الإيمان بالقدر وما يتضمنه من مراتب من جملة أركان الإيمان التي لا يتم الإيمان بدونها، وقد امتلأت كتب الآثار بكلام الصحابة في إثبات القدر، ونكيرهم على الجبرية والقدرية الذين زاغوا عن الهدى القويم، والصراط المستقيم.
[ ٤٠ / ١ ]
مراتب الإيمان بالقدر
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
لا زال الكلام موصولًا عن القدر، والقدر هو سر الله تعالى في الكون، وحكمته من خلق الخلق، ومراتب القدر أربع قد تكلمنا عنها، وقلنا: إن أول مرتبة هي مرتبة العلم.
أي: أن الله ﵎ علم أزلًا ما العباد عاملون، وما هم إليه صائرون، فلما كان ذلك كتبه الله ﵎ في اللوح المحفوظ الذي لا يقبل المحو ولا الإثبات، ثم قدر ذلك وشاءه لعباده، فشاء لهم الطاعة وشاء لهم البر والخير مشيئة شرعية دينية، محلها ومناطها الرضا، وشاء الله ﵎ الكفر والكبائر وسائر المعاصي، بمعنى أنه أذن في وجودها في الكون، وأذن الله تعالى في خلقها لا أنه يحبها ويرضاها، بل حذر منها ونهى عنها ورتب عليها العقوبات، ولأجلها أرسل الرسل، وأنزل عليهم الكتب، ومنحك العقل، حتى يهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة.
والمرتبة الرابعة: هي مرتبة الخلق.
فأفعال العباد جميعًا مخلوقة لله ﷿.
بمعنى: أنه أذن في وجودها خيرها وشرها، فالخير والشر من الله ﷿، كما دل على ذلك تلك الآيات الكثيرة التي سقناها في دروس مضت، ثم أقواله ﵊ وأحاديثه التي مضت في دروسنا أيضًا لإثبات أن الخير والشر من عند الله ﷿، مع أنه لا يرضى الشر، ولكنه أذن في وجوده ووقوعه، وأذن في خلقه؛ لأن الله تعالى علم أن العبد سيختار طريق المعصية فكتب ذلك عليه، لا أنه سبحانه يرضى المعاصي.
[ ٤٠ / ٢ ]
أقوال الصحابة في إثبات القدر وأن الخير والشر من عند الله ﷿
وها نحن اليوم مع الأدلة من أقوال الصحابة ﵃ في إثبات أن الخير والشر من عند الله ﷿، ولا يجوز لأحد أن يقول: إذا كان الخير والشر من عند الله فلِم يعاقبنا عليه؟ لأنه لا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعصية إلا بشرط التوبة منها.
ولذلك إذا كانت المعاصي من قدر الله فإن العقوبات كذلك من قدر الله، فهل ترضى أن تُقطع يدك؟ سيكون الجواب حتمًا: لا.
لأنه لا أحد يرضى بذلك، فإذا كنت لا ترضى بقطع يدك فلِم مددتها للسرقة؟ لِم أطلقت ليدك العنان أن تأخذ أموال الناس من أحرازها؟ فإذا كانت المعاصي من قدر الله وهي كذلك، فلا بد أن هذه العقوبات هي كذلك من قدر الله، فلا بد لكل إنسان ذكي عاقل قبل أن يفكر في الذنب أن يفكر في عقوبته، وأن الذنب وعقوبته المترتبة عليه إنما هما بقدر الله ﷿.
وأقوال الصحابة في إثبات أن الخير والشر من عند الله ﷿ كثيرة جدًا لا تكاد تحصى، بل لم يأتنا نص واحد عن صاحب من أصحاب النبي ﵊ يبين أن الخير من عند الله وأن الشر من عند الناس؛ لأن الصحابة ﵃ أجمعوا أنه لا يكون في ملك الله إلا ما أراد وقدر، فإذا كان هذا الأمر محل إجماع الصحابة ﵃ فكفى به إجماعًا، بل كفى به دليلًا، فلو لم يأت في كتاب الله آية واحدة ولا في سنة النبي ﵊ حديث واحد لكفى إجماع الصحابة ﵃ على أن الخير والشر من عند الله ﷿.
تصور أمر يُجمع عليه جميع الأصحاب ولم يأتنا مخالف لهم، بل لم يأتنا مخالف لهم حتى ممن أتى بعدهم من أهل السنة والجماعة وممن نهج منهج أهل السنة، فكيف يكون هذا الأمر محل نزاع أو محل خصومة؟
[ ٤٠ / ٣ ]
قول أبي بكر ﵁ في إثبات القدر
هذا أبو بكر الصديق ﵁ قال: [خلق الله الخلق فكانوا في قبضته -أي: في قبضة الله ﷿- فقال لمن في يمينه: ادخلوا الجنة بسلام، وقال لمن في يده الأخرى -وهي اليمين كذلك؛ لأن كلتا يديه يمين ﷾، أما الحديث الذي ورد بإثبات الشمال لله ﷿ حديث شاذ كما ذكرنا ذلك بالتفصيل آنفًا- ادخلوا النار ولا أبالي فذهبت إلى يوم القيامة].
أي: هذا كائن إلى يوم القيامة.
معنى ذلك: أن الله تعالى علم أهل الجنة سلفًا وأزلًا، وعلم أهل النار أزلًا، بل قبل أن يخلقهم علم أهل الجنة وأهل النار.
قال: [عن ابن عمر قال: جاء رجل إلى أبي بكر ﵁ فقال: أرأيت الزنا بقدر؟ قال أبو بكر: نعم.
قال: فإن الله قدره علي ثم يعذبني؟ -يُنكر ذلك.
أي: إذا كان الله تعالى هو الذي قدر علي الزنا فكيف يعذبني- قال أبو بكر: نعم يا ابن الخنا] يزجره؛ لأنه تكلم في القدر بكلام عجيب لم يرد عن سلف هذه الأمة.
[قال: نعم.
يا ابن الخنا] أي: يا ابن الفواحش [أما والله لو كان عندي إنسان أمرته أن يجأ أنفك].
أي: أن يقطع أنفك.
[ ٤٠ / ٤ ]
قول عمر بن الخطاب ﵁ في إثبات القدر
عن أبي عثمان النهدي ﵀وهو من سادات التابعين، مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام- قال: [سمعت عمر بن الخطاب وهو يطوف بالبيت يقول: اللهم إن كنت كتبتني في السعادة فأثبتني فيها -أي: إذا كنت كتبتني من أهل السعادة- فهو يرجو ربه أن يثبت على أهل السعادة وأن يبقى فيهم حتى يلقى الله ﷿- وإن كنت كتبتني في الشقوة -أي: من أهل الشقاء والتعاسة- فامحني منها وأثبتني في السعادة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب] وتكلمنا أن أم الكتاب لا تقبل المحو ولا الإثبات، أما الصحف التي بأيدي الملائكة فهي التي تقبل المحو والإثبات.
[ ٤٠ / ٥ ]
قول علي بن أبي طالب ﵁ في إثبات القدر
قال: [عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: ذُكر عنده القدر يومًا -أي: عند علي بن أبي طالب ذكر قوم القدر- فأدخل أصبعيه السبابة والوسطى في فيه فرقم بهما على باطن يده، فقال: أشهد أن هاتين الرقمتين كانتا في أم الكتاب].
أي: أن هذا قد علمه الله تعالى أزلًا.
أي: حينما أدخل السبابة والوسطى في فمه فبلهما بريقه ولعابه فختم بهما باطن كفه قال: هذا الختم والله قد علمه الله تعالى قبل أن يخلق الخلق فكيف لا يعلم سبحانه وقوع الخير والشر من العباد؟ [عن علي قال: إن أحدكم لن يخلص الإيمان إلى قلبه -أي: لن يستقر الإيمان في قلبه- حتى يستقر يقينًا غير ظن أنه ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، ويقر بالقدر كله] خيره وشره.
فمسألة القدر تعلقها بالإيمان تعلق عظيم جدًا: (لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن بالقدر).
