_________________
(١) جمعت ما يسر الله لي من الأسماء الحسنى، وذكرت لكل اسم دليلًا من الكتاب، أو السنة، ثم عرضت هذه الأسماء كلها على شيخنا عبدالعزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ -، فما أقرّه أثبتّه، وما توقّف عنه أو نفاه أسقطته، حتى اجتمع لي أكثر من مائة اسم بالأدلة الصحيحة، ثم اخترت من هذه الأسماء الحسنى تسعة وتسعين اسمًا، وشرحتها شرحًا مختصرًا، وقد نقلت الشرح من مصادر أهل التحقيق، والعلماء الراسخين في علم العقيدة: كشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، والعلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي، وغيرهم. ومن الأسماء التي عرضتها على شيخنا ابن باز - ﵀ - فأقرها، ولم أدخلها في هذا الشرح: المستعان، والمسعِّر، والطيب، والوتر. وقد جاء في بعض الأحاديث أسماء لم أعرضها على شيخنا، ولم يتيسر إدخالها في هذا الشرح، ومنها ما يأتي:
(٢) الجواد؛ لحديث: «إن الله جواد يحب الجود» [أخرجه أبو نعيم في الحلية، ٣/ ٢٦٣، و٥/ ٢٩، وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٢/ ١٠٥، برقم ١٧٤٠، وذكره في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٤/ ١٦٩، برقم ١٦٢٧، وحجاب المرأة المسلمة، ص ١١].
(٣) الديَّان؛ لحديث: «يحشر الناس يوم القيامة حفاةً، عراة، غرلًا ثم يناديهم بصوت يسمعه من بَعُد، كما يسمعه من قرُب: أنا الملك، أنا الديَّان ». [أحمد، ٣/ ٤٩٥، والحاكم، ٤/ ٥٧٤، وصححه، ووافقه الذهبي، وابن أبي عاصم في السنة، ١/ ٢٢٥، برقم ٥١٤، والبيهقي في الأسماء والصفات، ١/ ١٣٩ - ١٤٠، وقال الألباني في تخريجه لكتاب السنة لابن أبي عاصم: «صحيح»، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ١/ ٢٠٩، و١٣/ ٤٦٥]. * ومعنى الديّان: القهّار. [النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٢/ ١٤٩].
(٤) المحسن؛ لحديث: «إن الله تعالى محسن يحب المحسنين»، وفي لفظ: «إن الله محسن يحب الإحسان». [أخرجه الطبراني في الكبير، ٧/ ٣٣٢، وعبد الرزاق في المصنف، برقم ٨٦٠٣، وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٢/ ١٢٩، برقم ١٨١٩، ورقم ١٨٢٠، وذكره في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ١/ ٧٦١، برقم ٤٧٠.
[ ٧٧ ]
قال اللَّه تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ (١)، هذه الأسماء الأربعة المباركة قد فسرها النبي - ﷺ - تفسيرًا جامعًا واضحًا فقال يخاطب ربه: «اللَّهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخرُ فليس بعدك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقك شيء،
_________________
(١) سورة الحديد، الآية: ٣.
[ ٧٨ ]
وأنت الباطن فليس دونك شيء» (١) إلى آخر الحديث، ففسّر كل اسم بمعناه العظيم، ونفى عنه ما يُضاده ويُنافيه. فتدبّر هذه المعاني الجليلة الدّالة على تفرّد الرب العظيم بالكمال المطلق والإحاطة الزمانية في قوله: «الأوّلُ والآخرُ»،والمكانية في «الظاهر والباطن».
«فالأول» يدلّ على أنّ كل ما سواه حادث كائن بعد أنْ لم يكن، ويوجب للعبد أن يلحظ فضل ربه في كل نعمة دينية أو دنيوية، إذ السبب والمسبب منه تعالى.
«والآخر» يدل على أنه هو الغاية، والصمد الذي تصمد إليه المخلوقات بتألُّهها، ورغبتها، ورهبتها، وجميع مطالبها.
«والظاهر» يدل على عظمة صفاته، واضمحلال كل شيء عند عظمته من ذوات وصفات على علوّه.
«والباطن» يدلّ على اطّلاعه على السرائر، والضمائر، والخبايا، والخفايا، ودقائق الأشياء، كما يدلّ
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع، برقم ٢٧١٣.
[ ٧٩ ]
على كمال قربه ودنوّه. ولا يتنافى الظاهر والباطن؛ لأن اللَّه ليس كمثله شيء في كل النعوت (١).
قال اللَّه تعالى: ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (٢)،وقال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ
الأَعْلَى﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ (٤)،وذلك دالّ على أن جميع معاني العلوّ ثابتة للَّه من كل وجه.
فله علوّ الذات؛ فإنه فوق المخلوقات، وعلى العرش استوى: أي علا، وارتفع.
وله علوّ القدر: وهو علوّ صفاته وعظمتها، فلا يماثله صفة مخلوق، بل لا يقدر الخلائق كلهم أن
_________________
(١) الحق الواضح المبين، ص٢٥، وشرح النونية للهراس، ٢/ ٦٧.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.
(٣) سورة الأعلى، الآية: ١.
(٤) سورة الرعد، الآية: ٩.
[ ٨٠ ]
يحيطوا ببعض معاني صفة واحدة من صفاته، قال تعالى: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (١).وبذلك يُعلم أنه ليس كمثله شيء في كل نعوته.
وله علوّ القهر؛ فإنه الواحد القهّار الذي قهر بعزّته وعلوه الخلق كلهم، فنواصيهم بيده، وما شاء كان لا يمانعه فيه ممانع، وما لم يشأ لم يكنْ، فلو اجتمع الخلق على إيجاد ما لم يشأهُ اللَّه لم يقدروا، ولو اجتمعوا على منع ما حكمت به مشيئته لم يمنعوه، وذلك لكمال اقتداره، ونفوذ مشيئته، وشدة افتقار المخلوقات كلها إليه من كل وجه (٢).
٨ - العَظِيمُ
قال اللَّه تعالى: ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (٣).
_________________
(١) سورة طه، الآية: ١١٠.
(٢) الحق الواضح المبين، ص٢٦، وشرح النونية للهراس، ٢/ ٦٨.
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.
[ ٨١ ]
اللَّه تعالى عظيم له كل وصف ومعنى يوجب التعظيم، فلا يقدر مخلوق أن يثني عليه كما ينبغي له، ولا يحصي ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يُثني عليه عباده.
واعلم أن معاني التعظيم الثابتة للَّه وحده نوعان:
النوع الأول: أنه موصوفٌ بكل صفة كمال، وله من ذلك الكمال أكمله، وأعظمه، وأوسعه، فله العلم المحيط، والقدرة النافذة، والكبرياء والعظمة، ومن عظمته أن السموات والأرض في كفِّ الرحمن أصغر من الخردلة كما قال ذلك ابن عباس وغيره، وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوْا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ
_________________
(١) سورة الزمر، الآية: ٦٧.
(٢) سورة فاطر، الآية: ٤١.
[ ٨٢ ]
الْعَظِيمُ﴾ (١)، ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ (٢) الآية. وفي الصحيح عنه - ﷺ -: «إنَّ اللَّه يقول: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما عذبته» (٣) فللَّه تعالى الكبرياء والعظمة، الوصفان اللذان لا يُقدَّر قدرهما، ولا يُبلغ كنههما.
النوع الثاني من معاني عظمته تعالى أنه لا يستحق أحد من الخلق أن يُعظّم كما يُعظّم اللَّه، فيستحق ﷻ من عباده أن يعظِّموه بقلوبهم، وألسنتهم، وجوارحهم، وذلك ببذل الجهد في معرفته، ومحبته، والذُّلِّ له، والانكسار له، والخضوع لكبريائه، والخوف منه، وإعمال اللسان بالثناء عليه، وقيام الجوارح بشكره وعبوديته.
ومن تعظيمه أن يُتقى حقَّ تقاته، فيُطاع فلا
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥
(٢) سورة الشورى، الآية: ٥.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الكبر، برقم ٢٦٢٠.
[ ٨٣ ]
يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكَر فلا يُكفَر.
ومن تعظيمه تعظيم ما حرّمه وشرعه من زمان ومكان وأعمال ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ (٢).
ومن تعظيمه أن لا يُعترض على شيء مما خلقه أو شرعه (٣).
٩ - المَجِيدُ
«المجيد» الذي له المجد العظيم، والمجد هو عظمة الصفات وسعتها، فكل وصف من أوصافه عظيم شأنه: فهو العليم الكامل في علمه، الرّحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، القدير الذي لا يعجزه شيء، الحليم
_________________
(١) سورة الحج الآية ٣٢.
(٢) سورة الحج الآية ٣٠.
(٣) الحق الواضح المبين، ص٢٧ - ٢٨، وشرح القصيدة النونية للهراس، ٢/ ٦٨، وتوضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شرح قصيدة الإمام ابن القيم، لأحمد بن إبراهيم بن عيسى، ٢/ ٢١٤.
[ ٨٤ ]
الكامل في حلمه، الحكيم الكامل في حكمته، إلى بقية أسمائه وصفاته (١) التي بلغت غاية المجد، فليس في شيء منها قصور أو نقصان (٢)، قال اللَّه تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ﴾ (٣).
١٠ - الْكَبِيرُ
وهو - ﷾ - الموصوف بصفات المجد، والكبرياء، والعظمة، والجلال، الذي هو أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، وأجل وأعلى.
وله التعظيم والإجلال، في قلوب أوليائه وأصفيائه.
قد ملئت قلوبهم من تعظيمه، وإجلاله، والخضوع له، والتذلل لكبريائه (٤)، قال اللَّه تعالى:
_________________
(١) الحق الواضح المبين، ص٣٣، وشرح النونية للهراس، ٢/ ٧١.
(٢) شرح النونية للهراس، ٢/ ٧١.
(٣) سورة هود، الآية: ٧٣.
(٤) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي، ٥/ ٦٢٢.
[ ٨٥ ]
﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ للَّه الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ (١).
١١ - السَّمِيعُ
قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٢)، وكثيرًا ما يقرن اللَّه بين صفة السمع والبصر، فكل من السمع والبصر محيط بجميع متعلقاته الظاهرة، والباطنة، فالسميع الذي أحاط سمعه بجميع المسموعات، فكل ما في العالم العلوي والسفلي من الأصوات يسمعها سرَّها وعلنها وكأنها لديه صوت واحد، لا تختلط عليه الأصوات، ولا تخفى عليه جميع اللغات، والقريب منها والبعيد، والسرّ والعلانية عنده سواء ﴿سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ (٣)، ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي
_________________
(١) سورة غافر، الآية: ١٢.
(٢) سورة النساء، الآية: ١٣٤.
(٣) سورة الرعد، الآية: ١٠.
[ ٨٦ ]
زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (١)، قالت عائشة - ﵂ -: تبارك الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة تشتكي إلى رسول اللَّه - ﷺ - وأنا في جانب الحجرة، وإنه ليخفى عليَّ بعض كلامها، فأنزل اللَّه: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (٢) الآية.
وسَمْعُه تعالى نوعان:
النوع الأول: سَمْعُه لجميع الأصوات الظاهرة والباطنة، الخفيّة والجلية، وإحاطته التامة بها.
النوع الثاني: سَمْعُ الإجابة منه للسائلين والداعين والعابدين فيجيبهم ويثيبهم، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (٣)، وقول المصلي «سمع اللَّه لمن حمده» أي استجاب.
_________________
(١) سورة المجادلة، الآية: ١.
(٢) سورة المجادلة، الآية: ١.
(٣) سورة إبراهيم، الآية: ٣٩.
[ ٨٧ ]
١٢ - البصيرُ
الذي أحاط بصره بجميع المُبصِرات في أقطار الأرض والسموات، حتى أخفى ما يكون فيها، فيرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصّماء في الليلة الظلماء، وجميع أعضائها الباطنة والظاهرة، وسريان القوت في أعضائها الدقيقة، ويرى سريان المياه في أغصان الأشجار وعروقها، وجميع النباتات على اختلاف أنواعها وصغرها ودقَّتها، ويرى نياط عروق النملة والنحلة والبعوضة وأصغر من ذلك. فسبحان من تحيّرت العقول في عظمته، وسعة متعلقات صفاته، وكمال عظمته، ولطفه، وخبرته بالغيب، والشهادة، والحاضر والغائب، ويرى خيانات الأعين، وتقلبات الأجفان، وحركات الجنان، قال تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١)، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (٢)،
_________________
(١) سورة الشعراء، الآيات: ٢١٨ - ٢٢٠.
(٢) سورة غافر، الآية: ١٩.
[ ٨٨ ]
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (١)،أي مطَّلع ومحيط علمه وبصره وسمعه بجميع الكائنات (٢).
قال اللَّه تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (٣). ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٤).
فهو العليم المحيط علمه بكل شيء: بالواجبات، والممتنعات، والممكنات، فيعلم تعالى نفسه الكريمة، ونعوته المقدسة، وأوصافه العظيمة، وهي الواجبات التي لا يمكن إلا وجودها، ويعلم الممتنعات حال امتناعها، ويعلم ما يترتّب على وجودها لو وُجدت. كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلهَةٌ إِلاّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن
_________________
(١) سورة البروج، الآية: ٩.
(٢) الحق الواضح المبين، ص٣٤ - ٣٦، وشرح النونية للهراس، ٢/ ٧٢.
(٣) سورة الأنعام، الآية: ١٨.
(٤) سورة الأنفال، الآية: ٧٥.
(٥) سورة الأنبياء، الآية: ٢٢.
[ ٨٩ ]
وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (١).
فهذا وشبهه من ذكر علمه بالممتنعات التي يعلمها، وإخباره بما ينشأ عنها لو وُجدت على وجه الفرض والتقدير، ويعلم تعالى الممكنات، وهي التي يجوز وجودها وعدمها ما وجد منها وما لم يوجد مما لم تقتض الحكمة إيجاده، فهو العليم الذي أحاط علمه بالعالم العلوي والسفلي، لا يخلو عن علمه مكان ولا زمان، ويعلم الغيب والشهادة، والظواهر والبواطن، والجليّ والخفيّ. قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢)، والنصوص في ذكر إحاطة علم اللَّه وتفصيل دقائق معلوماته كثيرة جدًا لا يمكن حصرها ولا إحصاؤها، وأنّه لا يعزب عنه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، وأنه لا يغفل ولا ينسى، وأنّ علوم
_________________
(١) سورة المؤمنون، الآية: ٩١.
(٢) سورة الأنفال، الآية: ٧٥.
[ ٩٠ ]
الخلائق على سعتها وتنوعها إذا نسبت إلى علم اللَّه اضمحلت وتلاشت، كما أن قُدَرَهُم إذا نسبت إلى قدرة اللَّه لم يكن لها نسبة إليها بوجهٍ من الوجوه، فهو الذي علّمهم ما لم يكونوا يعلمون، وأقدرهم على ما لم يكونوا عليه قادرين.
وكما أن علمه محيط بجميع العالم العلوي والسفلي، وما فيه من المخلوقات: ذواتها، وأوصافها، وأفعالها، وجميع أمورها، فهو يعلم ما كان وما يكون في المستقبلات التي لا نهاية لها، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، ويعلم أحوال المكلفين منذ أنشأهم وبعد ما يُميتهم وبعد ما يُحييهم، قد أحاط علمه بأعمالهم كلها: خيرها وشرها، وجزاء تلك الأعمال وتفاصيل ذلك في دار القرار (١).
والخلاصة أن للَّه تعالى هو الذي أحاط علمه
_________________
(١) الحق الواضح المبين، ص٣٧ - ٣٨، وشرح القصيدة النونية للهراس، ٢/ ٧٣، وتفسير السعدي، ٥/ ٦٢١.
[ ٩١ ]
بالظواهر والبواطن، والإسرار والإعلان، وبالواجبات، والمستحيلات، والممكنات، وبالعالم العلوي، والسفلي، وبالماضي، والحاضر، والمستقبل، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء (١).
١٥ - الحَمِيدُ
قال اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (٢).
وذكر ابن القيم - ﵀ - أن اللَّه حميد من وجهين:
أحدهما: أنّ جميع المخلوقات ناطقة بحمده، فكل حمد وقع من أهل السموات والأرض الأوّلين منهم والآخرين، وكل حمد يقع منهم في الدنيا والآخرة، وكل حمد لم يقع منهم بل كان مفروضًا ومقدّرًا حيثما تسلسسلت الأزمان واتصلت الأوقات، حمدًا يملأ الوجود كله العالم العلوي والسفلي، ويملأ نظير
_________________
(١) تفسير العلامة الشيخ عبد الرحمن السعدي - ﵀ -، ٥/ ٦٢١.
(٢) سورة فاطر، الآية: ١٥.
[ ٩٢ ]
الوجود من غير عدٍّ ولا إحصاءٍ، فإنّ اللَّه تعالى مستحقة من وجوه كثيرة: منها أن اللَّه هو الذي خلقهم، ورزقهم، وأسدى عليهم النعم الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيويّة، وصرف عنهم النقم والمكاره، فما بالعباد من نعمة فمن اللَّه، ولا يدفع الشرور إلاّ هو، فيستحق منهم أن يحمدوه في جميع الأوقات، وأن يثنوا عليه ويشكروه بعدد اللحظات.
الوجه الثاني: أنه يحمد على ما له من الأسماء الحسنى والصفات الكاملة العليا، والمدائح والمحامد والنعوت الجليلة الجميلة، فله كلّ صفة كمال وله من تلك الصفة أكملها وأعظمها، فكلّ صفة من صفاته يستحق عليها أكمل الحمد والثناء، فكيف بجميع الأوصاف المقدسة، فله الحمد لذاته، وله الحمد لصفاته، وله الحمد لأفعاله؛ لأنها دائرة بين أفعال الفضل والإحسان، وبين أفعال العدل والحكمة التي يستحق عليها كمال الحمد، وله الحمد على خلقه، وعلى شرعه، وعلى أحكامه القدريّة،
[ ٩٣ ]
١٦ - العزيز
١٧ - القدير
١٨ - القادر
٢٠ - القوي
٢١ - المتين
وأحكامه الشرعيّة، وأحكام الجزاء في الأولى والآخرة، وتفاصيل حمده وما يُحمد عليه لا تُحيط بها الأفكارُ، ولا تُحصيها الأقلام (١).
١٦ - العَزيزُ،١٧ - القَدِيرُ،١٨ - القَادِرُ،١٩ - المُقتَدِرُ،٢٠ - القوِيُّ،٢١ - المَتِينُ
هذه الأسماء العظيمة معانيها متقاربة، فهو تعالى كامل القوة، عظيم القدرة، شامل العزّة ﴿إِنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ (٣)، فمعاني العزة الثلاثة كلها كاملة للَّه العظيم:
١ - عزّة القوة الدالّ عليها من أسمائه القوي المتين، وهي وصفه العظيم الذي لا تُنسَب إليه قوة المخلوقات وإنْ عَظُمَتْ. قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّه هُوَ
_________________
(١) الحق الواضح المبين، ص٣٩ - ٤٠، وشرح القصيدة النونية للهراس، ٢/ ٧٥، وتوضيح المقاصد وتصحيح القواعد، ٢/ ٢١٥.
(٢) سورة يونس، الآية: ٦٥.
(٣) سورة هود، الآية: ٦٦.
[ ٩٤ ]
الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (١)، وقال: ﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٢)، وقال - ﷿ -: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا﴾ (٤). وقال - ﷿ -: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ (٥).
٢ - وعزة الامتناع فإنه هو الغنيّ بذاته، فلا يحتاج إلى أحد، ولا يبلغ العبادُ ضرّه فيضرونه، ولا نفعه فينفعونه، بل هو الضار النافع المعطي المانع.
٣ - وعزة القهر والغلبة لكل الكائنات، فهي كلها مقهورة للَّه خاضعة لعظمته منقادة لإرادته، فجميع
_________________
(١) سورة الذاريات، الآية: ٥٨.
(٢) سورة الممتحنة، الآية: ٧.
(٣) سورة الأنعام، الآية: ٦٥.
(٤) سورة الكهف، الآية: ٤٥.
(٥) سورة القمر، الآيتان: ٥٤ - ٥٥.
[ ٩٥ ]
نواصي المخلوقات بيده، لا يتحرك منها متحرّك ولا يتصرّف متصرّف إلا بحوله وقوته وإذنه، فما شاء اللَّه كان وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا به.
فمن قوته واقتداره أنّه خلق السموات والأرض وما ببينهما في ستة أيام، وأنّه خلق الخلق ثم يميتهم ثم يُحييهم ثم إليه يُرجعون ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (١)، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ (٢)، ومن آثار قدرته أنك ترى الأرض هامدة، فإذا أنزل عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، ومن آثار قدرته ما أوقعه بالأمم المكذّبين والكُفّار الظالمين من أنواع العقوبات وحلول المثلات، وأنه لم يغنِ عنهم كيدهم ومكرهم ولا أموالهم ولا جنودهم ولا حصونهم من عذاب اللَّه من شيء لمّا جاء أمر ربك، وما زادوهم غير تتبيب، وخصوصًا في هذه الأوقات، فإنّ هذه القوة الهائلة،
_________________
(١) سورة لقمان، الآية: ٢٨.
(٢) سورة الروم، الآية: ٢٧.
[ ٩٦ ]
والمخترعات الباهرة التي وصلت إليها مقدرة هذه الأمم هي من إقدار اللَّه لهم وتعليمه لهم ما لم يكونوا يعلمونه، فمن آيات اللَّه أنّ قواهم وقُدَرَهم ومخترعاتهم لم تغنِ عنهم شيئًا في صدّ ما أصابهم من النكبات والعقوبات المهلكة، مع بذل جدِّهم واجتهادهم في توقي ذلك، ولكنَّ أمر اللَّه غالب، وقدرته تنقاد لها عناصر العالم العلوي والسفلي.
ومن تمام عزته وقدرته وشمولهما أنه كما أنه هو الخالق للعباد فهو خالق أعمالهم وطاعتهم ومعاصيهم، وهي أيضًا أفعالهم، فهي تضاف إلى اللَّه خلقًا وتقديرًا، وتضاف إليهم فعلًا ومباشرة على الحقيقة، ولا منافاة بين الأمرين، فإنّ اللَّه خالق قدرتهم وإرادتهم، وخالق السبب التام خالق للمسبب، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (١).
ومن آثار قدرته ما ذكره في كتابه من نصره
_________________
(١) سورة الصافات، الآية: ٩٦.
[ ٩٧ ]
أولياءه، على قلَّة عددهم وعُددهم على أعدائهم الذين فاقوهم بكثرة العَدد والعُدّة، قال تعالى:
﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (١).
