اختلف السلف ﵏ في مسألة الاستثناء في الإيمان إلى مذاهب مختلفة، والصواب -كما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية- هو التفصيل، وهو أنه إن صدر الاستثناء عن شك فهو حرام، وإن صدر تورعًا من العبد مخافة أن يزكي نفسه فهو واجب.
والأدلة على ذلك كثيرة في الكتاب والسنة، ولم يخالف في ذلك إلا المبتدعة كالمرجئة القائلين بحرمة الاستثناء في الإيمان.
[ ٤٩ / ١ ]
سياق ما ذكر في وجوب الاستثناء في الإيمان
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد.
فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أما بعد.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [سياق ما ذُكر من كتاب الله ﷿ وما روي عن رسول الله ﷺ والصحابة، والتابعين من بعدهم، والعلماء الخالفين لهم في وجوب الاستثناء في الإيمان].
[ ٤٩ / ٢ ]
المذاهب في حكم من قال: (أنا مؤمن إن شاء الله)
جاء في الحديث: (من حلف فاستثنى -أي: في يمينه- لم يحنث) أي: لو قال رجل: والله لأفعلن كذا إن شاء الله فإن لم يفعل فلا حرج عليه ولا كفارة، لأنه علق الفعل على مشيئة الله ﷿، فهل يجوز لمسلم أن يقول: أنا مؤمن بغير أن يعلق هذا الإيمان على مشيئة الله ﷿، أي: بغير أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله؟ هذه المسألة أخذت مآخذ وردودًا عند أهل العلم قديمًا وحديثًا، وهذه القضية فيها أربعة مذاهب: المذهب الأول: وهو مذهب الأحناف قالوا بحرمة الاستثناء، أي: أنه لا يجوز عند الأحناف أن يقول المؤمن أو المسلم: أنا مؤمن إن شاء الله، أو تعليق الإيمان على المشيئة، وهذا الحكم جريًا عندهم على أن الإيمان هو التصديق أو القول، وهذا هو مذهب الجهمية من قبلهم.
فقالوا بحرمة الاستثناء، لأن الإيمان عندهم هو التصديق بالقلب، أو هو قول اللسان، ويقولون: هذا التصديق لا يتصور نزوله إلا إلى الكفر البواح، وأن التصديق عندهم لا يقبل الزيادة والنقصان، ولذلك هم يقولون: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، لأن الإيمان عندهم تصديق، كما أن الإيمان عند الجهمية قول باللسان وقد قال، أي: قد نطق بالشهادتين وقال: أنا مؤمن بالكتاب والسنة وغير ذلك، فلا يتصور الرجوع عن هذا القول باللسان ولا ترك الاعتقاد القلبي أو التصديق عند المرجئة إلا من باب الشك.
ولذلك يقولون: من استثنى في الإيمان فإنما مرده إلى الشك في إيمانه، ولذلك يسمون أهل السنة الذين يقولون بوجوب الاستثناء بأنهم شكاكون، وهذا المصطلح معروف في كتب الاعتقاد التي صنفها المرجئة والجهمية، لأن الإيمان عندهم تصديق وقول أو تصديق أو قول، وقد قالوا وقد صدقوا، فلا يشكون ولا يعلقون هذا الإيمان على مشيئة الله ﷿، لأنه قد وقع منهم حقيقة، فلماذا يعلقونه إذًا؟ المذهب الثاني: وهو مذهب عامة السلف يقولون بوجوب الاستثناء، وهذا يعتبر مذهب مناقض للمذهب الأول، فالمذهب الأول يقول بحرمة الاستثناء، وهذا المذهب يقول بوجوب الاستثناء.
وهذا المذهب اعتمد على اعتبارين: الاعتبار الأول: أن الإيمان هو ما يُختم به للمرء لا ما يحيا به، فالعبرة عند عامة السلف في الإيمان بما يُختم للعبد به، وهذا في المستقبل.
فربما عاش العبد في إيمان فيما يبدو للناس وخُتم له بغير ذلك، كما في حديث عبد الله بن مسعود (وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها).
فالأعمال بالخواتيم كما أخبر النبي ﵊، والإيمان عمل قلب وعمل جوارح، وإذا كانت هذه الأعمال بالخواتيم فإن الإيمان إنما يُحكم به للعبد إذا خُتم له بذلك، والعبد لا يعلم ذلك من نفسه؛ لأن هذا أمر سيكون في آخر حياته، فكيف يتعرف عليه العبد؟ فهم يقولون: لا بد أن يقول العبد: أنا مؤمن إن شاء الله، أي: إن قدر لي ذلك في المستقبل وختم لي به، وإلا فأنا لا أعرف شيئًا.
الاعتبار الثاني بهذا المذهب: هو أن عدم الاستثناء تزكية للنفس، وشهادة لها بأنها من الأتقياء الأبرار.
