أهل السنة والجماعة هم الذين رفع الله ذكرهم، وأعلى مقامهم، وخلد آثارهم، لرفعهم وإعلائهم وتخليدهم سنة المصطفى ﷺ، واعتنائهم بها، وحفظهم لها، وذودهم عنها، وقد دون التاريخ عددًا لا يكاد يحصى من أئمة الدين، وأهل الرياسة في السنة، الذين كان لهم قدم صدق في ذلك.
[ ٤ / ١ ]
باب سياق ذكر من رسم بالإمامة في السنة والدعوة والهداية إلى طريق الاستقامة بعد رسول الله إمام الأئمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وبعد.
فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
بعد أن تكلمنا عن أهمية اتباع آثار السلف وعدم الخروج عنها، وذم البدعة واتباع الأهواء، واتباع العقل وتقديمه على النقل، ذكر الإمام اللالكائي باب خص فيه سرد أسماء من رسم بالإمامة في السنة، أي: من اشتهر بالدعوة إلى السنة والدعوة إلى الهداية وإلى طريق الاستقامة بعد رسول الله ﵊ وهو إمام الأئمة.
[ ٤ / ٢ ]
المشهورون بالإمامة من الصحابة رضوان الله عليهم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فمن الصحابة: أبو بكر الصديق ﵁ وعمر وعثمان وعلي والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وابن عباس وابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن الزبير وزيد بن ثابت وأبو الدرداء وعبادة بن الصامت وأبو موسى الأشعري وعمران بن حصين وعمار بن ياسر وأبو هريرة وحذيفة بن اليمان وعقبة بن عامر الجهني وسلمان وجابر وأبو سعيد الخدري وحذيفة بن أسيد الغفاري وأبو أمامة صدي بن عجلان وجندب بن عبد الله البجلي وأبو مسعود عقبة بن عمرو وعمير بن حبيب بن خماشة وأبو الطفيل عامر بن واثلة وعائشة وأم سلمة ﵃ أجمعين].
يعني: كأنه أراد أن يقول: أشهر الصحابة الذين دعوا إلى سلوك سبيل السنة هم هؤلاء، وهذا لا ينافي أن الصحابة ﵃ جميعًا دعوا إلى السنة، ولكن من رسم بالإمامة في الدعوة إلى السنة والدعوة إلى طريق الهداية على منهاج النبوة هم هؤلاء، ولا ينفي أن غيرهم قام بهذا الدور، ولكن أدوارهم كانت أقل في الازدهار والاشتهار من هؤلاء.
[ ٤ / ٣ ]
المشهورون بالإمامة في السنة من أهل المدينة
قال: [ومن التابعين من أهل المدينة: سعيد بن المسيب] ولذلك أنت لا تسمع اسمًا من هذه الأسماء إلا وهو مشهور، لأن الله ﵎ كتب له الذكر والثناء الجميل في قلوب الناس بسبب دعوته إلى السنة [وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب وسليمان بن يسار ومحمد بن الحنفية وعلي بن الحسين وابنه محمد بن علي بن حسين وعمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد، وكعب الأحبار وزيد بن أسلم ومحمد بن مسلم الزهري وربيعة بن أبي عبد الرحمن المعروف بـ ربيعة الرأي -لأنه إمام أهل المدينة في زمانه وكان شيخًا لـ مالك - وعبد الله بن يزيد بن هرمز وزيد بن علي بن الحسين وعبد الله بن حسن وجعفر بن محمد الصادق.
ومن الطبقة الثالثة: أبو عبد الله مالك بن أنس الفقيه وعبد العزيز بن أبي سلمة المعروف بـ الماجشون.
ومن بعدهم: ابنه عبد الملك -يعني: عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون - وإسماعيل بن أبي أويس وأبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري ويحيى بن أبي كثير اليماني.
[ ٤ / ٤ ]
المشهورون بالإمامة في السنة من أهل مكة
قال: [ومن أهل مكة: عطاء -الذي هو ابن أبي رباح - وطاوس بن كيسان المدني ومجاهد بن جبر وابن أبي مليكة وعمرو بن دينار وعبد الله بن طاوس، ثم ابن جريج ونافع بن عمر الجمحي وسفيان بن عيينة وفضيل بن عياض ومحمد بن مسلم الطائفي ويحيى بن سليم الطائفي، ثم أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي الفقيه الإمام العلم، ثم عبد الله بن يزيد المقرئ وعبد الله بن الزبير الحميدي ﵃ أجمعين].