ومن آثار قدرته ورحمته ما يحدثه لأهل النار وأهل الجنة من أنواع العقاب وأصناف النعيم المستمر الكثير المتتابع الذي لا ينقطع ولا يتناهى (٢). فبقدرته أوجد الموجودات، وبقدرته دبّرها، وبقدرته سوّاها وأحكمها، وبقدرته يحيي ويميت، ويبعث العباد للجزاء، ويجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، وبقدرته يُقَلِّبُ القلوب ويصرفها على ما يشاء الذي إذا أراد شيئًا قال له: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ (٣). قال اللَّه تعالى: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤).
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٤٩.
(٢) الحق الواضح المبين، ص٤٥ - ٤٦، وانظر شرح النونية للهراس، ٢/ ٧٨، وتفسير السعدي،٥/ ٦٢٤.
(٣) تفسير العلامة السعدي، ٥/ ٦٢٤، والآية من سورة يس: ٨٢.
(٤) سورة البقرة، الآية: ١٤٨.
[ ٩٨ ]
٢٢ - الغَنِيُّ
قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ (١). وقال اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (٢). فهو تعالى (الغني) الذي له الغنى التام المطلق من كل الوجوه لكماله وكمال صفاته التي لا يتطرق إليها نقص بوجه من الوجوه، ولا يمكن أن يكون إلا غنيًا، فإنّ غناه من لوازم ذاته، كما لا يكون إلا محسنًا، جوادًا، برًا، رحيمًا كريمًا، والمخلوقات بأسرها لا تستغني عنه في حال من أحوالها، فهي مفتقرة إليه في إيجادها، وفي بقائها، وفي كل ما تحتاجه أو تضطر إليه، ومن سعة غناه أن خزائن السموات والأرض والرحمة بيده، وأن جوده على خلقه متواصل في جميع اللحظات والأوقات، وأن يده سحاء الليل والنهار، وخيره على الخلق
_________________
(١) سورة النجم، الآية: ٤٨.
(٢) سورة فاطر، الآية: ١٥.
[ ٩٩ ]
مدرار.
ومن كمال غناه وكرمه أنّه يأمر عباده بدعائه، ويعدهم بإجابة دعواتهم وإسعافهم بجميع مراداتهم، ويؤتيهم من فضله ما سألوه وما لم يسألوه، ومن كمال غناه أنه لو اجتمع أول الخلق وآخرهم في صعيد واحد فسألوه، فأعطى كلًا منهم ما سأله وما بلغت أمانيه ما نقص من ملكه مثقال ذرّة.
ومن كمال غناه وسعة عطاياه ما يبسطه على أهل دار كرامته من النعيم واللذات المتتابعات، والخيرات المتواصلات، مما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
ومن كمال غناه أنه لم يتخذ صاحبةً، ولا ولدًا، ولا شريكًا في الملك، ولا وليًا من الذل، فهو الغني الذي كمل بنعوته وأوصافه، المغني لجميع مخلوقاته (١).
_________________
(١) الحق الواضح المبين، ص٤٧ - ٤٨، وشرح النونية للهراس، ٢/ ٧٨.
[ ١٠٠ ]
والخلاصة أن اللَّه الغني الذي له الغنى التام المطلق من كل الوجوه، وهو المغني جميع خلقه، غنىً عامًا، والمغني لخواص خلقه، بما أفاض على قلوبهم، من المعارف الربانية، والحقائق الإيمانية (١).
٢٣ - الحَكِيمُ
قال اللَّه تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (٢).
وهو تعالى «الحكيم» الموصوف بكمال الحكمة وبكمال الحكم بين المخلوقات، فالحكيم هو واسع العلم والاطّلاع على مبادئ الأمور وعواقبها، واسع الحمد، تام القدرة، غزير الرحمة، فهو الذي يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها اللائقة بها في خلْقه وأمره، فلا يتوجه إليه سؤال، ولا يقدح في حكمته مقال.
_________________
(١) تفسير الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ٥/ ٦٢٩.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٨.
[ ١٠١ ]
وحكمته نوعان:
النوع الأول: الحكمة في خلقه؛ فإنه خلق الخلق بالحق ومشتملًا على الحق، وكان غايته والمقصود به الحق، خلق المخلوقات كلها بأحسن نظام، ورتبها أكمل ترتيب، وأعطى كل مخلوق خلقه اللائق به، بل أعطى كل جزء من أجزاء المخلوقات وكل عضو من أعضاء الحيوانات خلقته وهيئته، فلا يرى أحد في خلقه خللًا، ولا نقصًا، ولا فطورًا، فلو اجتمعت عقول الخلق من أولهم إلى آخرهم ليقترحوا مثل خلق الرحمن أو ما يقارب ما أودعه في الكائنات من الحسن والانتظام والإتقان لم يقدروا، وأنّى لهم القدرة على شيء من ذلك، وحسب العقلاء الحكماء منهم أن يعرفوا كثيرًا من حكمه، ويطَّلعوا على بعض ما فيها من الحسن والإتقان. وهذا أمر معلوم قطعًا بما يُعلم من عظمته وكمال صفاته، وتَتَبُّع حكمه في الخلق والأمر، وقد تحدَّى عباده وأمرهم أن ينظروا ويكرّروا النظر والتأمل هل يجدون في خلقه خللًا أو
[ ١٠٢ ]
نقصًا، وأنه لابد أن ترجع الأبصار كليلة عاجزة عن الانتقاد على شيء من مخلوقاته.
النوع الثاني: الحكمة في شرعه وأمره، فإنه تعالى شرع الشرائع، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل ليعرفه العباد ويعبدوه، فأي حكمة أجلّ من هذا، وأيّ فضل وكرم أعظم من هذا، فإنّ معرفته تعالى وعبادته وحده لا شريك له، وإخلاص العمل له وحمده، وشكره والثناء عليه أفضل العطايا منه لعباده على الإطلاق، وأجلّ الفضائل لمن يمنّ اللَّه عليه بها. وأكمل سعادة وسرور للقلوب والأرواح، كما أنها هي السبب الوحيد للوصول إلى السعادة الأبدية والنعيم الدائم، فلو لم يكن في أمره وشرعه إلا هذه الحكمة العظيمة التي هي أصل الخيرات، وأكمل اللذات، ولأجلها خلقت الخليقة وحق الجزاء، وخلقت الجنة والنار، لكانت كافية شافية.
هذا وقد اشتمل شرعه ودينه على كل خير، فأخباره تملأ القلوب علمًا، ويقينًا، وإيمانًا، وعقائد
[ ١٠٣ ]
صحيحة، وتستقيم بها القلوب ويزول انحرافها، وتثمر كل خلق جميل وعمل صالح وهدى ورشد.
وأوامره ونواهيه محتوية على غاية الحكمة والصلاح والإصلاح للدِّين والدنيا، فإنه لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة، ولا ينهى إلا عما مضرّته خالصة أو راجحة.
ومن حكمة الشرع الإسلامي أنه كما أنه هو الغاية لصلاح القلوب، والأخلاق، والأعمال، والاستقامة على الصراط المستقيم، فهو الغاية لصلاح الدنيا، فلا تصلح أمور الدنيا صلاحًا حقيقيًا إلا بالدين الحق الذي جاء به محمد - ﷺ -، وهذا مشاهد محسوس لكل عاقل، فإنّ أُمّة محمد لما كانوا قائمين بهذا الدين أصوله وفروعه وجميع ما يهدي ويرشد إليه، كانت أحوالهم في غاية الاستقامة والصلاح، ولمّا انحرفوا عنه وتركوا كثيرًا من هداه، ولم يسترشدوا بتعاليمه العالية، انحرفت دنياهم كما انحرف دينهم.
[ ١٠٤ ]
وكذلك انظر إلى الأمم الأخرى التي بلغت في القوة، والحضارة، والمدنية مبلغًا هائلًا، ولكن لمّا كانت خالية من روح الدين ورحمته وعدله، كان ضررها أعظم من نفعها، وشرها أكبر من خيرها، وعجز علماؤها وحكماؤها وساستها عن تلافي الشرور الناشئة عنها، ولن يقدروا على ذلك ما داموا على حالهم؛ ولهذا كان من حكمته تعالى أنّ ما جاء به محمد - ﷺ - من الدين والقرآن أكبر البراهين على صدقه وصدق ما جاء به؛ لكونه محكمًا كاملًا لا يحصل إلا به.
وبالجملة فالحكيم متعلقاته المخلوقات والشرائع، وكلها في غاية الإحكام، فهو الحكيم في أحكامه القدرية، وأحكامه الشرعية، وأحكامه الجزائية، والفرق بين أحكام القدر وأحكام الشرع أن القدر متعلّق بما أوجده وكوّنه وقدّره، وأنه ما شاء كان وما لم يشأْ لم يَكُنْ، وأحكام الشرع متعلقة بما شرعه، والعبد المربوب لا يخلو منهما أو من
[ ١٠٥ ]
أحدهما، فمن فعل منهم ما يحبّه اللَّه ويرضاه فقد اجتمع فيه الحكمان، ومن فعل ما يضادّ ذلك فقد وجد فيه الحكم القدري؛ فإنّ ما فعله واقع بقضاء اللَّه وقدره ولم يوجد في الحكم الشرعي لكونه ترك ما يحبه اللَّه ويرضاه. فالخير، والشر والطاعات، والمعاصي كلها متعلقة وتابعة للحكم القدري، وما يحبه اللَّه منها هو تابع الحكم الشرعي ومتعلّقه. واللَّه أعلم (١).
٢٤ - الْحَلِيمُ
قال اللَّه تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (٢).
الذي يَدِرُّ على خلقه، النعم الظاهرة والباطنة، مع معاصيهم وكثرة زلاَّتهم، فيحلم عن مقابلة العاصين
_________________
(١) الحق الواضح المبين، ص٤٨ - ٥٤،وانظر: شرح النونية للهراس، ٢/ ٨٠،وتفسير السعدي،٥/ ٦٢١، وتوضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شرح قصيدة الإمام ابن القيم، لأحمد بن إبراهيم بن عيسى، ٢/ ٢٢٦.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٣٥.
[ ١٠٦ ]
بعصيانهم. ويستعتبهم كي يتوبوا، ويمهلهم كي ينيبوا (١).
وهو الذي له الحلم الكامل الذي وسع أهل الكفر والفسوق، والعصيان حيث أمهلهم ولم يعاجلهم بالعقوبة ليتوبوا، ولو شاء لأخذهم بذنوبهم فور صدورها منهم؛ فإن الذنوب تقتضي ترتب آثارها عليها من العقوبات العاجلة المتنوعة، ولكن حلمه سبحانه هو الذي اقتضى إمهالهم (٢) كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٤).
_________________
(١) تفسير الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ٥/ ٦٣٠.
(٢) شرح النونية للهراس، ٢/ ٨٦.
(٣) سورة فاطر، الآية: ٤٥.
(٤) سورة النحل، الآية: ٦١.
[ ١٠٧ ]
قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّه لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ (١).
الذي لم يزل، ولا يزال بالعفو معروفًا، وبالغفران والصفح عن عباده، موصوفًا.
كل أحد مضطر إلى عفوه ومغفرته كما هو مضطر إلى رحمته وكرمه.
وقد وعد بالمغفرة والعفو، لمن أتى بأسبابها، قال تعالى (٢): ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (٣).
والعفوّ هو الذي له العفو الشامل الذي وسع ما يصدر من عباده من الذنوب، ولا سيما إذا أتوا لما يسبب العفو عنهم من الاستغفار، والتوبة، والإيمان، والأعمال الصالحة فهو سبحانه يقبل التوبة عن عباده
_________________
(١) سورة الحج، الآية: ٦٠.
(٢) تفسير السعدي، ٥/ ٦٢٣. وانظر أيضًا: الحق الواضح المبين، ص٥٦.
(٣) سورة طه، الآية: ٨٢.
[ ١٠٨ ]
ويعفو عن السيئات، وهو عفوٌ يحب العفو ويحب من عباده أن يسعوا في تحصيل الأسباب التي ينالون بها عفوه: من السعي في مرضاته، والإحسان إلى خلقه، ومن كمال عفوه أنه مهما أسرف العبد على نفسه ثم تاب إليه ورجع، غفر له جميع جرمه: صغيره، وكبيره، وأنه جعل الإسلام يجُبُّ ما قبله، والتوبة تجبُّ ما قبلها (١)، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٢)، وفي الحديث «إن اللَّه يقول: «يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة» (٣)، وقال تعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ المَغْفِرَةِ﴾ (٤)، وقد فتح اللَّه - ﷿ - الأسباب لنيل مغفرته بالتوبة، والاستغفار، والإيمان،
_________________
(١) شرح القصيدة النونية للهراس، ٢/ ٨٦، والحق الواضح المبين، ص٥٦.
(٢) سورة الزمر، الآية: ٥٣.
(٣) أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات، باب خلق الله مائة رحمة، برقم ٣٥٤٠، وحسنه الألباني في صحيح الجامع ٥/ ٥٤٨ ..
(٤) سورة النجم، الآية: ٣٢.
[ ١٠٩ ]
والعمل الصالح، والإحسان إلى عباد اللَّه، والعفو عنهم، وقوة الطمع في فضل اللَّه، وحسن الظن باللَّه، وغير ذلك مما جعله اللَّه مُقرِّبًا لمغفرته (١).
٢٨ - التَّوَّابُ
قال اللَّه تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٢).
«التَّوَّابُ» الذي لم يزل يتوب على التائبين، ويغفر ذنوب المنيبين، فكل من تاب إلى اللَّه توبة نصوحًا، تاب اللَّه عليه.
فهو التائب على التائبين: أولًا بتوفيقهم للتوبة والإقبال بقلوبهم إليه. وهو التائب عليهم بعد توبتهم، قبولًا لها، وعفوًا عن خطاياهم (٣).
_________________
(١) الحق الواضح المبين، ص٧٣ - ٧٤.
(٢) سورة التوبة، الآية: ١٠٤.
(٣) تفسير الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ٥/ ٦٢٣.
[ ١١٠ ]
وعلى هذا تكون توبته على عبده نوعين:
أحدهما: يُوقع في قلب عبده التوبة إليه والإنابة إليه، فيقوم بالتوبة وشروطها من الإقلاع عن المعاصي، والندم على فعلها، والعزم على أن لا يعود إليها. واستبدالها بعمل صالح.
والثاني: توبته على عبده بقبولها وإجابتها ومحو الذنوب بها؛ فإن التوبة النصوح تجبّ ما قبلها (١).
قال اللَّه تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (٢).
٢٩ - الرَّقيبُ
الرقيب: المطَّلع على ما أكنَّته الصدور، القائم على كل نفس بما كسبت. قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٣).
_________________
(١) الحق الواضح المبين، ص٧٤.
(٢) سورة النصر، الآية: ٣.
(٣) سورة النساء، الآية: ١.
[ ١١١ ]
والرقيب هو سبحانه الذي حفظ المخلوقات وأجراها، على أحسن نظام وأكمل تدبير (١).
٣٠ - الشَّهيدُ
الشهيد: أي المطَّلع على جميع الأشياء. سمع جميع الأصوات، خفيّها وجليها. وأبصر جميع الموجودات، دقيقها وجليلها، صغيرها وكبيرها، وأحاط علمه بكل شيء، الذي شهد لعباده، وعلى عباده، بما عملوه (٢).
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي - ﵀ - تعالى: «الرقيب» و«الشهيد» مترادفان، وكلاهما يدلُّ على إحاطة سمع اللَّه بالمسموعات، وبصره بالمبصرات، وعلمِه بجميع المعلومات الجليّة والخفية، وهو الرقيب على ما دار في الخواطر، وما تحركت به اللواحظ، ومن باب أولى
_________________
(١) تفسير السعدي، ٥/ ٦٢٣.
(٢) المرجع السابق، ٥/ ٦٢٨،وانظر: شرح اسم (الشهيد) و(المؤمن) في مدارج السالكين، ٣/ ٤٦٦.
[ ١١٢ ]
الأفعال الظاهرة بالأركان، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (١)، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٢). ولهذا كانت المراقبة التي هي من أعلى أعمال القلوب هي التعبّد للَّه باسمه الرقيب الشهيد، فمتى علم العبد أن حركاته الظاهرة والباطنة قد أحاط اللَّه بعلمها، واستحضر هذا العلم في كل أحواله، أوجب له ذلك حراسة باطنة عن كل فكر وهاجس يبغضه اللَّه، وحفظ ظاهره عن كل قول أو فعل يسخط اللَّه، وتعبّد بمقام الإحسان فعَبَدَ اللَّهَ كأنَّهُ يَرَاهُ، فإن لم يكن يراه فإن اللَّه يراه (٣).
فإذا كان اللَّه رقيبًا على دقائق الخفيات، مطلعًا على السرائر والنيات، كان من باب أولى شهيدًا على الظواهر والجليات. وهي الأفعال التي تفعل بالأركان: أي الجوارح (٤).
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ١.
(٢) سورة المجادلة، الآية: ٦.
(٣) الحق الواضح المبين، ص٥٨ - ٥٩.
(٤) شرح القصيدة النونية للهراس، ٢/ ٨٨.
[ ١١٣ ]
٣١ - الحَفِيظُ
قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ
حَفِيظٌ﴾ (١) «للحفيظ» معنيان:
المعنى الأول: أنه قد حفظ على عباده ما عملوه من خير وشر وطاعة ومعصية؛ فإن علمه محيط بجميع أعمالهم ظاهرها وباطنها، وقد كتب ذلك في اللوح المحفوظ، ووكَّل بالعباد ملائكة كرامًا كاتبين «يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ» (٢)، فهذا المعنى من حفظه يقتضي إحاطة علم اللَّه بأحوال العباد كلها ظاهرها وباطنها وكتابتها في اللوح المحفوظ وفي الصحف التي في أيدي الملائكة، وعلمه بمقاديرها، وكمالها، ونقصها، ومقادير جزائها في الثواب والعقاب ثم مجازاته عليها بفضله وعدله.
والمعنى الثاني: من معنيي «الحفيظ» أنه تعالى
_________________
(١) سورة هود، الآية: ٥٧.
(٢) سورة الانفطار، الآية: ١٢.
[ ١١٤ ]
الحافظ لعباده من جميع ما يكرهون، وحفظه لخلقه نوعان: عام، وخاص.
النوع الأول: حفظه العام لجميع المخلوقات بتيسيره لها ما يقيتها ويحفظه بنيتها، وتمشي إلى هدايته وإلى مصالحها بإرشاده وهدايته العامة التي قال عنها: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (١)، أي هدى كل مخلوق إلى ما قدّر له، وقضى له من ضروراته وحاجاته، كالهداية للمأكل والمشرب والمنكح، والسعي في أسباب ذلك، وكدفعه عنهم أصناف المكاره والمضارّ، وهذا يشترك فيه البرّ والفاجر، بل الحيوانات وغيرها، فهو الذي يحفظ السموات والأرض أن تزولا، ويحفظ الخلائق بنعمه، وقد وكّل بالآدمي حفظةً من الملائكة الكرام يحفظونه من أمر اللَّه، أي يدفعون عنه كل ما يضرّه مما هو بصدد أن يضرّه لولا حفظ اللَّه.
والنوع الثاني: حفظه الخاص لأوليائه سوى ما تقدم، يحفظهم عما يضرّ إيمانهم أو يزلزل إيقانهم من
_________________
(١) سورة طه، الآية: ٥٠.
[ ١١٥ ]
الشُّبَهِ والفتن والشهوات، فيعافيهم منها ويخرجهم منها بسلامة وحفظ وعافية، ويحفظهم من أعدائهم من الجن والإنس، فينصرهم عليهم ويدفع عنهم كيدهم، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١)، وهذا عام في دفع جميع ما يضرّهم في دينهم ودنياهم، فعلى حسب ما عند العبد من الإيمان تكون مدافعة اللَّه عنه بلطفه، وفي الحديث: «احفظ اللَّه يحفظك» (٢)، أي احفظ أوامره بالامتثال، ونواهيه بالاجتناب، وحدوده بعدم تعدّيها، يحفظك في نفسك، ودينك، ومالك، وولدك، وفي جميع ما آتاك اللَّه من فضله (٣).
٣٢ - اللَّطِيفُ
قال اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ
_________________
(١) سورة الحج، الآية: ٣٨.
(٢) أخرجه الترمذي في كتاب صفة القيامة، باب ٥٩، برقم ٢٥١٦، والحاكم، ٣/ ٥٤١، وقال: «هذا حديث كبير عال». وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٧٩٥٧.
(٣) الحق الواضح المبين، ص٦٠ - ٦١.
[ ١١٦ ]
وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيز﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير﴾ (٢).
«اللطيف» من أسمائه الحسنى، وهو الذي يلطف بعبده في أموره الداخلية المتعلقة بنفسه، ويلطف بعبده في الأمور الخارجية عنه، فيسوقه ويسوق إليه ما به صلاحه من حيث لا يشعر. وهذا من آثار علمه وكرمه ورحمته؛ فلهذا كان معنى اللطيف نوعين:
النوع الأول: أنه الخبير الذي أحاط علمه بالأسرار والبواطن والخبايا والخفايا ومكنونات الصدور ومغيبات الأمور، وما لطف ودقَّ من كل شيء.
النوع الثاني: لطفه بعبده ووليِّه الذي يريد أن يُتم عليه إحسانه، ويشمله بكرمه ويُرقِّيه إلى المنازل العالية فييسّره لليُسرى ويجنبه العُسرى، ويجري عليه من أصناف المحن التي يكرهها وتشق عليه، وهي عين صلاحه والطريق إلى سعادته، كما امتحن الأنبياء بأذى
_________________
(١) سورة الشورى، الآية: ١٩.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٠٣.
[ ١١٧ ]
قومهم وبالجهاد في سبيله، وكما ذكر اللَّه عن يوسف - ﷺ - وكيف ترقت به الأحوال ولطف اللَّه به وله بما قدّره عليه من تلك الأحوال التي حصل له في عاقبتها حسن العُقبى في الدنيا والآخرة، وكما يمتحن أولياءه بما يكرهونه ليُنيلهم ما يُحبون.
فكم للَّه من لُطْفٍ وكرمٍ لا تدركه الأفهام، ولا تتصوره الأوهام، وكم استشرف العبد على مطلوب من مطالب الدنيا من ولاية، أو رياسة، أو سبب من الأسباب المحبوبة، فيصرفه اللَّه عنها ويصرفها عنه رحمةً به لئلا تضره في دينه، فيظل العبدُ حزينًا من جهله وعدم معرفته بربِّه، ولو علم ما ادُّخِرَ له في الغيب وأريد إصلاحه فيه لحمد اللَّه وشكره على ذلك؛ فإنّ اللَّه بعباده رؤوف رحيم لطيف بأوليائه، وفي الدعاء المأثور (١): «اللَّهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب، وما زويت عني مما أُحبُّ فاجعله فراغًا لي
_________________
(١) الحق الواضح المبين، ص٦١ - ٦٢، وانظر: شرح النونية للهراس، ٢/ ٩١، وتوضيح المقاصد، ٢/ ٢٢٨.
[ ١١٨ ]
فيما تُحبُّ» (١).