فلو قال عبد: أنا مؤمن، فكأنه يقول: أنا من أهل الجنة، مع أن بعض الصحابة ﵃ رغم أنهم مبشرون بالجنة كانوا يخافون أشد الخوف على أنفسهم من النفاق في أعمالهم وأقوالهم، وقد ورد هذا عن أبي بكر وعمر وعثمان، وهذا يعني أنهم لا يأمنون مكر الله ﷿، ولا يعرفون ما يُختم لهم به، ولذلك قال عامة السلف أن الاستثناء في الإيمان واجب من باب الهروب من تزكية المرء نفسه.
وعلى العبد أن يأتي بجميع المأمورات وأن يكون قد ترك جميع المنهيات، وأن عبدًا ما ليس في وسعه أن يفعل هذا كله، فالعبد الكامل الإيمان إنما هو الذي حقق المأمورات وترك المنهيات، ومن من الناس لم يقع في معصية؟ أو لم يترك أمرًا أمر الله ﷿ به أو أمر به رسوله ﵊؟ فإذا كان أحدنا فرط في الأمر أو اقترف النهي، فكيف يزعم أنه مؤمن كامل الإيمان حينئذ؟ إذًا: عندنا مذهبان: مذهب يقول بحرمة الاستثناء وهو مذهب المرجئة والجهمية.
والمذهب الثاني وهو مذهب عامة السلف: القائل بوجوب الاستثناء تحقيقًا لمخافة الله ﷿ وخشيته، وهروبًا من تزكية المرء نفسه، وكذلك هروبًا من الشهادة لنفسه بأنه من الأتقياء الورعين المتقين.
والمذهب الثالث: يذهب إلى التفصيل، فإن صدر الاستثناء عن شك في أصل الإيمان فهذا بلا شك حرام بل كفر.
فعندما يسألك سائل: هل أنت مؤمن؟ تقول: أنا لا أعلم ذلك من نفسي هل أنا مؤمن أم لا وما معنى الإيمان؟ فإنه إذا صدر جوابه هذا من باب الشك في الإيمان وأصوله فلا شك أنه كافر.
وإن صدر استثناؤه في الإيمان من باب التورع عن التزكية والشهادة فهو واجب مخافة الوقوع في التزكية وإثبات أنه من المتقين أو الأبرار أو من أهل الجنة.
المذهب الرابع: هو التوقف واعتبار أن توجيه مثل هذه الأسئلة بدعة في الدين، ولذلك أنكرها كثير من السلف كالإمام
[ ٤٩ / ٣ ]
الأدلة على وجوب الاستثناء في الإيمان
أما الإمام اللالكائي فإنه رجح المذهب الثاني القائل بوجوب الاستثناء، فذكر من أدلة ذلك: [من كتاب الله ﷿ قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ [الفتح:٢٧]]، أي: أن الله تعالى علم أنه لا بد ولا محالة أنهم داخلون المسجد الحرام.
قال: [وقوله تعالى كذلك: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤].
وقال تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢] والمؤمنون يكونون في الجنة قال النبي ﵊ حين دخل المقبرة: (إنا إن شاء الله بكم لاحقون)]، مع أنه لو قال: إنا بكم لاحقون لما أخطأ في ذلك، لأنه لا محالة سيموت الأحياء ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، فلماذا علق اللحوق بأصحاب القبور والموتى على المشيئة؟ مع أن ذلك لا بد أنه واقع.
وروي عنه ﵊ بسند ضعيف: (من تمام إيمان المرء استثناؤه في كل كلام) أي: تعليق كل كلام المرء على مشيئة الله ﷿.
وروي عن عمر وهو كذلك حديث ضعيف قال: من قال أنا مؤمن حقًا فهو كافر حقًا، وهذا كلام لم يثبت عنه ﵁.
[ ٤٩ / ٤ ]
القائلون من الصحابة والسلف بالاستثناء في الإيمان
وروي عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وعائشة وابن أبي مليكة الاستثناء في الإيمان.
قال ابن أبي مليكة: أدركت كذا وكذا من أصحاب رسول الله ﷺ ما مات رجل منهم إلا وهو يخشى النفاق على نفسه.
وابن أبي مليكة أدرك أكابر الصحابة.
أما التابعون فمنهم طاوس والحسن ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي وأبو البختري سعيد بن فيروز والضحاك والأعمش ومنصور وإسماعيل بن أبي خالد وعطاء بن السائب وحمزة الزيات وعمارة بن القعقاع ومغيرة بن مقسم ويزيد بن أبي زياد وليث بن أبي سليم ومحل بن خليفة.
ومن الفقهاء كذلك ابن شبرمة ومعمر والثوري وابن عيينة وجرير وابن المبارك والقطان قالوا جميعًا: وما أدركت أحدًا من أصحابنا وما بلغني عنه إلا الاستثناء.
