الإيمان قول وعمل، فهو قول بالقلب واللسان، وعمل بالقلب واللسان والأركان، وكل قول وعمل من الإيمان يقابله قول وعمل من الكفر والجحود والنكران، وذلك واضح من حديث جبريل ﵇، فقد قسم مراتب الدين إلى ثلاث: إسلام، ثم إيمان، ثم الإحسان، وللإيمان شروط صحة، وشروط كمال.
[ ٥ / ١ ]
أسباب ظهور بدعة تكفير المسلمين في الوقت الحاضر
لقد تكلمنا فيما سبق عن الجذور التاريخية لبدعة تكفير المسلمين، وتكلمنا عن تطور هذه التوجهات المنحرفة في قضية التكفير، ابتداء بالشيعة ثم الخوارج ثم المعتزلة ثم المرجئة، وتكلمنا أيضًا عن أسباب ظهور بدعة تكفير المسلمين في العصور الحاضرة، وذكرنا أن الظروف التي نشأت فيها هذه البدعة كانت ظروفًا خاصة، وكانت لأسباب منها: الاضطهاد السياسي الذي كان التكفير رد فعل مقابل له، ومنها: فقدان الثقة بعلماء السلطة، ومنها: محاولة جمع من الفتية أخذ الأحكام من القرآن مباشرة دون الرجوع إلى فهم أهل العلم لأدلة القرآن والسنة، وبسبب عدم تأهلهم ربما نظروا من خلال أطراف من النصوص مع إهمال البعض الآخر.
ومن هذه الأسباب: الخلط بين الكفر الأكبر والكفر الأصغر، أما آخر أسباب هذه الظاهرة فهي تعلق هؤلاء ببعض ما قاله الشيخ أبو الأعلى المودودي ﵀، والشيخ سيد قطب رحمه الله تعالى؛ وذلك أن الشيخين صدر منهما في بعض المؤلفات عبارات فهمت خطأ، أو تكون هي نفسها إذا عرضت على ميزان عقيدة أهل السنة والجماعة يكون فيها بعض النظر، خاصة ما ورد في مقدمة سورة الأنعام في تفسير الظلال، وما جاء في كتاب (المصطلحات الأربعة) للشيخ: أبي الأعلى المودودي رحمه الله تعالى، والقاعدة التي أرساها الإمام مالك رحمه الله تعالى؛ بل حكاها عنه الشافعي حينما حضر عليه في المسجد النبوي بالمدينة، كان يجلس الإمام مالك ﵀ بجوار قبر النبي ﷺ، وكان كلما ناقشه أحد في قضية خالف فيها الدليل، فكان الإمام مالك يمد يده ويقول: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر، ويشير أو يضع يده على قبر النبي ﷺ.
فنناقش إن شاء الله تعالى بالتفصيل موقف المودودي وسيد قطب رحمهما الله في قضية الكفر والإيمان، وما هي المواضع المحددة المعينة التي أدت إلى تغذية فكر التكفير من خلال عبارات معينة صاغها الشيخان.
يرى الشيخ المودودي في كتابه: (المصطلحات الأربعة) أن هناك فهمًا للمصطلحات الأربعة التي هي: العبادة، والرب، والدين، والإله.
هذا الفهم كان عند العرب موجودًا بحكم السليقة العربية، وفقههم لمعاني الكلام في اللغة؛ فلذلك كان أحدهم إذا نطق بكلمة التوحيد؛ فإنه كان يدرك تمامًا ما يستتبعها من معان ولوازم، فإذا ما جاء بعد ذلك من ليس على نفس هذه السليقة العربية ونطق بكلمة التوحيد دون أن يحيط علمًا بمعانيها ومرامها ولوازمها فهذا لم يدخل في الإسلام أصلًا.
وهذا الكلام الغريب لم يعهد من قبل، ولم يصدر فيما نقل من كلام العلماء إلا فيما ذهب إليه العلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني في كتابه: (تطهير الاعتقاد عن أدران الكفر والإلحاد) فقد قال من قبل هذه المقولة، وأنكر عليه كثير من العلماء حين قال: إن من لم يحط علمًا بلوازم هذه الكلمات: العبادة، والرب، والدين، والإله كما كان السلف أو كما كان الصدر الأول، بسبب علمهم باللغة العربية؛ فمن نطق بها ولم يعلمها كما علموها فهو كافر أصلي لم يدخل في الإسلام أصلًا، ولا شك أن في هذا مصادمة صريحة لنصوص النبي ﵌ التي تثبت الإسلام لمن نطق بالشهادتين.
وردد الأستاذ سيد قطب ﵀ في مواضع كثيرة عبارات المودودي ﵀؛ ونظرًا لأن الاكتظاظ في الكلام في هذه المواضع قد يؤدي إلى سوء فهمها نرجئها إلى موضعها المناسب، ونتكلم فيها إن شاء الله بعد ذلك بالتفصيل.
[ ٥ / ٢ ]
أصول أهل السنة والجماعة في الإيمان والكفر
أما عن أصول أهل السنة والجماعة في قضية الإيمان فهي متعلقة بمعنى كلمة الإسلام والإيمان، وخلاصة الكلام في تعريف الدين أنه عبارة عن قول وعمل، قول بالقلب وقول باللسان، وعمل بالقلب وعمل باللسان والجوارح.
والقول بالقلب هو التصديق، وأن يوقن الإنسان بأحقية هذا الذي يؤمن به ويصدقه، وقول اللسان هو النطق بالشهادتين.
أما عمل القلب فهو ما لا يؤدى إلا بالقلب كالنية، الإخلاص، الخوف، الرجاء، المحبة، الإنابة، الإخبات، التوكل، الانقياد، الإقبال على الله، ولوازم هذه الأعمال القلبية.
أما عمل اللسان فهو ما لا يؤدى إلا باللسان من العبادات، كالذكر، وقراءة القرآن، والاستغفار، والتهليل، والحوقلة، والحلف، والنذر وهكذا.
