[ ٢٩ / ١ ]
الأسئلة
[ ٢٩ / ٢ ]
حكم التعبير عن السلفية بسلفية المنهج وعصرية المواجهة
السؤال
استعمل في الآونة الأخيرة في بعض المصنفات تعبير (سلفية المنحى والمنهج وعصرية المواجهة)، على أساس أن هذا التعبير فيه رد على من يحيون السلفية في بعض القضايا التاريخية التي لم تعد تمثل معترك الإسلام في واقعنا المعاصر، فما هو تعليقكم على ذلك؟
الجواب
هذه العبارة تحتاج لنوع من التوضيح؛ لأن فيها إيهامًا، فلا نقول كما تقول هذه العبارة: سلفية المنهج عصرية المواجهة، لكن نقول: سلفية المنهج سلفية المواجهة.
ومثال ذلك قول الله ﵎: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠]، فهل حينما نتلو هذه الآية في هذا الزمان نقول: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة عصرية، أم أن فيها من العموم ما يقضي استفراغ الوسع في الأخذ بأسباب القوة؟! وهل يفهم من قولنا: سلفية المنهج سلفية المواجهة، أن الجهاد في سبيل الله في هذا الزمان يكون بالسيوف والرماح والنبال والخيول حتى نحترز فنقول: عصرية المواجهة؟! إن هذا الاحتراز لا نحتاج إليه، وإلا فسنحفظ الأمة الإسلامية في متحف من متاحف التاريخ! فسلفية المواجهة هي بطبيعتها لابد من أن تكون عصرية؛ لأن المنهج شامل لكل زمان ولكل مكان.
ثم إن مفهوم هذه الثنائية: (سلفية المنهج عصرية المواجهة)، فيه إدخال البعد الزمني في تعريف السلفية، وكأن هذا انسياق وراء المفهوم الغربي للسلفية الذي يعني الرجوع إلى الوراء، وأنها فهم متجه إلى الوراء، فعندما نقول: سلفية المنهج فإن هذا يعني فهمًا متجهًا إلى الخلف، وعصرية المواجهة تعني فهمًا متجهًا إلى الأمام.
ونحن نقول: المنهج السلفي لا هو متجه إلى الخلف ولا هو متجه إلى الأمام، بل هو متجه إلى أعلى، بمعنى أن السلفية ليست رجوعًا إلى الوراء، بل السلفية عملية ارتقاء وتسامٍ وصعود إلى مستوى السلف الصالح رضي الله ﵎ عنهم.
فإدخال العنصر الزمني أو البعد الزمني في تعريف المنهج على أساس أن له بعدًا زمنيًا يتجه إلى الوراء معناه أنه لا يصلح لمواجهة مشاكل العصر المتجه إلى الأمام، فكأن السلفية هي مجرد تراث ذكري لا يتضمن منهجًا للتعامل مع كل العصور.
وباختصار نستطيع أن نعبر عن الحقيقة في هذا الأمر أننا نريد بسلفية المنهج وسلفية المواجهة أن نعيش عصرنا، ونواجه مشكلاته بنفس الطريقة التي نتوقع أن الصحابة ﵃ كانوا سيسلكونها إذا عاشوا في عصرنا.
فالسلفية لا تتجه -كما ذكرنا- إلى الوراء ولا إلى الخلف، وإنما السلفية تتجه إلى أعلى، فهي عملية ارتقاء وارتفاع إلى مستوى السلف الصالح ﵃ في عقيدتهم ومفاهيمهم وسلوكهم وأخلاقهم والتزامهم وذلك من الثوابت التي لا تتفاوت بتفاوت العصور، وارتقاء إلى مستوى العصر الذي نعيشه، فلابد من أن يكون هناك مواجهة لتحديات هذا العصر، وارتفاع إلى مستوى العصر، أخذًا بالأسباب التي أمرنا الله بها في قوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠].