٣٣ - القَرِيبُ
قال اللَّه تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ (٢).
من أسماء اللَّه تعالى: «القريب»، وقربه نوعان:
النوع الأول: قرب عام وهو إحاطة علمه بجميع الأشياء، وهو أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد، وهو بمعنى المعية العامة.
النوع الثاني: وقرب خاص بالداعين والعابدين المحبين، وهو قرب يقتضي المحبة، والنصرة، والتأييد
_________________
(١) أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات، باب ٧٣، برقم ٤٣٩١، وحسنه، وقال عبد القادر الأرنؤوط: «وهو كما قال». انظر: جامع الأصول، ٤/ ٣٤١، بينما ضعّف الحديث الشيخ الألباني في ضعيف الجامع، برقم ١١٧٢.
(٢) سورة هود، الآية: ٦١.
[ ١١٩ ]
في الحركات والسكنات، والإجابة للداعين، والقبول والإثابة للعابدين (١). قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٢).
وإذا فُهِمَ القرب بهذا المعنى في العموم والخصوص لم يكن هناك تعارض أصلًا بينه وبين ما هو معلوم من وجوده تعالى فوق عرشه، فسبحان من هو عليٌّ في دنوّه، قريب في علوَه» (٣).
٣٤ - المُجِيبُ
من أسماء اللَّه تعالى «المجيب» لدعوة الداعين وسؤال السائلين وعبادة المستجيبين، وإجابته نوعان:
النوع الأول: إجابة عامة لكل من دعاه: دعاء عبادة، أو دعاء مسألة، قال اللَّه تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ
_________________
(١) الحق الواضح المبين، ص٦٤، وشرح النونية للهراس، ٢/ ٩٢.
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٨٦.
(٣) شرح النونية للهراس، ٢/ ٩٢، وتوضيح المقاصد، ٢/ ٢٢٩.
[ ١٢٠ ]
ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (١)، فدعاء المسألة أن يقول العبد: اللَّهم أعطني كذا، أو اللَّهم ادفع عني كذا، فهذا يقع من البرّ والفاجر، ويستجيب اللَّه فيه لكل من دعاه بحسب الحال المقتضية، وبحسب ما تقتضيه حكمته. وهذا يستدلّ به على كرم المولى وشمول إحسانه للبرّ والفاجر، ولا يدلّ بمجرّده على حسن حال الداعي الذي أجيبت دعوته إنْ لم يقترن بذلك ما يدلّ عليه وعلى صدقه وتعيّن الحق معه، كسؤال الأنبياء ودعائهم لقومهم وعلى قومهم فيُجيبهم اللَّه؛ فإنه يدلّ على صدقهم فيما أخبروا به، وكرامتهم على ربهم؛ ولهذا كان النبي - ﷺ - كثيرًا ما يدعو بدعاء يشاهد المسلمون وغيرهم إجابته، وذلك من دلائل نبوّته وآيات صدقه، وكذلك ما يذكرونه عن كثير من أولياء اللَّه من إجابة الدعوات؛ فإنه من أدلة كراماتهم على اللَّه.
النوع الثاني: أما الإجابة الخاصة فلها أسباب عديدة،
_________________
(١) سورة غافر، الآية: ٦٠.
[ ١٢١ ]
منها دعوة المضطر الذي وقع في شدّة وكربة عظيمة، فإن اللَّه يجيب دعوته، قال تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ (١)، وسبب ذلك شدة الافتقار إلى اللَّه، وقوة الانكسار وانقطاع تعلّقه بالمخلوقين، ولسعة رحمة اللَّه التي يشمل بها الخلق بحسب حاجتهم إليها، فكيف بمن اضطر إليها، ومن أسباب الإجابة طول السفر، والتوسل إلى اللَّه بأحب الوسائل إليه من أسمائه وصفاته ونعمه، وكذلك دعوت المريض، والمظلوم، والصائم، والوالد على ولده أو له، وفي الأوقات والأحوال الشريفة (٢) مثل أدبار الصلوات، وأوقات السحر، وبين الأذان والإقامة، وعند النداء، ونزول المطر واشتداد البأس، ونحو ذلك (٣). ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ (٤).
_________________
(١) سورة النمل، الآية: ٦٢.
(٢) الحق الواضح المبين، ص٦٥ - ٦٦، وشرح النونية للهراس، ٢/ ٩٣.
(٣) شرح النونية للهراس، ٢/ ٩٣ - ٤٩، وتوضيح المقاصد وتصحيح القواعد، ٢/ ٢٢٩.
(٤) سورة هود، الآية: ٦١.
[ ١٢٢ ]
٣٥ - الوَدُودُ
قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ (٢)، والودّ مأخوذ من الوُدّ بضم الواو بمعنى خالص المحبة، فالودود هو المحب المحبوب بمعنى وادّ مودود، فهو الواد لأنبيائه، وملائكته، وعباده المؤمنين، وهو المحبوب لهم، بل لا شيء أحب إليهم منه، ولا تعادل محبة اللَّه من أصفيائه محبة أخرى، لا في أصلها، ولا في كيفيتها، ولا في متعلّقاتها، وهذا هو الفرض والواجب أن تكون محبة اللَّه في قلب العبد سابقة لكل محبة، غالبة لكل محبة، ويتعيّن أن تكون بقية المحابّ تبعًا لها.
ومحبة اللَّه هي روح الأعمال، وجميع العبودية الظاهرة والباطنة ناشئة عن محبة اللَّه.
_________________
(١) سورة هود، الآية: ٩٠.
(٢) سورة البروج، الآية: ١٤.
[ ١٢٣ ]
ومحبة العبد لربه فضلٌ من اللَّه وإحسان، ليست بحول العبد ولا قوته، فهو تعالى الذي أحب عبده فجعل المحبة في قلبه، ثم لمّا أحبه العبد بتوفيقه جازاه اللَّه بِحُبٍّ آخر، فهذا هو الإحسان المحض على الحقيقة، إذ منه السبب ومنه المسبِّب، ليس المقصود منها المعاوضة، وإنما ذلك محبة منه تعالى للشاكرين من عباده ولشكرهم، فالمصلحة كلها عائدة إلى العبد، فتبارك الذي جعل وأودع المحبة في قلوب المؤمنين، ثم لم يزل يُنميها ويُقويها حتى وصلت في قلوب الأصفياء إلى حالة تتضاءل عندها جميع المحابّ، وتُسلِّيهم عن الأحباب، وتُهوِّن عليهم المصائب، وتُلَذِّذُ لهم مشقّة الطاعات، وتثمر لهم ما يشاءون من أصناف الكرامات التي أعلاها محبة اللَّه والفوز برضاه والأنس بقربه.
فمحبة العبد لربه محفوفة بمحبتين من ربه: فمحبة قبلها صار بها محبًا لربه، ومحبة بعدها شكرًا من اللَّه على محبة صار بها من أصفيائه المخلصين.
[ ١٢٤ ]
وأعظم سبب يكتسب به العبد محبّة ربه التي هي أعظم المطالب، الإكثار من ذكره والثناء عليه، وكثرة الإنابة إليه، وقوة التوكّل عليه، والتقرب إليه بالفرائض والنوافل، وتحقيق الإخلاص له في الأقوال والأفعال، ومتابعة النبي - ﷺ - ظاهرًا وباطنًا (١) كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٢).
قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ
حَلِيمٌ﴾ (٤)، ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ (٥).
_________________
(١) الحق الواضح المبين، ص٦٩ - ٧٠،وشرح النونية للهراس، ٢/ ٩٦، وتوضيح المقاصد، ٢/ ٢٣٠.
(٢) سورة آل عمران، الآية: ٣١.
(٣) سورة البقرة، الآية: ١٥٨.
(٤) سورة التغابن، الآية: ١٧.
(٥) سورة النساء، الآية: ١٤٧.
[ ١٢٥ ]
من أسمائه تعالى: «الشاكرُ الشَّكور» الذي لا يضيع سعي العاملين لوجهه بل يضاعفه أضعافًا مضاعفة؛ فإن اللَّه لا يُضيع أجر من أحسن عملًا، وقد أخبر في كتابه وسنّة نبيِّه بمضاعفة الحسنات الواحدة بعشر إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة، وذلك من شكره لعباده، فبعينه ما يحتمل المتحمّلون لأجله ومن فعل لأجله أعطاه فوق المزيد، ومن ترك شيئًا لأجله عوّضه خيرًا منه، وهو الذي وفّق المؤمنين لمرضاته ثم شكرهم على ذلك وأعطاهم من كراماته، ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وكل هذا ليس حقًا واجبًا عليه، وإنّما هو الذي أوجبه على نفسه جودًا منه وكرمًا (١).
وليس فوقه سبحانه من يوجب عليه شيئًا، قال تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (٢)،فلا يجب عليه سبحانه إثابة المطيع، ولا عقاب العاصي، بل
_________________
(١) الحق الواضح المبين، ص٧٠.
(٢) سورة الأنبياء، الآية: ٢٣.
[ ١٢٦ ]
الثواب محض فضله وإحسانه، والعقاب محض عدله وحكمته؛ ولكنه سبحانه الذي أوجب على نفسه ما يشاء فيصير واجبًا عليه بمقتضى وعده الذي لا يخلف كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١)، وكما قال سبحانه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، ومذهب أهل السنة أنه ليس للعباد حق واجب على اللَّه، وأنه مهما يكن من حق فهو الذي أحقه، وأوجبه ولذلك لا يضيع عنده عملٌ قام على الإخلاص والمتابعة للنبي - ﷺ - فإنهما الشرطان الأساسيان لقبول الأعمال (٣).
فما أصاب العباد من النعم ودفع النقم، فإنه من اللَّه تعالى فضلًا منه وكرمًا، وإن نعّمهم فبفضله
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: ٥٤.
(٢) سورة الروم، الآية: ٤٧.
(٣) شرح النونية للهراس، ٢/ ٩٨، وانظر: توضيح المقاصد وتصحيح القواعد، ٢/ ٢٣١.
[ ١٢٧ ]
وإحسانه، وإن عذّبهم فبعدله وحكمته، وهو المحمود على جميع ذلك (١).
قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (٢).
وقال النبي - ﷺ -: «السَّيِّدُ اللَّه ﵎» (٣) و«السيد» يطلق على الرّب، والمالك، والشريف، والفاضل، والكريم، والحليم، والرئيس، والزوج، ومُتَحَمِّل أذى قومه، واللَّه - ﷿ - هو السيد الذي يملك نواصي الخلق ويتولاهم، فالسؤدد كله حقيقة للَّه والخلق كلهم عبيده.
_________________
(١) الحق الواضح المبين، ص٧٢.
(٢) سورة الإخلاص، الآيتان: ١ - ٢.
(٣) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب في كراهية التمادح، برقم ٤٨٠٦، وابن السني في عمل اليوم والليلة، برقم ٣٨٧، والنسائي في عمل اليوم والليلة، برقم ٢٤٥، وأحمد، ٤/ ٢٤، ٢٥، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٣٧٠٠، وإسناده صحيح، وانظر: فتح المجيد، ص٦١٣، بتحقيق الأرنؤوط.
[ ١٢٨ ]
وهذا لا يُنافي السِّيادة الإضافية المخصوصة بالأفراد الإنسانية، فسيادة الخالق ﵎ ليست كسيادة المخلوق الضعيف (١).
«الصمدُ» المعنى الجامع الذي يدخل فيه كل ما فسّر به هذا الاسم الكريم، فهو الصمد الذي تَصْمُدُ إليه أي تقصده جميع المخلوقات بالذلّ والحاجة والافتقار، ويفزع إليه العالم بأسره، وهو الذي قد كَمُلَ في علمه، وحكمته، وحلمه، وقدرته، وعظمته، ورحمته، وسائر أوصافه، فالصمد هو كامل الصفات، وهو الذي تقصده المخلوقات في كل الحاجات (٢).
فهو السيد الذي قد كُمل في سؤدده، والعليم الذي قد كمل في علمه، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار الذي قد كَمُلَ في جبروته، والشريف الذي قد كمُلَ في
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير،٢/ ٤١٨،وانظر: عون المعبود شرح سنن أبي داود، ١٣/ ١٦١.
(٢) الحق الواضح المبين، ص٧٥.
[ ١٢٩ ]
شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي كمل في أنواع الشرف والسؤدد وهو اللَّه - ﷿ - هذه صفته لا تنبغي إلا له، وليس له كفء، وليس كمثله شيء، سبحان اللَّه الواحد القهار (١).
قال اللَّه تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (٣). وقال - ﷿ -: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (٤).
وهو الذي قهر جميع الكائنات، وذلّت له جميع
_________________
(١) شرح نونية ابن القيم للهراس، ٢/ ١٠٠، وتوضيح المقاصد وتصحيح القواعد، ٢/ ٢٣٢.
(٢) سورة الرعد آية ١٦.
(٣) سورة غافر، الآية: ١٦.
(٤) سورة الأنعام، الآية: ١٨.
[ ١٣٠ ]
المخلوقات، ودانت لقدرته ومشيئته مواد وعناصر العالَم العلوي والسفلي، فلا يحدث حادث ولا يسكن ساكن إلا بإذنه، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وجميع الخلق فقراء إلى اللَّه عاجزون، لا يملكون لأنفسهم نفعًا، ولا ضرًا، ولا خيرًا ولا شرًا، وقهره مستلزم: لحياته، وعزته، وقدرته، فلا يتم قهره للخليقة إلا بتمام حياته وقوة عزّته واقتداره (١).
إذ لولا هذه الأوصاف الثلاثة لا يتم له قهر ولا سلطان (٢).
٤٢ - الجَبَّارُ
قال اللَّه تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ﴾ (٣).
_________________
(١) الحق الواضح المبين، ص٧٦.
(٢) شرح النونية للهراس، ٢/ ١٠١.
(٣) سورة الحشر، الآية: ٢٣.
[ ١٣١ ]
للجبار من أسمائه الحسنى ثلاثة معانٍ كلها داخلة باسمه «الجبار»:
المعنى الأول: أنه الذي يجبر الضعيف وكل قلب منكسر لأجله، فيجبر الكسير، ويُغني الفقير، ويُيسّر على المعسر كل عسير، ويجبر المصاب بتوفيقه للثبات والصبر، ويعوِّضُهُ على مصابه أعظم الأجر إذا قام بواجبها، ويجبر جبرًا خاصًا قُلوبَ الخاضعينَ لعظمته وجلاله، وقلوب المحبين بما يفيض عليها من أنواع كراماته، وأصناف المعارف والأحوال الإيمانية، فقلوب المنكسرين لأجله جبرها دان قريب وإذا دعا الداعي، فقال: «اللَّهم أجبرني» فإنه يريد هذا الجبر الذي حقيقته إصلاح العبد ودفع جميع المكاره عنه.
٢ - والمعنى الثاني: أنه القهَّار لكل شيء، الذي دان له كلُّ شيء، وخضع له كلُّ شيء.
٣ - والمعنى الثالث: أنَّهُ العليُّ على كل شيء.
فصار الجبار مُتضمنًا لمعنى الرؤوف القهَّار العليّ.
[ ١٣٢ ]
٤ - وقد يُرادُ به معنى رابع وهو المتكبر عن كل سوء ونقص، وعن مماثلة أحد، وعن أن يكون له كفؤ أو ضد أو سمي أو شريك في خصائصه وحقوقه (١).
٤٣ - الحَسِيبُ
قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ (٣)، والحسيبُ:
١ - هو الكافي للعباد جميع ما أهمّهم من أمر دينهم ودنياهم من حصول المنافع ودفع المضارّ.
٢ - والحسيب بالمعنى الأخصّ هو الكافي لعبده المتَّقي المتوكِّل عليه كفاية خاصة يصلح بها دينه ودنياه.
_________________
(١) الحق الواضح المبين، ص٧٧، وانظر: شرح النونية للهراس، ٢/ ١٠٢، وتوضيح المقاصد، ٢/ ٢٣٣.
(٢) سورة النساء، الآية: ٦.
(٣) سورة الأنعام، الآية: ٦٢.
[ ١٣٣ ]
٣ - والحسيب أيضًا هو الذي يحفظ أعمال عباده من خير وشرٍّ ويحاسبهم، إنْ خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١)، أي كافيك وكافي أتباعك. فكفاية اللَّه لعبده بحسب ما قام به من متابعة الرسول - ﷺ - ظاهرًا وباطنًا، وقيامه بعبودية اللَّه تعالى (٢).
٤٤ - الْهَادِي
قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا
وَنَصِيرًا﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (٤).
[الهادي] أي: الذين يهدي ويرشد عباده إلى جميع المنافع، وإلى دفع المضار، ويُعلِّمهم ما لا
_________________
(١) سورة الأنفال، الآية: ٦٤.
(٢) الحق الواضح المبين، ص٧٨، وشرح النونية للهراس، ٢/ ١٠٣.
(٣) سورة الفرقان، الآية: ٣١.
(٤) سورة الحج، الآية: ٥٤.
[ ١٣٤ ]
يعلمون، ويهديهم لهداية التوفيق والتسديد، ويُلْهِمُهُم التقوى، ويجعل قلوبهم منيبة إليه، منقادة لأمره (١).
والهداية: هي دلالةٌ بلُطفٍ، وهداية اللَّه تعالى للإنسان على أربعة أوجه (٢):
الأول: الهداية التي عم بجنسها كل مُكلفٍ من العقل، والفطنة، والمعارف الضرورية التي أعمّ منها كل شيءٍ بقدرٍ فيه حسْبَ احتماله كما قال تعالى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (٣).
الثاني: الهداية التي جعل للناس بدعائه إياهم على ألسنة الأنبياء وإنزال القرآن ونحو ذلك وهو المقصود بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ (٤).
الثالث: التوفيق الذي يختصُّ به من اهتدى وهو
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ٥/ ٦٣١.
(٢) بدائع الفوائد، ٢/ ٣٦ - ٣٨.
(٣) سورة طه، الآية: ٥٠.
(٤) سورة السجدة، الآية: ٢٤.
[ ١٣٥ ]
المعْنيُّ بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّه يَهْدِ
قَلْبَهُ﴾ (٢)، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ (٤).
الرابع: الهداية في الآخرة إلى الجنة المعنيُّ بقوله: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ (٥) وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ (٦)،وهذه الهداياتُ الأربع مترتِّبةٌ، فإنّ من لم تحصل له الأولى لا تحصل له الثانية، بل لا يصحُّ تكليفه، ومن لم تحصل له الثانية لا تحصل له الثالثة والرابعة، ومن حصل له الرابع فقد حصل له الثلاث التي قبلها، ومن حصل له الثالث فقد حصل له اللذان قبله. ثم
_________________
(١) سورة محمد، الآية: ١٧.
(٢) سورة التغابن، الآية: ١١.
(٣) سورة يونس، الآية: ٩.
(٤) سورة العنكبوت، الاية: ٦٩
(٥) سورة محمد، الآية: ٥.
(٦) سورة الأعراف، الآية: ٤٣.
[ ١٣٦ ]
ينعكس فقد تحصل الأولى ولا يحصل له الثاني، ولا يحصل الثالث، والإنسان لا يقدر أن يهدي أحدًا إلا بالدعاء وتعريف الطرق دون سائر أنواع الهدايات وإلى الأول أشار بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (١)، ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ (٢)، ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ (٣)، أي داع. وإلى سائر الهدايات أشار بقوله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٤).
فهو الذي قوله رشد، وفعله كله رشد، وهو مرشد الحيران الضّال فيهديه إلى الصراط المستقيم بيانًا، وتعليمًا، وتوفيقًا، فأقواله القدرية التي يُوجد بها الأشياء ويُدبر بها الأمور، كلُّها حقٌّ لاشتمالها على الحكمة والحسن والإتقان، وأقواله الشرعية الدينية هي أقواله التي تكلّم بها في كتبه، وعلى ألسنة رسله المشتملة على الصدق التام في الإخبار، والعدل
_________________
(١) سورة الشورى، الآية: ٥٢.
(٢) سورة السجدة، الآية: ٢٤.
(٣) سورة الرعد، الآية: ٧.
(٤) المفردات في غريب القرآن للأصفهاني، ص٥٣٨، والآية من سورة القصص: ٥٦.
[ ١٣٧ ]
الكامل في الأمر والنهي، فإنه لا أصدق من اللَّه قيلًا، ولا أحسن منه حديثًا: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ (١) في الأمر والنهي، وهي أعظم وأجلّ ما يرشد بها العباد، بل لا حصول إلى الرشاد بغيرها، فمن ابتغى الهدى من غيرها أضله اللَّه، ومن لم يسترشد بها فليس برشيد، فيحصل بها الرشد العلمي وهو بيان الحقائق، والأصول، والفروع، والمصالح والمضار الدينية والدنيوية، ويحصل بها الرشد العملي؛ فإنها تُزكي النفوس، وتطهر القلوب، وتدعو إلى أصلح الأعمال وأحسن الأخلاق، وتحثّ على كُل جميل، وتُرهِّب عن كل ذميم رذيل، فمن استرشد بها فهو المهتدي، ومن لم يسترشد بها فهو ضال، ولم يجعل لأحد عليه حجة بعد بعثته للرسل، وإنزاله الكتب المشتملة على الهدى المطلق، فكم هَدَى بفضله ضالًا وأرشد حائرًا، وخصوصًا مَنْ تعلَّق به وطلب منه الهدى من صميم قلبه، وعلم أنّه المنفرد بالهداية (٢).
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: ١١٥.
(٢) الحق الواضح المبين، ص٧٨ - ٧٩، وانظر: شرح النونية للهراس، ٢/ ١٠٣.
[ ١٣٨ ]
وكل هداية ذكر اللَّه - ﷿ - أنّه منع الظالمين والكافرين فهي: الهداية الثالثة [وهي هداية التوفيق والإلهام] الذي يختص به المهتدون، والرابعة التي هي الثواب في الآخرة وإدخال الجنة كقوله - ﷿ -: ﴿وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (١)، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (٢).
وكل هداية نفاها اللَّه عن النبي - ﷺ - وعن البشر فهي ما عدا المختص من الدعاء وتعريف الطريق، وذلك كإعطاء العقل، والتوفيق، وإدخال الجنة كقوله تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ (٣)، فأسال اللَّه أن يهدينا لما يحبه ويرضاه وهو المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلى باللَّه (٤).
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٥٨.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٦٤.
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٧٢.
(٤) المفردات في غريب القرآن للأصفهاني، ص٥٣٩ بتصرف يسير.
[ ١٣٩ ]
٤٥ - الحَكَمُ
قال اللَّه تعالى: ﴿فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ (٣)، وقال النبي - ﷺ -: «إن اللَّه هو الحكمُ وإليه الحكم» (٤).
وقال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ٨٧.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ١١٥.
(٣) سورة النحل، الآية: ٩٠.
