الصفات التي أثبتها الله لنفسه أو أثبتها له رسوله ﷺ يجب إثباتها؛ لكن بغير تشبيه ولا تأويل ولا تعطيل.
[ ٣ / ١ ]
إثبات الصفات مشروط بعدم التكييف والتمثيل والتحريف والتأويل
قال: [من غير ما تكييف أو تمثيل له ولا تحريف أو تأويل]
[ ٣ / ٢ ]
معنى التحريف
(ولا تحريف): أي: لا تحرف هذه النصوص، والمعنى: ولا تنقل عن دلالتها الأصلية، بل تترك على دلالتها، وتحريف النص معناه: وضعه في غير موضعه، كما قال تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِه﴾ [النساء:٤٦] .
وأصله تحريف القلم، أي: الميل به عن أن يكون عموديًا، وأن يكون في كتابته أفقيًا، فتعطيل إحدى سني القلم عن الأخرى هو تحريف، وتحريف الكلام معناه: نقله وبتره وتحويله من موضعه إلى موضع آخر، فمثلًا الكلام الذي جاء في الثناء على الله من الوجه والعينين واليدين ينقله بعض الناس إلى أن يجعله عيبًا ونقصًا، وهذا تحريف للكلم عن مواضعه، فالله ﷿ أتى به ثناءً على نفسه، فكيف ينقل ويجعل نقصًا وعيبًا؟ هذا تحريف واضح.
[ ٣ / ٣ ]
معنى التأويل
(أو تأويل): أي: لا تؤول هذه الصفات بأي شيء آخر، حتى لو كان ذلك التأويل بصفات ثابتة لله؛ لأن ذلك فيه جراءة عليه، وقول عليه بما لا نعلمه، ولم يأذن لنا بذلك ولم يأتنا به نص.
وسنتعرض لمسألة التأويل في مبحث لاحق إن شاء الله تعالى.
وهنا ترد احتمالات نظمها الشيخ في أبيات ثلاثة حيث يقول: من أثبت الصفات لله علا على الذي بالخلق لاق مثلا ومن نفاها كذب النص ولا يبعد من ذلك من تأولا أما الذي أثبتها على ما يليق بالله فلا يلاما هذه الاحتمالات العقلية الواردة أربعة: إما أن تثبتها على ما تعرفه في المخلوق فهذا هو تشبيه التمثيل.
وإما أن تنفيها أصلًا وهذا هو التعطيل.
وإما أن تؤولها وهذا قريب من التعطيل، وليس تعطيلًا لكن قريب منه.
وإما أن تثبتها لله على ما يليق بالله فهذا هو الوجه الصحيح.
[ ٣ / ٤ ]
معنى التمثيل
[أو تمثيل]: كذلك لا تمثل هذه الصفات، فلا يحل تمثيلها بشيء من خلقه، ومحل التمثيل فيها ما كان من نطقها، أما ما كان بالإشارة فلا يسمى تمثيلًا، كمن فسر قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَة﴾ [الزمر:٦٧] فقبض أصابعه مثلًا، أو قال: (القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن) فمد إصبعيه، أو أشار بيده إلى السماء في إثبات صفة العلو فهذا لا يسمى تشبيهًا ولا تمثيلًا، وقد ورد منه في بعض النصوص ما يقتضي ذلك، كذلك وضع اليد على الأنف في حديث: (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) ونحو ذلك، فهذا لا يسمى تمثيلًا، والإشارة إلى ذلك يقصد بها تفهيم الناس معنى الصفة، ولا يقصد بها تشبيه ذلك بالمخلوق، فالتمثيل معناه: ذكر المثال أو المِثل، فالمثال منفي عن الله قطعًا لأنه لا مثل له، والمثل منه ما هو منفي، ومنه ما هو مثبت، فهو ينقسم إلى قسمين: الأول: مثل للتشبيه وهو منفي عنه قطعًا، والثاني: مثَل للتفهيم فقط وهو المذكور في قول الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ [إبراهيم:٢٤] في كثير من الآيات كقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر:٢٩]، ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل:٧٥]، ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل:٧٦]، ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠] فهذا المثل المثبت، أما المثل المنفي فهو الوارد في قوله: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٧٤] فمثل التشبيه هو المنفي، ومثل التفهيم مثبت.
