اعتقاد أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي والسيئات، وقد وردت في ذلك الآيات الكثيرة، والأحاديث الصحيحة المستفيضة، والآثار عن الصحابة والتابعين.
[ ٤٦ / ١ ]
سياق ما روي عن النبي في أن الإيمان تلفظ باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.
أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [سياق ما روي عن النبي ﷺ في أن الإيمان تلفظ باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح].
وهذا معتقد أهل السنة والجماعة في الإيمان؛ ويتكون من ثلاثة أجزاء: الجزء الأول: وهو واجب اللسان، فلابد من التلفظ بالشهادة لمن كان قادرًا عليها، ثم ما تلفظ به يعتقده ويقر به جازمًا بذلك قلبه، ثم يعمل بمقتضى ما تلفظ به وما استقر في قلبه سواء كان ذلك من عمل القلب أو من عمل الجوارح.
هذا معتقد أهل السنة والجماعة: أن الإيمان لفظ باللسان، أي: النطق بالشهادتين، واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، فمن اعتقد ذلك اعتقادًا جازمًا وعمل بمقتضاه، ولكنه لم يتلفظ فإنه ليس مؤمنًا، بل ليس مسلمًا، ومن تلفظ ولكنه كره ما تلفظ به ولم يعمل بمقتضاه فإنه ليس مسلمًا، بل هو كافر، فمن تلفظ بالإيمان وجزم بذلك قلبه ثم قصر في العمل فعنده من الإيمان على قدر ما عنده من العمل، وعنده من النفاق والفسق على قدر ما فيه من تقصير في العمل.
على اختلاف بين أهل العلم في الأعمال المكفرة من غيرها، ومن الأعمال القلبية ما يجعل صاحبه كافرًا، ومنها ما يجعله صادقًا، فذكر أن الذي يبغض الله تعالى أو يبغض رسوله ﷺ أو يبغض الشرع، وإن أقر بلسانه وصام وصلى وزكى وحج فإنه عند الله كافر، وإن كان حكمه في الدنيا أنه مسلم؛ لأنه أتى بالشهادتين، لكنه عند الله تعالى كافر لبغضه لشرعه.
ومن عرف الإيمان بأنه معرفة الله ﷿ فقط، فهو جهمي، فإن الجهمية قالوا: الإيمان هو العلم.
إبليس عليه لعنة الله كان يعلم أن الله تعالى واحد، ولا يخفى عليه وحدانية الله ﷿، بل أبو طالب لما دعاه النبي ﵊ في مرض موته إلى أن ينطق بالشهادتين قال: إني لأعلم أنك على الحق، لكني أخشى أن تعيرني نساء قريش، يعني: هو كان يعرف ذلك.
فالإيمان ليس هو المعرفة فحسب ولا هو اليقين فحسب، بل هو عند أهل السنة والجماعة مجموع من ثلاثة: إقرار باللسان وهو نطق بالشهادتين، واعتقاد بالقلب، ثم عمل يصدق الإقرار والاعتقاد الجازم.
[ ٤٦ / ٢ ]
الأدلة على أن الإيمان قول باللسان
وأراد الإمام في هذا الباب أن يبين أدلة هذا عند أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان.
والأدلة من كتاب الله ﷿ ومن سنة النبي ﵊ على صحة ما عليه أهل السنة والجماعة، على أنه تلفظ باللسان؛ قول الله ﷿: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤].
هذه الآية لم تنف عن الأعراب أصل الإيمان، وإنما نفت كماله وتمامه، قالت الأعراب وزعمت الأعراب أنهم آمنوا، والله ﵎ رد عليهم زعمهم فقال: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، يعني: لم يدخل الآن، ولكنه سيدخل في المستقبل بالعمل، و(لما) لنفي الحال وجواز وقوعه في المستقبل.
لا أعني من هذا أن الله تعالى نفى عنهم الإيمان من أصله، ففي الدروس الماضية قد بينا الفرق بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق، فمطلق الإيمان: هو أصل الإيمان، والإيمان المطلق هو الإيمان الكامل.
إذًا: الله ﵎ نفى عنهم مطلق الإيمان؛ لأنهم لم يعملوا بعد، ولذلك أوقفهم الله تعالى عند حد الإسلام؛ لأنهم أقروا به ولم ينف عنهم أصل الإيمان؛ لأن المسلم إذا تلفظ بالشهادتين يلزمه أصل الإيمان بجوار الإقرار والنطق بالشهادتين حتى يكون مسلمًا صحيح الإسلام.
فلو قال إنسان تعوذًا: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؛ يعني: خائفًا من السيف؛ أول ما تمكن منه المسلم في ساحة الجهاد نطق بالشهادتين، لكنه لم ينطق بها معتقدًا بذلك قلبه وإنما مخافة السيف.
ولذلك أنكر النبي ﵊ على أسامة بن زيد لما قتل من نطق بالشهادتين في الجهاد؛ لما تمكن منه أسامة قال: (يا رسول الله! والله ما قالها إلا تعوذًا، قال: أشققت عن صدره؟)، يعني: ما يدريك أنه قالها تعوذًا ربما يكون صادقًا.
