لقد جاءت صفات الإثبات مفصلة في القرآن والسنة، أما النفي فلم يفصل إلا في نفي الصاحبة والشريك والوالد والولد، وقد كان منهج السلف في التعامل مع صفات الله تعالى إثباتها والوقوف عند النصوص الواردة بها من غير تشبيه ولا تعطيل.
[ ٢ / ١ ]
نفي وجود الصاحبة والوالد والولد لله ﷿
[ ٢ / ٢ ]
المقصود من نفي وجود الكفء لله
ثم قال: (ليس لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) وهذا تقرير لكل ما سبق، ولا يحتاج إلى العطف فيه، يمكن أن تقول: لماذا لم يقل: (وليس لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ)؟
و
الجواب
أن معنى أنه (ليس لَهُ كُفُوًا أحد): أنه لا صاحبة له ولا ولد ولا والد؛ لأن الكفء هو النظير، يقال: الكفو بالواو، والكفء بالهمزة، والكفؤ بضمتين، وهذه كلها مقروءة، فقراءة نافع وابن كثير وابن عامر (كفؤًا) بالهمزة، وقراءة الكوفيين: (كفوًا) بالواو لكن شعبة يقرؤها (كفْوًا) بإسكان الفاء بالإسكان وغيره يقرؤها بالضم.
والمقصود بهذا أمران: أحدهما: نفي التشبيه مطلقًا؛ لأن الكفاءة مقتضية لقدر من الاشتراك في الشبه، فالبشر من جهة التمثيل أكفاء، لا أحد منهم يزيد على آخر بعضو مثلًا، بل هم صورة واحدة؛ ولهذا قال الشافعي ﵀: الناس من جهة التمثيل أكفاء أبوهم آدم والأم حواء والثاني: وهو المقصود الأساس من نفي الكفء: أنه لا يمكن أن يكافئه ولا أن يناظره أحد حتى يتزاوج معه، أو حتى يحصل بينهما اتحاد، أو حتى يحصل بينهما الاشتراك في أي شيء، فلذلك لا يمكن أن يحصل أي شرك به من أي وجه من الوجوه، فهذا ينفي الصاحبة، والولد، وينفي الوالد، وينفي كذلك المشابهة مطلقًا بأي شيء من مخلوقاته، وينفي كذلك استعانته بأي مخلوق من خلقه، وينفي الحاجة إلى أي مخلوق؛ لأن الخلق كلهم محتاجون إلى الخالق، ويحتاج بعضهم إلى بعض، والخالق غني لا يحتاج إلى شيءٍ من خلقه، فلم يستفد منهم أية صفة، أي: لم يستفد منهم صفة الخلق بعد أن خلقهم، ولا صفة الرزق بعد أن رزقهم، فقد كان خالقًا ولا مخلوق، وكان رازقًا ولا مرزوق، وهو على ما عليه كان، لا تحله الحوادث والآفات، ولا تأخذه سنة ولا نوم، هو الحي القيوم كما كان.
وهذه الصفات المذكورة في هذا البيت فيها نفي الصاحبة، ونفي الولد، ونفي الوالد، ونفي الكفو، ونفي الكفو متضمن لنفي الصاحبة، وقد جاء الثلاثة في سورة الإخلاص: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١-٤] وهذا شامل لنفي الصاحبة، فقصد بذلك على أن يكون تفسير: (لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) أنه ليست له صاحبة ولا ولد أو والد، و(أو) هنا بمعنى الواو، فقوله: (ولا ولد أو والد) معناه: ولا والده.
[ ٢ / ٣ ]
الإيمان وقاية للعقل من الخرافات
يقول الشيخ حفظه الله: [ليست له صاحبة ولا ولد ووالد ليس له كفوًا أحد] .
الذي جاء في نصوص الوحي في وصف الله ﷾ ينقسم إلى قسمين: إلى إثبات ونفي، والإثبات جاء أكثره مفصلًا، والنفي جاء أكثره مجملًا، وقد جاء نفي مفصل وهو قليل، فبدأ به لقلته في النصوص، وإنما جاء النفي المفصل في النصوص فيما يتعلق بالصاحبة والولد والوالد فقط في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١-٤] ونحو ذلك.
والصاحبة: تطلق على القرينة فهي مؤنثة الصاحب بمعنى المصاحب، والمقصود بذلك: ما يخيل إلى بني آدم من أن حاجة الكائن أيًا كان تقتضي وجود قرين له من جنسه.
ومن هنا نتذكر بعض الفوائد العقلية التي ذكرناها سابقًا والتي تفيد العقل من الإيمان، وقد ذكرنا أن الإيمان لمصلحة العقل، ومن فوائده: أنه ينفي الخرافات عن العقل؛ لأن الخرافات هي متاهات العقول، فلو لم ترد هذه النصوص من الوحي لبقيت عقائد الناس مثل ما كانت عقائد الإغريق اليونانيين، عندهم الآلهة ذكور وإناث، وهناك عندهم بعض الآلهة ابن زنًا من الإله، أي: إله زنى بإلهة فأنجبت له ابنًا من زنًا وأصبح إلهًا لديهم!! وهكذا من خرافات عقلية لا نهاية لها، ولذلك هذا الإله (أولمبيك) يسمونه إله الرياضة، وهو ابن زنا عندهم، زنت إلهة بإله آخر فأنجبت منه هذا الولد فسميت عليه الرياضة، وإلى الآن تسمعون بالملاعب الأولمبية ونحو ذلك وكله من أولمبيك.
