جرى اليهود والنصارى في سلوكهم وأعمالهم على تشريع الأحبار والرهبان ولا على ما شرعه الله لهم في التوراة والإنجيل، وهم يعلمون ذلك، ويدعون أن حق النسخ هو لهم من دون الله، فجمعوا في ذلك بين فساد العقيدة وفساد العمل، وهذا خضوع بالظاهر والباطن، وهو على عكس الخضوع للطواغيت فإنه لا يكون إلا بالظاهر فقط.
[ ١٩ / ١ ]
عبادة اليهود والنصارى للأحبار والرهبان
[ ١٩ / ٢ ]
حدود الإسلام وأركانه من وجهة نظر الكاتب
مررنا على معظم القضايا التي هي محل أخذ ورد فيما يتعلق بكتاب حد الإسلام، والذي ذكرنا أنه يقوم على اعتبار أن حد الإسلام يتكون من ركنين: الأول: تصديق خبر رسول الله ﵌ جملة وعلى الغيب.
الثاني: التزام شريعته جملة وعلى الغيب.
وذكرنا أيضًا: أنه يعتبر أن لهذا الحد ثلاثة أركان: النسك، والولاية، والحكم.
وذكر أن تحقيق التوحيد في هذه الأركان الثلاثة هو الحد الأدنى من الدين الذي يجب تحققه في كل إنسان حتى تثبت له صفة الإسلام ابتداءً، والذي يؤدي تخلفه أو تخلف جزء منه إلى تخلف الدين كله.
وناقشنا تفاصيل القضية في النسك والولاية، وشرعنا في الكلام على الركن الثالث، وهو: نفي الحكم عن غير الله ﷿.
وذكرنا أن فكرة الكاتب في هذا المقام تتلخص في أن قبول شرع الله ورفض ما سواه، له تعلق بالتوحيد في جانبيه القولي والعملي، فهو يتعلق بالتوحيد القولي من حيث كونه إثباتًا لصفة من صفات الله ﷿ وهي صفة الحكم، ويتعلق بالتوحيد العملي من حيث كونه ركنًا من أركان العبادة، وذكرنا أن هذه النقطة الأولى هي محل خلاف؛ لأن الآيات والنصوص تواترت على أن لا حكم إلا لله.
فلا شك أن قضية الحكم وإفراد الله ﷿ بالحاكمية من الأركان الأساسية لعقيدة التوحيد، وبين الله ﷿ أن الشرك في الحكم تمامًا مثل الشرك الذي يكون في العبادة، كما قال الله ﷿: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، وقال في الحكم: ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:٢٦]، فسمى هذا شركًا كما سمى هذا شركًا، وقال ﷿: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]، وقال ﷿: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة:٣١]، والآيات في هذا كثيرة جدًا والتي تتعلق بالفكرة الأولى التي أتى عليها هذا البحث.
الفكرة الثانية: أن قبول التكليف من غير الله ﷿ كفر أكبر بغض النظر عن هذا التكليف، يعني: سواء كان هذا التكليف بما يخالف شريعة الله ﷿ أو بما يوافقها، أما الاستجابة لرواية فليس لها تكييف شرعي محدد، وإنما تتوقف على نوع الفهم.
وسبق أن ذكرنا أن هذا الكلام ليس على إطلاقه، فمجرد قبول التكليف لا يشترط أن يكون كفرًا أكبر على التفصيل الذي ذكرناه.
كذلك قال: إن قبول شرع الله يتحقق بعدم الرد -وهو الإباء- من قبول الفرائض والأحكام، وقبول شرع غيره يتحقق بعدم الرد، وأدنى درجة الرد: كره القلب، ودلالته الاعتزال وعدم المشايعة بالعمل عليه.
الفكرة الثالثة هي: رفض الكاتب تفسير الربوبية في بني إسرائيل المذكور في قوله ﷿ عن بني إسرائيل: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة:٣١]، فهو قدر هذه الربوبية بأنها طاعتهم في الاعتقاد، واجتهد في إثبات ذلك تعدد من الأدلة، مبينًا أن في تفسيرها بالطاعة في الاعتقاد من اللوازم الفاسدة ما يرده أكثر العقلاء.
[ ١٩ / ٣ ]
نقض تفسير عبادة الأحبار والرهبان بالطاعة في الاعتقاد
أولًا: بالنسبة لتفسيره للربوبية التي وقع فيها بنوا إسرائيل، وذهابه إلى أن هذه الربوبية لم يكن مردها إلى الطاعة في الاعتقاد بمجرد أنهم قبلوا الأحكام بذلك حتى لو اعتقدوا حكم الله كما أنزله الله، واعتقدوا فيه عقيدة قلبية صحيحة، لكن أطاعوا الأحبار والرهبان فيما أحلوه وحرموه مخالفًا لشريعة الله، فمجرد قبول الأحكام كفر أكبر بغض النظر عن اعتقادهم في ذلك.
فالمناط المذكور في الآية هنا هو الطاعة في التشريع وليس الطاعة في الاعتقاد أو المعصية.
وتوضيحًا لهذا الكلام: فهذه الآية في سورة التوبة تتحدث عن حالة من حالات الانحراف التي جمح فيها أصحابها بين فساد الاعتقاد وفساد العمل: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١].
أيضًا هؤلاء القوم الذين أطاعوا الأحبار والرهبان في هذه الأشياء فسدت عقيدتهم؛ لأنهم أقروا لأحبارهم ورهبانهم حق النسخ والتبديل في أحكام الله ﷿، فاعتقدوا أنما يربطه الأحبار والرهبان في الأرض يكون مربوطًا في السماء، وما أحلوه في الأرض يكون محلولًا في السماء، فالحلال عندهم ليس حلال الله، والحرام ليس حرام الله، وإنما الحلال عندهم ما أحله الأحبار والرهبان وإن كان خلافًا لما يعرفونه هم من حكم التوراة التي أنزلها الله ﷿ عليه، والحرام عندهم أيضًا ما حرمه الأحبار والرهبان وإن كان ذلك خلافًا لما يعرفونه من إباحته في التوراة.
فهذه الطاعة كانت طاعة لها علاقة بالاعتقاد لا بمجرد قبول الحكم، فهم أعطوا حق نسخ شريعة الله وتحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله للرهبان والأحبار، فبذلك صدق عليهم وصفهم بأنهم اتخذوهم أربابًا من دون الله ﷿.
فهذه طاعة في الاعتقاد قبل أن نقول: إنها طاعة في قبول الأحكام من الأحبار والرهبان، فهم تركوا تحريم التوراة وتحليلها إلى تحريم الأحبار والرهبان وتحليلهم تأسيسًا لهم على الإقرار لهم في الحق بذلك.
[ ١٩ / ٤ ]
تلاعب الأحبار والرهبان بالتوراة والإنجيل
يقول ابن القيم ﵀ وهو يحكي صورًا من تلاعب الشيطان باليهود لعنهم الله: ومن تلاعب الشيطان بهم: أنهم يزعمون أن الفقهاء إذا أحلوا لهم الشيء صار حلالًا، وإذا حرموه صار حرامًا، وإن كان نص التوراة بخلافه، وهذا تجويز منهم لنسخهم ما شاءوا من شريعة التوراة، فحجروا على الرب تعالى وتقدس أن ينسخ ما يريد من شريعته، وجوزوا ذلك لأحبارهم وعلمائهم.
حتى في المناظرات المعروفة ينتقد اليهود والنصارى المسلمين لاعتقادهم أن الله ﷿ له أن ينسخ ما يشاء من آياته وأحكامه، فهم يعتبرون هذا موضع نقد وطعن في الإسلام، فهم عطلوا هذا الحق لله ﷿: أنه ينسخ ما يشاء، ويبدل ما يشاء من أحكام لمصلحة العباد، ولما يشاء ﷿ من الحكم العظيمة: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:١٠٦]؟ بلى.
