كل الفرق التي ضلت في صفات الله ﷿ إما نفاة أو مشبهة، وإن كان هناك ضلالة أخرى في هذا الباب فمردها إلى هذين الصنفين، والمشبهة من الفرق التي مرقت من دين الإسلام، وقد حكم أهل العلم والدين بكفر من شبه الله ﷿ بشيء من خلقه؛ لأنه ﷾ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
[ ٣٣ / ١ ]
النفي والتشبيه في الصفات هما أصلا الانحراف والضلال في هذا الباب
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
إن الفرق الضالة التي ضلت في صفات الله ﷿ إما أنهم نفاة، وإما أنهم مشبهة، وإن كانت هناك ضلالة أخرى فمردها ومرجعها إلى هاتين الضلالتين، وحديث الافتراق تعلقه بصفات الله ﷿ بالدرجة الأولى، فما ضلت هذه الأمة أعظم ضلال إلا لاختلاف فرقها، وكان الصدر الأول للإسلام على الجادة والاستقامة خاصة في عهد الخلفاء الراشدين، فلم تظهر تلك الانحرافات إلا في عهد صغار الصحابة، أي: في أواخر المائة الأولى للهجرة، كما روى مسلم في صحيحه: أن أول من قال بالقدر في البصرة هو معبد الجهني.
فسبب الافتراق والضلال هو أن الأمة اختلفت في ربها وخاصة في صفاته، فمنهم من لم يفهم من صفات الله ﷿ إلا ما يفهم من صفات المخلوقين، وإذا مر على ذكر أو تلاوة صفات المولى ﷿ لا يسعه مع هذا القصور الفكري إلا أن يمثل أو يشبه الله ﵎ بخلقه، فإذا قرأ: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] قال: إن لله تعالى يدًا كيدي، وساقًا كساقي، وعينًا كعيني.
وقلنا من باب اللزوم: إذا كانت هذه الصفات الثابتة لله ﷿ هي كصفات المخلوقين فيلزم من ذلك أن نقول: إن الذات تشبه ذوات المخلوقين، ومن هنا وقعوا في اضطراب وحيرة شديدة، لأنهم لا يقولون بتماثل ولا بتشابه الذات، فكيف تختلف الذات وتتحد الصفات مع صفات المخلوقين؟ وهناك فرقة أخرى وهم النفاة الذين أرادوا بزعمهم أن ينزهوا الله ﵎، فنفوا عنه هذه الصفات، فقالوا: ليس له عين ولا يد ولا ساق ولا قدم ولا كيت ولا كيت، فلجئوا إلى تأويل النصوص، مع أنه ليس منهجًا للنبي ﵊، ولا لأصحابه الكرام، ولا لسلف الأمة، وإنما منهج أهل السنة - وهم أهل العدل والوسطية - أنهم آمنوا بهذه الصفات وأمروها كما جاءت، وفوضوا كيفيتها إلى الله ﷿، وأما علمها فإنه مستقر معلوم في قلوب أهل السنة والجماعة.
[ ٣٣ / ٢ ]
الحكم على بعض الفرق الضالة
يأتي بعد ذلك الحكم على أصحاب هذه الفرق، فقد اختلف فيهم أهل العلم: هل هم كفار أم لا؟ فمنهم من أطلق الكفر على الغلاة، وهنا أبين أنه في كل فكر غلاة وأتباع، وعند إطلاق لفظ الكفر فإنما يقصد به الغلاة والأئمة الداعين إلى هذا الفكر لا بقية الأتباع، فلو أردنا مثلًا أن نقول: إن أهل العلم كفروا الرافضة فهل كل من تبنى الرفض أو تمذهب به هو كافر؟
الجواب
لا، وإنما المراد أئمة الرفض والدعاة إليه العالمين بمدلول مذهبهم الفاسد، فهم المعنيون بالكفر لا كل الرافضة، ولا يمكن أبدًا أن تسوي بين إمام من أئمة الرفض كـ الخميني مثلًا وبين رعاع الشعب الإيراني أو رعاع الشيعة الرافضة، فهذا غلام ولد ونشأ في مجتمع يكفر أبا بكر وعمر، وهو لا علم له بحقيقة مذهب الرافضة، بخلاف خميني إيران الذي صار صدرًا وإمامًا يدعو إلى هذه البدعة، ويتقرب بزعمه إلى الله بتكفير أبي بكر وعمر، فلا يستويان قط.
ولذلك إذا قرأت في تكفير أصحاب الفرق الضالة فاعلم أنه حكم ينصب على الغلاة لا على بقية أهل المذهب.
والمشبهة هم الذين مثلوا أو شبهوا صفات الخالق بصفات المخلوقين، وأحيانًا يطلق أهل العلم لفظ المشبهة ويعنون بها النفاة، مع أنهم نفاة وليسوا مشبهة؛ لأنهم شبهوا الله تعالى بالعدم، وجعلوه إلهًا بلا صفات، فلا يتصور أن يكون هذا الكتاب ذاتًا بغير صفات، فله لون وله حجم وله عرض وله طول وله عمق وهذه صفاته، فلا يتصور أن تكون هناك ذات بغير صفات، والذين نفوا الصفات عن الله ﷿بزعمهم حتى لا يمثلوه ولا يشبهوه بالمخلوقين- إنما وقعوا في شر مما فروا منه، وهو أنهم شبهوا الله تعالى بالعدم، فيطلق عليهم مجازًا مشبهة.
[ ٣٣ / ٣ ]
سياق ما روي في تكفير المشبهة
الإمام اللالكائي في هذا الباب يروي ما ثبت عن السلف في تكفير المشبهة فقال: [قال شعبة بن الحجاج العتكي قال لي الأعمش - وهو سليمان بن مهران الكوفي - ما عندك في قوله: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا﴾ [البقرة:١٣٧] فقال شعبة: حدثني أبو حمزة قال: قال لي ابن عباس: لا تقل: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ﴾ [البقرة:١٣٧] فإنه ليس لله مثل، ولكن قل: (فإن آمنوا بالذي آمنتم به فقد اهتدوا)].