لأن القدر أمر عجيب جدًا، إذ ليس لك أمام القدر إلا التسليم والإيمان والإذعان، فلو قلت: لِم فعل كذا؟ ولِم قال كذا؟ فإنك ستضل كما ضل من قبلك.
[ ٤٠ / ٦ ]
قول عبد الله بن مسعود ﵁ في إثبات القدر
قال: [عن عبد الله يعني: ابن مسعود قال: أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدى هدى محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، فاتبعوا ولا تبتدعوا، فإن الشقي من شقي في بطن أمه]، أي: من كتب الله تعالى عليه الشقاء قبل أن يخلقه.
وهل هذا من الظلم؟ الجواب لا.
لأن الظلم نقص لا يليق إلا بالعباد، والله تعالى منزه عن كل نقص، فإن الله تعالى لا يظلم الناس مثقال ذرة.
إذًا: فلِم كتب الله تعالى هذا العبد من أهل الشقاء وهو في بطن أمه.
وهو لم يعمل خيرًا ولم يقم على الشر، بل لم يولد بعد، فلم كتبه الله تعالى من أهل الشقاء؟
الجواب
لأن الله تعالى علم أزلًا قبل أن يخلق الخلق أن من عباده فلان ابن فلان سيميل إلى الشر مع بيان الشر والخير ووضوحهما له تمام الوضوح، ولكن العبد سيختار طريق الشر، ولذلك العبد له اختيار لأعماله، وليس معنى: أن الله تعالى كتب عليه الشر أنه جعله مقهورًا مجبورًا أن يقع في الشر.
لا، فالله تعالى حينما علم أنه سيعمل الشر ويميل إليه ويترك الخير مع معرفته إياه كتب ذلك ﷾ في اللوح المحفوظ: أن عبده فلان سيعمل بالشر.
وهكذا أعطانا الله ﵎ كل البينات والحجج، فلم يبق لنا بين يدي الله معذرة، بعد أن بين الله لنا طريق الجنة وطريق النار، لو سألناك عن أي عمل تعمله أو لا تعمله: هل هذا يؤدي إلى الجنة أم إلى النار؟ لو سألناك عن الصلاة لقلت: تؤدي إلى الجنة.
فلم تتركها؟ لو سألناك عن الزنا لقلت: يؤدي إلى النار.
فلم تأتيه؟ لماذا تدع الطاعة وتُقبل على المعصية، وأنت تعلم علمًا يقينيًا أن مآل الصلاة الجنة، ومآل الزنا النار، ومع هذا تخالف ما تعلمه من دينك يقينًا؟ علمت ذلك من الكتب التي أنزلها الله ﷿ عن طريق رسله، والله تعالى جعلك مكلفًا بالغًا عاقلًا مميزًا، فأين حجتك التي تحتج بها أمام الله ﷿؟ هل ستقول: لماذا يا رب! قدرت هذا علي؟ إذا كان الله قدر عليك الزنا فقدر عليك كذلك الرجم أو الجلد، فهل ترضى أن تُرجم أو تُجلد؟
الجواب
لا، لا أحد يرضى بذلك أبدًا، فلم رضيت بشيء أدى بك إلى إيقاع هذه العقوبة ببدنك؟ ولذلك نحن لو أتيناك بطريقين يؤديان إلى غرض واحد، أحدهما قد امتلأ شوكًا والآخر ممهد ملطف، وقلنا لك: اسلك أحد الطريقين فإنهما جميعًا يؤديان إلى غرضك، فأي الطريق ستسلك؟ لا شك أن ستسلك الطريق الممهد، فلِم تختار طريق الشوك الذي يؤدي بك إلى النار؟ قال: [فإن الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره].
أي: علم الله تعالى أن عبده سيختار طريق النار، فحينما علم ذلك من عبده قدره عليه، وأراده له إرادة كونية قدرية لا شرعية دينية.
[عن عبد الله قال: لأن أعض على جمرة وأقبض عليها حتى تبرد في يدي أحب إلي من أن أقول لشيء قضاه الله: ليته لم يكن].
[عن الحارث قال: سمعت ابن مسعود يقول وهو يدخل أصبعه في فيه قال: لا والله لا يطعم رجل طعم الإيمان حتى يؤمن بالقدر].
وكأن الإيمان شيء محسوس له طعم، كما قال ﵊: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا) فهنا صور النبي ﵊ الإيمان بالشيء الذي يؤكل أو يُشرب وله مذاق جميل، لكن لا يتذوق الإيمان على هذا النحو إلا رجل آمن بالقدر.
[ويقر ويعلم أنه ميت، وأنه مبعوث من بعد الموت].
[عن ابن مسعود قال: إن العبد ليهم بالأمر من التجارة والإمارة حتى يتيسر له نظر الله من فوق سبع سماوات فيقول للملائكة: اصرفوا عنه] أي: أن العبد يأتي عملًا من أعمال الدنيا، والله ﵎ ينظر له من فوق سبع سماوات، وربما يكون في هذا العمل شر للعبد، فإن الله تعالى يأمر ملائكته أن يصرفوا عبده عن الإتيان لهذا الفعل.
قال: [فإني إن يسرته له أدخلته النار -أي: بسبب هذا الفعل- فيصرفه الله ﷿] أي: فيصرف العبد عن إتيان هذا العمل.
[ ٤٠ / ٧ ]
قول عبد الله بن عباس ﵄ في إثبات القدر
عن ابن عباس ﵁ قال: [العجز والكيس بقدر].
وهذا كلام النبي ﵊، فيصح مرفوعًا وموقوفًا.
[عن ابن عباس قال: لو أخذت رجلًا من هؤلاء الذين يقولون: لا قدر، لأخذت برأسه وقلت: لولا ولولا].
أي: أن ابن عباس تمنى أن يقتله قتلًا؛ لأنه ينكر القدر.
قال: [عن مجاهد قال: قيل لـ ابن عباس: [إن ناسًا يقولون في القدر].
أي: هناك ناس تكلموا في القدر، وهذا الأمر كان منكرًا جدًا لدى الصحابة، فلم يكن يتكلم أحد في القدر، فلما تكلم الناس في القدر أنكر ذلك ابن عباس، بل الصحابة كـ ابن عمر وغيرهم أشد الإنكار.
قال: [يُكذبون بالكتاب؟].
لأن الكتاب أثبت القدر خيره وشره، فالذين تكلموا في القدر بعد كتاب الله وبعد سنة النبي ﷺ ماذا يريدون؟ وماذا يقولون؟ قال: [يُكذبون بالكتاب، لئن أخذت بشعر أحدهم لأنصونه -أي: لآخذن بناصيته- إن الله ﷿ كان على عرشه قبل أن يخلق شيئًا، فخلق القلم فأمره أن يكتب فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة].
قوله: (كتب ما هو كائن) أي: قبل أن يخلق الخلق؛ لأن أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال له: اكتب.
فقال: ما أكتب؟ قال: اكتب كل شيء كائن إلى يوم القيامة، وكان آدم لم يُخلق بعد؛ لأن المقطوع به عند علماء المسلمين أن القلم مخلوق قبل آدم، والقلم جرى بما هو كائن وبما عليه العباد إلى يوم القيامة، وهذا يدل على علم الله الأزلي.
قال: [فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فإنما يجري الناس على أمر قد فُرغ منه].
أي: على أمر قد علمه الله تعالى أزلًا، فكتبه على العباد وقدره عليهم، وشاءه لهم، وأذن في خلقه وإيجاده ووقوعه، ومنه ما أراده إرادة شرعية دينية مبناها الرضا وهي اتباع الشرع في باب الأوامر، وأما في باب النواهي فإن العبد لو انتهى بما نهاه الله تعالى ورسوله عنه فهذا أيضًا من الإرادة الشرعية الدينية، وإذا وقع فيما نهاه الله ﷿ عنه فإنما يقع فيها بقدر من الله ﷿، لكن لا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعاصي.
قال: [عن ابن عباس قال: القدر نظام التوحيد -القدر هو التوحيد- فمن وحد الله ولم يؤمن بالقدر كان كفره بالقضاء نقضًا للتوحيد].
وهذا تفسير لقوله ﵊: (لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن بالقدر) ابن عباس يقول: القدر نظام التوحيد.