فهذا يدل على أن لنا الظواهر والله يتولى السرائر؛ فالله يتولى فعل هذا المتعوذ الذي اضطر حتى نطق بالشهادتين، ولذلك ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ [الحجرات:١٤]، ولم من ألفاظ النفي، لكنه لم ينف مطلق الإيمان وإنما نفى الإيمان المطلق؛ نفى كمال الإيمان وتمامه؛ لأن من نطق بالشهادتين يلزمه محبة هذه الكلمة والرضا بها، والاقتداء بسنة النبي ﵊، وتقديم محبة الله ورسوله على محبة غيره، وغير ذلك من مقتضيات وشروط هذه الكلمة؛ كالعلم واليقين والصدق.
فإذا جمع هذه الأعمال القلبية من الصدق والمحبة والرضا وغير ذلك إلى هذه الكلمة فهذا يسمى عمل القلب، وقد قلنا من قبل: إن الأعمال أعمال جوارح وأعمال قلب، أما أعمال القلب فهذه يطلق عليها من أول وهلة أصول الإيمان؛ ولو أن شخصًا نطق بالشهادتين ولم يكن في حال نطقه بالشهادتين مقرًا بقلبه بيقين وصدق وإخلاص وحب لهذه الكلمة لا يكون مسلمًا عند الله.
ولذلك لابد أن يجمع مع الإقرار محبة هذه الكلمة والصدق في نطقها، والاستعداد التام للعمل بمقتضاها والعلم بمعناها الحقيقي لله ﷿، وغير ذلك من شروط التوحيد.
فإذا اكتملت هذه الأعمال القلبية في حال النطق بالشهادة فيكون قد جمع أصول الإيمان في قلبه مع النطق بالشهادتين.
فإذًا: قول الله ﷿: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، أي: لم تؤمنوا الإيمان الكامل، وأصل الإيمان موجود في قلوبهم.
وهنا بين النبي ﵊ شرط نطق الشهادتين باللسان، وذلك لمن كان قادرًا على ذلك بخلاف من كان أخرس أو أبكم لا يستطيع أن ينطق، أو لا يستطيع أن يتكلم من أصله فإنه لا يلزمه ذلك إلا إذا علم ذلك بالإشارة، وإنما تكفيه الإشارة.
وما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله -أي: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا بألسنتهم لا إله إلا الله- فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ﷿).
[ ٤٦ / ٣ ]
الأدلة على أن الإيمان اعتقاد بالقلب
والدلالة على أنها اعتقاد بالقلب قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] أي: كماله وتمامه ليس موجودًا؛ ولكنه سيوجد في المستقبل، وقول الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:٧]، وموطن هذا الحب هو القلب: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ﴾ [الحجرات:٧]، وتفسير الآية: وحبب وزين الإيمان في قلوبكم.
إذًا: الحب والتزيين للإيمان محله القلب، ولذلك محبة هذه الكلمة شرط في صحة إيمان من قالها، ولذلك من قالها وهو يبغضها لا يكون عند الله مسلمًا مؤمنًا.
وقال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ﴾ [المجادلة:٢٢] أي: فرض في قلوبهم الإيمان، أي: جعله فرضًا في القلب لا يغادره، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة:٤١]، يقول بلسانه: أنا مؤمن كمال الإيمان، أما قلبه فليس فيه من الإيمان حبة خردل، ومحل الإيمان هو القلب.
وحديث أبي برزة الأسلمي وبريدة بن الحصيب والبراء بن عازب كلهم يروي عن النبي ﵊: (يا معشر من آمن بلسانه ولما يدخل الإيمان قلبه -يعني: يا معشر من زعم أنه مؤمن بلسانه ولما يدخل الإيمان قلبه- لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من اتبع عورتهم اتبع الله تعالى عورته حتى يفضحه ولو في جوف بيته)، أي: الجزاء من جنس العمل.
وهذا يدل على أن محل الإيمان في القلب.
والأدلة على أنه اعتقاد بالجنان -أي: القلب- قال الله ﷿: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]، فالعبادة على القلب والجوارح، «مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ» فأعاد إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة على إخلاص العبادة لله ﷿.
[ ٤٦ / ٤ ]
الأدلة على أن الإيمان عمل بالجوراح
لما كان الإخلاص عملًا قلبيًا وكذلك الزكاة والصلاة عمل من أعمال الجوارح جمع الله ﵎ العبادة في آية واحدة مما يدل على أن الإيمان يشمل عمل القلب وعمل الجوارح.
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف:١١٠]، أي: يؤمل أن يلقى الله ﵎ أحسن لقاء، ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠].
أما قوله: «وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا» فهذا يدل على شرط الإخلاص لله ﷿ وعدم الشرك به في القول والعمل، وهذا قوله: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف:١١٠] أي: فليعمل عملًا مستقيمًا من صلاة وزكاة وصيام وحج وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر وكل ما سوى ذلك من عمل شرعي يعمله الإنسان على وجه الصلاح، ووجه الصلاح لا يكون إلا باتباع النبي ﵊، وعدم إدخال الزيادة على العبادة، كما أنه لا يجوز له أن ينقص منها.
لابد أن يكون العمل الصالح مستقيمًا على منهاج النبي ﵊ بغير زيادة ولا نقصان، فالزيادة كالنقصان بدعة سواء بسواء.
أما عدم الشرك بالله ﷿ وهو الشرط الثاني من شرطي قبول العمل عند الله ﷿، قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]، هذا هو محل الشاهد.