فهم حجروا هذا الحق ومنعوه عن الله ﵎ الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وأعطوا نفس هذا الحق إلى الأحبار والرهبان، فأقروا لهم بجواز النسخ في الأحكام وتحليل الحرام وتحريم الحلال.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فإن المسلمين لا يجوزون لأحد بعد محمد ﵌ أن يغير شيئًا من شريعته، فلا يحلل ما حرم، ولا يحرم ما حلل، ولا يوجب ما أسقط، ولا يسقط ما أوجب، بل الحلال عندهم ما أحله الله ورسوله ﷺ، والحرام ما حرمه الله ورسوله ﷺ، والدين ما شرعه الله ﷿ ورسوله ﷺ، بخلاف النصارى الذين ابتدعوا بعد المسيح بدعًا لم يشرعها المسيح ﵇، ولا نطق بها شيء من الأناجيل ولا كتب الأنبياء المتقدمة، وزعموا أن ما شرعه أكابرهم من الدين فإن المسيح يمضيه لهم، وهذا موضع تنازع فيه الملل الثلاث: المسلمون، واليهود، والنصارى، كما تنازعوا في المسيح ﵇ وغير ذلك.
فنحن اعتقادنا في المسيح يختلف عن اعتقاد اليهود والنصارى، فنعتقد في المسيح أنه ﵇ نبي ورسول من أولي العزم من الرسل، وأنه عبد الله ﷿ ورسوله، ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء:١٧١]، كما قال الله ﷿، إلى آخر العقيدة المعروفة عند المسلمين في حق المسيح ﵇.
أما اليهود -والعياذ بالله- فهم يرمون مريم ﵍ بالبهتان والإثم والفاحشة، وهذه نظرة النصارى أنفسهم للمسيح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فهم قد عبدوا المسيح، وألهوه وضلوا فيه ضلالًا مبينًا.
أيضًا هؤلاء اليهود يختلفون معنا في نظرتنا إلى قضية النسخ، فاليهود لا يجوزون لله ﷾ أن ينسخ شيئًا من شريعته أو من أحكامه، والنصارى يجوزون لأكابرهم أن ينسخوا شرع الله ﷿ بآرائهم، أما المسلمون فيعتقدون أن الله جعل له الخلق والأمر، فلا شرع إلا ما شرعه الله على ألسنة رسله عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، ولله ﵎ أن ينسخ ما شاء بما يشاء، كما نسخ بالمسيح ﵇ ما كان شرعة للأنبياء قبله قال تعالى: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران:٥٠]، فهذا نسخ.
فالنصارى تضع لهم عقائدهم وشرائعهم أكابرهم بعد المسيح ﵇، وليس هذا متعلقًا فقط بالأحكام، بل إن أحبار النصارى الضالين قد بدلوا صلب عقيدة التوحيد التي جاء بها المسيح ﵇، حتى صار أمرًا مقررًا في مجامعهم المقدسة، فبدلوا العقيدة فضلًا عن الأحكام، كما وضع لهم الثلاثمائة والثمانية عشر الذين كانوا في زمن قسطنطين الملك الأمانة التي اتفقوا عليها، ولعنوا من خالفها من الأريسية وغيرهم.
وفيها أمور لم ينزل الله ﷿ بها كتابًا، بل تخالف ما أنزله الله من الكتب مع مخالفتها للعقل الصريح.
هذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
ثم طفق ﵀ يذكر بعض الأمثلة على ما أحدثه النصارى من الدين بعدما ذكر تبديل العقيدة من أصلها، وانحرافهم عنها، واخترعوا هذه العقيدة الشركية الوثنية عقيدة الإله والأقانيم الثلاثة، إلى آخر ما وضعوه من الشرك والكفر الأكبر بالله ﷿، واعتقدوا أن هذا هو قانون الإيمان، ولا يعد مؤمنًا إلا من اعتقد به.
فيقول شيخ الإسلام: وكذلك تعظيمهم للصليب، لأن الصليب في زعمهم هو الذي صلب عليه إلههم الذي يعبدونه، وعلى هذا لو أن شخصًا قتل أباك بسكين فتأتي أنت تعبد هذه السكين وتعظمها وتتبرك بها وتقدسها، فهذه نظرتهم: تقديس وتعظيم الصليب بالتعظيم المعروف عند القوم.
أيضًا: استحلالهم لحم الخنزير، وتعبدهم بالرهبانية قال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ [الحديد:٢٧]، يعني: ما كتبنا عليهم الرهبانية لكن كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله.
أيضًا: امتناعهم من الختان، وهو تبديل لشريعة الله ﷿، وتركهم طهارة الحدث والخبث، ولا يوجبون غسل جنابة ولا وضوء، ولا يجتنبون شيئًا من الخبائث في صلاتهم، لا العذرة ولا البول ولا غير ذلك من الخبائث.
هذه كلها من الشرائع التي أحدثوها وابتدعوها بعد المسيح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ودان بها أئمتهم وجمهورهم ولعنوا من خالفهم فيها.
انتهى كلام شيخ الإسلام.
[ ١٩ / ٥ ]
أمثلة لتشريعات الأحبار والرهبان
قال القرطبي ﵀ أيضًا: اعلم أن هؤلاء القوم وضعوا لأنفسهم قوانين توافقوا عليها، وارتبطوا بها من غير أن يشهد بصحة تلك القوانين شاهد من التوراة ولا من الإنجيل، فمن خالفها عندهم سموه خارجيًا تارة وكافرًا أخرى، والخروج عن تلك القوانين هو الذنب عندهم، ثم تلك الذنوب منقسمة إلى ما لا يغفرونه وإلى ما يغفرونه.
ويقول القرطبي: قال لهم بولس: هل رأيتم سارحة تسرح من عند ربها وتخرج إلا من حيث تؤمر به؟ قالوا: لا، قال: فإني أرى الصبح والليل والشمس والقمر والبروج إنما تجيء من هاهنا -يعني: من المشرق- وما أوجب ذلك إلا وهو أحق الوجوه أن يصلى إليه، قالوا: صدقت، فأمرهم أن يستقبلوا القبلة إلى جهة المشرق بهذه الحجة.
ثم قال لهم بعد زمان: رأيت رؤيا، قالوا: هات، فقال لهم: ألستم تزعمون أن الرجل إذا أهدى إلى رجل هدية وأكرمه بالكرامة فردها شق ذلك عليه؟ وإن الله سخر لكم ما في الأرض، وجعل ما في السماء لكم كرامة، فالله أحق ألا ترد عليه كرامته، فما بال بعض الأشياء حرام وبعضها حلال ما بين البقة إلى الفيل حرام؟ قالوا: صدقت! ولهذا تلاحظ أن النصارى لا يسألوا عن حكم أي شيء، هل هذا حلال أو حرام؟ لأنهم أصلًا ليس عندهم شريعة، بعكس هذا الدين الكامل والشريعة الخاتمة التي تحكم الإنسان في كل سلوكه وحياته، فلذلك تجد النصراني المفروض ألا ينزعج إذا حكم بغير دينه، فهذا لا يمسه في قليل ولا كثير؛ لئلا يقع في تصادم بين الواقع الذي يعيشه وبين العقيدة التي يدين بها.