[ ٤ / ٥ ]
المشهورون بالإمامة في السنة من أهل الشام والجزيرة
قال: [ومن أهل الشام والجزيرة أو من يُعد فيهما من التابعين: عبد الله بن محيريز ورجاء بن حيوة وعبادة بن نسي وميمون بن مهران وعبد الكريم بن مالك الجزري.
ثم من بعدهم: إمام أهل الشام الإمام الأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو ومحمد بن الوليد الزبيدي، وسعيد بن عبد العزيز التنوخي وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر وعبد الله بن شوذب وأبو إسحاق الفزاري]، وهو إمام جبل لو أنك قرأت ترجمته لعلمت أنه لا يقل أبدًا في الجلالة والفضل عن أحمد بن حنبل.
قال: [ثم من بعدهم: أبو مسهر -وهو عبد الأعلى بن مسهر الدمشقي - وهشام بن عمار شيخ البخاري ومحمد بن سليمان المصيصي المعروف بـ لوين، وهذا إمام كبير من أئمة النقد.
[ ٤ / ٦ ]
المشهورون بالإمامة في السنة من أهل مصر
قال: [ومن أهل مصر: حيوة بن شريح والليث بن سعد وعبد الله بن لهيعة].
كانوا دعاة إلى السنة.
قال: [ومن بعدهم في مصر: عبد الله بن وهب وأشهب بن عبد العزيز]، وهو إمام جبل كبير يقول فيه الشافعي: ما أخرجت مصر أفقه من أشهب لولا طيش فيه.
فكان سريع الغضب وكان إذا غضب طاش وصاح في الذي أمامه، فهذه العصبية وهذا الغضب أثر على قبول كثير من علمه؛ ولذلك قال فيه الإمام الشافعي هذه الكلمة.
قال: [وعبد الرحمن بن القاسم وأبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني -الذي هو تلميذ الإمام الشافعي وكاتبه- وأبو يعقوب البويطي -تلميذ الشافعي كذلك- والربيع بن سليمان المرادي -تلميذ الشافعي - ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم] تلميذ الشافعي أيضًا.
واعلم أن الشافعي ﵀ كان إمام مدرسة الدعوة للسنة، ولذلك خرَّج تلاميذًا كلهم يدعون إلى السنة، فالتلميذ يرضع من شيخه منهجه، ويرضع منه سمته ودله وهديه ومنهجه حتى في حياته، لا أقول في دعوته فحسب وإنما في حياته؛ لأن الإنسان يؤثر ويتأثر، فإذا كان الأمر كذلك فإن كل إمام أخرج أئمة من بعده.
[ ٤ / ٧ ]
المشهورون بالإمامة في السنة من أهل الكوفة
قال: [ومن أهل الكوفة: الإمام الشعبي وعلقمة بن قيس وأبو البختري بن فيروز وإبراهيم النخعي وطلحة بن مصرف وزبيد بن الحارث والحكم بن عتيبة وابن مغول وأبو حيان التيمي وعبد الملك بن أبجر وحمزة الزيات ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى والثوري وشريك القاضي وزائدة بن قدامة وغيرهم من أهل العلم].
[ ٤ / ٨ ]
المشهورون بالإمامة في السنة من أهل البصرة
قال: [ومن أهل البصرة: أبو العالية الرياحي والحسن بن أبي الحسن البصري -الإمام الكبير الذي دعا إلى السنة، حتى خرج عليه واصل بن عطاء واعتزله- ومحمد بن سيرين وأبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي -هؤلاء أئمة كبار- ومن بعدهم: أيوب السختياني -الذي هو أبو بكر أيوب بن أبي تميمة ويونس بن عبيد وعبد الله بن عون وسليمان التيمي وأبو عمرو بن العلاء، ثم حماد بن سلمة وحماد بن زيد ويحيى القطان ومعاذ بن معاذ العنبري وعبد الرحمن بن مهدي ووهب بن جرير وأبو الحسن المديني وعباس بن عبد العظيم العنبري ومحمد بن بشار وسهيل بن عبد الله التستري].
[ ٤ / ٩ ]
المشهورون بالإمامة في السنة من أهل واسط وبغداد والموصل
قال: [ومن أهل واسط: هشيم بن بشير الواسطي وعمرو بن عون وشاذ بن يحيى ووهب بن بقية وأحمد بن سنان.
ومن أهل بغداد أحمد بن حنبل -وإن لم يكن في بغداد إلا أحمد بن حنبل لكفى، فهو إمام الدنيا بأسرها؛ ليس إمام السنة في بغداد فحسب، بل هو إمام أهل السنة في زمانه- وأبو زكريا يحيى بن معين -الإمام الكبير، إمام الجرح والتعديل- وأبو عبيد القاسم بن سلام وأبو ثور وأبو خيثمة زهير بن حرب والحسن بن الصباح البزار وأحمد بن إبراهيم الدورقي ومحمد بن جرير الطبري -صاحب التفسير- وأحمد بن سلمان النجاد -الفقيه- وأبو بكر النقاش المقرئ.
