الذي هو الأصل في النجاة، ومن قال يزيد وينقص أراد به الكامل٤.
قلت: لقد سأل رجل الحسن البصري ﵀ عن الإيمان فقال: "الإيمان إيمانان، فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار والبعث والحساب فأنا مؤمن، وإن كنت تسألني عن قول الله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا..﴾ ٥ فوالله ما أدري أنا
_________________
(١) ١ سورة الفتح، الآية: ٤. ٢ سورة البقرة، الآية: ٢٦٠. ٣ سورة الحديد، الآية: ٩. ٤ انظر تحفة القاري (ص ٤٤، ٤٦)، وإتحاف السادة المتقين (٢/٢٦١)، والنبراس شرح العقائد (ص ٤٠٤) . ٥ سورة الأنفال، الآية: ٢-٤.
[ ٤٠٣ ]
منهم أم لا"١.
فبين ﵀ أن للإيمان إطلاقين: أحدهما: أصل الإيمان الذي لا نجاة إلا بتحقيقه، والثاني كمال الإيمان الذي
ما يحصل به النجاة المطلقة من نار جهنم والفوز بالدرجات العالية في الجنة.
فتقسيم الإيمان على هذا النحو واضح لا إشكال فيه، لكن لا يلزم منه أن يكون القسم الأول منه غير قابل للزيادة والنقصان؛ لأنه لا ريب عند أهل العلم بالكتاب والسنة أن الناس يتفاوتون في تصديقهم بالله وملائكتة وكتبه ورسله وفي غير لك من أمور الإيمان بحسب قوة الأدلة وضعفها وقوة التصديق وضعفه، فليس تصديق النبي ﷺ بالله وملائكته وكتبه ورسله كتصديق آحاد الأمة، وليس تصديق الملائكة بذلك كتصديق آحاد الناس، بل بينهم من الفرق ما الله به عليم.
ثم إن قيل إن أصل الإيمان الذي لا يتحقق الإيمان إلا به لا يقبل النقص، فما وجه عدم قبوله الزيادة، وكيف يكون قد بلغ الكامل المنجي إلا لكونه زاد، وبهذا يعلم تناقض قول هؤلاء.
ومما يبين تناقضه أيضًا وصفهم للإيمان بالكامل إذ كيف يوصف بالكامل ما لا يقبل الزيادة ولا النقص، ولهذا تحرج بعضهم من إطلاق هذه العبارة لما تتضمنه من دلالة على قبول الإيمان للزيادة والنقصان.
يقول الزبيدي في الإتحاف بعد أن حكى القول االمتقدم: "قلت: وهو حسن، ولكن ما أعجبني تسمية القسم الأخير بالكامل، فإنه يستدعي أن يكون مقابله ناقصًا، وهو وإن كان صحيحًا في نفس الأمر لكن التعبير
_________________
(١) ١ رواه البيهقي في الاعتقاد (ص ١٢٠)، وفي الشعب (١/٢١٨) .
[ ٤٠٤ ]
غير حسن، والأولى أن يعبر عنه بالإيمان الشرعي"١.
فانظر لشدة التحرج من هذه الأسماء الشرعية "كمال الإيمان"، "نقصان الإيمان"، "زيادة الإيمان "واعجب لذلك. فلم يعجبه تسمية الإيمان التام الكامل بـ "الكامل"لمناقضته لأصولهم، وإن كان صحيحًا في نفس الأمر، والله المستعان.
٣- ومنها تأويلهم للنصوص الواردة في الزيادة بأن المراد بها الثبات والدوام على الإيمان، أي أنه يزيد بزيادة الأزمان؛ لأن التصديق عرض، والأعراض لا تبقى إلا بتجدد الأمثال.
وحاصل الجواب أنه ليس المراد بالزيادة في الآيات زيادة حقيقة التصديق في نفسه بل زيادة أعداده، وهذا بالاستمرار عليه وعدم الذهول عنه، فإن الاستمرار على التصديق يوجب تجدد الأمثال وحصول أعداد كثيرة من التصديق في كل وقت٢.
قلت: قولهم هذا مبني على أن التصديق عرض من الأعراض، والأعراض عندهم لا تقبل الزيادة والنقصان وإنما الذي يقبل الزيادة والنقصان الأجسام دون الأعراض٣.
والكلام على هذا يكون بعد معرفة حقيقة العرض ما هو:
فالعرض: هو الموجود الذي يحتاج في وجوده إلى موضع أي محل يقوم به كاللون المحتاج إلى جسم يحله ويقوم هو
_________________
(١) ١ إتحاف السادة المتقين (٢/ ٢٦١) . ٢ انظر شرح العقائد النسفية للتفتازاني (ص ١٢٥)، والإرشاد للجويني (ص ٣٣٦)، والمسامرة شرح المسايرة (ص ٣٧٣)، والبداية من الكفاية (ص ١٥٥) . ٣ انظر الإيمان لأبي يعلى (ص ٣٩٩) .
[ ٤٠٥ ]
به١.
بهذا عرفوا العرض، فالسواد والبياض وغيرهما من الألوان، والحركة والسكون وغيرهما أعراض لأنها تحتاج في وجودها إلى موضع تقوم به.
ولا ريب أن هذه تقبل الزيادة والنقصان، ومن ذا الذي يستريب في أن هناك سوادًا أشد من سواد وحركة أقوى من حركة وسكونًا أهدى من سكون، فقبول هذه الأمور الزيادة والنقصان أمر لا ريب فيه، فإذا كان ذلك كذلك، فالإيمان كذلك يقبل الزيادة والنقصان كسائر الأعراض لا فرق.
قال شيخ الإسلام: "إن نفس العلم والتصديق يتفاضل ويتفاوت كما يتفاضل سائر صفات الحي من القدرة والإرادة، والسمع والبصر والكلام، بل سائر الأعراض من الحركة والسواد والبياض ونحو ذلك فما من صفة من صفات الحي وأنواع إدراكاته وحركاته بل وغير صفات الحي إلا وهي تقبل التفاضل والتفاوت إلى ما لا يحصره البشر"٢.
أما حملهم النصوص الواردة في الزيادة على الثبات والدوام على الإيمان فتأويل باطل؛ لأن "حقيقة الزيادة لا يعقل منها الثبوت على الشيء، وإنما يعقل منها الزيادة في ذاته"٣.
فالآيات الواردة المنصوص فيها على زيادة الإيمان المراد بها زيادة الإيمان نفسه علمًا واعتقادًا وعملًا، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا
_________________
(١) ١ انظر التعريفات للجرجاني (ص ١٤٨) . ٢ الفتاوى (٧/ ٥٦٤، ٥٦٥) . ٣ الإيمان لأبي يعلى (ص ٤٠٣) .
[ ٤٠٦ ]
وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ١.
أي زادتهم تصديقًا وإقرارًا بما فيها ثم عملًا بذلك التصديق.
قال ابن جرير: "فإن قيل: فكيف زادتهم السورة تصديقًا وإقرارًا قيل: زادتهم إيمانًا حين نزلت؛ لأنهم قبل أن تنزل السورة لم يكن لزمهم فرض الإقرار بها، والعمل بها بعينها إلا في جملة إيمانهم بأن كل ما جاء به نبيهم ﷺ من عند الله فحق، فلما أنزل الله السورة لزمهم فرض الإقرار بأنها بعينها من عند الله، ووجب عليهم فرض الإيمان بما فيها من أحكام الله وحدوده وفرائضه، فكان ذلك هو الزيادة التي زادهم نزول السورة حين نزلت من الإيمان والتصديق بها، وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل "٢.
وسبق أن نقلت جميع نصوص القرآن المصرحة بزيادة الإيمان، في مبحث سبق ونقلت هناك من أقوال السلف وكلامهم الاستدلال بها على زيادة الإيمان ونقصانه، بل نقلت حكاية إجماعهم على ذلك عن غير واحد من أهل العلم.
ثم أيضًا قول هؤلاء إن المراد بالزيادة في الإيمان هو الثبات والدوام عليه، يلزم منه أن يكون النبي ﷺ إنما يفضل غيره بدوام إيمانه وثباته لا غير، وقد قالوا بهذا القول والتزموا هذا اللازم الفاسد.
قال شيخ الإسلام بعد أن أشار إلى قولهم هذا: "فهذا هو الذي يفضل به النبي ﷺ غيره في الإيمان عندهم، ومعلوم أن هذا في غاية الفساد من
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآية: ١٢٤. ٢ تفسير ابن جرير (٧/٧٢) .
[ ٤٠٧ ]
وجوه كثيرة كما قد بسط في مواضع أخرى"١.
٤- ومنها حملهم للنصوص الواردة في زيادة الإيمان بأن المراد بها زيادة إشراق نوره في القلب وزيادة ثمراته٢.
قلت: وهذا التأويل من جنس الذي قبله، مفاده صرف النص عن ظاهره الصريح إلى تأويلات بعيدة غير مرادة منه.
وإلا فمن المعلوم أن ثمرات الإيمان أمر خارج عن الإيمان، ولا يقول عاقل إن الجزاء على فعل الطاعة والإثابة علبها هو الطاعة نفسها، بل كل عاقل يعلم أن الثواب على الطاعة غير الطاعة، بل أمر خارج عنها.
ولهذا أجاب القاضي أبو يعلى عن الشبهة بقوله: "وثواب الإيمان ليس بإيمان"٣.
وقال أيضًا: "والإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية نفسه وثوابه، خلافًا للمعتزلة في قولهم لا يزيد ولا ينقص لا ثوابه ولا نفسه، وخلافًا للأشعرية في قولهم يزيد وينقص ثوابه لا نفسه، والدلالة على ما ذكرنا قوله تعالى ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ
_________________
(١) ١ الفتاوى (٧/ ١٥٣) . ٢ انظر المسامرة شرح المسايرة (ص ٣٧٣)، وشرح العقائد النسفية للتفتازاني (ص ١٢٥)، وإتحاف السادة المتقين (٢/ ٢٦٠)، والنبراس شرح العقائد (ص ٤٠٤)، والسواد الأعظم (ص ٣٨)، والبداية من الكفاية (ص ١٥٥) . ٣ الإيمان لأبي يعلى (ص ٤٠٧) .
[ ٤٠٨ ]
الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا ﴾ ١.
وتأويلهم هذا، والتأويل الذي قبله هو من جنس تأويلهم لنصوص الصفات سواء بسواء، فالباب في الجميع واحد، وهو صرف النصوص عن ظواهرها المرادة إلى معاني بعيدة غير مرادة من النصوص".
