من قواعد أهل السنة والجماعة المنعقد عليها إجماع السلف: أن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي، وأن الأعمال ركن من أركان الإيمان لا تتخلف عنه، فإن تخلفت عنه لم يعد صاحبه مؤمنًا، وإلا لاشترك كل الناس في الإيمان حتى إبليس وفرعون.
[ ٦ / ١ ]
تعريف الإسلام والإيمان
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
تقدم الكلام في مسمى الإسلام والإيمان، وقلنا: إن الإسلام له تعريف لغوي وآخر اصطلاحي أو شرعي، وأن الإسلام لغة: الانقياد والإذعان.
أما الإسلام في الشرع فحسبما ورد اللفظ بالإسلام، فإذا ذكر بالإفراد غير مقترن بذكر الإيمان، ففي هذه الحالة يراد به كل الدين أصوله وفروعه، اعتقاداته وأقواله وأفعاله، أما إذا أطلق مقترنًا بالإيمان أو بالاعتقاد، فإنما تطلق كلمة الإسلام على الأعمال والأقوال الظاهرة، ويدل على ذلك حديث جبريل: (قال: ما الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة)، إلى آخر الحديث.
ذكر الأعمال الظاهرة، ثم لما سأله عن الإيمان في نفس الحديث فسره بالأعمال الباطنة.
إذًا: إذا اقترن الإسلام بالإيمان ينصرف معنى الإسلام إلى الأعمال الظاهرة، والإيمان إلى الأعمال الباطنة؛ لأنهما اجتمعا في النص، وافترقا في المعنى، أما إذا افترقا في النص وأتى كلًا منهما مفردًا، فإنهما يجتمعان في المعنى في هذه الحالة.
أما الإيمان فهو في اللغة: التصديق، كما قال الله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧]، أي: ما أنت بمصدق لنا، فهذا معنى الإيمان لغة: التصديق.
أما معنى الإيمان شرعًا: فيأتي على الإفراد غير مقترن بذكر الإسلام، وفي هذه الحالة يراد به الدين كله تمامًا، مثل لفظ الإسلام إذا أطلق فيشمل أصول الدين، وفروعه، اعتقاداته وأقواله وأفعاله، أما إذا أطلق مقرونًا بالإسلام، فيفسر الإسلام بأنه إظهار أعمال مخصوصة، ويفسر الإيمان بأنه تصديق بأمور مخصوصة، وكما أن العامل الذي يعمل الأعمال الصالحة لا يكون مسلمًا كاملًا إلا إذا اعتقد وآمن، كذلك المؤمن المعتقد لا يصير مؤمنًا كاملًا إلا إذا عمل.
[ ٦ / ٢ ]
إبطال مذهب المرجئة في الإيمان
ذكرنا أيضًا مذاهب المنحرفين في مسألة دخول الأعمال في مسمى الإيمان، وقلنا: إن منهم من يقول: إن الإيمان مجرد التصديق فقط، ومنهم من يقول: الإيمان مجرد المعرفة بالله فقط، وذكرنا مذهب المرجئة والكرامية الذين يقولون: إن الإيمان هو الإقرار باللسان دون عقد القلب، إلى آخر الأمثلة التي ذكرناها من أهل البدع والضلال في هذا، لكن نقف وقفة يسيرة عند مذهب المرجئة.
يقول الزهري رحمه الله تعالى: ما ابتدعت في الإسلام بدعة أضر على الملة من هذه.
يشير إلى أهل الإرجاء، وسئل إبراهيم: ما ترى في رأي المرجئة؟ فقال: أوه -أوه اسم فعل مضارع بمعنى أتضجر أو أتوجع- لفقوا قولًا فأنا أخافهم على الأمة، والشر من أمرهم كثير، فإياك وإياهم! وقال إبراهيم: المرجئة أخوف عندي على الإسلام من الأزارقة، المرجئة أخوف عندي على الإسلام إذا كان هناك عدد يوازيهم من الأزارقة -والأزارقة: فرقة من فرق الخوارج- فالمرجئة يكونون أشد خطرًا منهم.
وقال أيوب: قال لي سعيد بن جبير: رأيتك مع طلق! قلت: بلى، فما له؟! قال: لا تجالسه فإنه مرجئ، قال أيوب: وما شاورته في ذلك.