فكل ما يحقق مصالح المسلمين ويوفر لهم عناصر القوة بكل أنواعها ينبغي أن نرتقي إليه، هذا هو جوهر السلفية للتعامل مع العصر، لا كما يحصل من بعض الناس ممن يستسلمون أمام البعد الحضاري الشاسع بيننا وبين الكفار في هذا الزمان، فلا يقوى أحدهم على مواجهة الواقع الذي يتحداه، لكنه يهرب منه بشتى الأحلام، فيرى أننا مسلمون وموحدون، وحينما نحارب الكفار يظن أنه ستنزل علينا معجزة من السماء، وتنزل معنا الملائكة تحارب حتى لو قاتلناهم بالرماح والسهام والسيوف، وسوف نغلبهم لأننا موحدون، كلا، فأنت بهذا الظن بالآية ولا احترمت الأسباب، حيث قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠].
وأما دفاع الله عن بيته الحرام بالطير الأبابيل فإنه كان في وقت إسلام، ولم ينزل قرآن، ولم تأت سنة، ولا قامت الأمة بعد.
فلا ينبغي أن نتوقع أن ينصر الله دينه بكلمة (كن)، وقد جرت سنة الله بأنه لا بد من الابتلاء، ولابد من الجهاد والبذل في سبيل هذا الدين، أما مجرد النوم والأماني فذلك يعني الهروب من مواجهة الحقيقة.
وهناك صورة أخرى من الهروب أمام البعد الحضاري الشاسع بيننا وبين الكفار، وهي أن بعض الناس يقول: الحل والمخرج من البعد العظيم أنه ستحصل حرب نووية تدمر فيها القوة الكافرة كلها، ويقضى على كل العالم، ويبقى المسلمون، وبعد ذلك هم الذين سيقومون من جديد بالرماح والسيوف ويجاهدون ويعيدون الإسلام من جديد.
وهذا هروب من مواجهة الحقيقة.
والحقيقة هي أن البعد الحضاري من المستطاع ملء الفجوة فيه لولا الخونة الذين أذلوا المسلمين لأعداء الله في الشرق والغرب، والذين أشركوا كل قوى الكفر في تحديد مصير المسلمين، ولم يشركوا المسلمين أنفسهم في تحديد هذا المصير، والآن يحدد مصيرنا اليهود والنصارى، ونحن لا حول لنا ولا قوة.
والمقصود أن هذا الأمر داخل في الأسباب المادية بشيء من الصبر والإصرار والهمة، وهناك قابلية لحصول نوع من التقدم بالنسبة للمسلمين يمكنهم بها مواجهة أعداء الله مهما بلغ بطشهم، لكن بالعلوم الحديثة، وبالأخذ بجميع أسباب القوة، وليس بالأماني التي نقول فيها: أماني إن تك حقًا تكن أحسن المنى وإلا فقد عشنا بها زمنًا رغدا فلا بد من مواجهة المشكلة كما تواجه أي مشكلة أخرى، واستفراغ الوسع في الأسباب، ثم بعد ذلك يجيب الله المضطر إذا دعاه، بعد أن نأخذ بالأسباب لا بالأحلام وانتظار حدوث خوارق من السماء؛ لأن هذا لم يقع حتى مع أشرف خلق الله، نعم إن الله قادر على أن يقول للشيء: (كن) فيكون، فيصبح كل من في الأرض عبادًا ربانيين ليس فيهم مشرك ولا مبتدع ولا ضال ولا فاسق، لكن ليس لهذا خلقت الخليقة، وهذا ينافي الحكمة التي خلق الله من أجلها الخلق ليبتليهم.
فالمنهج السلفي أو منهج أهل السنة والجماعة لا يعني ولا يشير إلى جيل ولا إلى أجيال مضت، ولكن تتسع دائرته لتشمل الحاضر والمستقبل.
