من أعظم صفات الله صفة الاستواء وصفة النزول إلى السماء الدنيا، وصفة العلو والفوقية، وأهل السنة يثبتونها بلا تشبيه ولا تعطيل، وقد ضل فيها المشبهة والمعطلة.
[ ١١ / ١ ]
من صفات الله الفعلية
[ ١١ / ٢ ]
إثبات صفة الاستواء لله جل وعلا
يقول الشيخ حفظه الله: [قد استوى إلى السماء واستوى بعد على العرش بخلف المحتوى] هذه صفة أخرى هي صفة الاستوى وهي من الصفات الفعلية، وهي على نوعين: النوع الأول: المعدى بإلى، والنوع الثاني: المعدى بعلى فالنوع الأول: المعدى بإلى، جاء في السماء في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١] والاستواء المعدى بإلى هو بمعنى التوجه والنظر، وأما الاستواء المعدى بعلى فمعناه الاستقرار والثبات.
وأما استواء الله ﷾ على عرشه فلا يفسر، فهو من الصفات الثابتة التي قراءتها تفسيرها ولا يجوز تفسيره بأي شيء؛ لأننا لا علم لنا بهذا؛ فلهذا من فسره بما فسرنا به الاستواء في اللغة فقد ابتدع، فمن قال: استوى على العرش بمعنى: استقر عليه أو نحو هذا فقد ابتدع في دين الله، فلم يرد هذا عن أحد، بل قال الإمام أحمد: (لا كيف ولا معنى) .
لكن يكون الاستواء معلومًا إذا سئل عنه في اللغة العربية، فيقال: يطلق الاستواء على الاستقرار والثبات، لكن تفسيرها في الآية قراءتها، ولا يتعدى ذلك.
و(استوى إلى السماء) ليست مثل الاستواء على العرش والتفريق واضح؛ لأن هذه عديت بإلى وهذه عديت بعلى؛ فلهذا قال: (قد استوى إلى السماء واستوى بعد على العرش) وهذا الاستواء بعلى بخلف المحتوى، ومعنى ذلك: أنه مع اختلاف الاستواءين في التفسير فالاستواء المعدى بإلى قيل: معناه النظر والتوجه، فقد خاطب الأرض أولًا ثم خاطب السماء بعدها، خاطبهما بكلام يشملهما، ثم خاطب الأرض بتكوينها حيث بدأ بتكوين الأرض، ثم بعد ذلك كون السماء، وقوله: (بخلف المحتوى) المحتوى معناه: ما تحتويه الصفة من المعنى، والمقصود هنا: بخلف المعنى، فالمحتوى هو: المعنى، وهو من (احتوى الشيء) بمعنى جمعه، والمقصود بذلك: جمع اللفظ للمعنى.
قال: [وليس كاستوائنا نحن على الـ فلك والانعام بل العرشَ حَمَلْ وحامل] فهذا الاستواء الذي هو صفة الله ﷾ يجب اعتقاد تنزيهه عن أن يكون مشابهًا لاستواء المخلوقين على فرشهم، أو على الفلك: وهو السفن، أو على الأنعام التي يركبونها، فالله ﷾ لا يشبهه شيء من خلقه، ولا يمكن أن يكون كذلك؛ لأن من شأن الحامل أن يكون أكبر من المحمول، والله ﷾ ذكر لنا أنه هو المتصف بصفة الكبر والكبرياء والكِبَر، فهو أكبر من أكبر خلق من خلقه، فلا يمكن أن يحده ولا أن يحيط به ولا أن يكون أكبر منه شيء أبدًا، ولا يمكن أن يقارن بشيء من خلقه ﷾، فلهذا احتاج إلى التصريح هنا بنفي التشبيه.
إذًا: لا يتوهم أن هذه الصفة تقتضي أن الحامل أكبر من المحمول، بل قال: (وليس كاستوائنا نحن) أي: البشر (على الفلك) والفلك: جنس وهو السفن، ومنه قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمْ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ﴾ [الجاثية:١٢] فالفلك: السفن، (والأنعام) أي: الدواب التي يركبها الناس.