وهذه قراءة ابن عباس، ولا حرج في هذه القراءة وليست شاذة، ولكن ابن عباس يفهم من رده -وهو حبر الأمة-: أن بعض الناس يتصور أنه يجوز له أن يؤمن بإله آخر، وينزل هذا الإله منزلة الإله الأعظم كما كان أهل الجاهلية يفعلون، فقد كانوا يعبدون أصنامًا وخشبًا وثمارًا وأعظمًا وينزلونها منزلة الإله، ويعطون لها ما هو حق خالص للإله الأعظم ﷾، الإله الحق، فيستغيثون بها، ويذبحون وينذرون لها، ويستعينون بها، وغير ذلك مما لا يجوز ولا ينبغي إلا لله ﷿، فمن صرف شيئًا مما يجب صرفه لله لغير الله فقد اتخذ شريكًا لله ﷿، وما قام بحق العبودية ولا الوحدانية لله ﷿.
فخشي ابن عباس أن بعض الناس يتصور أنه يجوز له أن يعبد إلهًا آخر مماثلًا -في ظنه- لله ﷿.
﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ﴾ [البقرة:١٣٧]، فلو أنهم آمنوا بمثل ما آمنتم به -وهو الله- فقد اهتدوا.
فيجوز على هذا الفهم لكل واحد أن يعبد إلهًا ليس الله ﷿، فكانت القراءة عنده في هذه الآية: (فإن آمنوا بالذي آمنتم به فقد اهتدوا).
[ ٣٣ / ٤ ]
مناظرة بين عبد الرحمن بن مهدي وأحد المشبهة
قال: [قال عبد الرحمن بن مهدي لفتى من ولد جعفر بن سليمان: مكانك، فقعد حتى تفرق الناس]، وعبد الرحمن بن مهدي إمام من أئمة السلف، وصاحب سنة وهدي، وهو شيخ الإمام أحمد بن حنبل، ومنه تعلم السنة، والاعتقاد الصحيح، وكانت الحلقة تجتمع لـ ابن مهدي بما يتجاوز المائة ألف، فيعلمهم السنة والحديث والفقه، فلما أراد القوم أن ينصرفوا بعد فراغ ابن مهدي من المجلس أشار إلى فتى من ولد جعفر بن سليمان الأمير، فقال: مكانك لا تنصرف وأمر الناس بالانصراف.
[ثم قال: تعرف ما في هذه الكورة من الأهواء والاختلاف -يعني: أتعرف ما في هذا البلد وهو بغداد من الأهواء والاختلاف والاضطراب في العقيدة؟ - وكل ذلك يجري مني على بال] يعني: هذه الاختلافات والأهواء المضلة أنا عندي بها خبر، ولست غافلًا عنها.
قال: [وكل ذلك يجري مني على بال رضي إلا أمرك وما بلغني] يعني: إلا أمرك لم يخف علي، وأن هذه الأهواء وهذه الفتن المضلة وإن كانت فتنًا إلا أنها أقل خطرًا من الذي بلغني عنك، وكأنه قد أتى ببدعة جديدة لا عهد ولا قبل لأهل الإسلام بها.
قال: [فإن الأمر لا يزال هينًا ما لم يصر إليكم] أي: ما لم يصل إليكم يا معشر السلاطين.
[فإذا صار إليكم جل وعظم] يعني: أما الفتن والاختلافات بين عامة الناس فيمكن حلها بالمناظرات والمجادلات وإقامة الحجج والبراهين، وأما إذا تبنى السلطان مذهبًا فاسدًا فسرعان ما ينتشر ويجد له ظهرًا قويًا يحميه، كما كان في الدولة العباسية من تبنيهم المذهب الاعتزالي، فأوذي السلف إيذاءً عظيمًا جدًا بسبب أن أئمة العباسيين وسلاطينهم قد تبنوا الاعتزال، فلهم ظهر يحميهم، ولهم صولة ونجدة.
وأما إذا كان الأمر لا يعني السلطان من قريب ولا من بعيد ولا يتبناه فإن الأمر يهون.
قال: [فقال: يا أبا سعيد] وهي كنية عبد الرحمن بن مهدي.
قال: [وما ذاك؟] أي: وما هذا الذي بلغك عني؟ قال: [بلغني أنك تتكلم في الرب ﵎ وتصفه وتشبهه، فقال الغلام: نعم] كأنه أراد أن يقول: وما الغضاضة؟ وماذا تنكر علي؟ قال: [فأخذ يتكلم في الصفة] انتقى صفة من صفات الله ﷿ وأخذ يتكلم عنها مع الإمام.
[فقال: رويدك يا بني] أي: على مهلك.
قال: [حتى نتكلم أول شيء في المخلوق] يعني: قبل أن نتكلم في صفات الخالق نتكلم في صفات المخلوق.
قال: [فإذا عجزنا عن المخلوقات فنحن عن الخالق أعجز وأعجز، أخبرني عن حديث حدثنيه شعبة عن أبي إسحاق الشيباني قال: سمعت زرًا - وهو ابن حبيش - قال: قال عبد الله - وهو ابن مسعود - في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٨]] كأنه أراد أن يقول له: ماذا تقول في تأويل هذه الآية؟ [قال: رأى جبريل له ستمائة جناح، قال: نعم] يعني: ابن مهدي يقره على هذا الفهم لهذه الآية.
[فعرف الحديث، فقال عبد الرحمن: صف لي خلقًا من خلق الله له ستمائة جناح] أي: صف لي جبريل.
قال: [فلما عجز بقي الغلام ينظر إليه، فقال عبد الرحمن: يا بني! فإني أهون عليك المسألة، وأضع عنك خمسمائة وسبعة وتسعين] أي: جناحًا.
[صف لي خلقًا بثلاثة أجنحة، ركب الجناح الثالث منه موضعًا غير الموضعين اللذين ركبهما الله تعالى حتى نعلم] أي: لا تقل له جناح في اليمين وجناح في الشمال، بل ضع الجناح الثالث في المكان الذي ركبه الله ﷿ فيه، فعجز الغلام.
قال: [فقال: يا أبا سعيد! نحن قد عجزنا عن صفة المخلوق، ونحن عن صفة الخالق أعجز وأعجز]، وهذا لمن وفق وهدي [وأشهدك إني قد رجعت عن ذلك، وأستغفر الله].