وعكس الحال بالنسبة للمسلم الذي تضبط شريعته كل أحواله وتصرفاته، ولا ينفك الإنسان في حال من الأحوال عن العبودية لله تبارك تعالى، فلذلك المسلم إذا حكم بغير شريعة الله يعيش التناقض المؤلم والواقع المرير الذي يصير عذابًا في عذاب، حيث تكون شريعته تشرق، والنظم الحاكمة بغير الإسلام تغرب، فيعيش في صراع دائم في مواقيت الصلاة في ظهور المنكرات في المجتمع في غير ذلك من النظم واللوائح التي تصادم عقيدته.
فهم لا توجد عندهم شريعة أصلًا حتى يقلقوا أو ينزعجوا، بل كما يقول ابن القيم ﵀ ﷿: ما في دين النصارى من الباطل أضعاف ما فيه من الحق، وحقه منسوخ، فما بقي عندهم من خير بعد هذا التحريف.
أيضًا يقول: هذا الذي يدعونه البابا، وهذا فيه شيء من التعظيم لأئمة الكفر، حتى للأسف أحيانًا نجد بعض الإخوة تجري على فمهم كلمة (البابا) هذا أبوهم هم، أنت لماذا تقول: بابا؟ فهذا لقب فيه نوع من التعظيم، هو رفيع على أمثاله من الكفار، أما أنت فما ينبغي لك أن تقول هذا، فضلًا عما يحصل من السقطات المذهلة من بعض الناس الذين ينتسبون إلى الدعوة حين يخاطبون هؤلاء بقولهم: قداسة البابا، ونيافة البابا، ليست قداسة بل هي نجاسة وركاسة.
فيقول: قداسة البابا، كيف يكون فيهم قديس؟ كيف نصفه بأنه قديس وهو نجس مشرك، يقول الله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨]، فكيف أنت تعتقد مثل هذه الأشياء؟! يقول أحد بابواتهم: إن ابن الله -والعياذ بالله- أنشأ الكنيسة بأن جعل الرسول بطرس أول رئيس لها، وإن أساقفة روما ورثوا سلطات بطرس في تسلسل مستمر متصل، ولذلك فإن البابا ممثل الله على ظهر الأرض، ويجب أن تكون له السيادة العليا والسلطان الأعظم على جميع المسيحيين حكامًا كانوا أو محكومين.
فهذا معنى اتخاذ الأحبار والرهبان، فقد كان له علاقة وثيقة بالاعتقاد، وليس مجرد قبول التشريع، فإنهم أعطوا هؤلاء الأحبار والرهبان سلطات التحليل والتحريم وإن خالفت ما يعلمونه قطعًا من شريعة الله ﷿؛ فبالتالي لا ينبغي النظر فقط إلى جانب قبول الأحكام منهم، لكن هذا وراؤه أمر اعتقادي، وهو إعطاؤهم حق التشريع والتحليل والتحريم.
[ ١٩ / ٦ ]
الفرق بين الإسلام والنصرانية في قبول التجارب العلمية
سبقت الإشارة إلى خطورة هذه القضية، والفرق بين الإسلام والنصرانية وغيرها في هذا الباب في الكلام على العلمانية منذ زمن، وقلنا: إن بعض المقلدين والببغاوات حينما يذهبون إلى الغرب فيتعلمون الثقافات الغربية، ولما كان الغرب عنده عقدة من الكنيسة بسبب هذه الأشياء وغيرها كثير، وحصل رد الفعل العلماني في فصل الدين عن الحياة، بسبب أن ما ولدوه يتصادم مع فطرتهم من العقيدة الوثنية التي تسربت إلى النصرانية، وبسبب البغي والطغيان الذي حصل من الكنيسة، وبسبب صراع الكنيسة مع العلم وردها لأي شيء من البحوث والاكتشافات العلمية الجديدة فكان رد الفعل المغالى فيه: أن رفضوا الكنيسة، ورفضوا كل شيء يمت إلى الدين، والببغاوات حينما تأثروا بهذا القول نقلوا هذا الكلام إلى بلاد المسلمين، فطالبوا أيضًا بالعلمانية أو شجعوا الاتجاهات العلمانية تأثرًا بهذه الخلفية التي نشأت عما وقع في الغرب من صدام بين الدين والعلم.
فهذا يتعلق بدينهم لكن نحن ما عرفنا في الإسلام تصادمًا مع العلم، وبفضل الله الإسلام عقيدة توافق الفطرة لا تتصادم مع العقل أو الفطرة كما هو معلوم، وما أكثر الآيات التي تقول: ﴿أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ [يس:٦٨]، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد:٤]، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد:٣]، ﴿يَتَدَبَّرُونَ﴾ [النساء:٨٢]، وترفض الظن والتخمين والحدث إلى غير ذلك.
فالإسلام دين العلم دين الفطرة دين التوحيد دين الشريعة الكاملة دين السمو في كل شيء، فمن الظلم أن نأخذ النتيجة التي بنيت على الماضي الأسود المظلم في الكنيسة ونطبقها على الإسلام وعلى بلاد المسلمين.
هذا فيما يتعلق بعقائدهم.
[ ١٩ / ٧ ]
حقيقة الربوبية للأحبار والرهبان الواقعة في بني إسرائيل
أما بالنسبة لأعمالهم: فهم جروا في سلوكهم وأعمالهم على تشريع الأحبار والرهبان وليس على ما شرعه الله لهم في التوراة، فجمعوا في ذلك بين فساد العقيدة وفساد العمل، فالربوبية على أساس هذا الكلام التي ذكرها الله وحكاها عن بني إسرائيل: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١]، كما تتمثل في ادعاء الأحبار والرهبان حق النسخ والتبديل في أحكام الله، واستحداث شرائع وشعائر لم يأذن الله ﷿ بها، وفي إقرار بني إسرائيل هؤلاء الأحبار والرهبان على ذلك، وتعبدهم بما يتلقونه عنهم وإن كان مخالفًا لما في التوراة والإنجيل، فهذا بخلاف أنواع أخرى من الربوبية إنما تنشأ سلطة قاهرة غاشمة، أو سلطة سياسية من دولة تفرض أحكامها بالقهر والبغي والعدوان على شعوبها.
فما وقع من الربوبية عند اليهود والنصارى أو عند بني إسرائيل إنما اعتمد على سلطان التدين، وهيمنتها على النفوس، فهم تعبدوا بذلك، وأعطوا هؤلاء الحق في التحليل والتحريم، حتى ولو خالف ما يعلمونه من أحكام التوراة والإنجيل، ففي عقيدتهم في الأحبار والرهبان أنهم يمثلون الله في الأرض، وما عقده الله في الأرض يكون معقودًا في السماء، وما يحله يكون محلولًا في السماء.
فالحلال ما أحله هؤلاء، والحرام ما حرموه، والدين ما شرعوه، حتى فيما يتعلق بالقربات والحرمات يعطونهم صكوك الغفران، حتى أعطوهم التحكم في إدخال الناس الجنة وإخراجهم إلى النار، أعطوا الرهبان أو الأحبار هذا الحق، ولا توجد طريقة للتوبة إلا إذا ذهب إلى القسيس ويخلو به، ويجلس على كرسي الاعتراف، ويفصح له بكل تفاصيل الجرائم أو المعاصي التي ارتكبها، حينئذ يتوسط القسيس بينه وبين الله حتى يغفر له، والذي يملك أن يعطي حق إدخال الجنة يملك أيضًا عندهم أن يعطي حق أن يحرم من النار، وفي هذا مهازل عجيبة جدًا.
فهذا هو الفساد الاعتقادي في قضية الربوبية التي وصفهم الله ﷿ بها، جاء في إنجيل متى: الحق أقول لكم: كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطًا في السماء، وكل ما ستحلونه على الأرض يكون محلولًا في السماء.