ويحق للمسلم إذا رأى من أخيه ما يكره أن يأمره وينهاه، وهذا موقف من مواقف السلف في البراءة من أهل البدع ومجانبتهم، فضلًا عن الجلوس معهم.
وكان يحيى وقتادة يقولان: ليس من الأهواء شيء أخوف عندهم على الأمة من الإرجاء، وذكر عند الضحاك بن مزاحم قول من قال: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، يعني: بعض المرجئة يستدلون بمثل هذه النصوص على أن الإيمان هو الإقرار باللسان فقط دون عقد القلب، فقال الضحاك بن مزاحم: هذا قبل أن تحد الحدود وتنزل الفرائض، لكن بعدما حدت الحدود، ونزلت الفرائض صارت هذه داخلة في مسمى الإيمان الذي ينجي صاحبه، فالله ﵎ أمر المؤمنين بعد أن صدقوا في إيمانهم بالصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد إلى آخره، فمن زعم أن الله فرض عليهم ما ذكرنا، ولم يرد منهم العمل، ورضي منهم بالقول، فقد خالف الله ﷿ وخالف رسول الله ﷺ.
يعني: أن الله ﷿ أمرهم أولًا بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ثم بعد ما امتثلوا لذلك، واستقر الإيمان في قلوبهم أمرهم بالشرائع بالصلاة والصيام والزكاة والحج، هل يأمرهم لمجرد الأمر فقط أم أن هذا الأمر مطلوب منهم الامتثال له؟ إذًا: الله ﷿ يريد منهم الامتثال والعمل، وتطبيق الأوامر التي أمرهم بها، فهؤلاء المرجئة مقتضى كلامهم أن الله أمرهم بهذه الأعمال ولم يلزمهم أن يعملوها، وهذا فيه مخالفة لأمر الله وأمر رسول الله ﷺ.
فبعد أن صدق المؤمنون في إيمانهم أمرهم الله بالصلاة والزكاة والصيام والحج وسائر الفرائض والحدود، فمن زعم أن الله فرض عليهم ما ذكرنا ولم يرد منهم العمل، ورضي منهم بالقول فقط، وأن يقولوا: لا إله إلا الله، فقد خالف الله ﷿ ورسوله ﷺ، قال تعالى: ﴿اليَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، معنى كلمة (َأَتْمَمْتُ): أنه كان ينزل شيئًا بعد شيء حتى اكتمل الدين في هذه الصورة النهائية، وقال ﷺ: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت).
فجمع إلى الشهادتين في نفس القوة أركان البناء، وأعمدة الإسلام الأربعة الأخرى غير الشهادتين، ولا شك أنها أعمدة يقوم بها الدين، فمن ضيعها فقد ضيع الدين.
أما من قال: إن الإيمان مجرد المعرفة، والتصديق بأن هناك إلهًا وأن الله موجود فيلزمه أن إبليس مؤمن.
ويتصور الناس أن الملحد هو الذي يقول: لا إله، فهذا غير صحيح؛ لا من حيث الشرع، ولا من حيث اللغة، فالإلحاد: هو الميل عن القصد، فأي شخص منحرف في عقيدته أو سلوكه يوصف بالإلحاد.
فيلزم مما يزعمونه من أن الإيمان هو مجرد المعرفة: أن إبليس كان مؤمنًا؛ لأنه كان يقر بوجود الله، وعرف ربه ﵎؛ لأنه قال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر:٣٩]، وقال: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر:٣٦]، كذلك يلزم من ذلك أن اليهود مؤمنون، فإن الله ﵎ قال في حقهم: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦]، وقال ﵎ أيضًا: ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣].
ثم أليس الفرق بين الإسلام والكفر هو العمل؟! أما مذهب أهل الإرجاء واعتقادهم أن الإيمان هو مجرد الإقرار باللسان أو المعرفة، فيترتب على ذلك أن المرجئ يعتقد ما يأتي: أولًا: أن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل.
ثانيًا: أنه مؤمن عند الله حقيقة.
ثالثًا: أنه مؤمن مستكمل الإيمان.
رابعًا: أنه مؤمن حقًا.
ولا يقولون بتفاضل أهل الإيمان فيه؛ لأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ولا يكون الرجل أقوى إيمانًا من الآخر، بل إيمان أقل واحد من المسلمين مثل إيمان جبريل وميكائيل ورسول الله ﵌.