(٤) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب في تغيير الاسم القبيح، برقم ٤٩٥٥، والنسائي في كتاب آداب القضاة، باب إذا حكَّموا رجلًا فقضى بينهم، برقم ٥٣٨٤، والحاكم، ١/ ٢٣، والطبراني في الكبير، ٢٢/ ١٧٩، ١٨٠، ورقم ٤٦٦، ٤٧٠، وابن حبان كما في الموارد، ٦/ ٢١٤، برقم ١٩٣٧، وإسناده جيد. انظر: فتح المجيد بشرح كتاب التوحيد، لابن عبد الوهاب، بتحقيق عبد القادر الأرنؤوط، ص٥١٧. وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ١٨٤٥.
[ ١٤٠ ]
أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ (١) الآية.
واللَّه سبحانه هو الذي يحكم بين عباده في الدنيا والآخرة بعدله وقسطه، فلا يظلم مثقال ذرة، ولا يحمّل أحدًا وزر أحد، ولا يجازي العبد بأكثر من ذنبه، ويؤدي الحقوق إلى أهلها. فلا يدع صاحب حق إلا وصَّل إليه حقه. وهو العدل في تدبيره وتقديره (٢)، وهو سبحانه موصوف بالعدل في فعله، وأفعاله كلها جارية على سنن العدل والاستقامة، ليس فيها شائبة جور أصلًا، فهي كلها بين الفضل والرحمة، وبين العدل والحكمة كما قدمنا.
وما ينزله سبحانه بالعصاة والمكذبين من أنواع الهلاك والخزي في الدنيا، وما أعده لهم من العذاب المهين في الآخرة فإنما فعل بهم ما يستحقونه، فإنه لا يأخذ إلا بذنب، ولا يعذب إلا بعد إقامة الحجة، وأقواله كلها عدل، فهو لا يأمرهم إلا بما فيه مصلحة خالصة أو راجحة، وكذلك حكمه بين عباده يوم
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: ١١٤.
(٢) تفسير العلامة السعدي، ٥/ ٦٢٧.
[ ١٤١ ]
فصل القضاء، ووزنه لأعمالهم عدلٌ لا جور فيه (١)،كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (٢).
وهو سبحانه «الحكم» بالعدل في وصفه وفي فعله وفي قوله وفي حكمه بالقسط. وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (٣)؛ فإنّ أقواله صدق، وأفعاله دائرة بين العدل والفضل، فهي كلها أفعال رشيدة، وحكمه بين عباده فيما اختلفوا فيه أحكام عادلة لا ظلم فيها بوجهٍ من الوجوه، وكذلك أحكام الجزاء والثواب والعقاب (٤).
قال اللَّه تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ
_________________
(١) شرح النونية للهراس، ٢/ ١٠٤.
(٢) سورة الأنبياء، الآية: ٤٧.
(٣) سورة هود، الآية: ٥٦.
(٤) الحق الواضح المبين، ص٨٠.
[ ١٤٢ ]
الْقُدُّوسُ السَّلامُ﴾ الآية (١).
«القدوس السلام» معناهما متقاربان؛ فإن القدوس مأخوذ من قدّس بمعنى: نزّهه وأبعده عن السوء مع الإجلال، والتعظيم، والسلام مأخوذ من السلامة. فهو سبحانه السالم من مماثلة أحد من خلقه، ومن النقص، ومن كل ما ينافي كماله (٢).
فهو الْمُقَدَّسُ الْمُعَظَّمُ الْمُنَزَّهُ عن كل سوء، السالم من مماثلة أحد من خلقه ومن النقصان، ومن كل ما ينافي كماله. فهذا ضابط ما يُنَزّهُ عنه: يُنَزَّهُ عن كل نقص بوجه من الوجوه، ويُنَزَّهُ ويعظَّمُ أن يكون له مثيل، أو شبيه، أو كفؤ، أو سمي، أو نِدٌّ، أو مُضَادٌّ، ويُنَزَّه عن نقص صفة من صفاته التي هي أكمل الصفات وأعظمها وأوسعها. ومن تمام تنزيهه عن ذلك إثبات صفات الكبرياء والعظمة له؛ فإنَّ التنزيه مُرَادٌ لغيره، ومقصودٌ به حفظ كماله عن الظنون
_________________
(١) سورة الحشر، الآية: ٢٣.
(٢) شرح النونية للهراس، ٢/ ١٠٥.
[ ١٤٣ ]
السيئة. كظنّ الجاهلية الذين يظنون به ظنَّ السوء، ظنًّا غير ما يليق بجلاله، وإذا قال العبد مُثْنِيًا على ربه: «سبحان اللَّه»، أو «تقدّس اللَّه»، أو «تعالى اللَّه» ونحوها كان مُثْنِيًا عليه بالسلامة من كل نقص وإثبات كل كمال (١).
قال الإمام ابن القيم - ﵀ - في اسم «السلام»: [اللَّهُ] أحق بهذا الاسم من كل مسمىً له؛ لسلامته سبحانه من كل عيب ونقص من كل وجه، فهو السلام الحق بكل اعتبار، والمخلوق سلام بالإضافة، فهو سبحانه سلام في ذاته عن كل عيب ونقص يتخيله وَهْمٌ، وسلام في صفاته من كل عيب ونقص، وسلام في أفعاله من كل عيب ونقص وشر وظلم وفعل واقع على غير وجه الحكمة، بل هو السلام الحق من كل وجه وبكل اعتبار، فَعُلِمَ أن استحقاقه تعالى لهذا الاسم أكمل من استحقاق كل ما يطلق عليه، وهذا هو حقيقة التنزيه الذي نزّه به نفسه، ونزّهه به رسوله،
_________________
(١) الحق الواضح المبين، ص٨١ - ٨٢.
[ ١٤٤ ]
فهو السلام من الصاحبة والولد، والسلام من النظير والكفء والسمي والمماثل، والسلام من الشريك؛ ولذلك إذا نظرت إلى أفراد صفات كماله وجدت كل صفة سلامًا مما يضاد كما لها:
فحياته سلام من الموت ومن السِّنةِ والنوم، وكذلك قيّوميّته وقدرته سلام من التعب واللغوب، وعلمه سلام من عزوب شيء عنه، أو عروض نسيان أو حاجة إلى تَذَكُّرٍ وتَفَكُّرٍ، وإرادته سلام من خروجها عن الحكمة والمصلحة، وكلماته سلام من الكذب والظلم، بل تمت كلماته صدقًا وعدلًا، وغناه سلام من الحاجة إلى غيره بوجه ما، بل كل ما سواه محتاج إليه وهو غنى عن كل ما سواه، وملكه: سلام من منازع فيه، أو مشارك، أو معاون مظاهر، أو شافع عنده بدون إذنه، وإلاهيته سلام من مشارك له فيها، بل هو اللَّه الذي لا إله إلا هو، وحلمه وعفوه وصفحه ومغفرته وتجاوزه سلام من أن تكون عن حاجة منه أو ذل أو مصانعة كما يكون من غيره، بل هو محض جوده
[ ١٤٥ ]
وإحسانه وكرمه، وكذلك عذابه وانتقامه وشدة بطشه وسرعة عقابه سلام من أن يكون ظُلْمًا، أو تَشَفِيًَّا، أو غِلْظَةً، أو قَسْوةً، بل هو محضُ حِكْمته وعَدْلِهِ ووَضْعِه الأشياءَ مَوَاضِعَها، وهو مما يَستَحِقُّ عليهَ الحمدَ والثناءَ كما يَستحِقُّه عَلى إحسانِهِ، وثَوَابِهِ، ونِعَمِهِ، بلْ لوْ وُضعَ الثوابُ مَوْضِعَ العقوبةِ لكان مُناقِضًَا لحكمتِهِ ولِعِزَّتِهِ، فوضْعُه العقوبةَ موضِعَها هو من عَدْلِهِ، وحِكْمَتِه، وعِزَّتِهِ، فهو سَلامٌ مما يَتوَهَّم أعداؤه الجاهلون به من خِلافِ حكمتِهِ.
وقضاؤه وقَدَره سلامٌ من العَبَثِ والجَورِ والظُّلْمِ، ومن تَوَهّم وقوعَه عَلى خِلافِ الحكمةِ البالغةِ. وشرعه ودينه سلام من التناقض والاختلاف والاضطراب وخلاف مصلحة العباد ورحمتهم والإحسان إليهم وخلاف حكمته، بل شرعه كله حكمة، ورحمة، ومصلحة، وعدل، وكذلك عطاؤه سلام من كونه معاوضة أو لحاجة إلى المعطى.
ومنعه سلام من البخل وخوف الإملاق، بل عطاؤه
[ ١٤٦ ]
إحسان محض لا لمعاوضة ولا لحاجة، ومنعه عدل محض وحكمة لا يشوبه بخل ولا عجز.
واستواؤه وعلوّه على عرشه سلام من أن يكون مُحْتَاجًا إلى ما يحمله أو يستوي عليه، بل العرش محتاج إليه وحملته محتاجون إليه، فهو الغني عن العرش وعن حملته وعن كل ما سواه، فهو استواء وعلوّ لا يشوبه حصر ولا حاجة إلى عرش ولا غيره ولا إحاطة شيء به ﷾، بل كان سبحانه ولا عرش، ولم يكن به حاجة إليه وهو الغني الحميد، بل استواؤه على عرشه واستيلاؤه على خلقه من موجبات ملكه وقهره من غير حاجة إلى عرش ولا غيره بوجهٍ ما.
ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا سلام مما يُضادّ عُلوَّه، وسلام مما يضاد غناه. وكماله سلام من كل ما يَتوهّم مُعَطِّلٌ أو مُشَبِّهٌ، وسلام من أن يصير تحت شيء أو محصورًا في شيء، تعالى اللَّه ربنا عن كل ما يُضادُّ كمالَه.
[ ١٤٧ ]
وغناه وسمعه وبصره سلام من كل ما يتخيّله مُشَبِّه أو يتقوّله مُعَطِّل. وموالاته لأوليائه سلامٌ من أن تكون عن ذُلٍّ كما يوالي المخلوق المخلوق، بل هي موالاة رحمة، وخير، وإحسان، وبرّ كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا * وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ (١)، فلم ينف أن يكون له وليّ مطلقًا، بل نفى أن يكون له وليٌّ من الذُّلِّ.
وكذلك محبته لمحبيه وأوليائه سلام من عوارض محبة المخلوق للمخلوق من كونها محبة حاجة إليه، أو تَمَلُّقٍ له، أو انتفاع بقربه، وسلام مما يتقوّله المُعَطِّلون فيها.
وكذلك ما أضافه إلى نفسه من اليد والوجه، فإنّه سلام عما يتخيَّله مُشَبِّه أو يتقوَّله مُعَطِّل.
فتأمل كيف تضمّن اسمه السلام كلّ ما نُزّه عنه ﵎. وكم ممن حفظ هذا الاسم لا يدري ما تضمنه من
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية: ١١١.
[ ١٤٨ ]
هذه الأسرار والمعاني واللَّه المستعان (١).
قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ (٣).
من أسمائه تعالى: «البرّ الوهّاب» الذي شمل الكائنات بأسرها بِبِرِّهِ وهباته وكرمه، فهو مولى الجميل ودائم الإحسان وواسع المواهب، وصفُه البَرُّ وآثار هذا الوصف جميع النعم الظاهرة والباطنة، فلا يستغني مخلوق عن إحسانه وبِرِّه طرفة عين.
وإحسانه عام وخاص:
١ - فالعامّ المذكور في قوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ
_________________
(١) بدائع الفوائد للإمام ابن القيم - ﵀ -، ٢/ ١٥٠ - ١٥٢، والطبعة المصرية، نشر مكتبة القاهرة، الطبعة التي طبعتها مكتبة الرياض الحديثة، ٢/ ١٣٥ - ١٣٧ بتصرف يسير جدًا.
(٢) سورة الطور، الآية: ٢٨.
(٣) سورة آل عمران، الآية: ٨.
[ ١٤٩ ]
شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ (١)، ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ
شَيْءٍ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٣)، وهذا يشترك فيه البرُّ والفاجر وأهل السماء وأهل الأرض والمكلّفون وغيرهم.
٢ - والخاصّ رحمته ونعمه على المتقين حيث قال: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ الآية (٤)، وقال: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٥)، وفي دعاء سليمان: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ (٦)، وهذه الرحمة الخاصة التي يطلبها الأنبياء وأتباعهم، تقتضي التوفيق للإيمان، والعلم، والعمل، وصلاح الأحوال كلها، والسعادة الأبدية، والفلاح،
_________________
(١) سورة غافر، الآية: ٧.
(٢) سورة الأعراف، الآية: ١٥٦.
(٣) سورة النحل، الآية: ٥٣.
(٤) سورة الأعراف، الآيتان: ١٥٦ - ١٥٧.
(٥) سورة الأعراف، الآية: ٥٦.
(٦) سورة النمل، الآية: ١٩.
[ ١٥٠ ]
والنجاح، وهي المقصود الأعظم لخواص الخلق (١).
وهو سبحانه المتصف بالجود: وهو كثرة الفضل والإحسان، وجوده تعالى أيضًا نوعان:
النوع الأول: جودٌ مطلق عمَّ جميع الكائنات وملأها من فضله وكرمه ونعمه المتنوعة.
النوع الثاني: وجودٌ خاص بالسائلين بلسان المقال أو لسان الحال من برٍّ وفاجرٍ ومسلمٍ وكافرٍ، فمن سأل اللَّه أعطاه سؤله وأناله ما طلب، فإنه البرّ الرحيم: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ للَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ (٢). ومن جوده الواسع ما أعدَّه لأوليائه في دار النعيم مما لا عينٌ رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر (٣).
قال اللَّه تعالى: ﴿الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمينَ* لرَّحْمنِ
_________________
(١) الحق الواضح المبين، ص٨٢ - ٨٣، وانظر: شرح النونية للهراس، ٢/ ١٠٦.
(٢) سورة النحل، الآية: ٥٣.
(٣) الحق الواضح المبين، ص٦٦ - ٦٧، وشرح النونية للهراس، ٢/ ٩٤.
[ ١٥١ ]
الرَّحِيمِ﴾ (١). الآيات، وقال تعالى: ﴿وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ
كَرِيمٌ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ﴾ (٣).
قال العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي - ﵀ -: الرحمنُ، الرحيمُ، والبرُ، الكريمُ، الجوادُ، الرؤوفُ، الوهابُ - هذه الأسماء تتقارب معانيها، وتدلّ كلُّها على اتصاف الرب، بالرحمة، والبر، والجود، والكرم، وعلى سعة رحمته ومواهبه التي عمَّ بها جميع الوجود بحسب ما تقتضيه حكمته. وخصَّ المؤمنين منها، بالنصيب الأوفر، والحظ الأكمل، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ (٤) الآية. والنعم والإحسان، كله من آثار رحمته، وجوده، وكرمه.
_________________
(١) سورة الفاتحة، الآيتان: ١ - ٢.
(٢) سورة النمل، الآية: ٤٠.
(٣) سورة آل عمران، الآية: ٣٠.
(٤) سورة الأعراف، الآية: ١٥٦.
[ ١٥٢ ]
وخيرات الدنيا والآخرة، كلها من آثار رحمته (١). وقال ابن تيمية - ﵀ - في تفسير قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (٢)، سمّى ووصف نفسه بالكرم، وبأنه الأكرم بعد إخباره أنه خلق ليتبين أنه ينعم على المخلوقين ويوصلهم إلى الغايات المحمودة كما قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ (٣)، ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (٤)، ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ (٥)، فالخلق يتضمن الابتداء والكرم تضمن الانتهاء. كما قال في سورة الفاتحة: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ثم قال: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾، ولفظ الكرم جامع للمحاسن والمحامد لا
_________________
(١) تفسير العلامة السعدي، ٥/ ٦٢١.
(٢) سورة العلق، الآيات: ٣ - ٥.
(٣) سورة الأعلى، الآيتان: ٢ - ٣.
(٤) سورة طه، الآية: ٥٠.
(٥) سورة الشعراء، الآية: ٧٨.
[ ١٥٣ ]
يراد به مجرد الإعطاء بل الإعطاء من تمام معناه؛ فإن الإحسان إلى الغير تمام والمحاسن والكرم كثرة الخير ويسرته واللَّه سبحانه أخبر أنه الأكرم بصيغة التفضيل والتعريف لها. فدل على أنه الأكرم وحده بخلاف ما لو قال: «وربك الأكرم» فإنه لا يدل على الحصر. وقوله: ﴿الأَكْرَمُ﴾ يدل على الحصر، ولم يقل: «الأكرم من كذا» بل أطلق الاسم، ليبين أنه الأكرم مطلقًا غير مقيّد، فدلّ على أنه متصف بغاية الكرم الذي لا شيء فوقه ولا نقص فيه (١).
٥٥ - الْفَتَّاحُ
قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ (٢).
الفاتح: الحاكم، والفتاح من أبنية المبالغة.
فالفتّاح هو الحكم المحسن الجواد، وفَتْحهُ
_________________
(١) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ١٦/ ٢٩٣ - ٢٩٦ بتصرف يسير.
(٢) سورة سبأ، الآية: ٢٦.
[ ١٥٤ ]
تعالى قسمان:
القسم الأول: فتحه بحكمه الديني وحكمه الجزائي.
القسم الثاني: الفتاح بحكمه القدري. ففتحه بحكمه الديني هو شرعه على ألسنة رسله جميعَ ما يحتاجه المكلفون، ويستقيمون به على الصراط المستقيم.
وأما فتحه بجزائه فهو فتحه بين أنبيائه ومخالفيهم وبين أوليائه وأعدائه بإكرام الأنبياء وأتْباعِهم ونجاتهم، وبإهانة أعدائهم وعقوباتهم. وكذلك فتحه يوم القيامة وحكمه بين الخلائق حين يوفّى كل عامل ما عمله.
وأما فتحه القدَري فهو ما يُقَدِّرُه على عباده من خير وشر ونفع وضرّ وعطاء ومنع، قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١)، فالربّ تعالى هو الفتاح العليم الذي يفتح لعباده الطائعين خزائن جوده وكرمه، ويفتح على أعدائه ضد ذلك، وذلك بفضله
_________________
(١) سورة فاطر، الآية: ٢.
[ ١٥٥ ]
وعدله (١).
وهو مبالغة من: رازق للدلالة على الكثرة، والرزاق من أسمائه سبحانه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ (٢)، ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (٣)، وقال النبي - ﷺ -: «إنَّ اللَّه هوَ المسَعِّرُ القابضُ الباسطُ الرَّازِقُ» (٤) ورزقه لعباده نوعان: عام، وخاص.
١ - فالعام إيصاله لجميع الخليقة جميع ما
_________________
(١) الحق الواضح المبين، ص٨٣، وانظر: شرح النونية للهراس، ٢/ ١٠٧.
(٢) سورة الذاريات، الآية: ٥٨.
(٣) سورة هود، الآية: ٦.
(٤) أخرجه أبو داود في كتاب البيوع والإجارات، باب في التسعير، برقم ٣٤٥١، والترمذي في كتاب البيوع، باب في التسعير، برقم ١٣١٤، وابن ماجه في كتاب التجارات، باب من كره أن يسعر، برقم ٢٢٠٠، وأحمد في المسند، ٣/ ١٥٦، وصححه الترمذي، وكذا الألباني في صحيح الجامع، برقم ١٨٤٦.
[ ١٥٦ ]
تحتاجه في معاشها وقيامها، فسهَّل لها الأرزاق، ودبّرها في أجسامها، وساقَ إلى كل عضوٍ صغير وكبير ما يحتاجه من القوت، وهذا عام للبرِّ والفاجر والمسلم والكافر، بل للآدميين والجن والملائكة والحيوانات كلها.
وعام أيضًا من وجه آخر في حق المكلّفين؛ فإنه قد يكون من الحلال الذي لا تبعة على العبد فيه، وقد يكون من الحرام ويسمى رزقًا ونعمة بهذا الاعتبار، ويقال: «رزقه اللَّه» سواء ارتزق من حلال أو حرام، وهو مطلق الرزق.
٢ - وأما الرزق المطلق فهو النوع الثاني، وهو الرزق الخاص، وهو الرزق النافع المستمر نفعه في الدنيا والآخرة، وهو الذي على يد الرسول - ﷺ -، وهو نوعان:
النوع الأول: رزق القلوب بالعلم والإيمان وحقائق ذلك، فإن القلوب مفتقرة غاية الافتقار إلى أن تكون عالمة بالحق مريدة له متألّهة للَّه متعبّدة،
[ ١٥٧ ]
وبذلك يحصل غناها ويزول فقرها.
النوع الثاني: رزق البدن بالرزق الحلال الذي لا تبعة فيه؛ فإنَّ الرزق الذي خصَّ به المؤمنين والذي يسألونه منه شامل للأمرين، فينبغي للعبد إذا دعا ربه في حصول الرزق أن يستحضر بقلبه هذين الأمرين، فمعنى «اللَّهم ارزقني» أي ما يصلح به قلبي من العلم والهدى والمعرفة ومن الإيمان الشامل لكل عمل صالح وخلق حسن، وما به يصلح بدني من الرزق الحلال الهنيّ الذي لا صعوبة فيه ولا تبعة تعتريه (١).
قال اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (٣)، وقال - ﷿ -:
_________________
(١) الحق الواضح المبين، ص٨٥ - ٨٦، وانظر شرح النونية للهراس، ٢/ ١٠٨، وتوضيح المقاصد، ٢/ ٢٣٤.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.
(٣) سورة آل عمران، الآيتان: ١ - ٢.
[ ١٥٨ ]
﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلمًا﴾ (١)، الحيُّ القيُّوم من أسماء اللَّه الحُسنى.
و«الحي القيوم» جمعهما في غاية المناسبة كما جمعهما اللَّه في عدة مواضع في كتابه، وذلك أنهما محتويان على جميع صفات الكمال، فالحي هو كامل الحياة، وذلك يتضمن جميع الصفات الذاتية للَّه: كالعلم، والعزّة، والقدرة، والإرادة، والعظمة، والكبرياء، وغيرها من صفات الذات المقدسة، والقيّوم هو كامل القيّوميّة وله معنيان:
المعنى الأول: هو الذي قام بنفسه، وعظمت صفاته، واستغنى عن جميع مخلوقاته.
المعنى الثاني: هو الذي قامت به الأرض والسموات وما فيهما من المخلوقات، فهو الذي أوجدها وأمدَّها وأعدَّها لكل ما فيه بقاؤها وصلاحها وقيامها، فهو الغنيّ عنها من كل وجه وهي التي افتقرت إليه من كل وجه، فالحيُّ والقيُّوم من له صفة
_________________
(١) سورة طه، الآية: ١١١.
[ ١٥٩ ]
كل كمال وهو الفَعَّالُ لما يريد (١).
٦٠ - نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ (٢)
قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء﴾ (٣)، وقال النبي - ﷺ -: «اللَّهم لك الحمد، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن » (٤) الحديث.