فكانوا إذا حزبهم أمر عقدوا له مجمعًا ينسخون فيه ما يشاءون، ويستحدثون فيه ما يشاءون، حتى آل الأمر ببني إسرائيل إلى أن أصبح الدين كله صناعة بشرية من صناعة الأحبار والرهبان، فهذا معلوم بالضرورة من تاريخ النصرانية المحرفة.
[ ١٩ / ٨ ]
تحريف التوراة والإنجيل بأيدي أصحابها
يقول الله ﷿: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة:٧٩].
وإذا تأملنا هذه الآية تجد الكتابة بصيغة الماضي، أما كسب وزر هذه السنة فمستمر إلى ما شاء الله، ولذلك أتى بصيغة المضارع التي تفيد الاستمرار، كما قال ﵊: (من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا)، قال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت:١٣]، فيقول الله ﷿: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة:٧٩]، يعني: الكتابة والتحريف حصل، ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة:٧٩]، يعني: مما يكسبون من الوزر حين تضل أجيال بعد أجيال بسبب هذا التحريف في دين الله ﷿.
ويقول ﷿: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:٧٨]، فهذا حال عامة بني إسرائيل أنهم يدينون للأحبار والرهبان بهذا الحق في التحليل والتحريم، ويتعبدون بما يستحدثونه لهم من العبادات.
فما يسمى بـ: (البابا) ليس مفتيًا أو شخصًا عاديًا كشيخ أو عالم مجتهد! لا، البابا عندهم مشرع، له عندهم هذا الحق في التحليل والتحريم، وكما ذكرنا ليس فقط في العبادات بل لابد من الرجوع إليهم أيضًا فيما يخص الذنوب والخطايا، ومهازل صكوك الغفران مما يؤيد ذلك.
[ ١٩ / ٩ ]
التفريق بين حال الطواغيت والجبابرة الذين يحكمون المسلمين
إن حكام المسلمين في هذا الزمان في شتى بقاع العالم الإسلامي يحكمونهم بالحديد والنار والقهر، ويجبرونهم على الخضوع والإذعان للشرائع التي تخالف شريعة الله، وأما اليهود والنصارى أو بني إسرائيل الذين كانوا يتعبدون بإعطاء الأحبار والرهبان هذا الحق وفي استحداث ما يشرعونه لهم.
فكانوا يعتقدون أن لهم هذا الحق، وإن كانوا يعلمون أن هذا مخالف للتوراة والإنجيل، فهذا الخضوع من بني إسرائيل والقبول هو من جنس الخضوع للدين، والطاعة لأحكامه، والتعظيم لشعائره طعمًا في الخلاص في الآخرة، ودرجات الخلود في ملكوت السماوات، فهذا تدين كانوا يتدينون به.
أيضًا: الآية في سورة التوبة لم ترد في معرض التقرير والتحرير لقضايا أصول الدين، وإنما تحكي وتصف انحراف حال أمة من الأمم اتخذ انحرافها طابعًا معينًا، وهو: ادعاء أحبارهم أنهم يمثلون الله، وأنهم النواب عن رسل الله ﵎، وبالتالي يكون لهم الحق في ممارسة أمر النسخ والتبديل في أحكام الله ﷿، واستحداث شرائع وشعائر لم يأذن بها الله، حتى أصبح دين بني إسرائيل كله من هذه الصناعة الآدمية.
يقول الله ﵎: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]، يعني: الطاعة في التشريع إن كانت من جنس الابتداع في الدين كما وردت الآية: «شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ»، فلا جدال أنها شرك وكفر أكبر، ولا تكون الطاعة في التشريع وقبول التشريع من غير الله ﷿ شركًا أكبر إلا إذا دان الإنسان بهذا التشريع، أي: بأن يتدين بهذا التشريع، ويعتقده كما يعتقد الدين، فيرجع الأمر في الحقيقة إلى الاعتقاد، وليس إلى مجرد قبول الحكم، أما إذا كانت الطاعة من جنس اتباع الشهوات، ومن باب الاستجابة لداعية الهوى فهي ذنب من الذنوب يختلف الحكم على صاحبه باختلاف موضوع هذا الذنب.
فلو أن حاكمًا من الحكام أمر الناس بالزنا، وشرع لهم إباحته، فأطاعه بعض الناس التزامًا للحكم بإباحته، وردًا لما أنزل الله من تحريمه، وأطاعه آخرون ليس إيمانًا بهذه الإباحة، ولا كفرًا بما أنزل الله من التحريم، لكن لأن هذا وافق هوىً في نفوسهم، ومرضًا في قلوبهم، مع بقاء إيمانهم وتصديقهم، كما يتواجد في بعض بلاد الكفار الذين يستبيحون مثل هذه الفواحش؛ فمن قبل هذا تدينًا فهو كافر كفرًا أكبر بلا شك.
أما من وجد القوم يعيشون في مثل هذه الغابات الكافرة وتابعهم على ذلك لمجرد أن هذا يوافق هواه، وهو يعتقد أن هذا حرمه الله ﷿، فلا شك أن الحكم في حالة التدين يختلف عن الحكم في الحالة الثانية، فالأولون كفار مشركون، والآخرون عصاة مذنبون.
من هنا يكون الفرق بين الخضوع للأحبار والرهبان الذي كان في بني إسرائيل، والخضوع للطواغيت من ذوي السلطان، فالأحبار والرهبان يخضعون الظاهر والباطن، والناس يتدينون بذلك، ويخضعون الأجسام والأرواح والنفوس لما اعتقده الناس فيهم من أنهم يمثلون الله، أو ينوبون عن المسيح الذي يعبدونه، وأن المسيح -كما يفترون- أجاز لهم في السماء كل ما يريدونه هم على الأرض.
أما الطواغيت فإنهم يخضعون الظاهر فقط، ويقهرون الأجسام فحسب، ومن هنا كان لابد أن تقيد الطاعة لهم بالكفر بأحكام الله، إما على سبيل التكذيب وإما على سبيل الإباء والرفض، أما التعبد بما يقول الأحبار والرهبان خلافًا لحكم الله؛ فإنه يتضمن بذاته هذا القيد، فلا يحتاج إلى التنصيص عليهم، يعني: مجرد كلمة التعبد تفيد أن هذا شيء يعتقدونه ويدينون الله به.
[ ١٩ / ١٠ ]
أنواع الكفر
أما بالنسبة لقضية الحاكمية، وما هو المناط الذي يترتب عليه الحكم بالكفر في هذه القضية: فقد سبق أن ذكرنا أن أصل الإيمان هو التصديق والانقياد، ومن لم يوجد في قلبه التصديق والانقياد فهو كافر، يقابل التصديق التكذيب أو الشك، كما يقابل الانقياد الإباء أو الإعراض.
ومن ثم فإن أنواع الكفر أربعة:
[ ١٩ / ١١ ]
كفر التكذيب
الأول: كفر التكذيب، كما قال الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف:٤٠].
[ ١٩ / ١٢ ]
كفر الإباء والاستكبار
الثاني: كفر الإباء والاستكبار، فهو لا يكذب الرسول، بل يعتقد أنه صادق، وأن الله أوحى إليه، لكن يكفر إباءً واستكبارًا عن متابعته، فهؤلاء الذين قالوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١]، كان هذا هو محل الاعتراض، فهذا هو الغالب على كفر أعداء الرسل عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام.
ومن كفر الإباء والاستكبار: كفر إبليس، هل إبليس كان يشك في أن الله هو الذي أمره بالسجود؟! كان إبليس يعلم أن الله هو الذي أمره بالسجود لكنه: ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤]، فهذا كفر الإباء والاستكبار.
فيمكن أن يعتقد الإنسان أن الله شرع رجم الزانية، لكنه يأبى ويستكبر أو يقدح في حكمة الله ﷿ في هذا التشريع، فهذا أيضًا يصير منضمًا إلى أخيه إبليس الذي سن له هذا النوع من الكفر.
