قد يختلف أهل السنة في بعض الأدلة على العذر بالجهل، ودلالتها على المقصود، لكنهم متفقون على أصل الدعوى، وقد استفاضت نصوصها لديهم وكثرت بينهم، وتحذيرهم من تكفير المعين بلا دليل أوضح من شمس النهار؛ لأن نتيجته الواقعية سيئة، سواء أكانت بالأقوال أم بالأفعال.
[ ٢٦ / ١ ]
مسائل في التوحيد اختلف في العذر فيها بالجهل
روى المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال سعد بن عبادة ﵁: (لو رأيت رجلًا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح عنه.
فبلغ ذلك رسول الله ﵌ فقال: أتعجبون من غيرة سعد؟! فوالله لأنا أغير منه، والله أغير مني، من أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا شخص أغير من الله، ولا شخص أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث الله المرسلين مبشرين ومنذرين، ولا شخص أحب إليه المدحة من الله، من أجل ذلك وعد الله الجنة).
يقول النبي ﵌ هنا في هذا الحديث: (ليس أحد أحب إليه العذر من الله تعالى) فالعذر هنا بمعنى الإنذار، أي أن الله ينذر الناس ويعذر إليهم قبل أن يؤاخذهم بالعقوبة، ولهذا بعث المرسلين، كما قال ﷾: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥].
وسنضيف هنا إلى ما سبق بعض المسائل التي يعذر فيها بالجهل والتي لا يعذر فيها بالجهل، ونذكر بعض المسائل التي قد تكون محل خلاف بين العلماء فيما يتعلق بهذه القضية، والنزاع فيها إنما هو مبني على تفسير وفهم بعض النصوص والأحاديث، وأشهرها حديث ذلك الرجل الذي أوصى بنيه أن يحرقوه.
[ ٢٦ / ٢ ]
حديث الرجل الذي أمر بنيه أن يحرقوه ويذروه
من تلك المسائل مسألة العذر بالجهل بعموم قدرة الله ﷿، وإنكار معاد الأبدان إذا تفرقت، فذلك الرجل جهل قدرة الله ﷿ العامة، وأنكر معاد الأبدان إذا فرقت، كما أوصى، وأساس اختلاف العلماء في هذه القضية مبني على تفاوت فهمهم وتفسيرهم لخطة ذلك الرجل.
ونص الحديث عن حذيفة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: (إن رجلًا حضره الموت، فلما يئس من الحياة أوصى أهله: إذا أنا مت فاجمعوا لي حطبًا كثيرًا، وأوقدوا فيه نارًا، حتى إذا أكلت لحمي وخلصت إلى عظمي فامتحشت فخذوها فاطحنوها، ثم انظروا يوم ريح فذروه في اليم.
ففعلوا، فقال له: لم فعلت ذلك؟ قال: من خشيتك، فغفر الله له)، وهذا الحديث رواه البخاري وغيره.
وقال عقبة بن عمرو: وأنا سمعته يقول ذاك: (وكان نباشًا).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فهذا الرجل ظن أن الله لا يقدر عليه.
يعني: هذا الرجل قد أسرف على نفسه في المعاصي، كما جاء في بعض الروايات الأخرى أنه أسرف على نفسه في خوض بعض المعاصي، حتى إذا حضره الموت خاف من لقاء ربه ﷿، وغلبت عليه خشيته من عذاب الله، وكان يظن أنه إذا فعل ذلك فإن الله لن يقدر على جمعه، فلذلك أوصاهم هذه الوصية، كما يفعل الهنود من الإحراق بعد الموت، فأوصاهم أن يحرقوه حتى يمتحش تمامًا وتخلص النار إلى عظمه، ثم يأخذوا ما تبقى من رماده وينتظروا يومًا ذا ريح، وفي بعض الروايات أنه قال: (ألقوا جزءًا منها في البر، وجزءًا في البحر، وجزءًا في الجو) أي: في الهواء، فجمعه الله ﵎ وسأله لما مثل بين يديه: لم فعلت ذلك؟! فقال: من خشيتك.
فغفر الله ﵎ له.
فالشاهد أن هذا الرجل قد غفر الله له، فدل على أن هذا الرجل لم يمت مشركًا؛ لأن الله ﷿ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:١١٦].
وهذا الاعتقاد الذي اعتقده ينبئ عن أنه كان يجهل أن الله على كل شيء قدير، وكان يجهل قدرة الله عليه، لذا أوصى بأن يفعل به ما فعل، ظنًا منه أنه إذا ذهب جزء منه في البحر، وجزء في البر، وجزء في الهواء فإن الله لا يقدر على جمعه، والشك في قدرة الله ﵎ كفر أكبر، لكنه كان يجهل ذلك على تفسير فريق من العلماء الذين استدلوا بهذا الحديث على الإعذار بالجهل، وبعضهم عمم فقال: يعذر بالجهل عمومًا في العقيدة، وبعضهم خص الإعذار بالجهل في الصفات.
فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فهذا الرجل ظن أن الله لا يقدر عليه إذا تفرق هذا التفرق، فظن أنه لا يعيده إذا صار كذلك، وكل واحد من إنكار قدرة الله تعالى وإنكار معاد الأبدان وإن تفرقت كفر، لكنه مع إيمانه بالله وإيمانه بأمره وخشيته منه جاهل بذلك، ضال في هذا الظن مخطئ، فغفر الله له ذلك.
يقول شيخ الإسلام: والحديث صريح في أن الرجل طمع أن لا يعيده إذا فعل ذلك، وأدنى ذلك أن يكون شاكًا في المعاد، وذلك كفر إذا قامت حجة النبوة على منكره، وهو بين في عدم إيمانه بالله تعالى.
لأن بعض الذين يريدون إبطال دلالة هذا الحديث يقولون: قوله: (فوالله لئن قدر الله علي) هو مثل قوله ﵎: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد:٢٦]، يعني: لئن ضيق الله علي.
أو هو كمثل قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء:٨٧] يعني: لن نضيق عليه، ولن نبتليه، ولن نمتحنه.
وهذا -في الحقيقة- يفسد معنى الحديث؛ لأن معناه يصير: فوالله لئن ضيق الله علي ليضيقن علي.
يقول شيخ الإسلام: من تأول قوله: (لئن قدر الله علي) بمعنى (قضى) أو بمعنى (ضيق) فقد أبعد النجعة وحرف الكلم عن مواضعه، فإنه إنما أمر بتحريقه وتفريقه؛ لئلا يجمع ويعاد.