أي: أنه أساس التوحيد ومحل الابتلاء والاختبار فيه، فمن وحد الله ولم يؤمن بالقدر كان كفره بالقضاء والقدر نقضًا للتوحيد.
[ومن وحد الله وآمن بالقدر فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها].
و[عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: سمعت عطاء بن أبي رباح يقول: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: يا ابن عباس! أرأيت من صدني عن الهدى، وأوردني الضلالة والردى، ألا تراه قد ظلمني؟] فهذا السؤال من جهة العقل له وجه، لكن الدين لا يثبت بالعقل وإنما يثبت بالنقل.
يقول له: أليست الهداية والإضلال بيد الله ﷿؟ ما تقول فيمن صدني وردني وأضلني وأوردني الهلاك والردى والضلالة، ألا يكون قد ظلمني؟ إذًا فمن الذي بيده الضلالة؟ الله ﷿، والسؤال هذا يطرأ على أذهان الجميع إلا من رحم الله ﷿ من أهل العلم.
وانظر إلى ابن عباس ماذا قال له؟ قال: [إن كان الهدى كان شيئًا لك عنده فمنعكه -أي الله ﷿ منعك إياه- فقد ظلمك].
فـ ابن عباس قرب له المسألة من جهة العقل، وإلا فالأصل في هذا المثل ألا يُضرب، لكنه يريد أن يقرب له المعنى في مقابلة سؤاله الذي لا يجوز طرحه.
قال: [إن كان الهدى كان شيئًا لك عنده فمنعكه فقد ظلمك، وإن كان هو له -أي: ملكه ﷾- يؤتيه من يشاء فلم يظلمك.
قم لا تجالسني].
أرأيتم إلى مسائل القضاء؟ تحتاج إلى قلوب واعية جدًا، وأفهام نيرة، وقلوب لا تملك إلا الخضوع والذل لله ﷿، يهدي من يشاء ويضل من يشاء ﷾.
فليس لك بعد أن علمت أن الهداية والضلال بيد الله ﷿ إلا أن تتعلق بحبال الطاعة، ليس لك إلا ذلك، ترجو ثواب الله وتهرب من عقابه.
فلو أنك علمت أن الله تعالى يسوق الرزق إليك عن طريق فلان من الخلق لتملقت له أشد التملق، فلماذا لا تتملق لله ﷿ فهو الأولى بذلك؟ قال: [عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان الهدهد يدل سليمان على الماء -مع أن الهدهد هذا طائر ضعيف- فقلت له: كيف ذاك يا إمام! والهدهد يُنصب له الفخ عليه التراب؟].
الصبيان ينصبوا الفخ للهدهد عليه التراب، حتى يأتي الهدهد فيقع فيه؟ أي أنه طائر غبي لا يعرف شيئًا، فكيف ينقر في الأرض وينقب فيها حتى يخرج الماء لسليمان ويدله على أن هذا المكان فيه ماء وأن هذا المكان ليس فيه ماء؟ [فقال -أي: ابن عباس - ألم يكن إذا جاء القضاء ذهب البصر؟] إذا قدر الله شيئًا
[ ٤٠ / ٨ ]
أقوال ابن عمر والحسن بن علي وعمرو بن العاص ﵃ في إثبات القدر
قال: [عن يحيى بن يعمر قال: قلت لـ ابن عمر: إنا نسافر فنلقى قومًا يقولون: لا قدر، وأن الأمر أنف -أي أن الله لا يعلم الشيء إلا بعد أن يقع- قال -أي: ابن عمر - إذا لقيت أولئك فأخبرهم أن ابن عمر منهم بريء وهم منه براء، ثلاث مرات] قال ذلك.
وبذلك قال أبي بن كعب وعبادة بن الصامت وزيد بن ثابت وحذيفة بن اليمان.
وقال الحسن بن علي بن أبي طالب وهو صحابي صغير: [قضي القضاء -أي: قضى الله تعالى القضاء- وجف القلم، وأمور بقضاء في كتاب قد خلا].
يعني: أمور قد قضى الله تعالى أن تكون، وكتبها في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الخلق.
[قال عمرو بن العاص: انتهى عجبي إلى ثلاث -أي: إلى ثلاثة أمور-: المرء يفر من القدر وهو لاقيه] المرء يفر من شيء قدر له وهو ملاقيه، فقد تتوقع وجود الشر هنا فتفر منه، فإذا بك تجد الشر ينتظرك على ناصية الطريق الآخر الذي هربت إليه.
إذًا: إيماننا بالقضاء يعلمنا حسن التوكل على الله ﷿.
[قال عمرو بن العاص: انتهى عجبي إلى ثلاث: المرء يفر من القدر وهو لاقيه -وهذه واحدة- ويرى في أعين أخيه القذى فيعيبها، ويكون في عينه مثل الجذع فلا يعيبها].
وهذا معنى الحديث المرفوع إلى النبي ﵊ يقول: (يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه وينسى الجذع في عينه) الواحد منا ينظر إلى الناس فيرى عيوبهم مهما دقت وجلت وصغرت، فيستعظمها جدًا، ويرى أنه صاحب طاعة، وفيه من العيوب ما ليس في الآخرين، ولكنه لا يُبصر عيوبه وربما لا يرضى بالنصيحة أن توجه إليه؛ وذلك لأنه يرى نفسه أعلى من كل أحد، وأنه قد خلا عن كل مفسدة، فهو يرى في نفسه أنه صاحب طاعة، والآخرين أصحاب معصية، عبد هذه نظرته لا يُرجى خيره قط، فالذي يُرجى خيره أن يكون في عين نفسه حقيرًا وفي أعين الناس كبيرًا.
الثالثة: [ويكون في دابته الصعر ويقومها جهده، ويكون في نفسه الصعر فلا يقومها].
الصعر: آفة تصيب الحيوانات، فهو إذا أصابت دابته علة وآفة قام بإصلاحها، كأن تكون لديك سيارة إذا اشتكت أي شكوى قمت بإصلاحها من باب الأمان، فمهما كان عيبها صغيرًا حقيرًا لا بد من أخذ الاستعداد والأهبة لهذا الطريق الطويل، فبينما أنت على هذه الحال نسيت أنك قد امتلأت غشًا وحسدًا وبغضًا وضغينة وخيانة وغير ذلك من البلايا القلبية وغير القلبية، ومع هذا لا تُراعي في نفسك إصلاح هذه العيوب.
[ ٤٠ / ٩ ]
قول عبد الله بن عمرو بن العاص في إثبات القدر
قال: [عن عبد الله بن الديلمي قال: دخلت على عبد الله بن عمرو وهو في حائط له -أي: بستان أو مزرعة- بالطائف.
قال: ومعه فتى من قريش يزن بشرب الخمر -أي: يعاب عليه أنه يشرب الخمر- فقلت له: بلغني عنك حديث: (أنه من شرب شربة خمر لم يقبل الله توبته أربعين صباحًا، وإن الشقي من شقي في بطن أمه)] قال: نعم.
يقر ذلك.
محل الشاهد قوله: (وإن الشقي من شقي في بطن أمه) وأنتم تعلمون حديث عبد الله بن مسعود عن الصادق المصدوق، إذا بلغ أربعين يومًا، فمذهب الجمهور: أن الروح تنفخ بعد مائة وعشرين يومًا، ولكن الراجح عند المحققين: أنها تنفخ بعد الأربعين، ويؤمر الملك الموكل بكتابة أربع كلمات: رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، مع أنه ما زال في بطن أمه، ولكنه يُكتب: هل هو من أهل الشقاء أم من أهل السعادة، فهل في هذا شيء من الظلم؟ لا.
[ ٤٠ / ١٠ ]
قول أبي الدرداء ﵁ في إثبات القدر
قال: [عن أبي الدرداء ﵁ قال: ذروة الإيمان أربع:] أربعة أشياء هي قمة الإيمان التي تدل على أن صاحبها قد حقق الإيمان الكامل في قلبه وجوارحه.