فعلى هذا فإن هذه النصوص هي التي حررت العقول من هذه الأوهام وهذه الخيالات التي منشؤها التشبيه بما يعهده العقل؛ ولذلك فإن نصوص التنزيل في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كثيرة جدًا، وهي التي تقتضي سد القلب بالكلية عن هذه الأوهام والتخيلات التي هي متاهات تضيع فيها العقول.
وكان العرب في الجاهلية يذهبون إلى أن الملائكة بنات الله، والتصور العقلي يقتضي أن البنات لا يمكن أن يوجدن إلا بعد أن توجد أم، والله ﷾ فند هذه الفكرة تفنيدًاَ قاطعًا في كثير من الآيات، ومن أبلغ ذلك ما كان فيه خطاب للعقل والعاطفة معًا، فقد جاء الخطاب في ذلك للعقل فقط في مثل قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣]، وجاء الخطاب فيه للعقل والعاطفة معًا في مثل قوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ * وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:١٧-١٨] وفي القراءة السبعية الأخرى: (وجعلوا الملائكة الذين هم عند الرحمن إناثًا أأُشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون) .
[ ٢ / ٤ ]
مجيء النفي المفصل في صفات الله
فرد هذه الأوهام مهم جدًا للعقول، ولهذا جاء النفي فيها مفصلًا، بخلاف بعض الأمور التي لا تكون من ورائها المتاهات الكبيرة فلم يرد النص بنفيها على التفصيل، وإنما جاء النفي الإجمالي في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] فقضى ذلك على التشبيه بالمخلوق كالجسم، والأعضاء، والجوارح وغير ذلك، ولم يأت التفصيل فيها، وإنما يفصل فيها المتكلمون ويذهبون فيها كل مذهب فيقولون: ليس بجوهر ولا بجسم وعرض كاللون أو كالطعم إلى آخره.
هذا التفصيل العقول في غنىً عنه، ولا تحتاج إليه أصلًا؛ لأنه لا يوجد وهم يميل إلى أن الله خالق هذا الكون كله عرض مثل الطعم أو مثل اللون، فلا يحتاج إلى نفي هذا إلا على سبيل الإجمال فيقال: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) ومن هنا ندرك حاجة العقول إلى الإيمان وأنه لمصلحة هذه العقول، وحائل بينها وبين التخبط في المتاهات التي لا يمكن أن تخرج من هذا الوحل.
قوله: (ليست له صاحبة ولا ولد) هذا نفي، وزعم الولد قديم في البشرية، فقد زعم اليهود أن العزير ابن الله، وزعم النصارى أن المسيح ابن الله، وزعم المشركون أن الملائكة بنات الله، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، وكل هذا بسبب أن بيئتهم وواقعهم لم تستنر بنور الوحي فتخبطت في الخرافات التي منشؤها ما يقيسون فيه على أنفسهم، فالذي يعظمونه في الأرض هم الملوك، والملوك لهم صواحب ولهم أولاد وبنات، فيرون أن من يقربه الملوك ويدنونه يمت لهم بصلة قرابة فيبحثون عن تلك القرابة، ومن هنا قال اليهود: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة:١٨] فرد هذا الوهم بالكلية.
وكذلك فإن النصارى يزعمون أن الله ﷾ أب لعيسى، ثم يزعمون أنه من وراء ذلك أب للبشر كلهم، فالفكرة القديمة لدى النصارى أنه أب لعيسى فقط، واليوم يزعمون أنه أبٌ للعالم كله ويزعمون أن الناس جميعًا أبناء الله، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
ومن أجل هذا تجدون في الكتب المترجمة اليوم التي فيها بعض الأحاديث، مثلًا خرجت ترجمة لرياض الصالحين بالفرنسية: (الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله)، ترجموا هذا فقالوا: الخلق كلهم أبناء الله!! فهموها هذا الفهم فترجموها به؛ ولذلك فإن خطر التدوين فيما يتعلق بترجمة النصوص هو من جهة أن الأوهام ستسبق إلى ما تعودت عليه إذا لم تستنر بنور الوحي.
(أو والد) كذلك نفى الوالد، وقد نفاه الله عن نفسه في قوله: ﴿لَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣] فهو نفي للوالد مطلقًا.
[ ٢ / ٥ ]
نفي وجود الشبيه لله لا يقتضي نفي صفاته ﷿
قال: [وليس مثله علا شيء ولا يلزم ذا نفي صفاته العلا] .
[ ٢ / ٦ ]
أقسام الناس في صفات الله
قال: (وليس مثله علا شيء) هذا هو النفي المجمل وهو الوارد في قوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وذلك أن الناس في صفات الله ﷾ افترقوا إلى ثلاثة مذاهب: المذهب الأول: هم المشبهة الذين انطلقوا من أوهام العقول فشبهوه بالمخلوقات.
والقسم الثاني: هم المعطلة الذين نفوا عنه ما أثبته لنفسه من الصفات.
