إن تخلف الحب الطبعي أو التواد الدنيوي لأي سبب من الأسباب لا يعني بالضرورة تخلف الحب الشرعي وانقطاع الولاية، فهناك فرق بينهما يتضح عند التأمل في النصوص الشرعية، وكما أن الحب درجات فكذلك الولاية الشرعية درجات يجري عليها ما يجري على غيرها من العبادات.
[ ١٧ / ١ ]
ارتباط الولاء والبراء بأصل الدين
لقد سبق كلام يسير في قضية الولاية، وذكرنا معنى الولاية في اللغة، وذكرنا نقطة مهمة وهي: ارتباط الولاء والبراء بأصل الدين، فالمحبة والنصرة التي هي من معاني الولاية منها ما يكون على الدين، ومنها ما يكون على أسباب دنيوية، فالحب من الولاية، ومنه مزايا طبيعية ومنه مزايا شرعية، فحب الرجل زوجته وحبه لعشيرته ووطنه هو حب طبعي يرجع إلى الطبع.
أيضًا منه ما يكون على الدنيا؛ بسبب ارتباط الناس فيها بينهم بمصالح ووشائج وصلات دنيوية يتحابون فيها، ومنه ما يكون على الدين كحب من أسلم؛ بسبب إسلامه، مع أنه قد لا تربطك به قرابة ولا مصلحة ولا منفعة ولا ألفة دنيوية، كذلك النصرة من معاني الولاية، ومنها ما يكون على الدنيا، ومنها ما يكون على الدين، كما يتناصر الناس على وشائج النسب والرحم والقرابة والمصالح، ومنها ما يكون على الدين، كتناصر المسلمين فيما بينهم على الإسلام، وإن لم تكن بينهم أرحام ولا زيارة يتعاطونها، فالذي يرتبط بأصل الدين هو ما كان على الدين، مثل: الحب والنصرة بسبب الدين، أما ما عدا ذلك فلو حصل فيه شيء من الإخلال فإنه لا يمس العقيدة، ولا يرتبط بقضية أصل الدين.
[ ١٧ / ٢ ]
عدم نقض التواد والتناصر الدنيوي لأصل الولاية
إن اختصاص ما يتعلق بالولاية بأصل الدين، أولًا: أن التواد والتناصر الدنيوي لا ينقض أصل الولاية، وإن كان يقدح في كمالها، مثلًا: الإنسان قد يكره بعض أهله وعشيرته، وقد تقع بينه وبين بعض المؤمنين عداوة لأسباب دنيوية كتنافس وتحاسد ونحو ذلك، بل ربما يصل الأمر إلى حد الشجار أو القتال، وهذا لا يقدح في أصل الدين ولا يبطل إيمان هذا المؤمن، وإن كان يقدح في كمال إيمانه أن يتقاتل مع أخيه المسلم وأن يتحاسد معه.
يقول الله ﵎: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء:١٩] فهنا العلاقة علاقة الحب الطبعي للزوجة ليس شرعيًا وقد يقع تخلفه كما هو هنا: «فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا» فهذه الكراهية التي تقع أحيانًا من الزوج لزوجته لا تقدح في عقيدته ولا تمس الدين؛ لأن هذا حب طبعي.
مثلًا: قول الله ﵎: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٩]، إلى أن قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠] فوصفهم بالإيمان ولم يقدح تقاتلهم في أصل الدين؛ لأن التقاتل لم يكن بسبب الدين، وإنما على شيء من أمور الدنيا.
أيضًا قد يكره الإنسان طبعًا بعض التكاليف الشرعية، مثلًا: الوضوء بالماء البارد في شدة البرد، فالطبع يستثقل هذا، لكنه يحبه شرعًا؛ لأن الله ﷿ يحبه، فهذا لا يقدح في إيمانه.
أيضًا قد يكره القتال، يقول ﵎: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦] أي: أنتم تكرهونه طبعًا، ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦]، فهنا كراهة المؤمنين للقتال كراهة طبعية لا شرعية، فهم لا يكرهونه؛ لأنه حكم الله أو أمر الله، لكن لأن النفوس جبلت على كراهته كراهة طبيعية، يقول ﷿ أيضًا في نفس الموضوع: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال:٥] أي: كارهون للخروج لقتال المشركين في غزوة بدر، ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ [الأنفال:٦]، فهذه أيضًا كراهية طبعية وليست كراهية شرعية، كذلك أيضًا قول النبي ﷺ: (حفت الجنة بالمكاره - يعني: التي تكرهها النفس- وحفت النار بالشهوات).
والكره الموجود في هذه النصوص التي ذكرناها: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦] وقوله: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ [النساء:١٩] وقوله: (وحفت الجنة بالمكاره)، وقوله: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال:٥] كل هذا لا علاقة له بأصل الدين؛ لأن هذه الكراهية قد تكون طبيعية، وليست هي نفس الكراهية المذكورة في مثل قوله ﵎: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف:٧٨]، هذه كراهية في الدين، ولذلك فهي تبطل وتحبط الإيمان؛ لأنها كراهية للحق والتوحيد والأنبياء.
وهذه الكراهية الطبيعة لا يمكن أن تكون مثل الكراهية التي في قوله ﷿: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩]، فهذه الكراهية في الدين هي التي تمس أصل الدين والعقيدة وتحبط الإيمان.