ومن أهل الموصل: المعافى بن عمران الموصلي].
[ ٤ / ١٠ ]
المشهورون بالإمامة في السنة من أهل خراسان
قال: [ومن أهل خراسان: عبد الله بن المبارك -الإمام الكبير- والفضل بن موسى السيناني والنضر بن محمد المروزي والنضر بن شميل المازني ونعيم بن حماد -الإمام الكبير العلم- وإسحاق -المعروف بـ ابن راهويه - وأحمد بن سيار المروزي ومحمد بن نصر المروزي -له كتاب اسمه (تعظيم قدر الصلاة) في مجلدين، ظل أهل العلم ينتظرونه دهرًا طويلًا حتى طُبع منذ خمس سنوات فقط -ويحيى بن يحيى النيسابوري - شيخ مسلم وتلميذ مالك -ومحمد بن يحيى الذهلي - قرين البخاري، بل هو أعلى منه- ومحمد بن أسلم الطوسي وحميد بن زنجويه النسوي وأبو قدامة السرخسي وعبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي ومحمد بن إسماعيل البخاري -الإمام الكبير صاحب الصحيح- ويعقوب بن سفيان الفسوي -صاحب كتاب المعرفة والتاريخ- وأبو داود سليمان بن الأشعث -صاحب السنن- وأبو عبد الرحمن النسوي وأبو عيسى الترمذي -صاحب السنن- ومحمد بن إسحاق بن خزيمة -صاحب الصحيح- ومحمد بن عقيل البلخي].
[ ٤ / ١١ ]
المشهورون بالإمامة في السنة من أهل الري وطبرستان
قال: [ومن أهل الري: أبو زرعة الرازي وأبو حاتم الرازي وأبو عبيد الله الإمام الكبير محمد بن مسلم بن واره الذي انفرد في زمانه بالدعوة إلى منهاج النبوة، وأبو مسعود بن الفرات نزيل أصبهان.
ومن بعدهم: عبد الرحمن بن أبي حاتم -يعني: عبد الرحمن ابن الإمام الكبير- ومن أهل طبرستان: إسماعيل بن سعيد الشالنجي والحسين بن علي الطبري وأبو نعيم الاستراباذي وعلي بن إبراهيم بن سلمة القطان القزويني].
يعني: الله تعالى سخر لدينه من يدعو إليه على منهاج النبوة في كل زمان ومكان حتى في البلاد التي لا تتكلم اللسان العربي، وهذا بلا شك من عظيم عناية الله ﷿ بهذا الدين العظيم، أن يسخر في بلاد العجم من يدعو بدعوة محمد ﵊، فصدق في هذه الأمة قول النبي ﵊: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق -أي: داعين إليه- لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك).
فلابد في كل زمان ومكان من قائم لله بحجة، ومبلغ دعوة الحق إلى الخلق إلى قيام الساعة.
ومن سوء الاعتقاد بالله ﷿: أن تعتقد أن الله تعالى يُخلي بلدًا من داع إليه، أو يُخلي زمانًا من داع إليه.
هذا من سوء الظن بالله ﷿.
ثم يتكلم الإمام بعد ذلك ويسرد ما روي عن النبي ﵊ في ثواب من حفظ السنة ومن أحياها ودعا إليها، ويعقبه بباب آخر أجمل منه وهو شروح أهل العلم لبعض الآيات التي حثت على التزام السنة والعمل بالحكمة.
[ ٤ / ١٢ ]
ثواب من حفظ السنة ومن أحياها ودعا إليها
قال: [سياق ما روي عن النبي ﷺ في ثواب من حفظ السنة ومن أحياها ودعا إليها].
[ ٤ / ١٣ ]
من سن في الإسلام سنة حسنة عمل بها بعده
فقال: [عن جرير بن عبد الله البجلي: (كنا عند النبي ﵊ فقال: من سن في الإسلام سنة حسنة عُمل بها من بعده كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة عُمل بها من بعده كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أوزارهم)]، وهذا الحديث أخرجه الإمام مسلم من حديث جرير بن عبد الله البجلي في الصحيح.
والسنة لها معان كثيرة، فالسنة هي الطريقة المسلوكة، فإما أن تكون هذه الطريقة المسلوكة حسنة أو سيئة، ولذلك تقول: فلان يسير سيرًا حسنًا، أو يسير سيرًا سيئًا، أو يسير على طريقة حسنة، أو على طريقة سيئة.