والقسم الثالث: هم أهل الحق الذين لم يشبهوه بخلقه، ولكنهم لم ينفوا عنه ما أثبته لنفسه، فيثبتون ما أثبته لنفسه على مقتضى ما يليق به، وينزهونه عن مشابهة خلقه، فهذه الآية جاءت ردًا على الطائفتين المنحرفتين المشبهة والمعطلة، ففيها قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وهو ردٌ على المشبهة، وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وهو رد على المعطلة، وسنذكر إن شاء الله أن لدينا طائفتين هما طرفان: المشبهة والمعطلة، وأهل الحق في هذا وسط بين الطائفتين.
لكن هناك أيضًا طرفان لأهل الحق: طرف لديه زيادة قليلة في الإثبات، وطرف لدية زيادة قليلة في التنزيه، فلذلك كل واحد من الطرفين يتهم الآخر بانتسابه إلى الطرف الذي يليه، فالذين هم أهل إثبات وعندهم فيه زيادة قليلة يتهمهم من سواهم بأنهم مشبهة، وينسبونهم إلى من ورائهم، والذين لديهم تنزيه زائد أيضًا ينسبهم غيرهم إلى من ورائهم من المعطلة، وهم وسط بين هاتين الطائفتين، وهذا ما سنبينه إن شاء الله، والشيخ احترز من الطائفتين بقوله فيما سبق: (لا ما يقول من لذا أو ذا انتمى زعمًا ولم يسر على ما رسما) فلذلك كثير من الأشاعرة ينسبون بعض الحنابلة إلى التشبيه وليسوا مشبهين، لكن نظرًا للإثبات الذي فيه زيادة قليلة، وكذلك كثير من الحنابلة ينسبون الأشاعرة إلى التعطيل، وليسوا معطلة في أغلبهم، لكن مقصود ذلك أنهم بالغوا في التنزيه أيضًاَ.
قوله: (فليس مثله علا شيء) (شيء) هي اسم ليس، أي: وليس شيء مثله (علا) أي: تعالى، وفيه إثبات صفة العلو لله ﷾ وسنذكرها إن شاء الله تعالى بالتفصيل.
قوله: (ولا يلزم ذا نفي صفاته العلا) أي: نفي التشبيه عنه لا يقتضي نفي صفاته التي أثبتها لنفسه، (ولا يلزم ذا) معناه: إذا نفينا عنه التشبيه، فلا يقتضي ذلك إلزامنا بنفي صفاته التي أثبتها لنفسه، بل نثبت له ما أثبته لنفسه ولا يقتضي ذلك تشبيهًا له بخلقه، لذلك قال:
[ ٢ / ٧ ]
ذكر التفصيل لإثبات الإلهية والنبوة في سورة الطور
ذكرنا التشابه الجسمي، وقد نفي بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] والثاني: المداناة في المكانة حتى يمكن أن يحصل التزاوج أو نحو ذلك.
والنفي الإجمالي يأتي على حسب أوهام العقول؛ ولذلك فإن التفصيل البليغ في سورة الطور عجيب جدًا، ألا تلاحظون أن أول ما يخيل إلى من سمع رسولًا يقرأ كتابًا ويقول: أنا أرسلت من رب العالمين، أن يتخيل أن هذا الكلام الذي يقرؤه إنما هو شعر، أو سحر، أو كهانة على عادة الناس، هذا أول ما يبدأ في العقل، فرد الله هذه الفكرة بقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنْ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور:٣٠-٣١] أي: فالشعراء يموتون وتنتهي أشعارهم معهم وليست لهم أذكار مستمرة.
بعد هذا يفكرون بهذا الوحي الذي أتاهم فيقولون: هذا الكلام إذا فهمنا أنه ليس مثل كلام البشر، لكن من أين أتى؟ هل هو كلام لا يلفت الانتباه ولا يمكن أن ينتبه له أحد، أو هو كلام أعظم من هذا؟ فلذلك رد الله هذه الفكرة بقوله: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ * أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور:٣٢-٣٤] أي: إذا كان هو تقوله من عند نفسه وادعاه، فليس بأبلغ من أن يقول لهم بعدها: (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ) .
وهنا عرفنا أن هذا ليس كلامًا من كلام البشر وأنه وحي منزل، لكن من أين أتى؟ هنا يأتي التفكير فيمن أنزله.
فالتفكير فيمن أنزله بدايته التفكير في الخالق، والناس لم يشاهدوا خلق آدم، ولم يشاهدوا خلق السماوات والأرض وإنما رأوا الناس يتكاثرون، وراو المطر ينزل فتنبت الأرض شجرًا وييبس وينبت من جديد وهكذا؛ فلذلك يمكن أن يتخيل العقل في هذه اللحظة إنكار الألوهية أصلًا فرد هذه الفكرة بقوله: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور:٣٥-٣٦] .
هذه ثلاثة أفكار متسلسلة، بدايتها: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ) فنحن قطعًا خلقنا ونحن موجودون ولم نكن ثم كنا، فمن خلقنا؟! هل يمكن أن يكون الإنسان غير موجود ثم يوجد من غير تأثير أي شيء آخر؟ هذا مستحيل؛ لأن من مبادئ العقل أن وجود أثر بلا مؤثر مستحيل، وترجيح بلا مرجح مستحيل.
(أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ) هل خلقوا أنفسهم؟ هذا مستحيل أيضًا لا يقبله عقل، ولا يمكن أن يدعيه وهم، وإذا ادعى بعض الناس أن غلامًا خلقه أبوه، وأن ذلك خلقه أبوه وهكذا بالتسلسل، لكن من خلق هذه السماء وهذه الأرض، وما نراه من الخلق العظيم الذي لا يمكن أن يكون للإنسان فيه تأثير: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ) .
وبعد أن تثبت الألوهية لله الذي أنزل هذا الكتاب يأتي توهم آخر في العقل، فيقول: لكن لماذا خص هذا الإنسان بهذا الوحي من بين الناس؟ لماذا لم ينزل هذا على كل الناس أو يختار له منهم من هو أشرف في نظرهم منه؟ قال: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمْ الْمُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور:٣٧] فلا يمكن أن يتحكموا في عطاء الله واختياره، وليس لهم ذلك.
وهنا يمكن أن يحصل في الوهم في خيال الإنسان أن الرسالة مكتسبه، وأنه إنما اكتسب ذلك بعمل تقرب به إلى الله حتى ينيله هذه المنزلة والرتبة، فيرد الله على هذا فيقول: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور:٣٨] لو كانت القضية باكتساب وحيلة فإن لكم عقولًا ولكم حيلًا، فلماذا لم تكتسبوها ولم تحصلوا عليها؟! وبعد هذا نصل إلى الكلام على الواسطة التي تنزل هذا الوحي من السماء إلى الأرض؛ لأننا قطعنا النظر عن السلم إلى السماء، ولم ينقل بعد هذا إلا هذا الوحي المنزل من السماء؛ فمن أتى به؟ يأتي الوهم في الملائكة، فهم يزعمون أنهم بنات الله، فرد الله هذه الفكرة فقال: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمْ الْبَنُونَ﴾ [الطور:٣٩]، كيف يكون هو الخالق الذي يهبكم البنيين، ويرزقكم هذه الأعداد الهائلة من الأولاد، ويختار لنفسه بنات فقط؟! هذا مستحيل.
فبطلت هذه الفكرة، ولم يبق إلا قضية العداوة الشخصية والحسد لهذا الرسول الذي اختاره الله، وأنزل عليه الملك بالوحي، فرد هذه الفكرة فقال: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور:٤٠] فهل لك عليهم مطالبات تطالبهم بها في مقابل الوحي حتى يحسدوك عليها؟! أم أنك لا تسألهم عليه أجرًا، وإنما تريد هدايتهم وإيصالهم إلى الحق؛ فلذلك وجدنا أن العقول بتدرج أفكارها يأتي تنزيل الوحي لهدايتها، ورد كل هذا الخبث حتى يذهب جفاء.
[ ٢ / ٨ ]
الكلام على صفتي السمع والبصر
ٍ
[ ٢ / ٩ ]
أقسام السنة من حيث كونها وحيًا
وتنقسم السنة إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أقوال نزلت بلفظها ومعناها من عند الله تعالى، لكنها غير معجزة، وهذه هي الأحاديث القدسية، وهي قطعًا وحي بلفظه ومعناه.
القسم الثاني: أقوال أنزل معناها إلى النبي ﷺ فعبر عنها بلغته، وهذه هي السنة النبوية غير القدسية.
القسم الثالث: ما تكلم الرسول ﷺ به بطبيعته البشرية، فهو بشر من الناس يستفهم ويسأل ويجيب، فهذه لا تعتبر وحيًا.
إذًا فالسنة ثلاثة أقسام: قسمان من الوحي وقسم ليس وحيًا، وإذا نظرنا إلى الآية التي جاء فيها الإطلاق وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣-٤] فإن (وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى) نفي نطقه عن هواه، ولكن ذلك لا يقتضي إثبات أنه ما ينطق إلا عن وحي، فلم يقل: وما ينطق إلا عن وحي، بل ذكر أنه لا ينطق عن الهوى، والهوى هو ميل النفس إلى الشهوات، فكل كلامه ﷺ لا ينطق به عن هوى، لكن منه ما هو طبيعة بشرية فيه، وهي على أكمل أخلاق البشر وأكمل أوصافهم، فلا تكون مائلةً إلى الهوى، ومنه ما هو وحي منزل إليه من عند الله، ولهذا قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤] والمقصود بذلك ما كان تشريعًا ونحوه مما أنزل إليه من عند الله ﷾.
وقد أثبت الله تنزيل السنة بالإطلاق وسماها الحكمة في قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٣] والمقصود بالحكمة المنزلة إليه السنة.
[ ٢ / ١٠ ]
الكلام على صفة العين
وأما العين فقد جاء إثباتها صفة لله ﷾، والنص لم يرد فيه التصريح بأنها محل البصر، لكن اقتضاء ذلك وارد، فالعين التي ثبتت في النصوص تقتضي البصر، وتقتضي الإحاطة والإدراك، وتقتضي الرعاية والحفظ، كل ذلك من متعلقات هذه صفة العين.
