القتل كبيرة من كبائر الذنوب، بل هو أعظم الذنوب على الإطلاق بعد الشرك بالله ﷿، وقد اختلف الصحابة ﵃ في القاتل عمدًا، فمنهم من قال بأنه ليست له توبة، وأنه مخلد في النار، ومن من قال غير ذلك.
[ ٥٣ / ١ ]
مسائل في الإيمان
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أما بعد: فلا يزال الكلام موصولًا عن الإيمان، والإيمان في عقيدة أهل السنة والجماعة قول وعمل، يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
وأنواع الطاعات كثيرة، فكل ما أمر الله ﷿ به فامتثال الأمر فيه طاعة، وكل ما نهى الله ﷿ عنه ورسوله فالانتهاء بهذا النهي طاعة، فالامتناع عن الزنا لأن الله نهى عنه طاعة لله ﷿، والتعفف عن السرقة لأن الله نهى عنها طاعة لله ﷿، فالطاعة تكون بامتثال الأمر واجتناب النهي.
وإذا كان في عقيدتنا أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية فهذا يدل على أن المرء كلما ازداد من الطاعات ازداد معه الإيمان، وكلما وقع في معصية نقص من إيمانه بقدر هذه المعصية التي ارتكبها.
[ ٥٣ / ٢ ]
حديث شعب الإيمان وبيان تعدد هذه الشعب
الإيمان شعب، كما في حديث أبي هريرة في مسلم: (الإيمان بضع وسبعون شعبة).
وفي الصحيحين: (بضع وستون شعبة، أعلاها -كما في رواية مسلم - لا إله إلا الله).
وهو توحيد الله ﷿.
فأعلى شعبة من شعب الإيمان توحيد الله ﷿، ويقابله في أعظم الذنوب الشرك والكفر بالله ﷿، فأعظم ذنب يرتكبه المرء هو أن يشرك بالله ﷿.
وأعلى شعبة من شعب الإيمان التوحيد الخالص لله ﷿، كما في الحديث: (أعلاها -أي: أعلى هذه الشعب- لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان).
وهذا الحديث فيه إشارات متعددة: الأولى: بيان أن شعب الإيمان متعددة، وبالتالي الطاعات متعددة.
الثانية: أن شعب الإيمان بعضها أقوى من بعض، فلا يمكن أبدًا أن يستوي إماطة الأذى عن الطريق مع توحيد الله ﷿، بدليل أن من ترك الأذى في طريق الناس وهو قادر على أن يميطه لا يستوي مع من أشرك بالله ﷿، بل هذا ذنب وذاك كفر بواح.
فإذا كانت شعب الإيمان متعددة فهي كذلك متفاوتة في المرتبة والفضل والخلق وغير ذلك، ويجمعها كلها اسم الإيمان، ولذلك قال: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أو بضع وستون شعبة).
وهذا يدل على أن هذه الشعب كلها تدخل في مسمى الإيمان.
الثالثة: أن النبي ﵊ قال: (والحياء شعبة من الإيمان).
ولم يذكر بقية الشعب.
ولو نظرنا إلى المذكورات في هذا الحديث لوجدنا أن المذكورات: شهادة أن لا إله إلا الله، وإماطة الأذى عن الطريق، والحياء.
[ ٥٣ / ٣ ]
توحيد الله ﷿ من شعب الإيمان
جعل النبي ﵊ توحيد الله ﷿ أعلى مراتب الإيمان، وهو كذلك حقًا، وهذا التوحيد متعلق بالقلب واللسان والجوارح، فهو متعلق باللسان أولًا؛ لأن المرء القادر على أن ينطق بالشهادتين إذا لم ينطق بهما لا يصح له الإسلام، بل لا يثبت له الإسلام وإن عمل بمقتضى الإسلام كله؛ لأنه يجب عليه أولًا قبل العمل أن ينطق بالشهادتين، وفي حين نطقه بالشهادتين يستقر في قلبه الإيمان الجازم بهذه الكلمة محبة ورضًا وذلًا وخضوعًا، وغير ذلك من لوازم الإيمان.
إن كلمة التوحيد تستلزم نطقًا باللسان واعتقادًا بالقلب وعملًا بالجوارح بمقتضى هذا الإيمان، ونحن نقول دائمًا: الإيمان قول وعمل، قول باللسان وعمل بالجوارح والقلب، فلا بد أن يحب القلب هذه الكلمة، وأن يرضى عنها، وأن يعلم حقيقتها، وإلا فقد امتنع المشركون عن النطق بهذه الكلمة؛ لأنهم علموا مقتضياتها، وأنها ليست مجرد كلمة تقال فقط.
هذه الشعبة الأولى من شعب الإيمان، وهي في أصل الطاعة.
[ ٥٣ / ٤ ]
الحياء وإماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان
الشعبة الثانية: إماطة الأذى عن الطريق، وإماطة الأذى عن الطريق من عمل الجوارح، فجمع ﵊ بين عمل اللسان وعمل القلب في شهادة التوحيد، مع عمل الجوارح في إماطة الأذى عن الطريق، مع العامل النفسي الحياء؛ لأن الحياء هو انفعالات نفسية تدور في نفس الإنسان، فكأن النبي ﵊ أراد أن يقول: الإيمان لا بد أن يتخلل لسان المرء وقلبه وجوارحه وعواطفه، وحينئذ يكتمل الإيمان.
