قد يعذر الإنسان بالجهل والتأويل والإكراه بشروط وضوابط، وقد لا يعذر بها، وقد بين العلماء أحكام الإكراه في العبادات والحكم والولاية، فليس كل إكراه يكون معتبرًا، وليست جميع أنواع الإكراه على حد سواء.
[ ١٦ / ١ ]
اعتبار عارض الإكراه في الحكم بالكفر في جانب العبادة
ما زلنا في مناقشة كتاب: (حد الإسلام وحقيقة الإيمان)، وقد انتهينا إلى وجود بعض الموانع التي قد تحول الحكم بالكفر على من دخل في الإسلام، وثبت له عقد الإسلام، وأتى بما يخالف مقتضى هذا العقد؛ لكنه لا يفعل ذلك الشيء عامدًا أو مستحلًا، وإنما يفعله إما جاهلًا أو متأولًا أو مكرهًا، فهذه بعض الأعذار التي قد تحول دون الحكم على هذا الإنسان ببطلان عقد الإسلام.
وكاتب البحث حينما يحاول أن يستوفي هذه الشروط أو أركان حد الإسلام وحقيقة الإيمان، فالفرق في المنهج الذي عليه أهل العلم، وبين المنهج الذي ارتضاه الكاتب في بحثه هو: أن العلماء يستعملون القاعدة المعروفة: المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وعامة من يخوضون في قضية التكفير يعكسون هذه القاعدة المنطقية فيقولون: إن البريء متهم حتى تثبت براءته، فما دام الإنسان دخل في الإسلام بالشهادتين وبإعلان الولاء لله ورسوله ﷺ والمؤمنين، وثبت له عقد الإسلام بنطقه بالشهادتين؛ حينئذ يصبح الأصل في هذا الإنسان أنه مسلم، فهذا هو الأصل.
أما الفريق الآخر ممن ينحون منحى الكاتب، فإنهم يرون أن الإنسان لا يحكم له بأصل الإسلام حتى يستوفي هذه الأركان التي حدودها والشروط التي وضعوها.
فإذًا: المنطلق مختلف: نحن نعتقد أن هذا مسلم، وننظر في أفعاله على أن الأصل فيه الإسلام، أما هم فيرون أن الأصل فيه الكفر؛ ولذلك يتحقق في المنهجين قول الشاعر: سارت مشرقة وسرت مغربًا شتان بين مشرق ومغرب وقد ناقشنا من قبل أحد هذه العوارض التي تحول دون الحكم بالكفر على المسلم إذا صدر منه فعل الكفر، فذكرنا عذر الجهل، وعذر التأويل، والجهل تكلمنا عليه بالتفصيل، وطبقناه على العبادة والولاية والحاكمية؛ كذلك تكلمنا في قضية التأويل، والآن نتكلم على أحد هذه الاعتبارات وهو عذر الإكراه.
وهذا العارض لا يرد بالنسبة للالتزام المطلق من حيث ثبوت أصل الدين، لا يعرف المكره بهذه الناحية؛ لأن أصل الدين هو: أن يعقد الإنسان قلبه على الشهادة لله ﷿ بالوحدانية، ولرسوله محمد ﷺ بالرسالة، فعقد القلب على الشهادتين، وإعلان ذلك عند القدرة؛ هو أصل الدين، لكن إذا حالت الظروف الظاهرة المحيطة بالإنسان دون إعلان هذه الشهادة، فهو باق على أصل الإسلام، وإذا عجز عن الإعلان عن هذه الشهادة، بقي عقد القلب الذي لا سلطان لأحد عليه.
ولهذا هرقل لم يقبل منه تصديقه برسالة النبي ﷺ؛ لأن هذا التصديق كان مجردًا من الاتباع، فقد كان هرقل خائفًا على ملكه من قومه؛ لأنه إذا أسلم فسيضيع ملكه.
فالالتزام المجمل بالإسلام لا عذر فيه لأحد، ولا يشفع فيه عارض من العوارض، فالإنسان إذا حمله وعيد على ترك الالتزام المجمل بالإسلام، فهو ممن استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، وهو من الكافرين؛ لأن هذا النوع لم يأت بالالتزام المجمل بالإسلام عن طريق إعلان الشهادتين؛ لكن التطبيق التفصيلي لقضايا أصل الدين، وبالذات الثلاثة أركان التي وضعها الكاتب وهي: النسك، والولاية، والحكم، فهذا هو محل العذر بالإكراه عند طروء الإكراه في باب النسك، أو الحاكمية أو الولاء؛ لكن الالتزام بأصل دين الإسلام لا يعذر به الإنسان بالإكراه.
فهل هرقل كان معذورًا عند الله؛ لأنه كان مكرهًا أو في معنى المكره من قومه؟ لا.