ثم إنه لا يتعلق بالأزمان والعصور، ولكن يتعلق باتباع طريقة ثابتة واحدة حتى وإن قل أصحابها، فالتعبير بسلفية المنهج وعصرية المواجهة كأن فيه دمغًا للسلفية بأنها دعوة رجعية تنافي التقدم، ولذلك احتيج لهذه الثنائية فقيل سلفية المنهج وعصرية المواجهة، وهذا انسياق وراء المفهوم الغربي للسلفية، فالسلفية عند الغربيين عقدة من أسلافهم الصالحين، ويطلقون لفظ السلف عندهم على القرون الوسطى المظلمة، وعلى العهود المظلمة في أوروبا؛ لأن هؤلاء لهم حق في أن تصيبهم هذه العقدة من جراء ما عاناه أسلافهم من حرب للتقدم العلمي، والاكتشافات العلمية، وقهر الكنيسة وبطشها، والعقيدة الشركية التي قدمتها لهم، ومحاكم التفتيش، إلى غير ذلك مما حصل في أوروبا، فكان لهذا الفعل رد فعل ظهر في فصل الدين عن الحياة، والكفر بالدين، ورفع شعار: (اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس)، فسلفهم السيئ الظالم المشرك الوثني يسمون عصوره العصور المظلمة، فأوروبا والغرب ما رأى أهلها النور أبدًا بعد تلك القرون المظلمة، حتى في هذا الزمان ما زالوا يعيشون في بربرية هي أشد من العصور المظلمة التي يعيبونها.
فالشاهد أن موقفهم من السلفية هو انعكاس لمفهوم السلفية عندهم، فيقولون: السلفية رجوع إلى الوراء حتى انساق بعض الصحفيين وراء هذا المفهوم، فيعبرون عن الرجعي بكلمة سلفي، حتى إن بعض الصحفيين في إحدى المجلات الإسلامية -مع الأسف- لما تكلم عن السلفية الناصرية، يعني الذين يريدون أن يعودوا إلى فكر عبد الناصر، فيسمونهم السلفية الناصرية، يعني أن كل شيء يشير إلى الوراء فهو سلفي، كما يفعل زكي نجيب محمود في كثير من مقالاته، حيث يقول: كيف يكون الجيل الحالي أكثر سلفية من الجيل الماضي؟! ترى البنت تمشي مع أمها وهي سلفية وأمها متبرجة في ملابسها.
هذا معنى كلامه، فيقول: كيف نجد الثورة في الشباب في كل العالم تتجه إلى الأمام، ونجد بيننا من يدعوهم إلى السلفية.
فيرى أن السلفية رجوع إلى الوراء دائمًا.
وأوروبا لما تخلت عن الدين وعما كان عليه أسلافها تقدمت، أما نحن فلا يوجد مبرر أبدًا لأن نتأثر بهذا المفهوم عن السلفية وننساق خلفه؛ لأن أسلافنا هم خير أمة أخرجت للناس.
وأعلى أنموذج بشري دب على هذه الأرض كان في صورة هذه الجماعة أو العصابة المؤمنة التي أخرج الله بها العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، فبالنسبة لنا الأمر عكسي، فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وهو الإسلام بهذا المنهج القويم.
ومما يزيد الاشتباه في هذا التعبير المهم -وهو سلفية المنهج وعصرية المواجهة- باقي السؤال، وهو أن هذا التعبير يشيع ردًا على من يحيون السلفية في بعض القضايا التاريخية التي لم تعد تمثل معترك الإسلام في واقعنا المعاصر، فهذا مما يؤكد أن ما فهمناه في محله، وأن المقصود بهذه الثنائية الإشارة إلى البعد الزمني الذي أشرنا إليه، فما المقصود بالقضايا التاريخية، وإحياء مثل هذه القضايا التاريخية؟! إن كثيرًا من الناس يشير بهذا التعبير، وكل من هب ودب يشنع على السلفيين بأنهم يحيون قضايا اندثرت، كما يفعل كثير من المشايخ، وهذا فيه جناية على منهج أهل السنة والجماعة، جناية مغطاة؛ إذ إن عادة أهل السنة وعلماء أهل السنة أنهم لا يبدءون بإثارة أي شيء لم يتكلم فيه السلف الأوائل، لكن كانوا كلما ظهرت بدعة وخرج المبتدعة بصورة من صور الانحراف يتصدون لهم، فيؤلفون الكتب ويناظرون ويناقشون الدلالات من منطلق قوله ﵎: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران:١٨٧]، ومن منطلق قوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة:٨].