والخير هنا بمعنى: العمل الصالح من الطاعات التي فرضها الله ﷿ على العباد، والعبد الذي يأتيه بعض آيات ربه وهو الموت في ساعة الاحتضار يتمنى ويقول: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]؛ لأنه يرى الحقائق في لحظة موته عيانًا بيانًا، فحينئذ يستبشر بلقاء الله ﷿ إذا كان من أهل الصلاح، أو يسوءه لقاء الله ﷿ وهو على هذا الحال، وفي هذا يقول النبي ﵊: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه)؛ لأن العبد إذا كان من أهل العمل الصالح بشر بمقعده من الجنة، ورأى مقعده من النار؛ لأن كل إنسان أعد الله ﵎ له مقعدًا في النار ومقعدًا في الجنة.
فالعبد الصالح في لحظة الاحتضار يرى مقعده من النار، والملائكة تبشره وتقول: يا فلان هذا مكانك من النار أبدلك الله ﵎ به مكانك في الجنة وهو هذا فانظر إليه، فحينئذ يستبشر ويفرح بلقاء الله ﷿، فالله ﵎ يرضى ويفرح بلقائه، وهو يفرح بلقاء الله ﷿.
وكذلك العبد السيئ الذي لم يعمل صالحًا، أو لم يكن لديه عمل يؤهله لدخول الجنة يرى مكانه من الجنة، والملائكة تبشره بالعذاب والسوء، فيقولون: يا فلان هذا مكانك في الجنة، ولكن الله أبدلك به مكانًا في النار فانظر إليه، فحينئذ يكره لقاء الله فيكره الله تعالى لقاءه.
فهنا لابد أن يجمع العبد في قلبه إيمانًا، هذا الإيمان يترجم ترجمة عملية في أداء الطاعات واجتناب المنهيات، والنبي ﵊ في مرض موته لما نزل إليه ملك الموت وبشره بالرفيق الأعلى، وما من نبي قبض إلا خير بين البقاء والقبض، وهذه علامة من علامات موت الأنبياء، فلما بشره ملك الموت بالرفيق الأعلى قال: (يا محمد أتبقى؟ قال: بل الرفيق الأعلى)، فعلمت ابنته فاطمة ﵂وكانت تحضر وفاته- أن أباها يحتضر ﷺ.
قال: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]، يعني: أتت من الأعمال الصالحة ما يؤهلها لهذا الخير.
وحديث الأعرابي لما عد عليه النبي ﷺ الأعمال، وهو حديث في الصحيحين طويل معروف يقول: يا رسول الله! ماذا علي من الصلاة؟ ماذا علي من الصيام؟ ماذا علي من الحج؟ ماذا علي من الزكاة؟ فكل مرة يقول: هل إذا فعلت ذلك فأنا مسلم صادق؟ قال: نعم.
ثم قال: بأن الإيمان يزيد وينقص، وهو قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان، وهذا مذهب الصحابة من تقدم ذكرهم في الرواية وغيرهم كـ عمر وعلي ومعاذ وعبد الله بن مسعود وابن عباس وأبي الدرداء وجابر بن عبد الله وغيرهم كثير، يعني: هذا مذهب السلف جميعًا.
وكذلك من التابعين الحسن وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير وزيد بن أسلم ومجاهد وهشام بن حسان و
[ ٤٦ / ٥ ]
حكم تارك الزكاة في الإسلام كحكم تارك الصلاة
قال: [وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن أبا هريرة أخبره قال: (لما توفي رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر بعده وكفر من كفر من العرب، فقال عمر: يا أبا بكر كيف نقاتل الناس، وقد قال رسول الله ﷺ: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال ذلك عصم مني ماله ودمه ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله؟ قال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه، قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق)].
هذا الحديث من أعظم الأحاديث وأجلها وأكثرها فوائد.
يقول فيه أبو هريرة: (لما توفي النبي ﵊ واستخلف أبو بكر وكفر من كفر من العرب) يعني: ارتد من العرب من ارتد، والردة هي الخروج والمروق عن الإسلام تمامًا، مع أن الأدلة قضت بأن في هؤلاء المرتدين الذين قاتلهم أبو بكر من لم يكونوا في الحقيقة مرتدين، بل كانوا مقرين بالزكاة، بل بنو يربوع جمعوا الزكاة -أي: زكاة أموالهم- وأرادوا أن يرسلوها إلى المدينة إلى أبي بكر وهو الخليفة بعد النبي ﵊ فمنعهم مالك بن نويرة وأخذ أموالهم فصرفها فيهم.
ولكن هؤلاء لم يتميزوا ولم يتحيزوا، وإنما كانوا في ضمن صفوف وبيوت هؤلاء المرتدين، والمرتدون الذين حاربهم أبو بكر على عدة أصناف: منهم أتباع مسيلمة الكذاب وأتباع الأسود العنسي، وهؤلاء مرتدون، وحتى في زمن النبي ﵊ كانوا من المنافقين وأنتم تعلمون ذلك.
وقسم آخر من هؤلاء جحدوا الإسلام فتركوا الصلاة والصيام والزكاة وغير ذلك.
وأما الصنف الثالث فمنهم من منع الزكاة متأولًا ومنهم من أدى الزكاة، ولكن مجموع هؤلاء جميعًا كانوا في صعيد واحد، وخطرهم على المدينة محدق، ولابد لـ أبي بكر أن يتخلص من هؤلاء حتى يستقيم له الأمر وإلا فهؤلاء يشكلون خطرًا عظيمًا جدًا على الإسلام، ولما لم يتحيز ويتميز هؤلاء الذين أقروا بالزكاة أو جمعوها بالفعل وأرادوا إرسالها ولكن منعهم مالك بن نويرة؛ فحينئذ حاربهم جميعًا أبو بكر الصديق ﵁؛ لأن هذا المعلوم في الإسلام بحكم الثغر.
