الاستثناء في الإيمان هو أحد المسائل التي أخذ فيها المبتدعة بجانب واحد من الأدلة وأغفلوا الجانب الآخر فضلوا، ووفق الله تعالى أهل السنة والجماعة إلى الأخذ بجميع أطراف النصوص فاهتدوا، فقد ذهبوا إلى جواز إلى جواز الاستثناء في الإيمان باعتبار وعدم جوازه باعتبار آخر.
ثم إن أهل الإيمان متفاوتون فيه، وبحسب هذا التفاوت يكون نعيم الجنة، وعلو الدرجات فيها.
[ ٧ / ١ ]
كلام الآجري في الاستثناء في الإيمان
هناك قضية أقحمت إقحامًا في قضايا الكفر والإيمان، وهي: الاستثناء في الإيمان، يعني: إذا قيل لك: هل أنت مؤمن، فبماذا تجيب؟ هل تقول: نعم أنا مؤمن، أو تقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أو ماذا تقول؟ فهذه القضية وإن كانت ليست من صلب قضايا الإيمان لكن لها تعلق بما سبق أن ذكرناه في قضية الإيمان ومركبات الإيمان.
ونعرض أولًا لقول الإمام أبي بكر الآجري رحمه الله تعالى في كتاب الشريعة حيث قال: باب ذكر الاستثناء في الإيمان من غير شك فيه.
يعني: أنه يجوز أن تستثني في الإيمان دون أن تقصد بهذا الاستثناء الشك، فإذا قيل لك: هل أنت مؤمن؟ فلك أن تقول: أنا مؤمن إن شاء الله، ولا تقصد بكلمة: (إن شاء الله) الشك والريب؛ لأن الريب ينافي الإيمان كما ذكرنا من قبل في شروط لا إله إلا الله، فمن شروطها: اليقين المنافي للشك، قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥]، فلا يجوز الشك في الإيمان، فالذي يعتمده الإمام الآجري ﵀: أنه يجوز أن تقول: أنا مؤمن إن شاء الله، بدون أن تقصد من كلمة: (إن شاء الله) الشك في الإيمان، فمن صفة أهل الحق كما يقول الآجري: الاستثناء في الإيمان لا على جهة الشك، ولكن من أجل خوف التزكية للنفس بالاستكمال للإيمان، فالإنسان لا يدري أهو ممن يستحق حقيقة الإيمان أم لا، فيقول: نعم أنا مؤمن، أو يقول: أنا مؤمن إن شاء الله دون أن يقصد بذلك تزكية نفسه.
وقد ذكرنا من قبل: أن الإيمان يتركب من تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح بما فيها اللسان، فأنت حينما تقول: أنا مؤمن إن شاء الله، فهذا الاستثناء لا يمكن أبدًا أن يدخل في تصديق القلب ولا في قول اللسان، وإنما يكون الاستثناء فيما يتعلق بعمل الجوارح الأعمال الموجبة لحقيقة الإيمان، فلا يمكن أبدًا أن يصح الإيمان من رجل يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، ويقصد التصديق بالقلب، فهذا لا يدخله استثناء، بل لابد فيه من اليقين الراسخ المنافي تمامًا للريب وللشك.
وكذلك لا يمكن أن تكون قاصدًا بقولك: (إن شاء الله) النطق باللسان، لكن قولك أنا مؤمن إن شاء الله، يكون فيما يتعلق بالجزء الثالث وهو عمل الجوارح.
هذا هو الذي يصح أن تستثني فيه.
والناس عند السلف على الظاهر مؤمنون يتوارثون ويتناكحون؛ لأن ظاهر الناس في حياتهم في المجتمع الإسلامي أنهم مؤمنون مسلمون، وبهذا الإيمان يتوارثون، وإلا لو لم يكونوا مؤمنين لما ترتب على ذلك حصول الميراث بين المسلم وقريبه المسلم.
وبه يتناكحون أيضًا وهكذا يتم التناكح على أساس الحكم بالإيمان، وبه تجري أحكام ملة الإسلام، ولكن الاستثناء منهم على حسب ما بيناه وحسب ما بينه العلماء من قبل، إنما ينصرف إلى الأعمال التي توجب حقيقة الإيمان، وليس المقصود بالاستثناء ما في القلب، ولا الذي هو قول باللسان، إنما الاستثناء يكون في أعمال الجوارح، وهو عبارة عن مخافة واحتياط فقط، ولا يمكن أبدًا أن يكون على الشك؛ نعوذ بالله من الشك في الإيمان.
أما الأدلة على أن الاستثناء يكون بغير شك فمنها: قوله ﵎: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح:٢٧]، فهل يمكن أن نقول: إن كلمة ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح:٢٧]، هنا على الشك؟
الجواب
هذا لا يمكن؛ لأن هذه بشارة من الله ﷿ لنبيه ﵌ وأصحابه، فالله علم أنهم داخلون الحرم الشريف آمنين، فهذا دليل على أن الاستثناء يكون بغير شك، وليس شرطًا أن تنصرف كلمة: (إن شاء الله) إلى الشك كما في هذه الآية.
كذلك لما دخل النبي ﵌ المقبرة ودعا للمؤمنين ختم دعاءه بقوله: (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)، فهل هذا على الشك؟ الجواب: كلا، بل: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥].
وكذلك قول النبي ﵌: (إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله ﷿)، وهذا أيضًا ليس على سبيل الشك، ولكنه عبر عنه بقوله: (إني لأرجو).
وروي أن رجلًا قال عند ابن مسعود ﵁: أنا مؤمن، فقال ابن مسعود ﵁: أفأنت من أهل الجنة؟! فقال: أرجو، فلما سمعه ابن مسعود يقول: أنا مؤمن، قال: أفأنت من أهل الجنة؟ قال الرجل: أرجو، فقال ابن مسعود: أفلا وكلت الأولى كما وكلت الأخرى؟ أي: كما أنك لم تجزم في الأخيرة بأنك من أهل الجنة، ووكلت ذلك إلى علم الله، كذلك في الدنيا أيضًا لا تزكي نفسك، ولا تجزم بأنك مستحق للجنة.
أيضًا: في سؤال الملكين في القبر جاء في الحديث أنهما يقولان للمؤمن: (على اليقين كنت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله تعالى)؛ فإن كان هذا المؤمن مات على اليقين وعلى الإيمان، فلا يمكن أن يكون المقصود من قول الملكين: (إن شاء الله) الشك؛ لأن الأعمال بالخواتيم، فهذا نص على أنه مات على اليقين، ويقال للكافر: (على شك كنت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله)، فقالا: إن شاء الله، لا على سبيل الشك.
وقال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبد الله - يعني: الإمام أحمد ﵀ يعجبه الاستثناء في الإيمان.
أي: يعجبه أن الرجل إذا سئل: أنت مؤمن؟ أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، فقال له رجل: إنما الناس رجلان: مؤمن وكافر؟ فقال أبو عبد الله: فأين قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٠٦]؟ يعني: ماذا تقول في هذا؟ وهذه الآية في سورة التوبة في بعض المؤمنين كما هو معلوم.