هذا فيما يتعلق بالدين، أما إذا ما تخلف الحب الطبعي ووجد كره طبعي، فإنه قد يقدح في كمال الإيمان لكنه لا يقدح في أصله، كذلك إذا وجد الحب الطبعي والتواد والتناصر الدنيوي؛ فإن هذا لا يعني بالضرورة وجوب الحب الشرعي، وانعقاد الولاية الإسلامية؛ لأن الرجل بطبعه قد يحب زوجته أو ولده أو عشيرته وإن كانوا على غير دينه، ومع ذلك فإن هذا لا يقدح في أصل دينه إلا إذا حمله على فعل هو في ذاته كفر أكبر، يقول ﷿: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١]، فالأزواج هنا تشمل فيما تشمل الكتابيات اليهودية أو النصرانية إذا تزوجها المسلم بشرطه، ومع ذلك هذا لا يقدح في أصل الإيمان؛ لأنها محبة طبيعية وليست تنافي العقيدة.
وأيضًا قول الله ﷿: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]، يعني: لقرابته منك، وقيل: إنها نزلت في قصة أبي طالب «إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ» أي: هدايته، «وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ»، فـ أبو طالب كان ينصر النبي ﵌ طيلة عمره، ويحرسه ويمنعه ممن آذاه، لكن هل صار بذلك مسلمًا؟ لا؛ لأن مناصرة أبي طالب للنبي ﷺ إنما كانت بفعل القرابة، وبسبب الحب الطبعي لا الشرعي، لذلك لم تكن نصرة في الدين، ومن أجل ذلك لم يكن بذلك مسلمًا، ويقول النبي ﵌ في العلامات التي إذا فعلها الإنسان يجد حلاوة الإيمان في قلبه: (وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله)، فهذه هي المحبة المعتبرة المعتد بها.
[ ١٧ / ٣ ]
التخلف عن النصرة الواجبة لا يقدح في أصل الدين
إن تخلف النصرة الواجبة على العبد المؤمن لا يعني التخلف أو القدح في أصل الدين، إلا إذا كان خذلانًا على الدين، أما مجرد القعود عن الجهاد الواجب فهو كبيرة؛ يجب عليه أن ينصر إخوانه المؤمنين، سواء كان النفير عامًا، أو داهم العدو بلدًا من بلاد المسلمين، أو حضر الصف في هذه الحالات التي يجب فيها النفير العام، ففي هذه الحالة يجب أن يخرج، فإذا لم يخرج وقد تعين عليه الجهاد فهذا لا يعد قدحًا في أصل إيمانه، وإن كان يقدح في كمال إيمانه وينقص إيمانه؛ لأنه مرتكب لكبيرة من الكبائر؛ لكن لا يخرج بذلك عن الملة، وهنا تخلف عنصر من عناصر المناصرة على الدين.
أيضًا قد يتخلف الإنسان عن مثل هذه المناصرة لسبب، مثل: عهد بينه هو وقبيلته وبين القوم الذين سيقاتلهم المؤمنون، أو لأنه لم يهاجر، أو كامتناع المسلمين من مناصرة من أتاهم بعد صلح الحديبية كـ أبي جندل وأبي بصير فهما حينما انتهى الأمر ردهما النبي ﵌، وامتناعهم أيضًا عن مناصرة من هاجر إليهم على قوم بينهم وبينهم ميثاق.
[ ١٧ / ٤ ]
مناصرة أعداء الله لصلة رحم لا يقدح في أصل الإيمان
إن وجود مودة أو مناصرة لأعداء الله ﷿ مما يقدح في أصل الدين، إذا كان مساومة لهم على دينهم الباطل، أما إن حصل مثل هذه المناصرة لصلة رحم أو نحوه فهذا ذنب ومعصية من المعاصي، كما وقع من حاطب بن أبي بلتعة ﵁ في مكاتبة أهل مكة بخبر خروج رسول الله ﵌، وأيضًا كما وقع من سعد بن عبادة عندما انتصر لـ عبد الله بن أبي في قصة الإفك، وقال لـ سعد بن معاذ: كذبت! والله لا تقتله ولا تقدر على قتله، بل قد تكون هذه النصرة واجبة أحيانًا، فيجب على الأمة أو على المسلمين مناصرة قوم إذا كان بينهم وبينهم عهد على أنهم يدخلون في جوار الأمة الإسلامية، وأنهم يدافعون عنهم إذا داهمهم عدو آخر، كحلف من الأحلاف، فإذا وقع ذلك يجب على المسلمين إذا اعتدي على هؤلاء الذين لهم ذمة وعهد أن ينصروهم، بل الذمي الذي يعيش في وسط المسلمين وله ذمة لا تخفر ذمة الله وذمة رسوله؛ فإن من تعظيم الله وتعظيم رسوله ﵌ وطاعتهما ألا يخفر الله ﷿ في ذمته؛ فإن له ذمة وعهدًا مع إمام المسلمين، فلا ينبغي أن ينقض هذا العهد، بل إن النبي ﵊ تهدد من يفعل ذلك بأن يكون خصيمه يوم القيامة.
خلاصة الكلام أن ما يرتبط من الولاية بأصل الدين هو ما انعقد منها على الدين لا على الدنيا أو الطبع، لكن الأمر الذي يقدح في الولاء والبراء هو معاداة المسلم لإسلامه، أو موالاة الكافر على كفره؛ لأن كلا الأمرين يتضمن الرضا بالكفر أو السخط بالإسلام، فإذا كان ساخطًا على الإسلام ويحارب المسلم بسبب تدينه فإنه يكون راضيًا بالكفر، ولذلك يوالي الكافر بسبب كفره، أما ما عدا ذلك فلكل مقام مقال، فإذا كانت الموالاة والمناصرة أو المحبة على كفر فهي كفر، وإن كانت على معصية فهي معصية، أما الموالاة على الأسباب والعلائق الدنيوية ففيه تفصيل بحسب ما تفضي إليه هذه الموالاة، فمنها ما يحل ومنها ما يحرم.