السبب في هذا كله: أنه ظن أنه بذلك -والعياذ بالله- سوف يعجز الله عن أن يجمعه ويعيده ويحاسبه، وقال: (إذا أنا مت فاحرقوني، ثم اسحقوني، ثم ذروني في الريح في البحر)، أي: أنا آمركم بذلك حتى لا يجمعني الله، فوالله لئن قدر الله علي وعلى جمعي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا، فذكر هذه الجملة الثانية بحرف الفاء عقب الأولى، وهذا يدل على أنها سبب لها، فهذه فاء السببية، حيث فعل ذلك لئلا يقدر الله عليه، فلو كان مقرًا بقدرة الله عليه إذا لم يفعل ذلك لم يكن في ذلك فائدة له.
وكلام الحافظ ابن حزم في هذه المسألة هو شجى في حلوق الذين ينحون منحى عدم الإعذار بالجهل في هذه القضايا.
يقول ابن حزم: فهذا إنسان جهل إلى أن مات أن الله ﷿ يقدر على جمع رماده وإحيائه، وقد غفر له لإقراره وخوفه وجهله، وقد قال بعض من يحرف الكلم عن مواضعه: إن معنى (لئن قدر علي) إنما هو: لئن ضيق الله علي.
كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر:١٦]، وهذا تأويل باطل؛ لأنه سيكون معناه حينئذ: لئن ضيق الله علي ليضيقن علي.
وأيضًا: لو كان هذا لما كان لأمره بأن يحرق ويذر رماده معنى، ولا شك في أنه إنما أمر بذلك ليفلت من عذاب الله تعالى، فهذا من الأحاديث المشهورة في هذا الباب.
ومن أهل العلم من استشكل المغفرة لهذا الرجل مع إنكاره للبعث والقدرة، حتى قال بعض العلماء: إنما قال ذلك الرجل هذا في حال الدهشة وغلبة الخوف عليه حتى ذهب هذا الخوف بعقله لما يقول.
يقول الحافظ ابن حجر ﵀: وأظهر الأقوال أنه قال ذلك في حال دهشة وغلبة الخوف عليه حتى ذهب بعقله لما يقول، ولم يكن قاصدًا لحقيقة معناه، بل في حالة كان فيها كالغافل والذاهل والناسي الذي لا يؤاخذ بما صدر منه.
وقال الخطابي ردًا على من تأول هذا الحديث على غير وجهه فإن قلت: كيف يغفر له وهو منكر بالقدرة على الإحياء؟! قلت: ليس بمنكر؛ إنما هو رجل جاهل ظن أنه إذا صنع به هذا الصنيع ترك فلم ينشر ولم يعذب، وحيث قال: (من خشيتك) علم منه أنه رجل مؤمن فعل ما فعل من خشية الله، ولجهله حسب أن هذه الحيلة تنجيه.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أيضًا: فهذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلًا لا يعلم ذلك، وكان مؤمنًا يخاف الله أن يعاقبه، فغفر له بذلك.
فهذا الحديث من أشهر الأدلة التي استدل بها من عذر بالجهل في قضية في قضايا الأصول أو قضايا الإيمان، وبعضهم -كما ذكرنا- خصها بقضايا العقيدة.
[ ٢٦ / ٣ ]
حديث عائشة (مهما يكتم الناس يعلمه الله)
ومن نفس هذا الباب الحديث المروي عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أنها قالت: (ألا أحدثكم عني وعن رسول الله ﵌؟! قلنا: بلى.
قالت: لما كانت ليلتي التي النبي ﷺ فيها عندي انقلب -أي: رجع إلى البيت- فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه واضطجع، فلم يلبث إلا ريثما ظن أني قد رقدت، فأخذ رداءه رويدًا، وفتح الباب رويدًا، فخرج ثم أجافه رويدًا، فجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري) أي: ظنت أن الرسول ﵊ لما اطمأن إلى أنها قد نامت خرج يريد أن يذهب إلى أخرى من أمهات المؤمنين (ثم انطلقت على أثره، حتى جاء البقيع فقام فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاثًا، ثم انحرف وانحرفت) أي: لما أحست أنه على وشك الرجوع من حيث جاء انحرفت هي -أيضًا- وغيرت اتجاهها (وأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر -تردد النفس بسرعة في الصدر- فأحضرت، فسبقته فدخلت، فليس إلا أن اضطجعت) أي: أرادت أن تهرب منه حتى لا يشعر بذلك، فاضطجعت على الفراش بسرعة، ونتيجة للإسراع في الجري كانت تتنفس تنفسًا سريعًا متتابعًا، فقال النبي ﷺ لما دخل ووجدها على الفراش وصدرها يعلو ويهبط في التنفس قال: (ما لك يا عائشة حشيا رابية؟! قالت: لا شيء.
قال: لتخبرني، أو ليخبرني اللطيف الخبير.
قالت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي.
فأخبرته، قال: فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟! قلت: نعم.
فلهزني في صدري لهزة أوجعتني، ثم قال: أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله - أي: أظننت أن الرسول ﵊ يضيع حقك؟! - قلت: مهما يكتم الناس يعلمه الله؟! قال: نعم)، رواه مسلم والنسائي والإمام أحمد وغيره.
وموضع الشاهد في الحديث عندما نحتج به في المسألة التي نحن بصددها هو السؤال الذي في آخر الحديث، وهو قولها: (مهما يكتم الناس يعلمه الله؟!) أي: هل كل ما يكتمه الناس في قلوبهم يعلمه الله؟! قال: (نعم، فبعض العلماء فهموا أن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها لم تكن تعلم هذه الحقيقة، وكانت تجهل هذه الصفة من صفات الله ﵎، وهي أن الإنسان مهما كتم في صدره فإن الله يعلم ذلك، فهذا موضع الشاهد، ولكن في النفس شيء من هذا الاستدلال؛ لأنه يصعب جدًا أن نتصور أن أم المؤمنين ﵂وهي التي تربت في بيت أبي بكر، ثم كانت في بيت النبوة تلك الفترة من الزمن- تجهل مثل هذه الحقيقة التي ينطق بها القرآن صباح مساء في جميع المحافل، فيبعد هذا الأمر في الحقيقة، ولا يكون هذا السؤال على حقيقته، ويؤول عن ظاهره، لكن الذين قالوا بهذا هم من كبار أئمة الإسلام، وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فهو الذي استدل بهذا الحديث على هذه المسألة، فتكفينا صحة الدعوى وإن لم تستقم له الدلالة.