ولو أن المرء استقصى أعمال الإيمان كما استقصيناها من قبل مرارًا، لوجدنا أن أعمال الإيمان فيما هو الراجح من أقوال أهل العلم بلغت تسعًا وسبعين شعبة، فلو أن المرء حقق هذه الشعب كلها لاكتمل إيمانه؛ لأنه قال: (الإيمان - أي: الإيمان الكامل التام - بضع وسبعون شعبة).
والبضع من ثلاث إلى تسع.
وقد تتبع ابن حبان وغير واحد الأعمال القلبية وأعمال الجوارح واللسان التي وردت في القرآن والسنة فوجدوها تسعًا وسبعين عملًا، وهذا قد صنف في غير ما كتاب، كما صنف في ذلك القزويني والإمام البيهقي وغير واحد في كتب أسموها: شعب الإيمان، وأقوى هذه الكتب وأكثرها استيعابًا هو كتاب شعب الإيمان للبيهقي، وهو كتاب عظيم جدًا في حوالي عشرين مجلدًا شرح فيها شعب الإيمان، وقد سار فيه على منهج ابن حبان بأن شعب الإيمان تسعًا وسبعين شعبة.
وهناك كتاب الإيمان للإمام البخاري، وكذلك كتاب الإيمان للإمام مسلم، وهما في صحيحيهما، وأصرح من مسلم الإمام البخاري حيث كان يقول: باب الزكاة من الإيمان وأتى بالدليل باب الصلاة من الإيمان باب الحج من الإيمان باب الصدقة من الإيمان باب الجهاد من الإيمان وفي كل باب كان يأتي بأدلة من السنة؛ ليثبت أن هذا العمل هو شعبة من شعب الإيمان.
[ ٥٣ / ٥ ]
كما أن الإيمان يزيد بالطاعة فإنه ينقص بالمعصية
إذا كان كل طاعة يأتيها المرء يزداد بها إيمانه فكذلك كل معصية في المقابل لا بد أن ينقص بها إيمان المرء، كما في قول النبي ﵊: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن).
فالعفاف والإحصان والطهر من الإيمان، وفي المقابل الزنا والفجور والخنا لا بد أن تكون مؤثرة في الإيمان بالنقصان.
قال: (ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة حين ينتهبها ذات شرف يتطلع إليه فيها الناس وهو مؤمن)، يعني: الغصب، فمن غصب شيئًا فهذا مؤثر في إيمانه.
[ ٥٣ / ٦ ]
حكم مرتكب الكبيرة عند أهل السنة وغيرهم
قوله: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) استدل به بعض الناس على إخراجه من الإيمان مطلقًا وأبقوا له الإسلام، وبعضهم قال: بل ينتفي عنه الإيمان في لحظة الزنا ثم يعود إليه فور انتهائه من الزنا، وهذا الرأي التزام بظاهر النص (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، يعني: ينزع عنه اسم الإيمان -وهو اسم المدح- حين المعصية، ثم يعود إليه اسم المدح بعد انتهائه من المعصية.
والخوارج يقولون: بل يكفر بهذا الذنب، لأن الخوارج أو غلاة الخوارج عندهم أن مرتكب الكبيرة كافر خارج عن الملة، والمعتزلة عندهم أن مرتكب الكبيرة لا كافر ولا مؤمن، وإنما هو في منزلة بين المنزلتين بين الإيمان والكفر.
ومن عجيب أقوالهم أنهم يقولون: هذا حكمه في الدنيا، وأما في الآخرة فإنه مخلد في النار، مع أن المقطوع به عند أهل السنة والجماعة أنه لا يخلد في النار إلا الكفار سواء كان كفرهم كفرًا أصليًا أو ردة أو نفاقًا، وأما الزنا فمع بشاعته وجرمه ونفور النفوس الطيبة عنه إلا أنه من جهة حكمه الشرعي كبيرة، وصاحب الكبيرة عند أهل السنة والجماعة إن تاب منها تاب الله ﷿ عليه بغير حد، وإن رفع أمره إلى السلطان واعترف أو أقيمت عليه البينة وأقيم عليه الحد فالحد كفارته؛ لأن الحدود كفارات لأهلها.
وإذا مات من ذنبه -أي: مات وهو مذنب مصر على ذنبه- وهو غير مستحل له فهو في مشيئة الله ﷿ إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، كما في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨].
وهذا قطع، فالله ﷿ لا يغفر الشرك مطلقًا إلا إذا تاب صاحبه منه، فإذا مات عن غير توبة فإنه لا يغفر له شركه، بل هو من المخلدين في نار جهنم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء:٤٨].
وكلمة ما دون ذلك تشمل الكبائر والصغائر، ولكن هذا مرهون ومعلق على مشيئة الله، يعني: إن شاء الله تعالى عذبه بعدله، وإن شاء ﷾ عفا عنه بفضله.