ومن هذا يتبين: أن وجود أهل العلم من أهل السنة والجماعة في بقعة، أو في كورة من الكور، أو بلدة من البلدان؛ أعز وأكرم على الله ﷿ وعلى أهل القرية من عين تنبع لهم بالماء؛ لأن غذاء القلوب والأبدان والعقول والأفكار أعظم من غذاء الأبدان، فالبدن إذا فسد مع صلاح القلب كان مآله عند الله خيرًا، وإذا فسد القلب مع صلاح البدن فقد شبه الله ﵎ هؤلاء بما شبه به الكافرين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤] أي: لا قيمة لهم مع صلاح أبدانهم، ولذلك يقول عبد الله بن المعتز ﵀: العالم في البلد كالعين تنبع بالماء، وهو أعز وأكرم؛ لأن العين تغذي الأبدان، والعالم يغذي القلوب والأرواح.
فعالم واحد يهدي الله ﷿ به أمة من الأمم، ويرفع به أمة من الأمم، كما أن عالمًا واحدًا فاسدًا تزل به أمة بأسرها إذا انحرف عن الصراط.
[ ٣٣ / ٥ ]
موقف أهل العلم من داود الجواربي
قال: [تكلم داود الجواربي في التشبيه]، وداود الجواربي من أئمة الضلال، ولقب بـ الجواربي لأنه من محلة ببغداد كانت تصنع الجوارب، وكان يسكن في هذه المحلة فنسب إليها.
قال: [فاجتمع إليه أهل واسط بالعراق منهم: محمد بن يزيد وخالد الطحان وهشيم وغيرهم فأتوا الأمير -أي: أمير البلد- وأخبروه بمقالته، فأجمعوا على سفك دمه].
مع أنهم لم يقولوا بسفك دم من سمعه، أو بسفك دم من تبعه، وإنما أجمعوا على سفك دمه هو؛ لأنه داعية إلى بدعته، ولأنه عالم بما يقول بخلاف الأتباع.
قال: [فمات في أيامه فلم يصل عليه علماء أهل واسط] أي: مات قبل أن يتمكن منه السلطان، فلما أجمعوا على سفك دمه طلبوه حتى يقتلوه، ففر وفي أثناء فراره مات، فلم يصل عليه أحد من أهل العلم في ذلك الزمان، والنبي ﵊ قال: (من صلى عليه أمة من المسلمين يبلغون أربعون -وفي رواية: مائة- يوحدون الله تعالى ولا يشركون به شيئًا؛ شفعوا فيه).
فإذا لم يكن أهل العلم هم الموحدون لله ﷿ حقًا وبعلم وبصيرة فمن هم إذًا؟ فإذا امتنع العلماء عن الصلاة على رجل فهذه عين الخسارة، ولذلك كان النبي ﵊ يترك الصلاة أحيانًا على بعض أصحابه؛ تأديبًا للأمة أن يقعوا في مثل ما وقع فيه، كما ترك الصلاة على ماعز الأسلمي، وصلى على المرأة الغامدية والجريمة واحدة، ولكن توبة الغامدية كانت أحسن ظهورًا من توبة ماعز.
فقد ساق سيد ماعز وهو نعيم بن هزال ماعزًا إلى النبي ﵊، واستدرجه وقال له بعد أن أخبره بالزنا: (اذهب بنا إلى النبي ﵊ لعله ينزل فيك قرآنًا) يعني: بالتوبة، وهو يعلم أن القرآن قد نزل بوجوب الحد، وأن الحد إذا بلغ السلطان أو الأمير أو الحاكم فلا شفاعة فيه، بل لا يجوز للحاكم أن يسامح فيه؛ لأن ذلك ليس من اختصاصه، وإنما من اختصاص الحاكم أن يغير وأن يبدل في التعزير، وأما في الحد فلا.
فلما بلغ ماعز إلى النبي ﵊ شهد عنده أربع مرات بالزنا، فلما شهد قال: (أقيموا عليه الحد)، فلما أجمعوا على حده فر منهم، فلقيه رجل فضربه بوظيف كان معه فقتله، فلما قتل وبلغ أمره إلى النبي ﵊ قال: (أقتلتموه؟ هلا تركتموه؟ وغضب غضبًا شديدًا وقال: صلوا على صاحبكم، فصلوا عليه ولم يصل النبي ﵇ عليه).
وأما المرأة الغامدية التي زنت بعد ماعز فقد أتت إليه ﵊ وقالت: (لا تفعل معي كما فعلت بـ ماعز بالأمس)، لأن ماعزًا لما أتى وشهد عنده بالزنا أول مرة أشاح عنه بوجهه، ولم يقبل منه هذا، فأتاه من قبل وجهه فشهد عنده الثانية فأشاح عنه أربع مرات، وماعز يصر على أن يبلغ الخبر النبي ﵇.
قال: (لعلك قبلت؟ قال: زنيت، فقال: لعلك فاخذت؟ قال: زنيت) ثم قال: (أتدري ما الزنا؟ -يعني: أنت تعرف ما معنى الزنا؟ - قال: نعم، قال: أغاب هذا منك في ذاك منها كما يغيب المرود في العين، أو كما يغيب الرشاء في البئر، قال: أقيموا عليه الحد).
فـ الغامدية قالت: (يا رسول الله! أنا زنيت).
وفي رواية: (إني فجرت فطهرني، وهذا حملي من الزنا، فقال النبي ﷺ: أين وليها؟ قال: هأنذا.
قال: اذهب بها فأكرمها حتى تضع حملها) وهي زانية عاصية ولكنه قال: أكرمها، لا لأنها زنت ولكن لأنها تابت وصدقت مع الله ﷿.
(فذهبت حتى وضعت حملها وأتت إلى النبي ﵊ فقالت: هذا ولدي من الزنا، وإني قد أتيتك بالأمس فأمرتني أن أضع حملي وهذا هو، فطلب وليها وأمرها أن تذهب حتى تفطمه) فذهبت ومكثت عامين وأتت بالغلام للمرة الثالثة وكان بإمكانها ألا تأتي والنبي ﵊ لا يبحث عنها، وإنما هي تبحث عن الطهارة والنقاء ومغفرة الذنب.
(فأتت إلى النبي ﵊ وفي يد ولدها كسرة من خبز وقالت: هذا ولدي قد فطمته وهو يطعم، فأمر بها فشد عليها ثيابها ورجمت، وصلى عليها النبي ﵊، فلما رأى ذلك بعض أصحابه قال: أتصلي عليها وهي زانية؟ قال: إنها تابت توبة لو تابها سبعون من أهل المدينة لوسعتهم).