وكذلك القول في القياس، فقياس التمثيل ممنوع، وقياس الأولى جائز، وقياس الأولى كأن تضرب مثلًا وتقصد به أنه إذا انتفى هذا المثل عن المخلوق فالله تعالى أولى، وهذا كثير في القرآن، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [الزخرف:١٧] أي: فإذا كان المخلوق لا يرضى هذا ولا يحبه لنفسه؛ فكيف يضربه لبارئه وفاطره؟! وهذا المثل: مثل الأولى أو قياس الأولى، مثل ما تقول: أنت تؤمن بأن لك نفسًا وأن لك روحًا قطعًا، وبأنها تعرج وتنزل، وبأنها تسمع وتبصر، ولكنك لا تعرف كيفيات ذلك، فإذا كنت تؤمن بروحك التي هي أقرب شيء إليك، وتؤمن بأن لها هذه الصفات، ولا تعرف كيفية اتصافها بذلك، فالله ﷿ أولى بأن تؤمن به وأنت لا تعرف كيفية اتصافه بالصفات، فهذا من باب قياس الأولى فقط، فأنت أثبت لله ذاتًا، وأثبت له سمعًا، وبصرًا، وكلامًا، وأثبت لنفسك نفسًا روحًا، وأثبت لها سمعًا، وبصرًا، وكلامًا هو حديث النفس، لكن لا تعرف كيف تتصف النفس بذلك، وهل للنفس فم أو عين أو أذن؟ لا تعرف شيئًا عن ذلك، وكذلك الروح لا تعرف شيئًا عنها نهائيًا، وهي أقرب شيء إليك، فإذا فهمت ذلك فمن باب أولى الكلام في صفات الله ﷿، وهذا هو قياس الأولى.
ومثله القياس الثاني الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في التدمرية فقال: (إن بعض المخلوقات يشترك مع بعض المخلوقات في الاسم والصفات، لكن ذلك لا يقتضي شبهًا بينهما، فالإنسان له وجه والفيل له وجه، لكن هل وجه الإنسان كوجه الفيل؟! لا، فإذا كان بعض المخلوقات لا يشبه بعضًا مع اشتراكهما في الاسم والصفة، فمن باب أولى الباري ﷾ في مخالفته لكل المخلوقات، ومثل هذا قول ابن عباس: ما في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء، فالله أثبت أن في الجنة ماءً، وأن فيها خمرًا، وأن فيها عسلًا، وأن فيها لبنًا، وأن فيها فرشًا وثمارًا، وطعامًا، وأزواجًا، ولكن هل هي مثل ما في الدنيا؟ ليست مثلها تمامًا، بل لا تشترك معها إلا في الأسماء، فما في الجنة قطعًا مخلوقات، وما في الدنيا مخلوقات، وقد اشتركت في الاسم، ومع ذلك لا تشبهها، فمن باب أولى الخالق ﷿، فإنه يمكن أن يكون بعض صفاته يشترك في الاسم مع صفات المخلوق، لكن شتان بينهما.
[ ٣ / ٥ ]
معنى التكييف
(من غير ما تكييف) "ما" زائدة، والمعنى: من غير تكييف، والتكييف معناه: التماس الكيفيات، لا تقل: كيف؟ والكيف عنه مرفوع كما قال مالك، لا تبحث عن كيفية الصفة، ولا عن كيفية اتصافه بالصفة، فالكيف يشتمل أمرين هما: كيفية الصفة نفسها، وكيفية اتصافه بالصفة، فمن الصفات مثلًا ما يبحث فيه أصحاب التشبيه عن كيفية الصفة: كالوجه، والعين، واليد ونحو ذلك، ومنها ما يبحث فيه عن كيفية اتصافه بها، وذلك مثل: العلم والإرادة والقدرة والرحمة.