بل خشي أن يضيع ملكه، وهذا ليس إكراهًا؛ فقد استحب الحياة الدنيا على الآخرة، مع أنه يعلم أن الرسول ﵊ حق؛ لكنه لم يتبع النبي ﷺ، وظن أن هذا الإكراه يعتبر عذرًا له، والصواب أنه قدم الدنيا على الآخرة، مع أنه لم يلتفت إلى ضمان الرسول ﷺ له بالسلامة في قوله: (أسلم تسلم)، ولو كان عنده تقوى لأقدم على إعلان إسلامه، والانقياد للرسول ﷺ، دون النظر في هذه العاقبة؛ لأن الرسول ﷺ ضمن له العاقبة، فقال له: (أسلم تسلم)، فهو لم يلتفت إلى هذا الوعد، واستحب الحياة الدنيا على الآخرة، ولا يعد معذورًا بالإكراه؛ لأنه لم يعلن التزامه المجمل بدين الإسلام في باب النسك، وطروء عارض الإكراه في جانب النسك يقع نادرًا؛ لأن النسك في غالب الأحوال عبادة فردية، وتوجه شخصي، لا مصلحة لأحد في منع غيره منه أو حمله عليه؛ فمن ضل في باب النسك ففي الغالب هذا يكون بمحض اختياره، وتقصيره في العبادات يكون بمحض التقصير من نفسه هو، لا بإكراه أحد له، لكن على أي الأحوال إذا وجد إكراه في باب النسك والعبادة، وقدر وقوع هذا؛ فلا شك أنه يعذر باعتبار هذا العذر بلا نقاش وبلا جدال.
وفي الأثر الموقوف -الذي يذكر في كثير من الكتب على أنه حديث صحيح- عن طارق بن شهاب في قصة الرجل الذي دخل النار في ذبابة، وأوله: (دخل رجل النار في ذبابة، ودخل رجل الجنة في ذبابة)، وذكر أن هذين الرجلين مرا على قوم يعبدون وثنًا، فقالوا لأحدهما: قرب ولو ذبابًا، فأبى فقتلوه، فدخل الجنة بسبب ذبابة؛ لأنه استنكف أن يعبد غير الله أو يتقرب لغير الله حتى ولو بأن يقرب ذبابة، أما الآخر فلما رأى الأول قد قتل فقرب ذبابة لهذا الوثن، فدخل النار بسبب تقديمه ذبابة، وهذا الحديث لا يصح عن النبي ﵌، وإنما هو أثر موقوف عن سلمان رضي الله ﵎ عنه.
ولو كان هذا الحديث صحيحًا فقد قال بعض العلماء: إن العذر بالإكراه هو من خصائص هذه الأمة المحمدية، واستدلوا بهذا الأثر وهو: أن هذا الرجل دخل النار بسبب ذبابة قربها للوثن، وهذا كان له عذر؛ لأنه أكره على أن يقرب ذبابة أو يقتل، فقرب الذبابة، فلو كان العذر بالإكراه معتبرًا في هذه الشريعة التي كان ينتسب إليها لعفي عنه؛ لكنه دخل النار، فالمعنى: أنه كان يجب عليه أن يصبر ويثبت حتى ولو قتل، ولا يقرب ذبابًا؛ لأنه لم يكن عندهم عذر بالإكراه.
وهذه القصة تذكرنا برجل سافر إلى بلدة في شرق آسيا، وهي مشهورة جدًا بعبادة الأوثان والأصنام، فدخل السوق ومعه زوجته وهي مجلببة ومنقبة، فالناس ظنوا أنها الإله تجسد في صورة هذه المرأة المحجبة! فظلوا يسجدون ويركعون! فأراد هذا الأخ أن يستخف بما هم عليه من الشرك والوثنية، فأتى إلى أحد أصنامهم وبال عليه! فثاروا ضده وأرادوا قتله غيرة وانتصارًا لإلههم، وقبض عليه، وقالوا: إما أن تقتل، وإما أن ترضي إلهنا! وصارت أزمة سياسية كبيرة، وتدخلت الدولة في هذا الشخص، واضطر أن يقرب شيئًا يسيرًا لهذا الوثن حتى يطلق سراحة! وليس المقام الآن مقام مناقشة سلوك هذا الأخ وتصرفه، فإن كان الأمر سينتهي به إلى هذا الموقف، فكان يمكنه أن ينكر عليهم باللسان حتى لا يئول به الأمر إلى أن يقع في مثل هذا الشيء الشنيع.
الشاهد: أن هذه الأمة تعذر بالإكراه، وهذه من الآصار والأغلال التي كانت على من قبلنا ووضعها عنا الله في شريعة رسول الله ﵌.
ومن الأدلة على ذلك: قول أصحاب الكهف: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف:٢٠]، فالنفي بالتأبيد يدل على انتفاء الفلاح عنهم تمامًا، وأنهم لا يعذرون بالإكراه؛ لأنهم ربما أرغموهم على أن يظهروا العودة إلى ملتهم بالإكراه، فما في شك أن هذا في شريعتنا يكون عذرًا كما قال الله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]، أما في شريعة أصحاب الكهف فلم يكن لديهم عذر بالإكراه؛ ولذلك نفوا عنهم الفلاح إن عادوا لعبادة ما كانوا عليه، وهذا المعنى ذكره العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في أضواء البيان، في تفسير قوله تعالى: «إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ»، إما رجم وإما العودة إلى الكفر «وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا».
يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: أخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة أن العذر بالإكراه من خصائص هذه الأمة؛ لأن قوله عن أصحاب الكهف: «إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ» ظاهر في إكراههم وعدم طواعيتهم، ولعلهم يكرهون على العودة إلى هذه الملة، ولا يطاوعونهم في ذلك، ومع هذا قال عنهم: «وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا».
فدل ذلك على أن الإكراه ليس بعذر، ويشهد لهذا المعنى حديث طارق بن شهاب في الذي دخل النار في ذباب قربه مع الإكراه بالخوف من القتل؛ لأن صاحبه الذي امتنع أن يقرب ولو ذبابًا قتلوه، ويشهد له أيضًا دليل الخطاب -يعني: مفهوم المخالفة- في قوله ﵌: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه)، فإنه يفهم من قوله ﷺ: (تجاوز لي عن أمتي) أن العذر بالإكراه من خصائص هذه الأمة، وأنه لم يتجاوز عمن عدا أمته من الأمم، فهذا يفهم بدليل الخطاب، وبمفهوم المخالفة يفهم منه: أن من عدا هذه الأمة المحمدية المرحومة لم يكونوا يعذرون لا بالخطأ ولا بالنسيان، ولا بما استكرهوا عليه.
يقول: وهذا الحديث وإن أعله الإمام أحمد وابن أبي حاتم فقد تلقاه العلماء قديمًا وحديثًا بالقبول، وله شواهد ثابتة في القرآن العظيم والسنة الصحيحة، أما هذه الأمة فقد صرح الله ﷿ بعذرهم بالإكراه في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل:١٠٦]، فالإنسان لا يكفر ولا يخرج من الملة إلا إذا رضي بالكفر وانشرح به صدره، لكن المسلم المكره قلبه عامر بالإيمان، قلبه مطمئن بالإيمان، ولكن تحت ضغط الإكراه وقع في شيء مما ينافي هذا الإيمان لعذر الإكراه فقط.
لكن لا عذر بالإكراه في أن يتحول القلب؛ لأن القلب لا سلطان لأحد عليه، إنما السلطان على البدن، أما القلب فيظل مطمئنًا بالإيمان، راسخًا
[ ١٦ / ٢ ]
اعتبار عارض الإكراه في الحكم بالكفر في جانب الحكم
الحكم هو الركن الثاني من أركان حد الإسلام في نظر المؤلف، ولا مناص ولا مهرب من اعتبار واحترام عارض الإكراه في الحكم على الناس في باب الحكم أو الحاكمية، فهذا النجاشي ﵀ رغم أنه كان ملكًا للحبشة؛ لكنه لم يستطع أن يقيم في قومه كتاب الله، ولم يستطع أن يظهر في نفسه شرائع الإسلام؛ لأن قومه لم يطيعوه في الدخول في الإسلام؛ ولكنه عقد قلبه على الالتزام المجمل بالإسلام، وأقام من حدود الإسلام ما تمكن من إقامته، فعذره الله ﵎ بذلك، فـ النجاشي لم يقم دولة خلافة إسلامية في الحبشة رغم أنه دخل في دين الإسلام، وعذره الله بهذا الأمر، فما هو الفرق بين النجاشي وبين هرقل؟ الفرق هو وجود الالتزام المجمل بالإسلام في قلبه، وقد أعلن ذلك أمام الصحابة ﵃ جعفر بن أبي طالب وغيره، فالالتزام المجمل بالإسلام كان موجودًا في مكة، أما هرقل فاستنكف وأبى خوفًا على ملكه، فلم يوجد منه الالتزام المجمل بالإسلام.
والدليل على أن الله عذر النجاشي أن النبي ﵌ خرج على أصحابه يومًا وأخبرهم أن النجاشي مات في هذا اليوم، وأمرهم أن يصلوا على أخيهم، وصلى عليه رسول الله ﷺ صلاة الغائب، والراجح في صلاة الغائب أن يصليها المسلمون على من لم يصل عليه في البلد التي مات فيها؛ وهذا الموضوع يأخذ أحيانًا نوعًا من المجاملة لأقارب الميت أو ناحية عاطفية محضة؛ بدون انضباط بالدليل الشرعي، فـ النجاشي مات في دار كفر ولم يصل عليه، كذلك إذا مات مسلم في بلد من بلاد الكفار ولم يصل عليه، فنصلي عليه صلاة الغائب؛ لكن من مات مثلًا في مكة المكرمة، وصلى عليه آلاف المسلمين في موسم الحج -مثلًا-، هل يصلى عليه أيضًا في بلاده صلاة الغائب؟ لا، فالمسلمون صلوا عليه وقضي الأمر.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وكذلك الكفار من بلغه دعوة رسول الله ﷺ في دار الكفر، وعلم أنه رسول الله، فآمن به، وآمن بما أنزل عليه، واتقى الله ما استطاع، وأقام من حدود الإسلام ما يستطيع أن يقيمه كما فعل النجاشي وغيره، ولم تمكنه الهجرة إلى دار الإسلام، ولا التزام جميع شرائع الإسلام لكونه ممنوعًا من الهجرة، وممنوعًا من إظهار دينه، وليس عنده من يعلمه جميع شرائع الإسلام؛ فهو معذور، ففي دار الكفر ليس هناك من يعلمه شرائع الإسلام، ولا يستطيع أن يهاجر إلى دار الإسلام لأنه مستضعف، ولم يلتزم جميع شرائع الإسلام؛ لأنه ممنوع من إظهار دينه وإظهار شعائره، ومع ذلك آمن بالرسول وآمن بالله ﷿ واتقى الله ما استطاع كما فعل النجاشي؛ فهذا مؤمن من أهل الجنة.
هذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، يقول: كما كان مؤمن آل فرعون مع قوم فرعون، وكما كانت امرأة فرعون، بل وكما كان يوسف الصديق عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام مع أهل مصر، فإنهم كانوا كفارًا.
وكما هو معروف عن الحضارات التي يفخرون بها فحضارة الفراعنة حضارة حجارة، أناس كانوا يعبدون الملوك والأصنام والحجارة، هذا أقصى ما يعبر به عن هذه الحضارة الوثنية.
فأهل مصر في زمن يوسف ﵇ كانوا كفارًا مشركين، وهذا واضح من محاورته مع صاحبي السجن: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف:٣٩]، فهذه الآية نكررها لمن يفخمون الآن هؤلاء الأرباب، ويفخرون بانتسابهم إليهم، ويقولون: إن حضارتنا عمرها سبعة آلاف سنة، نعم سبعة آلاف سنة في الشرك والكفر والوثنية وعبادة الأحجار والملوك، أما الحضارة والنور فما عرفناها إلا منذ أربعة عشر قرنًا، وقبل ذلك كنا غارقين في هذه الوثنية وهذا الشرك.
فالشاهد: أن يوسف ﵇ كان مع أهل مصر وهم كفار، ولم يمكنه أن يفعل معهم كل ما يعرفه من دين الإسلام، ولما دعاهم إلى الإيمان والتوحيد لم يجيبوه، والسؤال الآن: أين الدليل على ذلك من القرآن؟ الدليل: قول مؤمن آل فرعون في سورة غافر: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ﴾ [غافر:٣٤]، (هلك) هنا معناها: مات وتوفي، ﴿حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر:٣٤] يعني: لم تلتزموا بدعوته إياكم إلى الإسلام والتوحيد.
أيضًا النجاشي وإن كان ملك النصارى، لكنه لم يطعه قومه في الدخول في الإسلام، بل إنما دخل معه في الإسلام نفر قليل من الحبشة؛ ولهذا لما مات لم يكن هناك أحد يصلي عليه؛ فصلى عليه النبي ﵌، خرج بالمسلمين إلى المصلى فصفهم صفوفًا وصلى عليه وأخبرهم بموته يوم مات، فقال: (إن أخًا لكم صالحًا من أهل الحبشة مات)، وهذا الحديث مما يستدل به على جواز النعي إذا لم يقترن بالتفاخر وأفعال الجاهلية؛ لأن هذا نعي بموت النجاشي، ولفظ الحديث: (نعى رسول الله ﷺ النجاشي إلى أصحابه يوم موته)، فدل على جواز النعي -وهو الإعلام بالموت- حتى يشترك الناس في الجنازة ويبادروا بتجهيز الميت وغير ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وكثير من شرائع الإسلام لم يكن دخل فيها -يعني النجاشي - لعجزه عن ذلك، فلم يهاجر، ولم يجاهد، ولا حج البيت، بل روي أنه لم يصل الصلوات الخمس، ولا صام شهر رمضان، ولا أدى الزكاة الشرعية؛ لأن ذلك كان يظهر عند قومه فينكرونه عليه، وهو لا يمكنه مخالفتهم، ونحن نعلم قطعًا أنه لم يكن يحكم بينهم بحكم القرآن، والله قد فرض على نبيه ﷺ بالمدينة إذا جاءه أهل الكتاب ألا يحكم بينهم إلا بما أنزل الله إليه، وحذره أن يفتنوه عن بعض ما أنزل الله إليه، كما في الحكم في الزنا بحد الرجم، وفي الديات بالتسوية في الدماء بين الشريف والوضيع: النفس بالنفس والعين بالعين وغير ذلك.
يقول شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (١٩/ ٢١٧ - ٢١٩): والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بالقرآن، فإن قومه لا يقرونه على ذلك، وكثيرًا ما يتولى الرجل بين المسلمين والتتار قاضيًا، بل وإمامًا، وفى نفسه أمور من العدل يريد أن يعمل بها فلا يمكنه ذلك، بل هناك من يمنعه ذلك، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
يقول: وعمر بن عبد العزيز عودي وأوذي على بعض ما أقامه من العدل، وقيل: إنه سمّ على ذلك، فـ النجاشي وأمثاله سعداء في الجنة وإن كانوا لم يلتزموا من شرائع الإسلام ما لا يقدرون على التزامه، بل كانوا يحكمون بالأحكام التي يمكنهم الحكم بها.
فهذا أيضًا دليل على أن الإكراه قد يكون عذرًا في بعض الحالات في جانب الحكم.