إذا كان في ثغر من ثغور الإسلام بعض الأعداء وخطرهم محدق بالإسلام وأهله، ومع هؤلاء في نفس الموضع أناس من أهل التوحيد والإيمان، لكن لا يمكن تخليص هؤلاء من بين الأعداء كما لا يمكن التخلص من الأعداء إلا بقتلهم فيقتل الجميع ثم يبعث المسلم على نيته، ولذلك قاتل أبو بكر الصديق ﵁ هؤلاء جميعًا المتأول وغير المتأول، وعمر بن الخطاب ﵁ قامت عنده شبهة فقال: كيف تقاتل الناس وهم يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله، والنبي ﵊ يقول: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوها، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله)؟ فـ عمر نظر إلى صدر الكلام ولم ينظر إلى عجزه، فـ أبو بكر الصديق ﵁ انتبه إلى الشرط (إلا بحقها) أي: إلا بحق هذه الكلمة، وحق هذه الكلمة: أن يصلوا وأن يصوموا ويؤدوا الزكاة، فقال: يا عمر! لو أن الناس تركوا الصلاة أكنت تقاتلهم؟ قال: نعم.
هذا أمر مستقر لدى الصحابة أن من منع الصلاة أو ترك الصلاة يقاتل حتى يصلي، مع أنه تارك للصلاة وهو دائم على قوله: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وهذا كان أمرًا معلومًا مستقرًا لدى الصحابة ﵃ أن من ترك الصلاة قوتل حتى يرجع إليها وإلا قتل ردة، فلما كان هذا معلومًا مستقرًا عند عمر وعند غيره من الناس أراد أبو بكر الصديق ﵁ أن يلفت نظره إلى أن الصلاة كالزكاة، إذا كانت الصلاة هي علاقة العبد بربه، فكذلك الزكاة هي حق المال الذي فرضه الله ﷿.
فكما أن الله هو الذي فرض الصلاة هو كذلك الذي فرض الزكاة، فمن فرق بين الصلاة والزكاة قاتلته، لأن الذي يفرق لا حجة له بعد التفريق؛ لأن الله تعالى جمع بينهما في أكثر من سبعين آية في كتاب الله ﷿: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ فمن فرق بينهما وجعل لكل واحد منهما حكمًا فقد فرق بغير مسوغ وبغير دليل.
ولذلك قال: (فمن قال: لا إله إلا الله عصم مني ماله ودمه ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله).
وقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن
[ ٤٦ / ٦ ]
منهج الإيمان في الأخذ بالأسباب
قال: [وعن سعيد بن المسيب أن عمر قال: (يا نبي الله! أرأيت ما نعمل نحن الآن لأمر قد فرغ منه أو لأمر نستقبله استقبالًا؟)] هذا كلام جميل جدًا في القدر.
أي: الأعمال التي عملناها يا رسول الله أهي أعمال قد كتبت علينا وفرغ الأمر منها أو هي مستقبلية؟ قال: [(فقال النبي ﵊: بل لأمر قد فرغ منه، فقال عمر: فعلام العمل إذًا؟)] أي: لماذا نعمل؟ لأن هذا العمل قد كتبه الله ﷿ قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما في رواية مسلم، ألسنا نريد مقاتلة المشركين؟ فالله ﷿ إما أن يكون قد كتب النصر أو الهزيمة، من منا يعلم قبل بدء المعركة ما كتب لنا من نصر أو هزيمة؟ لابد من خوض المعركة.
فإذا كتب لنا النصر علمنا أن الله تعالى كان قد كتب لنا النصر، ولذلك سخرنا وهدانا لهذا النصر أخذًا بالأسباب، هل يستطيع إنسان أن يقول: أنا جائع ولا داعي للأكل، لأن الله تعالى لو كتب لي الشبع فإنه قادر على أن يشبعني دون أن أطعم أو أشرب، وكذلك من يريد ولدًا يقول: إن الله تعالى قادر على أن يرزقني الولد من غير أن أتزوج؟ هذا لا يمكن أن يقوله إنسان عاقل.
لابد من استعمال السبب، وترك السبب قدح في توحيد الله ﷿، كما أن الاعتماد على السبب شرك بالله ﷿.
ومعنى (فرغ منه) أي: علمه الله ﷿، ولما علمه كتبه في اللوح المحفوظ وسطره على العباد، لكن هل العباد يعلمون هذه القضية؟ هل العباد علموا ما كتب لهم وقدر؟ هل هم يعلمون ذلك إلا بعد أن يقع؟ فالعباد لا يعلمون ذلك.
فلذلك لابد من اتخاذ الأسباب، وبعد اتخاذ الأسباب يعلمون ما كان قد قدر لهم، لأن ربنا كتب كل شيء، فهو عنده في كتاب تحت العرش، وأنت ما أدراك أن هذا المكتوب خير أم شر، لك أو عليك؟ لابد من العمل حتى تدرك بعد ذلك ما كان قد قدر لك من الخير أو الشر.
كان أحدهم ممن لا يؤمن بالقدر وعنده فلسفات جدلية على القدر، وكان في إحدى زياراتي له ضرب ابنه ضربًا مبرحًا من أجل أن يجتهد في المذاكرة، والامتحان كان على الأبواب، مع أنه قبل ساعات طويلة كان يقول: إن كل شيء قدره الله ﷿، فلم العمل؟ نفس السؤال الذي عرضه عمر على النبي ﵊، ولكن عمر آمن بكلام النبي ﷺ فورًا، ولا يمنع أن يكون عمر سأل لأجل أن يتعلم الجاهل، فهذا لا يخفى عليكم.