أي أن المسألة نفسها -وهي الإعذار بالجهل في هذه الأمور وإن كانت من أمور العقيدة- ثابتة، وإن لم يصح هذا الاستدلال فهناك أدلة أخرى، كالحديث الذي ذكرناه آنفًا، وما سيأتي إن شاء الله، لكن قد يحصل نزاع في الاستدلال نفسه لا في صحة الدعوى، ولذا سنتلوا كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، حيث يقول: (فهذه عائشة أم المؤمنين سألت النبي ﷺ: هل يعلم الله كل ما يكتم الناس؟ فقال لها النبي ﵌: (نعم)، وهذا يدل على أنها لم تكن تعلم ذلك، ولم تكن قبل معرفتها بأن الله عالم بكل شيء يكتمه الناس كافرة، وأن الإقرار بذلك بعد قيام الحجة من أصول الإيمان، وإنكار علمه بكل شيء كإنكار قدرته على كل شيء).
فهذا فيما يتعلق بهذا الدليل والكلام فيه.
[ ٢٦ / ٤ ]
حديث أبي واقد: (اجعل لنا ذات أنواط)
من الأدلة المشهورة حديث أبي واقد الليثي ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم -أي: يعلقون فيها الأسلحة للتبرك- يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﵌: (الله أكبر! إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف:١٣٨]، لتركبن سنن من كان قبلكم).
قال بعض العلماء: إن هذا الحديث إنما هو في مسلمة الفتح الذين كانوا حديثي عهد بالإسلام، ولم يكونوا قد تلقوا قدرًا كبيرًا من التربية النبوية، ولم يتعلموا كل أمور التوحيد، فحينئذ طلبوا من النبي ﵌ شجرة يعكفون عندها ويعلقون بها أسلحتهم، ويتبركون بها كما يفعل المشركون سواء بسواء، فما كفرهم النبي ﷺ وآله وسلم، ولم يقم عليهم حد الردة، وإنما علمهم ما جهلوه، وأخبرهم أن ما سألوه هو مما يخدش عقيدتهم، وهو مثلما سألت بنو إسرائيل موسى ﵇، فكفر مقالتهم ولم يكفر أعيانهم.
[ ٢٦ / ٥ ]
حديث حذيفة: (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب)
من الأدلة حديث ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان مرفوعًا إلى النبي ﵌ قال: (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، وليسرى على كتاب الله ﷿ في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة (لا إله إلا الله) فنحن نقولها) قال صلة بن زفر لـ حذيفة: ما تغني عنهم (لا إله إلا الله) وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟! فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها ثلاثًا، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: تنجيهم من النار، تنجيهم من النار، تنجيهم من النار.
فقوله ﵊ هنا: (يدرس الإسلام) يعني: تنمحي معالمه وتضيع (كما يدرس وشي الثوب) يعني: حينما يصبح الثوب خلقًا تضيع الألوان والرسوم التي فيه، وكذلك الإسلام بمرور الوقت يجئ عليه زمن غربة وجهل عظيم بالدين، حتى يصل هذا الأمر إلى أن الناس لا يدرون ما هو الصيام، ولا ما هي الصلاة، ولا ما الصدقة، ولا ما هو النسك، ثم قال: (وليسرى على كتاب الله ﷿ في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية) وهذا مما تنبأ به النبي ﷺ، وهو أن القرآن سوف يرفع من الأرض والصدور ولا يبقى منه آية في الأرض، قال: (وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز)، والشيء الوحيد الذي يبقى لهم هو أنهم يقولون: لا إله إلا الله (يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة فنحن نقولها)، فقال صلة بن زفر -كما هؤلاء الذين لا يعذرون بالجهل في مثل هذا-: ما تغني عنهم (لا إله إلا الله) وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا نسك؟! فأعرض عنه حذيفة وهو يكررها عليه ثلاثًا، ثم رد حذيفة أيضًا بثلاث مرات فقال: تنجيهم من النار، تنجيهم من النار، تنجيهم من النار.
فهذا -أيضًا- دليل على الإعذار بالجهل حينما يرفع العلم ويفشو الجهل، ولا يبقى للناس شيء يعلمونه من الإسلام غير كلمة التوحيد، فهم يجهلون الصيام والصلاة والصدقة فضلًا عن بقية أركان الدين، وهذا ما استدل به من لا يكفر تارك الصلاة، لقوله: تنجيهم من النار.
وحديث حذيفة هذا يبين القدر الأدنى من النجاة، ومعنى ذلك أن هؤلاء القوم مع ما هم فيه ليسوا من المشركين؛ لأن كلمة التوحيد تنجيهم من النار كما بين حذيفة رضي الله ﵎ عنه، وبعض الناس دفع هذا الاستدلال قائلًا: كيف نقول: إن هؤلاء الناس إنما كانوا معذورين؛ في حين أن القرآن رفع وما بقي منه شيء؟! ونقول: نعم، لكن موضع الاستدلال ما زال قائمًا، وهو أدنى ما ينجي الناس من النار ويدخلهم الجنة، وهو جود الإقرار بهذه الكلمة، فمن أجل ذلك تنجيهم من النار.
[ ٢٦ / ٦ ]
سجود معاذ للنبي ﷺ بعد رجوعه من الشام
وفي حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: (لما قدم معاذ من الشام سجد للنبي ﷺ، قال: ما هذا يا معاذ؟! قال: أتيت الشام فوافيتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوددت في نفسي أن أفعل ذلك لك.
فقال رسول الله ﵌: لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، والذي نفس محمد بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها، ولو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه)، وقوله: (وهي على قتب) يعني: على ظهر الجمل.
فبعض العلماء قالوا: إنه كان يفهم هذا الحديث على ظاهره، أي أن معناه أنه لو كانت المرأة على قتب لا تمتنع من زوجها، لكن جاء التفسير بما هو أشد من ذلك، وهو أن العرب إذا كانت المرأة فيهم على وشك الوضع وتعسرت ولادتها كانوا يرون أن جلوسها على الجمل يسهل الولادة، فجاء التفسير بما هو أشد، فيا ويل النساء النواشز اللائي يستهن بطاعة الزوج وأداء حقه، فقوله: (لو سألها نفسها وهي على قتب) معناه: وهي في حالة الوضع.