فقولك: على طريقة.
أي: على سنة سواء كانت سنة سيئة أو سنة حسنة، والسنة كذلك إنما تعني أقوال النبي ﵊ وأفعاله وتقريراته.
والسنة إما أن تكون خيرًا وإما أن تكون شرًا.
وعند الفقهاء السنة ما دون الفرض.
تقول: هذا فرض، وهذا سنة.
الظهر فرض، له سنن قبلية وبعدية.
فالسنة عند الفقهاء غير السنة عند أهل اللغة، وكذا هي غير السنة عند الأصوليين والمحدثين.
ولذلك السنة عند قوم: هي ما يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها.
فيتحدد المقصود والمراد من لفظ السنة إذا وردت في دليل أو في نص من السياق، أو من سبب ورود هذا النص، فحديث جرير هنا: (من سن في الإسلام سنة حسنة ومن سن في الإسلام سنة سيئة).
هل الإسلام فيه سنة حسنة وسنة سيئة مع قوله ﵊: (وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)؟ لا.
إذًا: البدعة في دين الله كلها ضلالة؛ لأنها محدثة لم تكن في زمن النبي ﵊، فكيف تكون هذه المحدثة سنة حسنة أحيانًا وسنة سيئة أحيانًا أخرى؟ لا.
لابد -ظاهر حديث البدع والنهي عنها- أن تكون كل محدثة في دين الله سيئة، ولكن بالنظر إلى سبب ورود هذا الحديث على جهة الخصوص -أي: حديث جرير - يرتفع الإشكال.
فانظر إلى السنة إذا كانت مندرجة تحت أصل شرعي ستكون سنة حسنة، فقوله هنا: (أن قومًا من مضر جاءوا إلى النبي ﷺ وهم حفاة عراة فتمعر وجه النبي ﵊ لما رأى ما نزل بهم من الفاقة -أي: من الفقر- فخطب الناس وحثهم على الصدقة، فجاء رجل من الأنصار بصرة عجزت يداه عن حملها، ثم تتابع الصحابة بجمع الصدقة، حتى سُر بذلك النبي ﵊، فعرض للرجل الأول الذي لمح مراد النبي ﵊ من هذا التوجيه وهذا الخطاب.
لما أمرهم وحثهم على الصدقة فطن هذا الرجل أن هذا الحث إنما هو لأجل هؤلاء القوم الذين أتوا حفاة عراة من مضر، وقد ظهرت على أبدانهم وثيابهم آثار الفقر، فذهب وأتى بما عنده فوضعه بين يدي النبي ﵊، فلما رأى الصحابة صنيع ذلك الرجل ذهبوا جميعًا إلى بيوتهم؛ فهذا أتى بفضل ماله، وهذا أتى بفضل زاده، وهذا أتى بفضل ملبسه ومشربه وغير ذلك فوضعوه في نطع، وحملوا ذلك النطع.
قال الراوي: فكادت أيديهم أن تكل.
يعني: أن تتعب من حمل هذا النطع الكبير أو هذا الجلد الكبير الذي وضع فيه تلك الصدقات.
قال: بل قد كلت).
وهذا دليل على أنهم إنما أتوا بما عندهم من خير.
(فلما رأى ذلك النبي ﷺ قال: من سن في الإسلام سنة حسنة) والذي سن هذا الصنيع إنما هو ذلك الرجل الأول الذي ذهب وأتى بما عنده ففعل بفعله وصنع صنيعه بقية الصحابة، ولكن الرجل هذا لما ذهب إلى بيته ليأتي بما عنده هل اخترع في دين الله أمرًا جديدًا أم أنه اندرج فعله وصنيعه تحت أصل عام وهو مشروعية الصدقة؟ الصدقة مشروعة من الأصل، ولكنه أحيا هذه السنة في قلوب الصحابة بفعله، فاستحق أن يقول النبي ﵊ عنه: (من سن في الإسلام).
يعني: من ذكر الناس وأحيا سنة كاد الناس أن يغفلوا عنها.
(فله أجرها) أي: أجر إحيائها وأجر عملها، وكذلك له أجر من عمل بهذه السنة من بعده إلى يوم القيامة شريطة ألا يُنقص ذلك من أجور من عمل بها من بعده شيئًا.
وفي المقابل: (من سن سنة سيئة).
وقال جرير: (خطبنا رسول الله ﷺ فقال: من سن سنة حسنة كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها من غير أن يُنقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا) أخرجه مسلم.
[ ٤ / ١٤ ]
من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه
قال: [وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان له من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا)].