وقال - ﷺ -: «إن اللَّه - ﷿ - لا ينام، ولا ينبغي له أن
_________________
(١) الحق الواضح المبين، ص٨٧ - ٨٨، وانظر: شرح النونية للهراس، ٢/ ١٠٩، وتوضيح المقاصد، ٢/ ٢٣٦.
(٢) انظر: فتاوى ابن تيمية، فقد تكلم كلامًا نفيسًا في هذا، ٦/ ٣٨٢ - ٣٩٦.
(٣) سورة النور، آية: ٣٥.
(٤) أخرجه البخاري في كتاب الدعوات، باب الدعاء إذا انتبه بالليل، برقم ٦٣١٧، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، برقم ٧٦٩.
[ ١٦٠ ]
ينام، يخفض القسط ويرفَعُهُ، يُرفَعُ إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابُهُ النورُ لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصرُهُ من خلقه» (١).
قال العلاّمة عبد الرحمن بن ناصر السعدي - ﵀ -: من أسمائه ﷻ ومن أوصافه «النور» الذي هو وصفه العظيم، فإنه ذو الجلال والإكرام، وذو البهاء والسبحات الذي لو كشف الحجاب عن وجهه الكريم لأحرقت سبحاته ما انتهى إليه بصره من خلقه، وهو الذي استنارت به العوالم كلها، فبنور وجهه أشرقت الظلمات، واستنار به العرش والكرسي والسبع الطباق وجميع الأكوان.
والنور نوعان:
١ - حسيٌّ كهذه العوالم التي لم يحصل لها نور إلا من نوره.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب في قوله - ﷺ -: إن الله لا ينام، برقم١٧٩.
[ ١٦١ ]
٢ - ونور معنوي يحصل في القلوب والأرواح بما جاء به محمد - ﷺ - من كتاب اللَّه وسنة نبيّه. فعلم الكتاب والسُّنَّة والعمل بهما ينير القلوب والأسماع والأبصار، ويكون نورًا للعبد في الدنيا والآخرة: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ (١)، لما ذكر أنه نور السموات والأرض، وسمّى اللَّه كتابه نورًا، ورسوله نورًا، ووحيه نورًا
ثم إن ابن القيم - ﵀ - حذّر من اغترار من اغترّ من أهل التصوف، الذين لم يُفَرِّقوا بين نور الصفات وبين أنوار الإيمان والمعارف؛ فإنّهم لمّا تألّهوا وتعبّدوا من غير فرقان وعلم كامل، ولاحت أنوار التعبد في قلوبهم؛ لأنّ العبادات لها أنوار في القلوب، فظنّوا هذا النور هو نور الذات المقدسة، فحصل منهم من الشطح والكلام القبيح ما هو أثر هذا الجهل والاغترار والضلال.
_________________
(١) سورة النور، آية: ٣٥.
[ ١٦٢ ]
وأما أهل العلم والإيمان والفرقان فإنهم يُفَرِّقون بين نور الذات والصفات، وبين النور المخلوق الحسي منه والمعنوي، فيعترفون أن نور أوصاف الباري ملازم لذاته لا يفارقها، ولا يحلّ بمخلوق، تعالى اللَّه عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. وأما النور المخلوق فهو الذي تتصف به المخلوقات بحسب الأسباب والمعاني القائمة بها.
والمؤمن إذا كَمُلَ إيمانه أنار اللَّه قلبه، فانكشفت له حقائق الأشياء، وحصل له فرقان يُفَرِّق به بين الحق والباطل، وصار هذا النور هو مادة حياة العبد وقوته على الخير علمًا وعملًا، وانكشفت عنه الشبهات القادحة في العلم واليقين، والشهوات الناشئة عن الغفلة والظلمة، وكان قلبه نورًا، وكلامه نورًا، وعمله نورًا، والنور محيط به من جهاته.
والكافر، أو المنافق، أو المعارض، أو المعرض الغافل كل هؤلاء يتخبّطون في الظلمات، كل له من الظلمة بحسب ما معه من موادها وأسبابها، واللَّه
[ ١٦٣ ]
الموفق وحده (١).
٦١ - الرَّبُّ
قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢).
اللَّه - ﷿ - هو: المُرَبِّي جميع عباده، بالتدبير، وأصناف النعم. وأخص من هذا، تربيته لأصفيائه، بإصلاح قلوبهم، وأرواحهم وأخلاقهم، ولهذا كثر دعاؤهم له بهذا الاسم الجليل؛ لأنهم يطلبون منه هذه التربية الخاصة.
٦٢ - الله
واللَّه - ﷿ - هو المألوه المعبود، ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، لما اتصف به من
_________________
(١) الحق الواضح المبين، ص٩٣ - ٩٥، وانظر: توضيح المقاصد، ٢/ ٢٣٧، وشرح النونية للهراس، ٢/ ١١٤ بتصرف يسير.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٦٤.
[ ١٦٤ ]
صفات الألوهية التي هي صفات الكمال، وقد تقدم أن هذا الاسم ترجع إليه جميع الأسماء، فيُقال: الرحمن من أسماء اللَّه، ولا يُقال: اللَّه من أسماء الرحمن، وهكذا في جميع الأسماء، واسم اللَّه تعالى هو الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى، والصفات العُلا (١).
قال اللَّه تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ
مُّقْتَدِرٍ﴾ (٣)، ﴿قُلِ اللَّهمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن
_________________
(١) انظر: بدائع الفوائد، لابن القيم، ٢/ ٢٤٩.
(٢) سورة المؤمنون، الآية: ١١٦.
(٣) سورة القمر، الآية: ٥٥.
[ ١٦٥ ]
تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١).
فهو الموصوف، بصفة الملك. وهي صفات العظمة والكبرياء، والقهر والتدبير، الذي له التصرف المطلق، في الخلق، والأمر، والجزاء.
وله جميع العالم، العلوي والسفلي، كلهم عبيد ومماليك، ومضطرون إليه (٢).
فهو الربّ الحقّ، الملك الحقّ، الإله الحقّ، خلقهم بربوبيّته، وقهرهم بملكه، واستعبدهم بإلاهيته، فتأملْ هذه الجلالةَ وهذه العظمةَ التي تضمنتها هذه الألفاظ الثلاثة على أبدع نظام، وأحسن سياق رب الناس، ملك الناس، إله الناس، وقد اشتملت هذه الإضافات الثلاث على جميع قواعد الإيمان، وتضمنت معاني أسمائه الحسنى، أما تضمنها لمعاني أسمائه الحُسنى فإنّ «الربّ»: هو القادر، الخالق، البارئ، المصوِّرُ، الحيّ، القيّوم،
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ٢٦.
(٢) تفسير العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ٥/ ٦٢٠.
[ ١٦٦ ]
العليم، السميع، البصير، المحسن، المنعم، الجواد، المعطي المانع، الضارّ النافع، المُقَدِّم، المُؤَخِّر، الذي يُضِلُّ من يشاء، ويهدي من يشاء، ويُسعد من يشاء، ويُشقي ويُعزّ من يشاء، ويُذِلُّ من يشاء، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته التي له منها ما يستحقّه من الأسماء الحُسنى.
وأما «الملك» فهو الآمر، الناهي، المُعِزُّ، المُذِلُّ، الذي يُصرِّفُ أمور عباده كما يحبّ، ويقلّبهم كما يشاء، وله من معنى الملك ما يستحقّه من الأسماء الحسنى كالعزيز، الجبار، المتكبر، الحكَم، العدل، الخافض، الرافع، المُعِزُّ، المُذِلُّ، العظيمُ، الجليلُ، الكبيرُ، الحسِيبُ، المجيدُ، الوَليُّ، المُتَعَالِي، مَالكُ الملْكِ، المقْسِطُ، الجامعُ، إلى غير ذلك من الأسماء العائدة إلى الملك.
وأما «الإله»: فهو الجامع لجميع صفات الكمال ونعوت الجلال، فيدخل في هذا الاسم جميع الأسماء الحسنى، ولهذا كان القول الصحيح إن اللَّه أصله الإله
[ ١٦٧ ]
كما هو قول سيبويه وجمهور أصحابه إلا من شذَّ منهم، وإنّ اسم اللَّه تعالى هو الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى والصفات العلا، فقد تضمنت هذه الأسماء الثلاثة جميع معاني أسمائه الحسنى، فكان المستعيذ بها جديرًا بأن يُعاذ، ويُحفظ، ويُمنع من الوسواس الخناس، ولا يُسَلَّط عليه (١).
وإذا كان وحده هو ربنا، ومَلِكُنا، وإِلَهُنَا فلا مفزع لنا في الشدائد سواه، ولا ملجأ لنا منه إلا إليه، ولا معبود لنا غيره، فلا ينبغي أن يُدعى، ولا يُخاف، ولا يُرجى، ولا يُحب سواه، ولا يُذل لغيره، ولا يُخضع لسواه، ولا يتوكل إلا عليه؛ لأن من ترجوه، وتخافه، وتدعوه، وتتوكل عليه إما أن يكون مربيك، والقيّم بأمورك، ومتولّي شأنك، وهو ربّك فلا ربّ سواه، أو تكون مملوكه وعبده الحقّ، فهو ملك الناس حقًا، وكلهم عبيده ومماليكه، أو يكون معبودك وإلهك الذي لا تستغني عنه طرفة عين، بل حاجتك إليه
_________________
(١) بدائع الفوائد لابن القيم - ﵀ -، ٢/ ٢٤٩.
[ ١٦٨ ]
أعظم من حاجتك إلى حياتك، وروحك، وهو الإله الحق إله الناس الذي لا إله لهم سواه فمن كان ربهم، وملكهم، وإلَهَهُم فهم جديرون أن لا يستعيذوا بغيره، ولا يستنصروا بسواه، ولا يلجؤوا إلى غير حماه، فهو كافيهم، وحسبهم، وناصرهم، ووليّهم، ومتولّي أمورهم جميعًا بربوبيته، وملكه، وإلاهيته لهم. فكيف لا يلتجئ العبد عند النوازل ونزول عَدُوِّهِ به إلى ربِّه، ومالكِه، وإلَهِهِ؟ (١).
قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (٣).
وهو الذي توحّد بجميع الكمالات، بحيث لا يشاركه فيها مشارك.
_________________
(١) المرجع السابق، ٢/ ٢٤٨.
(٢) سورة الإخلاص، الآية: ١.
(٣) سورة الرعد، الآية: ١٦.
[ ١٦٩ ]
ويجب على العبيد توحيده، عقدًا، وقولًا، وعملًا، بأن يعترفوا بكماله المطلق، وتفرّده بالوحدانية، ويفردوه بأنواع العبادة (١).
والأحد، يعني: الذي تفرّد بكل كمال، ومجد وجلال، وجمال وحمد، وحكمة ورحمة، وغيرها من صفات الكمال.
فليس له فيها مثيل ولا نظير، ولا مناسب بوجه من الوجوه. فهو الأحد في حياته وقيّوميّته، وعلمه وقدرته، وعظمته وجلاله، وجماله وحمده، وحكمته ورحمته، وغيرها من صفاته، موصوف بغاية الكمال ونهايته، من كل صفة من هذه الصفات.
ومن تحقيق أحَدِيَّتِهِ وتفرّده بها أنه «الصمد»، أي: الرب الكامل، والسيد العظيم، الذي لم يبقَ صفة كمال إلا اتّصف بها. ووُصف بغايتها وكمالها، بحيث لا تُحيط الخلائق ببعض تلك الصفات
_________________
(١) تفسير العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ٥/ ٦٢٠.
[ ١٧٠ ]
بقلوبهم، ولا تُعبّر عنها ألسنتهم (١).
٦٨ - المُتَكَبِّرُ
قال اللَّه تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢).
فهو سبحانه المتكبر عن السوء، والنقص والعيوب، لعظمته وكبريائه.
قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الخَالِقُ الْبَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٣). ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ﴾ (٤).
الذي خلق جميع الموجودات وبرأها، وسوّاها
_________________
(١) بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار، ص٢٩١، لعبد الرحمن السعدي.
(٢) سورة الحشر، الآية: ٢٣.
(٣) سورة الحشر، الآية: ٢٤.
(٤) سورة الحجر، الآية: ٨٦.
[ ١٧١ ]
بحكمته، وصوّرها بحمده وحكمته، وهو لم يزل، ولا يزال على هذا الوصف العظيم.
٧٣ - المُؤمنُ
الذي أثنى على نفسه بصفات الكمال، وبكمال الجلال والجمال، الذي أرسل رسله، وأنزل كتبه بالآيات والبراهين. وصدق رسله بكل آية وبرهان، يدلّ على صدقهم وصحة ما جاءوا به.
٧٤ - المُهيمِنُ
المطلع على خفايا الأمور، وخبايا الصدور، الذي أحاط بكل شيء علمًا (١). وقال البغوي: الشهيد على عباده بأعمالهم وهو قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما، يقال: هيمن يهيمن فهو مهيمن إذا كان رقيبًا على الشيء (٢).
_________________
(١) تفسير السعدي، ٥/ ٦٢٤.
(٢) تفسير البغوي، ٤/ ٣٢٦.
[ ١٧٢ ]
٧٥ - المُحيطُ
قال اللَّه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا﴾ (١). وقال - ﷿ -: ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٢).
وهو الذي أحاط بكل شيء علمًا، وقدرة، ورحمة، وقهرًا. وقد أحاط علمه بجميع المعلومات، وبصره بجميع المبصرات، وسمعه بجميع المسموعات، ونفذت مشيئته وقدرته بجميع الموجودات، ووسعت رحمته أهل الأرض والسموات، وقهر بعزّته كل مخلوق، ودانت له جميع الأشياء (٣).
٧٦ - المُقِيتُ
قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ١٢٦.
(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٢٠.
(٣) تفسير العلامة السعدي، ٢/ ١٧٩.
[ ١٧٣ ]
مُّقِيتًا﴾ (١)، فهو سبحانه الذي أوصل إلى كل موجود ما به يقتات، وأوصل إليها أرزاقها وصَّرفها كيف يشاء، بحكمته وحمده (٢).
قال الراغب الأصفهاني - ﵀ -: «القوت ما يمسك الرَّمق، وجمعه: أقوات، قال تعالى: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ (٣)، وقاتَهُ يقوتُهُ قوتًا: أطعمه قوتَهُ. وأقاتهُ يُقيتُهُ جعل له ما يقوتُهُ، وفي الحديث: «كفى بالمرء إثمًا أن يُضَيِّع من يقوتُ» (٤)، قال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا﴾، قيل: مقتدرًا، وقيل: شاهدًا.
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٨٥.
(٢) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ٥/ ٦٢٥.
(٣) سورة فصلت، الآية: ١٠.
(٤) أخرجه أبو داود في كتاب الزكاة، باب في صلة الرحم، برقم ١٦٩٢، وأحمد في المسند، ٢/ ١٦٠، والحاكم في المستدرك، ١/ ٤١٥، وقال: «صحيح». ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٤٤٨١. وأصل الحديث عند مسلم بلفظ: «كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمَّن يملك قوته» في كتاب الزكاة، باب فضل النفقة على العيال والمملوك وإثم من ضيعهم، برقم ٩٩٦.
[ ١٧٤ ]
وحقيقته قائمًا عليه يحفظُهُ ويُقيتهُ » (١)، وقال في القاموس المحيط: «المُقيتُ: الحافظ للشيء، والشاهد له، والمقتدر، كالذي يعطي كل أحد قوته» (٢)، وقال ابن عباس - ﵄ -: مقتدرًا، أو مجازيًا، وقال مجاهد: شاهدًا، وقال قتادة: حافظًا، وقيل: معناه على كل حيوان مُقيتًا: أي يوصل القوت إليه (٣)، وقال ابن كثير: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا﴾ أي حفيظًا، وقال مجاهد: شهيدًا، وفي رواية عنه: حسيبًا، وقيل: قديرًا، وقيل: المقيت: الرازق، وقيل: مقيت لكل إنسان بقدر عمله (٤).
٧٧ - الوَكيلُ
قال اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ
_________________
(١) المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني، ص٤١٤.
(٢) القاموس المحيط، ص٢٠٢.
(٣) تفسير البغوي، ١/ ٤٥٧.
(٤) تفسير ابن كثير، ١/ ٥٣١، بتصرف يسير.
[ ١٧٥ ]
شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (١)، فهو سبحانه المتولّي لتدبير خلقه، بعلمه، وكمال قدرته، وشمول حكمته، الذي تولى أولياءه، فيسَّرهم لليُسرى، وجنّبهم العُسرى، وكفاهم الأمور.
فمن اتخذه وكيلًا كفاه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ﴾ (٢).
٧٨ - ذو الجَلالِ والإكْرَامِ
أي: ذو العظمة والكبرياء، وذو الرحمة، والجود، والإحسان العام والخاص.
المُكْرِمُ لأوليائه وأصفيائه، الذين يُجلُّونه، ويُعظمونه، ويُحبونه (٣). قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ (٤).
_________________
(١) سورة الزمر، الآية: ٦٢.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٥٧.
(٣) تيسر الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ٥/ ٦٢٦.
(٤) سورة الرحمن، الآية: ٧٨.
[ ١٧٦ ]
٧٩ - جَامِعُ النَّاسِ لِيَومٍ لا رَيْبَ فِيهِ
قال اللَّه تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّه لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (١). فاللَّه - ﷾ - هو جامع الناس، وجامع أعمالهم وأرزاقهم، فلا يترك منها صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
وجامع ما تفرق واستحال من الأموات الأولين والآخرين، بكمال قدرته، وسعة علمه (٢).
٨٠ - بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ
قال اللَّه تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (٣).
أي: خالقهما ومبدعهما، في غاية ما يكون من الحسن والخلق البديع، والنظام العجيب المحكم.
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ٩.
(٢) تفسير السعدي، ٥/ ٦٢٧.
(٣) سورة البقرة، الآية: ١١٧.
[ ١٧٧ ]
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ
يُعِيدُهُ﴾ (١) ابتدأ خلقهم، ليبلوهم أيّهم أحسن عملًا، ثم يعيدهم، ليجزي الذين أحسنوا بالحُسنى، ويجزي المسيئين بإساءتهم.
وكذلك، هو الذي يبدأ إيجاد المخلوقات شيئًا فشيئًا، ثم يعيدها كل وقت.
وقال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ (٣).
وهذا من كمال قوته، ونفوذ مشيئته، وقدرته، أن كل أمر يريده يفعله بلا ممانع، ولا معارض. وليس له ظهير ولا عوين، على أيّ أمر يكون. بل إذا أراد شيئًا قال له: «كن فيكون». ومع أنه الفعّال لما يريد، فإرادته، تابعة لحكمته وحمده. فهو موصوف بكمال القدرة،
_________________
(١) سورة الروم، الآية: ٢٧.
(٢) سورة هود، الآية: ١٠٧.
(٣) سورة البروج، الآيتان: ١٥ - ١٦.
[ ١٧٨ ]
ونفوذ المشيئة. وموصوف بشمول الحكمة، لكل ما فعله ويفعله (١).
٨١ - الكَافي
قال اللَّه تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ (٢)، فهو سبحانه الكافي عباده جميع ما يحتاجون ويضطرون إليه. الكافي كفاية خاصة، من آمن به، وتوكل عليه، واستمد منه حوائج دينه ودنياه.
٨٢ - الواسِعُ
قال اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣). فهو - ﷾ - واسع الصفات، والنعوت، ومتعلّقاتها، بحيث لا يُحصِي أحد ثَناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسه.
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن، ٥/ ٦٢٨ - ٦٢٩.
(٢) سورة الزمر، الآية: ٣٦.
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٦٨.
[ ١٧٩ ]
واسع العظمة، والسلطان، والملك، واسع الفضل، والإحسان، عظيم الجود والكرم.
٨٣ - الحَقُّ
اللَّه - ﷿ - هو الحق في ذاته وصفاته، فهو واجب الوجود، كامل الصفات والنعوت، وجوده من لوازم ذاته، ولا وجود لشيء من الأشياء إلا به، فهو الذي لم يزل، ولا يزال، بالجلال، والجمال، والكمال، موصوفًا، ولم يزل ولا يزال بالإحسان معروفًا.
فقوله حق، وفعله، حق، ولقاؤه حق، ورسله حق، وكتبه حق، ودينه هو الحق، وعبادته وحده لا شريك له، هي الحق، وكل شيء ينسب إليه، فهو حق (١). ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٢).
﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ٥/ ٦٣١ - ٦٣٢، بتصرف يسير.
(٢) سورة الحج، الآية: ٦٢.
[ ١٨٠ ]
فَلْيَكْفُرْ﴾ (١). ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ﴾ (٢)، ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (٣). وقال اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ (٤). فأوصافه العظيمة حق، وأفعاله هي الحق، وعبادته هي الحق، ووعده حق، ووعيده وحسابه هو العدل الذي لا جور فيه (٥).
٨٤ - الجَميلُ
قال النبي - ﷺ -: «إن اللَّه جميلٌ يحبُ الجمال» (٦)، فهو سبحانه جميلٌ بذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، فلا يُمكن مخلوقًا أن يعبر عن بعض جمال ذاته،
_________________
(١) سورة الكهف، الآية: ٢٩.
(٢) سورة يونس، الآية: ٣٢.
(٣) سورة الإسراء، الآية: ٨١.
(٤) سورة النور، الآية: ٢٥.
(٥) تفسير السعدي، ٥/ ٤٠٥، وابن كثير، ٣/ ٢٧٧.
(٦) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه، برقم ٩١.
[ ١٨١ ]
حتى أن أهل الجنة مع ما هم فيه من النعيم المقيم، واللذّات والسرور والأفراح التي لا يقدّر قدرها، إذا رأوا ربّهم، وتمتعوا بجماله، نسوا ما هم فيه من النعيم، وتلاشى ما هم فيه من الأفراح، وودّوا أنْ لو تدوم هذه الحال، واكتسبوا من جماله ونوره جمالًا إلى جمالهم، وكانت قلوبهم في شوق دائم ونزوع إلى رؤية ربِّهم، ويفرحون بيوم المزيد فرحًا تكاد تطير له القلوب.
وكذلك هو الجميل في أسمائه؛ فإنها كلها حسنى، بل أحسن الأسماء على الإطلاق وأجملها، قال تعالى ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (٢)، فكلها دالّة على غاية الحمد والمجد والكمال، لا يُسمّى باسم منقسم إلى كمال وغيره.
وكذلك هو الجميل في أوصافه؛ فإنّ أوصافه
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ١٨٠.
(٢) سورة مريم، الآية: ٦٥.
[ ١٨٢ ]
كلها أوصاف كمال، ونعوت ثناء وحمد، فهي أوسع الصفات وأعمّها وأكثرها تعلقًا، خصوصًا أوصاف الرحمة، والبرّ، والكرم، والجود.