يقول الشوكاني رحمه الله تعالى في فوائد هذا الحديث: وفيه أن من سجد جاهلًا لغير الله لا يكفر.
وقد يورد على هذا الاستدلال أن السجود على أنواع، وربما وجدت أدلة في القرآن تبين ذلك، كما أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم ﵇، وهناك سجود التحية والإكرام، وربما استدل لذلك بقوله تعالى في سورة يوسف ﵇: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف:١٠٠] فهو سجود الانحناء أو التحية، وليس سجود العبادة.
[ ٢٦ / ٧ ]
قول الجارية (وفينا نبي يعلم ما في غد)
ومما استدل به على ما نحن بصدده حديث الربيع بنت معوذ بن عفراء ﵂ قالت: (جاء النبي ﷺ فدخل حين بُني علي، فجلس على فراشي كمجلسك مني، فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف ويندبن من قتل من آباء يوم بدر، إذ قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد.
فقال: دعي هذه وقولي بالذي كنت تقولين)، رواه البخاري.
فكأن النبي ﵊ هنا أمرهن بأن يعدلن عما يقلن من نسبة علم الغيب لغير الله ﷿ إلى ما كن يقلن مما ليس فيه هذا، فهذا نوع من التعليم وإبطال هذا الاعتقاد الفاسد.
وأجاب الفريق الآخر الذين لا يعذرون وقالوا: إن هذا الحديث في جويريات صغيرات غير مكلفات.
وبعضهم قال: إن المقصود بهذا أنه يعلم ما في غد عن طريق إخبار جبريل ﵇ بالوحي، والله تعالى أعلم.
[ ٢٦ / ٨ ]
قول الرجل للنبي ﷺ: (ما شاء الله وشئت)
وهنا استدلال آخر، وهو حديث ابن عباس ﵄ أن رجلًا جاء رسول الله ﷺ وقال له: ما شاء الله وشئت؟ فقال ﷺ: (أجعلتني لله ندًا؟! ما شاء الله وحده)، واستدل به -أيضًا- من لا من يعذرون بالجهل في هذه الأمور، وإن كان قد يستدل به أيضًا على العكس؛ لأن قول الإنسان: توكلت على الله وعليك، أو: أرجو التيسير من الله ومنك قولٌ يوهم الندية والمساواة، وبين ﷺ المخرج من ذلك بأن يعطف الإنسان بـ (ثم) لا بالواو؛ لأن (ثم) تقتضي التراخي والتأخير في الرتبة، فهذا هو المخرج، فهذا لو سمي شركًا فكأنه يكون شركًا عمليًا وليس شركًا حقيقيًا أكبر، فقد يكون -أيضًا- في الاستدلال بهذا الدليل نظر.
[ ٢٦ / ٩ ]
نصوص العلماء في قضية العذر بالجهل
ويلحظ هنا أننا لم نسهب في ذكر الأدلة من القرآن؛ لأن أكثر الذين تكلموا في قضية العذر بالجهل وانتصروا للإعذار بالجهل يستدلون بأدلة لا علاقة لها بالمسألة التي تهمنا؛ إذ هذه الأدلة التي استدلوا بها هي في عموم الناس وفي الكفار الأصليين، أما قضيتنا فهي في رجل مسلم دخل في الإسلام وارتكب فعلًا من أفعال الشرك وهو يجهل أن هذا شرك، ولم يبلغه أن هذا شرك، فعامة الذين يتكلمون في العذر بالجهل يستدلون -مثلًا- بقوله ﵎: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، وغيرها من الآيات، كقوله ﷿: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه:١٣٤]، وقوله ﵎: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ﴾ [الملك:٨ - ٩] إلى آخر الآية، كذلك قوله ﷿: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٧١].
فالشاهد أن هذه الآيات في الكفار، أما موضوعنا فهو موضوع خارج عن قضية الكفار، فموضوعنا هو في قضية مسلم ارتكب فعلًا من أفعال الشرك أو الكفر وهو يجهل، فالفرق بين المسلم والكافر: أن هذا المسلم أقر الإقرار المجمل بـ (لا إله إلا الله محمد رسول الله) قبل أن يبدأ في الانقياد لله واتباع رسوله ﵊، فالذين لا يعذرون يقولون: إن الميثاق الذي أخذه الله من قبل على ذرية بني آدم -كما جاءت بذلك الأحاديث والآية في سورة الأعراف- يكفي.
وفريق آخر استدلوا بأن الإنسان فطر على التوحيد، لقوله ﷺ: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه)، أو بأن العقل يهدي أيضًا إلى التوحيد.
والجواب عن هذا كله أن هذه الأشياء لا تثبت تفضلًا من الله ﷿، ولا يحاسب الإنسان عليها حتى تبلغه الحجة الرسالية، ولم يعول الشرع في ذلك لا على الميثاق الأول ولا على الفطرة أو العقل، وإنما أوقف العذاب على بلوغ الحجة الرسالية التي يكفر تاركها.
ومن الأدلة التي استدلوا بها من القرآن قوله تعالى عن الحواريين: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة:١١٢] إلى آخر الآية في سورة المائدة، فوقف من يعذرون بالجهل عند قوله تعالى عن الحواريين: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ [المائدة:١١٢]، والقرآن أثنى على الحواريين، وكأن الحواريين كان عندهم شك في قدرة الله على أن يفعل ذلك، وفي الآية -أيضًا- أخذ ورد من حيث الاستدلال.
[ ٢٦ / ١٠ ]
أقوال العلماء في العذر بالجهل
يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: لله أسماء وصفات لا يسع أحدًا ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه فإنه يعذر بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الرؤية والفكر.
وقال ابن العربي رحمه الله تعالى: الطاعات كما تسمى إيمانًا كذلك المعاصي تسمى كفرًا، لكن حيث يطلق عليها الكفر لا يراد به الكفر المخرج عن الملة، فالجاهل والمخطئ من هذه الأمة ولو عمل من الكفر والشرك ما يكون صاحبه مشركًا أو كافرًا فإنه يعذر بالجهل والخطأ حتى تتبين له الحجة التي يكفر تاركها بيانًا واضحًا لا يلتبس على مثله وينكر ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام مما أجمعوا عليه إجماعًا قطعيًا يعرفه كل من المسلمين من غير نظر وتأمل كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى، ولم يخالف في ذلك إلا أهل البدع.