وقال الفضل: سمعت أبا عبد الله يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما أدركت أحدًا إلا على الاستثناء.
يعني: ما أدركت أحدًا من الأئمة السابقين من أئمة السلف إلا على الاستثناء في الإيمان، وكأن أحدهم كان إذا سئل يقول: أنا مؤمن إن شاء الله.
قال الأوزاعي في الرجل سئل: أمؤمن أنت؟ فقال: إن المسألة عما تسأل بدعة، والشهادة به تعمق لم نكلفه في ديننا، ولم يشرعه نبينا، ليس لمن يسأل عن ذلك فيه إمام، القول به جدل، والمنازعة فيه حدث، ولعمري ما شهادتك لنفسك بالتي توجب لك تلك الحقيقة إن لم يكن كذلك، ولا تركك الشهادة لنفسك بالتي تخرجك من الإيمان إن كنت كذلك، وإن الذي سألك عن إيمانك ليس يشك في ذلك منك، ولكنه يريد أن ينازع الله ﷿ علمه في ذلك، حين يزعم أن علمه وعلم الله ﷿ في ذلك سواء، فاصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل فيما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعهم، وقد كان أهل الشام في غفلة من هذه البدعة حتى قذفها إليهم بعض أهل العراق ممن دخل في تلك البدعة بعد ما رد عليهم فقهاؤهم وعلماؤهم، فأشربتها قلوب طوائف منهم، واستحْلتها ألسنتهم، وأصابهم ما أصاب غيرهم من الاختلاف، ولست بيائس أن يدفع الله ﷿ شر هذه البدعة إلى أن يصيروا إخوانًا دون أسلافكم؛ فإنه لم يدخر عنهم خيرًا خبئ لكم دونهم لفضل عندكم، وهم أصحاب نبينا ﷺ الذين اختارهم الله ﷿ وبعثه فيهم، فوصفه بهم فقال ﷿: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح:٢٩].
هذا كلام الأوزاعي ﵀، وهو يدل على أن هذا السؤال من الأشياء المحدثة، ونحن نقر بذلك، وأنه لم يكن من أدب الصحابة ولا سلوكهم أن يسألوا مثل هذه الأسئلة، وإنما أراد من اخترع هذا السؤال أن ينازع في علم الله ﵎، وأن يثبت بأن علمه فيك مثل علم الله فيك، فينكر عليك إذا قلت: إن شاء الله؛ لأنه يريد أن تقول له: أنا مؤمن؛ حتى توافقه على ذلك، ويقول: أنا أعلم منك أنك مؤمن، وأنت حينما تقول: إن شاء الله، هي إحالة إلى علم الله ﵎، وهو يريد أن يساوي بين علمه هو وعلم الله ﷿ فيك.
وقيل لـ سفيان بن عيينة: الرجل يقول: مؤمن أنت؟ فقال: قل: ما أشك في إيماني، وسؤالك إياي بدعة.
يعني: لا أشك لا في تصديقي بالقلب، ولا في نطقي باللسان.
فهذا أيضًا نوع من محاصرة السائل بحيث يفوت عليه مقصده، ثم قال: وتقول: ما أدري أنا عند الله ﷿ شقي أم سعيد أي: يمكن أن تجيب هذا السائل الذي يسألك: أأنت مؤمن؟ -فتقول له: ما أدري أنا عند الله ﷿ شقي أم سعيد، أمقبول عملي أم لا.
وعن ابن خليفة قال: قال لي إبراهيم: إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟ فقل: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله.
فجمعت هنا بين التصديق بالقلب، وبين النطق باللسان، وفوّتَّ عليه الكلام في الجزء الثالث؛ ولذلك لم تحتج هنا إلى الاستثناء.
وعن محمد بن سيرين قال: إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟ فقل: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:١٣٦] إلى آخر الآية.
الشاهد: أنك تتلو عليه هذه الآية؛ لأن الله أمرك بأن تقولها: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة:١٣٦] فحينما تقول: آمنت بالله، وبما جاء من عند الله، أفضل من أن تقول: أنا مؤمن.
وتسكت، أو تقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وتعني أنك إن شاء الله لست شاكًا في إيمانك.
وعن
[ ٧ / ٢ ]
كلام ابن أبي العز في الاستثناء في الإيمان
هذه المسألة أيضًا تعرض لها شارح الطحاوية رحمه الله تعالى بشيء من التفصيل، وهذه المسألة أحيانًا يترتب عليها خلافات عديدة ومذمومة في نفس الوقت، فعند بعض المذاهب -كالأحناف- من قال: أنا مؤمن إن شاء الله، يقولون: هذا شاك في إيمانه، ومن ثم قال بعضهم: إن الحنفي لا يصح أن يتزوج شافعية؛ لأن الشافعية تشك في إيمانها؛ لأنهم يجيزون أن تقول: أنا مؤمنة إن شاء الله، فخرج عالم من المتأخرين لعله أبو السعود العمادي صاحب تفسير: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، خرج الشيخ أبو السعود ﵀ بقول أعجب من ذلك فقال: بل يجوز للحنفي نكاح الشافعية قياسًا على الكتابية! ولا حول ولا قوة إلا بالله! يقول شارح الطحاوية ﵀: ومن ثمرات هذا الاختلاف: مسألة الاستثناء في الإيمان، وهو أن يقول الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله، والناس فيه على ثلاثة أقوال: طرفان ووسط، منهم من يوجبه، ومنهم من يحرمه.
أي: من الناس من يوجب أن تجيب وتقول: أنا مؤمن إن شاء الله، ويوجب الاستثناء، ومنهم من يقول: يحرم عليك أن تقول: إن شاء الله، بل تقول: أنا مؤمن.
ومنهم من يجيزه باعتبار ويمنعه باعتبار.
وهذا أصح الأقوال.
يعني: أنه يقول: المسألة فيها تفصيل، ولكن هذا أصح الأقوال.
قال: أما من يوجبه -أي: الاستثناء- فلهم مأخذان: أحدهما: أن الإيمان هو ما مات الإنسان عليه، والإنسان إنما يكون عند الله مؤمنًا أو كافرًا باعتبار الموافاة -باعتبار حالة التوفي؛ فإنما الأعمال بالخواتيم- وما سبق في علم الله أنه يكون عليه، وما قبل ذلك لا عبرة به.
فالإيمان الحقيقي والنافع هو ما ختم لصاحبه به، فالعبرة بعلم الله بخاتمتك ونهايتك أن تكون على الإيمان أم على غير ذلك، والعياذ بالله! فهذا هو علم الله ﷿ بخاتمتك، أما ما قبل الخاتمة فلا عبرة به.
قالوا: والإيمان الذي يعقبه الكفر فيموت صاحبه كافرًا ليس بإيمان؛ كالصلاة التي أفسدها صاحبها قبل الكمال، والصيام الذي يفطر صاحبه قبل الغروب.
وهذا مأخذ كثير من الكلابية وغيرهم، وعند هؤلاء: أن الله يحب في الأزل من كان كافرًا إذا علم منه أنه يموت مؤمنًا، فالصحابة ما زالوا محبوبين قبل إسلامهم، وإبليس ومن ارتد عن دينه ما زال الله يبغضه وإن كان لم يكفر بعد.