وقد بين أهل العلم فساد منهج التأويل وقبحه وضرره على الدين، حتى قال ابن القيم ﵀ في كتابه الصواعق المرسلة: "والدين إذا أحيل على تأويلات المتأولين أنتقضت عراه كلها، ولا تشاء طائفة من طوائف أهل الضلال أن تتأول النصوص على مذاهبها إلا وجدت السبيل إليه"٢، وكفى بذلك بيانًا لقبح التأويل، ثم إنه ﵀ قد استوفى الرد على أهل التأويل وبين فساد منهجهم هذا، في كتابه المذكور أنفًا ولاسيما في المجلد الأول منه.
٥- ومنها قولهم إن النقصان والزيادة يرجع إلى أحد أمرين: إما أن يكون ذلك راجعاُ إلى القول والعمل، دون التصديق؛ لأن ذلك يتصور فيهما مع بقاء الإيمان فأما التصديق فمتى انخرم منه أدنى شيء بطل الإيمان
والأمر الثاني: في جواز إطلاق الزيادة والنقصان على الإيمان، يتصور أيضًا أن يكون من حيث الحكم لا من حيث الصورة، فيكون ذلك أيضًا في الجميع من التصديق والإقرار والعمل، ويكون المراد بذلك في الزيادة والنقصان راجعًا إلى الجزاء والثواب والمدح والثناء، دون نقص
_________________
(١) ١ المعتمد في أصول الدين لأبي يعلى (ص ١٨٩، ١٩٠) . ٢ الصواعق المرسلة (١/١٥٦) .
[ ٤٠٩ ]
وزيادة في التصديق من حيث الصورة١.
والجواب عن هذين الأمرين أن يقال: عن الأمر الأول وهو جعلهم الزيادة والنقصان راجعين إلى العمل والقول دون التصديق أن هذا تحكم في النص بلا دليل سوى تصور خاطىء وهو ظنهم أن التصديق متى انخرم منه أدنى شيء بطل الإيمان، وقد سبق الجواب عن هذا بما يشفي ويكفي وذلك بالنقل عن أهل العلم المحققين في أن التصديق يقبل الزيادة والنقصان دون أن يكون قبوله للنقصان يقتضي شكًا أو كفرًا كما فهمه هؤلاء، بل إنه يكون تصديقًا دون تصديق وهذا أمر يحسه كل أحد من نفسه فإن تصديق المرء ببعض الأمور يختلف من وقت لآخر قوة وضعفًا بحسب قوة الأدلة والبراهين، فكيف يقال بعد ذلك إن التصديق متى انخرم منه أدنى شيء بطل الإيمان؟.
أما الجواب عن الأمر الثاني وهو حملهم معنى الزيادة والنقصان على أن ذلك إنما يكون من حيث الحكم لا من حيث الصورة أي أنه يرجع إلى الجزاء والثواب والمدح والثناء. فيقال هذا عين التأويل المتقدم في الشبه الثاني قبل هذه والجواب المتقدم هناك جواب على هذا.
٦- ومنها: قول بعضهم الإيمان الشرعي معاهدة التزام الطاعة وعقد على التسليم والانقياد ظاهرًا وباطنًا، وهو أمر واحد لا يتجزأ ولا يتبعض ولا يقبل الزيادة والنقصان، ولكن هذا العهد والعقد ينسحب على العقائد والأخلاق والأعمال كلها فالعقد واحد والمعقود عليه متعدد فإن أتى بجميع ما التزمه وعقد عليه فعقده وعهده تام وكامل، وإلا فناقص، ومثاله النكاح
_________________
(١) ١ الإنصاف للباقلاني (ص ٨٧، ٨٨)، ونقله عنه الكاندهلوي في تحفة القاري (ص ٤٧) .
[ ٤١٠ ]
فإنه عقد على التزام موجب الزوجية، وهو أمر بسيط لكنه يتضمن جميع حقوق الزوجية، فالنكاح لا يزيد ولا ينقص، وإنما الزيادة والنقصان في وفاء حقوقه، ويشير إلى هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ ١، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ٢، فكذلك الإيمان عهد واحد وميثاق بسيط لا زيادة فيه ولا نقصان، وإنما الزيادة والنقصان في الأمور المنطوية تحت هذا الميثاق٣.
قلت: وهذا الكلام مشتمل على تكلف زائد جهد قائله في إبطال دلالة النصوص على زيادة الإيمان ونقصانه حسبما فهمها السلف، وحملها على هذا المعنى المتوعر الذي لم يفقه قبله غيره.
وكلامه مشتمل على أمور باطلة ودعاوى غير صحيحة أوضحها قوله عن الإيمان أنه أمر واحد لا يتجزأ ولا يتبعض ولا يتقبل الزيادة والنقصان. ومعنى لا يتجزأ أي ليس له أجزاء، ويبطل هذا قول النبي ﷺ: "الإيمان بضع وسبعون شعبة" الحديث.
ومعنى لا يتبعض أي ليس له أبعاض فإذا ذهب بعضه ذهب كله، ويبطل هذا قوله ﷺ "يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان" الحديث.
وقد تقدم تخريج الحديثين وبيان دلالتهما على زيادة الإيمان ونقصانه بالنقل في ذلك عن أئمة أهل السنة والجماعة.
وكذلك قوله: " فكذلك الإيمان عهد واحد وميثاق بسيط لا زيادة
_________________
(١) ١ سورة الرعد، الآية: ٢٥. ٢ سورة المائدة، الآية: ١. ٣ تحفة القاري (ص ٤٦، ٤٧) .
[ ٤١١ ]
فيه ولا نقصان".
فإن المراد بالبسيط عندهم ضد المركب وهو مالا أجزاء له١، وقد سبق التنبيه على ما في وصف الإيمان بأنه ليس له أجزاء من غلط وما فيه من مخالفة للأحاديث الصريحة الدالة على أن الإيمان له شعب وأجزاء يزيد الإيمان بزيادتها وينقص بنقصها.
وقائل هذا الكلام بنى قوله بعدم زيادة الإيمان ونقصانه على مقدمة فاسدة وهي: وصف الإيمان بأنه بسيط أي غير مركب، فإذا علم فساد هذه المقدمة يعلم فساد نتيجتها.
وكذلك قوله في ختام كلامه: "وإنما الزيادة والنقصان في الأمور المنطوية تحت هذا الميثاق".
فإن الأمور المنطوية تحت ميثاق الإيمان وهي الأعمال الصالحة بأنواعها كلها داخلة في مسمى الإيمان بدلالة نصوص الكتاب والسنة على ذلك والإيمان يزيد بزيادتها وينقص بنقصها كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ ٢.
فجعل الله سبحانه الصلاة والزكاة والتوكل من أعمال الإيمان الداخلة في مسماه، فإذا قام المسلم بتحقيقها والقيام بها على أكمل وجه زاد إيمانًا، وارتقى إلى أن يصبح إيمانًا حقًا.
_________________
(١) ١ التعريفات للجرجاني (ص ٤٥) . ٢ سورة الأنفال، الآية: ٢.
[ ٤١٢ ]
فإذا تبين هذا يعلم أن في قوله: إن الزيادة والنقصان في الأمور المنطوية تحت هذا الميثاق يعد ردًا على قوله إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ لأن الأمور المنطوية تحت الإيمان إيمان بدلالة الكتاب والسنة، وقد ذكر أنها تزيد وتنقص، وبالله التوفيق.
وهذا آخر ما يتعلق بالفصل الثالث، وقد كان الحديث فيه عمن قال: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وذكر شبههم ومواقفهم من نصوص الشرع المخالفة لقولهم مع الرد عليهم في ذلك كله.
والذي أريد أن أقوله هنا: هو أن هذه الأفكار الباطلة، والأقوال الخاطئة، والتي منها الإرجاء وعدم القول بزيادة الإيمان ونقصانه لا تزال موروثة إلى يومنا هذا، فالأمر كما قيل: لكل قوم وارث، ولكل أرض حارث.
فليس الأمر كما يزعمه بعض الناس أنها أفكار ماتت بموت أهلها، وانقرضت بانقراضهم، ثم يجعل ذلك مدخلًا له ليعترض على البحث فيها، وفي تخطئة من قال بها.
فالأمر ليس كما يزعمه هذا الزاعم، والمهون بقوله هذا من شأن العقيدة ونشرها، والدفاع عنها، وتنقيتها من الأفكار الدخيلة، فإنه يوجد من المعاصرين من يقول بتلك الأقوال، ويدافع عنها، وينتصر لها، ويسعى على قدم وساق في بثها ونشرها في الأمة.
ولعلي أشير هنا إشارة سريعة إلى بعض من تأثر بهذه الأقوال من أهل عصرنا وانتصر لها، مع التنبيه على من رد عليهم إن وجد.
ا- فمن هؤلاء محمد أنور الكشميري الديوبندي المتوفى سنة ١٣٥٢ هـ، صاحب كتاب فيض الباري على صحيح البخاري، وليت
[ ٤١٣ ]
صحيح البخاري سلم من فيض هذا الكشميري، فقد شحن كتابه بالمغالطات المكشوفة، والافتراءات الواضحة، والتأويلات البغيضة، والسباب لبعض أهل العلم، كل ذلك بعبارات مفككة، وأسلوب غث ضعيف.
ومن مفضوح أكاذبيه وأوضح مغالطاته قوله عن الإمام المصلح، والداعية المجدد الشيخ محمد عبد الوهاب رحمه الله تعالى: "أما محمد بن عبد الوهاب النجدي فإنه كان رجلًا بليدًا قليل العلم فكان يتسارع إلى الحكم بالكفر، ولا ينبغي أن يقتحم في هذا الوادي إلا من يكون متيقظًا متقنًا عارفًا بوجوه الكفر وأسبابه"١.
قلت: ولا يقول هذا من يدري ما يقول، بل لا يقوله إلا حانق حاقد مريض القلب بالهوى.
أما من عرف الشيخ وخبر سيرته وطالع مؤلفاته وتجنب الأهواء المضلة والدعايات الكاذبة لا يجد إلا سيرة عالم فذ، وإمام مجدد، ومصلح غيور، ولا تزال دعوته تؤتي أكلها- وان رغمت أنوف- بحمد الله تعالى.
وقول الكشميري عن الشيخ إنه يتسارع في التكفير كذب على الشيخ وافتراء عليه تبرأ منه الشيخ نفسه، قال ﵀: "وأما ذكره الأعداء عني أني أكفر بالظن وبالموالاة أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة. فهذا بهتان عظيم، يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله"٢.
ويقول حفيده الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن: "والشيخ محمد ﵀ من أعظم الناس توقفًا وإحجامًا عن إطلاق الكفر، حتى إنه
_________________
(١) ١ فيض الباري (١/ ١٧٠، ١٧١) . ٢ مجموع المؤلفات (٥/٢٥) .