[ ١٧ / ٥ ]
وجهة نظر كاتب (حد الإسلام) في الولاية
ننتقل إلى المسألة الأخرى وهي ما عبر عنه الكاتب بنفي الولاية عن غير الله ﷿، حيث تتلخص خطبته في هذا الباب باعتباره الولاية ركنًا من أركان توحيد العبادة، أو ركنًا من أركان ما أسماه هو حد الإسلام، فهذا الأمر قرره في مواضع كثيرة من كتابه، وأفرد لدراسته بابًا مستقلًا له، فيقول ما نصه: ثم نأتي بعد ذلك إلى الجزء الثاني من الكلام عن توحيد العبادة لتقرير أركان هذا التوحيد وهي: أ- نفي النسك عن غير الله ﷿.
ب- قبول شرع الله ونفي ما سواه.
ج- إفراد الله بالولاية.
أيضًا ذكر أن معنى الولاية: أن تتولى الله ﷾ وتوالي فيه ﷿.
أيضًا حدد المناط المحذور المكفر في باب الولاية بأحد أمرين: تولي الكافرين، أو تولي المرء غيره بغير ولاية الإسلام، فاعتبر كلًا منهما كفرًا صريحًا.
يقول: والمحذور على المسلمين بالنسبة لأمر الجماعة فيهم أن يتولوا الكافرين، فولاية الكافرين كفر صريح بواح، وأن من يتولى غيره بغير ولاية الإسلام يكون قد اتخذ غير الله وليًا، قال: ومن اتخذ غير الله وليًا فهو مشرك، أيضًا حدد لموالاة الكافرين صورة واحدة وهي المظاهرة والمناصرة، والدل على عورات المسلمين.
هذا هو معنى ولاية الكافرين التي تعد مكفرة عنده، فهذه ليس لها تكييف عنده إلا أنها كفر أكبر.
يقول: على أن التبرؤ من موالاة الكافرين ليس على درجة واحدة بين المؤمنين، ولذلك ذكر الله ﷿ اتخاذ البطانة ولم يصفه بالكفر: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران:١١٨]، وذكر الموالاة ولم يصفها ولو مرة واحدة بغير الكفر، وحدد الموالاة بأنها المظاهرة والمناصرة، والدل على عورات المسلمين.
أيضًا: أكد أن موالاة الكافرين في ذاتها كفر صريح، بصرف النظر عن الاعتقاد الباطن، أو الباعث إلى هذه الموالاة، وعقد مقارنة بين قصة حاطب بن أبي بلتعة وبين قصة أصحاب مسجد الضرار، انتهى منها إلى أن فعل حاطب ﵁ يخرج عن وصف موالاة الكافرين إلى التجسس أو خيانة السر فقط، ولا يتعلق بقضية الموالاة، وإنما هو خيانة للسر، أو عملية تجسس على المسلمين، والرد على هذا صريح جدًا، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة:١] والآية صريحة في أن هذا من الموالاة.
أيضًا انتهى إلى أن الخلاف بين فعل حاطب وفعل أصحاب مسجد الضرار لا يرجع إلى الاعتقاد الباطن، ولكن إلى اختلاف عمل الظاهر الذي يتكون من الفعل المحسوس زائد القصد، وبه وحده يتعلق الحكم الشرعي، فجعل الفرق بين قصة حاطبًا وقصة أصحاب مسجد الضرار: أن حاطب لم يقصد الإضرار بالمسلمين، وإنما قصد جلب منفعة معينة لذويه الذين هم مستضعفون في مكة مع بقاء الولاء، أما في حالة مسجد الضرار فقد كان هناك قصد الإضرار، بل إلى المحق واستئصال شأفة الدعوة الإسلامية، وذكر أن هذا الفرق بين الأمرين لم يعلم بالأخبار الغيبية وحدها، بل بدلالة الأفعال والأقول، قال ﷿: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة:١٠٧]، فقال: هناك فرق بين القصد من الإضرار وبين القصد إلى عدم هذا القصد في الحالتين، أما فعل حاطب فلا علاقة له بقضية الولاء، فقال: إنه عبارة عن سقطة في لحظة ضعف افتقد فيها التوكل، فوقع في سوء التأويل، ولكن لم يذهب القصد إلى المظاهرة ولم ينو بذلك المظاهرة والمعاونة والتأليب على المسلمين، أو دلهم على عورات المسلمين ومقاتلتهم التي لا نجاة للمسلمين منهم بعدها، وقد تبين للرسول ﷺ صدقه، وقال: (إنه قد صدق)، فهو لم يتركه مع وقوع فعل الموالاة منه وإنما تبين له صدقه فخرج فعله عن وصف موالاة الكافرين إلى مجرد التجسس أو خيانة سر الرسول ﵌.
آخر كلام للكاتب في هذه القضية، قال: إن ركن الموالاة شأنه شأن بقية أركان حدَّ الإسلام، لا عذر فيه بالجهل! بناءً على ما قرره الكاتب مرارًا من أنه لا عذر بالجهل في حد الإسلام؛ لأن للإسلام حدًا لا تثبت لأحد صفة الإسلام قبل استيفائه، ومن لم يستوفه كان كافرًا، لا فرق في ذلك بين الجاهل والمعاند.