يعني: باعتبار النظر إلى المآل والخاتمة.
وليس هذا -كلام للكلابية- موافقًا لأقوال السلف، ولا كان يقول بهذا من يستثني من السلف في إيمانه.
يعني: أن السلف لما كان يقول أحدهم: أنا مؤمن إن شاء الله، قصدوا معنى معينًا.
أما الكلابية ومن وافقهم إنما قالوا: إن الاستثناء واجب، فإنما نظروا إلى هذا التعليل، وهذا التعليل ليس موافقًا لكلام السلف، وهو أن الله ﷿ إنما ينظر للخاتمة ولا عبرة بقبل ذلك، وأن الكافر الذي كتب أنه سيختم له بالإسلام محبوب عند الله حتى قبل أن يكون كافرًا، وكذلك -مثلًا- الصحابة قبل أن يسلموا كانوا محبوبين عند الله باعتبار مآلهم وخاتمة أعمالهم بالإسلام والإيمان، وكذلك في حق إبليس وفي حق من ارتد بعد إسلامه، فالله يبغضه قبل أن يفعل ما فعل من الكفر بالنظر إلى الخاتمة وإلى المآل، فيقول: ليس هذا قول السلف ولا كان يقول بهذا من يستثني من السلف في إيمانه، وهو فاسد؛ فإن الله تعالى قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، فأخبر أنه يحبهم إن اتبعوا الرسول ﷺ، فاتباع الرسول شرط للمحبة، والمشروط يتأخر عن الشرط، وغير ذلك من الأدلة، هذا رد على ما عللوا به.
ثم صار إلى هذا القول -القول بوجوب الاستثناء- طائفة غلوا فيه غلوًا جدًا وتطرفوا في الأخذ بالاستثناء حتى صار الرجل منهم يستثني في الأعمال الصالحة، وأوجبوه في قولك: أنا مؤمن، ثم عمموا إيجاب الاستثناء في كثير من الأعمال حتى ما لا يليق أن ينسب فيه الاستثناء، فيقول أحدهم: صليت إن شاء الله.
وللأسف أن بعض الإخوة يفعلون هذا فتقول لأحدهم، ما اسمك؟ يقول: أنا أخواك كذا كذا إن شاء الله وهذا شيء لا يحتمل الاستثناء، وليس في مثل هذا استثناء، وإن قلت له: أين كنت بالأمس؟ يقول: كنت بالمكان الفلاني إن شاء الله، وهذا غير صحيح، فإنما تستثني بما يكون في المستقبل، أو في مثل هذه المواضع.
يقول: حتى صار الرجل منهم يستثني في الأعمال الصالحة، ويقول: صليت إن شاء الله.
ثم صار كثير منهم -أشد غلوًا- يستثنون في كل شيء، فيقول أحدهم: هذا ثوب إن شاء الله! هذا حبل إن شاء الله! فإذا قيل لهم: هذا لا شك فيه، يقولون: نعم، لكن إذا شاء الله أن يغيره غيره.
فعلقوا الأمر وعللوه بتعلقه بإرادة الله وعلمه ﵎، فهذا هو المأخذ الأول الذي علل به من أوجب الاستثناء في الإيمان مذهبه.
أما المأخذ الثاني: فهو أن الإيمان المطلق يتضمن فعل ما أمر الله به عبده كله، وترك ما نهاه عنه كله، فإذا قال الرجل: أنا مؤمن، فبهذا الاعتبار شهد لنفسه أنه من الأبرار المتقين.
فما زلنا نناقش مذهب من يوجب الاستثناء، وقلنا: إن لهم مأخذين: المأخذ الأول: النظر إلى سابق علم الله بما تكون عليه خاتمتهم؛ ولذلك أوجبوا أن تقول: إن شاء الله، ثم حصل غلو بصورتين ذكرناهما.
المأخذ الثاني: أن من قال: أنا مؤمن ولم يقل: إن شاء الله، شهد لنفسه بأنه من الأبرار المتقين -لأن المؤمن هو من قام بكل ما أمر به، وانتهى عن كل ما نهاه الله عنه؛ فهو يشهد لنفسه ويزكيها- القائمين بجميع ما أمروا به، وتركوا كل ما نهوا عنه، فيكون من أولياء الله المقربين، وهذا من تزكية الإنسان لنفسه، ولو كانت هذه الشهادة صحيحة لكان ينبغي أن يشهد لنفسه بالجنة إن مات على هذه الحال.
وهذا مأخذ عامة السلف الذين كانوا يستثنون.
فإذًا: لم نوافقهم في التعليل الأول، ولكن يوافقهم السلف في التعليل الثاني، وأنك إذا سئلت: أنت مؤمن؟ تقول: نعم أنا مؤمن، قالوا: إن (أنا مؤمن) هذه فيها تزكية للنفس؛ لأن المؤمن هو الموصوف بما في مقدمة سورة الأنفال، قال الله ﷿ عنهم بعدما ذكر مجموعة من خصال المؤمنين، قال: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٤]، فإذا أنت وصفت نفسك بالإيمان ولم تستثن، فمعنى ذلك: أنك زكيت نفسك.
قال: وهذا مأخذ عامة السلف الذين كانوا يستثنون، وإن جوزوا صرف الاستثناء بمعنى آخر.
فالسلف الذين اعتبروا هذا المأخذ دليلًا على جواز الاستثناء في الإيمان يجوزون عدم الاستثناء، لكن يقصد بكلمة الإيمان معنى آخر، ويحتجون أيضًا بجواز الاستثناء فيما لا شك فيه، يعني ليس معنى أنك تقول: أنا مؤمن إن شاء الله: أنك شاك في إيمانك، لكن يقولون: يجوز أن تقول: إن شاء الله فيما لا شك فيه، من حيث القلب واللسان، لكن من حيث عمل الجوارح هذا الذي أشرنا إليه في المأخذ الثاني.
كما قال تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٧]، وقال ﷺ حين وقف على المقابر: (وإنا إن شاء الله بكم لا حقون)، وقال أيضًا: (إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله).
ونظائر هذا.
وأما من يحرمه -الفريق الذي يحرم أن تقول: أنا مؤمن إن شاء الله- فكل من جعل الإيمان شيئًا واحدًا، فيقول: أنا أعلم أني مؤمن، كما أعلم أني تكلمت بالشهادتين، فقولي: أنا مؤمن، كقولي: أنا مسلم، فمن استثنى في إيمانه فهو شاك فيه، وسموا الذين يستثنون في إيمانهم بالشكاكة.
يعني: متشككين في إيمانهم.
وأجابوا عن الاستثناء الذي في قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٧]، بأنه يعود إلى الأمن والخوف، فأما الدخول فلا شك فيه.
يعني: أن قوله: «لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ».
الاستثناء فيه متعلق بأنكم ممكن أن تكونوا آمنين وممكن ألا تكونوا آمنين، لكن الدخول واقع واقع، فأعادوا الاستثناء إلى الأمن من عدم الأمن، وهذا تكلف لا شك فيه، فقالوا: إن الاستثناء يعود إلى الأمن والخوف، فأما الدخول فلا شك فيه، حتى إن بعضهم اخترع تفسيرًا آخر فقال: قوله: «لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ»، يعني: لتدخلن جميعكم أو بعضكم، فهذا هو مأخذ الاستثناء؛ لأنه علم أن بعضهم يموت قبل هذا الحادث أو هذا الوقت.