وكذلك عن أحمد وأبي عبيد وأبي ثور الاستثناء في الإيمان.
[ ٤٩ / ٥ ]
الاستثناء في الدعاء عند المقابر
قال: [وعن ابن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن النبي ﷺ: (كان إذا أتى على المقابر) أي: زار المقابر، وفي رواية سفيان: (كان النبي ﵊ إذا خرجنا إلى المقابر قال: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، أنتم لنا سلف، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية)].
الشاهد هنا: (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) فحينما علم النبي ﷺ أنه لا محالة هو وجميع الخلق لاحقون بأهل القبور، فلماذا علق ذلك على المشيئة؟ قال: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: (خرج رسول الله ﷺ إلى المقبرة فسلم على أهلها فقال: سلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون).
وعن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان يخرج إلى البقيع فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غدًا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد).
وعن أنس: (أن النبي ﷺ أتى البقيع فقال: سلام عليكم وإنا بكم لاحقون إن شاء الله، أسأل الله ألا يحرمنا أجركم ولا يفتنا بعدكم)].
[ ٤٩ / ٦ ]
عدم حصول الولد لسليمان ﵇ لعدم استثنائه
قال: [وعن أبي هريرة ﵁: (أن نبي الله سليمان ﵇ كان له ستون امرأة فقال: لأطوفن الليلة على النساء، وستحمل كل امرأة، ولتلدن فارسًا يقاتل في سبيل الله، قال: فطاف على نسائه فما ولدت منهن إلا امرأة ولدت شق إنسان، أي: إنسانًا معيبًا، فقال نبي الله ﷺ: لو كان سليمان استثنى لحملت كل امرأة منهن فولدت فارسًا يقاتل في سبيل الله) وفي رواية أخرى أن النبي ﷺ قال: (قال سليمان: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة كلهن يأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحب -أي صاحب سليمان-: قل: إن شاء الله، فلم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهن جميعًا فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، والذي نفس محمد بيده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون)]، أي: لأتت كل امرأة بولد فارس يجاهد في سبيل الله ﷿.
والحديثان في الصحيحين.
[ ٤٩ / ٧ ]
استثناء النبي في إخباره أنه أتقى الخلق وأعرفهم بالله
قال: [وعن عائشة ﵂ أن رجلًا قال: (يا رسول الله إني أُصبح جنبًا وإني أريد الصيام، فقال النبي ﵊: وإني أُصبح جنبًا وإني أريد الصيام فأغتسل ثم أُصبح من ذلك صائمًا، فقال الرجل: إنك لست مثلنا قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب رسول الله ﷺ فقال: والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقيه)] أي: بما أتقي من عذاب الله ﷿، أو بمن أتقي أي: بالله ﷿.
فالنبي ﵊ رد على هذا الرجل الذي يقول: أنا أُصبح جنبًا وإني أريد الصيام، فماذا أصنع؟ أي: يؤذن الفجر ويدخل وقت الصبح وأنا جنب، وإني أريد الصيام، فقال النبي ﵊ لهذا السائل: وأنا يحدث لي مثل الذي يحدث معك، فأُصبح جنبًا من جماع غير احتلام فأغتسل وأصلي الصبح، ثم أصوم ولا يمنعني هذا.
قال: يا رسول الله! إنك لست كهيئتنا، أنت رجل قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وأنت خير الخلق، وأنت أول من ينشق عنه القبر، وأنت الشافع المشفع، وأنت وأنت وظل يعدد من خصائص النبي ﵊، أي: أنت في غنى عما نحن فيه.
وقصة الثلاثة الذين أتوا إلى بيته يسألونه عن عبادته، فلما أُخبروا بها كأنهم تقالوها قالوا: إنما يلزمنا أن نجتهد في العبادة، أما النبي ﵊ فإنه قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه، أما نحن فنؤاخذ بذنوبنا، فنحن نحتاج إلى مزيد من الطاعة حتى تشفع لنا طاعتنا عند ربنا.
فقال النبي ﵊: إذا كنتم تقولون إنني أول من تنشق عنه الأرض وقد غفر الله لي وكذا وكذا وظللتم تعددوا من خصائصي ومناقبي، كأنه أراد أن يقول لهم هذا، فإن الذي قد حباه الله تعالى بهذه الخصائص إنما يلزمه أن يكون أخشى الناس لله وأتقاهم له، وإن العبد إنما يعبد ربه على نحو خوفه ورجائه في الله ﷿، فإذا كان النبي ﵊ هو أعلم الناس بالله فلا بد أنه أعلم الناس بما عنده من نار وبما عنده من جنة بما عنده من ثواب وبما عنده من عقاب، فالذي يعلم ما عند الله من خير وشر، من جنة ونار، من ثواب وعقاب أحق الناس بالعبادة، ولكن الفارق بين عبادة المذنب وعبادة غير المذنب أن عبادة غير المذنب إنما هي عبادة شاكر، أما عبادة المذنب فإنما هي عبادة مستغفر يرجو أن يغفر الله تعالى له ذنبه.