وقد جاء لفظ العين في مثل قوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩] وقد جاء في بعض الأحاديث ذكر العينين، وإن كان اللفظ لا يصح فيه حديث واحد بعينه، ولكنه بطرق متعددة يمكن أن يجمع ذلك إلى عينين.
وأما الآية التي فيها: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤] فإن الإمام أحمد رحمه الله تعالى قال: هذا من مجاز اللغة والمقصود بمجاز اللغة أن الضمير (نا) في أصل دلالته يطلق على الجمع، فإذا أضيف إليه تثنية كان هذا من القبيح في الاستعمال، أي: لو قلت (تجري بعينينا) كان هذا قبيحًا في الاستعمال اللغوي، ولهذا يقول الله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤] وهما امرأتان ليس لهما إلا قلبان، لم يقل: (قد صغى قلباكما) وكذلك تقول: قطعت رءوس الكبشين، وليس للكبشين إلا رأسان لكن هذا هو الأفصح في اللغة، ولذلك يقول المختار بن بونا ﵀: ورجح الجمع فالإفراد فما ثنوا على الأصح في اثنين هما جزءًا مثنىً خفضا فالأرجح في اللغة الجمع فقالوا: قطعت رءوس الكبشين، (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) ثم بعد هذا الإفراد فتقول: قطعت رأس الكبشين، فهي أفصح في اللغة من قولك: قطعت رأسي الكبشين، وإن كانت التثنية واردةً في اللغة مثل قول الشاعر: أتبكي على ليلى ونفسك باعدت فزادك من ليلى وشعباكما معا فما حسن أن تأتي الأمر طائعًا وتجزع أن داعي الصبابة أسمعا شعباكما معًا: ثنى المضاف إلى الاثنين وهو خافض لهما.
وقوله: (المتصف) أبلغ مما لو قال الموصوف؛ لأن الموصوف لا تقتضي إثباتًا للصفة، وإنما تقتضي أنه وصف بذلك، أي: وصفه الواصفون بذلك، لكن (المتصف) تقتضي أنه متصف بذلك فعلًا، وهو أعم أيضًا من قولنا (الموصوف)؛ لأن الموصوف معناه: ذكر الصفات المعلومة لنا التي وصفه بها الواصفون، أما المتصف فإنه يشمل ما ذكرناه نحن وما لم نذكره من كل أوصاف الكمال، فكل كمال هو ثابت له سواء عرفناه تفصيلًا أو لم نعرفه، وكل نقص فهو منتف عنه سواء عرفنا ذلك أم لم نعرفه، نطقنا بذلك أولم ننطق به، ولذلك قال: (المتصف بما به في نوعي الوحي وصف) .
أي: بما وصف به في نوعي الوحي، ونوعا الوحي هما الكتاب والسنة فكلاهما وحي، فالكتاب لا جرم أنه وحي من عند الله ﷾، والسنة كذلك.
[ ٢ / ١١ ]
إثبات صفتي السمع والبصر لله فيه إثبات كمال علمه وإدراكه تعالى
ٍ [فهو السميع والبصير المتصف بما به في نوعي الوحي وصف] (فهو السميع) معناه: المتصف بصفة السمع، والسميع في اللغة: يطلق على السامع وعلى المسمع، فالسامع الذي لا يفوته شيء يسمى سميعًا، والمسمِع -أي: المنادي- الذي يسمع الناس يسمى سميعًا أيضًا، وذلك أن فعيلًا تستعمل بمعنى فاعل وبمعنى مفعول، فالسميع بمعنى السامع هي الكثيرة في الاستعمال مثل قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] والسميع بمعنى المتكلم المسمع منه قول عمرو بن معدي كرب ﵁: أمن ريحانة الداعي السميع يؤرقني وأصحابي هجوع أي: الداعي المسمع.
(والبصير): المتصف بصفة البصر.
وهاتان الصفتان بهما كمال العلم والإدراك، فالسميع يتعلق سمعه بالأصوات، والبصير يتعلق بصره بالمبصرات، وقد ذهب بعض المتكلمين مبالغةً منهم في التنزيه إلى أن سمع الله ﷾ يتعلق بالأصوات وبالمحسوسات كلها، وأن بصره كذلك يبصر الذات والمعنى، ولكن هذه المبالغة في التنزيه مبالغة في إثبات مخالفته للحوادث، وفيه يقول أحدهم: وأنت بصير تبصر الذات والمعنى.
لكن هذا لا دليل عليه، وإنما أخذوه من نفي مشابهته لخلقه، فإنه لما كان سمع الحادث يتعلق بالأصوات فقط، وبصره يتعلق بالذوات فقط، أرادوا إثبات المخالفة له، لكن المخالفة لا تقتضي أن تكون من حيث المتعلق فقط، بل المخالفة من حيث مصدر السمع ومصدر البصر ونحو ذلك، فمصدر السمع والبصر بالنسبة للمحسوسات في الإنسان الأذن في السمع والعين في البصر، والله ﷾ لا يمكن أن يقاس بخلقه، ولا يمكن أن يشبه بهم، فمجرد إثبات السمع له لا يقتضي إثبات الأذن، وإن كان جاء في الحديث: (وما أذن الله لشيء أذنه إلى قراءة نبي حسنة، أو: إلى نبي حسن الصوت بالقرآن) وسنذكر هذا إن شاء الله تعالى، لكن الأذن هنا بمعنى الاستماع، ولا يقتضي إثبات صفة الأذن.