قال: [الصبر للحكم] والحكم هذا من أثقل الأشياء، فأنت إذا كانت لك الصولة والجولة وكان لك الحق في مسألة لطرت بها في الآفاق؛ لتثبت للناس أنك صاحب حق، ولو كنت مخطئًا تعلم ذلك من نفسك لخنست فلا تريد أن يعرف أحد عنك ذلك، ولو قضي عليك بالحق لكرهت ذلك، وتتمنى أن يخفى الحق أو يلتبس على الحكم فيحكم لك، مع أنك تعلم أنك مخطئ، والحُكم هو من خصائص الله ﷿؛ ولذلك قال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧] فليس الحكم إلا لله ﷿.
ولذلك قال الشافعي عليه رحمة الله: من شرع فاستحسن فقد كفر.
لأن التشريع حق لله ﷿، ولرسوله الكريم ﵊، ولا يجوز لأحد من الأمة بأسرها أن يشرع أو أن يأتي بشيء من عند نفسه بين يدي الله ﷿، وإلا فإنه محاد لله ورسوله مضاد لشرعه، بل كافر بشرع الله ﷿.
فالحكم لله ﷿ لا لأحد غيره، ولذلك لا يرضى به ولا يحقق مراد الله ﷿ في هذا الباب إلا رجل قد اكتمل إيمانه.
وأنتم تعلمون على الساحة العالمية في كثير من العصور المتأخرة أن الناس قبل أن يجلسوا على كراسيهم يظنون أنهم يحكمون بشرع الله، فإذا ما جلسوا على هذه الكراسي المزيفة حكموا بآرائهم وأهوائهم ووثائقهم كما حكم التتار بتلك الوثائق المخترعة، فالحكم ثقيل جدًا ولا تقوى على حمله إلا قلوب قد امتلأت إيمانًا.
ولذلك قال أبو الدرداء: [ذروة الإيمان أربع: الصبر للحكم، والرضا بالقدر].
وهناك فرق يا إخواني! بين من يصبر على القدر وبين من يرضى بالقدر.
يقول علماء التصوف: إن البلاء إذا نزل بالعبد فصبر عليه فعمله عمل صغار القوم، أما كبار القوم فإنهم يرضون به ويفرحون.
فحينما تمرض وتعلم أن هذا المرض هو من قدر الله ﷿ فتصبر على ذلك، فهذا بلا شك أجر عظيم جدًا وإيمان بالقضاء والقدر، لكن أعلى من ذلك أنك ترضى وتفرح بما آتاك الله ﷿، وابن تيمية عليه رحمة الله لما سجنوه علم أنهم ليس لهم سلطان إلا على البدن، وسلطانهم أيضًا مقيد بقدر الله ﷿، فكان يقول: فماذا يفعل أعدائي بي؟ إن سجنوني فسجني خلوة، وإن نفوني فنفيي سياحة.
وهل هناك أفضل من الخلوة للذكر والتسبيح والتهليل وقراءة القرآن والصلاة وقيام الليل وغير ذلك؟ فالذي لا يستطيع أن يفعله في خارج السجن يفعله داخله، ولذلك فإن الذين هم بداخل السجون في نعيم نحن لسنا فيه، فنحن مشغولون بدنيانا، أما من كان بالداخل فهو أرق فؤادًا ممن كان بخارجه إلا من رحم الله ﷿.
ولذلك حينما أغلقوا عليه باب السجن تلا آية تغيظ الكفار والمجرمين.
قال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣] أتظنون أنكم في سعة من أمركم، وفي حرية؟ بل أنتم والله المسجونون، وهذه حقيقة، فالواحد فيهم يمشي بحراسة وبمدرعات ومصفحات مدججة، ومع هذا لا يشعر بالأمان، وأنت بعد أن تصلي الفجر تخرج بأي لباس كان وتمشي بحرية تامة، فلا يستطيع أن يعمل مثل عملك هذا هؤلاء المجرمون؛ لأنهم يخافون.
قال: [والرضا بالقدر، والإخلاص في التوكل، والاستسلام للرب].
هذا هو الإيمان الكامل.
[ ٤٠ / ١١ ]
قول سلمان الفارسي ﵁ في إثبات القدر
قال: [عن أبي الحجاج الأزدي قال: سألت سلمان: ما الإيمان بالقدر؟ فقال: أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك] الذي ليس لك ولا من نصيبك لو اجتمع العالم كله في صعيد واحد أن يجلبوه لك لا يقدرون، ولا يمكن أن يكون من حظك ولا من نصيبك.
وقال أبو نعامة السعدي: [كنا عند أبي عثمان النهدي فحمدنا الله ودعوناه وذكرناه، فقلت: لأنا بأول هذا الأمر أشد فرحًا مني بآخره -أي: أني مطمئن وفرح ومسرور بأن الله ﵎ كتب ما أنا عامل أولًا قبل أن يخلق الخلق- فقال: ثبتك الله! كنا عند سلمان: فحمدنا الله ودعوناه -أي: دعونا الله- وذكرناه فقلت: لأنا بأول هذا الأمر أشد فرحًا مني بآخره، فقال سلمان: ثبتك الله! إن الله لما خلق آدم مسح ظهره فأخرج منه ما هو ذار] وفي رواية: ما هو ذراري؛ وهذا حديث الميثاق الطويل الذي ذكرناه من قبل.
قال: فأخذ عليهم العهد: ألست بربكم؟ قالوا: بلى.
إذًا: فقد اعترفوا بالربوبية وبالألوهية وتوحيد الرب ﵎ الذي ورد في حديث: (ما من مولود يولد إلا يولد على الفطرة).
وفي رواية: (على فطرة الإسلام -ثم يأتي بعد ذلك النجس والخبث- فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه).
وفي رواية مسلم: (ويشركانه) أي: ويجعلانه مشركًا.
قال: [إن الله لما خلق آدم مسح ظهره فأخرج منه ما هو ذارٍ إلى يوم القيامة، فكتب الآجال والأرزاق والأعمال والشقوة والسعادة، فمن علم الله تعالى أنه من أهل السعادة فعل الخير ومجالس الخير -أي: وفقه ويسر له هذا- ومن علم الله ﷿ فيه الشقاوة يسره لعمل أهل الشقاوة ففعل الشر وجلس مجالس الشر].
[ ٤٠ / ١٢ ]
قول جابر بن عبد الله ﵁ في إثبات القدر
قال: [عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ قال: لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر كله خيره وشره].
المسألة مهمة جدًا، أي أن تؤمن بأن كل شيء من خير وشر إنما هو من عند الله ﷿.
[ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه].
[ ٤٠ / ١٣ ]
قول عائشة ﵂ في إثبات القدر
قال: [عن عائشة قالت: إن العبد ليعمل الزمان بعمل أهل الجنة، وإنه عند الله لمكتوب من أهل النار].
ولذلك أنت تقول: العبد طيلة حياته يعمل بعمل أهل الجنة، فكيف يختم له بالنار؟ فنقول: النبي ﷺ كان يقول: (إنما الأعمال بالخواتيم)، ويقول: (وإن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس)؟ أي: أنك ترى أن هذا العمل عمل أهل الجنة لا يعمله إلا ناس قد أحبهم الله ﷿ ويسرهم ووفقهم إلى فعل هذا الخير، ولكنه يصلي الفجر معك ويضع رجله على رجليك؛ ويجلس بجوارك ليتجسس عليك ويعرف اسمك ويكتب فيك تقريرًا فهذا العمل عمل أهل النار وليس عمل أهل الجنة.
قالت: [إن العبد ليعمل الزمان بعمل أهل الجنة وإنه عند الله لمكتوب من أهل النار].
إذًا: فهذا يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، ولا بد من كلمة: (فيما يبدو للناس)؛ لأن هذه قد وردت في رواية ابن مسعود من طريق آخر، وهي تحل جميع الإشكالات التي وردت في هذا الحديث.
وقال محمد بن كثير العبدي: سمعت سفيان الثوري يقول: إن الرجل ليعبد الأصنام وهو حبيب الله.
وعبادة الأصنام هذه محببة إلى الشيطان، ولكن العبد يعبد الأصنام وهو حبيب الله؛ لما سبق من علم الله أنه سيُختم له بخاتمة الطاعة، فيكون من أحبائه بعد الهداية لا أثناء عبادة الأصنام: (والأعمال بالخواتيم)، وقال: (وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة) فحينئذ يكون حبيب الله ﷿.