ولذلك قال: (والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقيه) والحديث أخرجه مسلم.
[ ٤٩ / ٨ ]
استثناء النبي في ادخاره دعوته لأمته يوم القيامة
قال: [وقال أبو هريرة ﵁: قال النبي ﷺ: (لكل نبي دعوة دعا بها في أمته فاستجيب له)]، أي: كل نبي له دعوة واحدة مستجابة وهي الدعوة العامة التي تخص الأمة بأسرها، فكل نبي استنفد دعوته في أمته إلا نبينا ﵊ قال: [(وإني أريد إن شاء الله أن أدخر دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)]، فلماذا قال: إن شاء الله مع أن الله تعالى خيره بين أن يدعو بدعوته أو أن يدخرها شفاعة لأمته في عرصات القيامة، فاختار اختيارًا سبق وانتهى أمره وحسم بأن النبي ﵊ قال: (وإني ادخرت دعوتي شفاعة لأمتي في عرصات القيامة) فلماذا حينما أخبر ﵊ بأنه ادخر دعوته علق ذلك على المشيئة؟ مع أن هذا قد مر وانتهى.
قال: (لكل نبي دعوة دعا بها في أمته فاستجيب له، وإني أريد إن شاء الله) وهذا الشاهد (أن أدخر دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة) والحديث كذلك أخرجه مسلم.
[ ٤٩ / ٩ ]
في ذكر صفات المؤمن والمسلم
قال: [وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: خطب عمر ﵁ الناس بالجابية وهي قرية بالشام فقال: إن رسول الله ﷺ قام في مثل مقامي هذا، أي: صعد المنبر فخطب الناس ووعظهم فكان فيما قال: (من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن).
من سرته حسنته أي: من فرح بطاعته واغتم لذنبه، فهذا علامة إيمانه.
وعن عامر الشعبي قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ فقال له: أخبرني ما حفظت من رسول الله ﷺ؟ فقال عبد الله: سمعته ﷺ يقول: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)].
المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، مع أن تعريف الإسلام غير ذلك، لكن النبي ﵊ أراد أن يعالج أمرًا عند السائل قال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) وذكر اللسان واليد على جهة الخصوص؛ لأن معظم الأذى إنما يقع بهما ومنهما، معظم الأذى يقع باليد التي تبطش وباللسان الذي ينم ويغتاب ويعير وغير ذلك فمن حفظ لسانه ويده فقد حقق كمال الإسلام الذي هو الاستسلام والخضوع لله ﷿.
والمهاجر عند الإطلاق يعني الذي يهاجر من بلاد الكفر إلى بلاد الإيمان، وأصل الهجرة كانت من مكة إلى المدينة، وهذه الهجرة منسوخة إلى يوم القيامة؛ لأن مكة دار إيمان إلى قيام الساعة، أما النبي ﵊ فإنه عرف المهاجر هنا بالتعريف العام للهجرة لا التعريف الخاص، فقال: (المهاجر من هجر ما نهى الله عنه)، وفي رواية قال: (المهاجر من هجر المعاصي) والمعنى واحد.
[ ٤٩ / ١٠ ]
الحكم لمعين بالشهادة
قال: [وقال عمر ﵁: (لما كان يوم خيبر قُتل نفر من أصحاب النبي ﷺ، فقالوا: فلان شهيد حتى مروا على رجل فقالوا: فلان شهيد، فقال النبي ﵊: كلا إني رأيته في النار في بردة غلها أو عباءة غلها، ثم قال رسول الله ﷺ: يا ابن الخطاب اذهب فناد في الناس أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون) والحديث أخرجه مسلم].
إذا قلت لفلان إنه شهيد فكأنك تقول إنه من أهل الجنة؛ لأن الشهداء في الجنة، لكن الحرج أن تشهد لفلان بعينه أنه شهيد، فكأنك قلت: فلان بعينه من أهل الجنة، وأنت لا تعلم ما صنع.
ولذلك حينما قُتل هذا الرجل في يوم خيبر، وأنتم تعلمون أن خيبر كانت بين اليهود وبين المؤمنين، وأن القتلى الذين يكونون في مثل هذه المعارك إما قتلى في معسكر الإيمان أو في معسكر الكفر، فأما من قتل في معسكر الكفر فهو في النار لا محالة؛ لأنه مات على الكفر، إلا أن يكون أخفى إسلامه، ولم يقاتل وإنما خرج قهرًا أو قسرًا وجبرًا وأخفى إسلامه مخافة القتل، فهذا بلا شك على معصية في تكثير سواد المشركين، لكن إن دعته دواع للخروج لقتال معسكر الإيمان ولكنه لم يشارك حقيقة في القتال ومات بسيف الإيمان بسبب قتال معسكر الإيمان فهو من أهل الإيمان ومن أهل الإسلام.