[ ٤١٤ ]
لم يجزم بتكفير الجاهل الذي يدعو غير الله من أهل القبور أو غيرهم إذا لم يتيسر له من ينصحه ويبلغه الحجة التي يكفر تاركها"١.
وقد أطال الكشميري في كتابه المتقدم الكلام على مسألة الإيمان على طريقة المرجئة، وقد قام بنقده والرد عليه الشيخ محمد أمين المصري في كتابه من هدي سورة الأنفال٢، والشيخ ابن عبد الحق النورفوري في كتابه إرشاد القارىء في الرد على كتاب فيض الباري، والكتاب لا يزال مخطوطًا، وهو مشتمل على ردود جيدة وتتبعات دقيقة، إلا أن مؤلفه لم يكمله بعد، يسر الله له إكماله وطبعه.
٢- ومنهم جهمي هذا العصر وحامل لواء التعطيل فيه محمد زاهد الكوثري المتوفى سنة ١٣٧١ هـ في كتابه تأنيب الخطيب وفي غيره من كتبه، وأكاذيب هذا الرجل لم تعد تخفى على أحد، وسوآته الفكرية تمتلىء بها كتب السنة التي قام بإخراجها وتحقيقها.
وقد شفى وكفى في الرد عليه وبيان كذبه ومغالطاته الشيخ العلامة ذهبي هذا العصر عبد الرحمن المعلمي في كتابه الفذ "التنكيل بما في كتاب الكوثري من الأباطيل"٣.
_________________
(١) ١ منهاج التأسيس والتقديس (ص ٩٨، ٩٩) . وانظر كتاب "عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي" للشيخ صالح العبود (ص ٢٠٦ وما بعدها) وكتاب: "دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عرض ونقد" للشيخ عبد العزيز العبد اللطيف (ص ١٦٢ وما بعدها) . ٢ انظره من (ص ١٠٤ وما بعدها) . ٣ انظر رد المعلمي عليه فيما يتعلق بمسألة الإيمان في التنكيل (٢/٣٦٢ وما بعدها) .
[ ٤١٥ ]
٣- ومنهم مريد الكوثري والمتهالك في حبه عبد الفتاح أبو غدة، ودور هذا المريد ظاهر في حرثه لأفكار شيخه والإشادة بها، ووصف كلام شيخه بأنه تحقيق متين، وإطارئه دائمًا بالعلامة والمحقق والإمام وغير ذلك.
ولنشر هنا إلى بعض كلام أبي غدة فيما يتعلق بمسألة زيادة الإيمان ونقصانه ورأيه فيه.
فقد نقل كعادته كلام شيخه محتفيًا به رغم ما في كلام شيخه من ثلب للسلف بعامة، ولإمام المحدثين وأمير المؤمنين في الحديث أبي عبد الله البخاري بخاصة.
واسمع ماذا نقل عن شيخه في الطعن بالإمام البخاري ﵀.
قال- أي الكوثري-: "ومن الغريب أن بعض من يعدونه من أمراء المؤمنين في الحديث يتبجح قائلًا: إني لم أخرج في كتابي عمن لا يرى أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص مع أنه أخرج عن غلاة الخوارج ونحوهم في كتابه وهو يدري أن الحديث القائل بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص غير ثابت عند النقاد، ولا التفات إلى المتساهلين ممن لا يفرقون بين الشمال واليمين ".
ومن شدة احتفاء هذا المريد بكلام شيخه المتقدم، رغم ما فيه من اساءات ومغالطات، فقد نقله في موضعين من مؤلفاته١ ثم وصفه بأنه بيان شافي!!
_________________
(١) ١ انظر هامش الرفع والتكميل للكنوي (ص ٣٠) وهامش قواعد في علوم الحديث للتهانوي (ص ٢٣٧) كلاهما بتحقيق أبي غدة.
[ ٤١٦ ]
قلت: ولننبه على بعض ما في هذا البيان الشافي من مغالطات:
أولًا: في وصفه للإمام البخاري بأنه "يعدونه من أمراء المؤمنين في الحديث"إشارة إلى أنه ليس معدودًا عندهم كذلك ولا يقول هذا إلا مكابر ممرض، والبخاري ﵀ أمير المؤمنين في الحديث وإمامهم رغم بغض شانئيه، ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم.
ثانيًا: وصفه للبخاري ﵀ بأنه "يتبجح "وقد جاء في تهذيب اللغة للأزهري في مادة "بجح"عن الليث وغيره: فلان يتبجح بفلان ويتمجح إذا كان يهذي به إعجابًا١.
قلت: فاختيار هذه الكلمة دون غيرها في وصف أمير المؤمنين في الحديث وقدوة الموحدين والمقدم على أضرابه وأقرانه يدل على قلة ورع قائله وسوء أدبه وبذائة أسلوبه وسلاطة لسانه مع العلماء وخاصة مع الأكابر منهم، وليس هذا بغريب من الكوثري فله قصب سبق في هذا المضمار، بل هو فارس هذا الميدان وحامل لوائه، وسبابه وشتائمه لأئمة الدين وهداة الإسلام لا تحصى إلا بكلفه، ومن ألقى نظرة عاجلة في بعض مؤلفاته أو تعليقاته علم ذلك٢.
ثالثًا: اعتراضه على البخاري في قوله بأنه لم يخرج في صحيحه
_________________
(١) ١ تهذيب اللغة (٤/ ١٦٤) . ٢ وانظر لزامًا التنكيل للمعلمي كاملًا، ورسالة براءة أهل السنة عن الوقيعة في علماء الأمة للشيخ بكر أبو زيد، وكتاب الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للشيخ شمس الدين بن محمد أشرف (ص ١٣٧ وما بعدها) ففي هذه الكتب البيان الشافي والتحقيق الوافي لحال هذا الخبيث المارد.
[ ٤١٧ ]
عمن يرى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، مع أنه أخرج فيه عن غلاة الخوارج ونحوهم.
قلت: روى قول البخاري المتقدم عنه وراقه محمد بن أبي حاتم قال سمعته- أي البخاري- يقول دخلت بلخ، فسألوني أن أملي عليهم لكل من كتبت عنه حديثًا، فأمليت ألف حديث لألف رجل ممن كتبت عنهم.
قال: وسمعته قبل موته بشهر يقول: كتبت عن ألف وثمانين رجلًا ليس فيهم إلا صاحب حديث، كانوا يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص١.
قلت: وهذا الذي سماه الكوثري: "تبجحًا"يعد في معيار العدل والإنصاف ميزة ومنقبة لكتاب البخاري الصحيح؛ لأن عدم الرواية عن مثل هؤلاء وإن كانوا حفاظًا فيه إخماد لبدعتهم وإطفاء لنارها.
قال بن دقيق العيد: "إن وافقه غيره فلا يلتفت إليه إخمادًا لبدعته وإطفاءًا لناره، وإن لم يوافقه أحد ولم يوجد ذلك الحديث إلا عنده مع ما وصفنا من صدقه وتحرزه عن الكذب واشتهاره بالتدين وعدم تعلق ذلك الحديث ببدعته فينبغي أن تقدم مصلحة تحصيل ذلك الحديث ونشر تلك السنة على مصلحة إهانته وإطفاء ناره"٢.
إذن فماذا يضير البخاري ﵀ إن ترك الرواية عن مثل هؤلاء وتمدح بفعله هذا ليكون في عمله هذا إخمادًا لهذه البدعة وعدم نشر لها ولاسيما وأن تخريج البخاري لأي راو في صحيحه مقتض لعدالته عنده، فإن ترك البخاري ﵀ الرواية عن مثل هؤلاء- على بحث عند أهل
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء (١٢/ ٣٩٥) . ٢ التنكيل (١/٤٩) .
[ ٤١٨ ]
العلم في جواز الرواية عنهم أو عدم جوازها١ سائغ لتيسر الرواية عنده عن غيرهم ممن شاركوهم في الرواية لتلك الأحاديث، وفارقوهم في عدم الابتداع، ولما في عمله هذا من مصلحة إخماد البدعة وعدم تقديم أهلها وإبرازهم.
ولأمر آخر وهو أن أهل البدع كما سماهم السلف: "أصحاب أهواء"وأتباعهم لأهوائهم في الجملة ظاهر، فلربما يكذب ويتجرأ على الكذب لينتصر لهواه- كما سبق أن مر معنا عن بعض هؤلاء- ولهذا المعنى قال علي بن حرب الموصلي: "كل صاحب هوى يكذب ولا يبالي"قال المعلمي معلقًا عليه "يريد والله أعلم أنهم مظنه ذلك فيحترس من أحدهم حتى يتبين براءته"٢.
وأمر آخر أيضًا وهو أن البخاري ﵀ لم يخرج في صحيحه عمن كان داعية إلى بدعته، وإنما خرج عمن كان مستترًا بها غير مظهر لها، كما قال شيخ الإسلام ﵀: "ولهذا لم يخرج أهل الصحيح لمن كان داعية، ولكن رووا هم وسائر أهل العلم عن كثير ممن كان يرى في الباطن رأى القدرية والمرجئة والخوارج والشيعة"٣.
فترك البخاري الرواية عن أهل هذه البدعة لمثل هذه الأسباب المتقدمة يعد منقبة لصحيحه ﵀، وميزة له، وحق له أن يذكرها وإن كان في ذكره لها يقصد التأكيد على الحذر من أهل هذه الأهواء ومجانبتهم
_________________
(١) ١ طالع تفصيل هذه المسألة في: هدي الساري لابن حجر (ص ٣٨٥)، وفي التنكيل للمعلمي (١/ ٤٢ وما بعدها) بحث جيد وتحرير واف لهذه المسألة فليطالع. ٢ التنكيل (١/٤٤) . ٣ الفتاوى (٧/ ٣٦٨) .
[ ٤١٩ ]
وعدم التلقي عنهم ليسلم للمرء دينه ومعتقده، فرحم الله البخاري على شدة تحريه وقوة حرصه على سلامة التوحيد والسنة، ولكن هذا كله يعد في ميزان الغوغائيه مذمة له والله المستعان.
رابعا: قوله: "وهو يدري أن الحديث القائل بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص غير ثابت عند النقاد، ولا التفات إلى المتساهلين ممن لا يفرقون بين الشمال واليمين..".
قلت: وصنيع الكوثري هنا خداع عجيب ومكر مفضوح فهو يوهم القارىء أن البخاري ﵀ إنما اعتمد بقوله في زيادة الإيمان ونقصانه على هذا الحديث الضعيف الذي لا يثبت عند نقاد الحديث لكن البخاري- كما يرى هذا الزاعم- احتج به على قوله بل ولم يجد له حجة على قوله غيره.