أيضًا أغفل الكاتب الإشارة في هذه القضية إلى العذر بالتأويل، فلم يذكره إلا عرضًا بكلمة عابرة عند كلامه في موقف حاطب بن أبي بلتعة ﵁: أنه سقطة في لحظة ضعف افتقد فيها التوكل، ووقع في سوء التأويل.
[ ١٧ / ٦ ]
مناقشة كلام الكاتب فيما يتعلق بقضية الولاء والبراء
نعرض لمناقشة هذا الكلام الذي ذكره الكاتب فيما يتعلق بقضية الولاء، ابتداءً لا ينكر أحد أبدًا خطورة وأهمية قضية الولاء والبراء، وأنها من أجلَّ القضايا التي ينبغي على كل مسلم أن يصحح فهمه فيها، وأن يخلصها مما غشيها من الخلل؛ بسبب حقد كثير من المعاصرين من أبناء هذه الأمة، أيضًا في زحمة هذه المدارسة ينبغي ألا ننسى أن بقاء الوجود الإسلامي لهذه الأمة مرهون بوضوح هذه القضية، يعني: إذا كانت قضية الولاء والبراء لم تتخذ الموضع اللائق بها في حس وعقيدة المسلمين وفي واقعهم ومواقفهم، فهذا قد يهدد وجود الأمة الإسلامية تمامًا، فلابد أن هذه القضية تبقى حية متأججة في النفوس؛ فإن انقطع هذا الأمر فهذا رهن بقتلها وتقديم البدائل الرخيصة الهزيلة.
لا يغيب عنا أيضًا أن انقطاع الولاء الإسلامي، واجتماع الأمة على المصالح والعصبيات والقوميات كان هو المسئول الأول عن تغييرها وإذابة قيمها ومحو شخصيتها، والإلقاء بها في مهاوي الفتنة والدمار، ولا يخفى أيضًا ما تحاوله قوى الكفر ومن شايعها من فصل هذا الدين عن أمته وتاريخه، وقتل الانتماء إلى الإسلام والاعتزاز به في داخله، حتى يصبح مطية ذلولًا يعبثون به وبمصائره كما يشاءون، فإذا فقدنا مصدر قوتنا وعزتنا وهو الانتماء لهذا الدين والاعتزاز بهذا الدين وبأبطال هذا الدين، فهذه أحد أهداف أعداء الإسلام، وهذا أمر لو أفضنا في مظاهره لطال بنا الحديث جدًا، يكفي أن الأطفال في المدارس الابتدائية يحفظون الافتخار بالفراعنة الوثنيين المشركين، ففي بعض الامتحانات التي يمتحن بها الأطفال الضحايا المساكين يأتيهم في التدريبات أو الامتحانات: لماذا تفخر بـ مينا؟ لماذا تنظر بإعجاب إلى رمسيس الثالث؟ فيبرزون هؤلاء الوثنيين المشركين عبدة الملوك في صورة الأبطال المحبوبين، ويجعلون المثل الأعلى للمسلمين الكفار، يقول ﷿: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر:٤٥]، فهذا هو موقفهم مع الإسلام، قطع العلائق والروابط لما يكسبنا الاعتزاز بهذا الدين.
هذه القضية إن كانت قضية دعوى أو توضيح للمفاهيم، فمقام الدعوة غير مقام التأصيل والتقعيد، فعندما يكون الإنسان في معرض دعوة الناس بالترغيب والترهيب، قد يتسامح في أشياء لا يسامح فيها إذا كان في موضع تقعيد وتأصيل.
أقرب مثال إلى أذهاننا حينما نذكر هذا الفرق بين المفكر الذي يفكر وبين الشخص الأصولي المنضبط في عبارته، والذي يضع الأصول والضوابط والتقنينات، أقرب مثال هو ما حصل من الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى في الظلال وفي المعالم وهو يعبر عن معان سامية من معاني هذا الدين ومن معاني التوحيد ومعاني الإيمان، لكن هذه القضية بالذات كان لها عند الأستاذ سيد قطب ﵀ موقف خاص، ولا نريد أن نندفع وراء العواطف والإعجاب بجهاد الرجل في سبيل الله وبذله نفسه في سبيل الله، هذا شيء ومحاكمة الكلام بالقواعد العلمية شيء آخر، فالفرق بين هذا المنهج الذي سلكه في الظلال والمعالم وبين المنهج الذي نراه عند صاحب كتاب حد الإسلام: أن صاحب كتاب حد الإسلام يحاول أن يأخذ منطق وضع القوالب الأصولية تأصيل الكلام وتقعيده في قواعد وحدود ورسوم، بحيث يتخذ دستورًا وضابطًا لمثل هذه القضايا الحساسة، فهو دخل في إطارات أصولية، وقعد هذه الأشياء فحصل مثل هذه المآخذ التي نذكرها.
أيضًا حينما يكون المقام مقام التقعيد والتأصيل ووضع الضوابط لا يعني ذلك أننا حينما ندافع عمن عندهم خلل في قضية الولاء والبراء حينما تدفع عنهم وصمة الكفر لا يعني ذلك أنك تواليهم، أو أنك تقرهم على ما هم عليه من الخلل والباطل، هم آثمون ومقصرون، لكن ربما في كثير من هذه الأحوال لا يصل الأمر إلى حد الكفر.