وفي كلا الجوابين نظر: فإنهم وقعوا فيما فروا منه، فأما الأمن والخوف فقد أخبر أنهم يدخلون آمنين؛ لأن الله ﷿ قال: «لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ»، وهذه حال، يعني: تدخلون حال كونكم آمنين.
مع علمه ﵎ بذلك؛ فلا شك في الدخول، ولا شك في الأمن، ولا شك في دخول الجميع أو البعض؛ لأن الله قد علم من يدخل، فكان قوله: «إِنْ شَاءَ اللَّهُ» تحقيقًا للدخول، كما يقول الرجل فيما عزم على أن يفعله لا محالة: والله! لأفعلن كذا إن شاء الله.
وهذا الشيء ليس بسبب شك في عزمه وإرادته؛ لأنه لو شك ما عرف، لكن يترتب عليها فقط حكم شرعي وهو: أنه إذا حلف واستثنى فحنث لا تجب عليه الكفارة.
فقوله: والله! لأفعلن كذا إن شاء الله، لا يقولها لشك في إرادته وعزمه، ولكن إنما يقولها حتى لا يحنث في مثل هذه اليمين؛ لأنه لا يجزم بحصول مراده.
وأجيب بجواب آخر لا بأس به، وهو: أنه قال ذلك تعليمًا لنا كيف نستثني إذا أخبرنا عن المستقبل، فقوله: «لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ»، هذا تأديب للمؤمنين: أنه إذا أخبرت عن شيء تفعله في المستقبل أن تستثني، وفي كون هذا المعنى مرادًا من النص نظر؛ فإنه لم يسبق الكلام له، إلا أن يكون مستنبطًا من إشارة النص.
وأجاب الزمخشري بجوابين وكلاهما عجيب، حتى إن بعض العلماء وصفه بالمسكين، حيث قال: فأجاب الزمخشري بجوابين باطلين، وهما: أن يكون الملك قد قاله، فأثبت قرآنًا، أو أن الرسول قاله.
يعني: كأن كلام الملك أو كلام الرسول ﵊ يدخل في القرآن؛ فيصبح قرآنًا بمجرد ذلك.
ولا حول ولا قو
[ ٧ / ٣ ]
تفاضل أهل الإيمان
يقول الشيخ حافظ الحكمي ﵀: وأهله فيه على تفاضل هل أنت كالأملاك أو كالرسل يعني: أن أهل الإيمان في هذا الإيمان على تفاضل، فهل أنت كالأملاك أو كالرسل؟! الآن في الحقيقة المرجئة يقولون: إيماننا مثل إيمان الملائكة والرسل؛ لأن الإيمان عندهم مجرد المعرفة بلا عمل.
فالناس ليسوا سواءً في الإيمان، بل بعضهم يكون أفضل من بعض في الإيمان، كما ذكر الله ﵎ أقسامهم التي قد قسمهم عليها بمقتضى حكمته، فقال تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٦٣].
[ ٧ / ٤ ]
آيات وأحاديث في الرجاء
يقول ﷿: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢] إلى آخر الآيات، فهنا انظر إلى قوله: «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا»، يعني: أن أمة محمد ﵊ هم: «الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا»، ثم ذكر أقسام هؤلاء المصطفين الأخيار فقال: «فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ» بالمعاصي، فدل على أن العاصي لا يخرج من الإسلام، ولا يخرج من الإيمان بمجرد المعصية، بدليل أنه ذكرهم ضمن من سيرحمهم الله ﵎: «وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ»، أي: اقتصروا على التزام الواجبات واجتناب المحرمات، فلم يزيدوا على ذلك، ولم ينقصوا منه ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر:٣٢ - ٣٣]، فبعض العلماء قال: إن هذه أرجى آية في القرآن لأهل المعاصي، والإنسان إذا أشرف على اليأس أو القنوط أو خروج روحه؛ فإنه يتذكر نصوص الرجاء أو يُذكر بها حتى يلقى الله وهو حسن الظن به، أو إذا كان في حالة غير حالة الاحتضار، وغلب عليه الخوف بحيث خشي أن يئول أمره إلى القنوط من رحمة الله ﷿، فعليه أن يذكر نفسه بنصوص الرجاء هذه، فبعض العلماء يقولون: حق لهذه الواو التي في قوله: «يَدْخُلُونَهَا»، والتي تعود على الظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخيرات حق لها أن تكتب بماء العين؛ ولذلك عد بعض العلماء هذه الآية أرجى آية في القرآن لأهل المعاصي.
كذلك من الآيات التي يقال عنها: إنها أرجى آية في القرآن قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
وكذا قوله تعالى في سورة الشورى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]، فبين أنك إما أن تؤاخذ بالذنوب في الدنيا، وإما أن الله يعفو عنك، وما تبقى من ذلك سيعفو الله ﵎ عنه.
وكذا قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، لكن لما قيل لبعض الناس: إن هذه أرجى آية في القرآن، قالوا: لكن هذه فيها المشيئة في قوله: «وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ»، لكن أيضًا هي من آيات الرجاء العظيمة؛ لأن الإنسان إذا كان على التوحيد ومات عليه، فهو داخل في مشيئة الله، والله أرحم الراحمين، ويرجى له ذلك.
وكذا أطول آية في القرآن، وهي آية الدين؛ لأن الله ﷿ من تعظيمه لحق المؤمن حتى في الدراهم أو الدنانير المعدودة أنزل أطول آية في القرآن لأجل حفظ حق المسلم ورعاية مصلحته، وكما تعلمون فيها الكثير من الأحكام الشرعية لحفظ حق المسلم ومصلحته في أشياء يسيرة، فيرجى من الله ﷿ في الآخرة أن تكون رحمته للمؤمن، وتقديره الخير والسعادة له أعظم وأعظم من ذلك، فإذا كان هذا في مجرد دراهم قليلة في الدنيا أنزل أطول آية حتى يضمن لك هذه المصلحة، فكيف تكون رحمته في الآخرة؟ فنؤمل خيرًا من ذلك.
ومثل هذا أيضًا: بعض الآثار التي فيها أن النبي ﵊ لم يرض أن أحدًا من أمته يبقى في النار، وقد ساقوا في ذلك أشعارًا منها: ولقد قرأنا في الضحى ولسوف يعطى فسر قلوبنا ذاك العطاء وحاشا يا رسول الله! ترضى وفينا من يعذب أو يساء المقصود: أن النبي ﵊ يرضيه ما يرضي ربه، فكما أن الله ﷿ في جانب الرحمة يعفو عمن يستحق ذلك، ويعلمه الله أهلًا لذلك، فكذلك من كماله أن يكون عادلًا في من عصى أمره، وعاند شريعته، وخرج عن طاعته، فمن عصى الله والرسول يحب أن يعاقب، لكن على كل حال قد يرشح هذا الأمر حديث قدسي في صحيح مسلم: أن النبي ﵊ تلا دعاء إبراهيم لقومه، ودعاء عيسى، ثم قال ﵊: (يا رب! أمتي أمتي، وبكى)، أي: أنه لما وجد إبرهيم دعا لقومه وعيسى دعا، قال: (يا رب! أمتي أمتي)، فأرسل الله ﷿ إليه ملكًا فقال: (قل له: يا محمد! ما يبكيك؟ فقال: يا رب أمتي أمتي)، أشفق ﵊ على أمته، فأوحى الله إليه على لسان جبريل ﵊: (قل له: إنا سنرضيك في أمتك ولن نسوءك)، وهذا أيضًا مما يدخل ضمنًا في معنى قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٥]، يعني: يرضيك بما يشرح صدرك بالنسبة لمصير أمتك في الآخرة.
