الله ﷾ موصوف بكل كمال منزه عن كل نقص، ولهذا فإن من عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يثبتون لله ﷿ ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ، وينفون عنه سبحانه ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ، ومن ذلك إثبات صفة الحكم والاستفهام لخلقه وهو أعلم بهم، وأنه لا ند له ولا نظير ولا يعجزه شيء ﷾.
[ ٨ / ١ ]
إثبات صفة الحكم لله ﷿
يقول الشيخ حفظه الله: يحكم بالحق يستفهم وهو أعلم.
كذلك من الصفات المثبتة لله ﷾ صفة الحكم، فقد أثبتها لنفسه في كثير من الآيات، وإثباتها في القرآن جاء بصيغة الفعل، وجاء بصيغة الاسم بالحصر: فصيغة الاسم مثل قول الله تعالى على لسان يعقوب ويوسف ﵉: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف:٦٧]، فيعقوب ﵇ يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف:٦٧]، ويوسف ﵇ يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠]، وكذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠] .
وبالفعل مثل قوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البقرة:١١٣]، ونحو هذا من الآيات التي فيها الإثبات بالفعل.
والمقصود بالحكم الفصل، والفرق بينه وبين صفة القضاء: أن صفة القضاء يختلف إطلاقها باختلاف المخاطب، فمثلًا: قول الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣]، إن كان الخطاب لأمة الدعوة فقضى هنا بمعنى: أمر، وإن كان الخطاب لأمة الإجابة فقضى بمعنى: أوجب، فالقضاء المطلق هو بمعنى الأمر فقط الذي لا يشمل جزمًا، وإن كان لأمة الإجابة الذين آمنوا وصدقوا محمدًا ﷺ فهو على سبيل الإيجاب والجزم.
أما الحكم فلا يكون إلا جازمًا، ولذلك فالقضاء قد يكون بالخطاب التكليفي الشرعي وقد يكون بالخطاب القدري، فإن الله يقضي بمعنى: يوجب، أو يحرم، فهذا هو قضاؤه التشريعي، أما قضاؤه القدري فمعناه: تنفيذ ما علم وأراد أن يقع في الأزل، فما أراده الله يقضيه، أي: ينفذه ويوقعه على وفق إرادته وعلمه.
أما الحكم فكذلك يتعلق بالدنيا والآخرة: ففي الدنيا يطلق على الخطاب التشريعي، كقول الله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠] .
وفي الآخرة يطلق على فصل الخصام يوم القيامة عندما يتجلى الباري ﷾ لفصل الخصام، فيختصم الناس إليه، وحينئذٍ يقام الخصام بين كل فريقين اخلتفا، فكل خلاف في الدنيا يُفصل في ذلك الوقت، ولذلك سمي ذلك اليوم يوم الفصل، ولذلك قال علي بن أبي طالب ﵁: (الله أكبر! أنا أول من يجثو بين يدي ربي يوم القيامة للخصام، حين أنزل الله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [الحج:١٩-٢١])، وهؤلاء هم الذين كفروا من أهل المبارزة يوم بدر وهم: عتبة بن ربيعة.
وشيبة بن ربيعة.
والوليد بن عتبة بن ربيعة.
والذين آمنوا الذين يخاصمونهم وهم الخصم الثاني هم: علي بن أبي طالب.
وحمزة بن عبد المطلب.
وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب.
فيجثو الناس بين يدي الله ﷾ للخصام، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ [الجاثية:٢٨]، فهذا هو الحكم الأخروي المذكور في قوله: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة:١١٣] وكثير من الآيات فيها تعليق الحكم بيوم القيامة.
ومثله قول الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر:٤٦]، والمقصود: الحكم الأخروي، ولهذا كان ابن عمر ﵁ إذا ذكر وقعة الجمل يقول: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر:٤٦]، يقصد بذلك إحالة الحكم في مثل هذا إلى الله ﷾؛ فهو الذي يفصل فيه وحده.