وكذلك أفعاله كلها جميلة؛ فإنها دائرة بين أفعال البرّ والإحسان التي يحمد عليها، ويُثنى عليه ويُشكَر، وبين أفعال العدل التي يُحمد عليها لموافقتها للحكمة والحمد، فليس في أفعاله عبث، ولا سفه، ولا سدى، ولا ظلم، كلها خير، وهدى، ورحمة، ورشد، وعدل: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (١)، فلكماله الذي لا يُحصي أحد عليه به ثناء كملت أفعاله، فصارت أحكامه من أحسن الأحكام، وصنعه وخلقه أحسن خلق وصنع: أتقن ما صنعه: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٢)، وأحسن ما خلقه. ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ (٣)، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٤).
_________________
(١) سورة هود، الآية: ٥٦.
(٢) سورة النمل، الآية: ٨٨.
(٣) سورة السجدة، الآية: ٧.
(٤) سورة المائدة، الآية: ٥٠.
[ ١٨٣ ]
والأكوان محتوية على أصناف الجمال، وجمالها من اللَّه تعالى فهو الذي كساها الجمال، وأعطاها الحسن، فهو أولى منها لأن مُعطي الجمال أحقّ بالجمال، فكل جمال في الدنيا والآخرة باطني وظاهري، خصوصًا ما يعطيه المولى لأهل الجنّة من الجمال المفرط في رجالهم ونسائهم، فلو بدا كفّ واحدة من الحور العين إلى الدنيا، لطمس ضوءَ الشمس كما تطمس الشمس ضوءَ النجوم، أليس الذي كساهم ذلك الجمال، ومنّ عليهم بذلك الحُسْنِ والكمال، أحقّ منهم بالجمال الذي ليس كمثله شيء، فهذا دليل عقلي واضح مُسلَّم المقدمات على هذه المسألة العظيمة وعلى غيرها من صفاته، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ﴾ (١)، فكل ما وجد في المخلوقات من كمال لا يستلزم نقصًا، فإنّ معطيه وهو اللَّه أحقُّ به من المُعطَى بما لا نسبة
_________________
(١) سورة النحل، الآية: ٦٠.
[ ١٨٤ ]
بينه وبينهم، كما لا نسبة لذواتهم إلى ذاته، وصفاتهم إلى صفاته، فالذي أعطاهم السمع، والبصر، والحياة، والعلم، والقدرة، والجمال، أحقّ منهم بذلك، وكيف يعبّر أحد عن جماله وقد قال أعلم الخلق به: «لا أُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك» (١)،وقال - ﷺ -: «حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» (٢)، فسبحان اللَّه وتقدّس عما يقوله الظالمون النافون لكماله علوًا كبيرًا، وحسبهم مقتًا وخسارًا أنهم حُرموا من الوصول إلى معرفته والابتهاج بمحبته (٣).
قال النبي - ﷺ - في الحديث الصحيح: «لا أحد أصبر
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، برقم ٤٨٦.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب في قوله - ﵇ -: إن الله لا ينام، برقم ١٧٩.
(٣) توضيح الحق المبين في شرح توحيد الأنبياء والمرسلين من الكافية الشافية، للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ص٢٩ - ٣٢، بتصرف يسير.
[ ١٨٥ ]
على أذىً سمعه من اللَّه، يجعلون له الولد وهو يعافيهم ويرزقهم» (١)، وقال أيضًا في الصحيح: قال اللَّه تعالى: «كذَّبني ابن آدم، ولم يكُن له ذلك. وشتمني ابن آدم، ولم يكُن له ذلك. فأما تكذيبه إيَّاي فقوله: لن يعيدني كما بدأني. وليس أول الخلق بأهون عليَّ من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: إنَّ لي ولدًا، وأنا الأحد الصَّمد الذي لم يلد ولم يولدْ، ولم يكُن له كفوًا أحد» (٢)، فاللَّه تعالى يدرّ على عباده الأرزاق المطيع منهم والعاصي، والعصاة لا يزالون في محاربته وتكذيبه وتكذيب رسله والسعي في إطفاء دينه، واللَّه تعالى حليم على ما يقولون وما يفعلون، يتتابعون في الشرور، وهو يتابع عليهم النعم، وصبره أكمل صبر لأنّه عن كمال قدرة، وكمال غنىً عن الخلق، وكمال رحمة وإحسان، فتبارك الربُّ
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾، برقم ٧٣٧٨، ومسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب لا أحد أصبر على أذى من الله - ﷿ -، برقم ٢٨٠٤.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب سورة الإخلاص، برقم ٤٩٧٤.
[ ١٨٦ ]
الرحيم الذي ليس كمثله شيء، الذي يحب الصابرين ويعينهم في كل أمرهم (١).
٨٥ - الرَّفيقُ
مأخوذ من قول النبي - ﷺ - في الحديث الصحيح: «إن اللَّه رفيق يحب الرفق، ويُعطي على الرفق ما لا يُعطي على العنف، وما لا يُعطي على ما سواه» (٢)، فاللَّه تعالى رفيق في أفعاله، خلق المخلوقات كلها بالتدريج شيئًا فشيئًا بحسب حكمته ورفقه، مع أنه قادر على خلقها دفعة واحدة وفي لحظة واحدة.
ومن تدبّر المخلوقات، وتدبّر الشرائع كيف يأتي بها شيئًا بعد شيء شاهد من ذلك العجب العجيب، فالمتأني الذي يأتي الأمور برفق وسكينة ووقار،
_________________
(١) الحق الواضح المبين، ص٥٧ - ٥٨، بتصرف يسير.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل الرفق، برقم ٢٥٩٣، وأخرج البخاري الجزء الأول منه في كتاب استتابة المرتدين، باب إذا عرَّض الذمي وغيره بسب النبي - ﷺ -، برقم ٦٩٢٧.
[ ١٨٧ ]
اتباعًا لسنن اللَّه في الكون، واتّباعًا لنبيه - ﷺ -؛ فإنّ هذا هديه وطريقه تتيسر له الأمور، وبالأخصّ الذي يحتاج إلى أمر الناس ونهيهم وإرشادهم، فإنه مضطر إلى الرفق واللين، وكذلك من آذاه الخلق بالأقوال البشعة وصان لسانه عن مشاتمتهم، ودافع عن نفسه برفق ولين، اندفع عنه من أذاهم ما لا يندفع بمقابلتهم بمثل مقالهم وفعالهم، ومع ذلك فقد كسب الراحة والطمأنينة والرزانة والحلم (١).
واللَّه - ﷿ - يغيث عباده إذا استغاثوا به سبحانه، فعن أنس بن مالك أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة ورسول اللَّه - ﷺ - يخطب ثم قال: يا رسول اللَّه! هلكت الأموال وانقطعت السبل فادعُ اللَّه يغيثنا، فرفع رسول اللَّه - ﷺ - يديه ثم قال: «اللَّهم أغثنا، اللَّهم أغثنا، اللَّهم أغثنا» (٢). فاللَّه - ﷿ - يغيث عباده في الشدائد
_________________
(١) الحق الواضح المبين، ص٦٣.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الاستسقاء، باب الاستسقاء في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة، برقم ١٠١٤، ومسلم في كتاب صلاة الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء، برقم ٨٩٧.
[ ١٨٨ ]
والمشقات، فهو يغيث جميع المخلوقات عندما تتعسّر أمورها وتقع في الشدائد والكربات: يُطعم جائعهم، ويكسو عاريهم، ويخلص مكروبهم، ويُنزّل الغيث عليهم في وقت الضرورة والحاجة، وكذلك يُجيب إغاثة اللَّهفان، أي دعاء من دعاه في حالة اللَّهف والشدة والاضطرار، فمن استغاثه أغاثه.
وفي الكتاب والسنة من ذكر تفريجه للكربات، وإزالته الشدائد، وتيسيره للعسير شيء كثير جدًا معروف (١).
هذا مأخوذ من قول النبي - ﷺ -: «إن اللَّه حيي يستحي من عبده إذا مدَّ يديه إليه أن يردهما صفرًا» (٢)
_________________
(١) الحق الواضح المبين، ص٦٧.
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الوتر، باب الدعاء، برقم ١٤٨٨، والترمذي في كتاب الدعوات، باب ١٠٤، برقم ٣٥٥٦، وابن ماجه في كتاب الدعاء، باب رفع اليدين في الدعاء، برقم ٣٨٦٥، وأحمد في المسند، ٥/ ٤٣٨، والحاكم في المستدرك، ١/ ٤٩٧، وقال: «إسناده صحيح على شرط الشيخين». ووافقه الذهبي. وقال أبو عيسى الترمذي: «هذا حديث حسن غريب». وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ١٧٥٧.
[ ١٨٩ ]
وقال - ﷺ -: «إن اللَّه - ﷿ - حليمٌ، حييٌ ستِّيرٌ يُحبّ الحياءَ والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر» (١)، وهذا من رحمته، وكرمه، وكماله، وحلمه أن العبد يجاهره بالمعاصي مع فقره الشديد إليه، حتى أنه لا يمكنه أن يعصي إلا أن يتقوى عليها بنعم ربه، والرب مع كمال غناه عن الخلق كلِّهم من كرمه يستحيي من هتكه وفضيحته وإحلال العقوبة به، فيستره بما يقيض له من أسباب الستر، ويعفو عنه ويغفر له، فهو يتحبب إلى عباده بالنعم وهم يتبغَّضون إليه بالمعاصي، خيره
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الحمّام، باب النهي عن التعري، برقم ٤٠١٢، والنسائي في كتاب الغسل، باب الاستتار عند الاغتسال، برقم ٤٠٤، وأحمد، ٤/ ٢٢٤، والبيهقي في سننه الكبرى، ١/ ١٩٨، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ١٧٥٦، وفي إرواء الغليل، برقم ٢٣٣٥.
[ ١٩٠ ]
إليهم بعدد اللحظات [نازل]، وشرّهم إليه صاعد، ولا يزال الملك الكريم يصعد إليه منهم بالمعاصي وكل قبيح.
ويستحي تعالى ممن شاب في الإسلام أن يعذبه، وممن يمدّ يديه إليه أن يردّهما صفرًا، ويدعو عباده إلى دعائه ويعدهم بالإجابة، وهو الحيي السِّتِّير يحب أهل الحياء والستر، ومن ستر مسلمًا ستر اللَّه عليه في الدنيا والآخرة؛ ولهذا يكره من عبده إذا فعل معصية أن يذيعها، بل يتوب إليه فيما بينه وبينه ولا يظهرها للناس، وإن من أمقت الناس إليه من بات عاصيًا واللَّه يستره، فيصبح يكشف ستر اللَّه عليه، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ (١)، وهذا كله من معنى اسمه «الحليم» الذي وسع حلمه أهل الكفر والفسوق والعصيان، ومنع عقوبته أن تحلَّ بأهل الظلم عاجلًا، فهو يمهلهم ليتوبوا، ولا يهملهم إذا أصرّوا واستمروا
_________________
(١) سورة النور، الآية: ١٩.
[ ١٩١ ]
في طُغيانهم ولم يُنيبوا (١).
٨٨ - الإلهُ
اسم الإله: هو الجامع لجميع صفات الكمال ونعوت الجلال، فقد دخل في هذا الاسم جميع الأسماء الحسنى؛ ولهذا كان القول الصحيح أنَّ «اللَّه» أصله «الإله»، وأن اسم «اللَّه» هو الجامع لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلا، واللَّه أعلم (٢). قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ (٣).
قال اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٤)،
_________________
(١) الحق الواضح المبين، ص٥٤ - ٥٥.
(٢) الحق الواضح المبين، ص ٥٤ - ٥٥.
(٣) سورة النساء، الآية: ١٧١.
(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٤٥.
[ ١٩٢ ]
وقال النبي - ﷺ -: «إن اللَّه هو المُسعِّرُ، القابضُ، الباسطُ، الرَّازقُ ..» (١). وقال - ﷺ -: «من يرد اللَّه به خيرًا يفقهه في الدين، واللَّه المعطي وأنا القاسم » (٢).
وقال النبي - ﷺ -: «إن اللَّه - ﷿ - لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفَعُهُ، يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل » (٣) الحديث.
وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب البيوع والإجارات، باب في التسعير، برقم ٣٤٥١، والترمذي في كتاب البيوع، باب في التسعير، برقم ١٣١٤، وابن ماجه في كتاب التجارات، باب من كره أن يسعر، برقم ٢٢٠٠، وأحمد في المسند، ٣/ ١٥٦، وصححه الترمذي. وكذا الألباني في صحيح الجامع، برقم ١٨٤٦.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، برقم ٧١، ومسلم في كتاب الزكاة، باب النهي عن المسألة، برقم ١٠٣٧/ ١٠٠.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب في قوله - ﵇ -: «إن الله لا ينام»، برقم ١٧٩.
[ ١٩٣ ]
بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١)،وقال - ﷺ -: «إن اللَّه يرفعُ بهذا الكتاب أقوامًا ويضَعُ به آخرين» (٢)،وقد كان - ﷺ - يقول بعد السلام من الصلاة حينما ينصرف إلى الناس: «لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمدُ وهو على كل شيءٍ قدير، اللَّهم لا مانع لما أعطيت ولا مُعطي لما منعت ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدُّ» (٣).
هذه الصفات الكريمة من الأسماء المتقابلات التي لا ينبغي أن يُثنى على اللَّه بها إلا كل واحد منها مع الآخر؛ لأن الكمال المطلق من اجتماع الوصفين، فهو القابض للأرزاق والأرواح والنفوس، والباسط للأرزاق
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ٢٦.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه، برقم ٨١٧، وابن ماجه في المقدمة، باب فضل من تعلم القرآن وعلمه، برقم ٢١٨، والدارمي في كتاب فضائل القرآن، باب إن الله يرفع بهذا القرآن أقوامًا ويضع آخرين، برقم ٣٣٦٨.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب الذكر بعد الصلاة، برقم ٨٤٤، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، برقم ٥٩٣.
[ ١٩٤ ]
والرحمة والقلوب، وهو الرافع لأقوام قائمين بالعلم والإيمان، الخافض لأعدائه، وهو المُعِزُّ لأهل طاعته، وهذا عز حقيقي؛ فإن المطيع للَّه عزيز وإن كان فقيرًا ليس له أعوان، المُذِلُّ لأهل معصيته وأعدائه ذُلًاّ في الدنيا والآخرة. فالعاصي وإن ظهر بمظاهر العز فقلبه حشوه الذُّلُّ وإنْ لم يشعر به لانغماسه في الشهوات؛ فإنّ العزّ كلّ العزّ بطاعة اللَّه، والذُّلُّ بمعصيته: ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾ (١)، ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ (٢)، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣). وهو تعالى المانع المعطي فلا معطي لما منع، ولا مانع لما أعطى، وهذه الأمور كلها تبع لعدله وحكمته وحمده؛ فإنّ له الحكمة في خفض من يخفضه ويُذِلُّه ويحرمه، ولا حجّة لأحد على اللَّه، كما له الفضل المحض على من رفعه وأعطاه وبسط له الخيرات،
_________________
(١) سورة الحج، الآية: ١٨.
(٢) سورة فاطر، الآية: ١٠.
(٣) سورة المنافقون، الآية: ٨.
[ ١٩٥ ]
فعلى العبد أن يعترف بحكمة اللَّه، كما عليه أن يعترف بفضله ويشكره بلسانه وجنانه وأركانه.
وكما أنه هو المنفرد بهذه الأمور وكلها جارية تحت أقداره، فإن اللَّه جعل لرفعه وعطائه وإكرامه أسبابًا، ولضد ذلك أسبابًا من قام بها ترتبت عليه مسبباتها، وكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فيُيَسَّرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فيُيَسَّرون لعمل أهل الشقاوة، وهذا يُوجب للعبد القيام بتوحيد اللَّه، والاعتماد على ربِّه في حصول ما يُحِبُّ، ويجتهد في فعل الأسباب النافعة فإنها محلّ حكمة اللَّه (١).
كان من آخر ما يقول النبي - ﷺ - بين التشهد والتسليم: «اللَّهم اغفر لي ما قدّمت، وما أخَّرت، وما أسررتُ، وما أعلنتُ، وما أسرفت، وما أنت أعلمُ به مني. أنتَ المقدِّمُ، وأنت المؤخِّرُ. لا إله إلا أنت» (٢).
_________________
(١) الحق الواضح المبين، ص٨٩ - ٩٠.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، برقم ٧٧١، وأخرجه بنحوه البخاري في كتاب الدعوات، باب قول النبي - ﷺ -: «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت»، برقم ٦٣٩٨، وليس فيه: «بين التشهد والتسليم».
[ ١٩٦ ]
المقدِّمُ والمؤخِّر هما كما تقدم من الأسماء المزدوجة المتقابلة التي لا يطلق واحد بمفرده على اللَّه إلا مقرونًا بالآخر؛ فإن الكمال من اجتماعهما، فهو تعالى المُقَدِّم لمن شاء والمُؤخِّرُ لمن شاء بحكمته.
وهذا التقديم يكون كونيًا كتقديم بعض المخلوقات على بعض، وتأخير بعضها على بعض، وكتقديم الأسباب على مسبباتها، والشروط على مشروطاتها.
وأنواع التقديم والتأخير في الخلق والتقدير بحر لا ساحل له، ويكون شرعيًا كما فضّل الأنبياء على الخلق، وفضّل بعضهم على بعض، وفضّل بعض عباده على بعض، وقدّمهم في العلم، والإيمان، والعمل، والأخلاق، وسائر الأوصاف، وأخّر من أخّر
[ ١٩٧ ]
منهم بشيء من ذلك، وكل هذا تبع لحكمته.
وهذان الوصفان وما أشبههما من الصفات الذاتية لكونهما قائمين باللَّه واللَّه متصف بهما، ومن صفات الأفعال؛ لأن التقديم والتأخير متعلق بالمخلوقات ذواتها، وأفعالها، ومعانيها، وأوصافها، وهي ناشئة عن إرادة اللَّه وقدرته.
فهذا هو التقسيم الصحيح لصفات الباري، وإنّ صفات الذات متعلقة بالذات، وصفات أفعاله متصفة بها الذات، ومتعلقة بما ينشأ عنها من الأقوال والأفعال (١).
قال اللَّه - ﷿ -: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ (٢)، وقال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (٣).
_________________
(١) الحق الواضح المبين في شرح توحيد الأنبياء والمرسلين، ص١٠٠.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٧.
(٣) سورة الفتح، الآية: ١١.
[ ١٩٨ ]
وصفة الضر والنفع هما كما تقدم من الأسماء المزدوجة المتقابلة، فاللَّه تعالى النافع لمن شاء من عباده بالمنافع الدينية والدنيوية، الضار لمن فعل الأسباب التي توجب ذلك، وكل هذا تبع لحكمته وسننه الكونية وللأسباب التي جعلها موصلة إلى مسبباتها، فإن اللَّه تعالى جعل مقاصد للخلق وأمورًا محبوبة في الدين والدنيا، وجعل لها أسبابًا وطرقًا، وأمر بسلوكها ويسّرها لعباده غاية التيسير، فمن سلكها أوصلته إلى المقصود النافع، ومن تركها أو ترك بعضها، أو فوَّت كماله أو أتاها على وجه ناقص ففاته الكمال المطلوب، فلا يلومنّ إلا نفسه، وليس له حجة على اللَّه؛ فإن اللَّه أعطاه السمع، والبصر، والفؤاد، والقوة، والقدرة، وهداه النجدين، وبين له الأسباب، والمسببات، ولم يمنعه طريقًا يوصل إلى خير ديني ولا دنيوي، فتخلّفه عن هذه الأمور يوجب أن يكون هو الملوم عليها المذموم على تركها.
واعلم أن صفات الأفعال كلها متعلقة وصادرة عن
[ ١٩٩ ]
هذه الصفات الثلاث: القدرة الكاملة، والمشيئة النافذة، والحكمة الشاملة التامة، وهي كلها قائمة باللَّه، واللَّه متصف بها، وآثارها ومقتضياتها جميع ما يصدر عنها في الكون كله من التقديم والتأخير، والنفع والضر، والعطاء والحرمان، والخفض والرفع، لا فرق بين محسوسها ومعقولها، ولا بين دينها ودنيويها. فهذا معنى كونها أوصاف أفعال لا كما ظنه أهل الكلام الباطل (١).
٩٤ - المُبينُ
المُبينُ: اسم الفاعل من أبان يُبينُ فهو مُبين، إذا أظهر وبَيَّن إما قولًا، وإما فعلًا.
والبيِّنة هي الدلالة الواضحة عقلية كانت أو محسوسة، والبيان هو الكشف عن الشيء وسُمِّي الكلام بيانًا لكشفه عن المقصود وإظهاره، نحو:
_________________
(١) توضيح الكافية الشافية للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ص١٣١ - ١٣٢.
[ ٢٠٠ ]
﴿هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ﴾ (١).
فاللَّه - ﷿ - هو الُمبيّن لعباده سبيل الرشاد، والموضِّح لهم الأعمال التي يستحقون الثواب على فعلها، والأعمال التي يستحقون العقاب عليها، وبيّن لهم ما يأتون، وما يذرون، يقال: أبان الرجل في كلامه ومنطقه فهو مُبينٌ والبيان: الكلام، ويقال: بان الكلامُ وأبان بمعنىً واحد، فهو: مُبيِّنٌ ومُبينٌ (٢)، وقد سمى اللَّه نفسه بالمبين: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ (٣).
وهو سبحانه الذي بيّن لعباده طرق الهداية وحذّرهم، وبين لهم طرق الضلال، وأرسل إليهم الرسل، وأنزل الكتب ليبين لهم، قال اللَّه - ﷿ -:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية ١٣٨.
(٢) انظر مفردات القرآن للراغب الأصفهاني، ص٦٨و٦٩، واشتقاق الأسماء للزجاجي، ص١٨٠.
(٣) سورة النور، الآية: ٢٥.
[ ٢٠١ ]
بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ الَّلاعِنُونَ﴾ (١)، وهذا وعيد شديد لمن كتم ما جاءت به الرسل من الدلالات البينة على المقاصد الصحيحة والهدى النافع للقلوب من بعدما بينه اللَّه تعالى في كتبه التي أنزلها على رسله عليهم الصلاة والسلام.
وقال - ﷿ -: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ
يُوقِنُونَ﴾ (٢)، ﴿كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣)، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ
حَكِيمٌ﴾ (٤)، وقال - ﷿ -: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٥٩.
(٢) سورة البقرة، الآية: ١١٨.
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٦٦.
(٤) سورة النساء، الآية: ٢٦.
[ ٢٠٢ ]
مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (١).
ويقول - ﷿ -: ﴿انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٢). ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٣)، واللَّه - ﷿ - يُبيِّن للناس الأحكام الشرعية ويوضّحها، ويُبيِّن الحكم القدرية، وهو عليم بما يصلح عباده، حكيم في شرعه وقدره (٤)، فله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة.
وقال - ﷿ -: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٥)، وقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ
_________________
(١) سورة المائدة، الآيتان: ١٥ - ١٦.
(٢) سورة المائدة، الآية: ٧٥.