وفي رواية: (إنها تابت توبة لو تابها صاحب مكس -يعني: جامع الضرائب- لتاب الله ﷿ عليه).
وفي حديث آخر أن النبي ﵊ لما جيء إليه برجل ليصلي عليه، قال: (عليه دين؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: صلوا على صاحبكم)، فأمرهم بالصلاة عليه وامتنع هـ
[ ٣٣ / ٦ ]
كلام أهل العلم على داود الجواربي وغيره من المشبهة
ذكر الذهبي في ميزان الاعتدال أن داود الجواربي رأس في الرفض والتجسيم -يعني: إمام من أئمة الضلالة- من قرام جهنم.
أي: من فحول جهنم كـ فرعون.
قال أبو بكر بن أبي عون: سمعت يزيد بن هارون يقول: الجواربي والمريسي - الذي هو بشر - كافران، ثم ضرب يزيد - وهو يزيد بن هارون - مثلًا للجواربي فقال: إنما داود الجواربي عبر جسر واسط فانقطع الجسر فغرق من كان عليه، فخرج شيطان فقال: أنا داود الجواربي.
يعني: أن داود الجواربي والشيطان شيء واحد.
والذهبي يقول: هذا الضرب -أي: هذا الصنف- من الناس لا أعلم له رواية، مثل: بشر المريسي وأبي إسحاق النظام - وهو صاحب الاعتزال - وأبي الهذيل العلاف، ومعمر أبي المعتمر العطار البصري، وهشام بن عمرو الفوطي وأبي عيسى الملقب بـ المزدا، وأبي موسى الفراء، فلكونهم لم يرووا الحديث لم أحتفل بذكرهم، ولا استوعبتهم، فأراحنا الله تعالى منهم؛ لأنهم مقلون جدًا في الرواية لا تكاد تذكر لهم رواية، فقال: فأعرضت عن ذكرهم.
والإمام البغدادي في كتاب الفرق بين الفرق تكلم عن داود الجواربي وقال في ذكر أو في معرض ذكره للمشبهة: ومنهم المشبهة المنسوبة إلى داود الجواربي -يعني: أنه كان صاحب فرقة- الذي وصف معبوده بأن له جميع أعضاء الإنسان إلا الفرج واللحية.
وهو القائل كما ذكر ذلك السمعاني في الأنساب بعد ذكر هشام بن سالم الجواليقي: وعنه أخذ داود الجواربي قوله: إن معبوده له جميع أعضاء الإنسان إلا الفرج واللحية.
[ ٣٣ / ٧ ]
نقل أبي الحسن الأشعري لمذاهب أهل التشبيه والتجسيم
وذكر الأشعري في مقالات الإسلاميين داود الجواربي في أثناء الكلام على اختلاف الناس في التجسيم، فقال: اختلفت المجسمة فيما بينهم في التجسيم، وهل للباري تعالى قدر من الأقدار، وفي مقداره، على ست عشرة مقالة، فقال هشام بن الحكم: إن الله جسم محدود عريض عميق طويل، طوله مثل عرضه، وعرضه مثل عمقه، نور ساطع، له قدر من الأقدار -بمعنى: أن له مقدارًا في طوله وعرضه وعمقه- لا يتجاوزه، في مكان دون مكان كالسبيكة الصافية، يتلألأ كاللؤلؤة المستديرة من جميع جوانبها، ذو لون وطعم ورائحة ومجسة، لونه هو طعمه، وهو رائحته، وهو مجسته، وهو نفسه لون، ولم يثبت لونًا غيره، وإنه يتحرك ويسكن ويقوم ويقعد.
ولولا أن الله تعالى حكى مقالة الكافرين والمشركين في كتابه ما تجرأ آدمي أن يحكي مقالة هؤلاء.
وحكى عنه أبو الهذيل أنه أجابه إلى أن جبل أبي قبيس أعظم من معبودهم.
وجبل أبي قبيس في مكة، وهو أكبر من الله ﷿ عند هؤلاء الضلال! فجعلوا بعض مخلوقاته أعظم من الخالق.
وحكى عنه ابن الراوندي: أنه زعم أن الله سبحانه يشبه الأجسام التي خلقها من جهة من الجهات، ولولا ذلك ما دلت عليه، وحكى عنه أنه قال: هو جسم لكن لا كالأجسام.
ومعنى ذلك أنه شيء موجود.
وقد ذكر عن بعض المجسمة أنه كان يثبت الباري ملونًا، ويأبى أن يكون ذا طعم ورائحة ومجسة، وأن يكون طويلًا وعريضًا وعميقًا، وزعم أنه في مكان دون مكان، متحرك من وقت خلق الخلق.
وقال قائلون: إن الباري جسم، وأنكروا أن يكون موصوفًا بلون أو طعم أو رائحة أو مجسة أو شيء مما وصف به هشام هذا، غير أنه على العرش مماس له دون ما سواه.
واختلفوا في مقدار الباري بعد أن جعلوه جسمًا، فقال قائلون: هو جسم، وهو في كل مكان، وفاضل عن جميع الأماكن، وهو مع ذلك متناه غير أن مساحته أكثر من مساحة العالم؛ لأنه أكبر من كل شيء.
وقال بعضهم: مساحته على قدر العالم.
وقال الآخرون: إن الباري جسم له مقدار في المساحة، ولا ندري كم ذلك القدر.
وقال بعضهم: هو في أحسن الأقدار، وأحسن الأقدار أن يكون ليس بالعظيم الجافي ولا القليل القميء.
وحكي عن هشام بن الحكم: أن أحسن الأقدار أن يكون سبعة أشبار بشبر نفسه.
وقال بعضهم: ليس لمساحة الباري نهاية ولا غاية، وإنه ذاهب في الجهات الست: اليمين والشمال والأمام والخلف والفوق والتحت، قالوا: وما كان كذلك لا يقع عليه اسم جسم ولا طويل ولا عريض ولا عميق، وليس بذي حدود ولا هيئة ولا قطب.
وقال قوم: إن معبودهم هو الفضاء -الفراغ- وهو جسم تحل فيه الأشياء، ليس بذي غاية ولا نهاية.
وقال بعضهم: هو الفضاء وليس بجسم، والأشياء قائمة به.
وقال داود الجواربى -وهو الشاهد في المشبهة والمجسمة- ومقاتل بن سليمان: إن الله جسم، وإنه جثة على صورة الإنسان: لحم ودم وشعر وعظم.