فيقال لهذا الكوثري المخادح: إنما أنت مفتر، فقد قرأت أدلة البخاري في كتابه الصحيح على هذه المسألة، نصوص بينة من كتاب الله، وأحاديث نيرة من كلام رسول الله ﷺ ساقها ﵀ مستدلًا بها على زيادة الإيمان ونقصانه قال ﵀:
باب زيادة الإيمان ونقصانه، وقول الله تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ ١ وقال: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٢، وقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ٣ فإذا ترك شيئًا من الكمال فهو ناقص.
ثم ساق بسنده حديث أنس عن النبي ﷺ قال: "يخرج من النار من
_________________
(١) ١ سورة الكهف، الآية: ١٣. ٢ سورة المدثر، الآية: ٣١. ٣ سورة المائدة، الآية: ٣.
[ ٤٢٠ ]
قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير- الحديث "ثم أشار إلى لفظة أخرى للحديث فيها "من إيمان"لا مكان "من خير" ١.
فهل البخاري ﵀ احتج على قوله بأن الإيمان يزيد وينقص بذلك الحديث كما يزعمه الكوثري، أو أنه استدل على قوله بهذه الآيات البينات والحديث الواضح.
أقول: لا شك أن الكوثري كان يعلم بماذا احتج البخاري على مذهبه، وبماذا استدل على قوله، ولكن من دأب على المكر والتدليس والتلبيس على الأغمار من شأنه أن يتجاهل تلك الاستدلالات، ويتغافل ويتعامى عنها، لينفذ بعد ذلك إلى ما يريد.
وعلى كل فهذه التلبيسات المفضوحة والمغالطات المكشوفة سماها مريده أبو غدة بيانًا شافيًا، والأمر في الحقيقة لا يعدو كونه حبًا مفرطًا في الشيخ وتعلقًا بأقواله وتعظيمًا لها، لا أقل ولا أكثر، رغم أن تلك الأقوال لا تحمل علمًا يذكر، فضلًا عما فيها من مغالطات وأكاذيب.
٤- ومنهم الشيخ حسن أيوب وذلك في كتابه "تبسيط العقائد الإسلامية"فقد سلك فيه طريقة المرجئة في مسائل الإيمان، بالإضافة إلى ما فيه من انحرفات عقدية أخرى.
وقد كتب الشيخ أبو تراب الظاهري في الرد عليه مقالًا نشر في جريدة المدينة٢ بعنوان: "التحذير مما كتب الشيخ حسن أيوب في تبسيط العقائد الإسلامية ".
_________________
(١) ١ صحيح البخاري (١/ ١٠٣ فتح) . ٢ جريدة المدينة عدد (٦١٩٧) الخميس ١٣/٥/١٤٠٤ هـ.
[ ٤٢١ ]
ذكر في أوله أنه اطلع على هذا الكتاب الذي شاع وانتشر بين الناس ثم قال: "فراعني فيه أشياء تمس العقيدة الصحيحة فتنحرف بها عن جادة الصواب والحق، وأشفقت أن يعتنقها الشباب في هذا العصر غضة عقولهم فترسخ في أذهانهم فيتنكبوا السبيل الأقوم فبادرت إلى كتابه هذا الرد على ما كتبه الشيخ حسن أيوب ليتنبه له قراؤه ويلتزموا المسلك الصحيح وأول المآخذ على كتابه المذكور: أنه قرر مذهب المرجئة والجهمية في الإيمان، وصحح هذا المذهب ونسبه إلى الجمهور "ثم شرع في نقده والرد عليه.
٥- ومنهم محمد إدريس الكاندهلوي كما في كتابه: "تحفة القارىء بحل مشكلات البخاري"١ وهو في كثير من المواضع فيه ينقل عن شيخه محمد أنور الكشميري، وقد تقدم الكلام على شيخه قريبًا.
هذا ولم أشأ الاستطراد بذكر جميع من وقفت على أنه قال بهذا القول من أهل عصرنا ولم أشأ كذلك تسمية المؤسسات العلمية القائمة عليه وإنما أردت فقط الإشارة إلى بعض الأفراد من القائلين بهذا القول، لأدل بهم على غيرهم، ولأنبه بهم على من سواهم، ولأبين كذب دعوى من قال إن هذه الأفكار قد ماتت ولم يين منها شيء في زماننا.
ثم إن هؤلاء الخالفين الذين أشرت إلى بعضهم لم يأتوا بجديد في مجال الاستدلال غير تكرار شبه من سبقهم، وإعادة ترديدها، وهذا يفيدنا أن الردود التي ذكرت سابقًا في الرد على أسلافهم كافية في الرد عليهم.
_________________
(١) ١ تقدمت الإحالة على كلامه ني هذه المسألة في مواضع كثيرة من هذه الرسالة.
[ ٤٢٢ ]
هذا والله أسأل أن يغيث قلوبنا بالإيمان الصحيح، والسنة القويمة، وأن يعيذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
[ ٤٢٣ ]
*
الفصل الرابع: في سبب الخلاف في هذه المسألة ونشأته هل هو حقيقي أو لفظي
*
الفصل الرابع:في سبب الخلاف في هذه المسألة ونشأته وهل هو حقيقي أو لفظي
بعد هذا العرض لأقوال الطوائف في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه، بقي مباحث متفرقة في هذه المسألة حول الخلاف فيها ونشأته وهل هو جوهري أو لفظي؟ فقد آثرت أن أعقد لها هنا فصلًا مستقلًا لأستوفي فيه بحثها حسب المقدور، مستعينًا بالله.
وعداد هذه المسائل المبحوثة هنا ثلاث، أفردت لكل مسألة منها مبحثًا مستقلًا وهي كما يلي:
المبحث الأول: في ذكر سبب نشوء الخلاف في هذه المسألة ز
المبحث الثاني: في ذكر هل الخلاف في هذه المسألة عائد إلى تعريف الإيمان أو لا؟
المبحث الثالث: في الكلام عن الخلاف في هذه المسألة هل هو لفظي أو حقيقي؟
[ ٤٢٥ ]
المبحث الأول: في ذكر سبب نشوء الخلاف في هذه المسألة
بعد طول العرض لأقوال الناس في هذه المسألة من قائل بزيادة الإيمان ونقصانه إلى قائل بالزيادة دون النقصان إلى قائل بعدم الزيادة والنقصان قد ينقدح في ذهن القارىء تساؤل يطلب جوابه، وهو ما الذي أثار هذه القضية بين المسلمين، وجعلها تبحث هذا البحث، ويدور حولها هذا الجدل الطويل العريض بين متجاذبين منهم المحق ومنهم المبطل؟
أما كان الناس زمن الصحابة ﵃ يقرأون القرآن الكريم ويسمعون السنة النبوية ويعلمون منهما أن الإيمان يزيد وينقص، ويحس بذلك كل واحد منهم في نفسه وفي إخوانه وجلسائه، ولأجله كانوا يجلسون مجال ذكر وإيمان يطلبون فيها زيادة الإيمان ويجانبون مجالس اللغو واللهو، ويحذرون منها خشية نقصان الإيمان، ولا يعرف في أزمانهم مخالف لهم في ذلك، بل إن ذلك يعد بمثابة الإجماع منهم. فما الذي جعل بعض من جاء بعدهم يتشكك في هذا الأمر، ويستريب منه، ويضع دونه شبهًا واستفهامات؟
وما الذي جعل البعض يدعي أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص رغم وضوح الأمر وبيانه وعدم خفائه حتى إنه ليقال فيه إنه أمر معلوم من الدين بالضرورة؟
[ ٤٢٧ ]
وما الذي كان وراء نشوء هذه المسألة وحدوثها بعد أن لم تكن معروفة قبل؟
فهذا سؤال يطرح نفسه – كما يقولون -، والجواب عنه أن يقال: الأمر كما ذُكر لم يكن بين الصحابة ﵃ أي خلاف في هذا الأمر بل ولا في غيره من مسائل أصول الدين وأساسياته، وإنما الخلاف في ذلك نجم بعدهم، وذر قرنه في أواخر زمانهم، والصحابة ﵃ كانوا أقل فتنًا من سائر من بعدهم فإنه كلما تأخر العصر عن النبوة كثر التفرق والخلاف، ولهذا لم تحدث في خلافة عثمان بدعة ظاهرة، فلما قتل وتفرق الناس حدثت بدعتان متقابلتان بدعة الخوارج المكفرين لعليّ، وبدعة الرافضة المدعين لإمامته وعصمته أو نبوته أو إلاهيته.
ثم لما كان في آخر عصر الصحابة في إمارة ابن الزبير وعبد الملك حدثت بدعة المرجئة والقدرية، ثم لما كان في أول عصر التابعين في أواخر الخلافة الأموية حدثت بدعة الجهمية المعطلة، والمشبهة الممثلة، ولم يكن على عهد الصحابة شيء من ذلك"١.
وهكذا بدأت الفتن تتتابع، ونار الأهواء تضطرم وتتفاقم فكثرت البدع في الأمة وفشت، وتزايدت الفرق وكثرت حتى تحقق في الأمة قول الصادق المصدوق ﷺ: "وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة" ٢.
ولا شك أن وراء تلك الفتن أناس حاقدون على الإسلام وأهله يسوؤهم انتشار هذا الدين ويغيظهم كثرة أهله فجهدوا في إضرام تلك
_________________
(١) ١ منهاج السنة النبوية لابن تيمية (٦/ ٢٣١) . ٢ تقدم تخريحه (ص ٣٦٣) .
[ ٤٢٨ ]
النار وتفانوا في إشعالها أمثال عبد الله بن سبأ اليهودي، والجعد بن درهم، والجهم بن صفوان وغيرهم من رؤوس الضلال.
فهذا سبب نشوء البدع بعموم، أما بدعة القول بعدم زيادة الإيمان ونقصانه خاصة فسبب نشأتها يرجع إلى بدعة الخوارج في تكفير مرتكب الكبيرة والحكم بخلوده يوم القيامة في نار جهنم، فإن هذه البدعة جرت وراءها بدعًا، وبيان ذلك أن الخوارج لما قالوا ببدعتهم احتجوا لها بنصوص الوعيد والتهديد، وأهملوا ما يقابلها من نصوص الرجاء والثواب والمغفرة، فقابلتهم طائفة ببدعة أخرى فقالت: إن المعاصي ليس لها تأثير في الإيمان فالإيمان لا يضر معه ذنب كما أن الكفر لا ينفع معه طاعة، واحتجوا لقولهم هذا بنصوص الوعد والرجاء، وأهملوا نصوص الوعيد كلها فقابلوا بدعة الخوارج ببدعة مثلها.