(٣) سورة النور، الآية: ١٨.
(٤) تفسير ابن كثير، ٣/ ٢٧٤.
(٥) سورة آل عمران، الآية: ١٠٣.
[ ٢٠٣ ]
عَلِيمٌ﴾ (١)، يخبر اللَّه عن نفسه الكريمة وحكمه العادل أنه لا يضل قومًا إلا بعد إبلاغ الرسالة إليهم حتى يكونوا قد قامت عليهم الحجة (٢).
٩٥ - المنَّانُ
المنّان من أسماء اللَّه الحسنى التي سماه بها رسول اللَّه - ﷺ -، فعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: سمع النبي - ﷺ - رجلًا يقول: «اللَّهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت [وحدك لا شريك لك] المنّان، [يا] بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حيُّ يا قيوم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار. فقال النبي - ﷺ -: «لقد سأل اللَّه باسمه الأعظم الذي إذا سُئل به أعطى، وإذا دُعي به أجاب» (٣).
_________________
(١) سورة التوبة، الآية: ١١٥.
(٢) تفسير ابن كثير، ٢/ ٣٩٦.
(٣) أخرجه أبو داود في كتاب الوتر، باب الدعاء، برقم ١٤٩٣ - ١٤٩٥، والترمذي في كتاب الدعوات، باب ما جاء في جامع الدعوات عن النبي - ﷺ -، برقم ٣٤٧٥، وابن ماجه في كتاب الدعاء، باب اسم الله الأعظم، برقم ٣٨٥٧، ٣٨٥٨، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب». وانظر: صحيح النسائي للألباني، ١/ ٢٧٩، وصحيح ابن ماجه، ٢/ ٣٢٩، وصفة الصلاة للألباني، ص٢٠٤.
[ ٢٠٤ ]
قال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث: «المنّان» هو المنعم المعطي من المنِّ: العطاء، لا من المنة. وكثيرًا ما يرد المنّ في كلامهم: بمعنى الإحسان إلى من لا يستثيبه ولا يطلب الجزاء عليه، فالمنّان من أبنية المبالغة كالوهاب (١). ومنه الحديث الذي أخرجه البخاري وغيره أن النبي - ﷺ - قال: «إنه ليس من الناس أحدٌ أمنَّ عليَّ في نفسه وما له من أبي بكر بن أبي قحافة، ولو كنت متخذًا من الناس خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن خُلَّةُ الإسلام أفضل» (٢)،ومعنى «إن من أمنّ الناس» أكثرهم جودًا لنا بنفسه، وماله، وليس هو من المنّ الذي هو الاعتداد بالصنيعة» (٣).
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، ٤/ ٣٦٥.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب الخوخة والممر في المسجد، برقم ٤٦٧، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق - ﵁ -، برقم ٢٣٨٢.
(٣) فتح الباري، ١/ ٥٥٨.
[ ٢٠٥ ]
واللَّه - ﷿ - هو المنَّان: من المن العطاء، والمنّان: هو عظيم المواهب؛ فإنه أعطى الحياة، والعقل، والنطق، وصوّر فأحسن، وأنعم فأجزل، وأسنى النعم، وأكثر العطايا والمنح» (١)، قال وقوله الحق: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (٢).
ومن أعظم النعم، بل أصل النعم التي امتن اللَّه بها على عباده الامتنان عليهم بهذا الرسول - ﷺ - الذي أنقذهم اللَّه به من الضلال، وعصمهم به من الهلاك (٣). قال اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ (٤).
فاللَّه - ﷿ - هو الذي منّ على عباده: بالخلق،
_________________
(١) الأسماء والصفات للبيهقي، ١/ ١٢٠.
(٢) سورة إبراهيم، الآية: ٣٤.
(٣) تفسير العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي - ﵀ -، ١/ ٤٤٩.
(٤) سورة آل عمران، الآية: ١٦٤.
[ ٢٠٦ ]
والرزق، والصحة في الأبدان، والأمن في الأوطان، وأسبغ عليهم النعم الظاهرة والباطنة، ومن أعظم المنن وأكملها وأنفعها - بل أصل النعم - الهداية للإسلام ومنته بالإيمان، وهذا أفضل من كل شيء (١).
ومعنى «لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ» أي تفضّل على المؤمنين المصدقين والمنان: المتفضل» (٢).
والمنة: النعمة العظيمة. قال الأصفهاني: المنة: النعمة الثقيلة، وهي على نوعين:
النوع الأول: أن تكون هذه المنَّة بالفعل فيقال: منَّ فلانٌ على فلان إذا أثقله بالنعمة، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (٤)، وقال - ﷿ -: ﴿وَلَقَدْ
_________________
(١) انظر تفسير السعدي، ٧/ ١٤٢.
(٢) الأسماء والصفات للبيهقي، ١/ ٤٩.
(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٦٤.
(٤) سورة النساء، الآية: ٩٤.
[ ٢٠٧ ]
مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ (١)، ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ (٢)، ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (٣)، ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ (٤)، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ (٥).
وهذا كله على الحقيقة لا يكون إلا من اللَّه تعالى، فهو الذي منّ على عباده بهذه النعم العظيمة، فله الحمد حتى يرضى، وله الحمد بعد رضاه، وله الحمد في الأولى والآخرة.
النوع الثاني: أن يكون المنّ بالقول. وذلك مستقبح فيما بين الناس، ولقبح ذلك قيل: المنة تهدم الصنيعة، قال اللَّه تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ
_________________
(١) سورة الصافات، الآية: ١١٤.
(٢) سورة طه، الآية: ٣٧.
(٣) سورة القصص، الآية: ٥.
(٤) سورة الطور، الآية: ٢٧.
(٥) سورة إبراهيم، الآية: ١١.
[ ٢٠٨ ]
هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١)، فالمنَّة من اللَّه عليهم بالفعل وهو هدايتهم للإسلام (٢)، والمنَّة منهم بالقول المذموم، وقد ذم اللَّه في كتابه ونهى عن المنّ المذموم: وهو المنَّة بالقول فقال: ﴿وَلا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ (٣)، قال ابن كثير: «لا تمنن بعملك على ربك تستكثره» (٤)، وقيل غير ذلك.
وقال اللَّه - ﷿ -: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ
_________________
(١) سورة الحجرات، الآية: ١٧.
(٢) مفردات غريب القرآن للأصفهاني، ص٤٧٤.
(٣) سورة المدثر، الآية: ٦.
(٤) تفسير ابن كثير، ٤/ ٢٤٢.
[ ٢٠٩ ]
وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (١).
وقد ذمَّ رسول اللَّه - ﷺ - المنَّ بالعطية، فقال ﵊: «ثلاثة لا يكلمهم اللَّه يوم القيامة ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم»، فقرأها رسول اللَّه - ﷺ - ثلاث مرات. قال أبو ذرٍّ: خابوا وخسروا، من هم يا رسول اللَّه؟ قال: «المُسبلُ، والمنانُ، والمنفق سلعته بالحلِفِ الكاذب» (٢).
هذا هو المنّ المذموم، أما المنّ بمعنى العطاء، والإحسان، والجود، فهو المحمود.
والخلاصة: أنّ اللَّه ﵎ هو المنّان الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وهو عظيم المواهب، أعطى الحياة، والعقل، والنطق، وصوّر فأحسن، وأنعم فأجزل، وأكثر العطايا، والمنح، وأنقذ
_________________
(١) سورة البقرة، الآيات: ٢٦٢ - ٢٦٤.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار والمن بالعطية، برقم ١٠٦.
[ ٢١٠ ]
عباده المؤمنين، ومنّ عليهم بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وإخراجهم من الظلمات إلى النور بمنّه وفضله، ومنّ على عباده أجمعين: بالخلق، والرزق، والصحة، والأمن لعباده المؤمنين.
وأسبغ على عباده النعم مع كثرة معاصيهم وذنوبهم.
فاللَّهمّ منَّ علينا بنعمة الإيمان، واحفظنا وأجزل لنا من كل خير، واصرف عنا كل شرّ، وأحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، يا كريم يا منّان، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، يا بديع السموات والأرض، يا الواحد الأحد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد.
٩٦ - الوليُّ
الولي: يطلق على كل من وَلي أمرًا أو قام به، والنصير، والمُحبّ، والصديق، والحليف، والصهر، والجار، والتابع، والمُعتِق، والمُطيع، يُقال: المؤمنُ
[ ٢١١ ]
وليُّ اللَّه، والمطر يسقط بعد المطر، والولي ضد العدو، والناصر والمتولي لأمور العالم والخلائق، ويقال للقيِّم على اليتيم: الوَلي، وللأمير الوالي (١).
قال الراغب الأصفهاني: الولاءُ والتَّوالي يطلق على القرب من حيث المكان، ومن حيث النسب، ومن حيث الدين، ومن حيث الصداقة، ومن حيث النُّصرة، ومن حيث الاعتقاد، والولاية النصرة، والولاية تولِّي الأمر والوليُّ والموْلى يستعملان في ذلك كل واحد منهما يقال في معنى الفاعل أي المُوالِي، وفي معنى المفعول أي المُوالَى، يقال للمؤمن: هو وليُّ اللَّه، ويقال اللَّه وليُّ المؤمنين (٢).
وولاية اللَّه - ﷿ - ليست كغيرها: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (٣). فهو سبحانه الولي الذي
_________________
(١) انظر النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، ٥/ ٢٢٧، والمعجم الوسيط، ص١٠٥٨، والقاموس المحيط، ص١٧٣٢، والمصباح المنير، ص٦٧٢، ومختار الصحاح، ص٣٠٦.
(٢) مفردات الراغب الأصفهاني، ص٥٣٣.
(٣) سورة الشورى، الآية: ١١.
[ ٢١٢ ]
تولّى أمور العالم والخلائق، وهو مالك التدبير، وهو الوليّ الذي صرف لخلقه ما ينفعهم في دينهم وأخراهم» (١).
وقد سمّى اللَّه تعالى نفسه بهذا الاسم، فهو من الأسماء الحسنى، قال اللَّه - ﷿ -: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢)، وقال - ﷿ -: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (٣).
فاللَّه - ﷿ - هو الولي الذي يتولاه عبده بعبادته وطاعته والتقرب إليه بما أمكن من القُربات، وهو الذي يتولى عباده عمومًا بتدبيرهم، ونفوذ القدر فيهم، ويتولّى عباده بأنواع التدبير.
_________________
(١) انظر: تفسير ابن كثير، ٤/ ١١٦، و١/ ٢٧٧، وتفسير العلامة السعدي، ٦/ ٦١٧، و٦/ ٥٩٥.
(٢) سورة الشورى، الآية: ٩.
(٣) سورة الشورى، الآية: ٢٨.
[ ٢١٣ ]
ويتولى عباده المؤمنين خصوصًا بإخراجهم من الظلمات إلى النور، ويتولّى تربيتهم بلطفه، ويعينهم في جميع أمورهم وينصرهم، ويؤيّدهم بتوفيقه، ويسدّدهم، قال اللَّه - ﷿ -: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١)، وقال - ﷿ -: ﴿وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢).
فاللَّه - ﷿ - هو نصير المؤمنين وظهيرهم، يتولاهم بعونه وتوفيقه، ويخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان .. وإنما جعل الظلمات للكفر مثلًا؛ لأن الظلمات حاجبة للأبصار عن إدراك الأشياء وإثباتها، وكذلك الكفر حاجب لأبصار القلوب عن إدراك حقائق الإيمان، والعلم بصحته وصحة أسبابه، فأخبر
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٥٧.
(٢) سورة الجاثية، الآية: ١٩.
[ ٢١٤ ]
- ﷿ - عباده أنه وليّ المؤمنين، ومُبَصِّرُهم حقيقة الإيمان، وسبله، وشرائعه، وحججه، وهاديهم لأدلته المزيلة عنهم الشكوك بكشفه عنهم دواعي الكفر، وظلم سواتر أبصار القلوب (١).
والخلاصة: أن اللَّه تعالى أخبر أن الذين آمنوا باللَّه ورسله، وصدقوا إيمانهم بالقيام بواجبات الإيمان، وتَرْك كل ما ينافيه، أنه وليّهم، يتولاّهم بولايته الخاصة، ويتولّى تربيتهم فيخرجهم من ظلمات الجهل والكفر، والمعاصي، والغفلة، والإعراض، إلى نور العلم، واليقين، والإيمان والطاعة، والإقبال الكامل على ربهم، ويُنَوِّر قلوبهم بما يقذف فيها من نور الوحي والإيمان، ويُيَسِّرُهم لليُسرى، ويجنّبهم العُسرى، ويجلب لهم المنافع، ويدفع عنهم المضارّ، فهو يتولّى الصالحين: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى
_________________
(١) تفسير الطبري ببعض التصرف، ٣/ ١٤.
[ ٢١٥ ]
الصَّالِحِينَ﴾ (١) الذين صلحت نياتهم، وأقوالهم، فهم لمَّا تولَّوا ربهم بالإيمان والتقوى، ولم يتولَّوا غيره ممن لا ينفع ولا يضر، تولاّهم اللَّه ولطف بهم، وأعانهم على ما فيه، الخير، والمصلحة في دينهم ودنياهم ودفع عنهم بإيمانهم كل مكروه (٢)،كما قال - ﷿ -: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٣).
وأما الذين كفروا، فإنهم لما تولَّوا غير وليّهم، ولاّهم اللَّه ما تولَّوا لأنفسهم، وخذلهم ووكلهم إلى رعاية من تولاهم ممن ليس عنده نفع ولا ضر، فأضلّوهم، وأشقوهم، وحرموهم هداية العلم النافع، والعمل الصالح، وحرموهم السعادة الأبدية وصارت النار مثواهم خالدين فيها مخلّدين: اللَّهم تولّنا فيمن تولّيت (٤).
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ١٩٦.
(٢) تفسير العلامة السعدي ببعض التصرف، ١/ ٣١٨، و٣/ ١٣٢، وانظر: تفسير ابن كثير، ١/ ٣١٢.
(٣) سورة الحج، الآية: ٣٨.
(٤) تفسير العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي - ﵀ -، ١/ ٣١٨، وانظر: تفسير ابن كثير، ١/ ٣١٢، والأسماء والصفات للبيهقي، ١/ ١٢٣، تحقيق عماد الدين أحمد.
[ ٢١٦ ]
واللَّه - ﷿ - يحب أولياءه وينصرهم ويسدّدهم، والوليّ للَّه هو العالم باللَّه، المواظب على طاعته، المخلص في عبادته، المبتعد عن معصية اللَّه.
ومن عادى هذا الوليَّ للَّه فاللَّه - ﷿ - يعلمه بالحرب، قال - ﷺ -: فيما يرويه عن ربه ﵎: «إن اللَّه يقول: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليّ عبدي بِشَيْءٍ أحبّ إليّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إليَّ بالنوافل حتى أُحبَّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأُعطينّه، ولئن أستعاذني لأُعيذنّه، وما تردّدت عن شيء أنا فاعله تردّدي عن نفس المؤمن يكره الموت، وأنا أكره مساءته» (١).
والمعنى أنه إذا كان وليًا للَّه - ﷿ - فاللَّه يحفظه ويُسدِّده،
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب التواضع، برقم ٦٥٠٢.
[ ٢١٧ ]
ويُوفِّقه حتى لا يسمع إلاّ إلى ما يرضي مولاه، ولا ينظر إلاّ إلى ما يحبه مولاه، ولا تبطش يداه إلاّ فيما يرضي اللَّه، ولا تمشي قدماه إلاّ إلى الطاعات، فهو مُوفَّق مُسدّد مُهتدٍ مُلْهَم من المولى وهو اللَّه - ﷿ -، ولهذا فسّر هذا الحديث بهذا أهل العلم كابن تيمية وغيره؛ ولأنه جاء في رواية الحديث رواية أخرى: «فبي يسمع، وبي يُبصر، وبي يبطش وبي .. يمشي» (١)، هذا يدل على نصرة اللَّه لعبده، وتأييده، وإعانته، فيوفقه اللَّه للأعمال التي يباشرها بهذه الأعضاء، ويعصمه عن مواقعة ما يكره اللَّه - ﷿ - (٢).
٩٧ - المَوْلَى
«المولى» اسم يقع على جماعة كثيرة، فهو: الربُّ، والمالكُ، والسَّيدُ، والمُنعمُ، والمُعتِقُ، والناصرُ، والمُحبُّ، والتابعُ، والجارُ، وابنُ العم، والحليفُ، والصِّهرُ، والعبدُ، والمنعمُ عليه، وأكثرها قد جاء في
_________________
(١) فتح الباري، ١١/ ٣٤٤.
(٢) فتح الباري، ١١/ ٣٤٤.
[ ٢١٨ ]
الحديث، فيضاف كل واحدٍ إلى ما يقتضيه الحديث الوارد فيه، وكل من ولي أمرًا أو قام به فهو مولاهُ، ووَليُّهُ، وقد تختلف مصادر هذه الأسماء: فالوَلايةُ - بالفتح - في النسب، والنصرة والمُعتِق.
والوِلاية - بالكسر- في الإمارة، والوَلاءُ المُعتق، والموالا من والى القوم (١).
واللَّه - ﷿ - هو المولى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (٢)، فهو المولى، والربُّ، الملكُ، السيدُ، وهو المأمول منه النصر والمعونة؛ لأنه هو المالك لكل شيء، وهو الذي سمى نفسه - ﷿ - بهذا الاسم، فقال - ﷾ -: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (٣). وقال اللَّه - ﷾ -: ﴿وَإِن
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، ٥/ ٢٢٨، وانظر: القاموس المحيط، ص١٧٨٢، والمعجم الوسيط، ص١٠٥٨، والمصباح المنير، ٢/ ٦٧٢.
(٢) سورة الشورى، الآية: ١١.
(٣) سورة الحج، الآية: ٧٨.
[ ٢١٩ ]
تَوَلَّوْاْفَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (١)، وقال اللَّه سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ (٢).
واللَّه - ﷾ - هو مولى الذين آمنوا، وهو سيدهم وناصرهم على أعدائهم، فنعم المولى ونعم النصير (٣)، فاللَّه - ﷿ - هو الذي يتولّى عباده المؤمنين، ويوصل إليهم مصالحهم، ويُيَسِّر لهم منافعهم الدينية والدنيوية «وَنِعْمَ النَّصِيرُ» الذي ينصرهم، ويدفع عنهم كيد الفجار وتكالب الأشرار، ومن كان اللَّه مولاه وناصره فلا خوف عليه، ومن كان اللَّه عليه فلا عِزّ له ولا قائمة تقوم له (٤). فاللَّه سبحانه هو مولى المؤمنين فيدبرهم بحسن تدبيره فنعم المولى لمن تولاّه فحصل له مطلوبه، ونعم النصير لمن استنصره فدفع عنه المكروه»، وقال اللَّه - ﷿ -: ﴿بَلِ اللَّهُ
_________________
(١) سورة الأنفال، الآية: ٤٠.
(٢) سورة محمد، الآية: ١١.
(٣) انظر تفسير ابن كثير، ٤/ ٣١٠.
(٤) انظر تفسير العلامة السعدي، ٣/ ١٦٨، و٥/ ٣٣١، وتفسير ابن كثير، ٤/ ٣١٠، و٢/ ٢٣٨، و١/ ٣٤٤.
[ ٢٢٠ ]
مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ (١)، ومن دعاء المؤمنين لربهم ﵎ ما أخبر اللَّه عنهم بقوله: ﴿أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (٢)، أي أنت ولينا وناصرنا وعليك توكَّلْنا، وأنت المستعان، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة لنا إلا بك (٣). وقال - ﷿ -: ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤). وقال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٥).
وقد أرشد النبي - ﷺ - الصحابة حينما قال لهم أبو سفيان لنا العُزى ولا عُزى لكم فقال: «قولوا اللَّه مولانا ولا مولى لكم» (٦).
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٥٠.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٨٦.
(٣) تفسير ابن كثير، ١/ ٣٤٤.
(٤) سورة التحريم، الآية: ٤.
(٥) سورة التحريم، الآية: ٢.
(٦) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب وعقوبة من عصى إمامه، برقم ٣٠٣٩، وفي كتاب المغازي، باب غزوة أحد، برقم ٤٠٤٣.
[ ٢٢١ ]
٩٨ - النَّصِيرُ
النصير: فعيل بمعنى فاعل أو مفعول؛ لأن كل واحد من المتناصرين ناصرٌ ومنصورٌ وقد نصره ينصره نصرًا إذا أعانه على عدوه وشدّ منه (١).
والنصير هو الموثوق منه بأن لا يسلم وليه ولا يخذله (٢). واللَّه - ﷿ - النصير، ونصره ليس كنصر المخلوق: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ
البَصِيرُ﴾ (٣)، وقد سمى نفسه ﵎ باسم النصير فقال: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٥/ ٦٤.
(٢) الأسماء والصفات للبيهقي، بتحقيق الشيخ عماد الدين أحمد، ١/ ١٢٧ - ١٢٨.
(٣) سورة الشورى، الآية: ١١.
(٤) سورة الفرقان، الآية: ٣١.
[ ٢٢٢ ]
نَصِيرًا﴾ (١)، وقال - ﷿ -: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (٣).
واللَّه - ﷿ - هو النصير الذي ينصر عباده المؤمنين ويعينهم كما قال - ﷿ -: ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٤). وقال - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٥)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ (٦)، وقال جلَّ وعلا: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (٧)، وقال
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٤٥.
(٢) سورة الحج، الآية: ٧٨.
(٣) سورة الأنفال، الآية:٤٠.
(٤) سورة آل عمران، الآية: ١٦٠.
(٥) سورة محمد، الآية: ٧.
(٦) سورة غافر، الآية: ٥١.
(٧) سورة الروم، الآيتان: ٤ - ٥.
[ ٢٢٣ ]
سبحانه: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (١)، وقال - ﷿ -: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ (٣).
ونُصرةُ اللَّه للعبد ظاهرة من هذه الآيات وغيرها، فهو ينصر من ينصره، ويعينه ويسدّده. أما نُصْرَة العبد للَّه فهي: أن ينصر عباد اللَّه المؤمنين والقيام بحقوق اللَّه - ﷿ -، ورعاية عهوده، واعتناق أحكامه، والابتعاد عما حرّم اللَّه عليه، فهذا من نصرة العبد لربه، كما قال - ﷿ -: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ وقال: ﴿كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ﴾ (٤)، وقال: ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ
_________________
(١) سورة الحج، الآية: ٤٠.
(٢) سورة الروم، الآية: ٤٧.
(٣) سورة الحج، الآية: ١٥.
(٤) سورة الصف، الآية:١٤.
[ ٢٢٤ ]
إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (١)، ومن نصر اللَّه بطاعته والابتعاد عن معصيته نصره اللَّه نصرًا مؤزّرًا (٢).