[ ٢ / ١٢ ]
أقسام ما وصف الله به نفسه في الكتاب والسنة وكيف نتعامل معه
قال: [يمر ما في وصفه جاء من الـ ـوحي كما يفهم من فيهم نزل] ما جاء في الكتاب والسنة مما وصف به ربنا جل وعلا، ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
[ ٢ / ١٣ ]
إشكالية ترجمة بعض نصوص الصفات وغيرها
وهنا إشكال آخر وهو من ناحية الترجمة، إذا ترجمت بأية لغة أخرى، هل تتركها كما هي باللفظ العربي أو تفسرها بمعنى مقابل لها في تلك اللغة؟ هذا محل محير من الناحية الفقهية، فمن العلماء من قال: تفسرها باللفظ المطابق لها في تلك اللغة، لكن هذا يعترض عليه بأن الدلالات اللغوية في كل لغة متباينة؛ لأن اللفظ الواحد قد تتعدد دلالاته من لغة إلى لغة، ويطلق على أشياء بالحقيقة وأشياء بالمجاز، وبالأخص في اللغات غير الراتبة، والعربية لغة راتبة، قليلة التغير في الدلالة، ومن هنا فإن أي طفل عربي لو أنشدته الآن: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل لأمكن أن يشرح لك هذه الكلمات، ولو سألت أي طفل إنجليزي عن معنى بيت لـ شكسبير أو أي واحد من الشعراء في القرن الماضي لما عرف منه كلمة واحدة؛ لأن اللغة تتغير دلالاتها وتختلف.
ومن هنا ففي مقام الترجمة، رأينا بعض الترجمات للقرآن تجرأ أصحابها على الله ﷾، وكانت تراجمهم عجيبة جدًا، فأحدهم يترجم قول الله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْط﴾ [الإسراء:٢٩] فيقول: لا تعقد يدك مع رقبتك ولا تمدها مدًا شديدًا حتى تنقلع! وهذا مناف لمعنى الآية تمامًا، وآخر يفسر قول الله تعالى: ﴿وَتَرى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر:٧٥] قرأها بالتخفيف وظن أنها حافين، فقال: أي: بدون نعال!!
[ ٢ / ١٤ ]
ما لا يختلف في كونه صفة لله تعالى
القسم الأول: ما يتضح أنه صفة لله ﷾، فهذا لا يختلف فيه اثنان، وهو مثل العلم والحياة والإرادة والقدرة والسمع والبصر والتكلم، فهذه الصفات لا يختلف اثنان في أنها صفات من صفات الله، ومثلها: الغنى، والكرم، والسخاء، العظمة، والجلال، والجبروت، والكبرياء، والقهر، فهذه صفات لا يختلف فيها اثنان.
[ ٢ / ١٥ ]
صفات الأفعال
القسم الثاني: ما هو أفعال، لكن تلك الأفعال تدل على صفات، وتلك الصفات هي منشأ الفعل؛ لأن الفعل له طرفان: فعل وانفعال، فالفعل هو الصادر من الله ﷾، والانفعال هو الطرف الذي لدى المخلوق، فالخلق مثلًا: الله تعالى هو الخالق وأنت المخلوق، فالصفة من عند الله، والمخلوق خلق من عند الله وهو خالقه، لكن الخلق تعلق بذات المخلوق فأصبح مخلوقًا، ومن هنا فهذا النوع لا يطلق عليه صفة بإطلاق، وإنما يسمى: صفات الأفعال، كالخلق، والإحياء، والإماتة، والرزق، وتنزيل المطر، ونحو ذلك من الأفعال التي لها انفعالات تتبدى في المخلوق؛ لأنها لو كانت صفة محضة لما فارقت موصوفها، فلو كان الخلق صفة محضة في الله ﷾ والصفة لا تفارق موصوفها؛ لما كنت أنت مخلوقًا، فالمخلوق منفعل للصفة، أي: أن الصفة تعلقت به، ومثل هذا: الغضب والرضا والرحمة، فكل هذه الصفات ذات طرفين، فعل وانفعال، فالفعل إلى الله والانفعال إلى المخلوق.
[ ٢ / ١٦ ]
ما لا يتعين كونه صفة ولا فعلًا مما وصف الله به نفسه
القسم الثالث: ما لا يتعين في الأصل كونه صفة ولا كونه فعلًا، وهو مثل الوجه، والعين، واليدين، والقدم، والساق، والأصابع، ونحو ذلك.
فهذه الأمور لا تفهم -من أصل اللغة العربية- معنى الصفة فيها، ولا يفهم معنى الفعل فيها، لكن مع ذلك إذا نظرنا إلى أنه منطلق للفعل فيمكن أن يعتبر صفةً، كاليد مثلًا فإن بها الكتابة، كتب الله التوراة بيمينه لموسى، وخلق آدم بيمينه، فهذا يقتضي أن اليد وأن اليمين صفة من هذا النوع، فاليد صفة لله، وآدم هو المخلوق باليد، فتعلقت به اليد والتوراة مكتوبة باليد فتعلقت بها اليد.