مثال: حينما يتكلم العلماء في قضية حكم قاتل المؤمن متعمدًا تجد كلامًا شديدًا جدًا في هذه القضية، وذكر الأحاديث التي تصف مثل هذا الفعل بأنه كفر: (لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض)، ذكر بعض العلماء أننا نترك الأحاديث على ظاهرها ولا نفسرها أمام عوام الناس، هذا المقصود منه التخويف والترغيب من قتل المؤمن بغير حق، فلا تقل له: أنت لا تخرج من الكفر وأنك تبقى في الإسلام، مثل هذا في مقام الدعوة والتبليغ لا ينبغي؛ لأن المقصود التبليغ؛ لذلك لما دخل الإمام أحمد رحمه الله تعالى أحد المساجد وجد قاصًا كان يخوض في التحذير من معصية معينة بطريقة فيها شيء من المبالغة كما هو معروف عن القصاصين، فالإمام أحمد لو كان يظن أنه علم لأخذ يناظره ويبطل حجته لكن هو رآه رجلًا من القصاصين، الوعاظ القصاصين وفي نفس الوقت له تأثير جيد على الناس بحيث أنه ينفرهم من بعض هذه المحرمات، أو ينكر على بعض البدع، فقال الإمام: ما أنفعهم للعامة.
الإمام أحمد رجل من علماء الحديث وجهابذته يغار على السنة وعلماء، الحديث لهم حساسية خاصة أمام القصاصين، فهذا القاص أتى بهذه الأشياء التي هي غير ثابتة من حيث الأثر لكن في مجملها تنفر من بدع معينة، فقال: ما أنفعهم للعامة، وتركه وانصرف.
كذلك عندما تتكلم على ترك الصلاة لا تقل لقاطع الصلاة: من ترك الصلاة فقد كفر وهذا الكفر كفر كذا، وأنت مسلم لكنك عاصٍ وكذا مثل هذا الكلام، لكن إذا سئلت لا تكتم العلم الذي تعلمته، لكن في باب التنفير تطلق ذكر عموم النصوص.
فتأتي ذكر المرأة النامصة وتقول: لعن الله النامصة والمتنمصة، ولا تقل لها: اطمئني أنت موحدة وأنت مسلمة، أنت تقولين: لا إله إلا الله، وربما يكون لك أعمال صالحة أخرى تكفر عنك هذه المعصية وربما كذا وربما كذا، كلا، فلا إفراط ولا تفريط، وفي نفس الوقت لا تقل لها: أنت ملعونة، أو أنت قد وقعت عليك لعنة الله؛ لأنَّكَ بالفعل لا تدري هل تقع عليها اللعنة أم لا، لكن تقول لها: قال رسول الله ﷺ (لعن الله النامصة والمتنمصة) فمقام الدعوة ومقام الإرشاد قد يتسامح فيه غير مقام التقعيد والجلوس، أمام مجالس أهل العلم أو المدارسة بين طلبة العلم، هذه تحتاج لضبط ودقة واحتياط، فهذا نقوله بين يدي الكلام في هذه القضية لسنا في مقام الدفاع عن الخلل الموجود في كثير من المسلمين في قضية الولاء والبراء؛ لأن مرض البعد عن الإسلام والتقصير في جنب الله قد شاع في مجتمعاتنا.
أيضًا نحتاج لنبرز ما يعذر به العامة؛ لأن مقامنا هنا ليس مقام الكلام مع العامة، فلا تأت للعامي الذي يفعل أفعال الشرك وتقول له: اطمئن هذا شرك أصغر وأنت كذا وتسوغ باطله وتعتذر عنه، لكن هذا هو البحث العلمي المجرد الذي يقضي بيان الحق في مقامه، ووضع الأمر في نصابه.
أما ما ذكره الكاتب في باب الولاية فهو أولًا قصد حقيقة ولاية الكافرين على النصرة والتجسس، والدل على العورات، هذه هي ولاية الكافرين.
[ ١٧ / ٧ ]
معنى الولاية لغة وشرعًا يناقض ما ذهب إليه كاتب (حد الإسلام) في الولاء
إن أئمة اللغة لم يقصر أحد منهم معنى الولاية على النصرة كما ذهب الكاتب، بل ذكروا جميعًا أن أصل الولاية من الوَلْية، والوَلْي هو القرب، وضد الولاية العداوة، وتطلق الولاية أيضًا على المناصرة، وتطلق على الحب والتقريب.
فهناك إذًاَ: ولاية الحب والمودة، وهناك ولاية التحالف والنصرة، يقول في الصحاح: والولي ضد العدو، والولاية ضد العداوة، وأصل الولاية المحبة والتقرب، وأصل العداوة البغض والبعد، فخلاصة كلام اللغويين في هذا أن الموالاة ضد المعاداة، والمعاداة درجات تبدأ من تنافر القلوب، وتمتد إلى أن تصل إلى المقاتلة وتقابل السيوف، أو المظاهرة على العدو والدل على عورته.
هذا من حيث اللغة.
إذًا: الولاية تشمل هذه المعاني ولا تقتصر فقط على ما ذكره الكاتب.
أيضًا هناك من القرآن الكريم ما يدل على هذا؛ فإن القرآن فرق بين الولاء والنصرة في تسعة عشر موضعًا، منها: قوله ﷿: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء:٤٥]، وقوله الله ﷿: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [النساء:١٢٣]، ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [الفتح:٢٢]، ﴿وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [الشورى:٨].