كذلك كفر أبي طالب: استكبر عن أن يستمع الرسول ﵌، ومشهور عنه قوله وهو يمدح دين النبي ﵊: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحًا بذاك مبينا وأصر على عدم الانقياد لشريعة النبي ﵌ وهو يعتقد أنه صادق.
كذلك كفر من كانوا يعرفون النبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم من أهل الكتاب، وهذا حال اليهود بالذات.
وهناك حديث اليهودي الذي زنى بامرأة من اليهود، وقال يهودي من بينهم: هلموا إلى ذلك النبي -يعنون رسول الله ﷺ- الذي أتى بالتخفيف، هم علموا من طبيعة هذه الشريعة أنها تخفف كما قال الله: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف:١٥٧]، اليهود أنفسهم يعلمون هذه الخاصية من خصائص الإسلام، وهو أنه دين التيسير والسماحة والحنيفية السمحة، فلذلك قالوا: لا نرجمهم، بل نذهب إلى هذا النبي فإنه بعث بالتخفيف، فإن أفتانا بشيء دون الرجم أخذنا بكلامه، وحاججنا الله ﷿ يوم القيامة، وقلنا: نحن أخذنا بشريعة نبي من أنبيائك، وأنكروا أن يكون الله قد حكم عليهم بالرجم.
فالشاهد: أن هؤلاء كانوا يعرفون أن الرسول ﵊ رسول الله حقًا وصدقًا، لكن حسدًا من عند أنفسهم حسدوا هذه الأمة أن يصطفيها الله بأن يبعث منها هذا النبي الخاتم ﵌.
وفي قصة عبد الله بن سلام، وكان من أكبر علماء اليهود في المدينة، لما أسلم وهداه الله ﷿ إلى الإسلام أمره النبي ﵊ ألا يظهر إسلامه أمام أحبار وعلماء اليهود، فخرج إليهم النبي ﷺ وقد اختبأ عبد الله بن سلام ﵁، فوقف فيهم وقال: (أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، قال: فما تقولون إن أسلم؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج عليهم عبد الله بن سلام وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، والله إنه للنبي الذي تجدونه في التوراة، فقالوا: شرنا وابن شرنا، وأجهلنا وابن أجهلنا)! وأخذوا يسبونه ﵁.
فشأن اليهود الجحود، فهم يعرفون النبي ﵌ لكنهم حسدًا من عند أنفسهم يجحدون ولا يقرون.
وهذا فرعون كان كفره كفر استكبار وعناد وجحود، ففرعون كان يؤمن أن موسى رسول الله حقًا، والأدلة على ذلك معروفة في القرآن، مثل قول الله ﵎ حاكيًا: (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ)، يعني: يا فرعون، ونحن نصدق موسى ﵇ في خبره: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ﴾ [الإسراء:١٠٢]، يعني: الآيات، ﴿إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء:١٠٢]، وفي سورة النمل يقول الله ﷿ عن فرعون وقومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا﴾ [النمل:١٤]، كان عندهم يقين، ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]، فهذا هو فرعون، وهو من أكفر خلق الله، ومع ذلك كان يصدق موسى ﵇، لكن لم ينقد لدينه وما جاء به من الحق.
[ ١٩ / ١٣ ]
كفر الإعراض
الثالث: كفر الإعراض.
الإنسان يعرض عن الحق، لا يصدقه ولا يكذبه، ولا يواليه ولا يعاديه، بل لا يلتفت إليه ألبتة، وذلك كما قال أحد بني عبد ياليل للنبي ﷺ: إن كنت صادقًا فأنت أجل في عيني من أن أرد عليك، وإن كنت كاذبًا فأنت أحقر من أن أكلمك.
يعني: كأن القضية لا تهمه، وهذا حال أغلب الكفار الآن في العالم الغربي، فهم في الحقيقة لم يعودوا نصارى ولا يهودًا، وربما اليهود ما زالوا متمسكين في عامتهم، لكن النصارى هم الآن شر من اليهود، هم يصفون العصور الوسطى بأنها عصور الظلام.
وهم يعيشون الآن في ظلم أشد من ظلمة العصور الوسطى في الحقيقة، وهم الآن في عامتهم لا دين لهم، وأقرب ما يكونوا للوثنيين، وهذا يعلم من حال القوم، يقول الله ﷿: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل:٨٣ - ٨٤]، ويقول الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف:٣]، قضية الدين هذه مثل الأكل والشرب والألوان والروائح والمذاق والطعم، كل إنسان بالنسبة له هي قضية شخصية بينك وبين ربك، إن شئت أن تؤمن تؤمن، وإن شئت أن تكفر تكفر، تعتقد ما تشاء، وتفعل ما تشاء، قضية الدين ليست على بالهم أصلًا.
فهذا كفر الإعراض صاحبه لا يبالي ولا يبحث عن الحق، ولا يكلف نفسه حتى اتخاذ موقف الموالاة أو المعاداة، القضية لا تهمه في قليل ولا كثير.
فهذا كفر الإعراض.
[ ١٩ / ١٤ ]
كفر الشك
الرابع: كفر الشك، وهو كفر من ارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون، لا يصدقون ولا يكذبون، بل يقولون: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية:٣٢].
وهذا الشخص الذي يعاني من التردد والشكوك والذبذبة بين التصديق والتكذيب، ويتردد بين الظن وغيره إذا تدبر في آيات الله ﷿ فإنه يهتدي إلى اليقين في آيات الله ﷿، لكن إذا انضاف إليه الإعراض واستمر على إعراضه فيبقى في هذا التردد والشك.
بناءً على هذا الكلام نستطيع أن نوضح ونبين ما هو الأساس الذي نستطيع أن نحكم به على الشيء بأنه يكفِّر أو لا يكفِّر فيما يتعلق بقضية الحاكمية بسهولة ويسر، فيقال: إذا رجع الخلل إلى أحد الأصلين أو كليهما، أي: إذا رجع الخلل الذي نشأ في قضية الحاكمية إلى التصديق أو الانقياد فهذا كفر، لكن إن سلم للإنسان أصل التصديق والانقياد لشريعة الله فهذا يكون من الفروع.
هذه الحالة الأولى.
الحالة الثانية: إذا سلم أصل التصديق وبرئ من كفر التكذيب والشك، وإذا سلم أصل الانقياد وبرئ من كفر الإعراض وكفر الجحود والاستكبار والعناد؛ فالإنسان في قضية الحاكمية إذا سلم من هذه الأنواع الأربعة من الكفر، وحصل خلل في شيء من أمور الحاكمية، فما دام أنه سلم له أصل التصديق والانقياد فهذا يرجع إلى الفروع.
أما إذا حصل خلل في قضية التصديق والانقياد فهذا يرجع إلى العقيدة ويكون كفرًا أكبر.
فحالة الفروع تمس التصديق والانقياد، وحينئذٍ يصدق على فاعل هذا الشيء ما أثر عن السلف الصالح ﵏ ورضي الله عنهم من قولهم في تفسير قوله ﷿: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، قالوا: إن هذا ليس بالكفر الذي تذهبون إليه؛ أو ليس الكفر الذي ينقل عن الملة.
وبهذا يكون المناط المكفر في قضية الحاكمية له صورتان: الأولى: ما كان الخلل فيها راجعًا إلى أصل التصديق، وهذه هي صورة الجحود، والجحود في اللغة: هو الإنكار بعد العلم، فمن حكم بغير ما أنزل الله جحودًا لحكم الله فهو كافر بلا نزاع، وهذه الصورة تئول وترجع في النهاية إلى كفر التكذيب؛ لأنه يكذب بحكم الله ﷿.