فهذه العشرون عامًا أجرى الله ﵎ فيها أحكام الدنيا إلى قيام الساعة تأصيلًا أو فروعًا أو سياسة، ولذلك أحداث الدنيا إلى قيام الساعة لابد أن يكون لها أصلا في كتاب الله أو في سنة رسوله ﵊ أو في إجماع الأمة أو بالسند الصحيح، وهي مصادر الإسلام.
فقلت لهذا المخبول بعد أن ضرب ابنه: لم تضربه هذا الضرب كله؟ قال: الامتحان على الأبواب، وهو لا يريد أن يذاكر، قلت: ولم يذاكر؟ قال: حتى يوفق في الامتحان وينجح، قلت: إذا كان الله قدر له النجاح سينجح وإن لم يذاكر ويدخل الامتحان، فنظر وبحلق في عيني، قلت: هذه مثل تلك التي كنت تناقش فيها منذ ساعات؛ لأنه لم يكن يعمل، وكان يظن أن العمل شرك بالله ﷿، وهذا هو البرماوي وأنتم تعرفونه، ويعتقد أن هذا من باب التوكل على الله.
قلت: وما الذي يمنع ابنك أن يتوكل على الله أعظم من توكلك؛ بأن يجتهد في المذاكرة قبل دخول الامتحان، وعلى اعتقادي أن الله ﵎ لو أراد أن يجعله الأول على الجمهورية وعلى العالم كله لفعل ذلك؛ لأن كل شيء بيده ﷾، لكن لما كان كل شيء بيده ﵎ أمرنا باتخاذ الأسباب.
وقلت له بعد ذلك: يلعب ويمرح ويلهو ويأخذ الذي قدره الله ﷿ له، وعلمت بعد أيام من هذا اللقاء أنه رجع عما كان عليه؛ لأن مناقشته في قدرة الله ﷿ وإرادته في أمر قد مسه هو شخصيًا، لم يتلقاه عن شيخه المضل، وإنما تلقاه عن ولده الذي ربما يضيع لو ترك المذاكرة، والمذاكرة سبب من أسباب الله ﷿.
قال: [(قال عمر ففيم العمل؟ قال النبي ﵊: لا ينال إلا بعمل -يعني: هذا المفروغ المقدر لا ينال إلا بعمل- فقال عمر: إذًا نجتهد)]، إذا كان المقدر والمكتوب هذا لا ينال إلا بعمل، إذًا: لابد أن نجتهد ونعمل.
الله ﷿ كتب أن العبد لابد أن يعمل فعمل العبد هو كذلك مكتوب، والله ﵎ كتب أن إبراهيم سينجح وكتب أن إبراهيم سيذاكر، فالله كتب العمل وكتب نتيجته، فإذا كان هذا وذاك مكتوبان فلابد من الإتيان بهما.
قال: [وقال عمران بن حصين: (قال رجل: يا رسول الله! أعُلِمَ أهل الجنة من أهل النار؟ قال: نعم، قال: ففيم يعمل العامل)]، فالله ﷿ يعلم أهل الجنة من أهل النار، وما أدراك أنك من أهل الجنة أو من أهل النار؟ والله تعالى خلق الجنة وخلق لها أهلًا، وخلق
[ ٤٦ / ٧ ]
فضل شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله
قال: [وعن أنس ﵁ أن نبي الله ﷺ كان رديفه معاذ ﵁ على الراحلة فقال: (يا معاذ بن جبل -ثلاثًا- ومعاذ يقول: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا حرمه الله على النار)]، هاتان الكلمتان لهما مقتضيات، فمن تلفظ بهما وهو لا يعلم معناهما ولا يعرف أي شيء عنهما لا يصح هذا منه.
وآخر يقول هاتين الكلمتين ولكنه يبغض الرسول ﷺ أشد البغض لا يقبل منه هذا، ويكون هذا رياء ونفاقًا.
إذًا: هذه الكلمة عند إطلاقها ليست مقصودة في ذاتها، ولكن تنفع صاحبها إذا كانت مكتملة الشروط والأركان.
قال: [(يا رسول الله! أفلا أخبر به الناس)، معاذ بن جبل يقول: يا رسول الله! هل تأذن لي وتسمح أن أبشر الناس بذلك؟ قال النبي ﵊: [(إذًا يتكلوا)]، يعني: يتكلوا على مجرد القول، ويتركوا العمل.
قال: [(فأخبر بها معاذ في آخر حياته تأثمًا)]، يعني: مخافة أن يموت وهو كاتم العلم.
قال: [وعن سليم أبي عامر قال: (سمعت أبا بكر قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أخرج فأنادي من يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فله الجنة.
قال: فخرجت فلقيني عمر فسألني فأخبرته، فقال: ارجع إلى رسول الله ﷺ قل له: دع الناس يعملون فإنهم إن سمعوا اتكلوا عليه)].