فهذا التفريق بين الولي والنصير من حيث القسمة العقلية لا يخلو من أحد أمرين: إما أنه تفريق حقيقي، يعني: أن العطف هنا يقتضي المغايرة، وأن الولاية غير المناصرة، أو أن يكون هذا من باب عطف الخاص على العام، مثل قوله ﷿: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة:٩٨]، مع أن جبريل وميكال من ملائكة الله ولكنه خصهما من دون ملائكته، فتكون النصرة فردًاَ من أفراد الولاية أو أحد معانيها، ﴿مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [البقرة:١٠٧].
فعلى كلا الوجهين يبطل ما ذهب إليه الكاتب من قصر حقيقة الولاية على النصرة والدل على العورات.
وجه ذلك أن الولاية هي ضد العداوة، والعداوة درجات تبدأ ببغض القلوب، وتمتد إلى أن تصل إلى مقاتلة العدو، أو المظاهرة عليه والدل على عوراته، فإذا تأملنا المقابلة بين الولاية والعداوة في مثل قوله ﷿: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤]، أيضًا يقول الله ﷿: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف:٥٠]، فالنصرة فرد من أفراد الموالاة وصورة من صورها وليست كل الموالاة هي النصرة.
أيضًاَ من الأشياء التي تلفت النظر أن الكاتب أخرج ما وقع من حاطب بن أبي بلتعة ﵁ عن أن يكون صورة من صور الموالاة، ولم تبلغ حد الكفر؛ لأنه وضع أصل موالاة الكافرين لها معنى واحد هو المناصرة والدل على العورات، وأن هذه المناصرة بهذه الصورة ليس لها تكييف إلا أنه كفر أكبر يخرج من الملة، مع أن الله ﷿ قال في شأن حاطب: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا»، خصه بالإيمان، ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة:١].
فنهت الآية عن اتخاذ أعداء الله أولياء، وذكرت صورة من ذلك وهي الإلقاء إليهم بالمودة، وهذا هو مورد الآية أصلًا، فكيف يقال بعد ذلك: إن ما وقع من حاطب ﵁ يخرج عن نطاق الموالاة بالكلية، فالمشكلة هي أنه تبنى أصلًا مسبقًا، ثم حاول أن يفسر الآية على الأصل الذي تبناه، أو حاول تأويلها في ضوء هذا الأصل، ونحن مأمورون بأن نتحاكم إلى آيات الكتاب لا أن نتحكم فيه، فهذا والله أعلم نوع من التحكم، فوضع أصلًا من عنده غير موافق للشرع ولا للغة، ثم لما وضع هذا الأصل واستقر عنده أراد أن يقصر معنى الآية على هذا الأصل الذي ذكره.
يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى تفسيرًا للموالاة المذكورة في قوله: «لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ»، فقوله: «تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ»، هذا هو تفسير الموالاة، وقوله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران:٢٨]، فالآية تجيز للمسلمين في حال الخوف المداراة وإظهار الموالاة باللسان لأعداء الله بقدر ما يكف به شرهم وتندفع به فتنتهم، مع عقد القلب على البراء والبغض، يقول الطبري: «إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً»، إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مسلم بفعل.
وقال الشنقيطي رحمه الله تعالى: وأما عند الخوف والتقية فيرخص في موالاتهم بقدر المداراة التي يكف بها شرهم، ويشترط في ذلك سلامة الباطن من تلك الموالاة.
ويقول الشوكاني: وفي ذلك دليل على جواز الموالاة لهم مع الخوف منهم، لكنها تكون ظاهرًا لا باطنًا.
خلاصة الكلام أن مسمى الموالاة لأعداء الله لا يختص فقط بالنصرة وحدها، بل يشمل سائر صور المودة الأخرى، هذا فيما يتعلق بمعنى الموالاة وقصر الكاتب إياه على المناصرة، وبيان أنها أعم من ذلك.
[ ١٧ / ٨ ]
الفرق بين الحب والكره الطبعي والشرعي
قال المؤلف: ليس مطلق النصرة من أصل الدين، يعني: حصر الكاتب الموالاة في معنى المناصرة والمظاهرة.
ثم قال: إن هذا ركن من أركان حد الإسلام لا يعذر فيه بالجهل، والقدح فيه قدح في أصل الدين.
ف
الجواب
أنه ليست كل مناصرة هي من أصل الدين، بل ما كان من ذلك بسبب الدين، فإذا كان أصل الموالاة هي الحب والقرب، فإن الموالاة تشمل فيما تشمل النصرة.
بقي أن نقرر أصلًا هامًا وهو أن ما يرتبط من الحب والنصرة بأصل الدين هو ما كان من ذلك بسبب الدين، لا مطلق الحب ولا مطلق النصرة، أما ما لم يكن بأصل الدين فإنه يرتبط بالفروع، ويتفاوت الحكم فيه من صورة إلى أخرى.
تفصيل هذا الكلام أن الحب منه ما هو طبعي كحب الحليلة والأولاد، ومن الحب ما هو شرعي اختياري كحب المسلم لإسلامه، وحب ما شرعه الله لعباده من التكاليف؛ لأنها تنزلت من عند الله ﷿.
أيضًا من الحب ما يكون لأسباب دنيوية؛ كصداقة وجوار ومصلحة، ومنه ما يكون مرده إلى الدين، كما يحب المسلم إخوانه في الله جملة على الغيب، فأنت تشعر بحب نحو كل مسلم على وجه الأرض حتى ولو لم تعرف اسمه ودون أن تراه، حتى ولو لم تكن لك أي صلة بهذا المسلم، فهذا الحب الذي يكون في الدين، فما يتعلق بأصل الدين من هذين النوعين من الحب الطبعي والشرعي فقط هو الحب الشرعي الاختياري الذي يكون مرده إلى الدين.