وقال الحافظ ابن حزم رحمه الله تعالى: صح أنه لا يكفر أحد حتى يبلغه أمر النبي ﵌، فإذا بلغه فلم يؤمن به فهو كافر، فإن آمن به ثم اعتقد ما شاء الله أن يعتقده في نحلة أو فتيا أو عمل، أو عمل ما شاء الله أن يعمله دون أن يبلغه في ذلك شيء عن النبي ﷺ حكم بخلاف ما اعتقد أو قال أو عمل فلا شيء عليه أصلًا حتى يبلغه، فإن بلغه وصح عنده فإن خالفه مجتهدًا فيما لم يتبين له وجه الحق في ذلك فهو مخطئ معذور مأجور مرة واحدة، كما قال ﵇: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر)، وكل معتقد أو قائل أو عامل فهو حاكم في ذلك الشيء، وإن خالفه بعلمه معاندًا للحق معتقدًا بخلاف ما عمل به فهو مؤمن فاسق، وإن خالفه معاندًا بقلبه أو قوله فهو مشرك كافر، سواء في ذلك المعتقدات والفتيا للنصوص التي أوردناها، وهو قول إسحاق بن راهويه، وبه نقول وبالله التوفيق.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أنا من أعظم الناس نهيًا أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرًا تارة، وفاسقًا أخرى، وعاصيًا أخرى، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية.
وقال الإمام ابن القيم ﵀: إن العذاب يستحق بسببين: أحدهما: الإعراض عن الحجة وعدم إرادتها والعمل بها وبموجبها، والثاني: العناد لها بعد قيامها وترك إرادة موجبها، فالأول كفر إعراض، والثاني كفر عناد، فأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل.
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما ونعذرهم لأجل جهلهم وعدم من ينبههم فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا ولم يكفر ولم يقاتل؟! سبحانك هذا بهتان عظيم.
ويقول القرطبي رحمه الله تعالى: فكما أن الكافر لا يكون مؤمنًا إلا باختياره الإيمان على الكفر، كذلك لا يكون المؤمن كافرًا من حيث لا يقصد الكفر ولا يختاره بالإجماع.
وقال الشوكاني ﵀: لا اعتبار بما وقع من فوارق عقائد الشرك، لا سيما مع الجهل بمخالفتها لطريقة الإسلام، ولا اعتبار بصدور فعل كفري لم يرد به فاعله الخروج عن الإسلام إلى ملة الكفر، ولا اعتبار بلفظ تلفظ به المسلم يدل على الكفر وهو لا يعتقد معناه.
فهذه نصوص عن بعض العلماء في هذه القضية، أما هؤلاء الذين لم تبلغهم الدعوة على وجهها وماتوا فقد ذكر العلماء أنهم فريقان، فمنهم من أطلق القول بعذرهم، وأن الرحمة تشملهم ابتداء، حتى قال الإمام أبو حامد الغزالي ﵀: بل أقول: إن أكثر نصارى الروم والترك في هذا الزمان تشملهم الرحمة إن شاء الله تعالى، أعني الذين هم في أقاصي الروم والفرس ولم تبلغهم الدعوة، فإنهم ثلاثة أصناف: الصنف الأول: لم يبلغهم اسم محمد ﷺ أصلًا، فهم معذورون.
الصنف الثاني: بلغهم اسمه ونعته، وما ظهر عليه من المعجزات، وهم المجاورون لبلاد الإسلام والمخالطون لهم، وهم الكفار الملحدون.
الصنف الثالث: هم بين الدرجتين، بلغهم اسم محمد ﷺ ولم يبلغهم نعته وصفته، بل سمعوا -أيضًا- منذ الصبا أن -والعياذ بالله- كذابًا اسمه محمد ادعى النبوة، كما سمع صبياننا أن كذابًا يقال له: المقفع بعثه الله تحديًا بالنبوة كاذبًا.
يقول الغزالي: فهؤلاء عندي في معنى الصنف الأول، فإنهم مع أنهم لم يسمعوا اسمه سمعوا ضد أوصافه، وهذا لا يحرك النظر في الطلب.
فهذا كلام الغزالي في فيصل التفرفة بين الإيمان والزندقة.
ومنهم من قال في هذا الصنف: يمتحنون في عرصات يوم القيامة، وصحت النصوص في ذلك كما أشرنا إليها من قبل، وذهب إلى القول به عدد كبير من أهل العلم، كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن حجر وابن حزم وابن كثير والبيهقي، ونسبه أبو الحسن الأشعري إلى أهل السنة والجماعة، واستدلوا بحديث النبي ﷺ: (أربعة يوم القيامة يدلون بحجة: رجل أصم لا يسمع، ورجل أحمق، ورجل هرم، ومن مات في الفترة، فأما الأصم فيقول: يا رب! جاء الإسلام وما أسمع شيئًا.
وأما الأحمق فيقول: جاء الإسلام والصبيان يقذفونني بالبعر.
وأما الهرم فيقول: لقد جاء الإسلام وما أعقل.
وأما الذي مات على الفطرة فيقول: يا رب! ما أتاني رسولك.
فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم رسولًا أن: ادخلوا النار.
قال: فوالذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا).
قال الحافظ ابن كثير ﵀ بعد أن ساق النصوص التي تشير إلى امتحان هؤلاء في عرصات يوم القيامة: وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها، وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة الشاهد بعضها لبعض، وهذا القول هو الذي حكاه الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عن أهل السنة والجماعة، وهو الذي ذكره الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب الاعتقاد، وكذلك غيره من محققي العلماء والحفاظ والنقاد.
وأجاب عمن ضعفوا هذه الأحاديث بقوله: إن أحاديث هذا الباب -التي هي امتحان أهل الفترة يوم القيامة- منها ما هو صحيح، كما قد نص على ذلك كثير من أئمة العلماء، ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف يتقوى بالصحيح والحسن، وإن كانت أحاديث الباب الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط أفادت الحجة عند الناظر فيها.
وقال الحافظ ابن حزم ﵀: أما من لم يبلغه ذكره ﷺ فإن كان موحدًا فهو مؤمن على الفطرة الأولى صحيح الإيمان لا عذاب عليه في الآخرة، وهو من أهل الجنة، وإن كان غير موحد فهو من الذين جاء النص بأنه يوقد لهم نار يوم القيامة فيؤمرون بالدخول فيها، فمن دخلها نجى، ومن أبى هلك.