فمن هذا المنطلق كانوا يضطرون إلى الرد على أهل البدع، وكانوا يدفعون دفعًا إلى التصدي لهؤلاء المبتدعة،
[ ٢٩ / ٣ ]
الفرق بين استحلال المعاصي والإصرار عليها
السؤال
ما الفرق بين استحلال المعاصي والإصرار عليها؟
الجواب
اتفق أهل السنة على تكفير المستحل للمعاصي أو المحرمات، أما الإصرار فلا يكفر صاحبه، بل اتفق أهل السنة على تبديع من قال: إن الإصرار يكفر فاعله.
والإيمان حقيقة مركبة من جزأين: قول وعمل، والقول منقسم إلى قسمين: قول بالقلب، وقول باللسان، والعمل عمل بالقلب وعمل بالأركان، وفيها اللسان.
فقول القلب بالنسبة لأصول الدين أو أصول العقيدة هو التصديق، وقول اللسان هو النطق بكلمة الشهادة، وعمل القلب غير قول القلب، فقول القلب هو الإقرار والتصديق، أما عمل القلب فهو شيء آخر من أركان الإيمان، الذي وهو محبة هذا الشيء، والانقياد له، والتوكل على الله وحده إلى آخر هذه الأعمال القلبية.
فالإيمان حقيقة مركبة من جزأين: تصديق الخبر، والانقياد للأمر، حتى من قال من أهل السنة والجماعة: إن الإيمان هو التصديق إنما عنى بذلك التصديق المستلزم للانقياد، فإذا كان الإيمان هو التصديق بالخبر والانقياد للأمر أو الحكم فمن كذب بالخبر صار كافرًا كفر تكذيب، ومن صدق الخبر ولكن رد الأمر ولم ينقد له صار كافرًا كفرًا الرد والإباء والامتناع، مثال ذلك: إبليس لما أمره الله ﵎ بالسجود، فقد كان مصدقًا بأن هذا الأمر صادر من الله، ومع ذلك كفره الله تعالى فقال: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤]، لأنه وقع في نوع آخر من الكفر، حيث وجد عنده التصديق، فهو يعلم ويصدق بأن الله أمره بالسجود، وما قال: أنا أشك في هذا الأمر.
ويعلم أن الآمر هو الله، إذًا: وجد التصديق، لكن لم يوجد الانقياد للأمر، لم يوجد قول القلب الذي هو قبول الخبر، وصار إبليس كافرًا كفر رد وإباء وامتناع، ومثله من يقول: الشريعة الإسلامية شريعة الله، لكن لا أطبقها وأرفضها.
فيمتنع إباء أو إعراضًا أو استكبارًا، وكلها غير امتناع الجحود؛ لأن الجحود كفر تكذيب.
أما الذي لا ينقاد قلبه ولا يتقبل الحكم بقلبه، بل يعرض عنه ويرفضه فهذا كافر كفر إباء وامتناع وإعراض.
ثم لا بد من أن نعلم أن الانقياد الذي يؤثر في أصل الإيمان ليس هو الامتثال العملي للأحكام؛ إذ الانقياد نوعان: الانقياد العملي، والانقياد القلبي، فالانقياد القلبي كفعل القلب، وذنوب القلب أعظم من ذنوب الجوارح، فامتناع القلب عن الانقياد الذي يؤثر ويقدح في أصل الإيمان ويرتبط به ليس هو الامتثال العملي بالجوارح في الأحكام كما تزعم الخوارج، وإنما هو قبول الأحكام والتزام الشرائع جملة كما هو مذهب أهل السنة، وحتى نوضح هذه الحقيقة ونجليها أكثر نذكر الأحوال الثلاثة: الحالة الأولى: حال رجل لا يشرب الخمر، لكنه يعتقد بقلبه أنها حلال، فهذا كافر كفر تكذيب؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:٩٠] فهو لا يعتقد تحريم الخمر، ويقول: هي حلال فهذا مكذب بحكم الله ﷿، جاحد لمعلوم من الدين بالضرورة، ولا شك في كفره حقيقة عند الله ﷿.