[ ٤٠ / ١٤ ]
أقوال التابعين في إثبات أن الخير والشر من عند الله ﷿
[ ٤٠ / ١٥ ]
قول عمر بن عبد العزيز ﵀ في إثبات القدر
عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: [إن الله لو كلف العباد العمل على قدر عظمته لما قامت لذلك سماء ولا أرض ولا جبل ولا شيء من الأشياء، ولكن أخذ منهم اليسر].
قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١]، فلا يستطيع أحد أن يؤدي لله حقًا، فلو أن أحدنا سجد سجدة لله طيلة عمره من أول التكليف والتمييز حتى قبض هل أدى حق الله ﷿؟
الجواب
لا، بل لم يؤد نعمة واحدة من نعم الله ﷿ عليه، ولكن الله رضي منا بالشيء اليسير، فقد فرض علينا خمس صلوات وأعطانا فضلًا منه أجر خمسين صلاة، وهذا فضل عظيم جدًا.
قال: [إن الله لو كلف العباد العمل على قدر عظمته -أي: على قدر قدره ومكانته ﷾- لما قامت لذلك سماء -وما قدرت على ذلك- ولا أرض ولا جبل ولا شيء من الأشياء، ولكن أخذ منهم اليسر، ولو أراد ألا يعصى لم يخلق إبليس رأس المعصية].
فإبليس هو رأس الشر، فلو لم يخلق الله إبليس هل ستكون في الأرض معصية؟ لا يمكن.
لأن مصدر كل معصية هو إبليس، فإذا كان الله تعالى لم يخلق إبليس لم يكن هناك معصية، بل كان جميع الخلق مؤمنين موحدين، لا يعرفون طريق المعصية كالملائكة تمامًا: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] ولكن الله تعالى حينما علم أن عباده سيفعلون المعصية جعل لهم سببًا في ذلك وهو خلق إبليس، ولكنه عرفهم بأنه عدوهم وحذرهم من اتباعه، ولكن العباد تركوا هذا التحذير ووقعوا في حبائل الشيطان.
قال: [عن الأوزاعي قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى ابن له كتابًا فكان فيما كتب فيه: إني أسأل الله الذي بيده القلوب يصنع فيها ما شاء من هدى وضلالة] إلى آخر الكلام.
إذًا: يقول: أنا أسأل الله تعالى الذي بيده القلوب، كما في قوله ﵊: (قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء).
يعني: يجعلها كافرة، يجعلها مؤمنة، يجعلها طائعة، يجعلها عاصية، له ﷾ في قلوب عباده ما يشاء؛ لأننا ملك له ﷾، كما أن الهداية والإضلال ملك لله ﷿، فكذلك العباد وقلوبهم ملك لله ﷿، ومعلوم أن المالك يصنع في ملكه ما يشاء ﷾.
[ ٤٠ / ١٦ ]
قول الحسن البصري ﵀ في إثبات القدر
قال: [عن نعيم العنبري وكان من جلساء الحسن -رحمه الله تعالى- يقول في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا﴾ [الكهف:٨٢].
قال -أي: الحسن في تفسير هذه الآية- لوح من ذهب مكتوب فيها: عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن؟] عجبت لمن يؤمن بالقدر خيره وشره وأنه من عند الله كيف يحزن إذا وقع به البلاء؟ [وعجبت لمن آمن بالموت كيف يفرح؟ وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها؟ لا إله إلا الله، محمد رسول الله].
هذا الكلام كلام موقوف عن الحسن وفيه نظر؛ لأن العبد إذا أدركه الموت إن كان من أهل الطاعة فرح بلقاء الله ﷿، وبذلك صحت الأخبار، وأما إذا كان من أهل المعصية فإنه يكره لقاء الله ﷿، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه.
عن تمام بن نجيح قال: [سمعت الحسن وقد تاه رجل فأخذ بعنان دابته فقال: أيها الضال المضل! حتى متى تضل الناس؟ فقال الرجل: وما ذاك؟ قال الحسن: أتزعم أن من قُتل مظلومًا فقد قُتل في غير أجله؟ قال -أي: الحسن - فمن يأكل بقية رزقه يا لكع؟] هل يمكن لأحد أن يأكل رزق الآخر؟ وهل يمكن لأحد أن يأخذ عمر الآخر؟ لا يمكن.
ولكن أليس داود ﵇ قد أخذ أربعين عامًا من عمر أبيه آدم؟ هو الوحيد الذي أخذ عمرًا من عمر أبيه آدم، أما بقية الخلق فإنه قد كُتبت أعمالهم وأرزاقهم وآجالهم وشقاوتهم وسعادتهم على النحو المعلوم لدى الله ﷿ كتابة لا تقبل المحو في اللوح المحفوظ.
قال: [أتزعم أن من قُتل مظلومًا فقد قُتل في غير أجله؟ فمن يأكل بقية رزقه يالكع؟ خل الدابة] أي: انزل عنها، فإنها أفضل منك.
وهل هناك أحد يُقتل قبل أجله؟ فمن يكمل أجله؟ ولذلك من الأخطاء الفادحة جدًا في الاعتقاد أنك تذهب لواحد قد مات له ميت فتقول له: البقية في حياتك! هل هو مات قبل أجله؟ ولذلك علمنا النبي ﵊ عزاءً شرعيًا: (إن لله ما أعطى وله ما أخذ، وكل شيء عنده بأجل).
أي: أن هذا الذي مات مات في أجله، فاصبر واحتسب وليس لك إلا هذا، قد أوجب الله تعالى عليك في هذا الموطن أن تصبر على ما نزل بك من بلاء وتحتسب عند الله ﷿ حتى تؤجر عليه، وتصبر صبرًا صادقًا، وترضى رضاء تامًا عن الله ﷿ وعن أفعاله ﷾، لا أن تظل تلطم وجهك وتضع التراب على رأسك، وفي الأخير أنت تعرف أنه قد مات ووضع في قبره، فلماذا الجزع؟ بل تصبر وتحتسب.
وقال الحسن: [الشقي من شقي في بطن أمه].
وقال في مرضه الذي مات فيه: [إن الله قدر أجلًا وقدر معه مرضًا -أي: جعل المرض سببًا لنهاية الحياة- وقدر معه معافاة].
لأن النبي ﷺ يقول: (ما أنزل الله داء إلا وأنزل له دواء.
فتداووا عباد الله).
فالمرض بقدر الله، وأيضًا العلاج بقدر الله، ومن الناس من يقول: العلاج هذا يقدح في التوحيد.
فنقول: إن النبي ﵊ عولج من مرضه، وقال: (إن الحمى من فيح جهنم، فأبردوها بالماء) وكان النبي ﷺ يداوي أصحابه مرة بالتفل ومرة بالدعاء، وكلها أسباب للشفاء فقال: (تداووا عباد الله! ما أنزل الله داء إلا وأنزل له دواء) فإذا كان العلاج يقدح في التوحيد فإذا جعت فلا تأكل؛ لأن هذا اعتماد على الطعام، وأنت رجل موحد فاعتمد على الله ﷿، وإذا عطشت فلا تشرب، وإذا أردت الولد فاحصل عليه دون زوجة!! وفي الحقيقة كل هذا كذب، والأصل أخذ الأسباب وإعمالها في حصول المسبب.
قال الحسن في مرضه الذي مرض فيه: [إن الله قدر أجلًا وقدر معه مرضًا، وقدر معه معافاة، فمن كذب بالقدر فقد كذب بالقرآن، ومن كذب القرآن فقد كذب بالحق].
وقال: [من كذب بالقدر فقد كذب بالإسلام].
كأن القدر هو الإسلام كله، كأن عنوانك في الإيمان والإسلام وثبوتك على ذلك إنما هو إيمانك بالقدر.
[ ٤٠ / ١٧ ]
أقوال مطرف بن عبد الله الشخير ووهب بن منبه رحمهما الله في إثبات القدر
قال: [عن مطرف قال: نظرت فإذا ابن آدم ملقى بين يدي الله وبين يدي إبليس].