وقال الشنقيطي رحمه الله تعالى: الظاهر أن التحقيق في هذه المسألة -التي هي: هل يعذر المشركون بالفترة أو لا - هو أنهم معذورون بالفترة في الدنيا، فوجه الجمع بين الأدلة هو عذرهم بالفترة، وأن الله يوم القيامة يمتحنهم بنار يأمرهم باقتحامها، فمن اقتحمها دخل الجنة، وهو الذي كان يصدق الرسل لو جاءته في الدنيا، ومن امتنع دخل النار وعذب فيها، وهو الذي كان يكذب الرسل لو جاءته في الدنيا؛ لأن الله يعلم ما كانوا عاملين لو جاءتهم الرسل، فبهذا الجمع تتفق الأدلة، فيكون أهل الفترة معذورين، وقوم منهم من أهل النار بعد الامتحان، وقوم منهم من أهل الجنة بعده أيضًا.
[ ٢٦ / ١١ ]
قيام الحجة وشروطها ومعناها
[ ٢٦ / ١٢ ]
قيام الحجة على المعين
هذا في الحقيقة هو من موارد الاجتهاد والنزاع بين العلماء، وذلك عندما يعين بعض الناس شخصًا باسمه ويقولون: فلان معذور أم غير معذور؟ وفي هذه القضية بعينها أقامت عليه الحجة أم لم تقم؟ فإذا ثبت أصل العذر بالجهل فالمنازعة قد تقع في قضية بعينها، أو بالنسبة لشخص بعينه، فهذا مما تتفاوت فيه التقديرات، وهو من موارد الاجتهاد -أيضًا- بلا نزاع، حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أشار إلى هذا في بعض كتبه فقال: إن الشخص إذا دفع الحكم بالكفر عن شخص معين يعتقد إسلامه ويحسن الظن به -أي: ويكون قد أخطأ بالفعل في هذه القضية- فإنه لا يكون آثمًا في ذلك، بل هو مثاب لحسن ظنه في أخيه المؤمن، بل استدل على ذلك بقوله ﷺ: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد) وخطؤه معفو عنه.
فإذًا: هذا يؤكد أنه إذا كانت هناك شبهة الكفر فالأولى أن تدفع شبهة الكفر عن آحاد المسلمين من أن تدرأ الحدود عنهم بالشبهات؛ لأن عواقب حكم الكفر أخطر من إقامة الحد خطأً، إذ قد ندبنا إلى الاحتياط في إقامة الحدود، كما قال ﵊: (ادرءوا الحدود بالشبهات، فلأن يخطئ الولي في العفو خير من أن يخطئ في القصاص) فأدنى شبهة تبطل الحد فلا يقام، فينبغي للإنسان أن يتورع ولا ينظر إلى قضية الجرأة على التكفير على أنها نوع من البطولة والشجاعة والاعتزاز بالدين.
وفي الحقيقة أنه ينبغي أن تخاف على نفسك أكثر مما تخاف على هذا الشخص الذي يكون محل النزاع، فالمسألة ليست في أنك راض بكفره، بل لابد من أن تصف الكفر بأنه كفر، أما قضية الإجراءات فإنها توكل إلى أهل العلم، والأحوط أن تكل الأمر إلى أهل العلم في الجزم عند التعيين وتخاف على نفسك؛ لأنك إذا أخطأت في الحكم بالكفر فإنه تحور عليك وترتد إليك هذه الكلمة.
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: إن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص، فقد تقوم حجة الله على الكفار في زمان دون زمان، وفي بقعة وناحية دون أخرى، كما أنها تقوم على شخص دون آخر، إما لعدم عقله وتمييزه كالصغير والمجنون، وإما لعدم فهمه، فالذي لا يفهم الخطاب ولم يحضر ترجمان يترجم له، فهذا بمنزلة الأصم الذي لا يسمع شيئًا ولا يتمكن من الفهم، وهو أحد الأربعة الذين يدلون على الله بالحجة يوم القيامة، كما جاء في الحديث.
[ ٢٦ / ١٣ ]
معنى إقامة الحجة وشروطها
معنى إقامة الحجة أو صفة قيام الحجة -كما قال الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى- أن تبلغه، فلا يكون عنده شيء يقاومها.
وقد ذكر بعض العلماء أن من شروط إقامة الحجة أن تكون من إمام أو نائبه، أي: من إنسان ذي سلطان يبين ذلك، وقال بعض العلماء: بل الواجب على كل أحد قبول الحق ممن قاله كائنًا من كان.
وقال بعض العلماء: الحجة على العامة لا تقوم إلا من خلال من يثقون به من أهل العلم؛ لأن العامة فرضهم سؤال أهل الذكر، ولا شأن لهم بالنظر في النصوص أو استنتاج الأحكام الشرعية منها، وقد تقوم عليهم برجل ولا تقوم عليهم بآخر، ولا ضابط لمن ترد إليه الفتيا بالنسبة لهم إلا التسامع والاستفاضة، وفي مثل هذا تتفاوت الاجتهادات، والحجة على العامة غير الحجة على العلماء، فالعامة يثقون بأهل الذكر فحسب، والواجب عليهم هو أن يسألوا أهل الذكر، والغالب عند العامة أن الشخص المعتد به عندهم هو من استفاض وانتشر في المجتمع الشهادة له بالعلم، وبرز أمامهم كرمز للعلم الشرعي والفتيا وغير ذلك، ففي مثل هذا الأمر يتفاوت الاجتهاد في قيام الحجة بهذا الشخص أو بهؤلاء الناس، من عدمه.
والحجة على أهل العلم ليست كالحجة على العامة، فالحجة على أهل العلم تقوم بالأدلة الشرعية المعتبرة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وقد يحسن عرضها رجل ولا يحسن عرضها رجل آخر، فكم من حامل حق لا بصيرة له في إحيائه، وكم من قضية عادلة أضاعها محامون فاشلون، فقد يكون الإنسان معه الحق لكن ليس عنده الأدوات التي تمكنه من الانتصار لهذا الحق، وحينئذٍ يعجز عن إقامة هذا الحق، وفي الحقيقة أن كثيرًا من الناس يحسنون الظن بأنفسهم بمجرد أن يطلع أحدهم اطلاعًا يسيرًا، فإنه يغتر ويكون صاحب الشبر، وصاحب الشبر هو الذي إذا بدأ يتعلم أشياء يسيرة يغتر ويتكبر على الناس ويختال، ويظن أنه صار شيخ الإسلام وعمدة الأنام، فإذا تعلم الإنسان شبرًا آخر تواضع، فإذا تعلم شبرًا ثالث علم أنه لا يعلم شيئًا، وعبر عن ذلك الإمام الشافعي رحمه الله تعالى فقال: كلما أدبني الدهر أراني نقص عقلي.