(بل العرش حمل وحامل) بل الله ﷾ هو الذي رفع العرش وهو الذي يحمله ويحمل حملته، فهذا رد على ما يتوهم من أن الحامل أقوى من المحمول أو أعظم منه، فحملة العرش على عظمهم، والعرش الذي هو أكبر منهم، هم محمولون، والله ﷾ هو الذي حمل الجميع، فهو الذي خلق العرش وخلق حملته وحملهم ورفعهم، فلا يمكن أن يتصور أبدًا حاجته إلى شيء من ذلك، فإنه لا يحتاج إلى العرش ولا إلى حملة العرش فهو العلي القدير.
وبالنسبة لحملة العرش فقد ورد في عددهم وفي صفتهم أشياء، فورد في عددهم يوم القيامة قول الله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧]، وجاء في الحديث: أنهم اليوم أربعة وأنهم يوم القيامة ثمانية، وجاء في حديث العباس وصفهم بالأوعال وأن ما بين شحمة أذن أحدهم وبين منكبه مسيرة خمسمائة عام.
وحديث الأوعال فيه ضعف، لكن مع ذلك له طرق أخرى، وجاء أيضًا في وصف حملة العرش وصف عظمهم، لكن عموم وصفهم بالأوعال لا يقتضي إثبات صفة الوعلية لهم، وإنما هو مجرد مثَل من تصورهم، ولذلك ذكر فيهم هذه الصفة العظيمة العجيبة: أن ما بين شحمة أذن أحدهم وبين منكبه قدر ما بين السماء والأرض، أي خمسمائة عام.
[ ١١ / ٣ ]
إثبات صفة النزول لله جل وعلا
قال: [وحامل وإلى دنيا السما ينزل كل ليلة لا مثلما ينزل مخلوق بإخلا حيِّز منه وشغل حيز فميِّز] هذه صفة أخرى من الصفات الفعلية وهي صفة النزول، وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا وذلك حين يبقى ثلث الليل، فلا يزال يقول: ألا من يدعوني فأستجيب له ألا من يسألني فأعطيه) فهذا النزول صفة ثابتة لله ﷾، والمقصود به التجلي، فالله ﷾ قريب في علوه علي في دنوه، فنزوله إلى السماء لا يقتضي منافاة علوه، بل هو العلي في دنوه.
واستواؤه على العرش أيضًا لا يقتضي بُعده، بل هو القريب في علوه، وهذا كله يقتضي قطع مشابهته لخلقه، فهو أقرب إليهم من حبل الوريد، وفي الحديث أنه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته، وقال: (إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا إنه سميع مجيب) .
وهذا النزول فيه حكم عظيمة منها: أنه تشريف للعابدين في هذه الساعة، مثلما جاء في الإخبار عن ضحك الله لمن يصلي في جوف الليل، وضحكه لمن يقوم في الصف للصلاة، وأن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف، ونحو ذلك، وهو مثل قوله: (فإن أتاني يمشي أتيته هرولة) فهو من قربه من عباده وإكرامه للعبَّاد منهم.
وقد خصص هذا الوقت من الليل بميزات عظيمة، فمنها أنه وقت كسل ونوم؛ ولهذا لم يشرع الله فيه فريضة لئلا يكون ذلك عنتًا على عباده، ولكنه جعله مجالًا للتنافس: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]، فيتنافس الناس في التقرب إلى الله في هذا الوقت، ولهذا قال الحافظ أبو الحسن الإشبيلي ﵀ في مقدمة كتابه التهجد: الحمد لله الذي أذن لعباده بطاعته، فخروا بين يديه متذللين ولوجهه معظمين، فلم يغلق بينه وبينهم بابًا، ولا أسدل دونهم حجابًا، ولا خفض أودية ولا رفع شعابًا.