وعمل الجوارح فهو ما لا يؤدى إلا بالجوارح، كالصيام، والصلاة، والركوع، والسجود، والجهاد وغير ذلك، فهذا هو جماع معنى الدين، قول وعمل، قول بالقلب وقول باللسان، وعمل بالقلب وعمل باللسان والجوارح.
أما الكفر فهو على أنواع أربعة مقابلة لأنواع الإيمان التي هي: قول بالقلب وقول باللسان، وعمل بالقلب، وعمل بالجوارح، فإذا انتفى التصديق الذي هو قول القلب؛ فسوف يكون هذا هو النوع الأول من الكفر، وهو كفر الجهل والتكذيب؛ لأنه انتفى تصديق القلب مع عدم العلم بالحق.
النوع الثاني: كفر الجحود، وهو كتم الحق مع العلم بصدقه، هذا نوع آخر من الكفر، فهو يعلم أن هذا حق؛ لكنه يكتمه، وهذا هو كفر الجحود: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤].
النوع الثالث: كفر العناد والاستكبار، فينفي في هذا الكفر عمل القلب والجوارح مع المعرفة للقلب والاعتراف باللسان، فهو يعرف أن هذا حق؛ لكن ينتفي عمل القلب من الانقياد والمحبة، والخوف والرجاء إلى آخر أعمال القلب، فينفي عمل القلب، وينتفي عن صاحبه عمل الجوارح مع وجود المعرفة بالقلب والاعتراف باللسان أن هذا حق، هذا مثل كفر إبليس وأغلب اليهود لعنهم الله، ومثل كفر من ترك الصلاة عنادًا واستكبارًا، ويوضع السيف على رقبته ويقال له: إما أن تصلي أو تقتل فيختار القتل، فما من شك أن هذا لا يمكن أن يكون في قلبه تصديق؛ لأن الصلاة فرض من فروض الدين؛ ولأنه إذا وجد التصديق في القلب لوجد العمل، فإذا انتفى مع وجود هذه الحالة يخير بين القتل وبين الصلاة، فيختار القتل على الصلاة، فحصل هذا العناد منه بسبب غياب التصديق في قلبه.
النوع الرابع: كفر النفاق، وفي هذا النوع ينتفي عمل القلب من النية والإخلاص والمحبة، ففي النفاق تنقاد الجوارح الظاهرة؛ لأن المنافق يظهر شعائر الإسلام، يصلي ويصوم ويزكي ويفعل جميع الأفعال الظاهرة؛ لكن ينتفي عمل قلبه.
إذًا: أنواع الكفر كل منها على حدة يخرج من الملة بالكلية، فإذا انضمت كلها ووجدت في شخص واحد فهي ظلمات بعضها فوق بعض وزيادة في الكفر، كفر الجهل والتكذيب، كفر الجحود، كفر العناد والاستكبار، كفر النفاق.
[ ٥ / ٣ ]
تعريف الإسلام والإيمان لغة واصطلاحًا
هناك تعريف لغوي للإسلام والإيمان لغوي وتعريف اصطلاحي.
الإسلام في اللغة: الانقياد والإذعان.
أما الإسلام في الشرع فيأتي على حالين: الأول: يطلق على الإفراد غير مقترن بذكر الإيمان، فحيثما أطلقت كلمة الإسلام ولم يقترن بها لفظ الإيمان، فحينئذٍ يراد به الدين كله، أصوله وفروعه، اعتقاداته وأقواله وأفعاله.
الثاني: إذا أطلق الإسلام مقترنًا بالإيمان، أو مقترنًا بالاعتقاد فينصرف فقط إلى الأعمال والأقوال الظاهرة.
أما الإيمان لغة: فهو التصديق.
أما الإيمان شرعًا: فيطلق أحيانًا على الإفراد غير مقترن بذكر الإسلام؛ فيراد به هنا الدين كله، أو تأتي كلمة الإيمان وتطلق مقرونة بالإسلام، فهنا يفسر الإيمان بالاعتقادات الباطنة.
وبالتالي: ينطبق علينا القول المعروف: الإسلام والإيمان إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا.
إذا اجتمعا في لفظ واحد، كما في حديث جبريل، فيكون الإسلام عبارة عن الأفعال الظاهرة، والإيمان عن الأشياء الباطنة، أما إذا أتت كلمة الإسلام مطلقة بدون ما تقرن بالإيمان، أو أتت كلمة الإيمان مطلقة بدون أن تقترن معها الإسلام، فبهذه الحالة كل منهما على حدة ينصرف إلى كل أمور الدين والظاهر والباطن والاعتقادات وغير ذلك، وكما أن الإيمان المقيد الذي يأتي مع الإسلام في لفظ واحد يكون تصديقًا بأمور مخصوصة، والإسلام يكون إظهار أعمال مخصوصة، كما أن العالم لا يكون مسلمًا كاملًا إلا إذا اعتقد؛ فكذلك المعتقد لا يكون مؤمنًا كاملًا إلا إذا عمل، وسيأتي إن شاء الله ذكر التفصيل في ذلك.
[ ٥ / ٤ ]
أركان الإسلام والإيمان
[ ٥ / ٥ ]
تفنيد مذهب المنحرفين في تعريف الإيمان
يقول بعضهم الإيمان هو مجرد التصديق فقط بما عند الله.
وهذا الذي قاله ابن الراوندي، ومن وافقه من المعتزلة وغيرهم.
أما الجهم بن صفوان فزعم أن الإيمان هو المعرفة بالله فقط.
والمرجئة والكرامية قالوا: إن الإيمان هو الإقرار باللسان دون عقد القلب، وقال آخرون: هو التصديق بالجنان والإقرار باللسان.
أما الخوارج والعلاف ومن وافقهم فقالوا: الإيمان هو الطاعة بأسرها فرضًا كانت أو نفلًا.