الحالة الثانية: رجل شرب الخمر وداوم على شربها، وعقد قلبه على عدم تركها أبدًا معتقدًا بقلبه أنها حلال، فهذا كافر -أيضًا- كفر تكذيب، وفاقد لأحد ركني الإيمان الذي هو تصديق الخبر.
وهذان الشخصان لا سبيل للحكم عليهما بالكفر في الظاهر إلا إذا قام دليل قطعي صريح على هذا الاستحلال القلبي، فإذا قام دليل على أن في القلب جحودًا وتكذيبًا فهذا يكفر، كأن ينطق بلسانه ويقول: أنا لا أعتقد تحريم الخمر.
فهذا اللسان هو الذي يغرف مما في القلب، فترجمان القلب هو اللسان، فإذا دل دليل قطعي صريح على هذا الاستحلال القلبي كأن يصرح بلسانه بهذا الاعتقاد فإنه يكفر بذلك.
الحالة الثالثة: مؤمن بأن حكم الله ﷿ في الخمر هو تحريم شربها، لكنه لا يقبل هذا الحكم اقتداء بقلبه، فيقول: هو حكم الملك، ولكنني لا أقبله ولا ألتزمه.
ويرده ويرفضه، بل قد يعترض عليه وينتقده ويعيبه، ويعقد قلبه على عدم ترك شرب الخمر أبدًا، فهذا الاستحلال يئول إلى كفر الرد والإباء وعدم القبول، فهذا القلب لم ينقد أصلًا للحكم، فهو مثل كفر إبليس؛ إذ هو عالم بأن الخمر حرمها الله، لكن لم يحصل الانقياد القلبي الذي هو كون الإيمان قولًا وعملًا، وقولًا بالقلب وقولًا باللسان.
أي أن القلب لم ينقد ولم يقبل هذا الحكم، ومثل هذا الرد حتى مع التصديق بأن هذا حكم الله يكفر به صاحبه، ومصداق ذلك في قوله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:٦٠]، إلى أن قال ﷿: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] فهذا عرف أنه حكم الله لكنه لم يحكم شرع الله، والله تعالى قال: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ [النساء:٦٥] وهذا وجد حرجًا، ولم يسلم تسليمًا لحكم الله، فهذا نوع أكبر من الكفر.
ونحن نعلم حديث ابن مظعون لما شرب هو وطائفة الخمر وتأولوا الآية: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ [المائدة:٩٣] إلى آخر الآية، فأفتى الصحابة ﵃ في ذلك بمحضر ابن عمر ﵁ بأنهم إن أقروا به جلدوا، وإن لم يقروا به كفروا.
وعلى أي الأحوال فهذا الشخص الذي يرد ويرفض الانقياد لحكم الله يرتكب نوعًا آخر من الكفر غير كفر التكذيب، وهو كفر الرد والإعراض والإباء، مثل اليهود الذين أتوا إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشهدوا له بأنه رسول الله، وقالوا: نشهد أنك رسول الله.
لكن قالوا هذه العبارة على سبيل الإخبار عما في قلوبهم لا على سبيل الإنشاء المتضمن للالتزام والانقياد، فلم يصيروا مسلمين بمجرد ذلك، مع أنهم معتقدين أن الرسول حق، بل قد قال الله ﷿ عنهم: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦]، وليس هناك أحد يخطئ في معرفة أولاده، فهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ويؤمنون أنه رسول الله حقًا، لكن لم ينقادوا لحكمه، فكفرهم كفر عناد وإباء ورفض وعدم تحكيم.
فهذه الصور الثلاثة السابقة: صورة الشخص الذي لا يشرب الخمر، لكنه يعتقد بقلبه أنها حلال، وصورة رجل آخر يشرب الخمر ويداوم على شربها، ويعقد قلبه على عدم تركها أبدًا معتقدًا -أيضًا- بقلبه أنها حلال، وصورة رجل يصدق بأن حكم الله في الخمر هو تحريم شربها، لكنه يرفض بقلبه هذا الحكم ولا ينقاد له قلبيًا، هذه الصور الثلاث يصدق على أصحابها ضابط الاستحلال، وهؤلاء مستحلون لما حرم الله، فهذا الاستحلال يكفرهم، وله صورتان: الأولى: عدم اعتقاد الحكم الشرعي، وهذا يرجع ويئول إلى كفر التكذيب، الثانية: عدم التزام هذا الحكم وقبوله والانقياد له بقلوبهم، فهذا يرجع إلى كفر الرد وعدم القبول.