كذلك يقولون: الشخص المدمن للخمر الذي لا يصحو من الخمر والسكر إيمانه تمامًا مثل إيمان جبريل وميكائيل.
كذلك يقولون: من قال: لا إله إلا الله، لم تضره الكبائر أن يعملها.
فيقولون: كما لا ينفع مع الكفر طاعة كذلك لا تضر مع الإيمان معصية، والإيمان في نظرهم هو مجرد الإقرار أو المعرفة، فيقولون: من قال لا إله إلا الله لم تضره الكبائر أن يعملها، ولا الفواحش أن يرتكبها، وأن المرجئ البار التقي الذي لا يباشر من ذلك شيئًا والفاجر يكونان سواءً.
وهذا واضح مصادمته للقرآن، فهو من المنكرات العظيمة، يقول الله ﷿: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١]، هذه الآية يسميها السلف: مبكاة العابدين؛ لأنها كانت تبكي العابدين كثيرًا، وقال ﷿: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨]، وتتفاضل الطائفتان من المؤمنين في الأعمال الصالحة درجات، ونفس أهل الإيمان هم أنفسهم درجات، كما قال الله ﷿: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٦٣].
إذا كان أهل الإيمان أنفسهم فيما بينهم متفاوتون فما بالك بأهل الطاعة والمعصية الذين يكون التمايز بينهم أشد؟! فأهل الإيمان أنفسهم متفاوتون في هذه الصلاة، ولعلهم جميعًا واقفون في صف واحد، وفي مسجد واحد، وراء إمام واحد، وذلك لتفاوت أحوال قلوبهم، يقول الله ﵎: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًاّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠].
فهذا مجمل ما يئول إليه كلام المرجئة.
[ ٦ / ٣ ]
تعريف الإيمان والإسلام إذا اجتمعا
قلنا: الإيمان لغة: التصديق، وشرعًا له حالتان: الأولى: إما أن يأتي مفردًا، فبالتالي يشمل كل أمور الدين، والحالة الثانية: أن يطلق الإيمان مقرونًا بالإسلام، وحينئذ يفسر بالاعتقادات الباطنة كما في حديث جبريل وما في معناه، وكما في قول الله ﷿: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٥]، حيث اقترن الإيمان بالعمل الصالح، فدل على أن الإيمان هو الأمور الباطنة، وكما في قول النبي ﵌ في دعاء الجنازة: (اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان)، وما الحكمة في التعبير عن الشخص الحي بالإسلام، والمتوفى بالإيمان؟ الحكمة أن الإسلام إذا كان مجرد الأعمال الظاهرة كالصلاة والصيام والحج والزكاة إلى آخره، فعند الوفاة وعند خروج الروح لا يوجد متسع لعمل البدن، وإنما يوجد متسع لأعمال القلب، وأن يموت على الإيمان الكامل، فالأعمال المتعلقة بالجوارح إنما يتمكن منها في الحياة، فأما عند الموت فلا يبقى غير قول القلب وعمله، لحديث أنس عند أحمد عن النبي ﷺ قال: (الإسلام علانية، والإيمان في القلب).
فهنا اجتمعا في النطق فيفترقان في المعنى.
الحاصل: أنه إذا أفرد كل من الإسلام والإيمان بالذكر فلا فرق بينهما حينئذ، بل كل منهما على انفراده يشمل الدين كله، وإن فرق بين الاثنين كان الفرق بينهما بما في هذا الحديث: (الإسلام علانية والإيمان في القلب).
والمجموع مع الإحسان هو الدين، أي: أن الإسلام مع الإيمان مع الإحسان هو الدين، كما سمى النبي ﷺ ذلك كله دينًا فقال: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم).
وبهذا يحصل الجمع بين هذا الحديث وبين الأحاديث التي فيها تفسير الإيمان بالإسلام، والإسلام بالإيمان.
قال الحافظ ابن رجب ﵀: وأما وجه الجمع بين هذه النصوص وبين حديث جبريل ﵇ وسؤاله عن الإسلام والإيمان، وتفريق النبي ﷺ بينهما، وإدخاله الأعمال في مسمى الإسلام دون الإيمان، فإنه يتضح بتقرير أصل، وهو: أن من الأسماء ما يكون شاملًا لمسميات متعددة عند إفراده وإطلاقه، فإذا قرن الاسم بغيره صار دالًا على بعض تلك المسميات، والاسم المقرون به دال على باقيها.