فجاءت المعتزلة وتوسطوا في الأمر حسب ظنهم فقالوا: إن مرتكب الكبيرة يخرج من الإيمان لكنه لا يدخل في الكفر بل يكون في منزلة بين المنزلتين، أي بين منزلة الكفر ومنزلة الإيمان في الدنيا فأحدثوا بذلك بدعة ثالثة مع موافقتهم للخوارج في الحكم عليه بالخلود في النار.
فالمرجئة جعلوه في منزلة الإيمان الكامل، والخوارج جعلوه في منزلة الكفر الكامل والمعتزلة لم يجعلوه لا في الكفر ولا في الإيمان، فهذه ثلاث بدع.
والحقيقة أن هذه البدع الثلاث عائدة إلى اعتقاد الجميع أي الخوارج والمعتزلة والمرجئة أنه لا يجتمع مع الإيمان شيء من شعب الكفر أو شعب النفاق فإن وجد شيء من ذلك انتفى الإيمان كله عند الجميع.
قال شيخ الإسلام: "والأصل الذي منه نشأ النزاع اعتقاد من اعتقد
[ ٤٢٩ ]
أن من كان مؤمنًا لم يكن معه شيء من الكفر والنفاق، وظن بعضهم أن هذا إجماع كما ذكر الأشعري أن هذا إجماع فهذا كان أصل الإرجاء فلما كان هذا أصلهم صاروا حزبين. قالت الخوارج والمعتزلة قد علمنا يقينًا أن الأعمال من الإيمان فمن تركها فقد ترك بعض الإيمان، وإذا زال بعضه زال جميعه لأن الإيمان لا يتبعض، ولا يكون في العبد إيمان ونفاق فيكون أصحاب الذنوب مخلدين في النار إذ كان ليس معهم من الإيمان شيء..
إلى أن قال: فقالت الجهمية والمرجئة: قد علمنا أنه ليس يخلد في النار أي مرتكب الكبيرة- وأنه ليس كافرًا مرتدًا بل هو من المسلمين، وإذا كان من المسلمين وجب أن يكون مؤمنًا تام الإيمان، ليس معه بعض الإيمان لأن الإيمان عندهم لا يتبعض فاحتاجوا أن يجعلوا الإيمان شيئًا واحدًا يشترك فيه جميع أهل القبلة"١.
أما كون الإيمان لا يجتمع معه شيء من شعب الكفر أو النفاق، فقد سبق أن أبطلته مستدلًا على إبطاله بنصوص كثيرة٢، وكذلك جعل الإيمان كلًا واحدًا لا يتجزأ إذا ذهب بعضه ذهب كله سبق التنبيه على بطلانه٣. وأما عن موقف أهل السنة والجماعة من هذه المواقف الثلاثة أي من موقف الخوارج والمعتزلة، والمرجئة فيتلخص في: "أن أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرًا ينقل عن الملة بالكلية كما قالت الخوارج، إذ لو كفر كفرًا ينقل عن الملة لكان مرتدًا يقتل على كل حال، ولا يقبل عفو ولى القصاص، ولا تجري الحدود في
_________________
(١) ١ الفتاوى (١٣/ ٤٨، ٥٥) . ٢ انظر ما سبق في (ص ٣٥٣ وما بعدها، وص ٣٨٠ وما بعدها) . ٣ انظر ما سبق في (ص ٣٥٠ وما بعدها) .
[ ٤٣٠ ]
الزنى والسرقة وشرب الخمر، وهذا القول معلوم بطلانه وفساده بالضرورة من دين الإسلام.
ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان والإسلام، ولا يدخل في الكفر، ولا يستحق الخلود في النار مع الكافرين، كما قالت المعتزلة، فإن قولهم باطل أيضًا، إذ قد جعل الله متركب الكبيرة من المؤمنين قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ إلى أن قال: ﴿بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ١، فلم يخرج القاتل من الذين آمنوا، وجعله أخًا لولي القصاص، والمراد أخوة الدين بينهما. إلى أن قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ ٢. ومتفقون على أنه يستحق الوعيد المرتب على ذلك الذنب، كما وردت به النصوص، لا كما يقوله المرجئة، من أنه لا يضر مع الإيمان ذنب، ولا ينفع مع الكفر طاعة.
وإذا اجتمعت نصوص الوعد التي استدلت بها المرجئة، ونصوص الوعيد التي استدلت بها الخوارج والمعتزلة، تبين لك فساد القولين. ولا فائدة في كلام هؤلاء سوى أنك تستفيد من كلام كل طائفة فساد مذهب الطائفة الأخرى"٣.
وكذلك نستفيد منه فائدة أخرى، وهي وضوح وسطية أهل السنة والجماعة الحقة بين الإفراط والتفريط، وذلك في جمعهم بين النصوص وتأليفهم بينها.
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية: ١٧٨. ٢ سورة الحجرات، الآية: ١٠. ٣ شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٤٤٢، ٤٤٤) باختصار.
[ ٤٣١ ]
وخلاصة قول أهل السنة والجماعة في مرتكب الكبيرة انه يعد مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمنًا بإيمانه فاسقًا بكبيرته، فلا يعطى الاسم المطلق ولا يسلب مطلق الاسم بكبيرته١.
ثم إن المرجئة والخوارج والمعتزلة يستدلون بنصوص ظاهرها أن المؤمنين لا يعذبون، ويستدل المعتزلة والخوارج بنصوص ظاهرها أن مرتكب الكبيرة لا يبقى مؤمنًا، ويستدل الخوارج بنصوص ظاهرها أن ارتكاب بعض الكبائر كفر.
وأهل السنة يجيبون عن الأولين، بأن المراد الإيمان الكامل، وعن الثالث بأنه كفر دون كفر، فهو كفر يقتضي نقص الإيمان لا زواله، ويدفع المرجئة الجواب المذكور بقولهم: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، والأعمال ليست من الإيمان٢.
فهذا تلخيص موجز لأصل نشوء الخلاف في هذه المسألة، وسبب حدوثه، ومن المعلوم أن البدع تتوالد، وأن بعضها ينشأ من بعض، ومن يطالع كتب المقالات والفرق يعلم ذلك.
ولنشوء البدع عمومًا ثلاثة أسباب بها أختم هذا المبحث:
أحدها: أن يعتقد الإنسان في نفسه أو يعتقد فيه أنه من أهل العلم، فيفتي بغير علم فيضل ويضل.
والثاني: اتباع الهوى، ولذلك سمي أهل البدع أهل الأهواء لأنهم
_________________
(١) ١ انظر العقيدة الواسطية لابن تيمية (ص ١٥١) شرح الهراس وانظر الفتاوى (٧/٢٤١) . ٢ انظر التنكيل للمعلمي (٢/٣٦٤) .
[ ٤٣٢ ]
اتبعوا أهواءهم، فلم يأخذوا الأدلة الشرعية مأخذ الإفتقار إليها والتعويل عليها، بل قدموا أهواءهم واعتمدوا على
آرائهم. ثم جعلوا الأدلة الشرعية منظورًا فيها من وراء ذلك.
والثالث: التصميم على اتباع العوائد، وإن فسدت أو كانت مخالفة للحق.
ذكر هذه الأسباب الشاطبي في كتابه "الاعتصام"مفصلة ثم قال:
"وهذه الأسباب الثلاثة راجعة في التحصيل إلى وجه واحد وهو: الجهل بمقاصد الشريعة، والتخرص على معانيها بالظن من غير تثبت أو الأخذ فيها بالنظر الأول، ولا يكون ذلك من راسخ في العلم، ألا ترى أن الخوارج كيف خرجوا عن الدين كما يخرج السهم من الصيد المرمي؟ لأن رسول الله ﷺ وصفهم بأنهم يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يعني- والله أعلم- أنهم لا يتفقهون به حتى يصل إلى قلوبهم لأن الفهم راجع إلى القلب، فإذا لم يصل إلى القلب لم يحصل فيه فهم على حال وإنما يقف عند محل الأصوات والحروف فقط، وهو الذي يشترك فيه من يفهم ومن لا يفهم"١.
فالجهل بدين الله، وعدم البصيرة فيه، وترك التفقه في الكتاب والسنة، وعدم التعويل عليهما، والرجوع إليهما في مسائل الدين، أصل كل ضلال، وجميع ما مر بنا من بدع وأخطاء ومخالفات في مسائل الإيمان، وكذلك ما لم يمر فيه وفي غيره، مرجعه الرئيس وأساسه الأول، هو هذا.
_________________
(١) ١ الاعتصام (٢/ ١٨٢) .
[ ٤٣٣ ]
وما أجمل ما كان يردده شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مناسبات عديدة إذ يقول: "من فارق الدليل ضل السبيل، ولا دليل إلا بما جاء به الرسول"١.
وفقنا الله للتمسك بكتاب والاعتصام بسنة نبيه محمد ﷺ، وحمانا بمنه وكرمه من البدع والأهواء المضلة.
_________________
(١) ١ مفتاح دار السعادة لابن القيم (ص ٩٠) .
[ ٤٣٤ ]
المبحث الثاني: في ذكر هل الخلاف في هذه المسألة عائد إلى الخلاف في تعريف الإيمان أو لا؟
ذهب جماعة من المتكلمين منهم الرازي والجويني وغيرهما إلى أن الخلاف في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه عائد إلى الخلاف في تعريف الإيمان أي أن من قال إن الإيمان إعتقاد وقول وعمل فالإيمان عنده يزيد ينقص باعتبار زيادة الأعمال ونقصانها، ومن أخرج العمل من مسمى الإيمان عنده لا يزيد ولا ينقص لعدم إمكان حصول الزيادة والنقصان في التصديق لما يقتضيه في رأيهم من الشك والريب١.
قال الجويني: "فمن أطلق اسم الإيمان على الطاعات كلها يقول على مساق أصله، يزيد الإيمان بزيادة الطاعات وينقص بنقصها، ومن قال الإيمان هو التصديق فمن علم وعرف حقًا فلا يتفاوت التصديق بالأعمال زادت أو نقصت"٢.
قال البيهقي في باب "القول في زيادة الإيمان ونقصانه وتفاضل
_________________
(١) ١ انظر العقيدة النظامية للجويني (ص٣٨٨)، وشعب الإيمان للبيهقي (١/١٥٩)، والمواقف للإيجي (ص٣٨٨)، وشرح العقائد النسفية للتفتازاني (ص١٢٥)، والنبراس شرح العقائد للفرهاري (ص٤٠٥)، وروح المعاني للألوسي (٩/١١٦)، وعمدة القاري للعيني (١/١٠٧)، وفيض الباري للكشميري (١/٦٢)، والإيمان لمحمد نعيم ياسين (ص١٥١) . ٢ العقيدة النظامية للجويني (ص٩٠) .