[ ٢٩ / ٤ ]
الفرق بين الاستحلال المكفر والإصرار غير المكفر
السؤال
كيف نفرق بين الاستحلال الذي يكفر صاحبه باتفاق أهل السنة، والإصرار الذي لا يكفر صاحبه؟
الجواب
نفترض أن رجلًا يشرب الخمر، وهو مقيم على هذه المعصية، ولم يقلع عنها ويتب منها بسبب غلبة الشهوة وضعف الإرادة، مع بقاء اعتقاده القلبي بأن الله حرمها، ومع بقاء مبدأ قبول حكم التحريم والتزامه به، أي: يعتقد أن الخمر حرام، ويصدق أن هذا حكم الله، ثم هو بقلبه قبل هذا الحكم وما رفضه، لكن غلبته شهوته، فلا يستطيع أن يفارق هذه المعصية، فمثل هذا المصر لا يكفره السلف؛ لأنهم لا يعدون تكرار الذنب ومجرد الإقامة الظاهرة عليه دليلًا على استحلال القلب، ويقولون: إن مات موحدًا غير تائب من هذا الذنب فهو تحت المشيئة: إن شاء عفا الله عنه بفضله، وإن شاء عذبه بعدله، لكنه لا يخلد في النار.
ومثال هذا كثير، كالرجل الذي كان يضحك الرسول ﷺ، وكان يلقب حمارًا، وكان يؤتى به وقد شرب الخمر، ففي مرة من المرات قال بعض الصحابة حينما أحضر ليقام عليه الحد: لعنه الله؛ ما أكثر ما يؤتى به! فقال له النبي ﷺ: (لا تلعنه؛ فإنه يحب الله ورسوله) قال هذا ﵊ مع أن الرجل مداوم على شرب الخمر، ومع ذلك قال فيه النبي ﷺ ما قال، فهذا مصر لكنه غير مستحل.
وكذلك أبو محجن الثقفي، ومعروفة قصته، فقد كان مداومًا على شرب الخمر، فهو مثال للشخص الذي تغلبه شهوته، ثم تاب بعدما أبلى في الجهاد كما هو معلوم.
فالفرق بين الاستحلال الذي اتفق أهل السنة على تكفير صاحبه، وبين الإصرار على المعصية الذي اتفقوا على تبديع من يكفر به هو أن الاستحلال إما أن يكون بتكذيب حكم الله وعدم الإقرار به، فهنا يكون متعلقًا بمبدأ تصديق الخبر، وإما أن يكون برد هذا الحكم وعدم التزامه، والاعتراض عليه، والاستكبار عنه، وهو هنا يتعلق بمبدأ قبول الأحكام، فتخلف التصديق كفر تكذيب، وتخلف القبول كفر رد وإباء، وكلاهما قادح في أصل الإيمان.
أما الإصرار على المعصية فيتعلق بمبدأ الدخول في الأعمال، فهو بقلبه قد قبل الحكم، وبقي تنفيذ الحكم أو عدم تنفيذه بالجوارح، لكنه بقلبه قابلٌ حكم الله، وملتزم بحكم الله، فالإصرار يتعلق بمبدأ الدخول في الأعمال، أي: تنفيذ الأحكام أو عدم تنفيذها، وهذا قادح في كمال الإيمان لا في أصله، وينقص إيمانه بهذه المعصية، ولا يذهب بالكلية، ويضربون مثالًا لذلك بالبدن الذي فيه روح، فالبدن الذي لا روح فيه، البدن الذي فيه روح أصل الإيمان موجود فيه بشقيه: تصديق الخبر والانقياد للأمر، فيبقى الجسد حيًا حتى لو بترت بعض أعضائه، فلو بترت ساقه أو أطرافه أو عينه أو غير ذلك من أعضائه يبقى كائنا حيًا يستطيع أن يعيش ما زالت فيه الروح، لكن إذا خرجت الروح لم ينفعه شيء، فإذا خرج الإيمان بشقيه -تصديق الخبر والانقياد للأمر- لا يبقى فيه إيمان، بل يقضى عليه بالكلية، كالشجرة إذا اجتثت من جذورها، لكن إن كسرت واستخرج منها بعض الأغصان فإن ذلك ينقصها ولا يبقيها سليمة، وتبقى حية مع ذلك.