وقال الجبائي وأكثر المعتزلة: هو الطاعات المفروضة من الأفعال والتروك دون النوافل، وقال الباقون من المعتزلة: هو العمل والنطق والاعتقاد، ونحاول أن نوضح المخالفات الموجودة في كلام كل منهم على حدة.
أما الكلام في مسمى معنى الدين والإسلام والإيمان، فنحتاج أن نصدره بالحديث الشهير حديث جبريل ﵇، وقد رواه مسلم بسنده عن ابن بريدة، عن يحيى بن يعمر، قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبد الله بن عمر ﵄ داخلًا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت صاحبي سيكل الكلام إليّ، فقلت: يا أبا عبد الرحمن! إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ويتقفرون العلم، وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أُنف، قال ابن عمر: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني، والذي يحلف عليه عبد الله بن عمر؛ لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبًا فأنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر.
ثم قال: حدثني أبي عمر الخطاب ﵁ قال: (بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ذات يوم؛ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله ﷺ: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا، قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه! -ولكن من أدب الصحابة ﵃ أنهم كانوا يتريثون ولا يتعجلون الاستفصال عن هذا، لكنهم كتموا في أنفسهم هذا التعجب، كيف يسأله ثم يقول له: صدقت؟! - قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، قال: ثم انطلق فلبثت مليًا، ثم قال لي: يا عمر! أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم! قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم).
وروايات هذا الحديث كثيرة نكتفي منها بهذه الرواية.
[ ٥ / ٦ ]
الأركان الجامعة للدين
يقول الشيخ حافظ حكمي ﵀ في كتابه (معارج القبول): اعلم بأن الدين قول وعمل فاحفظه وافهم ما عليه ذا اشتمل يعني: اعلم بأن الدين الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه ورضيه لأهل سماواته وأرضه، وأمر ألا يعبد إلا به، ولا يقبل من أحد سواه، ولا يرغب عنه إلا من سفه نفسه، ولا أحسن دينًا ممن التزمه واتبعه.
اعلم بأن الدين قول وعمل، قول بالقلب واللسان، وعمل بالقلب واللسان والجوارح، فهذه أربعة أركان جامعة لأمور دين الإسلام.
[ ٥ / ٧ ]
الركن الأول: قول القلب
إن قول القلب هو تصديقه وإيقانه، قال الله ﵎: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر:٣٣ - ٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام:٧٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥]، يعني: صدقوا بالله ورسوله ثم لم يشكوا في هذا التصديق، وفي حديث الدرجات العلى أخبر النبي ﷺ عن قوم على منابر من نور يوم القيامة يغبطهم عليها الأنبياء والمرسلون، ثم قال ﵊: (بلى والذي نفسي بيده! رجال آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين)، والشاهد قوله: (وصدقوا المرسلين)، وقال ﵎: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣]، أي: يصدقون بالغيب، وقال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:١٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ [الشورى:١٥]، وغير ذلك من الآيات التي فيها بيان أن من الإيمان قول القلب بالتصديق واليقين.
وفي حديث الشفاعة يقول ﵊: (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه من الخير ما يزن شعيرة)، وفي الحديث الآخر فيقال: (انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان، ثم من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، ثم من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان)، فالشاهد هنا قوله: (في قلبه).
وقال ﵎ في المكذبين: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦]، يعني: لا يصدقون، وقال تعالى في المرتابين الشاكين: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٦٧]، وقال فيهم: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة:٤١]، وقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١] لأنهم يقولون هذا بلسانهم، أما قلوبهم فليس فيها تصديق ولا يقين: «وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ»، أي: في قولهم: نشهد، فهم كذبوا لا يشهدون بذلك بقلوبهم، وإنما هو بألسنتهم تقية ونفاقًا ومخادعة.
فهذا هو الركن الأول من الدين وهو قول بالقلب.
هذه الأركان لابد من وجودها جميعًا في كل مؤمن، قول بالقلب وقول باللسان، وعمل بالقلب وعمل بالأركان.
[ ٥ / ٨ ]
الركن الثاني: قول اللسان
أما قول اللسان: فهو النطق بالشهادتين، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ، والإقرار بلوازمهما، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ﴾ [القصص:٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ [الشورى:١٥]، وقال: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف:٨٦]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف:١٣]، وقال ﷺ: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله)، وهذه الشهادة تكون باللسان.
[ ٥ / ٩ ]
الركن الثالث: عمل القلب
هناك فرق بين قول القلب وبين عمل القلب؛ لأن قول القلب هو التصديق واليقين، أما عمل القلب فهو العبادات القلبية التي لا تؤدى إلا بالقلب، مثل: النية، الإخلاص، المحبة، الانقياد، الإقبال على الله ﷿، التوكل عليه، ولوازم ذلك وتوابعه، يقول ﵎: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:٥٢] عمل القلب في قوله: «يُرِيدُونَ وَجْهَهُ»، وقال ﷿: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ [الليل:١٩ - ٢٠]، هذا هو عمل القلب، وقال ﵎: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان:٩]، هذه أيضًا أعمال القلب، النية والإخلاص لله، وقال ﵎: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢] فهنا ذكر من أعمال القلب وجل القلب والخوف من الله ﵎ وذلك من أركان الإيمان.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠] ومعلوم أن السيدة عائشة ﵂ سألت النبي ﷺ عن هؤلاء الذين يؤتون ما آتوا فقالت: (هل هم الذين يسرقون ويزنون ويفعلون المحرمات ويشربون الخمر، فقال ﵊: لا يا ابنة الصديق! بل هم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، ويخافون ألا يتقبل منهم)، فهذا هو تفسير النبي ﵊ لقوله تعالى: «وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا»، يعني: من الأعمال الصالحة، ومع ذلك هم خائفون وجلون ألا يتقبل منهم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧].