فصاحب الكبيرة بل وصاحب الصغائر هو في مشيئة الله ﷿ إن لم يتب قبل موته.
ومن ارتكب كبيرة وهو مستحل لها عالم بحرمتها خرج من دائرة الإسلام، فمن علم أن القتل كبيرة، وعلم أدلة هذا العمل الشنيع البشع، ولكنه أقدم على قتل صاحبه استحلالًا، يعني: وهو لا يعتقد أنه يأتي معصية، وإنما يفعل ذلك مستحلًا، كأن يقال له: إن هذا الدم حرام، فيقول: لا، بل هو حلال، فكأنه عاند وجحد، فمن استحل ذنبًا كبيرًا فلا شك أنه يخرج به من دائرة الإسلام إلى الكفر.
[ ٥٣ / ٧ ]
اختلاف الصحابة في حكم قاتل المؤمن عمدًا راجع إلى قول بعضهم بنسخ آيات النساء المتعلقة بجزاء قاتل المؤمن عمدًا
وقضية قاتل المؤمن عمدًا قضية مشكلة، ولذلك أشكلت على بعض أصحاب النبي ﵊، لأن الأمر فيها يحكمه عدة أدلة، فمنهم من ادعى النسخ بين هذه الأدلة التي جاءت في كتاب الله ﷿، ومنهم من قال بأن الآيات محكمة وليست منسوخة، وإذا قيل: آية محكمة فهذا يعني أن زعم النسخ فيها غير صحيح، أو أنه لم يقل أحد بأن فيها نسخًا، وقول الخطيب أو الواعظ: وجاء في آيات الله المحكمات، أي: التي لم يلحقها نسخ.
والنسخ لا يشمل الأخبار قط، وإنما يشمل الأحكام، وقضية النسخ في القرآن والسنة أو في العلم عمومًا لا تلحق الخبر؛ لأن الخبر لا يحتمل إلا أمرين، الصدق أو الكذب.
أما الإنشاء فيدخله النسخ، ومنه الأحكام، فالأحكام تتغير وتتبدل، فالله ﷿ قد أمر المسلمين أول الأمر أن يصلوا إلى بيت المقدس، حتى صلوا إليه سبعة عشر شهرًا أو ستة عشر شهرًا كما في الصحيحين، ثم نسخ ذلك وأمرهم بالصلاة إلى بيت الله الحرام، وهذا حكم.
والله تعالى لم يخبرنا عن أمة أو عن نبي أو عن رسول من السابقين ثم قال: لا، هذا لم يحدث، لأن هذه كلها أخبار عن الأمم الماضية والغابرة لا يلحقها النسخ، والنسخ إنما يلحق الأحكام.
لما كان القتل من الأحكام لا من الأخبار وتعارضت ظواهر نصوص الكتاب فيما يتعلق بهذا الحكم زعم جمهور أهل العلم من الصحابة وغيرهم أن الآيات التي وردت في هذه القضية أو في هذا الحد -فيما يتعلق بقتل المؤمن عمدًا- منسوخة بآيات أخر سنذكرها الآن.
وزعم ابن عباس وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد بن حنبل: أن الآيات غير منسوخة، بل هي محكمة، وسموا الآيات كما أسماها زيد بن ثابت ﵁: آيات الغلظة وآيات اللين، فسمى آيات سورة الفرقان بالآيات اللينة أي: التي لانت في أسلوبها مع القاتل أو مع وصف عباد الرحمن، وسمى آيات سورة النساء المتعلقة بجزاء القاتل للمؤمن عمدًا بالغلظة والشدة.
[ ٥٣ / ٨ ]
سياق ما روي في أن القاتل عمدًا له توبة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [سياق ما روي في أن القاتل عمدًا له توبة، وتفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣] وأنها منسوخة بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء:٤٨].
وروي ذلك عن عمر وابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وإحدى الروايتين عن ابن عباس.
ومن التابعين روي ذلك عن مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وأبي مجلز لاحق بن حميد وغير واحد].
[ ٥٣ / ٩ ]
كلام ابن عمر في القول بنسخ الحكم بخلود قاتل المؤمن في النار
قال: [قال ابن عمر: كنا نرى أن من قتل مؤمنًا فقد وجبت له النار.
يعني: كانوا في أول الأمر وفي صدر الإسلام يرون أن من قتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه النار.
قال: وكنا نرى أن من أكل مال يتيمه فقد وجبت له النار، ومن أكل الربا فقد وجبت له النار، حتى أنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]].
والشاهد من هذا الحديث: أنهم كانوا يرون أن قاتل المؤمن عمدًا قد وجبت له النار، حتى نزل قول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨] فلم يستثن من عدم المغفرة إلا ذنبًا واحدًا وهو الشرك، وعلق مغفرة الذنوب التي هي دون الشرك على مشيئته، فقال: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء:٤٨]، أي: ما دون الشرك.
﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
ومنها القتل سواء كان ذلك قتل المؤمن أو قتل غير المؤمن.
قال: [قال ابن عمر: فلم ندر من يدخل في مشيئة الله ومن يخرج منها، فكففنا ورجونا].