وإذا ما ازددت علمًا زادني علمًا بجهلي.
خاصة طلبة العلم الذين ليس لهم فيه قدم راسخة، فإنهم يغترون، فيظن أحدهم بنفسه أنه أقام الحجة وهو لا يحسن إقامة الحجة، مثل المحامي الفاشل، فلذلك لا ينبغي أن يجزم الإنسان بأنه أقام الحجة إلا إذا تحرر من الأهواء، وتسلح بالعلم النافع الذي يستطيع به أن يدفع جميع شبهات الخصم حتى لا يبقى له مدفع أبدًا للحق الذي بلغه، فليس كل من حفظ دليلًا أو دليلين في مسألة تقوم بمثله الحجة، بل الأصل في الحجة أنها لا تقام إلا بالمجتهد أو بذي سلطان أو أمير مطاع، فهذا هو الذي عبر عنه الفقهاء بذي السلطان، وهو في الحقيقة أقرب إلى عمل القضاء، فهي قضية إجرائية أكثر من كونها قضية تمس العقيدة، فتتبع الشخص الذي فعل الكفر في كونه معذورًا أم غير معذور، وجاهلًا أم غير جاهل، وفي تأوله كل ذلك يقتضي وجود نوع من العلم الشرعي بدرجة عالية من العلم، حتى نستطيع أن نجزم بأن فلانًا قد قامت عليه الحجة التي يكفر من خالفها.
[ ٢٦ / ١٤ ]
نصوص العلماء في عدم تكفير المعين
هناك بعض النصوص لشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من العلماء في قضية عدم تكفير المعين، وعدم الاجتراء على ذلك.
ونبدأ بكلام لـ ابن الوزير في كتابه (إيثار الحق على الخلق)، يقول ﵀: واعلم أن أقصى الكفر هو التكذيب المتعمد لشيء من كتب الله تعالى المعلومة، أو لأحد من رسله ﵈، أو لشيء مما جاءوا به إذا كان ذلك الأمر المكذب به معلومًا بالضرورة من الدين، ولا خلاف أن هذا القدر كفر، ومن صدر عنه فهو كافر إذا كان مكلفًا مختارًا غير مختل العقل ولا مكره.
يقول: وكذلك لا خلاف في كفر من جحد ذلك المعلوم بالضرورة للجميع.
ويقول: وإنما يقع الإشكال في تكفير من قام بأركان الإسلام الخمسة المنصوص على إسلام من قام بها إذا قارف المعلوم بالضرورة للبعض أو للأكثر لا المعلوم له وتأول، وعلمنا من قرائن أحواله أنه ما قصد التصريح، أو التبس علينا في حقه، وأظهر التدين والتصديق بجميع الأنبياء والكتب الربانية مع الخطأ الفاحش في الاعتقاد، ومضادة الأدلة الجلية عقلًا وسمعًا، ولكن لم يبلغ مرتبة الزنادقة المقدمة، وهؤلاء كالمجبرة الخلص المعروفين بالجهمية عند المحققين.
وقال الشيخ صديق حسن خان رحمه الله تعالى: أما قول بعض أهل العلم: إن المتأول كالمرتد فهاهنا تسكب العبرات، ويناح على الإسلام وأهله بما جره التعصب في الدين على غالب المسلمين من الترامي بالكفر لا بسنة ولا قرآن، ولا ببيان من الله ولا ببرهان، بل لما غلت مراجل العصبية في الدين، وتمكن الشيطان الرجيم من تفريق كلمة المسلمين لقنهم الزمان بعضهم لبعض بما هو شبيه الهباء في الهواء والسراب في البقيع، فيالله وللمسلمين من هذه الفاقرة -أي: الداهية- التي هي أعظم فواقر الدين، والرزية التي ما رزئ بمثلها سبيل المؤمنين، فأنت إن بقي فيك نصيب من عقل وبقية من مراقبة الله ﷿ وحرقة من الغيرة الإسلامية علمت -وعلم كل من له علم بهذا الدين- أن النبي ﷺ لما سئل عن الإسلام قال في بيان حقيقته وإيضاح مفهومه: إنه إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان، وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
والأحاديث بهذا المعنى متواترة، فمن جاء بهذه الأركان الخمسة، وقام بها حق القيام فهو المسلم على رغم أنف من أبى ذلك كائنًا من كان، فمن جاء بما يخالف هذا من ساقطي القوم وزائفي العلم بالجهل فاضرب به في جهه، وقل له: قد تقدم هذيانك، هذا برهان محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه.
دعوا كل قول عند قول محمد فما آمن في دينه كمخاطر.
يقول الشيخ صديق حسن خان: وكما أنه تقدم الحكم من رسول الله ﷺ لمن قام بهذه الأركان الخمسة بالإسلام، فقد حكم لمن آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره بالإيمان، وهذا منقول عنه نقلًا متواترًا، فمن كان هكذا فهو المؤمن حقًا، وقد ورد من الأدلة المشتملة على الترهيب العظيم من تكفير المسلمين، والأدلة الدالة على وجوب صيانة عرض المسلم واحترامه ما يدل بفحوى الخطاب على تجنب القدح في دينه بأي قادح، فكيف بإخراجه عن الملة الإسلامية إلى الملة الكفرية.
مثلًا: إذا نظرنا إلى أدلة تحريم الغيبة ووجوب حفظ عرض المسلم بأنواعها نجد أنها من أكبر الذنوب وأكبر الكبائر، فكيف يكون الأمر إذًا؟! إن من الغيبة أن يقول المرء عن شخص: فلان قصير.