فالشاهد هنا في قوله: «وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ»، فالوجل والخوف من أعمال القلب.
وقال ﷿: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٣]، وقال أيضًا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]، وقال ﷿: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣]، والإخلاص عمل قلبي، وقال أيضًا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥]، وهذا عمل قلبي: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر:١٤]، والنية عمل قلبي، وقال أيضًا: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] والحب عمل قلبي.
فهناك أعمال في القلب لابد أن تؤدى، وحتى تحقق التوحيد في الأعمال القلبية ينبغي ألا توجهها إلا إلى الله ﵎، كما أن من أعمال البدن السجود، الركوع، الصيام، الجهاد، هذه كلها من أعمال البدن، حتى توحد الله بأعمال البدن لا توجه هذه العبادات إلا إلى الله ﵎، فلا تسجد ولا تركع إلا لله ﵎؛ كذلك أعمال القلب ينبغي ألا توجه إلا إلى الله ﷿، فلا تخاف إلا الله، ولا تحب إلا الله ﷿ وفي الله، ولا تتوكل إلا على الله، فإن وجهت التوكل إلى غير الله ففي هذه الحالة تكون اتخذته شريكًا مع الله ﵎، يقول الله ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١] وقال ﷿: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات:٧]، وقال أيضًا: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء:١٢٥]، وقال: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان:٢٢]، وقال: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج:٣٤]، وقال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، هذا الدليل واضح جدًا في اشتراط عمل القلب في الإيمان، ولا يتحقق الإيمان حتى تجتمع هذه الأشياء: «فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ»، وقال النبي ﷺ: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه).
قوله: (إنما الأعمال بالنيات)، يعني: الأعمال الصالحة بالنيات الخالصة، ونحتج بالحديث على أن من يعمل عملًا مخالفًا للشرع ثم يقول: نيتي صحيحة؛ كمن يسرق ليتصدق، نقول له: لابد أن يكون العمل صالحًا، إنما الأعمال الصالحة بالنيات الخالصة، ولو عمل عملًا صالحًا يريد به غير وجه الله لا ينفعه أيضًا، فلابد من الاثنين أن يكون العمل صالحًا موافقًا للشرع، وأن يكون خالصًا يبتغى به وجه الله ﵎، وتقدم الكلام على ما ينافي الإخلاص من الشرك الأكبر أو الشرك الأصغر.
ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: (أحبوا الله من كل قلوبكم)، وقال ﷺ: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)، هذا أيضًا عمل قلبي، وقال ﷺ: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)، وكان ﷺ يقول: (اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، وحب كل عمل يقربني إلى حبك)، وقال ﷺ: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به)، فهذا غاية الانقياد؛ إذ لم يكن له هوى غير ما جاء به رسول الله ﷺ.
أما التوكل والخوف والرجاء والخشية والخضوع وغير ذلك من أعمال القلوب فأدلتها كثيرة جدًا يطول الكلام بإحصائها واستقصائها.
الشاهد: كما أن قول القلب هو بالتصديق واليقين بالحق؛ كذلك لابد أن ينضم إليه: قول اللسان بالنطق بالشهادتين.
[ ٥ / ١٠ ]
الركن الرابع: عمل اللسان والجوارح
أما عمل اللسان فهو ما لا يؤدى إلا به، مثل: العبادات التي مناطها اللسان، كتلاوة القرآن، والأذكار من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والدعاء والاستغفار ونحو ذلك.
أما عمل الجوارح فما لا يؤدى إلا بها، كالقيام في الصلاة والركوع والسجود، والمشي في مرضاة الله ﷿ كالخطى إلى المساجد، وإلى الحج والجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك مما يشمله حديث شعب الإيمان.
قال الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ [فاطر:٢٩]، هذا عمل باللسان، ويمكن أن يكون عملًا بالجوارح على اعتبار أن اللسان أحد الجوارح.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر:٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف:٢٧]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب:٤١ - ٤٢]، وقال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف:٢٠٥]، وقال ﵎: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء:١١١]، فهذا أمر بالعمل باللسان.
وقال: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف:٤٦] وهي كما جاء في الحديث الصحيح: (خذوا جنتكم من النار، قولوا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ فإنهن يأتين يوم القيامة مقدمات ومعقبات ومجنبات -أي: من الجنبين تحيط بالإنسان ومن قدامه ومن خلفه- وهن الباقيات الصالحات)، هذا الحديث نص في أن الباقيات الصالحات هن هؤلاء الكلمات.
وقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٩٩]، وقال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٩١]، وقال: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] والقيام من عمل جوارح، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج:٧٧ - ٧٨]، وقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان:٦٣ - ٦٤]، وقال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩]، فهذه فيها أعمال القلب والجوارح.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١] وهذا بالجوارح: ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة:١١١] إلى آخره، ثم قال ﷿: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١١٢]، فالآيات والأحاديث كثيرة جدًا في أن أعمال الجوارح ركن من أركان الدين وداخله في مسماه.