[ ٤٣٥ ]
أهل الإيمان في إيمانهم"من شعبه: "وهذا يتفرع على قولنا في الطاعات أنها إيمان، وهو أنها إذا كانت إيمانًا كان تكاملها تكامل الإيمان وتناقصها تناقص الإيمان، وكان المؤمنون متفاضلين في إيمانهم كما هم يتفاضلون في أعمالهم"١.
وقال الإيجي: "قال الإمام الرازي وكثير من المتكلمين: هو فرع تفسير الإيمان، فإن قلنا هو التصديق فلا يقبلهما لأن الواجب هو اليقين وأنه لا يقبل التفاوت لأن التفاوت إنما هو لإحتمال النقيض وهو ولو بأبعد وجه ينافي اليقين، وإن قلنا هو الأعمال فيقبلهما وهو ظاهر"٢.
وجميع هؤلاء بنوا قولهم المذكور على أصل فاسد عندهم وهو أن التصديق لا يقبل الزيادة أو النقصان، وقد سبق أن رددت هذا القول وبينت فساده بالنقل عن العلماء المحققين في ذلك، بما لا يدع مجالًا للتردد في أن التصديق يقبل الزيادة والنقصان دون أن يقتضي ذلك شكًا أو ريبًا في الإيمان لكن أضيف إلى ما تقدم أمرين:
الأول: ما ذكره السفاريني حول هذه المسألة على الخصوص حيث قال:
"هل قبول الإيمان للزيادة والنقصان مختص بقول السلف ومن تبعهم إن الإيمان تدخل فيه الأعمال.. أو يعم القول بأن الإيمان التصديق أيضًا؟ الحق كما قاله النووي وجماعة محققون من علماء الكلام، أن الزيادة والنقصان تدخل الإيمان ولو قلنا: إنه التصديق والإذعان لأن التصديق القلبي يزيد وينقص أيضًا بكثرة النظر ووضوح الأدلة وعدم
_________________
(١) ١ شعب الإيمان للبيهقي (١/١٥٩) . ٢ المواقف للإجي (ص ٣٨٨) .
[ ٤٣٦ ]
ذلك وما اعترض عليه به من أنه متى قبل ذلك كان شكًا، فمدفوع بأن مراتب اليقين متفاوته إلى علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، مع أنها لا شك معها "١.
ثم ذكر بعض النصوص المؤيدة لذلك.
الثاني: ما ذكره الألوسي بعد أن أشار إلى القول المتقدم حيث قالا:
"واعترض على هذا بأن عدم قبول الإيمان الزيادة والنقص على تقدير كون الطاعات داخلة في مسماه أولى وأحق من عدم قبوله ذلك إذا كان مسماه التصديق وحده، أما أولًا فلأنه لا مرتبة فوق كل الأعمال لتكون زيادة ولا إيمان دونه ليكون نقصًا، وأما ثانيًا فلأن أحدًا لا يستكمل الإيمان حينئذ والزيادة على ما لم يكمل بعد محال.
وأجيب بأن هذا إنما يتوجه على المعتزلة والخوارج القائلين بانتفاء الإيمان بانتفاء شيء من الأعمال، ونحن إنما نقول: إنها شرط كمال فيه، فلا يلزم عند الانتفاء إلا انتفاء الكمال، وهو غير قادح في أصل الإيمان"٢.
قلت: وإنما سقت الاعتراض مع الجواب عنه ليعلم فقط، لا لكونه متوجهًا.
_________________
(١) ١ لوامع الأنوار البهية (١/٤٣٠، ٤٣١)، من الأمثلة الموضحة لمراتب اليقين، اليقين بالموت، فإن كل أحد عنده علم اليقين بأنه يموت، فإذا عاين ملائكة الموت عند الحشرجة وقبل قبض الروح كان عين اليقين فإذا مات بالفعل وصل إلى درجة حق اليقين، انظر تفسير المنار (١١/٨٧) . ٢ روح المعاني للألوسي (٩/١٦٦،١٦٧)، و(٢٦/ ٩٢، ٩٣) .
[ ٤٣٧ ]
ثم قال الألوسي: "والحق أن الخلاف حقيقي وأن التصديق يقبل التفاوت بحسب مراتبه فما المانع من تفاوته قوة وضعفًا كما في التصديق بطلوع الشمس والتصديق بحدوث العالم وقلة وكثرة كما في التصديق الإجمالي والتصديق التفصيلي المتعلق بالكثير "١.
وقال: "قال النووي وجماعة محققون من علماء الكلام: إن التصديق القلبي يزيد وينقص أيضًا بكثرة النظر ووضوح الأدلة وعدم ذلك، ولهذا كان إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريه الشبه، ويؤيده أن كل واحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل حتى يكون في بعض الأحيان أعظم يقينًا وإخلاصًا منه في بعضها فكذلك التصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها.
واعترض بأنه متى قبل ذلك كان شكًا، ودفع بأن مراتب اليقين متفاوته إلى علم اليقين وحق اليقين وعين اليقين، مع أنها لا شك معها، وممن وافق النوري على ما جزم به السعد في القسم الثاني من تهذيبه"٢.
قلت: وبهذا يعلم فساد حمل القول بزيادة الإيمان ونقصانه على القول بإدخال العمل في مسمى الإيمان، لكن أزيد الأمر بيانًا وتأكيدًا فأقول: إن القول بأن الخلاف في زيادة الإيمان ونقصانه عائد إلى تعريف الإيمان متعقب من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: هو أن السلف وقد قالوا بدخول العمل في مسمى الإيمان لا يرون أن الزيادة والنقصان فيه متعلقة
_________________
(١) ١ المصدر السابق (٩/ ١٦٧) . ٢ المصدر السابق (٢٦/ ٩٣) .
[ ٤٣٨ ]
بالأعمال فقط، وإنما هو يزيد وينقص عندهم باعتبارات متعددة وبأوجه مختلفة سبق ذكرها والتدليل عليها في مبحث مستقل.
فعلى هذا فالقول بزيادة الإيمان ونقصانه عند السلف ليس مبنيًا على إدخال الأعمال في مسمى الإيمان.
الثاني: أن بعض من اعتبر أن الإيمان هو التصديق فقط والعمل خارج من مسماه، يقولون بزيادة الإيمان ونقصانه لكونهم يرون أن التصديق يزيد وينقص، وقد سبقت الإشارة إلى بعضهم. وعليه أيضًا فالقول بزيادة الإيمان ونقصانه لا تعلق له عندهم في دخول العمل في مسمى الإيمان.
الثالث: أن الخوارج والمعتزلة وقد قالوا بدخول العمل في مسمى الإيمان يرون أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، مع أن
الأعمال داخلة فيه، كما سبق ذكر مذهبهم. فلا تأثير إذن لدخول الأعمال في مسمى الإيمان عندهم على زيادة
الإيمان ونقصانه.
بقي أن يقال إن المرجئة القائلين بأن الإيمان هو التصديق وحده، أو هو التصديق والقول، والعمل خارج من مسماه، والقائلين بأن التصديق لا يقبل الزيادة والنقصان مطلقًا، قد رأوا أن الأعمال تزيد وتنقص وتتفاضل لكنها خارجة من مسماه عندهم، فتوهموا أن من أدخل العمل في مسماه قال بزيادة الإيمان ونقصانه لذلك، وأن من أخرج العمل من مسماه قال بأنه لا يزيد ولا ينقص، وعليه رأوا أن الخلاف في المسألة يرجع إلى الخلاف في تعريف الإيمان ومن ثم أيضًا رأوا أن الخلاف في المسألة لفظي، فكل ذلك نتج بسبب ذاك التوهم ولقد انطبق عليهم في هذا قول القائل: "أناس مضوا تحت التوهم ظنوا أن الحق معهم وكان
[ ٤٣٩ ]
الحق وراءهم١!!.
_________________
(١) ١ انظره في سير أعلام النبلاء (١٧/١٢١)، وقد تعقب الذهبي قائله بتعقب مليح، فليطالع.
[ ٤٤٠ ]
المبحث الثالث: في الكلام عن الخلاف في هذه المسألة هل هو لفظي أو حقيقي؟
كأن معالم هذا الموضوع والقول الفصل فيه بان واتضح في عطف المبحث السابق، لكن ذلك لا يمنع من أن نفرده هنا ليأخذ نصيبه من البحث والتجلية، وبخاصه أنني قد وقفت على كم هائل من أقوال للمتكلمين يزعمون فيها أن الخلاف في هذه المسألة لفظي وليس حقيقيًا، وصوري وليس جوهريًا"١.
وهذا القول منهم مبني على وهمهم السابق الذي تقدم التنبيه عليه وعلى غلطه. ولا أطيل بالنقل عن كل من وقفت على أنه قال بذلك، وإنما اكتفي بالإشارة إلى بعضهم فقط ولاسيما وأن دعوى الجميع واحدة وشبهتهم متكررة وهي: إعادتهم الخلاف في المسألة إلى الخلاف في تعريف الإيمان٢.
_________________
(١) ١ انظر المسامرة شرح المسايرة (ص ٣٧٣)، والنبراس شرح العقائد (ص ٤٠٥)، واتحاف السادة المتقين (٢/ ٢٦١)، وحاشية الكستلي على النسفية (ص ١٥٨)، وجوهرة التوحيد (ص ١٢)، وفيض الباري (١/ ٥٩، ٦٣، ٦٤) وتحفة القاريء (ص ٤٨، ٥٦)، وقواعد في علوم الحديث للتهانوي (ص ٢٣٥)، والإيمان لمحمد نعيم ياسين (ص ١٥١)، وغيرها. ٢ مع أن الخلاف في تعريف الإيمان نفسه خلاف حقيقي جوهري كما سيأتي التنبيه عليه قريبًا.
[ ٤٤١ ]
قال الكستلي في حاشيته على النسفية: "ولهذا ذهب الإمام الرازي وكثير من المتكلمين إلى أن هذا النزاع لفظي، راجع إلى تفسير الإيمان وهو التحقيق الذي يجب أن يعول عليه"١.
وقال الفرهاري في النبراس شرح العقائد: "وملخص كلامهم أن النزاع لفظي لأنه فرع تفسير الإيمان، فإن قلنا الإيمان هو التصديق فلا يقبل التفاوت إنما هو في الظن، وإن قلنا الأعمال داخلة فيه فهو يقبله"٢.