فهذا وصف عجيب جدًا، هؤلاء يخرون في هذا الوقت، فتجافي جنوبهم المضاجع، ويخرون بين يدي الله ﷾ فيقدمون إليه عبادتهم، ويتذللون بين يديه ويقدمون إليه طلباتهم وحوائجهم، في الوقت الذي لم يؤذن فيه لكثير من الناس، فهذا الوقت حجب فيه كثير عن باب الملك الديان، بعضهم حجب بالكفر وبعضهم حجب بالفسوق وبعضهم حجب بالغفلة وبعضهم حجب بملذات الدنيا وشهواتها من النوم وغيره، وبعضهم حجب بالمرض، فإذا أذن الله تعالى لقوم وشرفهم بأن يطرقوا الباب في هذا الوقت فيفتح لهم، فهذا تشريف عظيم جدًا يستحضر الإنسان به مدى سعادته حين يتذكر أن من حوله يغطون في نومهم وأنه قد أذن الله له في هذا الوقت بأن يباهي به ملائكته.
ولهذا فإن هذا النزول لا يمكن أن يقاس بالصفات الفعلية الأخرى، فلا يمكن أن تقول: إن الله في الثلث الأخير من الليل دائم النزول باعتبار اختلاف البلدان، فما من ساعة إلا وهي أول الليل على قوم وفي النهار على قوم ووسط النهار وآخره على قوم، فليس هذا هو المقصود، وإنما المقصود: أن هذا الوقت من الليل لكل طائفة من الناس هو هذا الوقت الذي شرف فيه أهل ذلك المكان، ولا تعارض في صفات الله، بل هو قادر على ما يشاء، كما أنه الآن يأمر ملايين الأوامر في وقت واحد وكلها يقول لها: كن فيكون، وليس هناك أمر قبل أمر ولا نهي قبل نهي، والحركات التي يتحرك بها العباد وتصور الآن المليارات منها في لحظة واحدة كلها بأمره، ولا يكون أمر قبل أمر، بل هي في لحظة واحدة كلها قال لها: كن.
فلهذا قال: (وإلى دنيا السما) ومعناه: إلى السماء الدنيا وهي سماء هذه الدنيا، والدنيا مختلف فيها: هل هي من الدنو أو من الدناءة؟ فقالت طائفة من الناس: الدنيا التي هي هذه الدار مشتقة من الدناءة؛ لأنها متدنية القيمة عند الله، ولو كانت تساوي عنده جناح بعوضة ما سقى كافرًا شربة ماء، كما جاء في الحديث، وقيل: هي من الدنو؛ لأنها قبل الأخرى فهي أدنى منها إلينا، أي: أقرب وأدنى من الدار الآخرة، وسماء هذه الدنيا السماء الأولى.
(في كل ليلة لا مثلما ينزل مخلوق) وهنا اضطر أن ينفي ما تتوهمه العقول الضعيفة إذا قرأت صفة النزول، فيتوهم بعض الناس أن نزوله مناف لاستوائه، فوقت النزول لا يكون مستويًا فيه على العرش، ووقت الاستواء لا يكون فيه نزول إلى السماء!! قال: هذا إنما هو في صفات المخلوقين، أما في صفات الله فلا.
(لا مثلما ينزل مخلوق) لأن نزول المخلوق فيه شغل حيز وخلو حيز منه، والله ﷾ لا يحويه مكان ولا يمكن أن يشمله ولا أن يحيط به مكان، وما الفرق بين أوامره التي تأتي في لحظة واحدة على المليارات من الحركات والسكنات والموت والحياة وغير ذلك، وبين نزوله واستوائه، فالجميع من صفات الله ﷾.