[ ٥ / ١١ ]
أنواع الكفر المخرجة من الملة
إن أصل أصول الدين هو أن الإيمان قول وعمل؛ قول بالقلب وباللسان، وعمل بالقلب وبالأركان بما فيها اللسان، فإذا حقق الإنسان هذه الأمور الأربعة تحقيقًا بالغًا، وعرف ما يراد بها معرفة تامة، وفهم فهمًا واضحًا، ثم أمعن النظر في أضدادها ونواقضها، تبين له أن أنواع الكفر لا تخرج عن أربعة: كفر جهل وتكذيب، وكفر جحود، وكفر عناد واستكبار، وكفر نفاق، وكل واحد منها يخرج من الملة بالكلية، وإن اجتمعت في شخص فظلمات بعضها فوق بعض والعياذ بالله من ذلك؛ لأنه إما أن تنتفي هذه الأمور كلها فلا يكون عنده قول القلب ولا عمله، ولا قول اللسان ولا عمل الجوارح، أو ينتفي بعضها، فإن انتفت كلها فقد اجتمعت أنواع الكفر غير النفاق، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٦ - ٧]، فإن انتفى تصديق القلب مع عدم العلم بالحق، فهذا كفر الجهل والتكذيب، قال الله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس:٣٩]، فلما انتفى تصديق القلب مع الجهل بالحق فهذا هو كفر الجهل والتكذيب، وقال ﵎: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾ [النمل:٨٤]، كذب وجهل بالحق، فهو جمع بين التكذيب والجهل: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل:٨٣ - ٨٤] فإذا كتم الحق مع العلم به وبصدقه فهذا كفر الجحود والكتمان، يعني: قلبه يعلم بالحق لكنه يكتمه ويجحده، كما قال ﷿ في فرعون وقومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل:١٤]، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [البقرة:٨٩]-اليهود- ﴿مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة:٨٩]، هم يعرفون أن الرسول حق، وأنه رسول الله ﷺ حقًا وصدقًا؛ لكنهم جحدوا واستكبروا، وقال ﷿: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة:١٤٦ - ١٤٧].
أما إذا انتفى عمل القلب من النية والإخلاص والمحبة والإذعان مع انقياد الجوارح، فهو يصلي ويصوم ويزكي ويشهد الشهادتين؛ لكن انتفى عمل القلب، فلا نية ولا إخلاص ولا محبة ولا إذعان بالقلب، فهذا هو كفر النفاق؛ سواء وجد التصديق المطلق أو انتفى، وسواء انتفى بتكذيب أو شك، يقول ﷿: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة:٨ - ١٠] إلى قوله ﵎: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٠].
وإن انتفى عمل القلب وعمل الجوارح مع المعرفة بالقلب والاعتراف باللسان، كمن لا يوجد له عمل بالقلبس ولا عمل بالجوارح؛ لكن عنده معرفة بالقلب واعتراف باللسان؛ فهذا كفر العناد والاستكبار، ككفر إبليس؛ لأن قلبه لم ينقد لأمر الله ﵎، وانتفى عمل الجوارح؛ لأنه لم يمتثل الأمر بالسجود، مع معرفته بقلبه أن هذا الأمر بالسجود صادر من الله ﵎، فهو يصدق أن هذا أمر الله.
وكذلك كفر غالب اليهود الذين شهدوا أن الرسول حق ولم يتبعوه، أمثال حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف وغيرهم من اليهود هو من هذا الباب، وكذا كفر من ترك الصلاة عنادًا واستكبارًا.
[ ٥ / ١٢ ]
معنى قول أهل السنة: الإيمان هو التصديق
محال أن ينتفي انقياد الجوارح بالأعمال الظاهرة مع ثبوت عمل القلب، قال النبي ﷺ: (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).
فمن هنا يتبين لك أن من قال من أهل السنة في تعريف الإيمان: هو التصديق، فعلى ظاهر اللغة، كما قال الله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧] فهو إنما يقصد التصديق الذي يستلزم الانقياد والإذعان لا مجرد المعرفة كما يقول المرجئة؛ كما في قوله ﵎: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات:١٠٣ - ١٠٥] ومعلوم أن هذه الرؤيا كانت وحي من الله فقط، وما أطلق عليها تصديقًا حتى انضم إليها الانقياد بأن أسلم هو وولده وتله للجبين حينئذ لما انضاف إلى التصديق العمل والانقياد والإذعان، فالقلب هو ملك البدن، فإذا وجد عمل القلب بالإذعان، فلابد أن يذعن في الظاهر بأعمال الجوارح، والدليل هذا الحديث: (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله)، يعني: إذا وجد عمل القلب من الإذعان والخضوع والانقياد والمحبة إلى غير ذلك، ينعكس ذلك على الجوارح، فهذا عكس ما يردده أغلب الناس ويسيئون تطبيق هذا الحديث بعد أن يسيئوا فهمه، فيقولون: الإيمان في القلب، وهذا الحديث حجة عليه، كما قال شيخ الإسلام: أنا ألتزم أنه لا يحتج مبطل بآية وحديث لإثبات باطله إلا وكان في نفس الآية والحديث ما يدل على نقيض ما ذهب إليه، وهذه من آيات الله أنك إذا عكست الدليل عليه تجد الحجة قائمة عليه تمامًا؛ فكذلك هنا قوله: (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله)، فالقلب يؤثر في البدن، والظاهر أيضًا يؤثر في القلب، هناك تفاعل مشترك بين الأمرين؛ فمثلًا الذي يحلق لحيته ويقول: إن الأعمال بالنيات، وإن قلبي سليم! نقول له: كذبت وخالفت قول رسول الله ﷺ؛ لأن الرسول ﷺ قال: إذا صلح القلب صلح الجسد، وانعكس على ظاهره الأعمال الصالحة سواء من إعفاء اللحية والتمسك بسنة النبي ﵊، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وسائر الأعمال الظاهرة، فهذه تكون عنوانًا على سلامة هذا القلب؛ كذلك القلب السليم ينضح بهذه الأعمال الصالحة.
فالمقصود أن من قال من أهل السنة والجماعة: إن الإيمان هو التصديق؛ فإنما أراد التصديق على أساس أصل اللغة؛ لكن الإيمان في الاصطلاح هو التصديق المستلزم للانقياد.
وهذا مقياس في الظاهر والباطن ليس فقط في الظاهر، فلم يعنوا مجرد التصديق، والدليل: أن إبليس لعنه الله لم يكذِّب ولم يشك في أن الأمر له بالسجود هو من عند الله ﵎، وإنما الذي تخلف عن إبليس هو عمل القلب وهو بالانقياد في هذا الأمر، لذا كان إباؤه كفرًا واستكبارًا.