الحالة الثانية: إذا كان الخلل راجعًا إلى أصل الانقياد، فهذه صورة الرد: أنه يرد حكم الله ﷿.
[ ١٩ / ١٥ ]
تفسير قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)
من كان حكمه بغير ما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، وقد قام بجمع الأقوال في تفسير الآية وتحقيقها الأخ علي حسن علي عبد الحميد الحلبي في كتاب أسماه: (القول المأمون في تخريج ما ورد عن ابن عباس في تفسير: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]).
ومجمل الكلام الذي نقل عن ابن عباس أو غيره: أن ابن عباس ﵄ سئل عن الآية، وكان أول ما نقل في كتب التفسير في الآية عن ابن عباس أنه كان يقول: من جحد بما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم فهو ظالم فاسق.
يعني: دون الكفر الأكبر.
فعلى هذا الأساس ممكن أن نتخذ هذه القاعدة التي وضعها ابن عباس ﵄ نبراسًا نرى في ضوئه رؤية صحيحة إلى الروايات الأخرى التي جاءت عنه في تفسير هذه الآية، فمثلًا: هو سئل في موضع آخر عن هذه الآية، فقال: إذا فعل ذلك فهو به كفر، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر وبكذا وبكذا، يعني: فاعله يسمى كافرًا، لكن يكون الكفر كما في الروايات الأخرى: ليس الكفر الذي تذهبون إليه، فليس كفرًا ناقلًا عن الملة.
ومعروف أن الكفر يطلق على المعاصي، والإيمان يطلق على شعب الإيمان أيضًا.
وهذا نظائره كثيرة، كقوله: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)، وقوله: (لا ترجعوا بعدي كفارًا).
وإلا نكون مثل الخوارج الذين يكفرون بأي شيء يطلق عليه لفظ الكفر.
يقول ابن عباس: إذا فعل ذلك فهو به كفر، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر.
هذا في من لم يخرج عن الملة في قضية الحاكمية.
أيضًا في رواية أخرى، قال: هي به كفر، وليس كفرًا بالله وملائكته وكتبه ورسله، وقال أيضًا: إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، إنه ليس كفرًا ينقل عن الملة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، كفر دون كفر.
أما ما جاء عن ابن مسعود ﵁ وعن الحسن أيضًا فنقل عنهم القرطبي وغيره أنهما قالا: هي عامة لكل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار، أي: معتقدًا ذلك ومستحلًا له، فأما من فعل ذلك وهو معتقد أنه مرتكب محرمًا فهو من فساق المسلمين، وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.
أما مجاهد فقال: من ترك الحكم بما أنزل الله ردًا لكتاب الله فهو كافر ظالم فاسق.
وقال أبو مجلز كما روى الطبري: أن ناسًا من بني عمرو بن سدوس سألوه عن آيات المائدة ليلزموه الحجة في تكفير الأمراء؟ هؤلاء كانوا من الإباضية فرقة من فرق الخوارج، أرادوا أن يلزموه بالتكفير، فسألوه عن الآية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، فقال: هو دينهم الذين يدينون به، وبه يقولون، الكلام هنا عن تطبيق الآية على الأمراء، والأمراء هؤلاء كانوا مسلمين وإن بغوا في بعض الأحكام أو ظلموا أو حادوا لغرض دنيوي فهم لا يكفرون بذلك، فيقول: هو دينهم الذين يدينون به وبه يقولون وإليه يدعون، فإن هم تركوا شيئًا منه عرفوا أنهم قد أصابوا ذنبًا.
وقال الطبري في تفسيره: إن الله تعالى عم بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه كافرون، يعني: الإمام الطبري قال: إنهم ينطبق عليهم الكفر الأكبر إذا كانوا جاحدين، كما ذكرنا في القاعدة التي قرأناها في بداية الكلام.
الانحراف في قضية الحاكمية إذا أحدث خللًا في أصل التصديق أو أصل الانقياد فهو كفر أكبر، وإن لم يمس التصديق والانقياد فهو كفر دون كفر، كذلك القول في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحدًا هو بالله كافر.
كما قال ابن عباس.
هذا كلام الطبري.
كذلك يقول: في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحدًا به هو بالله كافر، كما قال ابن عباس؛ لأنه بجحوده حكم الله بعد علمه أنه أنزله في كتابه نظير جحوده نبوة نبيه بعد علمه أنه نبي.
ويقول ابن الجوزي: وفصل الخطاب: أن من لم يحكم بما أنزل الله جاحدًا له وهو يعلم أن الله أنزله كما فعلت اليهود فهو كافر، ومن لم يحكم به ميلًا إلى الهوى من غير جحود فهو ظالم فاسق.
الرازي نقل قول عكرمة وصححه، وهو قوله في الآية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤٤]، قال: إنما يتناول من أنكر بقلبه، وجحد بلسانه، أما من عرف بقلبه كونه حكم الله، وأقر بلسانه كونه حكم الله إلا أنه أتى بما يضاده فهو حاكم بأمر الله تعالى، ولكنه تارك له فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية، وهذا هو الجواب الصحيح.
هذا كلام الرازي.
أما الحافظ ابن كثير ﵀ فقال عند قوله ﷿: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠]، قال: ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله تعالى المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الجهالات والضلالات، وكما يحكم به التتار من السياسات المأخوذة عن جنكيز خان الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن كتاب أحكام اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، حتى الياسق كان أفضل من القوانين الوضعية الآن؛ لأنه كان يأخذ من كتب أصلها سماوي، لكن الآن تؤخذ الشرائع والحلال والحرام من شرائع بشرية.
يقول: وهو عبارة عن كتاب أحكام اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعًا يقدمونها على الحكم بالكتاب والسنة، فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله ﷺ، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير.
هذا كلام الحافظ ابن كثير.
ونقل عند تفسير الآية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، ما روي عن ابن عباس وطاوس: من أنه ليس بالكفر الذي تذهبون إليه، وأنه ليس كمن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما روي عن ابن عباس من التفريق بين الجاحد والمقر.
فخلاصة الكلام الذي ذكره ابن كثير: أنه يفرق في القضية على أساس الجحود أو الإقرار، إن كان جاحدًا فهو كافر كفرًا أكبر، وإن كان مقرًا فهو كفر دون كفر.
أما الألوسي فقال ﵀: احتج الخوارج بهذه الآية على أن الفاسق كافر غير مؤمن، ووجه الاستدلال: أن كلمة (من) فيها عامة شاملة لكل من لم يحكم بما أنزل الله تعالى، فيدخل فيها الفاسق المصدق أيضًا؛ لأنه غير حاكم وعامل بما أنزل الله تعالى.
الخوارج أخذوا من الآية: أن الفاسق وإن كان مصدقًا بحكم الله فهو غير حاكم بما أنزل الله، واستدلوا بهذه الآية على تكفير الفاسق، وحتى ولو كان مصدقًا بحكم الله بمجرد عدم تطبيقه وحكمه بما أنزل الله.
يقول الألوسي: وأجيب: بأن الآية متروكة الظاهر، فإن الحكم وإن كان شاملًا لفعل القلب والجوارح لكن المراد به هنا عمل القلب وهو التصديق، ولا نزاع في كفر من لم يصدق بما أنزل الله تعالى، فإذا عرفنا أن المقصود بالتصديق هو التصديق الانقيادي، حينئذٍ ندرك أن عبارة الألوسي توافق القاعدة العامة التي ذكرناها.