معنى (نظرت) أي: فكرت وتدبرت وأمعنت في النظر، فتصور لي أن ابن آدم ملقى بين يدي الله وبين إبليس.
قال: [فإن شاء الله أن يعصمه عصمه، وإن تركه ذهب به إبليس].
واجتمع وهب بن منبه وعطاء الخرساني بمكة، فقال له عطاء: يا أبا عبد الله! بلغني أنك كتبت في القدر، أي: كتبت كتابًا عن القدر وتكلمت فيه.
قال وهب: [ما كتبت كتبًا ولا تكلمت في القدر].
أي: أنا على إيمان النبي ﷺ وعقيدته.
ثم قال وهب: [قرأت نيفًا وتسعين كتابًا من كتب الله، منها نيف وسبعون ظاهرة لا يعلمها إلا قليل من الناس، فوجدت فيها كلها: أن كل من وكل إلى نفسه شيئًا من المشيئة فقد كفر].
وهذا كلام يرد به على الجهمية الذين يقولون: إن الله ﵎ لا علاقة له بأفعال العباد، وأنها من مشيئة العباد وأعمالهم وأفعالهم، وأن الله لا دخل له بأعمال العباد.
ولذلك لو رجعنا إلى نص مطرف قال: [فإن شاء الله أن يعصمه عصمه].
فالعصمة والهداية والضلال بيد الله؛ لأن الله لو ترك عبده لتخطفه إبليس، وتخطف إبليس لهذا العبد إنما هو بقدر من الله ﷿.
[عن ثابت أن مطرفًا قال: نظرت في هذا الأمر ممن كان فإذا بدؤه من الله ﷿، وإذا تمامه على الله] إذًا: بداية هذا الأمر بيد الله، ونهايته بيد الله ﷿.
قال: [ونظرت ما ملاكه، -أي: ذروة سنامه- فإذا ملاكه الدعاء] لأن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل.
يقول ابن القيم عليه رحمة الله في كتاب الداء والدواء: الدعاء على ثلاث مراتب يشرح الحديث: (لا يرد القضاء إلا الدعاء) أي: لا شيء ينفع مع القضاء إلا الدعاء.
وأنتم تعلمون أن الدعاء كذلك بقضاء وقدر، فإن الله تعالى علم أزلًا أنه سيبتلي عبده فلان في المكان الفلاني والزمان الفلاني ببلية فلانية، وأن العبد بقدر الله سيوفق لدعاء يدعوه في هذا الموطن وفي هذا المكان وفي هذه الحالة، وأن الدعاء يكون أقوى من البلاء، إذ يلح فيه العبد بصدق وإخلاص وحسن لجوء وتوجه إلى الله ﷿؛ فيكون الدعاء أقوى من البلاء الذي نزل، فيدفع الله ﵎ هذا البلاء بهذا الدعاء؛ لأنه أقوى من البلاء.
وأحيانًا يكون الدعاء رخوًا ميتًا لا روح فيه، فيكون البلاء أقوى منه ويستقر في العبد، وأحيانًا يكون الدعاء على قدر مساو للبلاء فيتعالجان أو يعتلجان أو يتناطحان في السماء إلى يوم القيامة، فلا هذا يغلب هذا ولا هذا يغلب هذا، وكله بقضاء الله وقدره وعلمه السابق.
[ ٤٠ / ١٨ ]
قول كعب الأحبار ﵀ في إثبات القدر
قال: [عن يونس بن سيف أن عطية بن قيس: أخبره أن رهطًا عادوا كعب الأحبار.
- كعب بن ماتع الحميري حينما مرض عاده أناس- فقالوا له: كيف تجدك يا أبا إسحاق؟! قال: بخير، عبد أُخذ بذنبه -أي: أني أنا قد أخذني الله تعالى بذنب اقترفته- فإن قبضه الله إليه إن شاء عذبه وإن شاء رحمه، وإن عاقبه ينشيه نظيفًا] أي: يبعثه في الجنة نظيفًا بلا ذنب.
هذا الكلام فيه أصول وعقائد عظيمة جدًا، منها: الإيمان بالقدر خيره وشره، وأنه من عند الله ﷿.
ومنها: أن صاحب الكبيرة أو أن صاحب الذنب يعفو الله عنه، أو يعذبه بذنبه في النار ثم يخرج منها.
ومنها: أن العبد العاصي الذي وحد الله وخلط ذلك بمعصية لا يستوي مع عبد كفر بالله ﷿ أصلًا، فإن هذا مخلد، والأول ناج وإن دخل النار أولًا.
[ ٤٠ / ١٩ ]
قول محمد بن كعب القرظي ﵀ في إثبات القدر
وقال محمد بن كعب القرظي: [ما أُنزلت هذه الآية إلا تعييرًا لأهل القدر: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٧ - ٤٩]].
ما دون الله ﵎ وأسمائه وصفاته مخلوق.
فكلامنا الآن وحديثنا وحركاتنا وسكناتنا وقيامنا وقعودنا مخلوق لله ﷿، والمرض مخلوق، والذي خلقه هو الله ﷿، فكل شيء من عند الله بقضائه وقدره، سواء كان خيرًا أو كان شرًا.
[ ٤٠ / ٢٠ ]
قول علي بن الحسين ﵀ في إثبات القدر
وقال علي بن الحسين: [إن أصحاب القدر حملوا مقدرة الله ﷿ على ضعف رأيهم فقالوا لله: لِم] أي: لم فعلت كذا يا رب؟! يسألون الله ﵎ سؤال استنكار: لِم قدر كذا؟ ولِم قضى بكذا؟ ولِم فعل كذا؟ [ولا ينبغي أن يقال لله لِمَ؟] مستنكرًا: لِم كذا؟ وكيف فعلت كذا؟ لأن أفعال الله ﵎ لا تحصر، ولا يقال فيها: لِم ولا كيف.
[ ٤٠ / ٢١ ]
قول محمد بن علي بن الحسين ﵀ في إثبات القدر
قال أبو عبد الله العطافي -ينقل عن الشيعة- قال: [جاء رجل من أهل البصرة، فسأل عن محمد بن علي بن الحسين بن علي؟ والشيعة يقولون: إنه من رجالنا وأئمتنا فقيل له: هو ذاك الغلام.
فقال: فجئت إليه وكأنه ما بلغ بعد -غُلام صغير- قال: فقلت: يا سيدي! إني وافد أهل البصرة إليك، وذاك أن القدر قد نشأ في البصرة، وقد ارتد أكثر الناس، وأريد أن أسألك عنه؟] إن أول من تكلم في القدر هو معبد وبئس المعبد هو، ومعبد شيخه سوسن النصراني، ولذلك أصل كل ضلالة في الإسلام إما نصراني أو مجوسي أو يهودي، وإذا نظرت إلى تاريخ كل بدعة وأصلها لوجدت أن أهل هذه البدعة يضعون أيديهم في أيدي أصل هذه البدعة عندهم حربًا على الإسلام وأهله.
[قال: سل.
فقلت: أحب الخلوة.
فقام فمشى حتى خلا.
قال له: سل.
فقال: فقلت: الخير؟ فقال لي: اكتب: علم وقضى وقدر وشاء وأراد وأحب ورضي.
قال: قلت: زدني.
فقال لي: هكذا خرج أو هكذا جاء إلينا أو وصل إلينا].
إذًا: نحن في باب القدر بالذات نتوقف عند الذي جاء عن سلفنا، ولذلك كان كثير من السلف جدًا يسكتون إذا سئلوا عن القدر، لا عن عجز وإنما اتباع لسلف هذه الأمة.
[قال: قلت: الشر؟ قال: اكتب: علم وقضى وقدر وشاء وأراد ولم يرض ولم يحب].