فإذا كان هذا إمام من الأئمة فكيف لا يكفر؟ قال: وله جوارح وأعضاء من يد ورجل ولسان ورأس وعينين، وهو مع هذا لا يشبه غيره، ولا يشبهه الغير.
وأهل السنة لا يقولون بهذا، ولكن يقولون: إن له أسماء وصفات، وأما أن تجعل الصفات جوارح وأعضاء فلا بد وأنها تمثيل وتشبيه.
قال: وكثير من الناس يقولون: هو مصمت -يعني: غير مجوف- ويتأولون قول الله تعالى: ﴿الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:٢] بمعنى: المصمت الذي ليس بأجوف.
ومعنى الصمد عند أهل السنة والجماعة، بل في اللسان العربي: الذي تصمد إليه الخلائق، أي: ترجع إليه في حوائجها.
وقال هشام بن سالم الجواليقى: إن الله على صورة الإنسان، وأنكر أن يكون لحمًا ودمًا.
يعني: أنكر على داود مقالته تلك.
وإنه نور ساطع يتلألأ بياضًا، وإنه ذو حواس خمس.
يعني: جعله كالإنسان.
كحواس الإنسان سمعه غير بصره، وكذلك سائر حواسه، له يد ورجل وأذن وعين وأنف وفم، وإن له وفرة سوداء.
يعني: له شعر أسود، تعالى الله ﷿ عن قولهم علوًا كبيرًا.
فهذا داود الجواربي قد جعل الله تعالى في نهاية الأمر كالإنسان تمامًا بتمام.
[ ٣٣ / ٨ ]
كلام يزيد بن هارون في الجهمية والمشبهة
[قال هشام بن يحيى الواسطي: كنت قاعدًا عند يزيد بن هارون فجاء رجل فقال: يا أبا خالد! ما تقول في الجهمية؟] والجهمية هم النفاة الذين ينفون الصفات عن الله ﵎، ينزهون الله تعالى بزعمهم.
وأهل السنة وسط بين هذه الفرق، كما أن هذه الأمة وسط بين الأمم فأهل السنة والجماعة وسط بين هذه الفرق الضالة، ولذلك حكم النبي ﷺ عليها بالضلال وبالنار فقال: (كلها في النار إلا واحدة.
قيل: من هم؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم)، الكلام الباطل الذي أتى به داود الجواربي وهشام بن الحكم وهشام بن سعيد الجواليقي لم يرد عن النبي ﵊ أو عن واحد من أصحابه، حاشا وكلا، هذا كلام باطل وسخف يؤدي بصاحبه إلى الكفر البواح، ولذلك لما سئل يزيد بن هارون عن الجهمية النفاة الذين يزعمون تنزيه المولى ﷿ وهم قد نفوا عن الله ﷿ ما أثبته لنفسه في مقابل من عجزوا عن إثبات ذلك لله ﷿ على الوجه اللائق له فقالوا بالتمثيل والتجسيم والتشبيه، ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: من مثل فإنما يعبد صنمًا، ومن عطل فإنما يعبد عدمًا.
أي: من عطل المولى ﷿ عن صفاته فهو يعبد عدمًا، لأن الإله الحق ﷾ وصف نفسه بصفات، فإذا نفيتها فيلزمك أن تنفي الذات، وإذا مثلت صفات الخالق بصفات المخلوقين يلزمك أن تعبد صنمًا؛ لأن الله ليس كمثله شيء، فالذي يعبد إلهًا قد مثله بصفات المخلوقين فإنما يعبد صنمًا، والذي يزعم أنه نزه الباري عن صفاته فلا بد أن يئول أمره إلى أن هذا الإله عدم، فالذي يعبد إلهًا بلا صفات فإنما يعبد عدمًا، والذي مثل صفات الخالق بالمخلوقين فإنما يعبد صنمًا.
[سئل يزيد بن هارون عن الجهمية النفاة فقال: يستتابون].
يعني: يحبسون في بيوتهم أو في محابس السلطان ثلاثة أيام فتقام عليهم الحجة؛ فإن تابوا ورجعوا وندموا وإلا قتلوا، لكن لا يقتلون حدًا وإنما يقتلون ردة.
[إن الجهمية غلت ففرغت في غلوها إلى أن نفت، وإن المشبهة غلت ففرغت في غلوها حتى مثلت] يعني: كل واحد من الفريقين بلغ الغاية في بدعته، هذا بلغ غاية النفي، وهذا بلغ غاية التشبيه والتمثيل.
[فالجهمية يستتابون، والمشبهة كذا وكذا رماهم بأمر عظيم] أعظم مما رمى به النفاة.
[ ٣٣ / ٩ ]
مقالات بشر المريسي وموقف أهل العلم منه
قال: [وقال محمد بن عمر بن كميت: سمعت وكيعًا يقول: وصف داود الجواربي الرب ﷿ فكفر في صفته، فرد عليه المريسي فكفر المريسي في رده] بشر المريسي] أي: رد على داود الجواربي فقال: أنت قد مثلت الله ﷿ بصفات المخلوقين، فأنت مبتدع، فهذا رأس في بدعته يرد على مبتدع آخر رأس في بدعته.
قال: [فقال وكيع: داود الجواربي وصف الرب فكفر بهذه الصفة، فرد عليه بشر المريسي فكفر بشر برده كذلك، إذ قال: هو في كل شيء].
وبشر المريسي له كلام خطير جدًا، فقد قال البغدادي في كتاب الفرق بين الفرق لما ذكر المريسية أتباع بشر المريسي في فرق المرجئة قال: هؤلاء هم مرجئة بغداد من أتباع بشر المريسي، وبشر هو ابن غياث المريسي مبتدع ضال تفقه في أول أمره على قاضي القضاة أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، وأتقن علم الكلام، ثم جرد القول بخلق القرآن - يعني: قال: القرآن مخلوق - وناظر عليه، ولم يدرك الجهم بن صفوان ولكنه أخذ مقالته، واحتج لها ودعا إليها، وأخذ في أيام دولة الرشيد وأوذي لأجل مقالته.
وحدث البويطي قال: سمعت الشافعي يقول: ناظرت المريسي في القرعة فذكرت له فيها حديث عمران بن حصين، فقال: هذا قمار، فأتيت أبا البختري القاضي فحكيت له ذلك، فقال: يا أبا عبد الله! شاهد آخر وأصلبه.