كذلك اليهود كانوا يعتقدون صدق رسول الله ﷺ، ولم يتبعوه جحودًا وعنادًا، وفرعون كان يؤمن أن موسى رسول الله حقًا، والأدلة على ذلك موجودة في القرآن الكريم وهي كثيرة، منها: قوله ﵎: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]، ويقول ﵎ في آخر سورة الإسراء: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْألْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء:١٠١]، فماذا أجاب موسى وموسى صادق مصدوق عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام؟ ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء:١٠٢]، فهذا دليل على أن فرعون كان عنده يقين ومعرفة أن هذا رسول الله حقًا وصدقًا؛ لكنه لم ينقد له.
وهناك آيات أخرى في سورة الأعراف وغيرها من السور فيها إثبات أن القوم لما كان ينزل بهم سخط الله وعذابه كانوا يهرعون إلى موسى، يقول: ﴿يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الزخرف:٤٩]، ثم ينقضون العهد بعد ذلك كما هو معلوم في سورة الزخرف والأعراف أيضًا.
فالشاهد أن هؤلاء كانوا يعرفون صدق الرسول؛ لكن لم ينقادوا إليه، وفرعون كان يعتقد صدق موسى ولم ينقد له، بل جحد بآيات الله ظلمًا وعلوًا، فأين هذا التصديق من تصديق من قال الله تعالى فيه: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر:٣٣]؟ وحتى تتمثل الأمر بوضوح؛ لأنه ربما يلتبس على الإنسان الفرق بين قول القلب وعمله، نقول: فرعون كان عنده القول بالقلب؛ وإبليس كان عنده القول بالقلب، واليهود الذين صدقوا بنبوة النبي ﵊ كان عندهم القول بالقلب، لكن لم يوجد عندهم عمل القلب، وهو الانقياد والإذعان والمحبة وغير ذلك من الأعمال القلبية.
إذًا: تذكر قوله ﷿ في حق فرعون وقومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]، وقارن هذا التصديق الذي كان عليه فرعون وقومه بالتصديق الذي جاء في قوله ﵎: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر:٣٣]، قارن أيضًا تصديق اليهود الذين قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [النساء:٤٦]، و: ﴿قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:٧٦]، فقارن بين هذا التصديق وتصديق الذين قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥]، فلابد أن نفرق بين قول القلب وبين عمل القلب، قول القلب هو التصديق واليقين، أما عمل القلب فهو الانقياد والمحبة والإذعان لما أمر الله ﵎ به، فهذا خلاصة شرح قول صاحب سلم الوصول إلى الأصول: اعلم بأن الدين قول وعمل فاحفظه وافهم ما عليه ذا اشتمل يعني: ما اشتمل عليه هذا الكلام من أن الإيمان قول وعمل، قول بالقلب وقول باللسان، وعمل بالقلب وعمل باللسان والجوارح.
[ ٥ / ١٣ ]
مراتب الدين
قال الشيخ حافظ حكمي ﵀: كفاك ما قد قاله الرسول إذ جاءه يسأله جبريل على مراتب ثلاث فصله جاءت على جميعه مشتمله الاسلام والإيمان والإحسان والكل مبني على أركان قوله: (كفاك) يعني: كفاك يا طالب الحق ما قد قاله الرسول محمد ﵌.
قوله: (إذا جاءه يسأله) يعني: حين جاءه يسأله عن مراتب الدين وشرائعه، وهو جبريل ﵇ كما في الحديث الصحيح السابق.
قوله: (على مراتب ثلاث فصله) أي: بتلك الأجوبة الصريحة.
قوله: (جاءت) يعني: الثلاث المراتب: الإسلام، والإيمان، والإحسان.
قوله: (على جميعه) يعني: على جميع الدين مشتملة؛ ولهذا سمى النبي ﷺ هذه الأمور كلها بقوله: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم).
والكلام في قضية الإيمان يصبح ردًا قويًا جدًا على الذين يصفون هذه الأعمال سواء كانت أعمال القلب أو غيرها، يقول: أنتم تهتمون بأمور نظرية فلا يترتب عليها عمل، كلا.
هذه عمل في الحقيقة، كما ذكرنا عمل القلب بالانقياد والإذعان، كما يقول ﷿: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٥]، فالقلب له كسب وعمل أيضًا.
[ ٥ / ١٤ ]
مرتبة الإسلام
قوله: (الإسلام) أي: مفصل من مجمل المراتب، وهو بدل بعض من كل.
الاسلام والإيمان والإحسان والكل مبني على أركان هذه هي المرتبة الأولى كما في حديث عمر بن الخطاب ﵁ ومن وافقه من الصحابة حينما سأل جبريل النبي ﷺ عن الإسلام.
نأتي أولًا بالمعنى اللغوي ثم بالمعنى الاصطلاحي، فالإسلام لغة: الانقياد والإذعان.
وأما في الشريعة فله حالتان: الحالة الأولى: أن يطلق على الإفراد غير مقترن بذكر الإيمان، فهو حينئذ يراد به الدين كله أصوله وفروعه من اعتقاداته وأقواله وأفعاله، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]، هنا أتى الإسلام مفردًا دون أن يقترن بلفظ الإيمان، فيشمل كل أمور الدين، الباطن والظاهر والأقوال والأعمال والاعتقادات، وكل شيء يدخل تحت مسمى الدين يدخل في كلمة الإسلام؛ لأنها أتت مفردة مطلقة دون أن ترتبط بلفظ الإيمان في وقت واحد: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، ومثلها: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، فيشمل هنا كل أمور الدين، وقوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨]، السلم هنا المقصود به الإسلام، أي: التزموا بجميع أمور الدين والإسلام سواء الاعتقادات أو الأقوال أو الأعمال الباطنة أو الظاهرة.