كالفقير مع المسكين، إذا أفرد أحدهما دخل فيه كل من هو محتاج، فإذا قرن أحدهما بالآخر دل أحد الاسمين على بعض أنواع ذوي الحاجات والآخر على باقيها، فهكذا اسم الإسلام والإيمان.
وقال الإمام أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى: ما أكثر ما يغلط الناس في هذه المسألة، فأما الزهري فقال: الإسلام الكلمة، والإيمان العمل، واحتج بقوله تعالى: ﴿قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، وذهب غيره إلى أن الإسلام والإيمان شيء واحد، واحتج بقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦].
يقول الخطابي: والصحيح أن يقيد الكلام في هذا ولا يطلق، وذلك أن المسلم قد يكون مؤمنًا في بعض الأحوال، ولا يكون مؤمنًا في بعضها، والمؤمن مسلم في جميع الأحوال، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا، يعني: كما فعل بعض السلف: نرسم دائرة كبيرة تمثل الإسلام، وفي داخلها دائرة أصغر منها هي دائرة الإيمان، فكل من كان في دائرة الإيمان فهو أيضًا داخل في دائرة الإسلام، لكن ليس كل من كان في دائرة الإسلام يكون في دائرة الإيمان، فمن خرج عن الإيمان بقي في دائرة الإسلام، وقد يخرج عن الإيمان بالمعاصي، ولا يخرج عن الإسلام إلا بالكفر، فالمعاصي تخرج من الإيمان إلى الإسلام، والأحاديث معروفة في ذلك، مثل: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن)، نعم الإيمان موجود في قلبه، والتصديق بأن هذا الفعل حرام، لكن يغيب عنه حضور هذا الشعور، وتجنب هذا الذنب ساعة هذا الفعل، فيخرج الإيمان من قلبه ولا يبقى في قلبه، فإذا نزع وتاب دخل ثانية في الإسلام.
يقول: وإذا حملت الأمر على هذا استقام لك تأويل الآيات، واعتدل القول فيها، ولم يختلف شيء منها.
[ ٦ / ٤ ]
الإيمان يزيد وينقص
من الأصول المهمة جدًا عند أهل السنة والجماعة المتعلقة بقضايا الإيمان: أن الإيمان يزيد وينقص.
يقول الشيخ حافظ الحكمي ﵀: إيماننا يزيد بالطاعات ونقصه يكون بالزلات هذه هي المسألة الأولى من المسائل الستة التي ذكرها الشيخ حافظ الحكمي في معارج القبول في الجزء الثاني، وهي: أن الإيمان يزيد وينقص، ولهذا ترجم الإمام البخاري ﵀ في كتاب الإيمان: باب: قول النبي ﷺ بني الإسلام على خمس، وهو قول وفعل يزيد وينقص، قال الله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤]، الإيمان يزيد مثل الترمومتر يرتفع وينزل، فالإيمان شيء يخص كل إنسان في نفسه، كلما ازددت من الطاعات ومن الأعمال الصالحة تشعر بزيادة الإيمان، إذًا: هذا هو الداء الذي يشكو منه كثير من الناس، يشكون من نقصان الإيمان في قلوبهم، ونقصان اليقين، حتى التصديق في حد ذاته واليقين الذي هو عمل من أعمال القلب.
هذا أيضًا يزيد بكثرة التأمل والتفكر في خلق الله ﵎ وفي آياته، ألم تر إلى إبراهيم ﵇: هل كان يشك أن الله ﵎ قادر على أن يحيي الموتى؟ لا، وبلا شك أن إبراهيم ﵇ كان موقنًا بذلك ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ [البقرة:٢٦٠]، أي: أنا مؤمن ومصدق بذلك عن علم ويقين، فهو يريد حق اليقين وأن يرى ذلك بنفسه، أو يرى عين اليقين بعينه ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ [البقرة:٢٦٠]، إذًا: كان عنده أصل الإيمان والتصديق واليقين القوي في قدرة الله، لكن لا يوجد العلم الذي هو أقوى؛ لأن العلم درجات، فهناك: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، لو أخبرتك بأن في هذه الحجرة إناء فيه عسل فصدقتني ولم تشك في أمري، فهذا علم اليقين، فإذا أدخلتك فيها ورأيته فهذا عين اليقين لأنك رأيته بعينك، فإذا ذقته فهذا حق اليقين، إذا سمعت بأن هناك كعبة في مكة المكرمة، وكنت لا تتردد في ذلك أبدًا في التصديق بهذا الخبر، فهذا علم اليقين، فإذا ذهبت هناك ورأيتها فهذا عين اليقين، فإذا لمستها فهذا حق اليقين، فلذلك لما قال له: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠]، إذًا: اليقين يزداد ويقوى بزيادة التدبر، ورؤية آلاء الله ﷿، وإعمال الفكر في خلق الله ﵎، فالإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي.