وحكم الله ﷾ بالحق دائمًا؛ لأنه لا يقول إلا الحق، كما قال تعالى: ﴿وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ [ص:٨٤]، ولذلك فإن الملائكة ﵈ إذا فزع عن قلوبهم قالوا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣]، فحكمه لا يكون إلا بالحق، وهذا الحق معناه: الحق المحض الذي ليس فيه جور ولا ظلم ولا تهافت ولا تناقض ولا اختلاف في وجه من الوجوه؛ فليس مثل حكم غيره، فالحاكم في الدنيا حاكم مخلوق حتى لو كان معصومًا فإنه يحكم وفق البينة ووفق ما يسمع، لكن قد لا يكون ذلك حقًا محضًا، ولهذا جاء في حديث أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال للرجلين اللذين اختصما عنده: (إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من مال أخيه فإنما أقتطع له جمرًا من النار، فليأخذه أو ليدعه) .
فالحاكم الدنيوي يقضي، ولكن قضاءه لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالًا، وإنما هو بحسب الظاهر فقط، أما حكم الله تعالى فهو الحق المحض الذي لا يمكن أن يقع فيه اختلاف ولا لبس، وهذا وجه الفرق بين صفة الله وصفة المخلوق، فالحكم يثبت للمخلوق ويثبت لله ﷾، لكن حكم الله بالحق دائمًا، وحكم المخلوق الله أعلم به؛ فقد يوافق الحق وقد لا يوافقه، ولهذا قال: يحكم بالحق.
[ ٨ / ٢ ]
استفهام الله ﷿
وقوله: (يستفهم وهو أعلم)، أي أن الله ﷾ يستفهم، وهذا الاستفهام أنواع، فمنه: - استفهام تقريري، مثل قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢] .
- ومنه استفهام إنكاري، وكثيرًا ما يقع في القرآن للرد على المشركين، فيأتي الاستفهام إنكاريًا، ولكنه لا يقصد به الاستعلام؛ لأنه هو أعلم، ونظير ذلك الاستفهام من أجل الاستشهاد مثل حديث: (إن لله ملائكة سيارين في الأرض بغيتهم حلق الذكر، فإذا وجدوهم حفوهم بأجنحتهم، وتنادوا: أن هذه طلبتكم، فيمكثون ما شاء الله، ثم يرتفعون إلى ربهم، فيقول: ماذا يقول عبادي؟ فيقولون: يسبحونك ويكبرونك ويهللونك، فيقول: وهل رأوني؟ فيقولون: لا، فيقول: فكيف لو رأوني؟ فيقولون: وعزتك وجلالك لو رأوك لكانوا لك أشد ذكرًا، فيقول: وماذا يسألونني؟ فيقولون: يسألونك الجنة، فيقول: وهل رأوها؟ فيقولون: لا، فيقول: فكيف لو رأوها؟ فيقولون: وعزتك وجلالك لو رأوها لكانوا عليها أشد حرصًا ولها أشد طلبًا، فيقول: ومماذا يستعيذونني؟ فيقولون: يستعيذونك من النار، فيقول: وهل رأوها؟ فيقولون: لا، فيقول: فكيف لو رأوها؟ فيقولون: وعزتك وجلالك لو رأوها لكانوا منها أشد خوفًا، فيقول: أشهدكم أني قد غفرت لهم، فيقولون: يا رب! فيهم عبدك فلان وليس منهم إنما جاء لحاجة، فيقول: هم الرهط أو هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) .
فهذا الاستفهام كله وهذه الأسئلة كلها لا يقصد بها زيادة علم، وإنما يقصد بها استشهاد الملائكة على ذلك، والملائكة يشهدون كما قال تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء:١٦٦]، فالملائكة يشهدون هذا، والله ﷾ يسألهم لتثبت الشهادة عندهم بأنه استشهدهم على هذا.