وحديث أبي هريرة عند مسلم، قال ﵁: (كان النبي ﵊ في نفر من أصحابه، وفينا أبو بكر وعمر، فقام عنا فأبطأ علينا، فخشينا عليه، ففزعنا فكنت أول من فزع، فأتيت حائطًا من حوائط الأنصار فدرت به حتى وجدت جدولًا -والجدول الربيع أو قال: وجدت ربيعًا والربيع جدول- فاحتفزتُ كما يحتفز الثعلب، فلقيني النبي ﷺ وقال: أبا هريرة؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: ما شأنك؟ قلت: يا رسول الله! إنك كنت بيننا فقمت عنا، فأبطأت علينا وخشينا عليك، ففزعنا فكنت أول من فزع، فأتيت هذا الحائط، فمررت به علِّي أجد مكانًا أدخل منه، ولم أجد إلا جدولًا فاحتفزت كما يحتفز الثعلب، قال النبي ﵊: يا أبا هريرة خذ نعلي هاتين، أو خذ نعلي هذا واذهب، فمن لقيت خلف هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فبشره بالجنة، قال: فخرجت فكان أول من لقيني عمر، وقال: ما هذا يا أبا هريرة؟ قلت: هما نعلا رسول الله ﷺ فقص عليه القصة، فقال: أمرني النبي ﵊ أن آخذ نعله وأخرج خارج الحائط، فمن لقيته يشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله بشرته بالجنة، قال: فضربني عمر في صدري حتى خررت على استي، أو وقعت على مؤخرتي، قال: فقدمت إلى النبي ﷺ وعمر على إثري -يعني: عمر وراءه خطوة بخطوة- فلما دخلت على النبي ﵊ قصصت عليه ما كان من أمر عمر، فقال: يا عمر ما حملك على هذا؟ قال عمر: يا رسول الله أأنت قلت له كيت وكيت؟ -يعني: أنت الذي قلت له: اعمل كيت وكيت وكيت؟ - قال: نعم، قال: يا رسول الله! لا تفعل؛ خل الناس يعملوا، فقال النبي ﵊: خلهم يا عمر يعملوا) عمر ﵁ خشي أن يتكل الناس على مجرد النطق بهذه الكلمة، وأما النبي ﵊ فإنه يعلم علمًا يقينيًا أن من أتى بها مجردة عن العمل القلبي وعمل الجوارح لا تنفعه بين يدي الله ﷿، وخشي أن يتغير الزمان وتتقلب الأحوال ويكتفي الناس من إسلامهم وإيمانهم بمجرد الكلمة.
ولذلك وافق عمر على الفور في وجوب أو استحباب ستر هذه البشارة عن الناس؛ لأنه فعلًا ربما اتكلوا عليها، وأنتم ترون أن الناس متكلون عليها، يأتي العبد من العباد أفجر خلق الله لم يترك معصية إلا وهو في أوحالها بالليل والنهار، أما الطاعات فلا دراية له بها ألبتة، لسانه لسان الزنباوي؛ لأن الزنباوي من أيام الثورة سنة ١٩٥٧م، يقلب الحق باطلًا والباطل حقًا، فلم يكن أحد أشطر منه في الأفق، حتى ضرب بلسانه المثل بعد ذلك.
فتصور شخصًا تكلمه يقول لك: أتظن أنك لا تصلي إلا أنت، أبعد عني، أتعلمني كيف أصلي، وكيف أتوضأ وعمري ستون أو سبعون سنة؟ وهو لا يريد أن يتعلم، وهو يدعي أن قلبه أنظف القلوب، بل هذا القلب من أوسخ القلوب التي خلقت، فهو أوسخ من قلوب اليهود والنصارى.
فهذا دليل وعلامة من علامات النبوة أن النبي عليه الصلاة
[ ٤٦ / ٨ ]
كلام بعض السلف في معنى الإيمان ومقتضياته
قال: [وعن عدي بن عدي قال: كتب إلي عمر بن عبد العزيز]، وعدي بن عدي هو والي الجزيرة لـ عمر بن عبد العزيز في فترة خلافته.
قال: [كتب إلي عمر بن عبد العزيز: أما بعد: فإن للإيمان فرائض]، يعني: أعمالًا مفروضة مثل الصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك.
إذًا: الصلاة والصيام والزكاة والحج وغير ذلك من فرائض الإسلام هي من فرائض الإيمان كذلك.
قال: إن للإيمان فرائض، وهي الأعمال التي فرضها الله ﷿ على أهل الإسلام.
قال: [فإن للإيمان فرائض وشرائع]، هذه الشرائع هي العقائد الدينية، أو الأمور الغيبية الاعتقادية.
إذًا: عندنا الفرائض هي الأعمال المفروضة، وعندنا الشرائع هي المعتقدات.
إذًا: فجانب الاعتقاد يطلق عليه شريعة، وجانب الفرائض يطلق على الأعمال، والشريعة عمل قلبي، وهي: مجموعة الاعتقادات، والاعتقادات محلها القلب.
فيكون قول عمر هنا: إن للإيمان فرائض وشرائع، وفي رواية البخاري في مقدمة كتاب الإيمان أنه أورد هذا الأثر قال: إن للإيمان فرائض وشرائع وحدودًا وسننًا، والحدود هي التي ترتبت عن ارتكاب المنهيات.
قال: [وسننًا -أي: مندوبات- فمن استكملها استكمل الإيمان]، يعني: من أتى بالفرائض والشرائع وترك ما يستوجب الحد وأتى بالسنن والمندوبات والمستحبات فقد استكمل الإيمان.
وهذا يدل على أن الإيمان يزيد وينقص عند عمر بن عبد العزيز، من أتى بهذه الأعمال كلها سواء كانت اعتقادية أو عملية فقد استكمل الإيمان.