يعني: يقول ابن عمر: لما أنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨] علمنا يقينًا أن الشرك ذنب لا يغفر، وأن ما دون الشرك يغفر إذا أراده الله ﷿ وشاءه، فلما خفيت علينا مشيئة الله في من أراد الله تعالى عذابه بذنبه أو مغفرته تفضلًا منه سبحانه كففنا عما كنا نعتقده أولًا أن آكل الربا قد وجبت له النار، وأن آكل مال اليتيم قد وجبت له النار، وأن قاتل المؤمن عمدًا قد وجبت له النار، فكففنا عن هذا المعتقد وقلنا: ما هي إلا ذنوب لا تبلغ درجة الشرك، وإذا كانت دون الشرك فهي داخلة في الذنوب التي علقت على مشيئة الله، فإن شاء أخذ المذنب بها وإن شاء عفا ﷾.
فلما خفي هذا على ابن عمر وغيره من سائر الخلق قال: فكففنا ورجونا.
وكلمة رجونا إشارة إلى معتقد أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بمعصية العاصي، فلو عصى إنسان معصية كبيرة فلا نتمنى له أن يدخل النار، وهذا من سعة رحمة رب العالمين، فقد أمرنا أن نترحم على أصحاب المعاصي، ونرجو لهم أن يرحمهم الله ﷿.
والناس عندهم من المعاصي الظاهرة ما يوجب لهم النار، ولو أراد الله تعالى أن يعاملهم بعدله لأدخلهم النار، ولكنه ﷾ يتفضل بالعفو عنهم؛ لأنه الغني عن عذاب عباده.
ونحن عندنا من الذنوب الشيء الكثير الذي يبلغ درجة الزنا وشرب الخمر والقتل أحيانًا، وهو الوقيعة في أعراض الناس بالغيبة والنميمة، ونقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد، وهذه من كبائر الذنوب، ونحن نقع فيها بالليل والنهار، والإخوة الصالحون يأنفون جدًا من سماع لفظ الزنا والسرقة والقتل وشرب الخمر وغير ذلك، وهم أبعد الناس عن ذلك، وإذا كانوا يحرمون السجائر فكيف بالخمر الصريحة؟ وهذا من فضل الله ﷿ على أبناء الصحوة وأصحاب الالتزام، لكن هناك كبائر عظيمة جدًا مهلكة لأصحابها يقعون فيها، بل من فرط ما وقعنا فيها استمرأناها، كالغيبة والنميمة وغيرها من الذنوب.
ولو أنك راجعت كتابًا من كتب الكبائر ككتاب الكبائر للإمام الذهبي فإنك ستجد أنه عد اثنتين وسبعين كبيرة، ولعلمت أنك واقع في عشر كبائر على الأقل، مع أنك تنظر بعين السخط لأصحاب الكبائر الظاهرة، في الوقت الذي تقع أنت فيه في كبائر أخرى، لكنها كبائر خفية، مثلما تقع في الغيبة والنميمة في ثوب النصح، ولكن هذا المكر لا يخفى على الله ﷿.
فينبغي على كل منا أن يعلم الفرق بين كبائر الذنوب وصغائرها، وأن ينزه نفسه ودينه وعرضه عن كبائر الذنوب وصغيرها.
قال: [وقال ابن عمر: كنا نبت على القاتل -أي: نقطع للقاتل عمدًا بأنه في النار- حتى نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فأمسكنا]، أي: فأمسكنا عن هذا البت والقطع.
يعني: كانوا إذا أتاهم قاتل يقول: أنا قتلت مؤمنًا، يقولون له: أنت في النار لا محالة، وليس عندنا من العلم إلا هذا، حتى نزل قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء:٤٨].
ومنه القتل.
[ ٥٣ / ١٠ ]
كلام عمر في القول بنسخ الحكم بخلود قاتل المؤمن في النار
قال: [وجاء رجل إلى عمر ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين! إني قتلت، فهل لي من توبة؟ فقرأ عليه عمر: ﴿حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ [غافر:١ - ٣]، ثم قال له: اعمل ولا تيئس].
فبين له أن الله تعالى غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، وإجابة عمر إجابة ليس فيها قطع في القضية، ولكن عمر شرح له هذه الآية وقال له: اعمل ولا تيئس، وإذا كان مقطوعًا له بالنار لا محالة فلم العمل؟ والكافر الذي يموت على كفره لا ينفعه عمل صالح إلا إذا أسلم وآمن، فحينئذ يضاعف له عمله ويضم إليه عمله الصالح الذي كان يعمله في الجاهلية.
[ ٥٣ / ١١ ]
كلام ابن عباس في القول بنسخ الحكم بخلود قاتل المؤمن في النار
قال: [وجاء إلى ابن عباس رجل فقال: إني خطبت امرأة فأبت أن تنكحني وخطبها غيري فأحبت أن تنكحه، فغرت عليها فقتلتها]، أي: لما تقدم لها غيره رضيت بذلك وقبلت ووافقت، فغار عليها مع أنه ليس خاطبًا ولا عاقدًا ولا قريبًا لها، فلما غار عليها قام إليها فقتلها، وهذا حب أعمى.