ونكرر الكلام بصورة أخرى، فنقول: إن تخلف الحب الطبعي أو التواد الدنيوي لأي سبب من الأسباب لا يعني بالضرورة تخلف الحب الشرعي وانقطاع الولاية، فقد يكره الإنسان زوجته ويحمله ذلك على طلاقها وفراقها، فلو تخلف هذا الحب لا يعني ذلك أنه يكرهها كرهًا شرعيًاَ، وأن هذا يقدح في موالاته لله ﷿ ورسوله، هذا أمر طبعي وليس أمرًا شرعيًا، فهل معنى ذلك أن ولاية الإسلام تنقطع بين هذين الزوجين؟ لا، فولاء الإسلام باق، وهي ما زالت مسلمة لها حرمة المسلمة وهو كذلك، فيبقى أصل الولاء بسبب الإسلام، وقد أثبت القرآن كرهًا من هذا النوع ولم يثبت به انقطاع ولاية الإسلام، فقال ﵎: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء:١٩]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التغابن:١٤].
وهناك من العداوة ما قد تكون عداوة صريحة كعداوة العدو، وقد تكون عداوة غير مباشرة، كأن يشغلك عن ذكر الله، ولعل هذا هو المقصود بالآية، أو أن الإنسان يحصل لأهله وولده المال من الحرام، فهما يحملانه على فعل شيء من المحرم، ربما أيضًا يستثقل الإنسان بعض التكاليف الشرعية ويكرهها طبعًا، ولا يعني ذلك أن عمله قد حبط وأن إسلامه قد نقض، وأثبتت النصوص شيئًا من هذا الكره ولم تثبت به انخرام عقد الإسلام، كما ذكرنا الأمثلة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦]، وكذا مثال إباحة الشرع لتعدد الزوجات، فما من امرأة إلا وهي تغار وتكره أن يتزوج زوجها عليها، فهذه الكراهية كراهية طبعية، حتى إن النبي ﵊ كان لا يؤاخذ زوجاته فيما أتينه من أفعال بسبب هذه الغيرة، فحينما أرسلت إحدى أمهات المؤمنين في يوم عائشة ﵂ قصعة فيها طعام وثريد، فحملتها الخادم وأدخلتها على النبي ﵊ في حجرة عائشة، فغارت أم المؤمنين وضربت القصعة وأسقطتها على الأرض حتى انكسرت، فماذا فعل النبي ﵊؟ ظل يجمع الطعام من الأرض ويقول: (غارت أمكم.
غارت أمكم)، فلم يؤاخذها، وأبدل الأخرى بقصعة سليمة.
الشاهد أن هذا شيء طبيعي، لكن لو فرضنا أن امرأة من المسلمين تكره هذا الحكم؛ لأنه حكم الله، هذه تكون عرضت نفسها للردة، وألا يكون لها حظ من الإسلام إذا هي طعنت في هذا الحكم، وأن الله أباح تعدد الزوجات، أو اعتقدت أن هذا ليس من الشرع في شيء بدون تأويل، أو كذبت بهذا الحكم، أو جحدته أو كرهته شرعًا لا طبعًا، فهذا يمس أصل الدين ويمس العقيدة.
فهذه من الأمثلة الواضحة على التفريق بين الكره الشرعي والكره الطبعي، فإذا كرهت المرأة تعدد الزوجات؛ لأنه حكم الله، فهذه ينطبق عليها قول الله ﷿: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩]، أما إذا كانت الكراهية طبعية بسبب الغيرة والطبع فهذا مما لا تؤاخذ به المرأة.
أيضًا القتال كما ذكرنا مكروه من حيث الطبع، لكنه محبوب من حيث الشرع، والدليل على ذلك أنك ترى المجاهد في سبيل الله يترك ماله وأهله وأولاده، ويلقي بنفسه مقبلًا غير مدبر في نحور الأعداء، وهو حريص على ذلك أشد من حرص الأعداء على الحياة، قال الله ﷿ في القرآن: ﴿قُلْ هَلْ تَربَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة:٥٢] فهو محبوب شرعًا للمؤمن؛ لأن في الجهاد والقتال في سبيل الله ثوابًا عظيمًا جدًا، سواء في النفقة بالمال أو المخاطرة بالروح، فهذا يحبه حبًا شرعيًا، لكن الطبع قد يكره ذلك لهذه الأسباب.
أيضًا في بعض التكاليف الشرعية قد توجد كراهية طبعية.
هذا أصل معنى كلمة تكليف، التكليف: هو أن يلزم الشخص بشيء فيه كلفة ومشقة، ولذلك لا توجد عبادة إلا وفيها مشقة، لكنها مشقة مقدورة محتملة.
وقوع الكره الطبعي قد يوجد حتى بين بعض المسلمين من تحاسد وتباغض وتدابر، بل ربما يتلاعنون ويتقاتلون ولا يعني ذلك انقطاع أصل ولاء الإسلام بينهم، ونعتبر في ذلك فيما وقع بين الصحابة ﵃ من الاقتتال مع أنه لم يقطع الأخوة الإيمانية بينهم، حتى كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ يجمع القتلى من الفريقين ويصلي عليهم بعد انتهاء القتال.
وذكرنا آنفًا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات:٩ - ١٠]، فلم تنقطع ولاية الإسلام ولا أخوة الإيمان رغم ما كان بينهم من تحارب وقتال، لذلك العلماء يفرقون بين القتل الذي يكون لعداوة أو لخصومة أو على مال، وبين القتل الذي يكون على دين الإسلام، فالأول يعتبر كبيرة من كبائر الذنوب، أما الذي يكون بسبب دينه وإسلامه فهذا كفر أكبر مخرج من الملة.