قال: [ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن عشت أبينها لكم حتى تعملوا بها]، ليس المقصود بيان الأصول، وإنما بيان الفرعيات الدقيقة؛ لأن الأصول مستقرة لدى التابعين.
قال: [فإن عشت أبينها لكم حتى تعملوا بها إن شاء الله، وإن مت فوالله ما أنا على صحبتكم بحريص.
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: أمرتم بالصلاة والزكاة فمن لم يزك فلا صلاة له]، يعني: أنتم أمرتم بالصلاة والزكاة، والأمر بهما مقرون في كتاب الله وفي سنة رسوله، فلم فرقتم بين هذا وذاك؟ قال: [فمن ترك الزكاة فلا صلاة له.
وقال: من أقام الصلاة ولم يؤت الزكاة فليس بمسلم ينفعه عمله.
وعنه قال: ما تارك الزكاة بمسلم.
وكان هشام بن حسان في حلقة بمكة فقيل له: ما كان الحسن يقول في الإيمان؟ قال: كان الحسن يقول: هو قول وعمل، وقيل للحسن: ما الإيمان؟ قال: الصبر والسماحة، قال: الصبر على محارم الله، والسماحة في فرائض الله]، فالصبر على ألا يقترف معصية من معاصي الله ﷿، والسماحة القيام بطاعة الله ﷿.
قال: [وقال عبد الله بن عبيد بن عمير: الإيمان قائد]-أي: الإيمان هو بمثابة القائد الذي يقودك إلى الله- والعمل سائق، والنفس حرون]، ومعنى حرون: تأبى عليه، يقال هذا حرون، أو هذا الحمار أو الحصان حرن، وهذه الكلمة عربية أصيلة، يعني: أن الدابة مهما ضربتها فإنها لا تنقاد.
فهو يقول: الإيمان قائد والعمل سائق، أي: الإيمان يقودك إلى الله والعمل معه بمرتبة السائق، والنفس بطبيعتها تأبى وترفض هذا، فمن تغلب على نفسه نفعه إيمانه وعمله.
قال: فإذا وني قائدها، كأنه يقول لك: إياك أن تضعف، إياك أن تفتر.
قال: [فإذا وني قائدها لم يستقم سائقها]، يعني: إذا نقص الإيمان لم ينفعه العمل، إذا وني قائدها لم يستقم سائقها، قال: [الإيمان بالله مع العمل والعمل مع الإيمان، ولا يصلح هذا إلا مع هذا حتى يقدمان على الخير إن شاء الله تعالى.
وعن إبراهيم التيمي قال: ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبًا]، أي: ما عرضت بزعمي الإيمان الكامل على عملي القليل النادر إلا خشيت أن أكون إنسانًا كذابًا، وهذا الكلام محمول منه على الورع الشديد جدًا في قوله هذا، وهذا هو الظن به.
فإذا كان إبراهيم التيمي لم يحقق كمال الإيمان، فمن الذي سيحققه؟ فكيف إذا أتى ورآنا ونحن في أسوأ حال؟ ومع هذا تجد منا من هو في منتهى الجرأة على الله فيدعي تمام الإيمان وكماله، ويقول بكل بجاحة: إن قلبي عامر بالإيمان! وكل هذا كذب وعواطف، وإبراهيم التيمي لم يكن يعرف هذا.
إبراهيم التيمي قد حقق أحسن الأعمال وأكملها وأتمها، ولكنه يقول: العملية أقل مما يطلب منا بكثير جدًا.
وقال عبد العزيز بن أبي رواد بعد أن سأل هشام بن حسان وهو في الطواف، ما كان الحسن يقول في الإيمان؟ قال: كان يقول: هو قول وعمل.
قال: [وعن زيد بن أسلم -وهو من أئمة المدنيين وسيد من سادات التابعين- يقول: لابد لهذا الدين من أربع]، يعني: حتى يستقيم لك دينك لابد من اجتماع أربع مسائل: قال: [دخول في دعوة المسلمين]، أي: ألا تفارق جماعة المسلمين.
[ ٤٦ / ٩ ]
مناقشة كلام أبي ثور في الإيمان وضوابطه
قال: [وعن إدريس بن عبد الكريم المقرئ قال: سأل رجل من أهل خراسان أبا ثور عن الإيمان]، وأبو ثور إمام كبير من الأئمة الفقهاء، وللأسف الشديد لا تعرفون مذهبه! قال: [سأل رجل أبا ثور عن الإيمان ما هو؟ وهل يزيد وينقص؟ وهل هو قول وعمل؟ فأجابه أبو ثور فقال: اعلم يرحمنا الله وإياك]، وهذا من المستحب أن يبدأ الإنسان بالدعاء لنفسه قبل الغير، فلا ينبغي أن يقول: يرحمك الله وإيانا.
قال: [أن الإيمان تصديق بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح]، وانتبه لهذه الوصية فإنها وصية جامعة، وفيها مناقشة عقلية رائعة.
قال: [اعلم أن الإيمان تصديق بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح، وذلك أنه ليس بين أهل العلم خلاف في رجل قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن الله تعالى واحد، وأن ما جاءت به الرسل حق وأقر بجميع الشرائع، ثم قال: ما عقد قلبي على شيء من هذا ولا أصدق به، أنه ليس بمسلم].
يعني: ليس بين أهل العلم خلاف أن هذا ليس بمسلم، هل قد سمعتم مثل هذا الكلام أيها الإخوة؟ فهذا الإنسان علم أو اعترف، ولم يستقر ذلك في قلبه، فليس بمسلم.