والاستفهام في اللغة معناه طلب الفهم، لكنه في الاصطلاح لا يقصد به ذلك، بل يقصد به السؤال مطلقًا.
وأسئلة الله ﷾ لخلقه بالاستفهام كثيرة، سواء كانت على وجه التشريع مثل سؤاله لموسى ﵇: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:١٧]، وهذا النوع من الاستفهام لا يدخل في الأنواع السابقة؛ فليس استفهامًا إنكاريًا ولا تقريريًا ولا استشهاديًا، وإنما يسمى استفهامًا تأنيسيًا، فيؤنسه بهذا السؤال؛ لأنه يخاطبه ديان السماوات والأرض، وهو بشر فلو خاطبه بغير هذا الخطاب لأمكن أن ينشق شغاف قلبه من خشية الله، ولكنه أنسه فخاطبه بهذا الاستفهام العجيب فقال: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:١٧]، وهنا أجاب موسى بهذا الجواب الذي فيه إطناب، وأراد بذلك التزود بتكليم الله ﷾ له فقال: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه:١٨]، وكان الجواب المطلوب على طبق سؤاله أن يقول: عصًا، فيكفي لو قال: عصًا، ولكنه انتهز فرصة تكريم الله له هذا التكريم العجيب، فأطال مدة الجواب، ولهذا قال: (يستفهم وهو أعلم) .
وقد جاء في عدد من الأحاديث التي فيها سؤال الله تعالى للملائكة: (فيسألهم وهو أعلم)، وهذا يدلنا على أن الاستفهام لا يقصد به الاستخبار ولا زيادة علم.
والألفاظ الواردة في القرآن في الابتلاء والامتحان التي يأتي بعدها (ليعلم)، فلا يقصد بها مزيد علم لله ﷾ وإنما يقصد بها إيضاح ذلك للناس، وهو الخروج من حيز العلم الغيبي إلى علم الشهادة، مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢]، ونحو هذا قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن:٢٦-٢٨]، ثم عقب الآية لينفي احتمال تجدد العلم فقال: ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن:٢٨] فلا يمكن أن يزداد علمه بحصول ذلك.
[ ٨ / ٣ ]
نفي المعين والظهير والند والنظير عن الله ﷿
قال الناظم ﵀: [وما له معين أو ظهير وما له ند ولا نظير] قوله: (وما له معين أو ظهير)، قد نفى الله ﷾ عن نفسه الكفء في قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، وهذا نافٍ لأن يكون له معين من خلقه، فلا يمكن أن يستعين بأحد من خلقه؛ فهو القادر على ما يشاء لا يحتاج إلى أحد من خلقه.
وكذلك الظهير، فالظهير هو الذي يشد الظهر أو يساعد الإنسان على أن يحتاج به إلى قوة، والله ﷾ لا يحتاج إلى ذلك، وأما ما يوهم ذلك من الآيات مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف:٥١]، فمفهوم هذا قد يتوهم منه بعض الناس أن غير المضلين يمكن أن يتخذوا عضدًا، وليس الحال كذلك، بل المقصود أنه يقوي بهم الحق، فغير المضلين يجعلهم جنودًا للحق، وهو الذي يؤيدهم وينصرهم ولا يحتاج إلى نصرتهم، ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد:٤] .
ومثل هذا قوله حكاية عن موسى ﵇: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص:١٧]، ومثل هذا قوله تعالى خطابًا لرسوله ﷺ: ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ * وَلا يَصُدُّنُّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [القصص:٨٦-٨٧]، فكل هذا إنما المقصود به: نصرة الحق؛ إذ لا يحتاج الله ﷾ إلى أحد من خلقه، لذلك قال: (وما له معين أو ظهير وما له ند ولا نظير) والعكس أيضًا: ليس له ند، والند هو المكافئ الذي يمكن أن يقاتل الإنسان أو يواجهه، فقد كان أهل الحرب قديمًا يجعلون المباراة بين كل اثنين يتقاربان في الشجاعة والقوة، ويسمى أحدهما ند الآخر.