[ ٤ / ١٥ ]
عليكم بالسبيل والسنة
قال: [وعن أبي بن كعب قال: عليكم بالسبيل والسنة]، أي: أحثكم وأحضكم على التمسك بالسبيل أي: الطريق، وهذا الطريق هو السنة.
قال: [فإنه ما على الأرض عبد على السبيل والسنة وذكر الرحمن ففاضت عيناه من خشية الله ﷿ فيعذبه الله]، يعني: ما من عبد على وجه الأرض على السبيل والسنة يذكر الله تعالى ويخافه حق خوفه إلا فاضت عيناه، فإذا كان كذلك فإن الله لا يعذبه.
قال: [وما على الأرض عبد على السبيل والسنة يذكر الرحمن تعالى في نفسه فاقشعر جلده من خشية الله، إلا كان مثله كمثل شجرة قد يبس ورقها، فهي كذلك إذ أصابتها ريح شديدة فتحات عنها ورقها -أي: سقط عنها ورقها- إلا حط عنه خطاياه كما تحات عن تلك الشجرة ورقها.
وإن اقتصادًا في سنة وسبيل خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة].
أي: اقتصاد في اتباع خير من اجتهاد في ابتداع.
لو أن المرء أخذ من السنة ما كان في وسعه وفي طاقته خير له من أن يجتهد في إحداث بدعة، فالبدعة في دين الله إما أن تكون بالنقصان وإما أن تكون بالزيادة، والشر في دين الله إما بالنقصان وإما بالزيادة.
فقال هنا: [وإن اقتصادًا في سنة وسبيل خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة، فانظروا أن يكون عملكم إن كان اجتهادًا أو اقتصادًا؛ أن يكون ذلك على منهاج الأنبياء وسنتهم].
هذه دعوة إمام كبير وعلم من أعلام الصحابة وهو أبي بن كعب.
[ ٤ / ١٦ ]
النظر إلى الرجل من أهل السنة يدعو إلى السنة عبادة
قال: [ثنا أبو إسحاق إسماعيل الأقرع: سمعت الحسن بن أبي جعفر يذكر عن أبي الصهباء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: النظر إلى الرجل من أهل السنة يدعو إلى السنة وينهى عن البدعة عبادة].
وهذا أثر صحيح عن ابن عباس ﵄، فالنظر في وجه الرجل من أهل السنة عبادة.
يعني: يتقرب بها الناظر إلى الله ﷿، يتملى من وجوه أهل السنة والجماعة الداعين إلى الله على منهاج النبوة، فلا شك أن هذه النظرة يؤجر عليها صاحبها إن نوى بذلك وجه الله.
[ ٤ / ١٧ ]
قمع البدعة بالسنة
قال: [وعن ابن عباس ﵄ قال: والله ما أظن على ظهر الأرض اليوم أحدًا أحب إلى الشيطان هلاكًا مني].
ابن عباس يتكلم عن نفسه ويقول: أنا أوقن أنه ليس على وجه الأرض أحد أحب هلاكًا إلى الشيطان مني، قيل له: وكيف؟ فقال: والله إنه لتحدث البدعة في مشرق أو في مغرب فيحملها الرجل إلي فإذا انتهت إلي قمعتها بالسنة فترد عليه] أي: على الشيطان؛ لأن الداعي إلى سلوك سبيل الضلالة أو سبل الضلال والانحراف إنما هو الشيطان بالدرجة الأولى على أيدي أعوانه من البشر، فإذا وقعت البدعة على مسامع رجل يدعو إلى السنة ويميز بينها وبين البدعة، ويمقت البدعة ويحب السنة فلا شك أنه سيدحض تلك البدعة ويردها ويثبت عوارها وفسادها، وبذلك لا يفلح الشيطان في استقرار وثبات تلك البدعة في قلوب شيعته، وبذلك يندحر وترد عليه بدعته، فحينئذ يغضب الشيطان من ذلك العالم الذي يدعو إلى السنة، ويتمنى هلاكه؛ لأن الشيطان إنما يجتهد أكثر ما يجتهد على الجُهال والعُباد، كما ورد في ذلك حديث وإن كان ضعيفًا جدًا: أن شيطانًا قال لإبليس: أيهما أشد علينا العالم أو العابد؟ قال: العالم.
فقال: وما دليل ذلك؟ -حتى الشيطان يسأل عن الدليل- قال: اذهبوا إلى فلان العابد وقولوا له: هل يستطيع ربك أن يجمع الدنيا في بيضة؟ فذهبوا إليه وتمثلوا بشرًا وقالوا: يا فلان هل يستطيع ربك أن يجمع الدنيا في بيضة؟ قال: أعوذ بالله إنه لا يقدر على ذلك، فنفى عن الله ﷿ القدرة -نسي أنه القدير وأنه يفعل ما يريد- فرجعوا إليه -أي: إلى شيخهم وأستاذهم إبليس الكبير- فقالوا: إنا سألناه فقال: أعوذ بالله، إنه لا يقدر على ذلك.