[ ١٦ / ٣ ]
اعتبار الإكراه مانعًا من الحكم بالكفر في جانب الولاية
أما بالنسبة للولاية فإنها أكثر ما يرد عليها هذا العارض، فأكثر أركان تأتي في وصف الكافر هي أركان حد الإسلام الثلاثة: النسك، والحكم، والولاية.
وقلنا: يندر أن يحصل إكراه في باب النسك، فإن وقع فهناك عذر بالإكراه فيه، وفي باب الحكم أيضًا أوضحنا ذلك، وإن كان احتماله أكثر من النسك.
أما بالنسبة للولاية فهي أغلب ما يقع فيه العذر بالإكراه، وأكثر ما يرد عليه عارض الإكراه؛ لأن الولاية فيها تعلق دائم بالتعامل مع الغير، فيجب أن يفرق في هذا المقام بين عمل القلب الذي يجب أن يكون تامًا موافقًا لمرضاة الله ﷿، وبين ما يجب من أعمال الجوارح الذي يقيمه الإنسان حسب الإمكان، مثلًا: يقول النبي ﵌: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، وفي بعض الأحاديث: (فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان مثقال حبة من خردل).
المقصود: أن إنكار المنكر بالقلب فرض عين وليس فرض كفاية؛ لأن الرسول ﵊ قال: (فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبقلبه)، ولم يقل: فإن لم يستطع؛ لأن القلب لا سلطان لأحد عليه، واعتقاد القلب لا سلطان لأحد عليه، ولا يطلع عليه إلا الله، فبالتالي لا يمكن أن يكون الإنسان مكرهًا في هذا، بل نفى الإيمان عمن لا ينكر هذا المنكر بقلبه، فإنكار المنكر باليد أو باللسان يتفاوت حسب القواعد المعروفة في الأمر والنهي، أما إنكار المنكر بالقلب، فواجب على كل مسلم أن ينكره بقلبه، وإلا فسوف ينطبق عليه قوله ﵊: (وليس وراء ذلك من الإيمان مثقال حبة من خردل).
فكذلك هنا: الإنسان لا يعذر بالإكراه في انحراف قلبه عن الاعتقاد الحقيقي؛ لأن القلب لا سلطان لأحد عليه، فالقلب لا بد أن يكون موافقًا موافقة تامة لما يرضي الله، أما الجوارح فإن كان وقع عليه إكراه فهو يعذر بالإكراه في منع عمل الجوارح، ويقيم أمور دينه حسب الإمكان، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، قال تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨]، والمعنى: إلا أن تكونوا في سلطانهم فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم مع انعقاد قلوبكم على الإيمان.
قال القاسمي ﵀ في محاسن التأويل: «إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً» أي: إلا أن تخافوا منهم محذورًا فأظهروا معهم الموالاة باللسان دون القلب لدفعه، كما حكى البخاري عن أبي الدرداء ﵁ قوله: إنا لنبش في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم، هل معنى ذلك: أن المسلم ينافق الناس؟! لا، لكن المقصود في حال الإكراه.
فإذا وجدت شبهة الإكراه العام كما تكون مثلًا في بعض البلاد التي تكون الدولة والغلبة والقهر فيها لغير المسلمين، فحينما نحكم على آحاد الناس في هذه الحالة يجب أن نضع في اعتبارنا هذا العارض عند الحكم على آحاد الناس بما يظهر من صور قد تقدح في قضية الموالاة، فوجود شبهة الإكراه تقدح في دلالة ما يظهر من الموالاة على ما يترتب عليها من الكفر أو الفسق وليس العكس، يعني: إنسان مسلم أتى بشيء يكفره أو يفسقه بعذر الإكراه، مثل أن يقرب لوثن، أو يتكلم بكلام يكف به عن نفسه شر بعض الطواغيت تحت عذر الإكراه مثلًا، فهذا الفعل في حد ذاته إذا نظرنا إليه مجردًا قادح في الإيمان، لكن إذا كان الفعل بمجرده يدل على الكفر، ووجدت شبهة الإكراه فإنها تقدح في الدلالة على كفر فاعلها، وليس العكس، يعني: لا يقال: إن وجود ظاهر الموالاة يقدح في دلالة التلفظ بالشهادتين على الحكم بالإسلام، فنشهد لهذا الإنسان بأنه كافر أو على الأقل نتوقف فيه؛ لأن هذا قلب للقضية، فالأصل أنه مسلم، فأنت لا تنظر للفعل بمجرده، بل انظر للفعل إذا كان معه قرينة الإكراه، ففي هذه الحالة شبهة الإكراه تقدح في الأخذ بدلالة هذا الظاهر، ولا يقال العكس، لا يقال: إن هذا الظاهر يقدح في أصل التوحيد، وأصل التزام هذا الرجل بالشهادتين.
ووجه ذلك: أنه التزم الالتزام المجمل بالإسلام، فشهد الشهادتين، والتزم التزامًا مجملًا بالإسلام؛ فهذا يدل على صحة الانتساب إلى الإسلام في الظاهر، وهذه دلالة تعطينا يقينًا بأن نطق هذا بالشهادتين، والتزامه المجمل بالإسلام، يدل دلالة يقينية على أنه مسلم، ولا يجوز القدح في هذه الدلالة بشبهة محتملة، ولا يجوز العدول عن العمل بمقتضاها إلا بحجة قاطعة، فهذا اليقين لا يبطله إلا يقين مثله، أو أقوى منه.