وهذا البحث هو الذي جعل كثيرًا من الناس يشبهه بالبشر تعالى الله عن ذلك، وجعل آخرين أيضًا يبحثون عن كيفية اتصافه بالصفات، فيصلون إلى ما يسمى بالمعنويات، وهي الأحوال التي قالوا فيها: إنها واسطة بين الوجود والعدم، فيقولون مثلًا: نثبت لله الحياة، ونثبت صفة أخرى غير الحياة وهي كونه حيًا، ونثبت لله صفةَ العلم، ونثبت له صفةً أخرى وهي كونه عليمًا، ونثبت له صفةَ الإرادة، ونثبت له صفةً أخرى هي كونه مريدًا، ونثبت له صفةَ القدرة، ونثبت له صفةً أخرى وهي كونه قديرًا، ونثبت له صفة السمع، وصفةً أخرى وهي كونه سميعا، وصفة البصر وصفةً أخرى وهي كونه بصيرًا، وصفة الكلام وصفةً أخرى وهي كونه متكلمًا.
وأول من قال هذا ونشره هو: الفخر الرازي في كتابه: المحصل، وقال: إن هذه الأحوال وهي كونه حيًا، عالمًا، مريدًا، قادرًا، سميعًا، بصيرًا، متكلمًا، وهي سبع صفات، قال: إنها واسطة بين الوجود والعدم، فلا هي موجودة ولا هي معدومة؛ لأنها لو كانت معدومةً لما اتصف بها، ولو كانت موجودة لكانت معنىً زائدًا على أصل الصفة، فهي من الأمور المعضلة التي ذكرها الفخر الرازي ولا داعي لها أصلًا؛ لأنها من البحث في التكييف.
[ ٣ / ٦ ]
الأسئلة
[ ٣ / ٧ ]
ترجمة بعض الصفات من المشكلات
السؤال
لماذا لم تجب عن إشكال الترجمة لبعض الصفات؟
الجواب
نعم، لم نجب عن ذلك لأنها من المشكلات العويصة.
[ ٣ / ٨ ]
معنى اسم الله البصير
السؤال
عن معنى البصير؟
الجواب
ذكرنا أن البصير المتصف بصفة البصر، والمقصود بذلك أن الله ﷾ أثبت لنفسه البصر، وأنه متصف بذلك على أبلغ الوجوه؛ لأن (بصير) ليست بمعنى مبصر فقط، ولا باصر؛ لأن الباصر الذي يصح منه البصر، والمبصر: الذي يتصف بصفة البصر، لكن البصير تجمع كل ذلك وتزيد عليه أنه لا يفوته شيء، ولا يخفى عليه شيء، فلا تحجب عنه سماء سماءً، ولا أرض أرضًا، ولا بحر ما في قعره، ولا جبل ما في وعره، ونظره إلى ذلك دائم فلا يفوته أي شيء.
لكن نظر الله ﷾ ينقسم إلى قسمين: نظر بمعنى العلم والاطلاع، ونظر بمعنى التكريم، ولذلك تجدون النظر بمعنى التكريم منفيًا عن أهل النار في قول الله تعالى: ﴿لا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران:٧٧] وليس معناه: أنه لا يراهم، بل هو يراهم وهو مطلع على بواطن قلوبهم وهو أقرب إليهم من حبل الوريد؛ لكن معناه: لا ينظر إليهم نظرة تكريم ورحمة، فالرحمة حظهم منها قد أخذوه في الدنيا، أما يوم القيامة فلا رحمة للكافر: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف:٢٠] .