أما الذين يموتون من معسكر الإيمان فلا يقطع لهم بالشهادة، إنما نرجو الله أن يتقبلهم في الشهداء، أما القطع لهم بالشهادة حتى لو كانوا من أصحاب النبي ﵊ فلا يجوز، ولذلك من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة أنهم لا يشهدون لأحد بجنة ولا نار إلا من شهد الله ﵎ له في كتابه، أو شهد له الرسول ﷺ في صحيح سنته.
ولذلك فالصحابة ﵃ إنما ساروا على الأصل الأصيل عندهم، وأن من مات في القتال مع العدو فهو شهيد، فساروا بين القتلى وهم يقولون: هذا فلان نعرفه كان في معسكرنا إنه شهيد، وهذا فلان كان في معسكرنا وإننا نعرفه هو فلان بن فلان فهو شهيد، لأنه قُتل في معركة بين المؤمنين والكفار فقال النبي ﵊: (كلا والله إني رأيته في النار في بردة غلها أو في عباءة غلها).
والذي يحول بين العبد وبين الشهادة بردة أو عباءة أخذها من الغنيمة قبل توزيعها، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران:١٦١]، ويحرم على النبي ﷺ أن يأخذ شيئًا من الغنيمة قبل توزيعها؛ لأنه له فيها الخمس ولا شيء له بعد ذلك.
فقال: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٦١] حتى لو كان نبيًا، والغلول كبيرة من الكبائر، ولا يمكن أن يقع النبي في كبيرة، ولكن الله تعالى ضرب هذا المثال لفظاعة الغلول، وأنه مهلك، وأنه حائل بين العبد وبين دخوله الجنة، ولذلك قال: (كلا، إني رأيته في النار في بردة غلها أو في عباءة أو شملة غلها)، ولذلك حينما رأى الصحابة ﵃ رجلًا يقاتل قتالًا عنيفًا حتى أن هذا القتال أثار إعجابهم جميعًا قالوا: إن فلانًا يمشي بيننا وهو من أهل الجنة، كأنهم كانوا ينظرون إليه ويعجبون به أيما إعجاب، يظنون أنه من أهل الجنة، بسبب قتاله وقوته وشدته على العدو، فقالوا للنبي ﵊: (والله يا رسول الله إنا لنرى فلانًا من أهل الجنة، فقال: وإني لأراه من أهل النار) أي: أنتم ترونه من أهل الجنة وأنا أراه من أهل النار، ففزع الصحابة أيما فزع لهذا، إذا كان هذا الرجل على قوة قتاله وتقدمه في صفوف الأعداء من أهل النار، فكأنهم قالوا: فما بالنا نحن؟ قال أحدهم: فتبعت هذا الرجل، فكلما أسرع أسرعت وكلما وقف وقفت أنظر ماذا يصنع؟ أي: ماذا يأتي من الأعمال التي تجعله من أهل النار لا من أهل الجنة، فقال: فأُصيب بسهم فلم يصبر عليه، فوضع ذبابة سيفه في بطنه فاتكأ عليه فخرج من ظهره فقتل نفسه، فذهب هذا الرجل مسرعًا إلى النبي ﵊ وقال: (يا رسول الله أترى هذا الرجل الذي قلنا فيه إنه من أهل الجنة وقلت فيه إنه من أهل النار، لقد صنع في نفسه كيت وكيت، فقال النبي ﵊: الحمد لله أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله) فالأعمال بالخواتيم أسأل الله أن يحسن خاتمتنا جميعًا.
فقال: (يا ابن الخطاب اذهب وناد في الناس أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون).
[ ٤٩ / ١١ ]
حكم الشهادة لأحد بأنه من أهل الجنة
قال: [وقال علي بن أبي طالب ﵁: الإرجاء بدعة، والشهادة بدعة]، أي: الشهادة لأحد بأنه من أهل الجنة بدعة مخالفة لمعتقد السلف ومعتقد أهل السنة، والبراءة كذلك بدعة.
قال: [ويقول ابن مسعود: من شهد على نفسه أنه مؤمن فليشهد أنه في الجنة].
هل يستطيع أحد منا أن يقطع لنفسه بأنه من أهل الجنة؟ والله لقد قطع رجل لنفسه بأنه من أهل الجنة فمات على الكفر البواح وارتد عن الدين تمامًا، وصنف كتبًا يسب فيها الإسلام.
قطع لنفسه بالجنة فحول الله تعالى قلبه، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فيصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، والعكس بالعكس.