وهذا النوع قد أشكل على كثير من الناس، وهو سبب الخوض في باب الأسماء والصفات كما سنذكره، فأصل الخوض في الأسماء والصفات هو هذا النوع، والصحابة رضوان الله عليهم لم يسألوا عنه، ولم يستشكلوا شيئًا منه، وكذلك التابعون، وأول ما ظهر الإشكال فيه في أيام أتباع التابعين، فسئل عنه عدد من أئمة الهدى ومنهم: مالك بن أنس، والأوزاعي، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، ويزيد بن هارون، وعبد الملك بن صبيح، وهشيم بن بشير الواسطي، والليث بن سعد؛ فاتفق جوابهم وقالوا: (اقرءوها وأمروها) وفي رواية: (أمروها كما جاءت)، وروى هذا عنهم: الوليد بن مسلم، وقال بعضهم: (قراءتها تفسيرها) فليس لها تفسير، ولا يمكن أن تفسر بكلام الحادث، وإنما تفسيرها قراءتها، فتقرأ وتترك كما أنزلت في الوحي ولا يتعدى بها ذلك.
ولهذا قال فيها أحمد بن حنبل: (لا كيف ولا معنى) وقوله: (لا معنى) معناه: لا تفسير، أي: لا تفسرها بأي شيء، فلو سألك سائل عن معنى الوجه أو العين أو اليد، فلا تفسرها بأي لفظ من الألفاظ؛ لأنه لم يرد ذلك في الوحي، ولا نطق به رسولنا ﷺ، ولا نطق به أحد من أصحابه، ولا أحد من أتباعهم، والذين سئلوا عن ذلك من أتباع التابعين قالوا هذا، ولهذا تجدون كتب التفسير مع أنها تفسر الألفاظ المختلفة في القرآن، وكثير من الألفاظ يعتنون بتفسيرها باللغة وما جاء فيها، أما هذه الألفاظ فإنه لا يفسرها أهل السنة، وإنما يشتغل بتفسيرها المتأولون الذين يؤولونها من المتكلمين والمعتزلة، لكن أهل السنة ليس لهم تفسير لها، فإنما يقرءونها ويمرونها فيقولون: نعم، صدق الله، وما وصف به نفسه فهو حق، ونحن نؤمن بها على مراد الله، ولا نتعب أنفسنا في تفسيرها، وإذا كنا من أهل العربية الناطقين بها فنعرف معنى اليد في اللغة، ومعنى العين في اللغة، ومعنى الوجه في اللغة، لكن لا نتكلف أن نبين ذلك لمن سوانا.
[ ٢ / ١٧ ]
بيان منهج السلف في فهم الصفات الخبرية
[ ٢ / ١٨ ]
منهج الصحابة في الصفات هو الإمرار والإقرار
وقوله: (كما يفهم من فيهم نزل) معناه: كما فهمه من نزل فيهم الوحي، وهم أصحاب رسول الله ﷺ، والتابعون الذين عاصروهم من المخضرمين، فإنهم فهموا هذه النصوص ولم يستشكلوا شيئًا منها، ولم يفهموا فيها تشبيهًا، ولم يفهموا أنها ألغاز، ولم يفهموا أنها لا معنى لها، بل فهموها وسلموا لها وانتهى الأمر عندهم، والشيخ في منظومة أخرى يقول: الظاهر الذي عليه نبقي موهم تشبيه لرب الخلق هو الذي أهل اللسان فهموا إذ نزل الوحي به عليهم فلا أبو بكر لخير الرسل يقول أشكل علي اشرحه لي ولا أبو جهل يقول اختلفا أثبت ما من التماثل نفى حين أنزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] لا أبو بكر استشكل هذا وقال: كيف يكون مخالفًا للحوادث وهو مع ذلك السميع البصير، فأثبت له الصفات ولكن نفيت مشابهته للخلق مع أن هذه الصفات موجودة في الخلق؟ لم يستشكل أبو بكر هذا.
ولا أبو جهل أيضًا يلتمس فيه تناقضًا مع أنه يبحث عن أي تناقض: وهذا اللفظ الظاهر هو من الألفاظ التي يستفصل فيها، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الظاهر ظاهران: ظاهر هو الذي يفهمه أهل اللغة وقت نزول الوحي، وهذا هو الذي تقر عليه الصفات ويؤمن بها على حسبه، وظاهر هو الذي يفهمه من ليس من أهل اللغة بقياسه على المخلوق، وهذا قطعًا ممنوع، وكلاهما يتكلم فيه بعض العلماء، فيظن الناس أنهم على خلاف وعلى طرفي نقيض، والواقع خلاف ذلك، فمثلًا إذا قال المقري وهو من الأشاعرة: واللفظ إن أوهم غير اللائق بالله كالتشبيه بالخلائق فاصرفه عن ظاهره إجماعًا واقطع عن الممتنع الأطماعا فإنما يقصد الظاهر الذي يفهمه الإنسان تشبيهًا، ولذلك لم يقل: إن الألفاظ تقتضي هذا، وإنما قال: (واللفظ إن أوهم) فقط (فاصرفه عن ظاهره إجماعا)، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء.