وهكذا المباراة أيضًا، باراه بمعنى: سابقه، ومنه فلان يباري الريح، أي: يسابقها.
ومنه النديد، فكل ذلك وارد: الند والنديد والقرن والقرين، فالنديد جاءت في شعر الأسود بن عبد يغوث في غزوة بدر في قوله: وما لأبي حكيمة من نديد أتبكي أن يضل لها بعير أي: لا يقارنه أحد، وأبو حكيمة هو زمعة بن الأسود؛ وقد قتل يوم بدر كافرًا.
وقوله: (وما له ند ولا نظير)، كذلك نفى النظير، أي: الذي يمكن أن يواجهه أو يرد عليه أي شيء، أو يشاركه في أي شيء، فكل هذا مردود، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢]، وقال: ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون:٩١]، وهذا هو الذي يسميه أهل الكلام في إثبات الوحدانية لله بدليل التمانع، فإنهم يقولون: لو أمكن تعدد الآلهة فإن الإلهين إما أن يتفقا وإما أن يختلفا، فإن اختلفا فلابد أن يغلب أحدهما الآخر أو لا يغلبه، فإن لم يستطع أحد منهما التغلب على الآخر فهما عاجزان لا يتصفان بالألوهية، وإن غلب أحدهما الآخر فالمغلوب غير إله؛ لأنه غُلب، والغالب غير إله؛ لأنه كان يمكن أن يُغلب، وما جاز على المثل جاز على مماثله، وإن اتفقا فسيصنعان شيئًا، والعالم كله لابد أن يكون مصنوعًا للإله، فجواهر الأفراد وهي الذرات التي لا يمكن أن يشترك في صناعتها اثنان، وإذا صنعها واحد فقد استغنت عن الآخر، وكل جوهر فرد إذا صنعه أحدهما فقد استغنى عن الآخر، والمستغنى عنه غير إله، والآخر مثله؛ لأن ما جاز على المثل جاز على مماثله، فانتفى التعدد بالكلية، وأخذوا هذا الدليل من هذه الآية: ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون:٩١] .
[ ٨ / ٤ ]
حفظ السماوات والأرض لا يئود الله ومن فيهما لا يعجزونه
قال الناظم ﵀: [ولم يكن يئوده حفظ السما والأرض أو يعجزه من فيهما] كذلك من الصفات المنفية عن الله ﷾ أنه لا يئوده -أي: يثقله- حفظ السماء والأرض، وقد جاء ذلك في آية الكرسي في قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥] .
وآده الشيء يئوده بمعنى: أثقله، كما قال الشاعر: جبل على جمل يكاد يئوده فتراه يمشي مشية المرحوض جبل، معناه: رجل ضخم.
على جمل يكاد يئوده، معناه: يثقله.
فتراه يمشي مشية المرحوض: أي المثقل.
فالله ﷾ لا يعجزه شيء من خلقه، فلا يئوده حفظ السماوات والأرض، كما قال: ﴿وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥] .
وقوله: (أو يعجزه من فيهما)، كذلك لا يعجزه أحد من خلقه، ولذلك فإن الجن قالوا هذا كما حكى الله عنهم: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجن:١٢]، فهذا لا يمكن أن يقع أبدًا.
وأعجزه يعجزه معناه: انقطع دونه ولم يستطع الوصول إليه، وهو من العجز، والعجز معناه القصور دون الشيء أو الكسل عنه، وفعلها: عجَز يعجز عجزًا، وأما عجِز يعجز بالكسر في الماضي والفتح في المضارع فمعناها: كبرت عجيزته، أو صار عجوزًا، وفعلها: عجز، فالعجز معناه: ضخامة العجُز.
و(من) في الأصل تطلق على العاقل وحده، لكنها تطلق عليه مع غيره لاختلاطه به أو اشتراكهما في العموم، وما في السماوات وما في الأرض فيهم العقلاء وغير العقلاء، فأطلقت لفظة (من) لتشمل كل ذلك.