فقال: كفر من حيث لا يدري.
قال: اذهبوا إلى فلان العالم فاسألوه نفس السؤال، فذهبوا إليه فسألوه نفس السؤال؟ فضحك العالم وقال: نعم يقدر على ذلك؛ لأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
قالوا: وكيف؟ قال: إما أن يكبر حجم البيضة فيدخل الدنيا فيها، وإما أن يصغر الدنيا ويدخلها في البيضة.
وهذا الحديث ضعيف جدًا، يذكره الوعاظ على أنه من الأحاديث الثابتة أو من القصص الثابتة، ولكن الحافظ ابن عبد البر رواه بغير إسناد، وإن شئت فقل: بإسناد ضعيف واه جدًا.
[ ٤ / ١٨ ]
الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة
قال: [عن عبد الله: الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة].
ولذلك قال ﵊: (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم -اقتصاد في سنة- وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه).
لم يستثن ولم يجعل الانتهاء عن المعاصي في مقدورك، وإنما نهاك عنه كله، ابتعد عن كل ما حرم الله، أما ما أمرك الله تعالى به فأت منه ما استطعت.
أرأيت إلى هذه الرحمة عظيمة؟! إذا أمرك الله بأمر فإن كان في مقدورك فاعمله، وإن كان غير ذلك فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، أما المناهي كلها فداخلة في مقدور العبد وقدرته؛ لأنه قال: (وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم).
ومن هنا تبعيضية.
أي: فأتوا منه بعض الذي في وسعكم؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المنافع، والتحلي بالفضائل لا يكون إلا بعد التخلي عن الرذائل.
إذا أراد المرء أن يتحلى بخصلة جميلة فلابد أن يتخلص من ضدها الذميم قبل أن يتحلى بها.
يعني: ينظف قلبه أولًا من أدرانه ثم ينقيه بعد ذلك ويجعله مهيأً لقبول مكارم الأخلاق.
[ ٤ / ١٩ ]
الاعتصام بالسنة نجاة
قال: [عن الزهري قال: الاعتصام بالسنة نجاة].
يعني: نجاة من كل هلكة وانحراف وضلال وزيغ.
قال: [ثنا أبو المليح قال: كتب عمر بن عبد العزيز بإحياء السنة وإماتة البدعة].
أي: لما كان واليًا كتب إلى عُماله في الأمصار أن أظهروا السنة وادعوا إليها وأميتوا البدعة.
فهل رأيتم واليًا في عصرنا هذا ينصح عماله بأن يحيوا السنة ويميتوا البدعة؟!
[ ٤ / ٢٠ ]
إياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء
قال: عن عاصم: قال أبو العالية: تعلموا الإسلام فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم فإنه الإسلام، ولا تُحرفوا الإسلام يمينًا ولا شمالًا، وعليكم بسنة نبيكم والذي كان عليه أصحابه، وإياكم وهذه الأهواء التي تُلقي بين الناس العداوة والبغضاء.
قال: فحدثت الحسن بهذا فقال: صدق أبو العالية ونصح].
الحسن البصري رجل يعرف الكلام ويعرف وزنه ومقداره، فلما سمع هذا الكلام قال: صدق أبو العالية ونصح لهذه الأمة.
[قال: فحدثت حفصة بنت سيرين فقالت: يا باهلي -أي: هو عاصم - أأنت حدثت محمدًا بهذا؟ -يعني: أنت حدثت محمد بن سيرين الذي هو أخوها- فقال: لا.
قالت: فحدثه إذًا].
هذا كلام جميل جدًا، وقد حاز إعجاب الحسن البصري وعاصم الباهلي ومحمد بن سيرين وحفصة بنت سيرين.
يعني: أن الأهواء من شأنها أنها تلقي بين الناس العداوة والبغضاء.
ويرحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية الذي قال: إن أهل السنة أرحم لأهل البدع من بعضهم لبعض.
أي: رجل من أهل السنة هو أرحم وأعدل في أهل البدع من أهل البدع بعضهم مع بعض.
[ ٤ / ٢١ ]
لا يصح قول وعمل ونية إلا بالسنة
قال: [ثنا أبو حيان البصري قال: سمعت الحسن: لا يصح القول إلا بعمل].