فهنا توجد شبهة للإكراه، ونحن على يقين أنه مسلم، فلا يتزحزح هذا اليقين إلا بيقين مثله أو أقوى منه، فإذا وجدت شبهة الإكراه فإنها ليست يقينًا كافيًا حتى نبطل ونقدح في التزامه بالإسلام.
[ ١٦ / ٤ ]
منهج مؤلف (حد الإسلام) في الإعذار بالأعذار
صاحب كتاب: (حد الإسلام) درج في كتابه على عكس هذا المنهج الذي ذكرناه، فقضى: بأن الإخلال بقضية من قضايا أصل الدين موجب لتخلف حد الإسلام، وانعدام صفته مهما حام حول الإسلام بها من شبهة الإكراه أو غيره حتى يثبت وجود الإكراه بيقين، فإذا تيقنا وجود الإكراه فإنه يعذر؛ لكن الإخلال بقضية من قضايا أصل الدين سواء في النسك أو الحكم أو الولاية، فهذا يوجب تخلف حد الإسلام، وتنعدم منه صفة الإسلام مهما حام حولها من شبهة الإكراه حتى يثبت الإكراه بيقين لا بشبهة، فهذا هو الفرق بين المنهجين.
يقول صاحب حد الإسلام صفحة (٣٨٣): وقبول شرع الله يتحقق بعدم الرد -يعني: بعدم رد أمر الله- وهو الإباء والرفض والامتناع من قبول الفرائض والأحكام، وكذلك قبول شرع غيره يعرف بعدم الرد، فإن منع من الرد مانع الإكراه وجد كره القلب، ودلالته الاعتزال، وعدم المشايعة بالعمل عليه، أي: عدم مظاهرة من يقومون على هذا الباطل وعدم الترويج لباطلهم، فهنا تراه جعل عدم الرد دليلًا على الكفر حتى يثبت الإكراه، ويثبت الإكراه بدلائله من الاعتزال وعدم المشايعة بالعمل، ففي ذلك إهدار للدلالة التي أخذناها من التزام هذا الرجل المجمل في الإسلام، فهذا فيه إهدار تمامًا لهذه الدلالة، وهي دلالة الالتزام المجمل للإسلام، مع أن هذه الدلالة يجب أن تكون هي الأصل الذي نستصحبه.
إذًا الأصل: أن هذا الإنسان المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وليس العكس، فيجب أن يستصحب الأصل الذي هو الالتزام المجمل بالإسلام بناءً على هذا الأصل والحكم عليه بالإسلام، ولا يتحول ولا يتزحزح هذا الأصل حتى يثبت الناقض بيقين، وهو وجود الرد وانتفاء عوارض الأهلية وليس العكس، ففي الحقيقة أن الكاتب -ككثير من الباحثين في هذه المسألة- منطقي مع فكرته نفسها؛ لكن مع أصول أهل السنة والجماعة ليس منطقيًا ولا موافقًا؛ لأن منطق الفكرة التي وضعها تقرر أن عقد الإسلام عنده لا يثبت حتى تستوفي جميع أركان حده على التفصيل، وبعد تبينها واستيفائها يحكم له بالإسلام، فالأصل الذي بنى عليه منهجه أن عقد الإسلام لا يثبت لمن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، بل لا بد أولًا: أن نتحرى ونستوفي ونتحقق هذه الأركان الثلاثة فيما يتعلق بالنسك، والولاية، والحكم! يعني: هو يرى أن عقد الإسلام لا يثبت حتى تستوفي جميع أركان حده على التفصيل، فإذا لم تستوف هذه الأركان فليس هناك أصل يستصحب بالإسلام؛ لأن الإسلام لم يوجد بعد حتى يقال: لا يجوز أن يحكم بزوال الإسلام بمجرد الشبهة العارضة، فهو يقول: أصلًا هو لم يثبت التزامه بالإسلام، فهو منطقي هنا بهذا التقرير مع منطقه ومع فطرته؛ لكن ليس منطقيًا مع عقيدة أهل السنة التي تثبت عقد الإسلام بمجرد الالتزام به جملة، ويصبح ثبوت حكم الإسلام في هذه الحالة يقينًا لا يزول بالشبهة العارضة، ولا يبطله إلا يقين مضاد، فالخلاف مع صاحب البحث في هذه القضية ينبثق أساسًا من الخلاف حول تحديد ماهية أصل الدين، أو بتعبير الكاتب: حد الإسلام على النحو الذي سبق بيانه، فهذا في الحقيقة خلاف تابع وليس خلافًا أصليًا.
[ ١٦ / ٥ ]
الولاية وعلاقتها بأصل الدين
الولاية في اللغة ضد العداوة، وأصل الولاية من الوليْ وهو القرب والدنو، وتطلق على التحالف والنصرة، كما تطلق على المودة والمحبة، يقول الشوكاني رحمه الله تعالى: وأصل الولاية: المحبة والتقرب كما ذكره أهل اللغة.