[ ٣ / ٩ ]
حكم الإشارة بالأعضاء عند ذكر بعض الصفات
السؤال
هل تعتبر الإشارة باليد، أو بكيفية معينة جائزةً شرعًاَ، وما ضابط ذلك، وما الذي ورد عن رسول الله ﷺ في ذلك؟
الجواب
أن الإشارة كما ذكرنا إذا قصد بها التفهيم فقد وردت في بعض النصوص عن النبي ﷺ، كما في الإشارة إلى الأذن في قوله: (وما أذن الله لشيء أذنه إلى نبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن) وكذلك الإشارة إلى الأنف في قوله في حديث الصوم: (لخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك) وكذلك قبضة اليد فيما يتعلق بذكر القبضة يوم القيامة: ﴿وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧] .
[ ٣ / ١٠ ]
قوله: (من غير ما تكييف) للمبالغة في النفي
السؤال
لما قال الشيخ حفظه الله: (من غير ما تكييف) ولم يقل: من غير تكيف ولا تمثيل، فهل لهذا مغزى؟
الجواب
أنه ليس له مغزىً مخصوص، لكن فقط للمبالغة في النفي؛ لأن غير وما كلتاهما أداة نفي، فإذا تكررتا اقتضى ذلك تمام النفي.
[ ٣ / ١١ ]
لم يستعمل أحد من السلف لفظ الذات
السؤال
هل استعمل أحد من السلف لفظ الذات؟
الجواب
لا، الذات ليست من العربية، بمعنى مقابل الصفة كما سنذكره إن شاء الله قريبًا.
[ ٣ / ١٢ ]
الفرق بين التأويل والتفويض والإمرار
السؤال
ما الفرق بين التأويل والتفويض والإمرار؟
الجواب
أن التأويل: هو صرف للفظ عن مقتضى دلالته الأصلية، مثل حمله على المجاز إذا كان وروده على الحقيقة.
والتفويض معناه: جهالة معناه وإحالة علم ذلك إلى الله، فمن عقيدة أهل السنة والجماعة أن يقولوا في كل شيء جهلوه: الله أعلم، وأن يحيلوا العلم إلى الله في كل ما جهلوه، وقد جاء في الصحيحين من حديث أبي بن كعب: أن الله ﷾ عتب على موسى حين لم يرد العلم إليه، حين سأله سائل فقال: من أعلم أهل الأرض، فقال موسى: أنا.
والإمرار هو: قراءتها فقط، كما ذكرنا ما روي عن السلف من أن تفسير هذه الآيات قراءتها، أي: أن تقرأ فقط.
[ ٣ / ١٣ ]
معنى حديث: (إن الله خلق آدم على صورته)
السؤال
عن لفظ: (إن الله خلق آدم على صورته) .
الجواب
هذا سنذكره إن شاء الله تعالى؛ لأن الشيخ تعرض له قليلًا، وذكر أن الأحاديث التي جاءت في هذا نوعان، منها: ما هو قابل أن يحمل على غير ما يفهم منه، مثل قوله ﷺ: (إذا ضرب أحدكم أخاه فليتق الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته) فإن بعض أهل العلم قالوا: ليس هذا الحديث من أحاديث الصفات أصلًا، وإنما المقصود به أن الله خلق آدم على صورة الأخ الذي تضربه، فلذلك لا ينبغي أن تضرب وجهه؛ لأنه على صورة أبيك آدم فاحترمه.
وأما الأحاديث الأخرى التي فيها (على صورة الرحمن) ونحو ذلك من التصريح بهذا، فالمقصود بالصورة مختلف فيه: فقالت طائفة: المقصود بذلك الكمال والحسن، والجمال قطعًا صفة لله ﷾، فالمقصود بالصورة حينئذ الصفة، فالله ﷾ هو المتصف بصفات الكمال والحسن والجمال، فهذه صورته بمعنى صفتة، والمقصود بذلك صفة الوجه.
وقالت طائفة أخرى: بل المقصود بذلك على الصورة التي اقتضاها الرحمن فهي أكمل الصور، فأكمل الصور هو الصورة التي اختارها الرحمن لآدم، فهذا معنى: على صورته.