قال: [قال ابن عباس: أمك حية؟ قال: لا.
قال: تب إلى الله ﷿ وتقرب إليه].
وابن عباس من صغار الصحابة، فقد ولد قبل الهجرة بثلاث سنوات، في شعب من شعاب قريش قبل هجرة النبي ﵇ بثلاث سنين، وصغار الصحابة هو وعبد الله بن عمر والبراء وأنس بن مالك وغيرهم لما كانت غزوة بدر لم يكن سنهم بلغ الخامسة عشر، ولذلك لم يجزهم النبي ﵊ في القتال، لأنه ما كان يجيز من كان أقل من سن خمسة عشر عامًا، ابن عباس كان أصغر منهم جميعًا.
ولما جمع عمر بن الخطاب ﵁ الناس بعد موت النبي ﵊ ولم يكن ابن عباس نبت له، يعني: كان صغيرًا لم ينبت له شعر، فالنبي ﵇ مات وعند ابن عباس ثلاثة عشر عامًا فقط، وكان طفلًا أو غلامًا ذكيًا جدًا ببركة دعوة النبي ﵊ له، فلما سأل عمر كبار المهاجرين والأنصار عن معنى قول الله ﷿: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١ - ٣] أجمعوا كلهم على أن المقصود بها فتح مكة.
فلما جاء الدور على ابن عباس قال: ما أرى إلا أن الله تعالى نعى إلينا رسوله، فقال أمير المؤمنين: وأنا والله لا أرى منها إلا ما ترى يا ابن عباس! قال: [وعن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:١١٠]-ولا شك أن القاتل قد عمل سوءًا وقد ظلم نفسه- قال: أخبر الله تعالى عباده بحلمه وعفوه وكرمه وسعة رحمته ومغفرته، فمن أذنب ذنبًا صغيرًا أو كبيرًا].
ولم يقل له ابن عباس: كفرت، أو وجبت لك النار.
ونحن نعلم أن هذه المسألة - أي: مسألة قتل المؤمن عمدًا - خالف فيها ابن عباس جميع الصحابة، فقال بأنه في النار خالد مخلد فيها أبدًا، وقال جمهور الصحابة: بل قتل المؤمن كبيرة من الكبائر، وتأخذ حكم الكبيرة، فإذا أقيم عليه الحد أو تاب منها أو مات ولم يتب فإنه في مشيئة الله ﷿.
والشاهد من ذلك: أن ابن عباس اجتهد في أول أمره في حكم قاتل المؤمن عمدًا فقال بخلوده في النار، وأنه لا يغفر له ذلك، ثم تغير اجتهاده بعد ذلك لما وقف على قول جماهير الصحابة أو قول كل الصحابة دونه، فلما علم أن الحق معهم رجع عن قوله الأول.
[ ٥٣ / ١٢ ]
سبب إهمال اللالكائي لما روي عن ابن عباس أول الأمر من عدم قبول توبة القاتل عمدًا
لما كانت هذه المسألة محل اضطراب عند ابن عباس، ولم يعلم ويشتهر بمخالفة جماهير الصحابة فيه إلا هذا الصحابي الجليل ابن عباس لم يورد الإمام اللالكائي الآراء المسندة إليه بعدم قبول توبة التائب من قتل المؤمن عمدًا، وإنما أتى بالرأي الثاني الموافق لجماهير العلماء ومنهم الصحابة أجمعون إلا هو، وقيل: وافقه زيد بن ثابت.
وهذا ضعيف عنه.
وقد روي عن ابن عباس ما يدل على أنه رجع، فقد قال: أخبر الله تعالى عباده بحلمه وعفوه وكرمه وسعة رحمته ومغفرته، فمن أذنب ذنبًا صغيرًا أو كبيرًا - والمعلوم أن القتل كبيرة من الكبائر - ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا، ولو كانت ذنوبه أعظم من السماوات والأرض والجبال.
[ ٥٣ / ١٣ ]
ما جاء عن بعض الصحابة والتابعين في قبول توبة القاتل عمدًا
قال: [وقال ثمامة بن حزن: كنت مع أبي فسأل رجل عبد الله بن عمرو - أي: ابن العاص - فقال: من كل ذنب توبة يقبل الله التوبة؟ -يعني: لو أن العبد أذنب ذنوبًا فتاب من كل ذنب هل يقبل الله تعالى التوبة؟ - قال: نعم].
وهذا اللفظ من ألفاظ العموم، فقوله: (لو أن عبدًا أذنب كل ذنب) يشمل الكبائر والصغائر ويشمل القتل كذلك.
قال: [وعن مجاهد - وهو مجاهد بن جبر المكي من التابعين- قال: لقاتل المؤمن توبة].
ولما عدد الله ﷿ الكبائر أو بعض الكبائر ومنها قتل النفس قال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الفرقان:٧٠]، يعني: لا يتوب عليهم فقط، بل يجعل أعمالهم السيئة حسنات بحسن إيمانهم وصدقهم في توبتهم.
قال: [وعن سعيد بن جبير قال: ما أعلم لقاتل المؤمن توبة إلا الاستغفار].