وهذه الآية من أقوى الأدلة التي نرمي بها في نحور الذين يقسمون الدين إلى أمور نظرية، ويفترون على الله حينما يسمونها تافهة ويسخرون منها وهي من أركان الإيمان؛ لأن قوله: (كافة) يعني: جميع ما يتعلق بالإسلام من الأقوال والأعمال والنيات والأحوال وغير ذلك، هذا كله مأمور بالدخول فيه سواء في ذلك العقيدة أو الفقه والعمل.
إذًا: في هذه الآية دليل ضد الذين يسخرون من أمور الفقه أو العلم، ويسخرون في ذلك من طلاب العلم، ويقولون: متى تخرجون من فقه دورة المياه؟ يسخرون من فقه الطهارة، ويسخرون من بعض العلماء أو طلاب العلم، ويقولون: علماء الحيض والنفاس، ولا يدرون أنهم بذلك يهلكون؛ لأن هذه تدخل في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨]، لا يسمى أبدًا شيء من أمر الدين أو أمر به النبي ﵊ أو أقره لا يمكن أن يسمى تافهًا أو سخيفًا، إنما يحمل قوله ﵊: (إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها) معالي الأمور مقاصد الدين، أما السفساف فهي أمور الدنيا الحقيرة؛ لكن أن تعمد إلى قضية من قضايا الدين وتسخر منها أو تقول: هذه قشور أو أمور شكلية أو مظاهر لا حاجة لنا بها، فهذا كله إعراض عن المقصود الشامل من قوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨]، أي: في كل ما يتعلق بالدين والإسلام.
ومن ذلك قوله ﵊ لما سأله معاوية بن حيدة: (ما الإسلام؟ قال: أن تقول: أسلمت وجهي لله)، إلى آخر الحديث، وحديث عمرو بن عبسة ﵁ قال: (قال رجل: يا رسول الله! ما الإسلام؟ قال: أن يسلم قلبك لله ﷿، وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك، قال: فأي الإسلام أفضل؟)، الحديث فهنا يعتبر كدليل على أن كلمة الإسلام إذا أطلقت مفردة غير مقترنة بلفظ الإيمان فإنها تشمل كل أمور الإسلام، وكل أمور الدين، والظاهر والباطن وغير ذلك.
فقول النبي ﷺ: (أن يسلم قلبك لله ﷿) يدخل فيه عمل القلب وقوله: (وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك) هذا فيه عمل الجوارح واللسان.
وقوله: (قال: فأي الإسلام أفضل؟) إذًا: الإسلام كلمة عامة، ثم يسأل عن أفضل ما يدخل في هذه الكلمة الشاملة الإسلام، قال: (فأي الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان)، ففي هذا الحديث أطلقت كلمة الإسلام ويدخل في معناها أيضًا الإيمان بهذا النص، (قال: وما الإيمان؟ قال: تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت)، فهذا دليل واضح على أن كلمة الإسلام إذا أطلقت وأفردت دون أن تقيد بالإيمان تشمل الظاهر والباطن.
فجعل رسول الله ﷺ الإيمان جزءًا من الإسلام وهو أفضله، وقال ﵊: (إذا أسلم العبد فحسن إسلامه كتب الله له كل حسنة كان أزلفها، ومحيت عنه كل سيئة كان أزلفها)، فالانقياد ظاهرًا بدون إيمان لا يكون حسن إسلام، بل هو النفاق، فكيف تكتب له حسنات أو تمحى عنه سيئات؟ فقوله هنا: (حسن إسلامه) يشمل كل أمور الإسلام باطنًا وظاهرًا، أي: حسن باطنه وظاهره، أما إذا حسن الظاهر فقط فهذا شأن المنافقين الذين كانوا يخرجون مع المسلمين في الجهاد، وكانوا يصومون ويصلون الجماعة ويحجون ويفعلون كل هذه الأشياء، فهو حسن إسلام في الظاهر وانقياد ظاهري، ولكن تخلف الانقياد الباطني الذي هو عمل القلب، فلا يمكن أن يكون بالمقصود من قوله: (فحسن إسلامه) صلاح الظاهر فقط، بل لابد أن يكون في ظل هذا الحديث اشتراط حسن الإيمان القلبي والانقياد الباطني، فهذه الحالة الأولى من حالة ورود لفظة الإسلام.
الحالة الثانية: أن يطلق الإسلام مقترنًا بالإيمان، فهو حينئذ يراد به الأقوال والأعمال الظاهرة فقط، إذا جاءك نص قرن فيه بين الإسلام والإيمان، ينطبق عليه قاعدة: إذا اجتمعا في لفظ واحد افترقا في المعنى لكن إذا افترقا اجتمعا.
إذًا: الحالة الثانية: أن يطلق الإسلام مقترنًا بالاعتقاد فهو حينئذ يراد به الأعمال والأقوال الظاهرة، كقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، هنا اقترن الإيمان بالإسلام.
وربما يقول قائل: حديث عمرو بن عبسة أليس فيه إدخال الإسلام بالإيمان؟ نقول: نعم؛ ولكن جاءت قرينة تدل على أن الإسلام في أول الحديث المقصود به كل أمور الدين؛ لأنه نص على أن الإيمان جزء من الإسلام، والإسلام يشمل هذا ويشمل ما عداه.
وكقوله ﵌ لما قال له سعد ﵁: (ما لك عن فلان، فوالله إني لأراه مؤمنًا؟ فقال ﷺ: أو مسلمًا)، يعني: هلا أطلقت عليه لفظة الإسلام لا لفظة الإيمان؟ لأنك تخبر عن علمك أنت، فعلمك يكون حسب الظاهر، فلا تقل: مؤمنًا، لكن قل: مسلمًا؛ لأنك لم تطلع على إيمانه، وإنما اطلعت على إسلامه من الأعمال الظاهرة، فهنا قوله: (إني أراه مؤمنًا)، قصد بالإيمان الأمر الباطن، والرسول ﵊ قصد بالإسلام الأمر الظاهر.