وأصل العداوة: البغض والبعد، وكما يبدأ العداء بتنافر القلوب، ويمتد إلى أن يصل إلى مقاتلة العدو أو المظاهرة عليه؛ فإن الولاء يبدأ بميل القلب، ويقوى هذا الميل أو الحب ويشتد إلى أن يحمل على الولاء والنصرة.
العداوة بهذا المعنى تقابل وتضاد الولاية، والأدلة على هذه المقابلة قوله ﵎: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤]، ينقلب إلى العكس، فهذا دليل وجود المقابلة بين الطرفين، ويقول ﷿: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [الكهف:٥٠].
وفي الصحاح للجوهري: الولْي: هو القرب والدنو، والوليّ ضد العدو، والموالاة: ضد المعاداة، والولاء: النصرة.
وما ارتباط الولاء والبراء بأصل الدين؟ المحبة والمناصرة منها ما يكون على الدين، ومنها ما يكون على الأسباب أو العلائق الدنيوية.
مثلًا: عاطفة المحبة: منها ما هو حب طبعي، كحب الرجل لزوجه وولده، وحبه لعشيرته ووطنه وقومه، ومن الحب ما يكون على الدنيا، يعني: بعض الناس تحدث بينهم مواصلات وارتباطات وصلات دنيوية من اشتراك في تجارة وعمل ونحو ذلك من الارتباطات الدنيوية، فتوجد بينهم نوعًا من الألفة والمودة والموالاة.
أيضًا: من هذه الموالاة ما يكون على الدين، كحب أي مسلم أسلم بسبب إسلامه، مع أنه قد لا تربطك بهذا الشخص الذي أسلم أي علاقة أو قرابة ولا مودة ولا مصلحة ولا مشاكلة ولا تآلف في أي أمر من أمور الدنيا.
هذا بالنسبة للموالاة.
أما المناصرة: فمنها ما يكون على الدنيا، كما يتناصر الناس فيما بينهم على وشائج النسب والرحم والقرابة والمصالح، يتناصرون وينصر بعضهم بعضًا على الدنيا، كأغلب الحروب التي تقع في العالم اليوم والمنازعات إنما تكون على مصالح الدنيا، ولا تكون على عقيدة أو مبدأ، لكن من النصرة ما يكون على الدين كتناصر المسلمين فيما بينهم على الإسلام من غير أرحام بينهم ولا تجارة يتعاطونها.
فالذي يرتبط بأصل الدين من الولاء والنصرة هو فقط ما كان قائمًا على أساس الدين لا على أساس الأسباب والصلات الدنيوية.
إذًا: نحن قسمنا الموالاة إلى أقسام دينية ودنيوية وكذلك المناصرة، فلماذا نقول: إن الذي يتعلق ويرتبط بأصل الدين وتحقيق الولاية إنما يتعلق فقط بالدين، وما وجه ذلك؟ وجهه: أن الحب الطبعي أو التناصر الدنيوي لا ينقض أصل الولاية، وإن كان يقدح في كمالها، يعني: مثلًا قد يكره الرجل بعض أهله وعشيرته، وقد تقع بينه وبين فريق من المؤمنين عداوة لأسباب دنيوية: إما تحاسد أو تنافس أو غير ذلك من الأسباب الدنيوية، وقد يصل الأمر إلى حد الاقتتال أو التباغض، ولا يقدح ذلك في أصل الدين، ولا يصبح المسلم بذلك كافرًا، وقد أشار القرآن إلى بعض ذلك في مثل قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩]، فالرجل قد يكره زوجه فقال الله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء:١٩]، فهذا الحب قد يتخلف مع الزوجة، ومع ذلك لا يمس أصل الدين، فهذه قد تكون طبعية أو لأسباب دنيوية، ولا علاقة لها بقضية الولاية التي لها ارتباط وثيق بأصل الدين.
يقول أيضًا ﵎: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات:٩ - ١٠]، فلم تنقطع بينهم أخوة الإيمان رغم أن هذه العداوة التي وقعت بينهم وصلت إلى التباغض والتدابر بل والاقتتال، ومع ذلك لم يقدح ذلك في أصل الدين، وأثبت لهم صفة الإيمان.
أيضًا: قد يستثقل الإنسان بعض التكاليف الشرعية، ويحصل كره طبعي لا شرعي لبعض هذه التكاليف، لكن لا يقدح ذلك في أصل الدين؛ لأن الذي يقدح في أصل الدين هو الكراهية الشرعية وليست كراهية الطبع والاستثقال، فالإنسان يكره أن يقتل في الجهاد، فهل كراهة حصول القتل والسبي والأضرار التي تحصل، تقدح في أصل الدين؟ إذا كره ذلك من حيث أنه شرع الله فهذا يقدح، أما إذا كرهه طبعًا فهذا لا يقدح، والدليل على اعتبار الشرع الكراهة الطبعية قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦].
وقد حصلت للصحابة كراهة طبعية للخروج في غزوة بدر لمقابلة النفير، هم أرادوا أن يخرجوا ليلقوا العير ويغنموا هذه الغنيمة الباردة، يقول الله ﵎: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ [الأنفال:٥ - ٦]، فمع وجود الكراهة الطبعية أثبت لهم الإيمان.