يعني: جعل الاستغفار علامة توبة المؤمن.
وهناك حديث ضعيف يشهد لهذا المعتقد، قال: [فعنه ﷺ في قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء:٩٣] قال ﵊: (هو جزاؤه إن جازاه)]، يعني: هذا جزاؤه إن جازاه الله ﷿.
قال: [وعن سعيد بن جبير: أنها نزلت في مقيس بن صبابة حين قتل الفهري، وكان بعثه النبي ﷺ معه ليأخذ دية أخيه فأنزل الله فيه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]]، يعني: أن الله ﷿ سماه مؤمنًا وأخًا لك، فقال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [البقرة:١٧٨].
فالمعفو له هو القاتل، وصاحب العفو هم أولياء المقتول.
﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]، يعني: تلطف حتى في الكفارات وغير ذلك.
والله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات:٩].
فلم ينف الإيمان عن إحدى الطائفتين سواء كانت قاتلة أو مقتولة، ولا يمكن قط أن يستقيم وصف الإيمان - وهو اسم مدح - مع معتقد أن القاتل المؤمن عمدًا مخلد في نار جهنم وأنه لا تقبل منه التوبة، إذ كيف يكون مؤمنًا حينئذ؟
[ ٥٣ / ١٤ ]
شرح حديث قاتل المائة نفس
قال: [وعن أبي سعيد الخدري: أنه حدث أصحابه قال: لا أحدثكم إلا ما سمعته من رسول الله ﷺ، سمعته أذناي ووعاه قلبي: (أن عبدًا قتل تسعة وتسعين نفسًا، ثم عرضت له التوبة، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل -أي: راهب- فأتاه، فقال: إني قتلت تسعة وتسعين نفسًا فهل لي من توبة؟ فقال: أبعد قتل تسعة وتسعين نفسًا؟)] يعني: جئت تسأل عن التوبة بعدما قتلت تسعة وتسعين نفسًا.
قال: [(فانتضى سيفه فقتله فأكمل به المائة)]، يعني: فأشهر سيفه وقتله؛ لأنه أيسه من رحمة الله ﷿، فقد قال له: قتلت مائة نفس وتريد تتوب؟ كيف تتوب؟ فأيسه من رحمة الله، فأتم به المائة.
قال: [(ثم عرضت له التوبة)]، يعني: ثم فكر في التوبة من جديد: [(فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل فأتاه، فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟)]، واللغة تسمح بأن يعبر الشخص عن نفسه بضمير الغائب.
[(قال العالم: من يحول بينك وبين التوبة؟)] يعني: ومن الذي يمنعك من ذلك إذا كان باب التوبة مفتوحًا؟ والله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر، والتوبة تكون من المعصية، والله تعالى يقبل توبة العبد، وهي التوبة الخاصة بكل عبد على حدة، بخلاف التوبة العامة، فإن بابها مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها، فحينئذ لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا.
وأما التوبة الخاصة بكل عبد على حدة فوقتها الذي ترفع فيه ولا يقبل من صاحبها توبة هو أن تبلغ الروح الحلقوم ويصل إلى الغرغرة، أي: أن يشرف على الموت، فإذا أشرف على الموت وعاينه قال: إني تبت الآن، ولا يقبل منه ذلك.
قال: [(من يحول بينك وبين التوبة؟ اخرج من القرية الخبيثة التي أنت فيها)]، يعني: أيضًا فتح له باب الأمل والرجاء في سعة رحمة رب العالمين، ثم وصف له الطريق الذي ينجو به، وهو أن يهجر أرض السوء والمعصية وصحبة الباطل وينصرف إلى أرض جديدة يعبد الله تعالى فيها ولا يشرك به.
قال: [(اخرج من القرية الخبيثة التي أنت فيها إلى القرية الصالحة كذا وكذا، فاعبد ربك فيها.
قال: فخرج فعرض له أجله)]، يعني: أدركه أجله في أثناء الطريق قبل أن يصل.
[(فاختصمت فيه ملائكة العذاب وملائكة الرحمة، فقال إبليس عليه لعنة الله: لم يعصني ساعة قط -يعني: هذا تبعي، ومن حزبي- فقالت ملائكة الرحمن: إنه خرج تائبًا)] أي: يردون على إبليس فهو لم يعصك قط، لكن آخر أمره هو التوبة والرجوع والإنابة، والأعمال بالخواتيم كما أخبر ﵊.
قال: [(فبعث الله ملكًا فاختصموا إليه)، يعني: رضوا بأن يحكم بينهم].
قال: [(فاختصموا إليه، قال: انظروا إلى أي القريتين كان أقرب)] أي: قيسوا ما بين القريتين التي خرج منها والتي هو قادم إليها، فأيًا كان قربه إليها فهو من أهلها، فإذا كان لا زال في النصف الأول فقرية الخبث أولى به، وإذا كان أقرب إلى القرية التي هو ذاهب إليها فهو إلى الرحمة أقرب، قال: (انظروا إلى أي القريتين كان أقرب فألحقوه بها.