قال: [وأنه ليس بين أهل العلم قط خلاف في أن من قال ذلك ليس بمسلم، ولو قال: المسيح هو الله، وجحد أمر الإسلام، ولم يعتقد قلبه على شيء من ذلك أنه كافر في إظهار ذلك وليس بمسلم]، وهذا كلام جميل.
في الصورة الأولى يقول: أنه أقر بما يجب عليه أن يقر به بلسانه، ولم يعقد قلبه على ذلك ليس هو بمسلم، بل هو منافق.
وفي الصورة الثانية: أنه أقر بأن المسيح هو الله، وقال: إياكم أن تصدقوني أنا أضحك فقط؛ لأني في قرارة نفسي لا أعتقد أن المسيح هو الله، أرأيتم كيف أن هذه الصورة عكسية؟ في الصورة الأولى أقر بالإيمان بلسانه ولم يعتقده بجنانه، فهذا ليس بمسلم.
والصورة الثانية: أتى ما يستوجب الكفر وهو قوله: إن المسيح هو الله، وإن لم يعتقد ذلك في قلبه فلنا نحن الظاهر، والظاهر في الصورتين الكفر؛ لأنه لما أقر بالإيمان بلسانه، رجع مرة أخرى فأقر بلسانه وسمعناه يقول: أنه لم يعتقد شيئًا من هذا كله، وحكمنا عليه بالكفر؛ لأنه لما أقر بالإيمان رجع مرة أخرى فأنكره، وقال: لا تصدقوا أني أصدق شيئًا من هذا ولم يستقر منه شيء في قلبي.
والصورة الثانية: نطق بالكفر، وهو قوله أن المسيح هو الله، وأنكر شرائع الإسلام، فمثلًا تقول له: صل يا فلان، يقول لك: صلاة ماذا؟ وما هذه الصلاة؟ أنترك أعمالنا ونذهب إلى هذه الصلاة؟ أتظن أننا غير مشغولين؟! أو تقول له: زك يا فلان، فيقول: ولمَ أزك؟ والنبي قد مات، وكلما تكلمه في فريضة من فرائض الإسلام ينكرها ويركض كالحمار، ومع هذا يقول: المسيح هو الله، أو ابن الله، هذا لا يكون مسلمًا، فالذي لا يكفره يكون كافرًا.
قال: [ولو قال: المسيح هو الله، وجحد أمر الإسلام، قال: لم يعتقد قلبي على شيء من ذلك أنه كافر بإظهار ذلك وليس بمؤمن.
فلما لم يكن بالإقرار إذا لم يكن معه التصديق مؤمنًا، ولا بالتصديق إذا لم يكن معه الإقرار مؤمنًا حتى يكون مصدقًا بقلبه مقرًا بلسانه] يعني: الإقرار باللسان لا يكفي، وجزم القلب وتصديق القلب بذلك مع عدم الإقرار وإمكانية الإقرار، هو كذلك ليس بمسلم.
قال: [فإذا كان تصديق بالقلب وإقرار باللسان كان عندهم مؤمنًا]، فإذا كان إقرار باللسان وتصديق بالجنان -أي: بالقلب- كان عند البعض مؤمنًا.
قال: [وعند بعضهم لا يكون حتى يكون مع التصديق عمل، فيكون بهذه الأشياء إذا اجتمعت فيه مؤمنًا.
فلما نفوا أن الإيمان شيء واحد وقالوا: يكون بشيئين في قول بعضهم وثلاثة أشياء في قول البعض الآخر لم يكن مؤمنًا إلا بما اجتمعوا عليه]، يعني: البعض قالوا: إذا أقر بلسانه واعتقد بقلبه فهو مؤمن، والبعض الآخر قالوا: هذا الذي يقر بلسانه ويعتقد بقلبه والجوارح تصدق ذلك، بأن يعمل بمقتضى الإقرار والتصديق هذا الذي يكون مؤمنًا.
والذين قالوا: إن المؤمن هو من أقر بلسانه وصدق بقلبه وفرط في العمل أو لم يعمل لا يختلف مع من يقول بوجوب العمل وهذا هو الإيمان، يعني: الذي يقول الآن بعدم وجوب النقاب، هل يقول بعدم الاستحباب؟ فنفي الوجوب لا ينفي الاستحباب.
فالذي ينفي شيئًا يثبت ما هو دونه من دون الوجوب ويثبت ما هو فوقه من باب الاستحباب، فالذي يقول: إن النقاب ليس بواجب على المرأة، يقول: ولو انتقبت لكان ذلك أفضل.
إذًا: ينفي الوجوب لأجل الاستحباب، فالذين يقولون: الإيمان يثبت بالإقرار باللسان والتصديق بالقلب، هم من باب أولى يثبتون الإيمان بالدرجة الأولى لمن جمع إلى هذين العمل، فيتفقون مع من يوجب العمل، لكن يختلفون في مسألة واحدة أن هذا العمل شرط أم ليس بشرط؟ القول الأول: العمل ليس شرطًا في الإيمان، والثاني: العمل شرط في الإيمان، لكنهما يجتمعان في أن العبد إذا عمل لكان هذا إيمانًا.
قال: [فلا ندع ما اجتمعوا عليه لما اختلفوا لها]، يعني: إذا كان هذا إيمانًا فلا ندع ما اجتمعوا عليه من لزوم العم
[ ٤٦ / ١٠ ]