وآيات الرجاء قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:١٠]، فالشاهد: أن هؤلاء المجرمين الذين عادوا أولياء الله وأحرقوهم وعذبوهم هذا التعذيب، واستحقوا بذلك أن يكونوا أشد الناس عذابًا في الآخرة؛ لأن من عذب الناس في الدنيا يعذبه الله عذابًا أشد من ذلك في الآخرة، ومع ذلك اشترط عدم التوبة في حصول العقوبة لهم فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:١٠]، فأي رحمة أعظم من ذلك؟! كذلك في سورة الفرقان بعد أن ذكر الله ﷿ جملة من كبائر الذنوب قال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان:٧٠] إلى آخر الآية.
كذلك قال الله: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢]، الشاهد في نفس هذه الآية، وهو قوله: ﴿وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النور:٢٢]، على أن هذه الآية من آيات الرجاء في القرآن، وقد نزلت في مسطح لما قذف أم المؤمنين عائشة ﵂، فقد وصفه بأنه من المهاجرين في سبيل الله رغم أنه فعل هذه الكبيرة وهي قذف أم المؤمنين، هذا هو الشاهد؛ لأنه دل على أن هذه المعصية الكبيرة التي أنزل الله فيها ما أنزل في سورة النور تنزيهًا لأم المؤمنين، وتبرئة لها ﵂، فمثل هذا الذنب العظيم الذي فعله مسطح لو كان يحبط ما سبق من أعماله الصالحة لما استقر له وثبت وصف الهجرة في سبيل الله، لكن ثبوت هذا الوصف لـ مسطح مع ارتكاب هذه الكبيرة دل على أن معصيته لا تحبط ما سبق من أعماله الصالحة، ففي هذا بشرى للمؤمن أن المعصية وإن كانت تنقص إيمانه لكنها لا تذهبه بالكلية، ولا تحبط أعماله السابقة.
[ ٧ / ٥ ]
تفاوت أهل الطاعات
على أي الأحوال هذا استطراد ربما نكون خرجنا به عن الموضوع، ففي هذه الآية وهي قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر:٣٢]، هل هؤلاء المؤمنون المصطفون يستوون في إيمانهم؟
الجواب
كلا؛ فهذا التقسيم يدل على تفاوت إيمانهم، فقسم الناجين منهم إلى مقتصدين، وهم الأبرار أصحاب اليمين الذين اقتصروا على التزام الواجبات واجتناب المحرمات، فلم يزيدوا على ذلك، ولم ينقصوا منه، وإلى سابق بالخيرات: وهم المقربون الذين تقربوا إليه بالنوافل بعد الفرائض، وتركوا ما لا بأس به خوفًا مما به بأس، وما زالوا يتقربون إلى الله تعالى بذلك حتى كان سمعهم الذي يسمعون به، وبصرهم الذي يبصرون به، إلى آخر معنى الحديث السابق، فبه يسمعون، وبه يبصرون، وبه يبطشون، وبه يمشون، وبه ينطقون، وبه يعدلون.
وأما الظالم لنفسه ففي المراد به عن السلف الصالح قولان: القول الأول: أن المراد به الكافر، فيكون كقول الله ﷿ في تقسيم الناس في سورة الواقعة: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:٧ - ١١]، وقسمهم عند الاحتضار أيضًا كذلك، فقال ﷿: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة:٨٨ - ٩٤] فإن تفاضل أهل الإيمان في تقسيم هذه السورة إنما هو على درجتين: سابقين مقربين وأبرار، وهؤلاء هم أصحاب اليمين، وأما أصحاب الشمال الذين هم المكذبون الضالون فليسوا من أهل الإسلام باتفاق، وإنما الخلاف في الظالم نفسه في آية فاطر، هل هو الكافر، أم غير ذلك؟ فالقول الأول: أن الظالم نفسه كالكافر، فيكون التقسيم على هذا التفسير موافقًا لما في الآيات التي ذكرناها.
القول الثاني: أن المراد به عصاة الموحدين؛ فإنهم ظالمون لأنفسهم، ولكن ظلم دون ظلم، لا يخرجهم من الدين، ولا يخلدهم في النار، فعلى هذا يكون هناك قسم ثالث لتفاضل أهل الإيمان، ورجح هذا القول ابن القيم رحمه الله تعالى، فإذا كان أتباع الرسل بينهم تفاوت على حسب درجات إيمانهم: ظالم لنفسه، مقتصد، سابق بالخيرات، فكيف بتفاوت ما بينهم وبين رسلهم؟ لا شك أن التفاوت بعيد جدًا، بل الرسل أنفسهم فيما بينهم متفاضلون، يقول الله ﷿: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة:٢٥٣].
[ ٧ / ٦ ]
تفاوت المؤمنين في درجات الجنة ونعيمها
أخبر الله ﷿ عن المؤمنين أنهم متفاوتون في الإيمان في باب التكليف، وكذلك جعل الجنة التي هي دار الثواب متفاوتة الدرجات مع كون كل منهم فيها، فالجميع في الجنة، ولكن بتفاوت مراتب إيمانهم يتفاضلون، وما كان هذا التفاضل في الجزاء في الجنة إلا بسبب تفاضلهم في إيمانهم في الدنيا، قال ﷿ في سورة الرحمن: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٤٦ - ٤٧]، ولا بشيء من نعمة ربنا نكذب، فلك الحمد، كما قال الجن حينما سمعوها من النبي ﵊، كما جاء عنه ﵊ أنه قال: (لقد قرأتها -يعني: سورة الرحمن- على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردودًا منكم، كنت كلما قرأت قوله تعالى: «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ»، قالوا: ولا بشيء من نعمة ربنا نكذب فلك الحمد).
قال تعالى: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٤٩ - ٥٥]، إلى أن قال ﵎: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٦٢]، فدل على التفاوت في الجزاء في الآخرة.
وكذا في سورة الواقعة أخبر بصفة الجنة التي يدخلها السابقون، وأنها أعظم وأعلى من صفات الجنة التي يدخلها أصحاب اليمين، وكذلك في سورة المطففين قال ﵎: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين:٢٢ - ٢٨]، وغير ذلك من الآيات.
وقال ﷺ: (جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنات عدن).