معنى كلام الألوسي: أنه أجيب على الخوارج بأن الآية متروكة الظاهر؛ بأن الحكم وإن كان شاملًا لفعل القلب والجوارح، ولكن المراد به هنا عمل القلب وهو التصديق، ذكرنا من قبل عند كلامنا على حد الإيمان، ومعرفة الإيمان عند السلف، واختلافهم في معنى الإيمان، وأنه قول وعمل أو هو مجرد التصديق، وقلنا: يحمل كلام العلماء الذين قالوا: الإيمان هو مجرد التصديق، أنه لابد أن تضاف كلمة: التصديق الذي يستلزم الانقياد، أما مجرد التصديق فقد يقع في الشخص الذي هو متلبس بكفر الإعراض والاستكبار والجحود والعناد كما ذكرنا عن إبليس وفرعون وبني إسرائيل.
فمجرد التصديق لا يدخل في الإيمان، ولابد معه من الانقياد للشريعة، فمعنى كلام الألوسي: ولا نزاع في كفر من لم يصدق بما أنزل الله تعالى، يعني: التصديق الذي يوجب الانقياد.
أما المراغي ﵀ فيقول في تفسيره: وخلاصة المعنى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤٤]، مستبدلًا به منكرًا له كان كافرًا لجحوده به واستخفافه لأمره.
العلامة الشنقيطي ﵀ يقول في أضواء البيان: والظاهر المتبادر من سياق الآيات: أن آية: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] نازلة في المسلمين؛ لأنه تعالى قال قبلها مخاطبًا مسلمي هذه الأمة: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [المائدة:٤٤]، ثم قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، فالخطاب للمسلمين كما هو ظاهر متبادر من سياق الآية، وعليه فالكفر إما كفر دون كفر، وإما أن يكون فعل ذلك مستحلًا له، أو قاصدًا به جحد أحكام الله وردها مع العلم بها.
الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ أيضًا يقول في المنار: وقد استحدث كثير من المسلمين من الشرائع والأحكام نحو ما استحدث الذين
[ ١٩ / ١٦ ]
خلافات التكفير بين الاتجاهات الإسلامية المعاصرة
الكلام في هذه القضية له خلاف كبير بين الناس، وكل من ينتمي إلى الاتجاهات الإسلامية التي تجعل الإسلام مبدأها ومعادها والحاكم عليها، والخلاف فيها إنما هو خلاف نظري إلى حد بعيد.
فهناك اتفاق بين كل من ينتمي إلى هذا الدين وللدعوة الإسلامية على أن من كذب بحكم الله، أو رد حكم الله عنادًا واستكبارًا، فهذا كافر كفرًا أكبر خارج عن الملة، حتى الذين يعتقدون أن الإيمان هو التصديق، فهم لا يطيقون هذا التعبير، ويضيفون إليه ضابطًا وقيدًا هو: والتصديق الذي يستلزم الانقياد، والدليل على ذلك: حال المشركين والكافرين، فأئمة الكفر صدقوا أن الرسول رسول من عند الله، لكنهم لم ينقادوا لشرعه.
فالخلاف الذي يقع في هذه القضية هو الخلاف في ناحية التطبيق وليس في الناحية النظرية، وهذا ينبغي استصحابه عند مناقشة مواقف الجهات الإسلامية من قضية التكفير، فلابد أن يستحضر الإنسان أن الذي يخالف في هذه القضية هو لا يدافع عن الكفر، هو في الحقيقة يصف الكفر بأنه كفر، فلا نتصور مسلمًا أبدًا يصح له إسلامه وهو يعتقد أن من كذب بحكم الله، أو رد حكم الله، أو طعن في حكم الله يبقى له من الإسلام قيد شعرة، فهذا لا يختلف عليه، لكن الكلام هو في الجانب التطبيقي منه، وبالذات تطبيق صورة الرد، متى نحكم على شخص أنه رد حكم الله؟ التكذيب لا يقع إلا في النادر، والتكذيب الصريح يتحاشى الطواغيت الوقوع فيه، وإنما هم يستترون في الغالب وراء التكذيب المقنع، فمنهم من يصرح، ومنهم من يلمح، ومنهم من يلتمس وينتحل المعاذير.
فمن الظلم البين في هذه القضية ذلك السلاح الذي يشهره بعض أصحاب الاتجاهات، فهو عندما يشعر بالوحشة بسبب ما هو فيه من البدعة، فيحاول أن يستأنس ويزيل هذه الوحشة، بالذات إذا كان مخالفوه على شيء من العلم، فيحاول أن يمارس نوعًا من الإرهاب الفكري، ويشهر السيف المعروف وهو قاعدة: من لم يكفر الكافر فهو كافر، وسنأتي إلى ذلك بعد بالتفصيل، لكن هذه صورة من صور التكذيب: أنك إذا لم توافقه تصير أنت أيضًا كافر، إذا ما كفرت فلانًا باسمه فتصير أنت أيضًا كافر؛ لأن هذا يعني أنك راض بكفره، والرضا عن الكفر كفر.
وهذه مزلة خطيرة لابد للإنسان أن ينتبه في هذه الحال، فالشخص الذي يتورع عن التكفير هو لا يدافع عن الكفر، ولا يخاف على الحاكم بغير ما أنزل الله بقدر خوفه على نفسه هو؛ لأنه يستحضر حينئذ قول رسول الله ﷺ: (من قال لأخيه: يا كافر! فقد باء بها أحدهما)، إن أخطأ في هذا الأمر سوف يرتد إلى الكفر.
ونبهنا مرارًا: أن أولى الناس بالحذر والخوف والتورع في جانب التكفير هم الذين يعتقدون أنه ليس هناك كفر دون كفر؛ لأنه إذا أخطأ في تكفير شخص من المسلمين وهو في الحقيقة مسلم، فإن لم يكن كافرًا في الحقيقة فسوف يعود عليه حكم الكفر، لكن كيف يفهم هو هذا الحديث: (من قال لأخيه: يا كافر! فقد باء بها أحدهما، فإن كان كما قال وإلا حارت أو عادت عليه) هل هو يعتقد: أن هذا كفر دون كفر كما يعتقد أهل السنة والجماعة في من أخطأ في الحكم على غيره؟ لا، هو يعتقد أنه سيخرج من الملة، وسيصير مثل فرعون وهامان وقارون وغيرهم من أئمة الكفر، فلذلك هو أولى بالتورع؛ لأنه إذا أخطأ فسوف يدخل عليه -في نظره هو- كفرًا أكبر، فينبغي أن يكون حظه من الاحتياط والتورع أعظم من غيره ممن يعتقد أنه إذا أخطأ ستكون مجرد معصية.
فرفع سلاح: من لم يكفر الكافر فهو كافر.
هذه صورة من الإرهاب الفكري، وفي نفس الوقت صورة من الانحراف العلمي؛ لأنه هو غير راض بكفره؛ لأن الخلاف في الجانب التطبيقي فقط.
فما في شك أن من اشتبهت عليه قضايا مثل الحكم بالكفر ليس أمرًا هينًا، وإنما يترتب عليه من الآثار العظيمة في الدنيا والآخرة ما الله به عليم، ويكفي من بعض هذه الآثار في الدنيا فقط ما رأينا من وقوع القوم في استحلال كثير من المحرمات، وانتهاك الأعراض حينما يكفرون شخصًا، ويأخذون بعض نسائهم ويتزوجونهن، وهو غارق في وحل الكبيرة والفاحشة، ويتصور أنه يطبق حكم الله ﷿؛ لأن هذه امرأة رجل كافر، وهو أنقذها من أن تكون زوجة لهذا الكافر الذي يكفره هو، فيستحلون الأعراض والأرواح، والأموال، ومعروف في التاريخ التصفية الدموية التي كان يمارسها الخوارج المعاصرون من جماعة شكري مصطفى، وما أحدثوه من الفساد العريض في الأرض.