(لا مثلما ينزل مخلوق بإخلا حَيز منه وشغل حيز فميز) و(الحيز) معناه: المكان الذي يحوز الشيء ويحويه، والمعنى: ميز بين صفات الله وصفات خلقه، فلابد من التمييز هنا بين صفات الله العظيمة وبين صفات خلقه التي هي على قدرهم؛ لذلك أردف هذا بصفة أخرى وهي صفة العلو، وهذا مناسب جدًا أن تذكر صفة العلو بعد صفة النزول؛ لأنه هو العلي في نزوله والقريب في علوه كما ذكرنا.
[ ١١ / ٤ ]
إثبات صفة العلو لله جل وعلا
قال: [وهو العلي لا تحده جهه ضل المعطلة كذا المشبهه] وهذا إثبات لصفة العلو، فالله ﷾ أخبر عن نفسه بذلك في ثماني عشرة آية من آيات كتابه، وهذه الصفة تنقسم إلى قسمين: علو حسي، وعلو معنوي.
فالعلو الحسي: هو استواؤه على عرشه وارتفاعه فوق خلقه، والعلو المعنوي: هو القهر والكبرياء والعظمة.
والعلو جاء إثباته بلفظ العلو، وجاء إثباته بالفوقية، والفوقية أيضًا تأتي بالمعنيين: تأتي حسية ومعنوية، فالحسية مثل قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل:٥٠]، ففي هذه الآية إثبات صفة الفوقية الحسية، وأما الفوقية المعنوية فمثل قوله تعالى في أتباع عيسى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:٥٥] فهذه الفوقية ليست حسية، بل المقصود بها الفوقية المعنوية بالترفع عليهم فقط.
وكذلك فوقية الله ﷾ على خلقه فوقية حسية وفوقية معنوية: فوقية حسية بارتفاعه وعلوه واستوائه على عرشه، وفوقيته المعنوية بمخالفته للحوادث وقهرهم بإحاطته بما هم فيه.
لكنه مع إثبات صفة العلو أراد أيضًا أن يأتي بما ينفي التشبيه فقال: (لا تحده جهة) فالعلو جهة، وهي جهة فوقية مثبتة لله ﷾، لكن لا تحده، وهنا يقال: إن القاعدة: أن الجهة من الألفاظ التي يفصل فيها، فإن قصد بها مطلق الفوقية دون حد فنسبتها لله ﷾ صحيحة، وإن قصد بها الحيز واحتواء مكان فهي ممنوعة مستحيلة.
فإذًا: الفوقية إثبات للجهة دون حد؛ لذلك قال النبي ﷺ للجارية حين سألها: (أين الله؟ فأشارت بأصبعها إلى السماء)، وهنا لم يقصد امتحانها بصفة الفوقية أبدًا، إنما قصد امتحانها في وجود الله ﷾ والإقرار به.
[ ١١ / ٥ ]
الامتحان في الاعتقاد ابتداع
ومن هنا يغلط كثير من الناس فيظن أن الامتحان بالإيمان إنما هو في صفة الفوقية، بل الإيمان يحصل حتى لو جهل الإنسان بعض صفات الله ﷾، ولا يجب الإيمان بها تفصيلًا، ومثل ذلك قوله ﷺ لها: (من أنا؟) فهذا لا يقتضي إلا سؤالها عن الإيمان برسالته فقط؛ لذلك قال: (أعتقها فإنها مؤمنة)، ومن هنا قال البخاري ﵀: (الامتحان في الاعتقاد ابتداع)، وقد نص العلماء على أن الامتحان في الاعتقاد وسؤال الناس عن اعتقادهم ونحو ذلك بدعة في الدين، وأنه لا يحل إلا في موضعين: أحدهما: من جاء من قبل الكفار هاربًا فدخل إلى دار الإسلام، فيحل امتحانه ليعرف هل هو جاسوس للكافرين أو ليس كذلك، وأصل هذا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠] .
الثاني: من كان مظنة الكفر ويراد عتقه، حيث يشترط الإيمان في الرقبة التي تعتق، فيحل امتحانها حينئذٍ حتى يعلم الإنسان إيمانها، وبشرط ألا تكون في الأصل من دار الإسلام، بأن كانت نسيبة من دار الكفر، أما من كان في دار الإسلام فلا يسأل من أجل العتق هل هو مؤمن أم لا، بل هذا من الابتداع.