وقال الله تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٦٣]، وأهل الجنة متفاوتون في الدرجات حتى إنهم ليتراءون أهل عليين، يعني: ويرون غرفهم من فوقهم كما يرى الكوكب في الأفق الشرقي أو الغربي.
هذه حقيقة سوف يدركها كل من امتن الله ﷿ عليه بدخول الجنة، نسأل الله أن يجعلنا منهم.
فأهل الجنة الذين هم أقل من أهل عليين يرون أهل عليين كما ترى أنت الكوكب الدري، وذلك أنك حينما تخرج من صلاة الفجر ترى كوكبًا في السماء ذاك الكوكب هو الدري الغابر الذي يظهر في السماء، فانظر إلى مسافته إنه بعيد جدًا عنا، ومع ذلك فإن أهل الجنة سيرون أهل عليين كما ترون أنتم في الدنيا هذا الكوكب الدري الغابر في الأفق الشرقي أو الغربي.
أيضًا هم متفاوتون في الأزواج، والفواكه والمطعوم والمشروب، ومتفاوتون في الفرش والملبوسات، ويا سبحان الله! شتان بين من يعيش ليدرك هذا النعيم، وبين من يعيش ويشقى ويركبه الهم والغم والحزن.
فمثلًا: إذا أغري رجل بشقة صفتها كذا وكذا كأفخم ما تكون، أو قصر في هذه الدنيا، كيف تكون علو همته في تحصيل هذا الأمر، فالناس ليس عندهم يقين أن هذا واقع فعلًا، وأن هذه دار إقامة لا موت فيها ولا انقطاع، فما من شك أن الإنسان إذا كان عالي الهمة لا يطمح فقط في دخول الجنة، ولكنه يطمع في رحمة الله، ويسأل الله الفردوس كما أوصانا بذلك النبي ﵌، فانظر إلى التفاوت حتى في المراتب، فعالي الهمة يطلب المراتب العليا.
والناس يتفاوتون في الفرش والملبوسات وفي الملك والجمال والنور، ويتفاوتون في قربهم من الله ﷿، وزيارتهم إياه، ومقاعدهم يوم المزيد -الذي هو يوم الجمعة- في الجنة.
وأيضًا حديث الشفاعة فيه: أن بعض الموحدين تمسهم النار بقدر ذنوبهم، بل معروف أيضًا في مشاهد يوم القيامة أن العرق يبلغ من الإنسان بقدر ذنوبه، فمن الناس من يكون العرق عند قدميه، ومنهم من يكون عند ركبته، حسب المعاصي في الدنيا، ومنهم من يبلغ العرق إلى حقويه، ومنهم من يصل إلى صدره، ومنهم من يلجمه العرق، والعياذ بالله! فبماذا يكون هذا؟ يكون بقدر الذنوب، وتفاوت الناس في قوة الإيمان.
أيضًا: عصاة الموحدين في النار تمسهم النار بقدر ذنوبهم، والسير على الصراط أيضًا يكون بقدر قوة الإيمان، وهذا فيه تفاوت، فهناك من يمشي بسرعة البرق، ومن هو بسرعة الريح، ومن يحبو، ومن يقع وهكذا، فهذا كله بمقدار الذنوب.
[ ٧ / ٧ ]
تفاوت أهل النار في الدركات والعذاب وبيان فساد مذهب المرجئة
ثم يوجد تفاوت في النار؛ فمنهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حقويه، ومنهم من تأخذه كله إلا مواضع السجود؛ لذلك جاء في حديث الشفاعة أن الملائكة حينما يدخلون النار من أجل أن يخرجوا من مات على التوحيد إنما يعرفونهم ويميزونهم بمواضع السجود، يقول النبي ﵊: (حرم الله على النار أن تأكل مواضع السجود)، فيا خيبة ويا حسرة تاركي الصلاة الذين تخلو وجوههم من علامات السجود! ولا نعني بذلك العلامة المعروفة التي -كما يقول بعض السلف-: قد تكون بين عيني من هو أقسى قلبًا من فرعون، فإنه يسهل أن يطرح هذه العلامة بطرق شتى، لكن العبرة بما ذكره الله ﷿ في قوله: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح:٢٩]، فالعبرة بالخشوع والتواضع والسكينة، وهذا دليل استدل به من كفر تارك الصلاة كفرًا أكبر، وقال: لا حظ لمن لا يصلي في هذا الأمر؛ لأن الملائكة إنما تخرج من كان يصلي، فاستدلوا بذلك على كفر تارك الصلاة، وسيأتي إن شاء الله الكلام في ذلك بالتفصيل.
كذلك الناس يتفاوتون في مقدار لبثهم فيها، وسرعة خروجهم منها؛ لأنهم متفاوتون في الإيمان والتوحيد الذي بسببه يخرجون منها، ولولاه لكانوا مع الكافرين خالدين مخلدين أبدًا، فيقال للشفعاء: (أخرجوا من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان، ثم من كان في قلبه نصف دينار من إيمان، ثم من كان في قلبه وزن برة من إيمان، ثم من كان في قلبه ذرة من إيمان، ثم من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان)، فأين هذا ممن الإيمان في قلبه مثل الجبل العظيم؟ وأين من نوره على الصراط كالشمس ممن نوره على إبهام قدمه يضيء تارة وينطفئ أخرى؟ ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦]؟ في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (بينا أنا نائم رأيت الناس عرضوا علي وعليهم قمص، فمنها ما يبلغ الثدي، ومنها ما يبلغ دون ذلك، وعرض علي عمر وعليه قميص يجره، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: الدين)، فهذا أيضًا دليل على التفاوت.
وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل.
ذكره البخاري تعليقًا مجزومًا به.
وقال النبي ﷺ يمدح عمار بن ياسر ﵁: (ملئ عمار إيمانًا إلى مشاشه).
وقال ﷺ: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، فكلمة: (أضعف)، تدل على أن الدرجة الوسطى أوسط، والدرجة الأولى هي أقوى الإيمان، فدل على ضعف وقوة في الإيمان، وكذا زيادته ونقصانه وتفاوت وتفاضل أهله فيه، بخلاف قول المرجئة ومن وافقهم في أن الإيمان لا يتفاضل أهله فيه، بناءً على أن الإيمان هو مجرد المعرفة فقط، فبالتالي يترتب على كلامهم: أن إيمان جبرائيل وإسرافيل وميكائيل والملائكة وحملة العرش مثل إيمان أدنى واحد من المؤمنين، فإيمان هؤلاء الذين يعاينون الغيب مثل إيمان أقل واحد من المسلمين، فأين قائل هذا من هذه النصوص الواضحة التي تبطل هذا المذهب الفاسد؟! قال عمر بن الخطاب ﵁: لو وزن إيمان أبي بكر ﵁ بإيمان أهل الأرض لرجح.
[ ٧ / ٨ ]
اتصال العمل بالإيمان في نصوص الشرع
وقرأ الفضيل بن عياض ﵀ أول الأنفال حتى بلغ: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٤]، ثم قال حين فرغ: إن هذه الآية تخبرك أن الإيمان قول وعمل.