فالنوع الأول لا ينقض الولاء والبراء ولا يمس أصل الدين، وإن كان ينقص كمال الدين.
أما النوع الثاني: فهو قتل المسلم بسبب إسلامه، فهذا هو الذي ينقض الولاء والبراء.
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: عن حكم قتل المتعمد، وعمن يقتل على مال أو حقد ومن يقتل على دين.
فأجاب: الحمد لله، أما إذا قتله على دين الإسلام مثل ما يقاتل النصارى المسلمين على دينهم.
فهذا كافر شر من الكافر المعاهد، وهؤلاء مخلدون في جهنم كتخليد غيرهم من الكفار، وأما إذا قتله قتلًاَ محرمًا لعداوة أو مال أو خصومة ونحو ذلك فهذا من الكبائر ولا يكفر بمجرد ذلك عند أهل السنة والجماعة.
انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.
ذكرنا أيضًا أن وجود الحب الطبعي أو الدنيوي لسبب أو لآخر لا يعني ضرورة وجود الحب الشرعي وانعقاد الولاية الإسلامية، مثال ذلك: الزوجة الكتابية قد يحبها الزوج حبًا طبيعيًا، لكن لا يعني هذا بالضرورة وجود الحب الشرعي المحرم في مثل هذه الحالة، أو أنها لها ولاية الإسلام، كذلك محبة الرجل ولده وذوي رحمه وإن كانوا على غير دينه، هذه المحبة طبيعية، وفي القرآن الكريم إشارات إلى هذا النوع من الحب الذي لا يعني بالضرورة انخرام عقد الإسلام، مثل: قول الله ﷿: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦]، يعني: من أحببته لقرابته حبًا طبعيًا، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]، وهذه كما ذكرنا في حق أبي طالب، وإن كان هذا الحب لم يكن من جنس حب النبي ﵌ للمسلمين، فهذا حب خارج عن معنى الولاء والبراء.
وفي تفسير آخر للآية: إنك لا تهدي من أحببت هدايته.
وأيضًا: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١]، وهذا أيضًا يشمل فيما يشمل الكتابية.
وقال الله ﷿: ﴿هَاأَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ [آل عمران:١١٩]، فهذه المحبة التي نعتها هذه الآية على الصحابة ﵃ من جنس المحبة الناقضة للولاء، وإن كانت مضعفة له ويجب اجتنابها.
كذلك مما لا ينكر أنه كلما قوي ما في القلب من الإيمان بالله، وكلما زادت ورسخت محبة رسول الله ﵌ في قلب العبد؛ فإن هذه المحبة تطرد ما فيه من ميل أو مودة إلى أعداء الله، حتى لو كان هؤلاء آباءً أو أبناءً أو إخوانًا أو عشيرة، حتى إذا ما
[ ١٧ / ٩ ]
الفرق بين الحب المتعلق بأصل الدين وغير المتعلق بأصل الدين
كيف نميز بين الحب الذي يكون له علاقة بأصل الدين، والحب الذي لا يتعلق بأصل الدين؟ التفريق والميزان بين الحب الذي له علاقة بأصل الدين والذي ليس له علاقة بأصل الدين هو الباعث، يعني: نبحث ما هو الذي يبعث على هذا الحب، وما هو الذي يحمل عليه، فإن كان هذا الحب لرحم أو لزوجية أو لحاجة كان متعلقًا بالفروع أي: بالأمور العملية في كتب الفقه مثلًا، ولا ينتقض فيه بالضرورة عقد الإسلام، اللهم إلا إذا حمل على ارتكاب فعل هو في ذاته من أعمال الكفر الأكبر، أما إن كان الباعث على هذا الحب مرده إلى الدين، وكان الباعث عليه والدافع له متعلقًا بأصل الدين لا محالة، كالذي يعادي المسلم بسبب إسلامه، أو بغضه لأحكام الله، وكراهيته لما أنزل الله، فهذا ينقض أصل الإيمان ويبطل الإسلام، يقول الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣٢] إلى آخر الآيات، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٩ - ١١٠].
كل هذه صورة من معاداة المسلم بسبب إسلامه، لا أنهم يتنازعون على أرض أو على مال أو على أمر من أمور الدنيا أو تحاسد، لكنها معاداة بسبب أن هذا مسلم، وبسبب أن هذا صاحب دين، فمعاداة المسلم بسبب إسلامه هذا مما يتعلق بأصل الدين وينتقض به عقد الإسلام.
كذلك حتى نميز بين الحب الذي له علاقة بأصل الدين وبين ما لا علاقة له بأصل الدين العداوة وهي نقيض الحب.
إذًا: ما هي العداوة التي تتعلق بأصل الدين؟ وكيف نفصل بينها وبين العداوة التي لا علاقة لها بأصل الدين ولا تنقض عقد الإسلام؟ فيكون نفس هذا الجواب، يعرف ذلك بالبحث عن الباعث على هذه العداوة، إن كان الحامل على هذه العداوة خصومة أو حسد أو تنازع على مالٍ أو على شيء من هذا كان تعلقها بالفروع وليس بأصول الدين، ولكل حالة حكمها، أما إذا كان مردها إلى الدين وعداوة بسبب الدين فهذه ما من شك أنها تتعلق بأصل الدين، وتقدح في صحة الإيمان.
[ ١٧ / ١٠ ]