يعني: مهما قلت إذا كنت لا تعمل فإنه لا نجاة، ولا يصح هذا القول، بل لابد أن يكون القول مع العمل.
ولذلك يقول علي بن أبي طالب: هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل.
فالعلم ينادي: اعمل بي وإلا تركتك.
ولذلك خير سبيل للمحافظة على العلم أن تعمل به، كما قال بشر الحافي عليه رحمة الله: يا أهل الحديث! أدوا زكاة الحديث، اعملوا من كل مائتين بخمسة.
فشبه العلم بالمال.
فلو أن العلم كالمال فاعمل بهذا العلم على قدر ما تخرج من زكاة المال؛ من كل مائة اثنين ونصف، فلما لم يمكن تجزئة الحديث قال: اعملوا من كل مائتي حديث بخمسة أحاديث.
[قال الحسن: لا يصح القول إلا بعمل، ولا يصح قول وعمل إلا بنية؛ لأن الأعمال بالنيات، ولا يصح قول وعمل ونية إلا بالسنة].
فكم من إنسان يعمل بنية صالحة خالصة ولكن عمله غير مستقيم فلا يقبل منه! وكم من إنسان عمله مستقيم -يعني: صحيح- ولكنه غير مخلص فيه، فكذلك لا يُقبل منه، فإذا صلى المرء رياءً لا تُقبل تلك الصلاة منه، ولكنها تصح إذا استوفت أركانها وشروطها.
فلو أن شخصًا صلى فقام قيامًا صحيحًا، ركع واطمأن، قام فاعتدل، سجد فاطمأن، جلس بين السجدتين فعل ذلك في كل ركعة، وكان من قبل متوضئًا وضوءًا صحيحًا، فإن هذه الصلاة قد استكملت أركانها وشروطها، فهي صحيحة، ولكن إن راءى بها صاحبها فإنها لا تُقبل عند الله، ولا أجر له فيها، ولكن لأهميتها أنها تُسقط عن العبد أن يطالب بإعادة الصلاة مرة أخرى، ولكن لا ثواب له فيها؛ لأن هذا العمل خلا من نية صالحة.
ولو أن العبد صلى لله ﷿ لا يبتغي شهرة ولا رياء ولا سمعة؛ لأن من سمع سمع الله به، ومن راءى راءى الله به.
ولو أن العبد صلى لله ﷿ لا يريد بذلك مدح الناس ولا ثناءهم، ولكنه صلى على غير هدى، نقر الصلاة نقر الغراب أو نقر الديك، أو التفت فيها التفات الثعلب، أو أنه لم يتقنها ولم يحسنها، أو لم يأت بركن فيها، أو أخل بشرط في صحتها، فلا شك أن هذه الصلاة على غير هدي النبي ﵊ وإن كان مخلصًا فيها؛ لأنها ليست مستقيمة، ولذلك يقول الفضيل بن عياض في قول الله ﷿: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود:٧].
قال: لا يكون العمل حسنًا حتى يكون خالصًا وصوابًا.
أي: حتى يكون خالصًا لله، وصوابًا على منهج النبي ﵊.
ولذلك تواطأت أقوال أهل السنة في كل زمان ومكان، قول الحسن وقول ابن سيرين وقول حفصة وقول الدراوردي وقول ابن المبارك وقول أحمد؛ تشابهت أقوالهم لأن اعتقادهم واحد، ومنهجهم واحد في العلم والعمل فتشابهت أقوالهم؛ لأن المعين الذي يستقون منه جميعًا كذلك واحد، فلابد أن يكون كلامهم واحد.
قال: لا يصح القول إلا بعمل، ولا يصح قول وعمل إلا بنية، ولا يصح قول وعمل ونية إلا باتباع السنة.
[ ٤ / ٢٢ ]
يا أهل السنة ترفقوا رحمكم الله
قال: [عن الحسن قال: يا أهل السنة! ترفقوا رحمكم الله فإنكم من أقل الناس.
ولا شك أن أهل السنة كثرة، ولكن الحسن إنما ينصح أئمة السنة لا عامة أهل السنة، والله تعالى أبى أن يعيش في زمان أهل السنة أقلية، ولكن أهل السنة بالمقارنة لأهل البدع كثرة كاثرة، فالقدرية أين هم؟ والخوارج أين هم؟ والشيعة أين هم؟ والإباضية أين هم؟ والإسماعيلية أين هم؟ والمرجئة أين هم؟ فحينما تذكر أصحاب بدعة بالمقارنة لأهل السنة في مجموع الأمة تجد أن مجموع أهل السنة أعظم من أهل البدعة، فقول الحسن موجه لأئمة السنة لا لعامة أهل السنة].