فهذا خطأ يترتب عليه سلوك عملي، وليس مجرد ترف فكري، أو خلاف شكلي، إنما الذي يترتب عليه استحلال كثير من المحرمات، فالتورع في هذا الباب لمن يخشى الزلل والسقوط أمر محمود، ولا ينبغي أن يعاقب ولا يلام عليه فضلًا عن وصفه بأنه ينطبق عليه: من لم يكفر الكافر فهو كافر.
فهو في الحقيقة يكفر الكافر كنوع، أما التعيين: فإذا قال الشخص مثلًا: أنا أقول ما يقوله العلماء، أو إذا وجد قضاء شرعي يحكم في هؤلاء بحكم الله، فهذا أحسن ما يتخلص به الإنسان من الوقوع في ورطة القول على الله ﵎ بغير علم.
فالحقيقة أن الخلاف التطبيقي إنما يكاد ينحصر في: كيف نحكم على الشخص أنه رد حكم الله؟ لأنه يندر جدًا أن تجد حاكمًا يصرح بأنه يكذب حكم الله، كذلك أيضًا يندر من تجده يطعن في حكم الله، ويصفه مثلًا بالرجعية أو الهمجية أو الوحشية، فإن عامة القوم يتحاشون من ذلك ويهربون إلى حيل أخرى، لكن الخلاف غالبًا يكون: على أي أساس نحكم على شخص بأنه رد حكم الله ﵎؟ ذكرنا: أن الرد عكس القبول، ومعنى هذا: أن شخصًا يعلن أنه لا يقبل الحكم بشريعة الله ﵎، وأنه لن ينقاد لهذه الشريعة في واقع الحياة، وهاتان هما صورتا الرد: أنه يعلن أنه لن يقبل الحكم بالشريعة، فهذه صورة مكفرة من صور الرد.
أيضًا: أنه لن يقبل الانقياد لهذه الشريعة في واقع الحياة، هذا في الواقع العملي له صور متعددة وأنواع متفاوتة، لكن كلها يجمع بينها هذا القدر.
أيضًا: قد يكون الرد متفاوتًا في درجة وضوحه؛ فبعض الناس يرد ردًا واضحًا وجليًا، ومنه أنواع دقيقة ملتبسة قد تخفى على عموم الناس وما بينهما درجات متفاوتة، ومنها ما يكون أقرب إلى النوع الأول وواضح جلي، ومنها ما يكون أقرب إلى النوع الثاني.
فمثلًا: لو أن رجلًا أعلن أن الشريعة الإسلامية غير مناسبة للتطبيق، أي: أنها لا تناسب هذا العصر، أو انتقدها، أو ندد ببعض الأحكام الشرعية، فلا خلاف بين اثنين أن هذه من أقبح صور الرد وأصرحها، وكل المسلمين يتفقون على كفر صاحبها، ولا يختلفون في ذلك طرفة عين.
فإن كان ثمة خلاف فالخلاف لن يتعلق بالأصول، وسوف يتعلق بالفروع والإجراءات كمدى اعتبار عارض الجهل بالنسبة لهؤلاء أو عدم اعتباره، لكن لا يختلفون أن هذا الفعل كفر أكبر، لكن هل هناك من عذر أو تأويل أو غير ذلك من العوارض التي أشرنا إليها من قبل؟ هذا هو محل الخلاف؛ لأن صور الرفض ليست بنفس الدرجة من الوضوح والصراحة، لذلك ينشأ الالتباس والنزاع بين الناس في هذه القضية.
أيضًا: بالنسبة لمسألة تحكيم القوانين الوضعية، وإظهار أحكام عامة ملزمة لكافة الناس تتقيد بها الأجيال الحاضرة والمستقبلة، وهذه الأحكام تكون معارضة لحكم الله ﷿، معطلة لحدوده، محلة لحرمته، وتقديم الحكم بها والتحاكم إليها على الحكم والتحاكم إلى الكتاب والسنة، بل والحلف والقسم على الإخلاص لها في الظاهر والباطن، هذه الصورة لا شك أنها صورة جلية من صور الرد والرفض لما أنزل الله ﵎.
أيضًا: بعض الناس قد يوردون هنا شبهة على هذا الوضع، فيقولون: إن هؤلاء ورثوا هذه الأحكام ممن قبلهم ولم يستأنفوها هم أو لم يفعلوها، كما أنهم أيضًا لم يعلنوا إلغاءها من ناحية، ولم يعلنوا رفضهم الكامل للشريعة من ناحية أخرى، فتجتمع فيهم على ما يظهر أمور متعارضة، فهم باستمساكهم بالقوانين الوضعية وتحكيمها في الأمة، وإلزام الأمة بها، وعقوبة الخارج على هذه القوانين قد تحقق فيهم ما تحقق لدى من استأنفوا إصدار هذه القوانين من رد ما أنزل الله ﵎، وهذا الرد أحد المناطين المكفرين في القضية.
أيضًا: هم حينما يعلنون الإيمان بالشريعة من جانب آخر، وأنهم يسعون إلى تطبيقها، ويشيدون بذلك في مختلف المناسبات، ويعتذرون عن التباطؤ في ذلك؛ لأنهم يريدون تهيئة الظروف وتحقيق الملاءمة السياسية وغير ذلك مما ينتحلونه أو ينتحل لهم من المعاذير عند من يحسن الظن بهم؛ تنتفي حينئذ دلالة الرد السابقة، ولا يحكمون عليهم بأنهم ردوا حكم الله، وإنما يلتمسون ويقبلون مثل هذه المعاذير.
فالناس ينقسمون في هؤلاء إلى أقسام عدة: فمنهم من يقضي باعتبارهم كفارًا مارقين؛ لأن الحال الظاهر يكذب ما يدعونه من العمل على التغيير، وأن هذا خداع للأمة لا غير، فهؤلاء إذا تحقق كذبهم في ادعاء التغيير، حينئذٍ يثبت في حقهم أنهم ردوا الأحكام الشرعية، وهذا كما ذكرنا من المناطات المكفرة.
لكن من الناس من صدق هذه المعاذير، وقضى باعتبارهم من أئمة الجور؛ لأنهم يعلنون الإسلام من ناحية ولا يتحقق في حالهم، ولم يثبت أنهم ردوا بالفعل الأحكام الشرعية من ناحية أخرى بناءً على ما يدعونه من السعي في التغيير وإعلان الإيمان بالشريعة، بل منهم من يغلو في إحسان الظن بالتصريحات التي يصدرونها فيعذرهم في تعويق الأحكام الشرعية بما يدعونه من المعاذير، فلا يشهد عليهم لا بكفر ولا بجور ولا بظلم، بل يعطيهم من الولاء ما يعطى للخلفاء الراشدين وأئمة العدل المهديين.
من الناس من يقضي باعتبارهم منافقين؛ لأنهم يظهرون خلاف ما يبطنون، ويسرون خلاف ما يعلنون.
هذا التباين في حكم الناس في هذه القضية يجد أن الأساس في الخلاف ليس هو في وصف الكفر بأنه كفر أو المعصية بأنها معصية، إنما الخلاف في تحقيق هذا الواقع، ومدى دقة كل طرف في رؤية الأحداث وتحليلها بهذه الدقة.
ففي الحقيقة هذا ليس خلافًا حول بعض أصول الدين حتى يكفر من يخالف في هذه المسائل التي ذكرناها، فالخلاف ليس راجعًا إلى قضية من أصول الدين؛ لأن كلًا منهم يعتقد أن من رد حكم الله، ومن كذب بحكم الله فهو كافر، فهذا موضع اتفاق بين جميع المسلمين ا
[ ١٩ / ١٧ ]