والبخاري ﵀ قال: (الامتحان في الاعتقاد ابتداع) في قصته مع أهل نيسابور حين كان مع محمد بن يحيى الذهلي فسألوه عن تكلمنا بالقرآن، فأجاب: بأن تكلمنا بالقرآن صفة من صفاتنا وصفاتنا مخلوقة، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، فشغبوا به فأخبرهم أن الامتحان في الاعتقاد ابتداع وبين لهم ذلك، وقد ذكر هذا الحافظ ابن حجر في هدي الساري مقدمة فتح الباري، وذكره الذهبي أيضًا.
[ ١١ / ٦ ]
المعطلة والمشبهة ضلوا في صفة العلو
وقوله: (لا تحده جهة) معناه: لا تحيط به جهة، (ضلَّ المعطلة كذا المشبهة) أي: ضل في هذه الصفة قسمان من الناس: المعطلة الذين ينفون هذه الصفات أصلًا، والمشبهة الذين يبالغون في الإثبات حتى يشبهونها بخلقه، فكلا الطائفتين على ضلال، والمعطلة مشتقة من التعطيل، والتعطيل معناه: الترك، بأن يكون الشيء عاطلًا أو عطلًا، فالعاطل معناه: الذي لا حركة به يقال: مبنى عاطل، أي: غير مشغول بالناس فلا حركة فيه، مثل قول الله: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج:٤٥]، والعطل معناه: الخالي من الزينة، وجيد معطل معناه: لا زينة فيه، ومن ذلك قول امرئ القيس: وجيد كجيد الرئم ليس بفاحش إذا هي نصته ولا بمعطل أي: غير خال من الزينة.
فالتعطيل هو إخلاء الصفة عن معناها، والتشبيه هو من التشبه وهو تمثيل الله بخلقه وقد سبق شرحه.
[ ١١ / ٧ ]
إثبات صفة الاصطفاء لله جل وعلا
قال: [قد اصطفى من ملك ومن بشر رسلًا فأدوا عنه ما به أمر] أخبر أن الله ﷾ متصف بصفة الاصطفاء، والاصطفاء هو الاختيار، فهو يختار ما يشاء، ما كان للناس الخيرة، كما قال تعالى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨] .
والاصطفاء: افتعال من الصفوة فاصطفى أصلها: (اصتفي)، فالطاء منقبلة عن تاء والألف منقلبة عن ياء، فـ (اصتفي) فاصطفيَ معناه أخذ الصفوة، فالتاء تقلب طاءً والياء تقلب ألفًا؛ لأن حرف العلة إذا تحرك وفتح ما قبله وجب قلبه ألفًا، وتاء الافتعال تنقلب طاءً إذا جاءت بعد حرف مستعلٍ مثل الصاد هنا.
[ ١١ / ٨ ]
الاصطفاء العام
والاصطفاء نوعان: اصطفاء عام وهو مثل قوله ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران:٣٣-٣٤]، فهذه الاصطفاء عام بمعنى: انتقاء الجنس والنوع، ومنه قوله ﷺ: (إن الله اصطفى من ذرية آدم إبراهيم، واصطفى من ذرية إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ذرية إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشًا، وجعلني من قريش في المحل الأسنى، فأنا خيار من خيار من خيار، ولا فخر) .
فأحاديث الاصطفاء كلها من هذا الاصطفاء العام الذي لا مانع أن يدخل فيه أهل الكفر، فيختار العنصر بكامله ويكون خيره أكثر من شره وأفضل، لكن لا مانع أن يكون مع ذلك بعض الشر، كاصطفاء ذرية عمران على العالمين، واصطفاء ذرية إبراهيم، وفيهم من كان مؤمنًا ومن كان كافرًا كما قال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة:٢٥٣]، وكما قال تعالى في سورة النساء: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا * فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النساء:٥٤-٥٥] فقد اصطفاهم الله عمومًا بهذا التشريف الدنيوي.