يعني: أحضر معك شاهدًا ثانيًا وأنا سأصلبه، فهو يقول عن القرعة: إنها قمار، وقد فعلها النبي ﵊، غير أنه لما أظهر قوله بخلق القرآن هجره أبو يوسف -وهو صاحب أبي حنيفة وكان رجلًا سنيًا في المعتقد- وضللته الصفاتية -يعني: الذين يقولون بإثبات الصفات لله ﷿ ضللوه- ولما وافق الصفاتية في القول بأن الله تعالى خالق أجسام العباد، وفي أن الاستطاعة مع الفعل؛ كفرته المعتزلة.
يعني: كفرته المعتزلة؛ لأنهم لا يقولون بذلك.
فصار مهجور الصفاتية والمعتزلة معًا، وكان يقول في الإيمان: إنه هو التصديق بالقلب واللسان جميعًا.
يعني: أن العمل لا علاقة له بالإيمان، وهذا قول المرجئة، كما قال ابن الراوندي: إن الكفر هو الجحد والإنكار.
يعني: لا يكفر المرء إلا إذا جحد وأنكر بلسانه.
وزعم أن السجود للصنم ليس بكفر، ولكنه دلالة على الكفر.
والخطيب البغدادي أدرى بأهل بلده، فقال في كتابه تاريخ بغداد عن بشر المريسي -وقد ذكر له ترجمة طويلة-: أخذ الفقه عن أبي يوسف القاضي إلا أنه اشتغل بالكلام، وجرد القول بخلق القرآن، وحكيت عنه أقوال شنيعة ومذاهب مستنكرة أساء أهل العلم قولهم فيه بسببها، وكفره أكثرهم لأجلها، وقد أسند من الحديث شيئًا يسيرًا -يعني: كان مقلًا في الرواية- عن حماد بن سلمة وسفيان بن عيينة وأبي يوسف القاضي وغيرهم.
(وقال عباد بن العوام: كلمت بشرًا المريسي وأصحاب بشر فرأيت آخر كلامهم أنه ينتهي إلى أن يقولوا: ليس في السماء شيء) يعني: ليس في السماء إله.
(وعن عمر بن عثمان قال: كنت عند أبي فاستأذن عليه بشر المريسي فقلت: يا أبت! يدخل عليك مثل هذا؟ فقال: يا بني! وما له؟) يعني: ماذا فيه؟ وماذا يقول هذا الرجل؟ قال: قلت: إنه يقول: القرآن مخلوق، وإن الله معه في الأرض -أي: بذاته- وإن الجنة والنار لم يخلقا، وإن منكرًا ونكيرًا باطلان، وإن الصراط باطل، وإن الساعة باطل -يعني: هو لا يؤمن بالبعث- وإن الميزان باطل مع كلام كثير ذكره.
قال: فقال: أدخله علي.
أي: أدخله علي لأرى ما هي حكايته.
قال: فأدخلته عليه، قال: فقال: يا بشر! أدنه.
أي: اقترب مني.
ويلك يا بشر، أدنه مرتين أو ثلاثًا.
وبشر خائف؛ لأن أهل السنة لهم هيبة ووقار وخشية في قلوب العباد خاصة المبتدعين الضلال.
(فلم يزل يدنيه حتى قرب منه، فقال: ويلك يا بشر من تعبد؟ وأين ربك؟ قال: وما ذاك يا أبا الحسن؟) أي: لماذا تسألني هذه الأسئلة؟.
(قال: أخبرت عنك أنك تقول: القرآن مخلوق، وأن الله معك في الأرض، ولم أر شيئًا أشد علي من قولك: إن القرآن مخلوق، وإن الله معك في الأرض، فقال له: يا أبا الحسن! لم أجئ لهذا) يعني: أنا لم أجئ من أجل أن تختبرني.
(إنما جئت في كتاب خالد تقرؤه علي).
يعني: أتيت لأطلب الحديث.
(قال: فقال له: لا؛ ولا كرامة)، وكان مذهب أهل السنة
[ ٣٣ / ١٠ ]
موت بشر المريسي
[قال إبراهيم: ويوم مات بشر جعل الصبيان يتعادون بين يدي الجنازة ويقولون: من يكتب إلى مالك؟ من يكتب إلى مالك؟] يعني: كانوا يقولون فرحًا بموته: من يكتب إلى مالك في المدينة أن بشرًا قد مات، فقد كان لعبة للصبيان.
(وقال هارون أمير المؤمنين: بلغني أن بشرًا المريسي يزعم أن القرآن مخلوق، لله علي إن أظفرني به لأقتلنه قتلة ما قتلها أحدًا قط)، وهذا لما كان الحكام والسلاطين عندهم فهم لدين الله ﷿، وكانوا يعرفون ما معنى القرآن، ويعرفون صفات الله ﷿.
(قيل لـ سفيان بن عيينة: إن بشرًا المريسي يقول: إن الله لا يرى يوم القيامة) يعني: لا يراه المؤمنون.
(فقال: قاتله الله، دويبة) يعني: هذا دابة وحشرة من الحشرات، بل أقل من ذلك.
(ألم يسمع قول الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥])، وهذا الكلام عن الكفار.
(فجعل احتجابه عنهم عقوبة لهم، فإذا احتجب عن الأولياء والأعداء فأي فضل للأولياء على الأعداء إذًا؟ وعن محمد بن أبي كبشة قال: سمعت هاتفًا في البحر يقول: لا إله إلا الله على ثمامة، وعلى المريسي لعنة الله، قال: وكان معنا في المركب رجل من أصحاب بشر المريسي فخر ميتًا.
ولما مات بشر بن غياث المريسي لم يشهد جنازته من أهل العلم والسنة أحد إلا عبيد الشونيزي، وهو رجل من أهل السنة.
فلما رجع من جنازة المريسي أقبل عليه أهل السنة والجماعة وقالوا: يا عدو الله! تنتحل السنة) يعني: تذهب مذهب أهل السنة.
(وتشهد جنازة المريسي؟ قال: أنظروني حتى أخبركم، ما شهدت جنازة رجوت فيها من الأجر ما رجوت في شهود جنازته) يعني: صلاتي على الرجل هذا من أرجى الأعمال لدي عند الله ﷿.