[ ٣ / ١٤ ]
الإشارة إذا كانت للتفهيم فإنها جائزة ولا يقصد بها التجسيم ولا التشبيه
السؤال
ما كان بالحركات لا يكون تمثيلًا، أرجو التوضيح بالأدلة؟
الجواب
ذكرنا إشارة الرسول ﷺ في تبيين بعض الأحاديث، ونحن لا نقصد أن ما كان بالحركات، إنما نقصد أن ما كان من الإشارات للتفهيم بدلالة النص، فالإشارة هنا لا يقصد بها التجسيم ولا التشبيه وهذا لا حرج فيه، وما كان يقصد به التشبيه ونحو ذلك فهذا لا يجوز.
[ ٣ / ١٥ ]
الفرق بين التمثيل والتشبيه
السؤال
ما الفرق بين التمثيل والتشبيه؟
الجواب
أن التمثيل أبلغ من التشبيه؛ لأن التشبيه هو الاشتراك في الشبه، وقد يقوى ذلك الشبه كما يشبه الغراب الغراب، وقد يكون أدنى من ذلك، فتشبيه الرجل الأبخر بالأسد هو لاشتراكهما في صفة البخر فقط، لا في صفة الشجاعة ولا في صفة القوة، والتمثيل: هو أن يكون مثلًا له، أي ندًا مساويًا له، وبينهما عموم وخصوص، فالتمثيل قد يكون من ناحية المكانة لا من ناحية الشبه، والتشبيه قد يكون كاملًا وقد يكون ناقصًا، وإنما جاء في القرآن نفي التمثيل، وذلك في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] فهو أبلغ من التشبيه.
[ ٣ / ١٦ ]
الفرق بين تفويض الكيف وتفويض المعنى
السؤال
عن قول الإمام أحمد: لا كيف ولا معنى، ما الفرق بينه وبين التفويض؟
الجواب
بالنسبة للتفويض يطلق على أمرين: يطلق على تفويض الكيف وعلى تفويض المعنى، فتفويض الكيفيات تفويض مطلوب من كل أحد؛ لأن الكيفيات لا تصل إليها العقول، فتفوض إلى الله كيفيات صفاته؛ لأنك لا يمكن أن تدرك ذلك بعقلك.
وأما التفويض في المعنى: فإنه لم يعرف الكلام فيه قديمًاَ، بل أول من ذكر عنه أنه صرح به هو أبو الحسن الأشعري، وذلك حين خالط الأعاجم، واختلطت اللغة العربية بغيرها من اللغات فقال: إذا قلت للأعجمي: الاستواء معلوم والكيف مجهول، قال لي: معلوم عندك، أما أنا فغير معلوم عندي، وإذا قلت له: اليد معلومة في اللغة، قال: أنا غير معلومة عندي، فاضطر حينئذ إلى أن يفوض وأن يقول له: الله أعلم بمراده به.
وسنتكلم على هذا النوع من أنواع التفويض، وهل هو مذهب السلف أو قريب من مذهب السلف؟ لأن بعض الناس يزعم أنه مذهب السلف تمامًا، وهذا الذي ذكره السبكي والسيوطي وغيرهما حتى الحافظ ابن حجر، ولكن الواقع أن بينه وبين مذهب السلف فرقًا بسيطًا جدًا، فالسلف مثلًا يقولون في مثل هذه الصفات: الاستواء معلوم، وأصحاب التفويض يقولون: الله أعلم به، ولا يؤول ذلك واحد منهما، ولا ينفيه واحد منهما، ولا يصرح بشرح لفظ من ذلك واحد منهما، الخلاف فقط في الجواب عنه، فهذا يقول: معلوم، وهذا يقول: الله أعلم به، فالأمر فيه سهل.
أما بالنسبة لكلام الإمام أحمد فإنه قد يفهم منه الوجهان معًا، قد يكون المقصود بقوله: (ولا كيف) أنه لا يبحث عن الكيف، فيكون هذا من تفويض الكيف، وقطعًا لا يقصد به أنه لا كيف للصفة؛ لأن كل صفة لا بد لها من كيف، لا يفهمها العقل بلا كيف، لكن الكيف مجهول، وقوله: (ولا معنى) محتملة لأمرين: الأول: إما أن يكون المعنى: لا تفسير لذلك، أي: لا يحل لك أن تفسره بأي لفظ آخر، وهذا القول هو الراجح.