والاصطفاء العام هو اصطفاء دنيوي وليس اختيارًا أخرويًا؛ ولهذا فإن قريشًا مثلًا اصطفاهم الله، لكن فيهم البر والفاجر، ففيهم أبو جهل وغيره؛ ولهذا كانت لهم القيادة حتى في جاهليتهم كما قال ﷺ: (قريش قادة الناس في الخير والشر إلى يوم القيامة) وهذا الاصطفاء يعلق به بعض الأحكام الشرعية؛ لأنه من أحكام في الدنيا، مثل الإمامة -مثلًا- في قريش، ومثل قوله: (قدموا قريشًا ولا تقدموها) ونحو ذلك.
[ ١١ / ٩ ]
الاصطفاء الخاص
أما الاصطفاء الخاص: فهو اختيار الفرد من العنصر، وهذا هو اصطفاء رسل الله من الملائكة والبشر دون غيرهم من الأجناس حيث قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنْ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥]، وهذا الذي ذكره الشيخ هنا في قوله: (قد اصطفى من ملك) معناه: من جنس الملائكة ملك، (ومن بشر) معناه: من جنس بني آدم.
والملك أصله مألكٌ مشتق من المألكة التي هي الرسالة؛ وذلك أنهم رسل الله يرسلهم بما شاء إلى خلقه، والمألُكة والمألكة بمعنى الرسالة: ومنه قول عدي بن زيد: أبلغي النعمان عني مألُكًا أنني قد طال حبسي وانتظاري لو بغير الماء حلقي شبق كنت كالغصان بالماء اعتصاري مألُكة بمعنى رسالة، وخفف فسمي ملكًا.
وأطلق على جنس بني آدم بشرًا؛ لأنه الجنس من الحيوان الذين لم تغط بشرتهم بالشعر، أما بقية الحيوانات فقد غطي بشرها بالشعر.
وقيل: مشتق من البشر لظهور البشر على وجوههم؛ لأنهم إذا استبشروا ظهر البشر على وجوههم.
والبشر أطلق في القرآن على جنس البشرة، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٩]، فالمقصود أنها تزيل الجلود نسأل الله السلامة والعافية.
(رسلًا) جمع رسول، والمقصود بهم من حمل رسالة من عند الله ﷾، ويجوز فيها الإسكان والضم يقال: (رسْلًا مبشرين ومنذرين) ويقال: (رسُلًا مبشرين ومنذرين) بالضم، ويجوز الإسكان في غير القرآن فيقال: رسْلًا أيضًا.
فهي جمع تكسير وفيها نوعان من أنواع التكسير: أحدهما تغير الشكل، والثاني النقص.
وأنواع التكسير إما نقص فقط أو زيادة فقط أو تغير شكل فقط، أو نقص وتغير شكل، أو نقص وزيادة، أو نقص وتغير شكل وزيادة هذه ستة، وقد تكون مصرحًا بها، وقد تكون مقدرة، فالجميع أثنا عشر نوعًا، والمذكور هنا اثنان منها في قوله: رسلًا.
(فأدوا عنه ما به أمر) (فأدوا) أي: بلغوا وائتمنوا على أمانات الله التي ائتمنهم عليها فأدوها إلى الناس، وهذا واجب، فمن صفات الرسل التي يجب الإيمان بها الصدق والأمانة والتبليغ، وهذه الصفات الثلاث يشملها قوله: (فأدوا عنه ما به أمر) .
[ ١١ / ١٠ ]
الإيمان بصدق الرسل وأمانتهم وتبليغهم من الإيمان بالله
فمن الإيمان بالرسل الإيمان بصدقهم، فلا يجوز في حقهم الكذب فيما يبلغونه عن الله، وذلك أن الله ﷾ يستحيل في حقه الكذب، وقد صدقهم بالمعجزات، وتصديق الكاذب كذب، فكذبهم يستلزم نسبة الكذب إلى الله تعالى الله عن ذلك، فاقتضى هذا نفي الكذب عنهم بالكلية فيما بلغوه عن الله ﷾ فهم معصومون من الكذب.