والآخرون الذين يقولون: تقر النصوص على ظاهرها، مقصودهم بذلك معناها الذي فهمه أبو بكر وقت نزولها، وفهمه الصحابة وقت نزولها، وفهمه التابعون ولم يستشكلوا منها شيئًا، وهو الذي يفهمه أهل اللغة بسليقتهم.
وهذان المعنيان استوعبهما الشيخ في قوله بعد الأبيات التي ذكرناها عنه: وهو الذي في قول باب المرتضى سيف الهدى العضب الحسام المنتضى ما أوهم التشبيه في آيات وفي أحاديث عن الثقات فهو صفات وصف الرحمن بها وواجب بها الإيمان ثم على ظاهرها نبقيها ونحذر التأويل والتشبيها قال بذا الثلاثة القرون والخير باتباعهم مقرون وهو الذي فصّله القرآن والسنن الصحاح والحسان وكم رآه من إمام مرتضى من الخلاء في بني أولي الرضا ومن أجاز منهم التأويلا لم ينكروا ذا المذهب الأصيلا والحق أن من أصاب واحدْ لا سيما إن كان في العقائدْ ووافق النص وإجماع السلف فكيف لا يتْبع هذا من عرف فمن تأول فقد تكلفل وغير ما له به علم قفا وفي الذي هرب منه قد وقع وبعضهم عن قوله به رجع يقصد به الأشعري -﵀-: حتى حكى في منعه الإجماعا وجعل اجتنابه اتباعا وقد نماه بعض أهل العلم من الأكابر لحزب جهم يقصد الإمام أحمد ﵀: فاشدد يديك أيها الموفق على الذي سمعته من الحق وظاهر فصرفه عنه يجب وهو الذي يفهمه من قد حُجب فهو يسير في الظلام الدامس رهن موانِ الفتنة الطوامس وهو الذي يقول فيه المقري المغربي المالكي الأشعري واللفظ إن أوهم غير اللائق بالله كالتشبيه بالخلائق فاصرفه عن ظاهره إجماعا واقطع عن الممتنع الأطماع وقول المقري هنا: (فاصرفه عن ظاهره) كان الأولى أن يقول: فاصرفه عن موهمه، أي: عن الذي يتوهمه به المشبه فقط.
قال: (كما يفهم من فيهم نزل) أي: من نزل الوحي فيهم، ولم يقل (من نزل عليهم)؛ لأن الوحي لم ينزل إلا على محمد ﷺ وحده، والصحابة لم ينزل عليهم الوحي، لكن نزل فيهم.
[ ٢ / ١٩ ]
التفريق بين كلام السلف والخلف وبيان المقصود بالسلف
فهذا القسم الثالث هو المحير المشكل فيما يتعلق بالنصوص، ولذلك عده بعض العلماء من الصفات المشكلات، كما قال ابن السبكي في جمع الجوامع، ونظمه السيوطي ﵀ في قوله: وما أتى به الهدى والسننُ من الصفات المشكلات نؤمنُ بها كما جاءت منزهينا مفوضين أو مؤولينا.
بالتفصيل ليس يقدح بالاتفاق والسكوت أصلح وهذا هو المقام الذي تسمعون فيه التفريق بين كلام السلف وكلام الخلف، فمذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم، مع أنه أحوج إلى مزيد علم، وسنذكر ذلك تفصيلًا إن شاء الله في موضعه.
والمقصود بالسلف هنا: مالك، والأوزاعي، والليث، ويزيد بن هارون وطبقتهم التي سمينا بعضها، فهم الذين تكلموا في هذا، ولا يدخل فيه الصحابة ولا التابعون فليس لهم كلام في هذا، لم يرو عن أحد منهم فيه كلام، بل هذه الإشكالات التي ترجع إلى الألفاظ، أول من روي عنه الكلام فيها: عمرو بن دينار وهو من أواسط التابعين، روي عنه الكلام فيما يتعلق بصفة الكلام لله فقط فقال: إن القرآن غير مخلوق، لكن من قبله لم يثبت عنه أي كلام فيما يتعلق بهذه الأمور الخلافية المتعلقة بالاعتقاد.
ومن هنا أطلق الشيخ وقال: (يمر ما في وصفه جاء من الـ ـوحي كما يَفهم من فيهم نزل) (يمر) معناه: يقرأ كما هو، فكأنك تمره على لسانك إلى قلبك، فتسلم به تسليمًا مطلقًا، انطلاقًا من المبدأ الذي ذكرناه سابقًا، وهو أن مبدأ الاعتقاد هو التسليم بأن العقول لا تصل إلى هذه الحقائق، وأنها محتاجة فيها إلى الوحي، فمن هنا تسلم بها تمامًا، وتنقاد لها غاية الانقياد، وتجعلها أقوى مما تراه أو تسمعه، وجزمك بها أقوى مما تراه أو تسمعه؛ لأنك قد ملأت عقلك بالتصديق بعجز العقل عن إدراكها، وملأت عاطفتك بمحبة الله، وإثبات هذه الصفات طريق إلى محبة الله ﷾، كما ذكرنا سابقًا أنك إذا عرفت صفاته أحببته بها.
من هنا قال: (يمر ما في وصفه جاء من الوحي) سواء كان كتابًا أو سنة.
[ ٢ / ٢٠ ]