أو نحو ذلك، أو يعيب ملابسه، أو ابنه، أو أي شيء يخصه، فهذا من الوقوع في عرض المسلم، وقد قال ﵊: (إن أهون الربا مثل أن ينكح الرجل أمه، وأربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه المسلم)، فهذا فيه تعظيم شديد جدًا لعرض المسلم، فكيف بالطعن في دينه وانتسابه إلى ملة رسول الله ﵌؟! فما من شك في أن الجرأة على التكفير أخطر من ذلك، والأمر الذي يرتاب فيه الإنسان عليه يقول فيه: أقول ما يقول أهل العلم.
أو: أنا طالب علم.
أما أن يخضع للإرهاب الفكري كأن يقول له شخص: من لم يكفر الكافر فهو كافر حتى يزيل الوحشة التي يجدها المبتدع فلا ينبغي الالتفات إلى مثل هذه الأساليب.
يقول الشيخ صديق حسن خان ﵀: وفي الأدلة الدالة على وجوب صيانة عرض المسلم واحترامه ما يدل بفحوى الخطاب على تجنب القدح في دينه بأي قادح، فكيف بإخراجه عن الملة الإسلامية إلى الملة الكفرية؟! فإن هذه جناية لا تعدلها جناية، وجرأة لا تماثلها جرأة، وأين هذا المجترئ على تكفير أخيه من قول رسول الله ﷺ الثابت عنه في الصحيح أيضًا: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه)، ومن قول رسول الله ﷺ الثابت عنه في الصحيح أيضًا: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)، ومن قول رسول الله ﷺ: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام) وهو في الصحيح، وكم يعد العاد من الأحاديث الصحيحة والآيات القرآنية، فالهداية بيد الله ﷿ ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦].
قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في تفسير سورة الحجرات في قوله ﵎: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢] قال: وليس قوله: (أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون) بموجب أن يكفر الإنسان وهو لا يعلم، فكما لا يكون الكافر مؤمنًا إلا باختياره الإيمان على الكفر كذلك لا يكون المؤمن كافرًا من حيث لا يقصد الكفر ولا يختاره بالإجماع.
والحقيقة أن مشكلة التسرع في قضية التكفير ترجع إلى التداعيات التي تترتب عليها، والآثار الذي تنتج عنها، وهذا أمر محسوس، وقد لمسنا في الواقع الحي نماذج له، وكثير من البلاد تعيش مرارة هذه الانحرافات حتى اليوم، فإن من المكفرين من وصل إلى حد تكفير أئمة، بل وصل بعضهم إلى حد تكفير الأنبياء، فقد وقع أن بعض هؤلاء كان ينكر أن هناك ظلمًا دون ظلم، وكفرًا دون كفر، وجهلًا دون جهل، فاستدل بعض الإخوة -وظنوا أن الحجج ستكون قاطعة تخرسهم- بمثل قول يونس ﵇: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] فعاند المكفر وأصر، وقال: إن معنى (كنت من الظالمين) أن يونس ﵇ كفر ثم أسلم.
وحملوا على ذلك كل حديث، حتى نسبوا إلى آدم أنه كفر -أيضًا- بالذنب ثم أسلم، فالتوبة دخول في الإسلام من جديد، وهذا من الضلال والانحراف في العقيدة.
ومما نلمسه من آثار هذه البدعة تكفير السلف، مثل الإمام البخاري، فبعض هؤلاء الضالين كفر الإمام البخاري؛ لأنه قال في كتابه: (باب كفران العشير وكفر دون كفر) فعد هذا كفرًا، فكفر البخاري وكفر مسلمًا، وكان يقول شكري مصطفى: يجوز الاستدلال بأحاديث البخاري وإن كان كافرًا، والكافر يمكن أن يكون صادقًا.
وكفروا -أيضًا- كثيرًا من العلماء المعاصرين، ومنهم الشيخ ناصر الدين الألباني وغيره من أئمة الهدى، فالشاهد أن من آثار ذلك: استحلال الأعراض، والدماء، والأموال، وعقوق الوالدين كما يقع، بل ربما تقع إراقة دم الأب أو الأم، واستحلال الفروج، فلضلالاتهم قد يأخذون امرأة من زوجها ويزوجونها شخصًا آخر، فهل هناك جرأة أعظم من هذه الجرأة؟! فهذا هو شؤم هذه الدعوة الضالة، إلى جانب فتح باب عظيم لأعداء الإسلام من الصحفيين والإعلاميين لتشويه الدعوة والتنفير منها بحجة أن هذا هو الذي يدعو إليه هؤلاء الناس، وهو السخرية من العبادات، وتكفير الذين يصلون في المساجد لأنهم يأوون إلى معابد الجاهلية ويشاركون الجاهليين في عبادتهم، فتصور دينًا أو عقيدة أو نحلة وصل خذلان الله ﵎ لأصحابها إلى أنهم يتعبدون بهجرة المساجد، والله ﵎ يقول: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة:١١٤]، فكان شكري مصطفى يعتقد أن جميع المساجد على وجه الأرض مساجد ضرار لا تجوز الصلاة فيها ما عدا أربعة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، ومسجد قباء، وما عدا ذلك من المساجد فلا يجوز الصلاة فيها؛ لأنها كلها مساجد ضرار، ومن يصلي فيها كافر، حتى بلغني أن مثل هذا كان إذا سمع الأذان يقول: هذا مكاء وتصدية المشركين.
فصارت عبارات الأذان ونداء التوحيد مكاء وتصدية عندهم، وهذا هو الذي حكاه الله عن المشركين في قوله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال:٣٥]، فهل هؤلاء عندهم دين؟! وهل يخافون الله ﷿ ويراقبونه؟! وهل هؤلاء يعدون العدة ليوم الحساب حينما يعتدون على شعائر الله وعلى دين الله ﵎ بهذه الطريقة؟! فالشاهد أن هذه القضية ليست بالهينة، ويترتب عليها من الآثار ما نلمسه في واقعنا من هذه المناكر.
يقول الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: إن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار، فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة المروية من طريق جماعة من الصحابة ﵃ أن: (من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما) هكذا في الصحيح، وفي لفظ آخر في الصحيحين وغيرهما: (من دعا رجلًا بالكفر، أو قال: عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه) أي: إن كان غير مستحق لهذا يعود هذا الأمر عليه، وفي لفظ في الصحيح: (فقد كفر أحدهما) ففي هذه الأحاديث وما ورد موردها أعظم زاجر وأكبر واعظ عن التسرع في التكفير، وقد قال الله ﷿: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل:١٠٦]، فلاب
[ ٢٦ / ١٥ ]