يعني: كلمة: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٤]، فهل مدحهم الله بالقول فقط، أم بالأعمال أيضًا؟ قال ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٢ - ٤]، فقوله: (حقًا): يعني: أن حق الإيمان هو ما اقترن فيه القول بالعمل، فقال الفضيل: إن هذه الآية ستخبرك أن الإيمان قول وعمل.
ثم يقول: وإن المؤمن إذا كان مؤمنًا حقًا فهو من أهل الجنة، ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٤]، فمن لم يشهد أن المؤمن حقًا من أهل الجنة فهو شاك في كتاب الله؛ مكذب أو جاهل لا يعلم، فمن كان على هذه الصفة فهو مؤمن حقًا مستكمل الإيمان، ولا يستكمل الإيمان إلا بالعمل، ولا يستكمل عبد الإيمان ولا يكون مؤمنًا حقًا حتى يؤثر دينه على شهوته، ولن يهلك عبد حتى يؤثر شهوته على دينه، فيا سفيه ما أجهلك! لا ترضى أن تقول: أنا مؤمن حتى تقول: أنا مؤمن حقًا مستكمل الإيمان، والله! لا تكون مؤمنًا حقًا مستكمل الإيمان حتى تؤدي ما افترض الله عليك، وتجتنب ما حرم الله عليك، وترضى بما قسم الله لك، ثم تخاف مع هذا ألا يقبل الله منك، كما يقول بعض السلف: الناس هلكى إلا العالمون، والعالمون هلكى إلا العاملون، والعاملون هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم.
فرحمة الله ﷿ تسع كل شيء، لكن لا تأمن مكر الله ﵎، وخف سوء الخاتمة، وسوء السابقة.
يقول: والله! لا تكون مؤمنًا حقًا مستكمل الإيمان حتى تؤدي ما افترض الله عليك، وتجتنب ما حرم الله عليك، وترضى بما قسم الله لك، ثم تخاف مع هذا ألا يقبل الله منك.
ووصف فضيل الإيمان بأنه: قول وعمل، وقرأ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]، فسماه: دين القيمة بعد أن وصفه بالقول والعمل، فالقول: الإقرار بالتوحيد، والشهادة للنبي ﷺ، والعمل أداء الفرائض واجتناب المحارم، وقرأ: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم:٥٤ - ٥٥]، وقال ﷿: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣]، فالدين التصديق بالعمل كما وصفه الله تعالى، وكما أمر أنبياءه ورسله بإقامته.
والتفرق فيه ترك العمل، والتفريق بين القول والعمل، هذا هو تفسير: «وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ»، يعني: لا تفصلوا القول عن العمل، بل صلوا ما أمر الله به أن يوصل من القول مع العمل، قال الله تعالى: «فَإِنْ تَابُوا» أي: المشركين: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١]، فالتوبة من الشرك جعلها الله تعالى قولًا وعملًا بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، بجانب كلمة التوحيد.
وقال أصحاب الرأي: ليس الصلاة ولا الزكاة ولا شيء من الفرائض من الإيمان؛ افتراءً على الله وخلافًا لكتابه وسنة نبيه ﷺ.
وللدفاع عن الأحناف وأصحاب الرأي في هذه القضية نقول: إنهم حينما يقولون: الإيمان بمعنى التصديق؛ فإنهم يقصدون التصديق المستلزم للانقياد والعمل، وهناك بحث وافٍ طويل في شرح الطحاوية حول هذه القضية.
يقول: ولو كان القول كما يقولون لم يقاتل أبو بكر أهل الردة.
وقال الفضيل: يقول أهل البدعة: الإيمان الإقرار بلا عمل، والإيمان واحد، إنما يتفاضل الناس بالأعمال ولا يتفاضلون بالإيمان، قال: فمن قال ذلك فقد خالف الأثر.
يعني: أن الإيمان نفسه لو كان هو التصديق فقط، فإن التصديق يتفاوت، كما قال ﷿: ﴿قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠] فمن قال ذلك: يعني: من قال: إن الإيمان واحد، والناس كلهم متساوون في الإيمان، لكن يتفاضلون بالأعمال فقط، وأما في الإيمان فلا يتفاضلون.
قال: فمن قال ذلك فقد خالف الأثر، ورد على رسول الله ﷺ قوله؛ لأن رسول الله ﷺ قال: (الإيمان بضع وسبعون شعبة؛ أفضلها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) فكلمة: (أفضلها)، يدل على وقوع التفاضل بين شعب الإيمان، ومن يقول: إن الإيمان لا يتفاضل، يقول: إن فرائض الله ليست من الإيمان، فميز أهل البدع العمل من الإيمان، وقالوا: إن فرائض الله ليست من الإيمان، فمن قال ذلك فقد أعظم الفرية، أخاف أن يكون جاحدًا للفرائض رادًا على الله أمره، ويقول أهل السنة: إن الله تعالى قد قرن العمل بالإيمان، وإن فرائض الله من الإيمان، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٨٢]، فوصل العمل بالإيمان.
ويقول أهل الإرجاء: لا، ولكنه منقطع غير موصول، فيقولون: (الذين آمنوا)، ويفصلونها عن: «وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ» يعني: هذه جملة فيها مبتدأ جديد، وليست موصولة بما قبلها.
وقال أهل السنة: قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء:١٢٤]، وأهل الإرجاء يقولون: بل هو مقطوع، فقال أهل السنة: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [الإسراء:١٩] ربط السعي والعمل بالإيمان، فهذا موصول، وكل شيء في القرآن من أشباه هذا، فأهل السنة يقولون: هو موصول مجتمع، وأهل الإرجاء يقولون: بل هو مقطوع متفرق، ولو كان الأمر كما يقولون كان من عصى وارتكب المعاصي أو المحارم لم يكن عليه سبيل، فكان إقراره يكفيه من العمل، فما أسوأ هذا من قول وأقبحه، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
[ ٧ / ٩ ]
أدلة تفاضل أهل الإيمان فيه
قد ذكرنا الأدلة على مسألة: أن أهل الإيمان متفاضلون فيه، ومنها قوله ﵎: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّه ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر:٣٢]، وقوله ﷿: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة:٢٥٣]، فإذا كان التفضيل يحصل بين الرسل أنفسهم، فأولى أن يقع التفضيل بين الرسل وأتباعهم عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، كذلك قوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٤٦ - ٤٧]، إلى أن قال ﵎: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٦٢]، فدل على تفاوت الثواب، مما يدل على تفاوت الإيمان، وكذا قوله: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٦٣] وكذلك أيضًا في سورة الواقعة قسَّم الله ﵎ الناس إلى طوائف متفاوتين في إيمانهم، وفي سورة المطففين ميز بين الأبرار وبين المقربين، وقد ذكرنا جملة من الأحاديث التي تدل على أن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف كما يتراءى الناس في الدنيا الكوكب الدري في الأفق الشرقي أو الغربي، وهناك تفاوت في الأزواج، والمطاعم، والمشارب، والفرش والملبوسات، والملك، والحسن والجمال والنور، والقرب من الله ﷿، وكثرة زيارة الله ﷿ إياهم في الجنة، والمقاعد يوم المزيد، وفي أمور لا يعلمها إلا الله ﵎.