ومن في السماوات ومن في الأرض هذا يشمل أنواع المخلوقات، وقد ذكر الله ﷾ منها أربعة أصناف في العالم العلوي وأربعة أصناف في العالم السفلي، وذلك في سورة فصلت في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت:٩]، وهذه قشرة الأرض.
ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت:١٠-١٢]، فالسماوات السبع تقابل الأراضين السبع، ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت:١٢]، وهذا يقابل قوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت:١٠] .
وقوله: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [فصلت:١٢]، هذا يقابل قوله: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا﴾ [فصلت:١٠] .
وقوله: ﴿وَحِفْظًا﴾ [فصلت:١٢]، هذا يقابل قوله: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾ [فصلت:١٠]، فهذه أربعة أنواع تقابلها أربعة.
وبالإضافة إلى هذا فجنود الله تعالى لا حصر لها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١]، وقد جاء في الحديث: (أطت السماء وحق لها أن تئط؛ فما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد لله أو راكع)، هذا بالنسبة للسماء.
وكذلك بالنسبة لكثرة جنود الله ﷾ في الأرض من الملائكة والجن وغير ذلك من الجنود التي لا نعلمها، ومع هذا فجميع هؤلاء لا يخفي أحد منهم أحدًا عن الله ﷾، ولا يلتبس عليه كلامهم ولا خطابهم ولا وظائفهم ولا ما هم فيه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور:٤١]، فكل من في السماوات والأرض قد علم الله صلاته وتسبيحه، أو قد علم هو صلاة نفسه وتسبيح نفسه فلم يعلمها غيره.
فنحن لا نعلم تسبيح الحصى، ولا تسبيح البحار، ولا تسبيح الجبال، لكن الجبال تعرف تسبيحها والبحار تعرف تسبيحها وهكذا، ولهذا قال: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤]، فنحن لا نعرف ذلك، ولكنها هي تعرف ذلك، وهو ﷾ يعرف تسبيح كل ذلك لا يلتبس عليه.
[ ٨ / ٥ ]
نفي صفة الإعياء عن الله ﷿ وذكر بعض الأدلة على البعث
قال: [لم يعي بالخلق ابتداءً من عدم كذاك لا يعيا بإحياء الرمم] كذلك نفى الله عن نفسه صفة الإعياء، أي: التعب بخلق الخلق، فإن الله ﷾ يقول في سورة (ق): ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق:١٥]، وهذا الاستفهام إنكاري معناه: لم نعي بالخلق، وهذا مثال للاستفهام الإنكاري الذي سبق، وكذلك قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف:٣٣]، وهذا دليل من أدلة البعث، وقد ذكر الله ﷾ في القرآن البعث في سبعمائة وسبعة وستين آية، وأثبته بعدد من البراهين العقلية العجيبة، ومنها: الاستدلال بخلق الأكبر على خلق الأصغر، فالذي يخلق السماوات والأرض لا يعيا أن يخلق إنسانًا.
وهكذا الاستدلال بالنشأة السابقة على النشأة اللاحقة وبالنشأة الأولى على النشأة اللاحقة، فهذا الإنسان خلقه الله من عدم فهو الآن يمشي ويتكلم، وإذا صار ترابًا أو رميمًا فلا يعيي الله ولا يعجزه أن يعيده كما كان؛ لأنه قد خلقه قبل هذا.
وكذلك الاستدلال بإخراج الضد من ضده، فإن المشركين كانوا يفتون العظام ويقولون: يزعم محمد أن ربه سيحيي هذا أو يعيده إنسانًا بعد أن صار رميمًا، والرميم عندهم ضد الحي تمامًا.
فالله يستدل على البعث بإخراجه للضد من ضده، ولذا أخبر أنه يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، ومثل لذلك أيضًا بالنار، كما قال سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة:٧١-٧٣] .