قال قتادة: فحدثنا الحسن: أنه لما عرف الموت احتضر بنفسه فقرب الله منه القرية الصالحة، وباعد منه القرية الخبيثة فألحقه بأهلها)]، يعني: أمر الله تعالى الأرض أن تطوى وأن تقترب حتى - جاء في أحدى الروايات - أنه كان أقرب إلى الأرض الطيبة قدر شبر واحد، فألحقوه بأهلها.
وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم.
[ ٥٣ / ١٥ ]
كفارة القتل العمد إذا عفى أولياء المقتول عن القصاص
قال: [وعن ابن الديلمي قال: أتيت واثلة بن الأسقع]، وواثلة بن الأسقع هو آخر الصحابة موتًا على الإطلاق.
قال: [فقلنا له: حدثنا حديثًا ليس فيه زيادة ولا نقصان فغضب، وقال: إن أحدكم ليقرأ ومصحفه معلق في بيته فيزيد وينقص، فقلنا: إنما أردنا حديثًا سمعته من النبي ﵊]، يعني: ما قصدوا ظاهر الكلام، واعتذروا بأن مقصودهم: حدثنا بحديث سمعته من الرسول لكن بغير زيادة ولا نقصان، فلا نريد أن نسمع من قولك شيئًا، ولكن انقل إلينا ما سمعته حرفيًا، فغضب لذلك وقال: إن أحدكم يقرأ في المصحف في بيته فيزيد وينقص، فكيف تلزموني بهذا؟ قال: [(فقال: أتينا رسول الله ﷺ في صاحب لنا أوجب -أي: وجبت له النار- فقال: اعتقوا عنه يعتق الله كل عضو منه عضوًا منه من النار)].
ولذلك جماهير العلماء يقولون: إن كفارة القتل العمد إذا رضي أهل القتيل بذلك هي عتق رقبة مؤمنة، فإذا أعتق نصف هذه الرقبة، يعني: لو كان شريكًا في رقبة فأعتق نصيبه فقد أعتق نصفه أو حظه في الشركة من هذا العبد من بدنه من النار، ويلزمه أن يشارك في عبد آخر ثم يعتق نصيبه حتى يكتمل له عبد كامل، مع إلزامه بالاستغفار والتوبة وحسن الإنابة إلى الله ﷿.
قال: [وعن ابن عمر: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إني أذنبت ذنبًا عظيمًا فهل لي من توبة؟ فقال رسول الله ﷺ: ألك والدة؟ قال: لا.
قال: ألك خالة؟ قال: نعم.
قال: اذهب فبرها)]، وهذا يدل على أن الخالة بمنزلة الأم.
أكبر الذنوب هو قتل المؤمن عمدًا، ولذلك الصحابة ﵃ لم يختلفوا قط في كبيرة من الكبائر بأن لها حكم الكبيرة إلا في قتل المؤمن عمدًا، ولذلك آثر اللالكائي أن يتكلم عن هذا في مقدمة موضوع حكم مرتكب الكبيرة لأجل الخلاف الناشئ فيه بين ابن عباس وبين الجمهور، والذي يترجح لدي أن ابن عباس رجع عن رأيه الأول وهو أن قاتل المؤمن عمدًا لا توبة له، وأن الله تعالى يقبل توبة التائب من ذنبه مهما كبر حتى وإن كان قتل المؤمن عمدًا.
والمعاصي كلها صغيرها وكبيرها مؤثرة في نقصان الإيمان، كما أن الطاعات مؤثرة في الإيمان بالزيادة، حتى وإن كانت أعظم الذنوب، وأعظمها هو قتل المؤمن عمدًا.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٥٣ / ١٦ ]
الأسئلة
[ ٥٣ / ١٧ ]
حكم من لم يقدر على إرجاع ما أخذه من الغير
السؤال
كنت أعمل في أحد الفنادق وألزمني المدير أن آخذ ملاحتين من الفندق، ثم تركت العمل لما علمت بخبثه، وأريد إرجاع ما أخذت، ولا سبيل إلى ذلك، فكيف أعمل؟
الجواب
بإمكانك أن تتصدق بهما وتتخلص منهما.
[ ٥٣ / ١٨ ]
ما يباح للخاطب
السؤال
أنا خاطب، فهل يجوز للمخطوبة أن تجلس معي وهي كاشفة وجهها؟
الجواب
لا تجلس لا وهي كاشفة ولا وهي مغطية، وأنا قد سألت هذا السؤال الشيخ الألباني ﵀ فقال: ولا أن يراسلها مراسلة، ولا أن يشافهها على الهاتف؛ لأن المخطوبة امرأة أجنبية، فإذا أردت أن تجلس معها فاعقد عليها، وأما قبل ذلك فإن الخطبة لا تثبت حقًا إلا حق الاحتجاز، يعني: أنها محجوزة لك، فلا يجوز لأحد أن يخطبها إلا أن تدع أنت، وبعضهم يقول: أجلس معها حتى أعلمها، فنقول: علم أبوها وأبوها سيعلمها، وتكون قد ضربت عصفورين بحجر.