[ ٢٩ / ٥ ]
حكم تحكيم القوانين الوضعية
السؤال
هل تحكيم القوانين الوضعية كفر أكبر أم كفر دون كفر؟
الجواب
هذا السؤال بعبارة أخرى هو: هل تحكيم شريعة غير شريعة الله ﵎ يدخل في الاستحلال أم في الإصرار؟ ومن ثم فهل فاعله يكون كافرًا كفرًا أكبر، أم يكون كافرًا كفرًا دون كفر؟ إن هذه الشريعة هي الدستور الأعلى، والقانون الأوحد المهيمن، لكن الحاكم بغير ما أنزل الله إذا عرض عليه قضية أو قضيتان أو عشر قضايا أو أغلب القضايا التي تعرض عليه، فحكم في قضايا عارضة جزئية بغير ما أنزل الله، لا بسبب التكذيب، ولا بسبب الرد والرفض، وإنما بسبب مجاملة لصديقه أو قريبه، أو رشوة أغري بها، أو محسوبية، أو هوى، فهذا كله كفر دون كفر، وهذا معصية، وليس كفرًا يخرج من الملة، لكنه ينقص إيمانه؛ لأن هذا انحراف عارض في التطبيق وليس في المبدأ.
وبعبارة أخرى نقول: من رغب عن تطبيق الشريعة الإسلامية واستبدلها بالقوانين الوضعية فهذا الاستبدال له صور عدة: فإما أنه يكون رافضًا لها بقلبه، وحينها لم يوجد قول القلب الذي هو الانقياد والإقرار والقبول، أو يكون كارهًا لها، أو معتقدًا أن القوانين الوضعية أفضل من الأحكام الإلهية، باعتبار أنها أحكام رجعية جامدة لا تناسب العصر، كما يقع من العلمانيين وخصوم الإسلام، أو يفعل ذلك عنادًا ومكابرة، فيؤمن بأنه حكم الله لكن يعاند ويكابر ولا يقبله ولا ينقاد له، فهذا كافر خارج عن ملة الإسلام، ولو كان مصدقًا بها مقرًاَ بأنها شريعة الله ﷿، وكفره ككفر إبليس الذي ما شك في أن الأمر بالسجود صادر عن الله ﵎، لكنه رد حكم الله ولم يلتزمه، ففي حق مثل هذا نستدل بقوله ﵎: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، فالمسألة هنا ليست مسألة خطأ في التطبيق أو خطأ عارض، بل هي مسألة مبدأ، فحين يحصل التخلي عن أصل تحكيم الشريعة وإبطال تحكيمها في أغلب شئون الحياة والدولة، وتنكيس راية الشريعة تمامًا، ثم استبدال راية الشريعة براية القوانين الوضعية الجاهلية لتصبح هي بدل الشريعة الإسلامية مع أن الشريعة هي المظلة ذات السيادة، وهي المهيمنة على المجتمع، فإن ذلك لا يتضمن عدم الحكم بما أنزل الله بتعطيله وإبطاله فحسب، بل يتضمن جريمة أخرى هي الإباحة العامة للحكم بغير ما أنزل الله.
فما بالك لو انضم إليه الإلزام القسري، أي: إلزام الأمة جميعها بالتحاكم إلى هذه القوانين الجاهلية؟! وليس الأمر إلى هذا الحد، بل يفتن كل من تمرد على هذه القوانين أو حاول تغييرها حتى ولو كان قاضيًا.
ما أكثر ما يتردد في ساحات المحاكم الوضعية من عبارات تقشعر منها الجلود وتشمئز لبشاعتها النفوس لما تتضمنه من رد الدفاع الشرعي، حينما يدافع المدافع بأدلة الشرع الإسلامي القائم على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ يبطل القاضي الوضعي الحكم الشرعي والدفاع الشرعي، لا لشيء إلا لأنه يخالف القوانين الوضعية.