والبراءة مختلف فيها، ولذلك يقول المحشي: البراءة المراد بها ما يفعله الخوارج مع بعضهم البعض ومع غيرهم إذا خالفهم في أمر فإنهم يتبرءون منه، ولا يكاد يخلو هذا الوصف في عقائد جميعهم.
قال نافع بن الأزرق: والذي أحدثه البراءة من القعدة.
وقال عن الأزارقة أنها لتتبرأ ممن تقدمها من سلفها من الخوارج، وهكذا تُذكر البراءة في مواطن من عقائدهم.
وكأنه يريد أن يقول: إن ترك البراءة بدعة، أي: حينما يأتي إنسان فيسأل: هل أنت مسلم يا فلان؟ فيجيب: نعم، أنا مؤمن، والحمد لله، ثم يسأل: هل تبرأت من الكفر والطواغيت؟ فيقول: لا، هذا لا يلزمني كمن يأتي إلى أحد من أهل السنة فيقول له: هل أنت من أهل السنة؟ يقول: نعم إن شاء الله، هل تبرأت من الخوارج والمرجئة والمعتزلة والقدرية وو؟ يقول: لا، أنا ليس لي علاقة بهؤلاء أبدًا، لأنه ليس من معتقدي البراءة، إنما من معتقدي الولاء، فأنا أوالي الله ورسوله والمسلمين.
كما يقال لرجل: من تعبد؟ يقول: الشيطان، فيقال: لماذا؟ قال: حتى أتجنب شره، أي حتى يكون بيني وبينه سلم ولا يكون هناك حرب بيني وبين الشيطان فأنا لا أعبده وإنما أراضيه، وبالتالي لا يوسوس لي ولا يتسلط علي ولا يفعل بي أي شيء! هذا الكلام كفر بواح.
فكذلك أهل البدع لا يتبرءون من عقائد بعضهم البعض، ولكن أهل السنة يلزمهم في حسن إيمانهم وإسلامهم إثبات البراءة أولًا ثم إحلال الولاء محل هذا البراء، ولذلك لا يمكن أبدًا أن يحقق العبد الإيمان لله ﷿ إلا بالكفر بالطواغيت فكيف تؤمن بالله والطواغيت في وقت واحد؟ لا يمكن أبدًا أن يجتمعا في قلب عبد مؤمن.
قال: [وقال علقمة: قال رجل عند عبد الله بن مسعود: أنا مؤمن أي: ولم يستثن، قال: قل: إني في الجنة].
عبد الله بن مسعود يسكته فيقول له: أنت تقول أنك مؤمن ولم تقل: إن شاء الله، ما دام الأمر كذلك فقل أنك في الجنة.
ثم قال ابن مسعود: [ولكنا نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر] إلى آخر فروع وأصول الإيمان.
قال: [وعن أبي وائل قال رجل لـ عبد الله بن مسعود: يا أبا عبد الرحمن! لقيت ركبًا فقلنا: من أنتم؟ قالوا: نحن المؤمنون.
وقال أبو وائل: إن حائكًا -أي: خياطًا- من المرجئة بلغه قول عبد الله بن مسعود في الإيمان قال: زلة عالم]، وأنه يقول بوجوب الاستثناء، والمرجئة يقولون بحرمة الاستثناء، أي: أن المرجئ يقول: أنا مؤمن من غير أن يقول: إن شاء الله، وعامة السلف على وجوب الاستثناء مخافة التزكية، ومخافة أن يكون قد فرط في أمر أو ارتكب نهيًا أو مخافة أن يُختم له بغير ذلك، وأن الإيمان أمر مستقبل، والعبرة فيه بالخواتيم، وهذا أمر لا يعلمه المرء حتى يموت، فكيف يقطع بالإيمان؟ ولذلك مذهب عامة السلف وجوب الاستثناء في الإيمان.
فهذا المرجئ يقول بغير قول عامة السلف، حينما بلغه أن عبد الله بن مسعود استثنى قال: زلة عالم.
خياط يعدل على عبد الله بن مسعود ولكنه يعلق بأدب، ويثبت أن ابن مسعود لا يفهم شيئًا، ولكن بأسلوب رقيق نوعًا ما فيقول: هذه زلة عالم خياط يعدل على سادس ستة في الإسلام صاحب النعل للنبي ﵊.
أحد الخياطين من التابعين يقول عن عبد الله بن مسعود أحد أكابر المحدثين والفقهاء في الصحابة: زلة عالم، وقد أحسن حينما قال أنه عالم، ولكن أخطأ حينما قال أنه زل.
وآخر يقول مثلًا: الشيخ ابن باز شيخ عالم وفاضل، ولكنه لم يوافق التوثيق أو خالف الصواب في هذه المسألة وإذا قلت له: الظهر كم ركعة؟ وما الأدلة على ذلك؟ والله لا يستطيع أن يجيب أن يجيب.