ثانيًا: الأمانة، فالله قد اختارهم وائتمنهم على الوحي، ولذلك قال خزيمة بن ثابت ﵁: صدقناك في خبر السماء أفلا نصدقك في خبر الأرض، وقال رسول الله ﷺ: (والله إني لأمين من في السماء) .
قال: إن الله ﷾ ائتمنه فهو أمينه، وفي السماء معناه: العلي.
والثالثة: التبليغ أي: تبليغ الرسالات؛ لأن الله توعدهم على ترك التبليغ فوجب أن يكونوا قد بلغوا أنه قال: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة:٤٤-٤٦] .
وقال: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور:٥٤] .
وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧] .
وهذه من الكلمات التي سبق التنزيل بها، فقد قرئت في السبع (رسالاته) وقرئت (رسالته) .
فيستحيل في حقهم أضدادها وهي الكذب والخيانة والكتمان، لكن التبليغ لا يجب عليهم أن يبلغوا جميع أممهم؛ لأن الله جعل لهم أعمارًا محددة يموتون فيها، فيجب على الرسول أن يبلغ من تقوم بهم الحجة سواء كان واحدًا أو أكثر.
فالحجة قد تقوم بواحد إذا كان عدلًا ضابطًا؛ لأن روايته معتبرة، ولهذا فكثير مما روي عن رسول الله ﷺ انفرد به واحد، وإن كان القرآن لم يحصل فيه هذا إلا في آيتين اثنتين منه، لم يوجد من كتبها عن رسول الله ﷺ إلا خزيمة بن ثابت وشهادته بشاهدة رجلين، وهي خاتمة سورة التوبة ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة:١٢٨-١٢٩] .
هاتان الآيتان انفرد بكتابتهما خزيمة وإن كان غيره قد حفظهما، لكن الحفظ لم يعتمد عليه في تدوين المصحف لاحتمال أن يكون قد نسخ في العرضة الأخيرة، وأما الكتابة فإنها مقتضية للإقرار في العرضة الأخيرة.
(فأدوا عنه) أي: عن الله ﷾.
(ما به أمر) أي: ما أمرهم ببيانه وتبليغه، فقد ينزل إليهم شيء لا يؤمرون بتبليغه، وقد ينزل إليهم شيء فيؤمرون بتبليغه إلى شخص بعينه، كما أمر الله رسوله ﷺ أن يقرأ على أبي سورة البينة.
والقاعدة هي ما ذكرناه أنه لا يجب عليهم تبليغ كل أحد، بل يجب عليهم تبليغ من تقوم بهم الحجة، وهذه التي نظمها شيخي رحمها الله بقوله: لا يلزم الرسول أن يبلغ جميع ما علم مما بلغ بل كان يكفيه إذا ما أنفق مرويّه واحدًا أو ما اتفقا وهذا لفظ القاعدة في كتب التفسير: أنه إذا بلغ مرويه إلى شخص واحد تقوم به الحجة فذلك كاف؛ لأنه هو المؤتمن عليه يبلغه لمن وراءه.
وقد شرط التبليغ على الاتباع، فكل قوم يشترط عليهم تبليغ ما تعلموه لمن وراءهم كما قال ﷺ: (ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع) وقال: (بلغوا عني ولو آية)، وقال: (نضر الله أمرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) .
وقد بين ﷺ أن هذه الأمة عدول يؤدي كل جيل ما تحمل إلى الجيل الذي بعده.
(فأدوا عنه) أي: عن الله ﷾ (ما به أمر) أي: ما أنزل عليهم مما أمرهم بتبليغه إلى الناس.
[ ١١ / ١١ ]