واللَّه - ﷿ -: ينصر عباده المؤمنين على أعدائهم، ويبين لهم ما يحذرون منهم، ويعينهم عليهم، فولايته تعالى فيها حصول الخير، ونصره فيه زوال الشر (٣).
وقد كان النبي - ﷺ - يقول إذا غزا: «اللَّهم أنت عضدي، وأنت نصيري، بك أجُول وبك أصول، وبك أقاتل» (٤).
واللَّه - ﷿ - ينصر عباده المؤمنين في قديم الدهر وحديثه في الدنيا، ويُقِرُّ أعينهم ممن آذاهم، ففي صحيح البخاري يقول اللَّه ﵎: «من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب» (٥)؛ ولهذا أهلك اللَّه قوم نوح، وعاد، وثمود،
_________________
(١) سورة الحديد، الآية: ٢٥.
(٢) انظر مفردات الأصفهاني، ص٤٩٥.
(٣) تفسير السعدي، ٢/ ٧٦.
(٤) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب ما يدعى عند اللقاء، برقم ٢٦٢٣، والترمذي في كتاب الدعوات، باب في الدعاء إذا غزا، برقم ٣٥٨٤، وقال: «هذا حديث حسن غريب». وانظر: صحيح الترمذي، ٣/ ١٨٣.
(٥) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب التواضع، برقم ٦٥٠٢.
[ ٢٢٥ ]
وأصحاب الرس، وقوم لوط، وأهل مدين، وأشباههم ممن كذَّب الرسل وخالف الحق، وأنجى اللَّه تعالى من بينهم المؤمنين، فلم يهلك منهم أحدًا، وعذب الكافرين فلم يفلت منهم أحدًا.
وهكذا نصر اللَّه نبيه محمدًا - ﷺ - وأصحابه على من خالفه وكذبه، وعاداه، فجعل كلمته هي العليا، ودينه هو الظاهر على سائر الأديان ودخل الناس في دين اللَّه أفواجًا، وانتشر دين الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها (١).
وقد وعد اللَّه من ينصره بالنصر والتأييد، فمن نصر اللَّه بالقيام بدينه والدعوة إليه، وجهاد أعدائه، وقصد بذلك وجه اللَّه، نصره اللَّه وأعانه وقوّاه، واللَّه وعده وهو الكريم، وهو أصدق قيلًا، وأحسن حديثًا، فقد وعد أن الذي ينصره بالأقوال والأفعال سينصره مولاه، ويُيَسِّرُ له أسباب النصر من الثبات وغيره (٢).وقد بيّن اللَّه - ﷿ -
_________________
(١) تفسير ابن كثير، ٤/ ٨٤.
(٢) تفسير العلامة السعدي، ٦/ ٦٦.
[ ٢٢٦ ]
علامة من ينصر اللَّه فمن ادّعى أنّه ينصر اللَّه وينصر دينه، ولم يتصف بهذا الوصف، فهو كاذب. قال - ﷿ -: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ (١)، فهذه علامة من ينصر اللَّه وينصره اللَّه (٢).
وقد أمر اللَّه عباده المؤمنين بنصره - ﷿ - فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ﴾ (٣)، ومن نصرِ دين اللَّه تعلُّم كتاب اللَّه وسنة رسوله، والحث على ذلك، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٤).
٩٩ - الشَّافِي
الشفاء في اللغة هو البرء من المرض. يقال: شفاه اللَّه يشفيه، واشتفى افتعل منه، فنقله من شفاء
_________________
(١) سورة الحج، الآيتان: ٤٠ - ٤١.
(٢) انظر: تفسير السعدي، ٥/ ٣٠٢.
(٣) سورة الصف، الآية: ١٤.
(٤) المرجع السابق، ٧/ ٣٧٤.
[ ٢٢٧ ]
الأجسام إلى شفاء القلوب والنفوس (١).
واللَّه - ﷾ - هو الشافي، فعن عائشة - ﵂ - أن النبي - ﷺ - كان يعوِّذ بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول: «اللَّهم ربّ الناس، أذهب البأس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا» (٢).
وقال أنس - ﵁ - لثابت البناني حينما اشتكى إليه: ألا أرقيك برقية رسول اللَّه - ﷺ -؟ قال: بلى. قال: «اللَّهم ربّ الناس، مُذْهِب البأس، اشف أنت الشافي، لا شافي إلا أنت، شفاء لا يُغادِرُ سَقمًا» (٣).
فاللَّه - ﷿ - هو الشافي من الأمراض والعلل والشكوك، وشفاؤه شفاءان أو نوعان:
النوع الأول: الشفاء المعنوي الروحي، وهو الشفاء من علل القلوب.
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٢/ ٤٨٨، وانظر: مختار الصحاح، ص١٤٤.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب رقية النبي - ﷺ -، برقم ٥٧٤٣، ومسلم في كتاب السلام، باب استحباب رقية المريض، برقم ٢١٩١.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب رقية النبي - ﷺ -، برقم ٥٧٤٢.
[ ٢٢٨ ]
النوع الثاني: الشفاء المادي، وهو الشفاء من علل الأبدان. وقد ذكر اللَّه - ﷿ - هذين النوعين في كتابه، وبيّن ذلك رسوله - ﷺ - في سنته فقال - ﷺ -: «ما أنزل اللَّه من داء إلا أنزل له شفاء» (١).
النوع الأول: شفاء القلوب والأرواح.
قال اللَّه - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢).
والموعظة: هي ما جاء في القرآن الكريم من الزواجر عن الفواحش، والإنذار عن الأعمال الموجبة لسخط اللَّه - ﷿ - المقتضية لعقابه، والموعظة هي الأمر والنهي بأسلوب الترغيب والترهيب، وفي هذا القرآن الكريم شفاءٌ لما في الصدور من أمراض الشُّبَهِ، والشكوك، والشهوات، وإزالة ما فيها من رجسٍ ودنسٍ. فالقرآن الكريم فيه الترغيب
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، برقم ٥٦٧٨.
(٢) سورة يونس، الآية: ٥٧.
[ ٢٢٩ ]
والترهيب، والوعد، والوعيد، وهذا يوجب للعبد الرغبة والرهبة، وإذا وجدت فيه الرغبة في الخير، والرهبة عن الشرّ، ونمتا على تكرر ما يرد إليها من معاني القرآن، أوجب ذلك تقديم مراد اللَّه على مراد النفس، وصار ما يُرْضِي اللَّه أحبّ إلى العبد من شهوة نفسه.
وكذلك ما فيه من البراهين والأدلة التي صرّفها اللَّه غاية التصريف، وبينها أحسن بيان مما يزيل الشُّبَهَ القادحة في الحق، ويصل به القلب إلى أعلى درجات اليقين. وإذا صلح القلب من مرضه تبعته الجوارح كلها، فإنها تصلح بصلاحه، وتفسد بفساده.
وهذا القرآن هدى ورحمة للمؤمنين. وإنما هذه الهداية والرحمة للمؤمنين المصدقين كما قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا﴾ (١)، وقال: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية: ٨٢.
[ ٢٣٠ ]
وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ (١)، فالهدى هو العلم بالحقّ، والعمل به، والرحمة ما يحصل من الخير والإحسان، والثواب العاجل والآجل، لمن اهتدى بهذا القرآن العظيم.
فالهدى أجلُّ الوسائل، والرحمة أكمل المقاصد والرغائب، ولكن لا يهتدى به، ولا يكون رحمة إلا في حقّ المؤمنين، وإذا حصل الهدى، وحصلت الرحمة الناشئة عن الهدى حصلت السعادة، والربح، والنجاح، والفرح والسرور؛ ولذلك أمر اللَّه بالفرح بذلك فقال: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٢).
والقرآن مشتملٌ على الشفاء والرحمة، وليس ذلك لكل أحد، وإنما ذلك كله للمؤمنين به، المصدقين بآياته، العاملين به.
أما الظالمون بعدم التصديق به، أو عدم العمل
_________________
(١) سورة فصلت، الآية: ٤٤.
(٢) سورة يونس، الآية: ٥٨.
[ ٢٣١ ]
به، فلا تزيدهم آياته إلا خسارًا، إذ به تقوم عليهم الحجة.
والشفاء الذي تضمنه القرآن شفاء القلوب وشفاء الأبدان من آلامها وأسقامها.
فاللَّه - ﷿ - يهدي المؤمنين: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ يهديهم لطريق الرشد، والصراط المستقيم، ويعلمهم من العلوم النافعة ما به تحصل الهداية التامة.
ويشفيهم اللَّه ﵎ بهذا القرآن من الأسقام البدنية، والأسقام القلبية؛ لأن هذا القرآن يزجر عن مساوئ الأخلاق وأقبح الأعمال، ويحث على التوبة النصوح التي تغسل الذنوب، وتشفي القلوب.
وأما الذين لا يؤمنون بالقرآن ففي آذانهم صَمَمٌ عن استماعه، وإعراض، وهو عليهم عمىً، فلا يبصرون به رشدًا ولا يهتدون به، ولا يزيدهم إلا ضلالًا.
وهم يُدعون إلى الإيمان فلا يستجيبون، وهم
[ ٢٣٢ ]
بمنزلة الذي يُنادى وهو في مكان بعيد لا يسمع داعيًا، ولا يجيب مناديًا، والمقصود: أن الذين لا يؤمنون بالقرآن، لا ينتفعون بهداه، ولا يبصرون بنوره، ولا يستفيدون منه خيرًا؛ لأنهم سدّوا على أنفسهم أبواب الهدى بإعراضهم وكفرهم (١).
ويجد الإنسان مصداق هذا القول في كل زمان، وفي كل بيئة، فناس يفعل هذا القرآن في نفوسهم فيُنْشِئها إنشاءً، ويحييها إحياءً، ويصنع بها ومنها العظائم في ذاتها، وفيما حولها، وناس يثقل هذا القرآن على آذانهم وعلى قلوبهم، ولا يزيدهم إلا صممًا وعمىً، وقلوبهم مطموسة لا تستفيد من هذا القرآن.
وما تَغَيَّرَ القرآنُ، ولكن تغيرت القلوب (٢).
واللَّه - ﷿ - يشفي صدور المؤمنين بنصرهم على
_________________
(١) انظر: تفسير العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ٣/ ٣٦٣، و٤/ ٣٠٩، و٦/ ٥٨٤، وتفسير ابن كثير، ٢/ ٤٢٢، و٣/ ٦٠، و٤/ ١٠٤، وتفسير الجزائري أبو بكر، ٢/ ٢٨٦.
(٢) في ظلال القرآن، ٥/ ٣١٢٨.
[ ٢٣٣ ]
أعدائهم وأعدائه، قال سبحانه: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١).
فإن في قلوب المؤمنين الحنق والغيظ عليهم، فيكون قتالهم وقتلهم شفاء لما في قلوب المؤمنين من الغمِّ، والهمِّ؛ إذ يرون هؤلاء الأعداء محاربين للَّه ولرسوله، ساعين في إطفاء نور اللَّه، فيزيل اللَّه ما في قلوبهم من ذلك، وهذا يدل على محبة اللَّه للمؤمنين، واعتنائه بأحوالهم (٢).
النوع الثاني شفاء الله للأجساد والأبدان:
والقرآن كما أنه شفاء للأرواح والقلوب فهو شفاء لعلل الأبدان كما تقدم؛ فإن فيه شفاء الأرواح والأبدان. فعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أنّ ناسًا من أصحاب النبي - ﷺ - أتوا على حي من أحياء العرب،
_________________
(١) سورة التوبة، الآيتان: ١٤ - ١٥.
(٢) تفسير العلامة السعدي - ﵀ -، ٣/ ٢٠٦.
[ ٢٣٤ ]
فلم يُقْرُوهم، فبينما هم كذلك إذ لُدِغ سيد أولئك، فقالوا: هل معكم من دواء أو راقٍ؟ فقالوا إنكم لم تُقْرونا ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جُعْلًا، فجعلوا لهم قطيعًا من الشاء فجعل يقرأُ بأم القرآن، ويجمع بزاقه ويتفل، فبرأ، فأتوا بالشاء فقالوا: لا نأخذ حتى نسأل النبي - ﷺ - فسألوه، فضحك وقال: «وما أدراك أنها رقية، خذوها واضربوا لي بسهم» (١).
وعن عائشة - ﵂ - «أن النبي - ﷺ - كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عنه بيده، رجاء بركتها» (٢). والمعوذات هي: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب الرقى بفاتحة الكتاب، برقم ٥٧٣٦، ومسلم في السلام، باب جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن والأذكار، برقم ٢٢٠١.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب الرقى بالقرآن والمعوذات، برقم ٥٧٣٥، ومسلم في كتاب السلام، باب رقية المريض بالمعوذات والنفث، برقم ٢١٩٢.
[ ٢٣٥ ]
قال ابن القيم - ﵀ -: «ومن المعلوم أن بعض الكلام له خواص ومنافع مجربة، فما الظنُّ بكلام رب العالمين الذي فضله على كل كلام كفضل اللَّه على خلقه الذي هو الشفاء التام والعصمة النافعة، والنور الهادي والرحمة العامة، الذي لو أُنزِلَ على جبل لتصدع من عظمته وجلالته، قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١)، ومن هنا لبيان الجنس لا للتبعيض، هذا هو أصحُّ القولين» (٢).
وعلى هذا فالقرآن فيه شفاءٌ لأرواح المؤمنين، وشفاء لأجسادهم.
واللَّه - ﷿ - هو الشافي من أمراض الأجساد، وعلل الأبدان، قال - ﷿ -: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ*ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية: ٨٢.
(٢) زاد المعاد لابن القيم، ٤/ ١٧٧.
[ ٢٣٦ ]
لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١).
قال ابن كثير - ﵀ - في تفسير قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾: ما بين أبيض، وأصفر، وأحمر، وغير ذلك من الألوان الحسنة على اختلاف مراعيها ومأكلها منها، وقوله: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾، أي في العسل شفاء للناس من أدواء تعرض لهم.
قال بعض من تكلم على الطب النبوي لو قال: فيه الشفاء لكان دواء لكل داء، ولكن قال فيه شفاء للناس، أي يصلح لكل أحدٍ من أدواءٍ باردة؛ فإنه حارٌ، والشيء يُداوى بضده والدليل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ هو العسل، ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: إن أخي استطلق بطنه؟ فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «اسقه عسلًا» فسقاه، ثم جاءه فقال: إني سقيتُهُ فلم يزده إلا
_________________
(١) سورة النحل، الآيتان: ٦٨ - ٦٩.
[ ٢٣٧ ]
استطلاقًا، فقال له ثلاث مرات، ثم جاءه الرابعة فقال: «اسقه عسلًا»،فقال: لقد سقيته فلم يزده إلا استطلاقًا، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «صدق اللَّه وكذب بطن أخيك» فسقاه فَبَرأَ (١).
قال بعض العلماء بالطب: كان هذا الرجل عنده فضلات، فلما سقاه عسلًا وهو حار تحللت فأسرعت في الاندفاع فزاده إسهالًا فاعتقد الأعرابي أن هذا يضره وهو مصلحة لأخيه، ثم سقاه، فازداد، ثم سقاه فكذلك، فلما اندفعت الفضلات الفاسدة المضرة بالبدن استمسك بطنه، وصلح مزاجه، واندفعت الأسقام والآلام ببركة إشارته ﵊ (٢).
وعن ابن عباس - ﵄ - قال: «الشفاء في ثلاث: شربةِ عسلٍ، وشرطة محجم، وكية نار، وأنا أنهى
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب الدواء بالعسل، برقم ٥٦٨٤، ومسلم في كتاب السلام، باب التداوي بسقي العسل، برقم ٢٢١٧.
(٢) تفسير ابن كثير، ٢/ ٥٧٦.
[ ٢٣٨ ]
أمتي عن الكي» (١) رفع الحديث.
واللَّه - ﷿ - هو الذي هدى النحلة الصغيرة هذه الهداية العجيبة، ويسّر لها المراعي ثم الرجوع إلى بيوتها التي أصلحتها بتعليم اللَّه لها وهدايته لها، ثم يخرج من بطونها هذا العسل اللذيذ مختلف الألوان بحسب اختلاف أرضها ومراعيها، فيه شفاء للناس من أمراض عديدة، فهذا دليل على كمال عناية اللَّه تعالى وتمام لطفه بعباده، وأنه الذي ينبغي أن لا يُحُب ولا يُدعى سواه (٢).
وأخبر اللَّه - ﷿ - عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم ﵊ بقوله ﵎: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (٣).
قال ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب الشفاء في ثلاث، برقم ٥٦٨٠، موقوفًا. ورقم ٥٦٨١ مرفوعًا.
(٢) تفسير العلامة السعدي، ٤/ ٢١٨.
(٣) سورة الشعراء، الآيات: ٧٨ - ٨٠.
[ ٢٣٩ ]
مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾: أسند إبراهيم ﵊ المرض إلى نفسه، وإن كان عن قدر اللَّه وقضائه، وخلقه، ولكنه أضافه إلى نفسه أدبًا.
ومعنى ذلك: إذا وقعت في مرض فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره بما يُقدِّر ﵎ من الأسباب الموصلة إلى الشفاء (١).
وقد كان النبي - ﷺ - يرشد الأمة إلى طلب الشفاء من اللَّه الشافي الذي لا شفاء إلا شفاءه، ومن ذلك ما رواه مسلم وغيره عن عثمان بن العاص أنه اشتكى إلى رسول اللَّه - ﷺ - وجعًا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول اللَّه - ﷺ -: «ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل: بسم اللَّه ثلاثًا، وقل سبع مرات: أعوذ باللَّه وقدرته من شر ما أجد وأحاذِر» (٢).
وعن ابن عباس - ﵄ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من
_________________
(١) تفسير ابن كثير بتصرف، ٣/ ٣٣٩.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب السلام، باب استحباب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء، برقم ٢٢٠٢.
[ ٢٤٠ ]
عاد مريضًا لم يحضر أجله فقال سبع مرات: أسأل اللَّه العظيم، رب العرش العظيم، أن يشفيك، إلاّ عافاه اللَّه من ذلك المرض» (١).
فهذا من تعليم النبي - ﷺ - لأمته أن يعتمدوا على ربهم مع الأخذ بالأسباب المشروعة؛ فإن اللَّه - ﷿ - هو الشافي، لا شفاء إلا شفاءه، وقد كان النبي - ﷺ - يدعو ربه بالشفاء؛ لأنه هو الذي يملك الشفاء، والشفاء بيده ﵎، قال - ﷺ - لسعدٍ: «اللَّهم اشف سعدًا، اللَّهم اشف سعدًا، اللَّهم اشف سعدًا» (٢).
وقد كان النبي - ﷺ - يرقي بعض أصحابه، ويطلب الشفاء من اللَّه الشافي: «بسم اللَّه تربة أرضنا، بريقة
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الجنائز، باب الدعاء للمريض عند العيادة، برقم ٣١٠٦، والترمذي في كتاب الطب، باب ٣٢، برقم ٢٠٨٣، وأحمد، ١/ ٢٣٩، وقال أبو عيسى: «هذا حديث حسن غريب». وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٦٣٨٨.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب المرضى، باب وضع اليد على المريض، برقم ٥٦٥٩، ومسلم في كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، برقم ١٦٢٨/ ٨.
[ ٢٤١ ]
بعضنا، يُشفى سقيمنا بإذن ربنا» (١).
وقد أوضح - ﷺ - أن اللَّه هو الذي ينزل الدواء وهو الشافي، فقال - ﷺ -: «ما أنزل اللَّه من داء إلا أنزل له شفاءً» (٢).
وعن جابر - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لكل داء دواءٌ، فإذا أصيب دواءُ الداءِ بَرأَ بإذن اللَّه - ﷿ -» (٣)، وقال - ﷺ -: «إن اللَّه أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواءً، فتداووا، ولا تداووا بحرام» (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب رقية النبي - ﷺ -، برقم ٥٧٤٥، ومسلم في كتاب السلام، باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة، برقم ٢١٩٤.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، برقم ٥٦٧٨.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب السلام، باب لكل داء دواء واستحباب التداوي، برقم ٢٢٠٤.
(٤) أخرجه أبو داود في كتاب الطب، باب في الأدوية المكروهة، برقم ٣٨٧٤. قال المنذري: «في إسناده إسماعيل بن عياش فيه مقال». وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، برقم ١٥٦٩، ويغني عنه ما تقدم من الأحاديث، وما سيأتي.
[ ٢٤٢ ]
وجاءت الأعراب فقالت: يا رسول اللَّه ألا نتداوى؟ فقال - ﷺ -: «نعم يا عباد اللَّه تداووا، فإن اللَّه لم يضع داءً إلا وضع له شفاءً أو دواءً، إلا داءً واحدًا» فقالوا يا رسول اللَّه ما هو؟ قال: «الهرم» (١).
وعن عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «ما أنزل اللَّه من داء إلا قد أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله» (٢).
قال ابن القيم - ﵀ -: «فقد تضمنت هذه الأحاديث
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الطب، باب في الرجل يتداوى، برقم ٣٨٥٥،والترمذي في كتاب الطب، باب ما جاء في الدواء والحث عليه، برقم ٢٠٣٨،وابن ماجه في كتاب الطب، باب ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء، برقم ٣٤٣٦، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٢٩٣٠.
(٢) أخرجه أحمد،١/ ٣٧٧، وبتريب الشيخ شاكر، ٥/ ٢٠١، برقم ٣٥٧٨، وصححه. والحميدي في المسند، ١/ ٥٠، برقم ٩٠، وأبو يعلى في المسند، ٩/ ١١٣، برقم ٥١٨٣، وابن ماجه في كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، برقم ٣٤٣٨، ٣٤٣٩ مختصرًا. والحاكم، ٤/ ١٩٦ - ١٩٧، وسكت عنه الحاكم والذهبي، وصحح الألباني رواية ابن ماجه في صحيح الجامع، برقم ٥٥٥٨، ٥٥٥٩.
[ ٢٤٣ ]
إثبات الأسباب والمسببات، وإبطال قول من أنكرها، ويجوز أن يكون قوله: «لكل داء دواء» على عمومه حتى يتناول الأدواء القاتلة، والأدواء التي لا يمكن للطبيب أن يُبْرِئَها، ويكون اللَّه - ﷿ - قد جعل لها أدوية تُبْرِئُها، ولكن طوى علمها عن البشر، ولم يجعل لهم إليه سبيلا؛ ً لأنه لا علم للخلق إلا ما علمهم اللَّه » (١).
فاللَّه - ﷿ - هو الشافي الذي يشفي من يشاء ويطوي علم الشفاء عن الأطباء إذا لم يرد الشفاء.
فنسأل اللَّه الذي لا إله إلا هو بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يشفي قلوبنا وأبداننا من كل سوء، ويحفظنا بالإسلام، وجميع المسلمين؛ إنه ولّي ذلك والقادر عليه، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم.
_________________
(١) زاد المعاد في هدي خير العباد، ٤/ ١٤.
[ ٢٤٤ ]