[ ٥٣ / ١٩ ]
الإيمان بكرامات الأولياء والتحدث بها إلى الآخرين
السؤال
هل يجوز التحدث عن كرامات بعض الصالحين في هذا الزمن وأنا لم أرها، ولكني سمعتها من بعض الإخوة، فهل يجوز لي التحدث بها؟
الجواب
الإيمان بكرامات الأولياء من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، فكيف نكتم أصلًا من أصول إيماننا.
ولكن نخشى أن يلتبس هذا الكلام بخرافات الصوفية وغيرهم، وكرامات الأولياء والصالحين أمر ثابت مستقر في عقيدة الموحدين، والتحدث به من باب البشارة ومن باب الخير، وأرجو ألا يخلط بين هذا وذاك، ولذلك جعل شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله حدًا فاصلًا بين هذه الخزعبلات والخرافات وبين الكرامات، كما نقل عنه غير واحد، فقد قال: لا تعجب من عمل العامل حتى لو طار في الهواء ومشى على الماء حتى تنظر إلى عمله، فإن كان عمله مستقيمًا على كتاب الله وسنة رسوله فاعلم أن هذه كرامة، وإذا كان عمله غير ذلك فاعلم أن هذا استدراج من الشيطان.
[ ٥٣ / ٢٠ ]
مدى صحة حديث (من أدخل سرورًا على مسلم)
السؤال
يقول: (إن من أدخل سرورًا على مسلم خلق الله من هذا السرور ملكًا يعبد الله ﷿ إلى يوم القيامة)؟
الجواب
لا أعرفه أبدًا، ويبدو أنه من وضعك أنت، يعني حتى أنك لم تأت به من كتب الموضوعات.
[ ٥٣ / ٢١ ]
حكم تأخر من يصلح للإمامة إذا لم يوجد غيره
السؤال
من كان يعمل كبيرة توجب لعنة الله ثم تركها لأجل الله ﷿ وتعلم القرآن وصار الناس يرونه أهلًا للإمامة وهو يخاف أن يتقدمهم، ويخاف أيضًا أن يتخلف عن إمامتهم فهو من أقرئهم للقرآن، حتى لا يدخل للإمامة من يفسد الصلاة، فكيف المخرج يرحمكم الله تعالى؟
الجواب
ويرحمكم.
لا بد أن تعلم أن الإمامة هي دين الله ﷿، يعني: أن مسألة الإمامة والتصدي لإمامة الناس أو تدريسهم أو قضاء حوائجهم من التكليف الشرعي، فهذا الأمر ليس من باب التشريف بل هو تكليف شرعي، فإذا تعينت عليك الإمامة -بمعنى: أنه لا يوجد أحد في الناس يصلح أن يكون إمامًا إلا أنت- فتأخرك معصية لله ﷿، وهذا ورع كاذب، بل الورع هو الاستقامة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، فالاستقامة: أن تحافظ على صحة صلاتك وصحة صلاة الناس.
ولو تورعت أن تصلي بالناس ثم دخلت في الصلاة الجهرية خلف شخص لا يحسن قراءة الفاتحة فإنك ستبقى في صراع نفسي أثناء الصلاة هل تعيد الصلاة أم لا؟ وإذا كنت خائفًا على صلاة الناس أيضًا فماذا ستقول لهم بعد الصلاة؟ وهل ستأمرهم بإعادة الصلاة؛ لأن هذه الصلاة باطلة.
وقد قال النبي ﵊: (ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله في النار)؛ لأنه تعين عليهم العمل فتخلفوا عنه عمدًا، فهذه معصية أخرى، فلا تتصور أن هذا ورع في وقت قد تجرأ فيه جل الناس على الإمامة، وكل واحد يرى أنه أولى بالإمامة وأنه أهل للإمامة، بل إن المؤذن الذي لا يحسن أن يؤذن إذا أذن وأقام الصلاة يجد شخصًا واقفًا جنبه أو اثنين أيضًا، بل إنه بعد أن يفرغ من الإقامة يطمع في الإمامة، وكل واحد يرى أنه أهل للإمامة، والورع أن تنظر بتقوى الله فلا ترى من هو أفضل منك للإمامة، وليس معنى ذلك أنك أفضل الناس على الإطلاق، ولكنك أفضل الموجودين في شروط الإمامة، مع أنه يمكن أن تكون فاسقًا عياذًا بالله، فقد يكون عندك كبيرة تفسق بها، وصاحب الكبيرة المحافظ عليها فاسق، وإمامة الفاسق جائزة، والفاسق لا يفسق إلا بكبيرة أو بالمحافظة على الصغيرة.
وتسعون في المائة من الأئمة في التكبير حتى في الصلاة السرية يقول: الله أجبر بالجيم بدل الكاف، ومذهب جماهير الفقهاء أن تحويل الكاف إلى جيم يبطل الصلاة ويلزم الإعادة حتى في الصلاة السرية.
فهذه مسائل فنية لا دراية لأحد بها إلا أحد تدرب عليها وعرف أحكام التجويد ومخارج الحروف، وعامة الناس لا علم لهم بذلك.
وهذه من مسائل الدين.
[ ٥٣ / ٢٢ ]