وقال كمال بن أبي شريف: "فلا خلاف في المعنى بين القائلين بقبوله الزيادة والنقصان والنافين لذلك"٣.
وقال الزبيدي في الإتحاف: "وجدت بخط بعض المصلحين ما نصه: قال الإمام البحث في زيادة الإيمان ونقصانه لفظي لأنه إن كان المراد بالإيمان التصديق فلا يقبلهما، وإن كان الطاعات فيقبلهما، فالطاعات مكملة التصديق، فكلما قام من الدليل على أن الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان٤ كان مصروفًا إلى أصل الإيمان الذي هو التصديق وكل ما دل على كون الإيمان يقبل الزيادة والنقصان فهو مصروف إلى الكامل وهو المقرون بالعمل"٥.
_________________
(١) ١ حاشية الكستلي على النسفية (ص ١٥٨) . ٢ النبراس (ص ٤٠٥) . ٣ المسامرة شرح المسايرة (ص ٣٧٣) . ٤ لم يقم أي دليل البتة على أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص لا شرعًا ولا عقلًا ولا عرفًا، خلا تلك الأحاديث الموضوعة، ولعلها المقصودة هنا!! ٥ إتحاف السادة المتقين (٢/ ٢٦١) .
[ ٤٤٢ ]
فهكذا يزعم جميع هؤلاء وغيرهم أن الخلاف في المسألة لفظي، وإنني لأتساءل كيف يكون لفظيًا وهو يناقض القرآن والسنة، ويخالفهما تمامًا، وهو على الضد تمامًا لما جاء فيهما، حتى أوقع أهله في مصادمات صريحة ومعارضات واضحة لنصوص الوحي المصرحة بزيادة الإيمان ونقصانه، مما أداهم إلى التكلف في تأويلها وصرفها عن ظاهرها، وعدم التسليم لها، كما سبق تفصيله وبيان ما ترتب عليه من فساد وشر في مبحث مستقل، فلو كان كما يقولون إنه لفظي فما الداعي إلى تلك التأويلات المتكلفة والتعسفات الواضحة في حمل النصوص على غير ظواهرها، أفلا أراحوا المسلمين من ذاك الغثاء إن كان الخلاف لفظيًا؟
بل كيف يكون لفظيًا والقولان متضادان تمامًا ومتغايران، أحدهما ينفي، والآخر يثبت في شيء واحد فهل من جمع بين ضدين أو تأليف بين نقيضين، فلو قال أحد- على سبيل المثال- عن شيء هو موجود، وقال غيره هو غير موجود، هل يمكن أن يقال إن خلافهما لفظي، إلا بتفلسفات متعسفة أو منطقيات متكلفة، ما أنزل الله بها من سلطان.
وكيف يكون الخلاف لفظيًا وقولهم هذا يؤدي إلى إضعاف الإيمان، وعدم الاكتراث بأموره، والتهوين من شأن زيادته وقوته، فإن العلماء إذا قالوا للناس إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص وأهله متساوون فيه، وإيمان جبريل والأنبياء والإيمان أفجر الناس واحد، ولا تفاضل بين الناس في الإيمان فهل ينتظر بعد ذلك من الناس الإقبال على أمور الإيمان ومتطلباته علمًا وعملًا، لا إخال ذلك يحصل البتة.
ولهذا يقول المعلمي رحمه الله تعالى في رده على الكوثرى: "وهذا القول- أي أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، والأعمال ليست من
[ ٤٤٣ ]
الإيمان- قد كان أبو حنيفة يقوله، لكن يقول الكوثري إنه مع ذلك مخالف للمرجئة في أصل قولهم، وهو أنه لا يضر مع الإيمان عمل، ولا غرض في النظر في هذا وتتبع الروايات.
بل أقول: تلك الموافقة التي يعترف بها تكفي لتبرير إنكار الأئمة، أما من لم يعرف منهم أن أبا حنيفة وإن وافق المرجئة في ذاك القول فهو مخالف لهم في أصل قولهم، فعذره في إنكاره واضح، وأما من عرف فيكفي لإنكار القول أنه مخالف للأدلة كما يأتي، وأنه قد يسمعه من يقتدي بأبي حنيفة ولا يعلم قوله أن أهل المعاصي يعذبون فيغتر بذلك، وقد يبلغ بعضهم قولاه معًا فلا يلتفتون إلى الثاني بل يقولون: رأس الأمر الإيمان، فإذا كان إيمان الفجار مساويًا لإيمان الأنبياء والملائكة ففيم العذاب، وقد دلت النصوص على أن المؤمنين لا يعذبون؟! ويحملهم ذلك على التهاون بالعمل، يقول أحدهم لم أعذب نفسي في الدنيا بما لا يزيد في إيماني شيئًا، حسبي أن إيماني مساو لإيمان جبريل ومحمد ﵉! ويحملهم ذلك على احتقار الملائكة والأنبياء والصديقين، قائلين: أعظم ما عندهم الإيمان، وأفجر الفجار مساو لهم فيه!
وإذا كان أبو حنيفة كما يقول الكوثري يرى أن الإيمان هو الاعتقاد القلبي الجازم، وأنه لا يزيد ولا ينقص، فقد يبلغ هذا بعض الناس فيقول: إذا كنت لا أصير مؤمنًا إلا بأن يكون يقيني مساويًا ليقين جبريل ومحمد ﵉ فهذا ما لا يكون، ففيم إذا أعذب نفسني بالأعمال فأجمع عليها عذاب الدنيا وعذاب الآخرة؟
وبعد فيكفي مبررًا لإنكار ذاك القول مخالفته للنصوص
[ ٤٤٤ ]
الشرعية"١
قلت: وليتأمل كلامه ﵀ فهو يدل على علم جم، وفهم ثاقب، ومعالجات حكيمة، أسكن الله قائله فراديس جناته.
ولهذا صرح بعض محققي هؤلاء بأن الخلاف في المسألة جوهري وليس لفظيًا، كما سبق النقل عن بعضهم في ذلك، مثل النووي والألوسي وغيرهما، حتى إن الألوسي ﵀ قال: "والحق أن الخلاف حقيقي، وأنا التصديق يقبل التفاوت.. وما علي إذا خالفت في بعض المسائل مذهب الإمام الأعظم أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه، للأدلة التي لا تكاد تحصى، فالحق أحق بالإتباع، والتقليد في مثل هذه المسائل من سنن العوام"٢.
ثم كيف يكون الخلاف لفظيًا رقد كفر بعض هؤلاء من قال إن الإيمان يزيد وينقص وبدعوه، وحرموا تزويجه، وتجرأوا بذلك على صدر هذه الأمة من صحابة وتابعين الخيار العدول، فالقول بزيادة الإيمان ونقصانه قولهم، والكتاب والسنة هو مستندهم فيه، فهل يجرؤ على تبديع هؤلاء فضلًا عن تكفيرهم إلا من سفه نفسه وحكم بغيها؟!
ولئن عد الخلاف مع بعض هؤلاء لفظيًا- تجوزًا- لخفة غلطهم عن غيرهم ممن زاد في الغلو وأوغل في الضلال، فإنه لا يعد كذلك بأي حال من الأحوال ولا أي وجه من الوجوه مع أولئك الذين أوغلوا في الضلال فكفروا من قال إن الإيمان يزيد وينقص وبدعوه، وكذبوا في ذلك أحاديث على رسول الله ﷺ، وتقحموا أمورًا عظامًا، ورزايًا جسامًا،
_________________
(١) ١ التنكيل (٢/ ٣٦٥) . ٢ روح المعاني (٩/ ١٦٧) .
[ ٤٤٥ ]
وهم كثر.
فإن البون بين هؤلاء وبين أهل السنة شاسع، والهوة عميقة، ولا مهاودة في الأمر، إلا أن يخوضوا في حديث غيره، ويعيدوا الأمر إلى نصابه.
وتأكيدًا لما أقرره هنا من أن الخلاف في المسألة جوهري حقيقي وليس لفظيًا صوريًا، أذكر نقلين مهمين عن عالمين جليلين، من فحول علماء عصرنا، هما سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، وفضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، حفظهما الله وأمد في عمرهما على طاعته.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله معلقًا على قول الطحاوي: "والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان"
"هذا التعريف فيه نظر وقصور، والصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة أكثر من أن تحصر، وقد ذكر الشارح ابن أبي العز جملة منها فراجعها إن شئت، وإخراج العمل من الإيمان هو قول المرجئة، وليس الخلاف بينهم وبين أهل السنة فيه لفظيًا، بل هو لفظي ومعنوى، ويترتب عليه أحكام كثيرة، يعلمها من تدبر كلام أهل السنة وكلام المرجئة والله المستعان"١.
وقال الشيخ الألباني حفظه الله معلقًا على الموضع نفسه: "قلت: هذا مذهب الحنفية والماتريدية، خلافًا للسلف وجماهير الأئمة كمالك، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي، وغيرهم، فإن هؤلاء زادوا على الإقرار والتصديق: العمل بالأركان وليس الخلاف بين المذهبين اختلافًا صوريًا
_________________
(١) ١ انظر تعليقاته على الطحاوية (١/ ٢٦٥) من مجموع فتاواه ومؤلفاته.
[ ٤٤٦ ]
كما ذهب إليه الشارح رحمه الله تعالى، بحجة أنهم جميعا اتفقوا على أن مرتكب الكبيرة لا يخرج عن الإيمان، وأنه في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه، فإن هذا الاتفاق وإن كان صحيحًا، فإن الحنفية لو كانوا غير مخالفين للجماهير مخالفة حقيقية في إنكارهم أن العمل من الإيمان، لاتفقوا معهم على أن الإيمان يزيد وينقص، وأن زيادته بالطاعة، ونقصه بالمعصية، مع تضافر أدلة الكتاب والسنة والآثار السلفية على ذلك، وقد ذكر الشارح طائفة طيبة منها، ولكن الحنفية أصروا على القول بخلاف تلك الأدلة الصريحة في الزيادة والنقصان، وتكلفوا في تأويلها تكلفًا ظاهرًا، بل باطلًا، ذكر الشارح نموذجًا منها.
بل حكى عن أبي المعين النفسي أنه طعن في صحة حديث "الإيمان بضع وسبعون شعبة".. مع احتجاج كل أئمة الحديث به ومنهم البخاري ومسلم في "صحيحيهما"وهو مخرج في "الصحيحة""١٧٦٩"وما ذلك إلا لأنه صريح في مخالفة مذهبهم!