وكذلك استدل على البعث أيضًا باختلاف حال الإنسان نفسه، فالإنسان في حياته يمر به كثير من الأحوال المتباينة، فما الفرق بين حاله في بعثه بعد الموت مع أحواله الأخرى؟! فإنه ينام ويوقظه الله، ويمرض ويبرئه الله ويشفيه، ويجوع ويطعمه الله ويسقيه، ويكون ضعيفًا ويقويه ثم يضعفه بعد قوة، ويكون شعره أسود ثم يعيده ذا شيبة، فهذه أحوال كلها بقدرة الله ﷾ وإرادته، فلا يمكن أن يعجزه تغييره أحوال الإنسان من حال إلى حال.
وترون هذه الأدلة كلها وزيادة عليها في خواتم سورة يس، في قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [يس:٧٧]، وهذا إخراج الشيء من ضده، ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٧٧]، وهذا تغير حاله وخلقه من نطفة إشارة إلى الأطوار التي يمر بها، وهي التسعة المذكورة في سورة المؤمنون في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٢-١٦] .
كذلك قال: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٧٧] * ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨] * ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٩]، وهذا الاستدلال بالنشأة الأولى على النشأة اللاحقة، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٩]، وهذا الاستدلال بعلم الله تعالى بجميع الكائنات حيث لا يفوته ذرة من الإنسان، كما قال تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة:٤]، فلا يمكن أن يذهب منه شيء عن علم الله ﷿.
ثم قال سبحانه: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا﴾ [يس:٨٠]، وهذا إخراج الشيء من ضده تمامًا، ﴿فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [يس:٨٠-٨١] وهذا استدلال بالأكبر على الأصغر ﴿بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس:٨١] .
ثم استدل بتمام قوته وقدرته وأنه لا يفعل بالعلاج كما يفعل المخلوق، فالمخلوق يعالج، والله ﷾ يستحيل عليه العلاج؛ لأن أمره إنما هو كن، فلا يستطيع شيء أن يمتنع عليه أين كان، والمخلوق إنما يعالج ويتعب؛ لأن كثيرًا من الأشياء قد تغلبه وتمتنع عليه، والله ﷾ لا يمكن أن يمتنع عليه أي شيء أراده، ولهذا قال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] .
وكذلك من الأدلة على البعث القسم، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس:٥٣]، وقوله: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:١]، فهذا قسم على البعث، ومعناه: لتبعثن، وقد حذف المقسم عليه هنا لعلمه من المجادلة وسبب نزول الآية، ولهذا قال: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق:٢-٣]، فيفهم من الآيات أن المقسم عليه هو البعث، وأن المعنى: لتبعثن.
فلهذا قال: (لم يعي بالخلق ابتداءً من عدم كذاك لا يعيا بإحياء الرمم) وهذا ضرب مثل، ولهذا قال الله تعالى في سورة الروم: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ [الروم:٢٧-٢٨]، فهذا مثل عجيب، فلذلك قال: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧]، أي: من ناحية تصورنا نحن، وإلا فالجميع يقول له: كن فيكون.
وأهون هنا معناه: أقل إعجازًا له؛ لأن الشيء إذا عرف وخرج للوجود فابتكره مبتكر وأبدعه مبدع إذا حاكاه غيره وصوره على نفس التصميم السابق، فإن الثاني لا يلحق بالأول في الإبداع، بل الإبداع للأول الذي ابتكره، فلهذا كان الخلق الثاني أقل إعجازًا من الخلق الأول، فأنتم تعجبون من خلقه لكم وإنشائه لكم بعد الموت، فخلقه لكم من العدم في البداية أعظم وأعجب من إحيائكم بعد أن متم؛ لأن الخلق الأول أكبر معجزة وأغرب من الخلق الثاني والإحياء بعد الموت بكثير.
والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.
[ ٨ / ٦ ]