وفي الخير قال: ورضي وأحب، ولكن في الشر قال: ولم يرض ولم يحب، مع أنه قضى وقدر وأراد وشاء، لكن أراد وقدر وشاء إرادة الشر إرادة كونية قدرية، فليس من الممكن أن يذهب أحد فيزني ثم يقول: أنا سأذهب لأزني، قدر الله ذلك أو لم يقدره، شاءه أو لم يشأه؛ لأنه لا يكون في الكون إلا ما أراده الله، لكن لا يجوز الاحتجاج بهذا، فإذا أردت أن تحتج بهذا فاحتج بالعقوبة أيضًا، ولذلك جيء برجل قد سرق إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أو زنى في رواية أخرى، فلما أمر به عمر ليقام عليه الحد، قال: يا عمر! أتحدني في أمر قد قدره الله علي؟ قال: نعم.
نحدك بقدر الله أيضًا.
إذًا: الحد أيضًا من قدر الله.
[قال: قلت: زدني.
قال: هكذا خرج إلينا].
الخير: أراده وقضاه وقدره وشاءه وأحبه ورضيه.
والشر: أراده وشاءه وقضاه وقدره ولم يحبه ولم يرضه، ومع هذا أذن في وقوعه وخلقه وإيجاده.
فهل أنتم تحبون الكفر أم تكرهونه؟ فالله ﵎ أشد كراهية للكفر منكم، ومع هذا هل يستطيع أحد أن يكفر دون أن يقدر الله عليه هذا الكفر؟
الجواب
لا، والله يقول: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧] ومع هذا وقع الكفر في الكون، ولكن وقع بإذنه وأمره وإيجاده وخلقه، ولم يحبه ولم يرضه.
[قال: زدني.
قال: هكذا خرج إلينا].
أي: هذا الذي وصلنا عن سلفنا.
قال: [فقال الرجل: فرجعت إلى البصرة فنصب لي منبر في مسجد الجامع، فاجتمع الناس فقرأت عليهم ما كتبت فرجع أكثر الناس].
فقد كان معبد قبل ذلك يُعمل لسانه في غيبة أهل العلم.
[ ٤٠ / ٢٢ ]
قول جعفر بن محمد الصادق ﵀ في إثبات القدر
قال: [قال رجل من الشيعة للصادق: إن القدرية تقول لنا: إنكم كفار.
قال: فقال له: اكتب: إن الله ﷿ لا يُطاع قهرًا.
ولا يعصى قهرًا، فإذا أراد الطاعة كانت، وإذا أراد المعصية كانت، فإن عذب فبحق، وإن عفا فبفضل].
فهل جعفر الصادق يرضى عن الخميني وعصابته؟ لا يرضى عنهم، ونسبتهم إليه نسبة كذب وافتراء.
ألم تعلموا أن شاه إيران هذا ليس له في الشيعة ولا في السنة حظ ولا نصيب وفي الإسلام أصلًا، إلا حظًا يتسلى به كما يتسلى الملوك عادة بأهل العلم أو أهل الالتزام أو غير ذلك.
قال: اليوم سأعرف هل الشيعة على الحق أم أهل السنة؟ وجمع (١١) من أهل السنة، و(١١) من الشيعة، يريد أن يلعب ويتسلى، ووضع مناظرة فيما بينهم، فقال رجل من أهل السنة -وهو زعيم الفريق- آمرًا لإخوانه: لا تقولوا شيئًا ولا تفعلوا إلا أن تصدروا عني -أي: لا تتكلموا حتى أتكلم أنا- فلما دخل على طاولة النقاش قام بوضع نعله تحت إبطه، فلما رأوه فعل هذا قاموا بتقليده ووضعوا نعالهم تحت آباطهم، فلما دخلوا وجلسوا وضع زعيم أهل السنة نعله أمامه على الطاولة، فوضع أتباعه من أهل السنة أحذيتهم على الطاولة، فتعجب شاه إيران كيف يكون هذا بحضرة الملك؟! فقال: ما الذي حملك على ذلك؟ قال: عندنا نص عن النبي ﵊ أن الشيعة كانوا على زمانه يسرقون النعال، فقام زعيم فريق الشيعة وقال: لم يكن الشيعة في عهد النبي ﷺ وانتهت المناظرة.
[قال رجل من الشيعة للصادق: إن القدرية تقول لنا: إنكم كفار.
قال: فقال له: اكتب: إن الله ﷿ لا يُطاع قهرًا كما أنه لا يُعصى قهرًا، فإذا أراد الطاعة كانت -أي: كانت من العباد ووقعت منهم- وإذا أراد المعصية -إرادة كونية قدرية- كانت، فإن عذب فبحق، وإن عفا فبفضله ﷾].
[ ٤٠ / ٢٣ ]
قول زيد بن علي ﵀ في إثبات القدر
[جاء رجل إلى زيد بن علي فقال: يا زيد! أنت الذي تزعم أن الله أراد أن يُعصى؟ فقال له زيد: أيُعصى عنوة؟ قال: فاقبل يحظر].
[ ٤٠ / ٢٤ ]
قول ربيعة الرأي ﵀ في إثبات القدر
قال: [قال غيلان الدمشقي -قدري- لـ ربيعة: يا أبا عثمان! أيرضى الله ﷿ أن يُعصى؟ فقال له ربيعة: أفيعصى قسرًا؟] أي: هل يمكن أن يعصى الله رغمًا عنه وقسرًا عنه ﷾؟ فهذا لا يمكن.
[قال: ولا أعلمه إلا قال: يا أبا مروان].
[ ٤٠ / ٢٥ ]
قول سالم بن عبد الله بن عمر ﵀ في إثبات القدر
سأل رجل سالم بن عبد الله بن عمر فقال: [أيزني الرجل بقدر؟ قال: نعم.
قال: أشيء كتبه الله عليه؟ قال: نعم.
قال: فيعذبه عليه وقد كتبه عليه؟ قال: فحصبه] بحصى كانت في يده.
وقال النبي ﵊ في خطبته التي كان يكررها دائمًا: (من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له) أي: أن الهداية والإضلال بيد الله ﷿.
[ ٤٠ / ٢٦ ]
قول محمد بن سيرين ﵀ في إثبات القدر
قال: [قال يحيى بن عتيق: كنا في بيت محمد بن سيرين أنا وسالم بن قتيبة.
فقال سالم: لوددنا أنا علمنا ما قول محمد بن سيرين في القدر؟ قال: فدخل رجل فقلنا: سله ما يقول في القدر.
فسأله الرجل قال: فنكس محمد ونكسنا مطرقين -أي: أنه سكت وسكتنا؛ لأن الخوض في القدر مصيبة- ثم إن محمدًا قال: أيهم أمرك بها؟ ثم سكت ساعة ثم قال: إن الشيطان ليس له سلطان، ولكن من أطاعه أضله].
[ ٤٠ / ٢٧ ]
قول طاوس بن كيسان ﵀ في معبد الجهني
قال طاوس لأصحابه: [احذروا معبد الجهني فإنه قدري أو قال: فإنه كان قدريًا].
[ ٤٠ / ٢٨ ]
قول أبي قلابة ﵀ في إثبات القدر
قال أبو قلابة لـ أيوب: [يا أيوب! اضبط عني أربعًا -أي: احفظ عني أربع مسائل- لا تقولن في القرآن برأيك -لأن هذا محذور شرعي- وإياك والقدر -أي: أن تتكلم فيه- وإذا ذُكر أصحاب محمد فأمسك].
وأنتم تعلمون أن الشيعة وقعوا في جُل أصحاب النبي ﵊، بل لم ينج من ألسنتهم إلا نفر قليل من أصحابه ﵊، والنبي ﵊ فيما رواه الشيخان يقول: (لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) أي: أقل من النصف.
قال: [وإذا ذُكر أصحاب محمد فأمسك، ولا تمكن أصحاب الأهواء سمعك فيغيروا قلبك].
أي: احذر أن تجتمع بصاحب بدعة.
فهؤلاء الأئمة في الأزمنة السابقة كانوا يفرون من أصحاب البدع فرارهم من الأسد مع أنهم أئمة وكانت بإمكانهم مناظرتهم، فالحجة بأيديهم يقيمونها عليهم، ولكنهم ما فعلوا ذلك إلا ليقتدي بهم من يأتي بعدهم، فليس لك أن تقول: أنا من أهل العلم المجتهدين، وسأذهب لأناقش أصحاب التكفير والهجرة، ثم ما إن ترجع من مناقشتك معهم إلا وقد أخذت عنهم الكثير، ثم تقول بأنهم على حق، فهذا ليس ميدانك.