فيرد حكم رجم الزاني، أو جلد الشارب، أو قطع يد السارق؛ لأنه يخالف القوانين، وهذا فصل بين الخلق والأمر، وقد يكون هذا الشخص مؤمنًا بأن هذا حكم الله، لكنه لا ينقاد إليه قلبيًا، ويجعل عدم تطبيق الشرعية مبدأ عامًا، فيلزم كل الناس بتعطيل الشريعة أولًا، ثم باستباحة الحكم بغير ما أنزل الله إباحة عامة يلزم بها سائر الناس ويمتحن ويفتن من خالفها أو تمرد عليها، فالله ﷿ له الخلق والأمر، كما قال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، فالذي يخلق هو الذي يأمر ويحكم، فكما أنه لا يخلق إلا الله، كذلك لا يأمر ولا يشرع إلا الله ﷿.
ونشير بهذه المناسبة إلى عبارة (الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع)، فهذه العبارة تنافي العقيدة الإسلامية تمامًا؛ إذ إنها تساوي القول بأن الله ﷿ هو الخالق الرئيس لهذا الكون.
فهل يقبل أن الله هو الخالق الرئيس؟! إن الله تعالى كما له الخلق له -أيضًا- الأمر، فكما أنه لا يصح أن تقول: الله هو الخالق الرئيس، كذلك لا يصح أن تقول: شريعة الله هي الشريعة الرئيسة للقوانين.
وقد حصل أن جنكيز خان ملك التتار استبدل أحكام القرآن وأحكام الشريعة بكتابه (الياسق) أو (اليافا)، وجعله خليطًا من الشريعة الإسلامية مع بعض القوانين الأخرى من الملل الأخرى، ووقفت الأمة منه موقفًا عظيمًا خطيرًا لإبائه ورده ورفضه الشريعة الإسلامية.
فأرجو أن يكون بهذا اتضح الفرق بين الإصرار وبين الاستحلال، وبعض العلماء يقولون: الحكم بالكفر الأكبر نتيجة الاستحلال له صورتان: تكذيب الخبر، أو رد الحكم وإبطاله وعدم الانقياد له والتزامه، وفي الحالة الثانية قالوا: هو كفر، لكن لا يحكم على قائله أو فاعله بالكفر حتى يتثبت من وجود أفعال أو شروط معينة، وانتفاء موانع تمنع من الحكم بالكفر على الشخص، لكن يقال: من فعل كذا فهو كافر.
ولا يجزم بأن فلانًا بعينه كافر حتى نتأكد من زوال العوارض الأهلية من إكراه أو جهل أو تأويل.
[ ٢٩ / ٦ ]
حكم الصلاة خلف الإباضية من الخوارج
السؤال
هل تجوز الصلاة خلف الإباضية من الخوارج؟
الجواب
الخوارج من أهل البدع، والأصل أنك إذا كنت مستطيعًا أن تعزل الإمام المبتدع الفاسق ببدعته -كبدعة الخوارج مثلًا- فإنه يجب عليك أن تعزله، ولا تصل خلفه، فإن عجزت فعليك أن تصلي في مسجد آخر، فإن لم تجد جمعة ولا جماعة ولا عيدًا إلا خلف هذا المبتدع ففي هذه الحالة إن كنت لا تستطيع تغييره إلا بإحداث فتنة أكبر فصل خلفه، كما بين ذلك شيخ الإسلام في الكلام الذي ذكرناه عنه في مثل هذا، فهذه هي القاعدة في شأن أهل البدع عمومًا.
فالقاعدة أن من صحت صلاته لنفسه صحت لغيره، فما دام أنه لم يحكم بكفره، وما دام باقيًا على أصل الإسلام حتى وإن تلبس بهذه البدعة فتصح صلاته بغيره مع الكراهة؛ لأن بعض العلماء متفقون على هذه الكراهة، والله تعالى أعلم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك -اللهم ربنا- وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
[ ٢٩ / ٧ ]