كذلك الكفار يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة:٣٧]، فالكافر يزداد كفرًا على كفره، ويزداد ظلمات فوق الظلمات، وقال ﵎: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:١٣] إذًا: الهداية أيضًا تزيد، وقال ﷿: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم:٧٦]، ويقول ﵎: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧]، وقال ﵎: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر:٣١]، وذلك لما أتى الخبر بأن عدد خزنة النار من الملائكة تسعة عشر ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر:٣٠]؛ فانقسم الناس إزاء هذا الخبر إلى أقسام، فالمؤمن هو مؤمن أصلًا، فحينما يعرف شيئًا جديدًا من مسائل دينه وأركان عقيدته ويؤمن به يزداد إيمانًا قال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر:٣١] بهذا الخبر، ﴿وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المدثر:٣١]؛ لأن أهل الكتاب سيجدون أن هذا موافق لما عندهم في كتبهم، فلا يشك في صدقه، وأنه يخرج من مشكاة واحدة.
أما الكافرون فيزدادون كفرًا؛ لأنهم أصلًا غير مصدقين، فإذا كذبوا بشيء جديد من أقوال الوحي فإنهم يزدادون بعدًا من الله ويزدادون في الكفر والعياذ بالله! قال ﵎: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢].
وقال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: باب في استكمال الإيمان والزيادة والنقصان، وساق حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: (إن أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وألطفهم بأهله).
فانظر إلى كلمة: (أكمل)، فهذا دليل أيضًا على أن الإيمان يزيد ويكتمل، وقال ﷺ: (يا معشر النساء! تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار).
والشاهد: قوله في آخر الحديث: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذوي الألباب وذوي الرأي منكن).
كما يقول بعض الشعراء: إن العيون التي في طرفها حور قتلننا ثم لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به وهن أضعف خلق الله أركانا لأن كيدهن عظيم إذا لم يتقين الله، فلذلك تجد المرأة مع ضعفها قد تغلب الرجل وتقهره وتتسلط عليه، ولذلك يقول ﵊: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين)، مع نقصان عقلهن ودينهن إلا أنهن يقدرن على أن يغلبن ذوي الألباب، (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذوي الألباب وذوي الرأي منكن)، الشاهد هنا قوله: ناقصات العقل والدين، ناقصات العقل المقصود به: شهادة المرأة، فهي بنصف شهادة الرجل، أما في الدين: فإنها إذا حاضت لا تصوم ولا تصلي، في حين أن الرجل يصوم ويصلي.
المقصود: أن كل مرأة لا تؤدي هذه الفرائض بسبب الحيض، فإن ذلك يعد نقصانًا في دينها، فهذا أيضًا يثبت هذه القاعدة.
وفي الحديث الصحيح يقول ﷺ: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأعلاها قول لا إله إلا الله)، وفي بعض الروايات: (بضع وستون)، وفي بعضها: (بضع وسبعون شعبة)، أيضًا الإمام النسائي حينما ترجم للحديث قال: باب زيادة الإيمان.
وذكر في باب زيادة الإيمان حديث الشفاعة؛ لأن حديث الشفاعة في حد ذاته بمنطوقه يدل على تفاضل أهل الإيمان فيه، فمنهم من يدخل الجنة مع السابقين، ومنهم من يكون أقل، ومنهم من يدخل النار، ثم يخرج من بقي في قلبه مثقال حبة من إيمان من أهل التوحيد؛ فهذا كله يدل على أن أهل الإيمان يتفاضلون فيه، أما الزيادة والنقص فدلالته عليها مفهومًا لا منطوقًا، يعني: الزيادة ثابتة بهذه الأدلة، أما النقص فيأتي إن شاء الله تفصيل الكلام فيها.