وفي رواية النسائي: (لا تقل: مؤمنًا، وقل: مسلمًا)، وكحديث عمر أيضًا الذي سقناه في بداية الكلام، قال: (ما الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله -كلها أعمال ظاهرة- وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا، ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن -هذه أعمال باطنة بالقلب- بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره)، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث.
[ ٥ / ١٥ ]
مرتبة الإيمان
الإيمان لغة: التصديق، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧]، يعني: ما أنت بمصدق لنا.
أما في الشريعة فللإيمان أيضًا حالتان: الحالة الأولى: أن يطلق على الإفراد غير مقترن بذكر الإسلام، فحينئذ يراد به الدين كله، كقوله ﷿ في الذين آمنوا: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة:٢٥٧]، (فآمنوا) هنا تشمل الظاهر والباطن.
وقوله ﵎: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد:١٦]، وقوله ﷿: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران:١٢٢]، تشمل أيضًا الظاهر والباطن، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣].
وقوله ﷺ: (لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة)، هنا تشمل الظاهر والباطن؛ لأنها مفردة غير مقيدة بالإسلام؛ ولهذا حصر الله الإيمان فيمن التزم الدين كله باطنًا وظاهرًا، في قول الله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال:٢]، يعني: لا يوجد الإيمان إلا في هؤلاء؛ فانظر إلى صفتهم وأفعالهم، وسوف تجد أفعالهم وأعمالهم باطنة وظاهرة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] هذه باطنة: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢]، أيضًا باطنة: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢]، أعمال باطنة بالقلب: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [الأنفال:٣]، ظاهرة: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال:٣]، ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٤] فأطلق الإيمان وحصره فيمن جمع بين الظاهر والباطن، وقال ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥]، هذه أعمال قلبية: ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥]، (في سبيل الله)، عمل قلبي بالنية؛ لأنه يريد إعلاء كلمة الله.
وقال ﷿: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٥ - ١٧]، فسرهم بمن اتصف بذلك كله أيضًا في قوله ﷿: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٢ - ٥]، ووصفهم أيضًا بالإيمان في قوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣] إلى آخر الآيات، وقال ﷿: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦]، إلى آخر الآيات.
ثم قال جل وعلا: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٧]، وقال أيضًا -وهي من أوضح الأدلة في ذلك-: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١]، الذين من صفاتهم: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:٢ - ١١]، وقال أيضًا: ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [النمل:٢ - ٣]، وغير ذلك من الآيات.
بل أتى أيضًا نصًا صريحًا جدًا فسر الإيمان بهذه الأعمال كلها، كما في قوله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٧].
وروي عن النبي ﷺ: أن أبا ذر ﵁ سأله فقال له: (ما الإيمان؟ فتلا عليه رسول الله ﷺ: «لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» [البقرة:١٧٧] إلى آخر الآية)، فأتى بهذه الآية جوابًا عن سؤاله عن الإيمان، ثم قال له أيضًا: (ما الإيمان؟ فتلاها عليه، فقال: إذا عملت حسنة أحبها قلبك، وإذا عملت سيئة أبغضها قلبك)، يعني: هذه أيضًا علامة من علامات الإيمان، كما قال ﵊: (إذا سرتك حسنتك وساءتك سيئتك فأنت مؤمن)، هذه علامة من علامات الإيمان.
وأيضًا فسر النبي ﷺ الإيمان بالباطن والظاهر، كما في حديث وفد عبد القيس في الصحيحين وغيرهما: (آمركم بالإيمان بالله وحده، قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم)، هذه عادة الصحابة في الجواب حينما يسألون أن يقولوا: الله ورسوله أعلم، بعض الناس يكررون هذه الكلمة الآن في غير موضوعها، تسأله عن الشيء الفلاني حصل أو لم يحصل؟ يقول: الله ورسوله أعلم لو قلت له: أين الكتاب الفلاني؟ قال: الله ورسوله أعلم.
كلا.
كيف: الله ورسوله أعلم؛ لأن الرسول ﵊ في حياته كان ينزل عليه الوحي فيخبره بهذه الأشياء؛ لذلك كان يقول الصحابة: الله ورسوله أعلم، لكن هل الرسول يعلم كل شيء؟ نعم، حتى بعد موته ﷺ لا يجوز أبدًا أن تقول: الله ورسوله أعلم في كل شيء.
(قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تؤدوا من المغنم الخمس)، فهذه أعمال ظاهرة دخلت في مسمى الإيمان، وقد جعل رسول الله ﷺ قيام رمضان إيمانًا واحتسابًا من الإيمان، وكذا قيام ليلة القدر، وأداء الأمانة، والجهاد والحج، واتباع الجنائز، وغير ذلك، يقول ﵊: (الإيمان بضع وسبعون شعبة)، تمامًا مثل كلمة الإسلام في قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، تشمل الظاهر والباطن؛ لأنها غير مقترنة بالإسلام وقد أتت مفردة: (الإيمان بضع وسبعون شعبة؛ أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)، وهذه الشعب المذكورة قد جاءت في القرآن والسنة في مواضع متفرقة، منها ما هو من قول القلب، ومنها ما هو من عمل القلب، ومنها ما هو من قول اللسان، ومنها ما هو من عمل اللسان أو الجوارح، ولما كانت الصلاة جامعة لقول القلب وعمل القلب، وقول اللسان وعمل اللسان وعمل الجوارح، سماها الله تعالى إيمانًا، كما في قوله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣]؛ لأن الصلاة مشتملة على جميع أنواع الإيمان، فقد روى سعيد بن منصور، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنا عند عبد الله بن مسعود ﵁، فذكرنا أصحاب محمد ﷺ وما سبقونا به، فقال عبد الله (إن أمر محمد ﷺ كان بينًا لمن رآه، والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيمانًا أفضل من إيمان بالغيب، ثم قرأ: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٢ - ٣])، فهنا حمل معناها عل
[ ٥ / ١٦ ]