قال: [وعن سلمة بن كهيل قال: اجتمع الضحاك وبكير الطائي وميسرة وأبو البختري فأجمعوا أن الشهادة بدعة، والبراءة بدعة، والولاية بدعة، والإرجاء بدعة].
الشاهد هنا أنهم اعتبروا أن الشهادة بدعة، وهي كذلك.
ولذلك كثيرًا ما نسمع الشهيد فلان والشهيد فلان وهذا الكلام لو عرضناه على كلام أهل العلم فإنه لا يصح.
[ ٤٩ / ١٢ ]
حكم من لا يستثني في الإيمان عند السلف
قال: [وقال جرير: سمعت منصور بن المعتمر والمغيرة بن مقسم والأعمش وليث بن أبي سليم وعمارة بن القعقاع وابن شبرمة والعلاء بن المسيب وإسماعيل بن أبي خالد وعطاء بن السائب وحمزة بن حبيب الزيات ويزيد بن أبي زياد وسفيان الثوري وابن المبارك ومن أدركته يستثنون في الإيمان ويعيبون على من لا يستثني].
فالسلف يستثنون في الإيمان، إذا سئل أحدهم قال: أنا مؤمن إن شاء الله، ويعيبون على من قال: أنا مؤمن فقط ولم يستثن.
قال: [وعن جرير بن عبد الحميد قال: كان الأعمش وإسماعيل بن أبي خالد وعمارة بن القعقاع والعلاء بن المسيب وابن شبرمة وسفيان الثوري وحمزة الزيات يقولون: نحن مؤمنون إن شاء الله ويعيبون على من لا يستثني.
وعن محل بن محرز قال: قال لي إبراهيم النخعي: إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟ فقل: آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله].
أي: إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟ ويمكن السؤال هذا يواجهك، وربما تظل محتارًا في الإجابة عن هذا السؤال بسبب اختلاف العلماء، ولكن قل: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث والحساب والجزاء والجنة والنار والصراط وغير ذلك وبهذا تكون قد خرجت من الخلاف، فلا تقل: نعم أنا مؤمن، أو أنا مؤمن إن شاء الله.
فعدد أصول الإيمان وقل: آمنت بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره فإذا كنت مؤمنًا بهذا كله فيكون جوابك من غير إن شاء الله، لأنك قاطع بأنك مؤمن بهذا كله، وهذه غيبيات وأنت قد آمنت بها، وقد عرف النبي ﵊ الإيمان في حديث جبريل وغيره بهذا حين سئل عن الإيمان؟ فقال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره) فلو سئلت عن الإيمان فعدد أنك قد آمنت بأصول الإيمان، وأنت الآن مؤمن بالأعمال الموجبة لدخول الجنة، فأنت لم تزك نفسك بعمل، لأن هذا من أصول الإيمان، عليك أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله إلى آخره فأنت قد قررت بأنك آمنت بكذا وكذا وكذا ولم تزك نفسك بخلاف لو قال لك: أنت مؤمن؟ فقلت: نعم أنا مؤمن، مع أن الإيمان يستلزم فوق ما آمنت به غيبًا أن تأتي به عملًا وأن تنتهي عنه تركًا، وهذا متعلق بالأوامر والنواهي بالواجبات والمحرمات، فهذا باب آخر غير الباب الغيبي الذي آمنت به.
فلو أنك قلت: نعم أنا مؤمن، فكأنك تقول: أنا قد أتيت من الأعمال ما يستوجب على الله أن يدخلني الجنة، ولكن حينما تقول: أنا آمنت بالله وملائكته وكتبه فأنت هنا تقرر حالتك الإيمانية.
[ ٤٩ / ١٣ ]
الإيمان والإسلام بين أهل السنة والمرجئة والجهمية
درسنا كله متعلق بالإيمان، ولكن يعكر على ذلك تعريف المرجئة والجهمية للإيمان؛ لأن المرجئة والجهمية إنما يعرفونه بمطلق الإيمان لا الإيمان المطلق، وهناك فرق بين الإيمان المطلق ومطلق الإيمان.
وقلنا: إن مطلق الإيمان هو أصل الإيمان، وهي القاعدة التي لا يمكن أن تنزل ولا يتصور نزولها إلا إلى الكفر، وهو التصديق عند المرجئة والتلفظ عند الجهمية هذا تعريف مطلق الإيمان عند الجهمية والمرجئة.
أما الإيمان عند أهل السنة فإنما يعني الإيمان المطلق الكامل، فالاستثناء في درسنا هذا متعلق عند أهل السنة بالإيمان المطلق، أما عند المرجئة والجهمية فإنه متعلق بمطلق الإيمان.
وأنت لا يسعك إلا ما وسع السلف بصرف النظر عنهم، سواء كان سائلك جاهلًا أو عالمًا: هل أنت مؤمن؟ قل: نعم أنا مؤمن إن شاء الله.