القول الثاني: أن (لا معنى) معناه: أن معناه مجهول بالنسبة لنا نحن، وإنما نؤمن بأنه حق، وبأن الله إنما وصف نفسه بذلك كمالًا له، وهذا القول هو قول التفويض.
[ ٣ / ١٧ ]
الكلام على تأويل قوله: (كل شيء هالك إلا وجهه)
السؤال
صرف بعض الآيات عن ظاهرها كالوجه في قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] مع إثبات الصفة بالجملة هل يعد هذا من التأويل؟
الجواب
أن هذه الآية مختلف في تفسيرها وهي قوله تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ) فالتفسير الراجح فيها: أن الوجه المذكور فيها ليس الوجه بالمعنى كالصفة المقصودة، وإنما المقصود بالوجه الذات، فالوجه يطلق على الذات، والمقصود في الآية ليس أن ذاته غير وجهه، بل المقصود أن كل العالم يفنى ويبقى الله ﷾: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] معناه: تبقى ذاته متصفة بصفاته، والوجه يطلق على ثلاث إطلاقات: فالأول: يطلق على السبيل فيقال: تصدق فلان لوجه الله، معناه: في سبيل الله.
والثاني: يطلق على الذات مثل: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ)، (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ) .
والثالث: يطلق على الصفة المخصوصة مثل: (لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) فهذا فيه إثبات صفة مخصوصة وهي صفة الوجه.
فإذًا هذه ثلاث إطلاقات من لفظ واحد وهو لفظ الوجه.
[ ٣ / ١٨ ]
الكلام على مقولة: المعطل يعبد عدمًا والمشبه يعبد جسمًا
السؤال
ما حجة المقولة: المعطل يعبد عدمًا، والمشبه يعبد جسمًا، وما صحة القول بأن المعطل أخف ضررًا من المشبه؟
الجواب
بالنسبة لكون المعطل يعبد عدمًا، فالمقصود به أنه شبهه بالمعدومات، فالمعطل والمجسم كلاهما مشبه؛ لأن المعطل شبهه بعدم، حيث نفى عنه الصفات كلها كالمعتزلة الذين ينفون عنه كل الصفات، فجعلوه كالعدم المحض؛ لأنه لا يمكن أن يكون موجود غير متصف بصفة، لا يمكن أن يتصور عقلًا أن الشيء موجود وهو غير متصف بأية صفة، فالمعتزلة إنما نفوا الصفات فرارًا من تعدد القديم، لذلك قال المختار ابن منى ﵀: ومن تعدد القديم المعتزلْ فر إلى نفي المعاني إذ جهلْ فعندما تصوروا أن القديم لا يمكن أن يكون متعددًا نفوا الصفات؛ لأنهم يرونها شيئًا زائدًاَ عن الذات.
والمشبه يعبد جسمًا؛ لأنه شبهه بالمخلوق، والجسم هنا من الألفاظ التي لم ترد بالإثبات ولا بالنفي، لكن ما دامت كذلك فهي من المنفيات؛ لأنه لا يحل إطلاق شيء على الله ﷾ مما لم يطلقه على نفسه ولم يطلقه عليه رسوله الله ﷺ؛ لقصور العقل عن بلوغ ذلك.
وأما القول بأن المعطل أخف ضررًا من المشبه فذلك أن المعطل بالغ في التنزيه، وأما المشبه فإنه وصل إلى النقص، حيث لا يزال الشيطان يوقعه حتى يصل به إلى ما وصل إليه كثير من المشبهة في زمان السلف، فقد كان بعضهم نسأل الله السلامة والعافية يثبت حتى أعضاء البدن لله ﷾، ويشبه ذلك بنفسه نعوذ بالله.
[ ٣ / ١٩ ]