وذكرنا أيضًا حديث الشفاعة، وكيف أن الذنوب تجعل أهل العصاة الموحدين يبقون في النار بقدر ذنوبهم، وهم في ذلك متفاوتون تفاوتًا عظيمًا في مقدار ما تأخذ منهم النار، فمنهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه إلى أنصاف ساقيه، ومنهم إلى ركبتيه، أو حقويه، أو كله، إلا مواضع السجود فقد حرم الله على النار أن تأكل مواضع السجود.
وكذلك هم متفاوتون في مقدار لبثهم في النار، ومتفاوتون في سرعة خروجهم منها؛ لأنهم متفاوتون في الإيمان والتوحيد، فهذا كله يدل على تفاضل أهل الإيمان فيه، وأنهم ليسوا كلهم على مرتبة واحدة من الإيمان كما يزعم بعض المبتدعة.
أيضًا ذكرنا أنهم لولا ما كان في قلوبهم من الإيمان والتوحيد لما خرجوا من النار، وإنما يتفاوتون في مدة أخذ النار منهم في مدة لبثهم فيها، أو سرعة خروجهم منها؛ والسبب هو تفاوتهم في الإيمان، وتفاوتهم في التوحيد الذي بسببه يخرجون منها، ولولاه لكانوا من الكفار الخالدين المخلدين فيها أبدًا والعياذ بالله! فيقال للشفعاء: (أخرجوا من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان، ثم من كان في قلبه نصف دينار من إيمان)، يعني: أن أصل التوحيد موجود في جميع أوساط أهل التوحيد، وأصل التوحيد قاسم مشترك بينهم جميعًا، لكن هذا التوحيد وهذا الإيمان متفاوت بدليل أمره لهم في الحديث: (أخرجوا من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان، ثم من كان في قلبه نصف دينار من إيمان، ثم من كان في قلبه وزن شعيرة من إيمان، ثم من كان في قلبه ذرة من إيمان، ثم من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال ذرة من إيمان) وهذا نص صريح على تفاوت أهل الإيمان فيه، وأيضًا قدمنا من قبل قول النبي ﵊: (الإيمان بضع وسبعون شعبة؛ أفضلها: لا إله إلا الله)، وهذا يدل على وجود التفاضل بين شعب الإيمان، فأين مثل هذا الشخص الذي في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال ذرة من إيمان ممن الإيمان في قلبه مثل الجبل العظيم؟ وأين من نوره على الصراط كالشمس ممن نوره على إبهام قدمه؟ يقول ﵎: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦].
أيضًا: أوردنا حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في الصحيحين قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (بينا أنا نائم رأيت الناس عرضوا علي وعليهم قمص، فمنها ما يبلغ الثدي، ومنها ما يبلغ دون ذلك، وعرض علي عمر وعليه قميص يجره، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: الدين)، يعني: قوته وشدته في دينه وزيادة إيمانه ﵁.
وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﵌ كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحدًا يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل.
ذكره البخاري تعليقًا مجزومًا به.
وقال النبي ﵌: (ملئ عمار إيمانًا إلى مشاشه) والمشاش هو: رأس العظام التي يمكن أن تمضغ، وهي الغضاريف، والمقصود: قوة وزيادة إيمان عمار بن ياسر ﵁.
وقال ﷺ: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) فهذا دليل على تفاضل أهل الإيمان فيه، قول النبي ﵊: (وذلك أضعف الإيمان)، يدل على أن الإيمان يتفاضل أهله فيه، فأقوى الإيمان لمن كان مستطيعًا أن ينكر المنكر بيده بشروطه، (فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه).
وكما قدمنا: إنكار المنكر بالقلب فرض عين على كل مسلم؛ لأنه لا يوجد مسلم عاجز عن الإنكار بالقلب حتى في حالة الإكراه، قال ﷿: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]، فلم يقل: فمن لم يستطع؛ لأنه ليس وراء ذلك إيمان، بل أضعف الإيمان إنكاره بقلبه.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: (لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح).
يعني: لرجح إيمان أبي بكر الصديق ﵁ على سائر أهل الأرض.
وقرأ الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى أول الأنفال حتى بلغ: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٤]، ثم قال حين فرغ: إن هذه الآية تخبرك أن الإيمان قول وعمل، ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٤]، فهذه الصفات التي جاءت في أول سورة الأنفال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢]، إلى أن قال: «أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا»، قال الفضيل بن عياض: إنها تخبرك أن الإيمان قول وعمل، وإن المؤمن إذا كان مؤمنًا حقًا فهو من أهل الجنة، فمن لم يشهد أن المؤمن حقًا من أهل الجنة فهو شاك في كتاب الله مكذب به، أو جاهل لا يعلم، فمن كان على هذه الصفة فهو مؤمن حقًا مستكمل الإيمان، ولا يستكمل الإيمان إلا بالعمل، ولا يستكمل عبد الإيمان، ولا يكون مؤمنًا حقًا حتى يؤثر دينه على شهوته، ولن يهلك عبد حتى يؤثر شهوته على دينه، يا سفيه! ما أجهلك! لا ترضى أن تقول: أنا مؤمن حتى تقول: أنا مؤمن حقًا مستكمل الإيمان، والله! لا تكون مؤمنًا حقًا مستكمل الإيمان حتى تؤدي ما افترض الله عليك، وتجتنب ما حرم الله عليك، وترضى بما قسم الله لك، ثم تخاف مع هذا ألا يقبل الله منك.
ووصف فضيل الإيمان بأنه: قول وعمل وقرأ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]، فقد سمى دين القيمة بالقول والعمل، فالقول: الإقرار بالتوحيد، والشهادة للنبي ﷺ، والعمل أداء الفرائض واجتناب المحارم، وقرأ: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم:٥٤ - ٥٥]، وقال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣]، فالدين هو التصديق بالعمل كما وصفه الله تعالى، وكما أمر أنبياءه ورسله بإقامته: «وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ» فالتفرق: ترك العمل، والتفريق بين القول والعمل، قال الله ﵎: «فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ»، تابوا بالتوحيد، والآية هذه في حق المشركين ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١]، فلم يسمهم إخوانًا في الدين حتى ضم العمل إلى القول.
وقال فضيل: يقول أهل البدع الإيمان الإقرار بلا عمل، والإيمان واحد، وإنما يتفاضل الناس بالأعمال، ولا يتفاضلون بالإيمان، قال: فمن قال ذلك فقد خالف الأثر، ورد على رسول الله ﷺ قوله؛ لأن رسول الله ﷺ قال: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أفضلها: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)، ومن يقول: الإيمان لا يتفاضل، يقول: إن فرائض الله ليست هي الإيمان، أي: أن الإيمان لا يتفاضل أهله فيه بناءً على أن الفرائض ليست داخلة في حد الإيمان، فميز أهل البدعة العمل من الإيمان، وفصلوا وعزلوا العمل من مسمى الإيمان؛ ولذلك قالوا: إن الناس يتفاوتون بالعمل ولا يتفاوتون في الإيمان.
ومن قال ذلك فقد أعظم على الله الفرية، أخاف أن يكون جاحدًا للفرائض رادًا على الله أمره.
ويقول أهل ال
[ ٧ / ١٠ ]