وحديث سعد بن أبي وقاص في الصحيحين: (أن النبي ﷺ أعطى أناسًا ولم يعط آخرين، فقال: يا رسول الله! أعطيت فلانًا وتركت فلانًا وهو مؤمن قال: أو مسلم؟ قال: بل مؤمن يا رسول الله! قال: أو مسلم؟ ثلاث مرات)، والمعلوم أن المسلم إن وقف عند حد الإسلام فمعه مطلق الإيمان، ومع هذا تغاضى النبي ﷺ عن مطلق الإيمان، لأن القصد في الإيمان: الإيمان المطلق، وحينما قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ [الحجرات:١٤]، والأعراب مسلمون، والمسلم معه أصل الإيمان وهو يسعه أن يدخل الإسلام بهذا الأصل، ومع هذا نفى الله ﵎ عنهم الإيمان ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ [الحجرات:١٤] هل النفي هنا يشمل أصل الإيمان أم الكمال؟ إذًا: يجوز أن أنفي الإيمان عن المرء ولكن هذا النفي ينصب على الإيمان الكامل التام، ويبقى معه أصل الإيمان؛ لأن الله تعالى نفى ذلك عن الأعراب، مع أنه لا يسعهم إلا المحافظة على أصل الإيمان، ومع هذا قال لهم: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ﴾ [الحجرات:١٤]، يدخل هنا بمعنى يزداد ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] أي: حينما يزداد الإيمان في قلوبكم، و(لما) التي تفيد نفي الحصول في الماضي ولا تفيد نفيه في المستقبل، أي: أنه سيكون عندكم الإيمان الكامل في المستقبل، فالواحد حينما يسأل: هل أنت مؤمن؟ وهو يعلم أنه مؤمن وأنا أعرف أنه مؤمن، لأن هذا لا يسعنا أن ننزل عنه، وهو مطلق الإيمان، لأن المؤمن بغير هذا اليقين لا يصح منه حتى الإسلام، لكن النزاع في مطلق الإيمان، ولذلك فإن الذين يخالفون أهل السنة هم الجهمية والمرجئة، لأن الإيمان عندهم لا علاقة له بالزيادة ولا بالنقصان، إذًا: فالكلام كله متعلق بالإيمان الكامل.
قال: [وقال حماد بن زيد قال: سمعت هشامًا وهو ابن حسان الأزدي يقول: كان الحسن ومحمد يقولان: مسلم، ويهابان مؤمن].
إذًا: الحسن البصري قد حقق كمال الإيمان، وكذلك محمد بن سيرين، وهما من المنزلة بمكان في قلوب كل الموحدين، لكن لا نستطيع أن نقطع لهما بالجنة، فالجنة ليست ملكًا لأحد، فالذي يجعلك تقطع لفلانًا بالجنة يجعلك تقطع لفلان بالنار، فهل هذا شأنك؟ ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة.
قال: [وقال محمد بن سيرين: إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟ فقل: آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق].
كمن يقول لك: في أي جماعة أنت؟ فقل: أنا مسلم.
أو يقول لك: كل الناس هؤلاء مسلمون، ولكن من أي جماعة أنت؟ فقل: ولكني أنا مسلم، على كتاب الله، وعلى سنة رسول الله ﷺ، وعلى منهج السلف الصالح، وعلى ما فهمه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي.
فاختصر هذا وقل: أنا سلفي.
فحينما تقول: أنا سلفي، فعندها أنا سأعرف كيف تفكر.
لأن المصطلح هذا يتناول عدة عناوين ورءوس أقلام ومعتقدات وقواعد، وسأفهم أنك على كل هذه الأصول والقواعد بكلمة واحدة وهي كلمة: سلفي، كما يقول آخر: أنا كذا.
فنكون بهذه الكلمة الواحدة قد عرفنا منهجه كاملًا.
والسلف كانوا يقولون للذي يسألهم عن الإيمان بأنهم قد آمنوا بالله وكتبه ورسله وما أُنزل على نبينا وعلى الأنبياء السابقين وهذا كلام جميل جدًا، لأن هذا ليس سؤال عبد، فأنت حينما تقول: أنا مؤمن فتكون قد زكيت نفسك على ربك، فالمسألة متعلقة بالله ﷿ وليست متعلقة بالسائل.
قال: [قال أبو أسامة: قال لي الثوري وأنا وهو في بيته مالنا ثالث ثلاثة: نحن مؤمنون والناس عندنا مؤمنون، ولم يكن هذا أفعال من مضى].
كأن الإمام الثوري يقول له: نحن مؤمنون والناس الذين عندنا أيضًا مؤمنون، لكن لا بد أن تعرف أن هذا ليس نهج سلفنا، إنما نهج سلفنا أنهم لا يقولون نحن مؤمنون إلا أن يستثنوا، و
[ ٤٩ / ١٤ ]