بعض العلماء يرى أن النقص مأخوذ من هذه الأدلة عن طريق المفهوم لا عن طريق المنطوق، والمنطوق: هو اللفظ الوارد في الحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير).
أما المفهوم: (لا يؤمن أحدكم حتى يكره لأخيه ما يكره لنفسه).
فهذه الأدلة فيها أن الإيمان يزيد، وكل ما كان قابلًا للزيادة فهو قابل للنقصان، فبعض الناس كان يحتج بالأحاديث الواردة في عقوبة من اقتنى كلبًا لغير صيد أو ماشية، فيقول النبي ﵊: (من اقتنى كلبًا إلا كلب ماشية أو صيد نقص من عمله كل يوم قيراطان)، فكل يوم ينقص من أجره قيراطان.
فتبًا لهؤلاء الذين يقلدون الكفار! تجدهم يعتنون بالكلاب أشد عناية، حتى المجلات تحاول أن تزرع هذه المفاهيم الكفرية في الأطفال الصغار، فتجد مثلًا في بعض المجلات صورة فأر، فيعودون الطفل على استحسان الفأر ومحبته واستظرافه، أو خنازير، أو كلاب إلخ.
وهكذا إلى أن يرسخ حبه في قلبه بعد موته، فيحتفظ بجسم هذا الصنم في البيت وفاءً لذكراه، غير النعي الذي يكتب في الجرائد لموت الكلب، وسيما القداس في الكنيسة لأجل موته إلى آخر هذه الأشياء التي نحمد الله أن عصمنا منها، فيريد بعض الإمعات أن يعيدوا لنا مظهرًا من مظاهر التقدم إلى الوراء، الشاهد: فهذا كلب يعامل هذه المعاملة، في حين أن الرسول ﵊ يخوفنا أن من اقتنى كلبًا لغير هذين الهدفين كلب صيد أو ماشية أو حراسة أرض؛ فإنه ينقص من أجره قيراطان كل يوم، يعاقب أن ينقص أجره من الأعمال الصالحة التي يعملها قيراطان كل يوم.
يقول النبي ﵊ في بعض الأحاديث: (رأيت الناس وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي) إلى آخره، فهذا يفهم منه تفاوت الناس في الإيمان، حتى قال: (وعرض علي عمر بن الخطاب ﵁ وعليه قميص يجره، قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين)، يعني: قوته وشدته في دينه، رضي الله ﵎ عنه.
ويقول الله ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، روى طارق بن شهاب، عن عمر بن الخطاب ﵁: أن رجلًا من اليهود قالوا له: يا أمير المؤمنين! آية في كتابكم تقرءونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال: أي آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ﴾ [المائدة:٣].
قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم، والمكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ وهو قائم بعرفة يوم جمعة، وعلى ذلك ترجم أبو داود وغيره من أئمة السنة.
أيضًا استدل بها الإمام مسلم بن الحجاج وذكر بسنده عن حنظلة الأسيدي وكان من كتاب رسول الله ﷺ، قال: لقيني أبو بكر ﵁، فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ وكان الصحابة ﵃ إذا لقي بعضهم بعضًا يطمئنون على أحوالهم الإيمانية، كيف حالك مع الله؟ أنت في ازدياد أم في نقصان؟ فهذا هو الذي ينبغي أن يشغل المسلمين، لا أ
[ ٦ / ٥ ]
آثار السلف وأقوالهم في زيادة الإيمان ونقصانه
تكلم الإمام الآجري رحمه الله تعالى في بحث الإيمان يزيد وينقص، فروى رحمه الله تعالى بسنده عن محمد بن عبد الملك المصرفي أبي عبد الله، قال: كنا عند سفيان بن عيينة في سنة سبعين ومائة، فسأله رجل عن الإيمان، فقال: قول وعمل، قال: يزيد وينقص؟ قال: يزيد ما شاء الله، وينقص حتى لا يبقى منه مثل هذه، وأشار سفيان بيده، قال الرجل: كيف نصنع بقوم عندنا يزعمون أن الإيمان قول بلا عمل؟ فقال سفيان: كان القول قولهم قبل أن تقرر أحكام الإيمان وحدوده، إن الله ﷿ بعث نبينا محمدًا ﷺ إلى الناس كلهم كافة أن يقولوا: لا إله إلا الله، وأنه رسول الله، فلما قالوها عصموا بها دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله ﷿.
فلما علم الله ﷿ صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالصلاة، فأمرهم ففعلوا، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم.