وقال ﷺ: (حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات)، فلا تستطيع أن تدخل الجنة إلا حينما تمر على هذه المكاره وتثبت عليها، (وحفت النار بالشهوات) لأنها تجذب الناس فتوقعهم في النار، ومن هذه المكاره التي حفت بها الجنة مثلًا: كونك تتوضأ بالماء البارد جدًا في شدة البرد لتصلي الفجر، وتسبغ الوضوء على المكاره، وتعطي الوضوء حقه وتبلغ به حده الشرعي وأنت كاره، فأنت تكره هذه البرودة، وهذا نوع من العناء، لكن لا تكرهه شرعًا وإنما طبعًا، أما شرعًا فهو يتلذذ بذلك تقربًا إلى الله ﵎، ويصبر على ذلك ابتغاء وجه الله.
فالكراهة المذكورة في قوله ﵎: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء:١٩]، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦]، وقوله: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال:٥]، لا شك أنها ليست كالكره المذكور في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف:٧٨]، فالأولى كراهة طبعية، والأخيرة كراهة شرعية مذموم أهلها.
أيضًا يقول الله ﵎: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩]، ولا شك أن هناك فرقًا كبيرًا جدًا بين هذه الكراهة وبين الكراهة المذكورة في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء:١٩]، وغير ذلك مما ذكرنا من الكراهة الطبعية.
أيضًا: وجود المحبة الطبعية أو التواد أو التناصر الدنيوي لا يعني بالضرورة وجود الحب الشرعي، وانعقاد الولاية الإسلامية، وسنذكر بعض الأدلة على أن من الولاية والنصرة ما يتعلق بأسباب الدنيا وليس له ارتباط بقضية أصل الدين.
مثلًا: أبو طالب دافع وذبّ عن النبي ﵌، وكانت هذه نصرة أو محبة طبعية لصلة الرحم، ولكن لم تكن محبة شرعية؛ فلذلك لم تنفعه، ووجود هذه المحبة لم تدخله في الإسلام.
أيضًا: قد يحب الرجل بمقتضى الطبع زوجه أو ولده أو عشيرته، وإن كانوا على غير دينه، ولا يقدح ذلك في أصل الدين، إلا إذا حمله محبة الزوجة أو الأولاد على فعل شيء من الكفر الأكبر، يقول الله ﵎: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١]، وكلمة الأزواج تشمل الزوجة الكتابية اليهودية أو النصرانية، فقد يحبها زوجها المسلم حبًا طبعيًا لا شرعيًا.
وقال الله ﵎: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]، وهذه الآية نزلت في أبي طالب، وبعض العلماء يفسرها ويقول: إنك لا تهدي من أحببته لقرابته، فهذه المحبة طبعية بسبب القرابة، لكن ليست محبة شرعية، وقد ظل أبو طالب ينصر رسول الله ﷺ طيلة عمره ويحوطه ويمنعه، ولم يتحقق له بهذه النصرة ولاء الإسلام؛ لأنها كانت نصرة على الرحم، ولم تكن نصرة على الدين، بل إن قيام هذا التناصر الدنيوي بين المسلمين لا يحقق به المقصود من الولاية الشرعية؛ لأن المقصود بها ما كان تناصرًا على الدين لا على الصلات والمصالح المشتركة، واعتبر في ذلك قول الرسول ﵌ في بيان ما يجد به الإنسان حلاوة الإيمان في قلبه: (وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله)، فجعل العمدة في ذلك المحبة الشرعية لله، وهذه إحدى الثلاث الخصال التي من فعلها ذاق طعم الإيمان.
والحب والنصر لا يقدح في أصل الدين إلا إذا كان خذلانًا على الدين، أما مجرد القعود عن الجهاد وإن تعين عليه الجهاد؛ فهذه كبيرة من كبائر الذنوب، فمجرد هذا التخلف لا يعد قادحًا في الإسلام، إلا إذا كان يقصد خذلان الدين.
ولا يخرج المسلم عن الإسلام بمجرد قعوده عن نصر الملة، وقد يكون تخلفه عن هذه ا
[ ١٦ / ٦ ]
الأسئلة
[ ١٦ / ٧ ]
حكم الطلاق البدعي
السؤال
ما هو القول الصحيح في الطلاق البدعي هل يقع أم لا؟
الجواب
موضع الطلاق يحتاج لكلام كثير جدًا، لكن الذي أعلمه وأدين الله به في هذه المسألة: أن الطلاق البدعي يقع، وطلاق الحائض يقع وفاقًا لجمهور العلماء ومنهم الأئمة الأربعة؛ لأنه جاء في حديث ابن عمر في بعض الراويات في مسلم أنه أمر ابن عمر أن يعتد بتلك التطليقة التي طلقها فيها وهي حائض وأنه اعتد بها واحتسبها طلقة، مع إنكار النبي ﷺ عليه أنه طلقها وهي حائض، وفي الكلام تفصيل يرجأ إلى حينه -إن شاء الله- في باب الفقه، والله أعلم.
[ ١٦ / ٨ ]