ثم كيف يصح أن يكون الخلاف المذكور صوريًا، وهم يجيزون لأفجر واحد منهم أن يقول: إيماني كإيمان أبي بكر الصديق! بل كإيمان الأنبياء والمرسلين وجبريل وميكائيل عليهم الصلاة والسلام! كيف وهم بناءًا على مذهبهم هذا لا يجيزون لأحدهم- مهما كان فاسقًا فاجرًا- أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، بل يقول أنا مؤمن حقًا والله ﷿ يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ ١. ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ
_________________
(١) ١ سورة الأنفال، الآية: ٢.
[ ٤٤٧ ]
قِيلًا﴾ ١ وبناءًا على ذلك كله اشتطوا في تعصبهم فذكروا أن من استثنى في إيمانه فقد كفر! وفرعوا عليه أنه لا يجوز للحنفي أن يتزوج بالمرأة الشافعية! وتسامح بعضهم- زعموا- فأجاز ذلك دون العكس، وعلل ذلك بقوله: تنزيلًا لها منزلة أهل الكتاب! وأعرف شخصًا من شيوخ الحنفية خطب ابنته رجل من شيوخ الشافعية فأبي قائلًا لولا أنك شافعي! فهل بعد هذا مجال للشك في أن الخلاف حقيقي؟ "٢.
وبهذا التحقيق الجيد، يعلم أن الخلاف في المسألة حقيقي جوهري، وبخاصة أنه قد أدى إلى ما أدى إليه ما انحراف ظاهر وضلال بين، وصار ذريعة إلى باع أهل الكلام وإلى ظهور الفسق والغلط في جوانب عديدة٣.
قال شيخ الإسلام "فليس لأحد أن يقول بخلاف قول الله ورسوله ولاسيما وقد صار ذلك الخلاف ذريعة إلى بدع أهل الكلام من أهل الأرجاء وغيرهم وإلى ظهور الفسق"٤.
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية ٢٢. ٢ العقيدة الطحاوية شرح وتعليق الألباني (ص ٤٢، ٤٣) . ٣ ولهذا كان ابن أبي العز حذرًا في كلامه عندما أشار إلى أن الخلاف لفظي في هذه المسألة ما لم يؤدي إلى مثل هذه الأمور، حيث قال: "وإذا كان النزاع في هذه المسألة بين أهل السنة نزاعًا لفظيًا فلا محذور فيه سوى ما يحصل من عدوان إحدى الطائفتين على الأخرى والافتراق بسبب ذلك، وأن يصير ذلك ذريعة إلى أهل الكلام المذموم من بدع أهل الإرجاء ونحوهم " انظر شرح العقيدة الطحاوية (٢/٤٧٠) . قلت: كل ذلك حصل وأكثر، فهل لا يزال الخلاف لفظيًا؟ ٤ الفتاوى (٧/٢٩٤) .
[ ٤٤٨ ]
ولهذا فإن سلفنا الصالح، اشتد نكيرهم على هذا القول من أول حدوثه، رغم خفته عما هو عليه الآن، فلما قال به حماد بن أبي سليمان وهو أول من قال به، ثم تبعه عليه من تبعه من أهل الكوفة وغيرهم، أنكر عليهم السلف أشد الإنكار وأغلظوا القول فيهم، كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله تعالى حيث قال: "ثم إن السلف والأئمة اشتد إنكارهم على هؤلاء وتبديعهم وتغليظ القول فيهم، ولم أعلم أحدًا منهم نطق بتكفيرهم، بل هم متفقون على أنهم لا يكفرون في ذلك وقد نص أحمد أو غيره من الأئمة على عدم تكفير هؤلاء المرجئة، ومن نقل عن أحمد أو غيره من الأئمة تكفيرًا لهؤلاء، أو جعل هؤلاء من أهل البدع المتنازع في تكفيرهم فقد غلط غلطًا عظيمًا والمحفوظ عن أحمد وأمثاله من الأئمة إنما هو تكفير الجهمية المشبهة وأمثال هؤلاء"١.
ومرادي من هذا النقل التدليل على أن السلف الصالح اشتد نكيرهم وأغلظوا القول فيمن قال بالإرجاء، ولهذا سمى أبو عبيد القاسم بن سلام من قال بأن الإيمان يزيد وبنقص -وعدد الذين ذكرهم جاوز المائة والثلاثين رجلًا- ومرادهم بذلك إظهار المخالفة لمن قال بعدم الزيادة والنقصان "ذكر من الكوفيين من ذلك أكثر مما ذكر من غيرهم؛ لأن الإرجاء في أهل الكوفة كان أولًا فيهم أكثر، وكان أول من قاله حماد بن أبي سليمان، فاحتاج علماؤها أن يظهروا انكار ذلك، فكثر منهم من قال ذلك"٢.
ومثل هذا ما رواه اللالكائي بإسناده عن يعقوب بن سفيان أنه قال:
_________________
(١) ١ الفتاوى (٧/ ٥٠٧) . ٢ الفتاوى (٧/٣١١) .
[ ٤٤٩ ]
"الإيمان عند أهل السنة: الإخلاص لله بالقلوب والألسنة والجوارح، وهو قول وعمل يزيد وينقص، على ذلك وجدنا كل من أدركنا من عصرنا بمكة والمدينة والشام والبصرة والكوفة".
ثم سمى اثنين وثلاثين رجلًا منهم ثم قال: "كلهم بقولون: الإيمان القول والعمل، ويطعنون على المرجئة وينكرون قولهم"١.
فإذا كان انكار السلف لهذا الأمر بهذه الشدة والكثرة، فهل يقال بعد ذلك إن هذا القول من بدع الألفاظ ومن المخالفات اللفظية فحسب، مع العلم أن النزاع في الأمور اللفظية ليس من دأب المحصلين فضلًا عن هؤلاء الجهابذة والأئمة من السلف الأولين.
وهل يكون هذا القول من بدع الألفاظ، رغم أن السلف انكروه بتلك الشدة وامتلأت كتب السنة بالنقول الكثيرة عنهم وهم يصرحون بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، حتى إنه ليحصى عدد من قال ذلك بالألوف، مظهرين بذلك النكير على من قال إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص. فهل كل ذلك الإنكار، وكل تلك الشدة لأمر يعد من بدع
الألفاظ.
وعليه فإني أقطع بلا تردد بأن هذا القول بدعة محدثة، والبدع كلها ضلال، وأقطع بأن من خالف في ذلك فقد خالف في أمر جوهري أساسي، ينكر عليه، ولا يتهاود معه، حتى يعود إلى الحق والصواب، وهذا من النصيحة له، حتى تبقى رابطة الأخوة الإيمانية وعلائق المحبة الصادقة، المبنية على طاعة الله تعالى، واتباع رسوله ﷺ.
وبهذه المناسبة أقول: إني لأعجب كثيرًا من أناس في زماننا هذا
_________________
(١) ١ انظر شرح الاعتقاد للالكائي (٥/ ٩٦٣، ٩٦٤) .
[ ٤٥٠ ]
تصدوا للدعوة إلى الله، وبذلوا جهودهم وأوقاتهم لها، يقفون من أمور العقيدة ومسائلها مواقف مخذولة، فيميعون مسائلها ويهونون من شأن المخالفة فيها، ويعدون المخالفين لأهل السنة في أمور من صلب الاعتقاد وجوهره، مخالفين في أمور شكلية لفظية، طالما أنهم يشهدون بكلمة التوحيد ويقرون بالرسالة في الجملة بغض النظر عن التفاصيل.
وليس هذا فحسب بل يقررون في ذلك قواعد كلية يبنون عليها مناهجهم ويحتكمون إليها في أمورهم، وأيم الله إنها لقواعد جائرة ما أنزل الله بها من سلطان، ومن هذه القواعد تلك القاعدة المشهورة، والتي تبنتها جماعة كبيرة متصدية للدعوة في عصرنا الحاضر، تلكم القاعدة هي قولهم:
"نجتمع فيما اتفقنا فيه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه ".
والحق يقال: إن هذه القاعدة تحمل في طياتها خطرًا عظيمًا، وضررًا جسيمًا ينبغي الحذر والتحذير منه، حيث أنها تعني السكوت عن أهل البدع والأهواء، وعدم مصارمتهم ومعاداتهم وبغضهم، بل تعني أنهم يحبون ويوالون ويجالسون ويعاملون معاملة أهل السنة سواء، فمواضع الخلاف بيننا وبينهم نعذرهم فيها على حد تعبير هذه القاعدة، ومن ثم لا نعلن النكير عليهم ولا ننبه المسلمين على خطرهم وضررهم.
وعندئذ لا تسأل عن نشاط أهل البدع في نشر بدعهم وترويج باطلهم، إذ الطريق أمامهم سالكة، فليس هناك من ينكر أو يعكر عليهم نشاطهم، فينشرون باطلهم ويسعون في الأرض بالفساد، بكل راحة نفس وطمأنينة قلب، ونفوس أهل هذه القاعدة منشرحة لهم فيقابلون هؤلاء بطلاقة الوجه، ورحابة الصدر، وحسن المعاملة، ثم يزعمون أن فعلهم هذا من الحكمة في الدعوة إلى الله!!
[ ٤٥١ ]
"ومعاذ الله أن تكون الدعوة على سنن الإسلام مظلة يدخل تحتها أي من أهل البدع والأهواء، فيغض النظر عن بدعهم وأهوائهم على حساب الدعوة"١.
والحق أن هؤلاء مكر الشيطان بهم بخفاء، ودبر أمرهم بدهاء، فأوقعهم في الإساءة من حيث أرادوا الإحسان، قال ابن القيم ﵀ بعد أن بين أن هذا مدخل من مداخل الشيطان على أهل السنة والإيمان:
" ومن ههنا وصى أطباء القلوب بالإعراض عن أهل البدع، وأن لا يسلم عليهم، ولا يريهم طلاقة وجهه، ولا يلقاهم إلا بالعبوس والإعراض"٢.
ثم إنه نتيجة لحكمة هؤلاء المزعومة، أطلَّ أهل الأهواء برؤوسهم، وشمخوا بأنوفهم، وصاروا يمكرون بالسنة وأهلها علنًا وجهرًا، من بعد ما كانوا يكيدون لها في السر والخفاء، مع الخوف والوجل، فكل هذا وغيره إنما حصل بسبب مثل هذه المواقف المخذولة، والآراء المهزوزة والله وحده المستعان.
_________________
(١) ١ حكم الانتماء إلى الفرق والأحزاب والجماعات الإسلامية للشيخ بكر أبو زيد (ص ١٥٣) . ٢ إغاثة اللهفان (١/١٤٠) .
[ ٤٥٢ ]