(قال: لما وضع في موضع الجنائز قمت في الصف فقلت: اللهم عبدك هذا كان لا يؤمن برؤيتك في الآخرة، اللهم فاحجبه عن النظر إلى وجهك يوم ينظر إليك المؤمنون، اللهم عبدك هذا كان لا يؤمن بعذاب القبر، اللهم فعذبه اليوم في قبره عذابًا لم تعذبه أحدًا من العالمين، اللهم عبدك هذا كان ينكر الميزان، اللهم فخفف ميزانه يوم القيامة، اللهم عبدك هذا كان ينكر الشفاعة، اللهم فلا تشفع فيه أحدًا من خلقك يوم القيامة.
قال: فسكتوا عنه وضحكوا.
وقال المروزي: سمعت بشر بن الحارث -وهو بشر الحافي، وهو رجل من الأولياء الصالحين- يقول: جاء موت هذا الذي يقال له المريسي وأنا في السوق، فلولا أنه كان موضع شهرة لكان موضع شكر وسجود).
يعني: لو لم يكن السوق موقع يشهر فيه العبد، فلو سجد شكرًا لله على سماع خبر نعي بشر المريسي، فسيقولون: هذا بشر الحارث قد سجد، وهو ما كان يحب أن يشهر؛ لأنه كان ورعًا.
فقال: [لولا أن موضع السجود في السوق موضع شهرة لسجدت.
ثم قال: والحمد لله الذي أماته، هكذا قولوا.
مات بشر المريسي في ذي الحجة سنة ثمان عشرة ومائتين، قال: ويقال: سنة تسع عشرة ومائتين].
[ ٣٣ / ١١ ]
كلام الذهبي في بشر المريسي
والذهبي تكلم عن المريسي فقال: (هو المتكلم المناظر البارع أبو عبد الرحمن بشر بن غياث بن أبي كريم العدوي مولاهم البغدادي المدني، لأنه كان من موالي آل زيد بن الخطاب ﵁.
وكان بشر من كبار الفقهاء، أخذ عن القاضي أبي يوسف، وروى عن حماد وسفيان بن عيينة، وناظر في الكلام فغلب عليه، وانسلخ من الورع والتقوى، وجرد القول بخلق القرآن ودعا إليه، حتى كان عين الجهمية في عصره وعالمهم، فمقته أهل العلم، وكفره عدة من العلماء، ولم يدرك جهم بن صفوان بل تلقف مقالاته من أتباعه.
وللمريسي تصانيف كثيرة، ذكره النديم وأطنب في تعظيمه وقال: كان دينًا ورعًا متكلمًا، ثم حكى أن البلخي قال: بلغ من ورعه أنه كان لا يطأ أهله ليلًا؛ مخافة الشبهة).
يعني: كان لا يجامع امرأته بالليل مخافة أن تكون ليست امرأته، والتنطع في الإسلام إما أن يكون بالسلب أو الإيجاب، بإدخال ما ليس من الدين فيه، أو بترك ما فرضه الله ﷿ تنطعًا وانحلالًا.
قال: (ولا يتزوج إلا من هي أصغر منه بعشر سنين؛ مخافة أن تكون رضيعته، وكان جهميًا له قدر عند الدولة، وكان يشرب النبيذ، وقال مرة لرجل اسمه كامل: في اسمه دليل على أن الاسم غير المسمى.
له كتاب في التوحيد، وكتاب في الإرجاء، والرد على الخوارج، والاستطاعة والرد على الرافضة في الإمامة، وكفر المشبهة، وكتاب في المعرفة، وكتاب في الوعيد، وأشياء غير ذلك كثيرة.
قال ابن مهدي أيام ما صنع بـ بشر ما صنع: من زعم أن الله لم يكلم موسى يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه.
وقال يزيد بن هارون: ما في فتيانكم من يفتك به؟) يعني: لا يوجد أحد يتخلص منه.
(وقال أحمد بن حنبل لما ذكر عنده المريسي: كان أبوه يهوديًا، أي شيء ترونه يكون؟) أي: يكون يهوديًا مثله بالضبط.
وقال الإمام الذهبي كلامًا جميلًا جدًا، وهذا يدل على قمة العدل والإنصاف عند الإمام الذهبي، قال: (مات بشر المريسي سنة ثمان عشرة ومائتين وقد قارب الثمانين، فهو بشر الشر، وبشر الحافي بشر الخير).
والاثنان كانا في زمن واحد، وفي بلدة واحدة أيضًا.
(كما أن أحمد بن حنبل هو أحمد السنة، وأحمد بن أبي دؤاد أحمد البدعة).
ومن كفر ببدعة وإن جلت -يعني: وإن عظمت وكبرت- ليس هو مثل الكافر الأصلي.
يعني: الذي يكفر ببدعة ليس هو كالكافر الأصلي.
(ولا اليهودي والمجوسي، أبى الله أن يجعل من آمن بالله ورسوله واليوم الآخر، وصام وصلى وحج وزكى وإن ارتكب العظائم وضل وابتدع؛ كمن عاند الرسول، وعبد الوثن، ونبذ الشرائع وكفر، ولكن نبرأ إلى الله من البدع وأهلها).
وهذا كلام فيه اعتدال، فهو يريد أن يقول: إن هذا المجرم كافر، لكن كفره لا يسوى بكفر فرعون وهامان، فكفرهما كفر أصلي، وهم في جهنم، لكنهم في دركات تختلف بعضها عن بعض، فليس كفر الكافر الأصلي كالكفر الطارئ.
[ ٣٣ / ١٢ ]
كلام ابن كثير في بشر المريسي
وتكلم ابن كثير كذلك عن بشر المريسي فقال: غلب عليه الكلام، وقد نهاه الشافعي عن تعلمه وتعاطيه فلم يقبل منه، وقال الشافعي: لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما عدا الشرك أحب إلي من أن يلقاه بعلم الكلام.
وقد اجتمع بشر بـ الشافعي عندما قدم بغداد.
قال ابن خلكان: جدد القول بخلق القرآن، وحكي عنه أقوال شنيعة، وكان مرجئيًا، وإليه تنسب المريسية من المرجئة، وكان يقول: إن السجود للشمس والقمر ليس بكفر، وإنما هو علامة للكفر.
وكان يناظر الشافعي، وكان لا يحسن النحو، وكان يلحن لحنًا فاحشًا حتى يضحك منه الصبيان.