نكتفي بهذا، وصلى الله على محمد، وآله وأصحابه، وسلم تسليمًا كثيرًا.
[ ٤٠ / ٢٩ ]
الأسئلة
[ ٤٠ / ٣٠ ]
حكم تعليم الرجال للطالبات
السؤال
بمناسبة الإجازة الصيفية للطلبة والطالبات يسأل كثير من الإخوة في أحد المساجد عن مدى مشروعية تحفيظهم للتلميذات داخل المسجد مع تعليمهن بعض آداب الإسلام، علمًا بأن كثيرًا من أبناء وبنات المسلمين لا يعلمون عن الإسلام شيئًا، ولو تركناهم وخلينا بيننا وبينهم لزاد فسادهم وفسادهن، وبالتالي يزداد إفسادهن للغير، مع العلم بعدم وجود أخوات يقمن بتحفيظهن وتعليمهن، فإن جاز قيام الإخوة بهذه المهمة، فما هي الاحتياطات اللازم اتخاذها، وإن لم يجز فيتساءلون: ألم يكن النبي ﵊ يعلم النساء ويخص لهن يومًا يذهب إليهن فيه.
نرجو توضيح المسألة؟
الجواب
في الحقيقة تعليم البنات كتاب الله ﷿ وسنة النبي ﵊ أمر لازم لا يختلف فيه أحد، ولكن ما هي الضرورة إلى أن يتصدر إلى تعليم البنات رجل؟ خاصة وقد أثبت الواقع مفاسد لا نهاية لها، فإذا أرادت البنت أن تتعلم أو أراد والدها أن يعلمها فليأت لها بصاحبة مثلها تتعلم القرآن، وإذا كانت المسائل هذه في نطاق هذه المنطقة فأنا أدل الآباء والأمهات على إرسال أولادهن من الذكور والبنات إلى مسجد نور الإسلام، إذ يقوم على هذا الملتقى العلمي في الصيف إخوة أفاضل جدًا فيما يتعلق بتعليم الأولاد القرآن والآداب الإسلامية، وكذلك أخوات هنَّ نقابة قد أُجيزت، فالنقابات التي هناك حافظات خاتمات للقرآن الكريم، حاصلات على إجازة في رواية القرآن الكريم، وهن صاحبات دين كذلك ولا أزكي على الله أحدًا.
فأيهما يزيدك اطمئنانًا: أن تدفع بابنتك إلى شاب مراهق ربما يتسلط عليه الشيطان، أو إلى امرأة مثلها؟ إنما حينما تحتج بحديث النبي ﵊ أنه جعل للنساء يومًا يعلمهن فيه! فهذا الحديث صحيح في البخاري في كتاب العلم، ولكن الزمان قد اختلف، والقلوب قد اختلفت والواقع يشهد بذلك.
كما أنه لم يكن بين النساء وبين الرجال سترة في مسجد النبي ﵊ في الصلاة، والسترة مشروعة، لكنها لم تكن في زمانه لغلبة الإيمان، وحرص كل رجل على أن يتقرب بتقوى الله ﷿ إليه، وأن يتقيه من النار.
فليس لك أن تحتج على جواز أن تتكشف المرأة أمام الرجل، كما هو منهج بعض المساجد أو بعض الجمعيات وتقول: لا دليل على وجوب السترة بين الرجال والنساء، أو بين المعلم والمتعلم حتى وإن كان المعلم رجلًا والمتعلم أنثى! نقول: هناك أدلة، منها أن الله تعالى أمرنا: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣] وغير ذلك من الأدلة، لكن على فرض أن المسألة ليس فيها دليل فالواقع يشهد بلزوم الساتر والحاجز بين المرأة وبين الرجل، فإننا الآن نسمع عن مصائب لم تكن من قبل، فإنه لم يكن من أحوال القرون الأولى أنه كان رجل يقابل امرأة في الطريق فيجامعها، بل على السيارات، وهل نسيتم ما يحصل في داخل السيارات من اختلاط النساء بالرجال؟
[ ٤٠ / ٣١ ]
التداوي من الأمراض أمر مشروع
السؤال
هل التداوي من الأمراض -كما في الحديث- بالأسباب البشرية فقط أم بالأسباب الطبيعية الإلهية أي: الدعاء والعسل وغير هذا؟
الجواب
بالأمرين.
[ ٤٠ / ٣٢ ]
كتابة الأشياء عن المولود وهو في بطن أمه قابلة للمحو والإثبات
السؤال
الحديث الذي فيه أن الملك يؤمر بكتابة أربعة أشياء عن المولود، هل هذه الكتابة قابلة للمحو والإثبات؟
الجواب
نعم.
قابلة للمحو والإثبات؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩] وأم الكتاب: هو الكتاب المحفوظ، وهو لا يقبل محوًا ولا إثباتًا بعد الذي أُثبت فيه، أما الذي يقبل المحو والإثبات كما في الآية: «يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ» في الكتب التي بأيدي الملائكة.
فإنه كما في الحديث: (صلة الرحم تزيد في العمر)، أو (البر يزيد في العمر)، مع أن العمر هو الأجل، وإذا كان الأجل مكتوبًا على نحو واحد لا يتبدل ولا يتغير، فليس لهذا الحديث معنى إلا معنى قد قاله بعض أهل العلم: أن ذلك متعلق ببركة العمر.
لكن هناك تأويل آخر لهذا الحديث وهو: أن الله ﵎ علم أنه سيعطي ويمنح عبده هذا خمسين عامًا، وأخفى ذلك على ملك الأرحام فقال: اكتبه إن كان يصل الرحم فيعيش خمسين عامًا، وإن كان قاطعًا فيعيش ثلاثين عامًا.
فهل الملك هنا يعلم يقينًا أن هذا العبد سيعيش ثلاثين أم خمسين؟ الذي يعلم ذلك هو الله، فلما علم الله تعالى أن هذا العبد سيكون واصلًا للرحم كتبه في اللوح المحفوظ الذي لا يعلمه أحد غيره أن العبد سيعيش خمسين عامًا، ولكن ملك الأرحام إنما يكتب أن عمر العبد سيتردد ما بين الثلاثين إلى الخمسين، على حسب صلته للرحم أو قطعه لها، ولا يعلم ذلك يقينًا بالتحديد، فإذا بالعبد يكون واصلًا للرحم، فيمحى العمر الأول (٣٠) سنة، ويثبت له عمر (٥٠) سنة.
وهذا تأويل ابن القيم -وينقله عن كثير من أهل العلم- في كتابه الداء والدواء.
[ ٤٠ / ٣٣ ]
حكم خلط الثمار
السؤال
ما الحكم في خلط الثمار كالكوكتيل؟
الجواب
النبي ﵊ نهى عن الخليطين أو عن الثمرتين أن ينبذا جميعًا، فنهى كما في البخاري ومسلم عن خلط التمر بالبسر، وعن خلط التمر بالجنيب، والجنيب بالبسر، وأهل العلم اختلفوا في هذا فقالوا: النهي للتحريم، والجمهور: على أن النهي للكراهة، والراجح أنه للتحريم.
ثم ذكروا مسألة أخرى: هل الحرمة والكراهة متعلقتان بالمذكور نصًا؟ أي: أنها متعلقتان بأصناف الثمار المذكورة في الحديث؟ الظاهرية وبعض الحنابلة قالوا: بالمذكور نصًا، وجمهور أهل العلم على أن ذلك عام في كل الثمرتين.
أي: حينما تضع فراولة وموز وتنقعهم في الماء فهذا خلط قد نهى عنه الشرع.
وفي رواية المختار بن فلفل عن أنس ﵁ في سنن النسائي: (أن النبي ﷺ نهى عن الخليطين).
وهذا حديث عام يعم الثمار كلها؛ ولذلك ذهب أهل العلم في الكوكتيل إلى مذهبين: الحرمة والكراهة إذا كان ذلك نقعًا؛ لأن الانتباذ هو النقع.
[ ٤٠ / ٣٤ ]