فلما علم الله جل وعلا صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالهجرة إلى المدينة فأمرهم ففعلوا، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول، ولا صلاتهم.
فلما علم الله ﵎ صدق ذلك من قلوبهم أمرهم بالرجوع إلى مكة ليقاتلوا آباءهم وأبناءهم حتى يقولوا كقولهم، ويصلوا صلاتهم، ويهاجروا هجرتهم، فأمرهم ففعلوا حتى أتى أحدهم برأس أبيه، فقال: يا رسول الله! هذا رأس شيخ الكافرين، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول، ولا صلاتهم ولا هجرتهم، ولا قتالهم.
فلما علم الله ﷿ صدق ذلك من قلوبهم، أمره أن يأمرهم بالطواف بالبيت تعبدًا، وأن يحلقوا رءوسهم تذللًا ففعلوا، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم، ولا هجرتهم، ولا قتلهم آباءهم.
فلما علم الله ﷿ صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأخذ من أموالهم صدقة يطهرهم بها، فأمرهم ففعلوا حتى أتوا بها قليلها وكثيرها، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول، ولا صلاتهم، ولا هجرتهم، ولا قتلهم آباءهم ولا صلاتهم.
فلما علم الله ﵎ الصدق من قلوبهم فيما تتابع عليهم من شرائع الإيمان وحدوده، قال ﷿ ﷾: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].
فمن ترك خلة -أي: صفة- من خلال الإيمان كان بها عندنا كافرًا -واضح من السياق أنه يقصد الجحود-ومن تركها كسلًا أو تهاونًا بها أدبناه، وكان بها عندنا ناقصًا، هكذا السنة أبلغها عني من سألك من الناس.
فعلق الحافظ الإمام محمد بن الحسين الآجري ﵀ فقال: هذا بيان لمن عقل: اعلم أنه لا يصح الدين إلا بالتصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح مثل: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والجهاد وما أشبه ذلك.
قال الأوزاعي ﵀: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فمن زعم أن الإيمان يزيد ولا ينقص فاحذروه فإنه مبتدع.
قد يتشدق بعض الناس ويقولون: لا دليل صريح على أن الإيمان ينقص، لكن عندنا أدلة على أنه يزيد، فإجماع السلف على أنه كما أنه يزيد ينقص، والدليل هو مفهوم هذه النصوص التي ذكرناها.
ثم ذكر الإمام الآجري ﵀: باب: ذكر ما دل على زيادة الإيمان ونقصانه، يقول: في القرآن أدلة كثيرة على زيادة الإيمان، وقال: قيل لـ سفيان بن عيينة: الإيمان يزيد وينقص؟ قال: أليس تقرءون القرآن، ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران:١٧٣]؟ فقيل له: ينقص؟ قال: ليس شيء يزيد إلا وهو ينقص، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، فإن زاد -أي: سيئاته- زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي قال الله ﷿: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤]).
وعن عمير بن حبيب قال: الإيمان يزيد وينقص، قيل له: ما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله ﷿ وحمدناه وخشيناه فذلك زيادته، فإذا غفلنا وضيعنا فذلك نقصانه.
وعن زر بن حبيش قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول لأصحابه: هلموا نزداد إيمانًا، فيجلسون ويذكرون الله ﵎ حتى يزداد إيمانهم.
وعن عبد الله بن عكيم قال: سمعت عبد الله بن مسعود ﵁ يقول في دعائه: اللهم زدني إيمانًا ويقينًا وفقهًا ثم ذكر قوله ﵊: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لألباب ذوي الرأي منكن).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن)، يعني: ساعة السرقة يخرج منه الإيمان كما جاء في الحديث: (يرتفع الإيمان من قلبه ويصبح مثل الظلة فوق رأسه، ثم يعود إليه إذا نزع عن هذا الفعل، أو تاب منه).
ذلك لأنه لا يوجد عنده استحضار الشعور بتحريم هذا الشيء، ومثله الزاني والعياذ بالله ساعة هذا الفعل يخرج من الدائرة الصغرى دائرة الإيمان، ولكن ما زال في دائرة الإسلام، فإذا استحل فإنه يخرج من الإسلام تمامًا.