ويقال: إن أباه كان يهوديًا صباغًا بالكوفة، وكان يسكن درب المريسي ببغداد، والمريس عندهم هو الخبز الرقاق يمرس بالسمن والتمر.
قال: ومريس ناحية ببلاد النوبة تهب عليها في الشتاء ريح باردة].
قال اللالكائي نقلًا عن وكيع: [وصف داود الجواربي الرب ﷿ فكفر في صفته، فرد عليه المريسي فكفر المريسي في رده عليه؛ إذ قال: هو في كل شيء.
[ ٣٣ / ١٣ ]
حكم من شبه الله بشيء من خلقه
قال: [قال نعيم بن حماد]، وهو من أئمة السنة، وقد كان من شيوخ البخاري، وهو إمام وجبل من جبال السنة، وكان على عقيدة أهل السنة والجماعة، داعية إليها، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، وأما هو في الحديث فكان ضعيفًا: قال: [من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، فليس فيما وصف الله به نفسه ورسوله تشبيه] يعني: حتى لا تحتج علينا الممثلة أو المشبهة أن ربنا له عين وله رجل وله يد وله كذا، نقول: له هذه الصفات كما يليق بجلاله وكماله ﷾.
[وقال إسحاق بن راهويه: من وصف الله فشبه صفاته بصفات أحد من خلق الله فهو كافر بالله العظيم؛ لأنه وصف بصفاته إنما هو استسلام لأمر الله ولما سن الرسول ﷺ.
وقال إسحاق: علامة جهم وأصحابه دعواهم على أهل الجماعة، وما أولعوا به من الكذب: أنهم مشبهة].
يعني: أهل البدع كالنفاة يقولون عن أهل السنة: إنهم مشبهة؛ لأنهم أثبتوا الصفات لله ﷿.
قال: [بل هم المعطلة، ولو جاز أن يقال لهم: هم المشبهة؛ لأنهم شبهوه بالعدم لاحتمل ذلك، وذلك أنهم يقولون: إن الرب ﵎ في كل مكان بكماله، في أسفل الأرضين، وأعلى السماوات على معنىً واحد، وكذبوا في ذلك، ولزمهم الكفر].
[ ٣٣ / ١٤ ]
نبز أهل الأهواء أهل السنة بالألقاب السيئة
وقال أبو حاتم الرازي: [علامة الجهمية أنهم يسمون أهل السنة: مشبهة].
فالجهمية النفاة يطلقون على أهل السنة والجماعة أنهم مشبهة؛ لأنهم يثبتون الصفات، لكن على المعنى اللائق بالله ﷿، ولا نقول بأنها تماثل صفات المخلوقين، ونقول بأن من قال بذلك فقد كفر.
قال: [علامة الجهمية تسميتهم أهل السنة: مشبهة، وعلامة القدرية تسميتهم أهل السنة: مجبرة] أي: أن العباد مجبورون على أفعالهم.
[وعلامة المرجئة تسميتهم أهل السنة: نقصانية]؛ لأننا نقول: إن الإيمان يزيد وينقص حسب العمل والطاعة، فمن زادت طاعته زاد إيمانه، ومن نقصت نقص إيمانه، فالمرجئة يقولون: أهل السنة نقصانية، وهم يقولون: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ولو تصور نقصانه كان كفرًا، وهذا ضلال.
قال: [وعلامة المعتزلة تسميتهم أهل السنة: حشوية]، وهذا من الوقيعة في أهل الأثر، فهم يريدون إبطال الآثار عن النبي ﵊، فيقولون: المحدثون حشوية.
قال: [وعلامة الرافضة تسميتهم أهل السنة نابتة وصابئة] والتشيع ليس هو الأسبق في الوجود من السنة، فالسنة هي الأصل، والشيعة يسموننا: ناصبة، أي: أننا ناصبنا عليًا العداء، فنحن نحن نحب علي بن أبي طالب ﵁ ولكن دون إفراط ولا تفريط، فلا نجافي ولا نغالي، ونضعه في منزلته في الخلافة والإمامة، والمنزلة بعد أبي بكر وعمر وعثمان.
وشاه إيران عليه لعنة الله أحب أن يعمل مقارنة بين أهل السنة والشيعة، وهو لم يكن له علاقة بالإسلام لا من قريب ولا من بعيد، وإنما أحب أن يتسلى على عادة الحكام الذين يتسلون بأصحاب الديانة، فجمع علماء أهل السنة وعلماء الشيعة ليتناظروا، وليرى من الذي سيغلب، فقيض الله لأهل السنة رجلًا من كبار أهل العلم، ومن أصحاب الاستقامة، فأمر أتباعه ألا يتكلموا بين يديه بكلمة واحدة، وما عليهم إلا أن يفعلوا كما يفعل هو.
فلما دخل علماء أهل السنة على شاه إيران قام إمام أهل السنة وخلع نعله ووضعه تحت إبطه، فلما رآه أصحابه قاموا بخلع نعالهم، ووضعوها تحت آباطهم، والشيعة جلسوا في الناحية المقابلة لهم، فإمام أهل السنة وضع الجزمة على الطاولة وكذا أصحابه فـ شاه إيران قال له: ما حملك على ما فعلت؟ قال: عندنا نص عن النبي ﵊ أن الشيعة على عهده كانوا يسرقون النعال، فقام زعيم الشيعة وقال: لم يكن هناك شيعة على عهد الرسول، فقال العالم: قد حكمت.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٣٣ / ١٥ ]
الأسئلة
[ ٣٣ / ١٦ ]
حكم كشف العورة للضرورة
السؤال
ما حكم من تعرض لكشف العورة أثناء العمليات الجراحية؟
الجواب
معلوم يقينًا أن الطب لا بد فيه من كشف العورات، وبلا شك أنه كلما ضاقت هذه الدائرة كان ذلك أفضل، ولا شك أن الطبيب إذا كان رجلًا والمريض كذلك فهو الأصل ولا يصار إلى غيره إلا لعذر، كأن تكون هناك طبيبة جراحة في قرية وليس في هذه القرية طبيب غيرها، والحالة قد أتتها مستعجلة ولا يمكن حملها إلى مكان آخر، ففي هذه الحالة لا حرج على هذه المرأة أن تجري العملية على هذا النحو، والعكس بالعكس بين النساء والرجال.
[ ٣٣ / ١٧ ]