فالتوبة تدخل المشرك في دائرة الإسلام العامة، كذلك أيضًا التوبة من المعصية تدخله ثانية إلى دائرة الإيمان، وما الدليل على ذلك؟ لأن الخوارج المكفرين للمسلمين العصاة يقولون: الرسول ﵊ ينفي عنه الإيمان وأنت تصفه بأنه مسلم كيف هذا؟ ما الدليل على أنه ما زال في دائرة الإسلام؟ نقول: إذا كان خرج بالفعل من الإيمان بالكلية فهذا يستحق أن يقتل ردة، لحديث: (من بدل دينه فاقتلوه)، فإقامة الحد هو تطهير، مثل حديث المرأة الغامدية وغير ذلك من الأحاديث التي فيها الحكم عليهم بعد الاستغفار لهم، فلو خرج غير المحصن بالزنا من الإسلام لكان ردة، لكنه يجلد ولا يقتل، كذلك الشارب يجلد، والسارق يقطع، فدل على إسلامه، ثم الحد كفارة لذنبه، وهذا لا يكون إلا لمسلم، وفي حديث أبي ذر: (وإن زنى وإن سرق رغم أنف أبي ذر)، يعني: إذا مات على التوحيد؛ لأنه ما زال في دائرة الإسلام.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، والتوبة معروضة بعد).
عن فضيل بن يسار قال: قيل لـ أبي جعفر ﵁ في قول النبي ﷺ: (لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن).
قال: فدور دائرة وقال: هذا الإسلام، ثم دور حولها دائرة فقال: وهذا الإيمان محصور في الإسلام، فإذا سرق أو زنى خرج من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام إلا الشرك.
وعن الفضل بن يسار قال: قال محمد بن علي ﵁: هذا الإسلام دائرة كبيرة، ودور دائرة في وسطها أخرى، وهذا الإيمان الذي في وسطها محصور في الإسلام، وقال: قال رسول الله ﷺ: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن) ثم قال: يخرج من الإيمان إلى الإسلام ولا يخرج من الإسلام، فإذا تاب تاب الله عليه، ورجع إلى الإيمان.
يقول الإمام محمد بن الحسين الآجري ﵀: ما أحسن ما قال محمد بن علي ﵄! وذلك أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والإسلام لا يجوز أن يقال: يزيد وينقص.
انظر إلى هذا التعبير الدقيق! يقول: لا تقل في الإسلام: إنه يزيد وينقص، لكن الذي يزيد وينقص هو الإيمان، لأن الإنسان بالطاعة يزيد إيمانه، وبالمعصية يضعف إيمانه، وهذه الأحاديث في الزاني والسارق وشارب الخمر تدل على أنه يخرج من الإيمان ساعة الفعل، ويبقى في الإسلام، فلا يقال في الإسلام: يزيد وينقص، وإنما يقال: الزيادة والنقصان في الإيمان؛ لأنه حتى لو كان متلبسًا بالمعصية فما زال في دائرة الإسلام.
نعيد عبارة الإمام الآجري ﵀ معلقًا على قول محمد بن علي ﵄ قال: وما أحسن ما قال محمد بن علي ﵄! وذلك أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، والإسلام لا يجوز أن يقال: يزيد وينقص، ولذلك قال ﷺ في الإسلام: (بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة، فمن ترك الصلاة فقد كفر).
وقال ابن عباس ﵄ لغلمانه: من أراد منكم الباءة زوجناه، فإنه لا يزني زان إلا نزع الله منه نور الإيمان، فإن شاء أن يرده رده، وإن شاء أن يمنعه منعه.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: الإيمان نزه يعني: موصوف بالنزاهة، والنزيه لا يقبل أن يجتمع معه الخبيث، فالإيمان الموجود في قلب المؤمن لا يمكن أبدًا أن يجتمع ويبقى في قلب يفعل مثل هذه الفواحش أو هذه المحرمات، الإيمان يتنزه عن أن يتواجد في مثل هذا القلب، فسرعان ما يخرج منه والعياذ بالله! يقول أبو هريرة: الإيمان نزه، فمن زنى فارق الإيمان، فإن لام نفسه وراجع رجع إليه الإيمان.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا).
وقال ابن عيينة: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فقال له أخوه إبراهيم بن عيينة وكان أصغر منه: يا أبا محمد! لا تقولن يزيد وينقص، فغضب وقال: اسكت يا صبي، بل حتى لا يبقى منه شيء.
لأن المعاصي
[ ٦ / ٦ ]