[ ٤ / ٢٣ ]
لا يقبل قول وعمل ونية إلا بنية موافقة للسنة
قال: [عن سعيد بن جبير قال: لا يُقبل قول إلا بعمل، ولا يُقبل عمل إلا بقول، ولا يُقبل عمل وقول إلا بنية، ولا يُقبل قول وعمل ونية إلا بنية موافقة للسنة].
وكأنه كلام الحسن البصري لأم؛ لأن المعين واحد.
هذا الكلام نُقل عن عشرات ومئات من أئمة أهل السنة، ولكن ما ذُكر يكفي.
وعن حماد بن زيد قال: كان أيوب -وهو ابن أبي تميمة السختياني إمام أهل البصرة وهو شيخ حماد بن زيد - عندي أفضل من جالسته، وأشده اتباعًا للسنة.
أما واصل بن عطاء، فلا أحد يتكلم عنه، وإذا تكلموا عنه لن يتكلموا عنه إلا بكل شر، فاعلم أن أهل السنة الله تعالى يكتب لهم الذكر الجميل والثناء الحسن إلى يوم القيامة، إذا ذُكر واصل بن عطاء والحسن البصري فإننا نميل إلى الحسن ونحبه؛ لأن الحسن كان إمام أهل البصرة في زمن التابعين وهو الداعي إلى السنة، وأما واصل بن عطاء فقد كان تلميذًا من تلامذة الحسن البصري، سأل أحدهم الحسن البصري وقال: ماذا تقول في مرتكب الكبيرة؟ والسؤال هذا موجه للحسن، فيقوم واصل ويسبق عليه الكتاب ويقف في المجلس ويقول: مرتكب الكبيرة لا هو مؤمن ولا هو كافر، وهو مخلد في النار.
فالسؤال أولًا لم يوجه له، وهذا مناف لأدب مجلس العلم؛ لأن الشيخ هو الذي يتكلم فقط وهو الذي يجيب فقط، وإنما أنت عليك أن تسمع، فلما رأى الحسن تغير وجهه وتمعر وغضب فقام في ناحية المسجد، في آخر المسجد، وأهل البدع في كل زمان ومكان متأخرون وليسوا هم الأفضل، هو لم يجلس في مكان الحسن البصري، بل ذهب إلى ركن المسجد والذي في قلبه مرض ذهب معه، فبمجرد ما إن رأوا رايته منحرفة رفعوا راية الانحراف وذهبوا وجلسوا مع واصل بن عطاء.
فهذا الذي حدث أراح الحسن البصري جدًا؛ لأنه كان لابد من التمييز؛ تمييز الطيب من الخبيث، لابد من تمييز الصف حتى يكون الجالس في هذا المجلس في أمان وستر وعافية وفهم نقي لمنهاج النبوة.
[ ٤ / ٢٤ ]
كراهة السلف للمشي خلفهم وأن توطأ أعقابهم
قال: [وقال سليمان بن المغيرة: كنت عند حميد بن هلال فلما قام من مجلسه تبعه أيوب ويونس بن عبيد فدخلوا عليه فرأيت في وجهه المساءة -أي: مغضب- قلت: مالك؟ قال: كنت أحسب أن هذين الشيخين الحسن وابن سيرين إن هلكا خلفاهما أيوب ويونس.
قلت: وإنا لنأمل ذلك فيهما.
قال: أما رأيت اتباعهما إياي؟ وذكر فعلهما].
يعني: المشي وراء العالم ليس من السنة، وكان الصحابة ﵃ يكرهون أن توطأ أعقابهم، ويقولون: إنما ذلك ذلة للتابع وفتنة للمتبوع.
والشخص أحيانًا لما ينظر في مساجد السلفيين ويرى ما لا يراه في مسجد الحسين والسيدة زينب، ولقد رأيت أحد الدعاة كان يحاضر في مسجد، وهو على سفر فصلى بهم العشاء فقصر وسلم من ركعتين، فحصل الشجار على الصف الأول خلف الشيخ، والذي حصل أيضًا أن شخصًا بعد أن وقف وكبر، قام آخر وأبعده من مكانه، فالإمام حينما سلم من ركعتين، والذين كانوا وراءه مباشرة، وهم راكعون كانوا يمدون أيديهم لكي يسلموا عليه وهم في الصلاة، فلما أدرك الشيخ جزاه الله خيرًا خطورة المسألة أجاز لنفسه أن يتحول عن هذا المكان قبل تسليم المأمومين، فقام بعض الناس بعد أن فرغوا من الصلاة، وأراه كالمرأة الثكلى التي فقدت ولدها، والذي يغمى عليه، والذي يقع على الأرض ما هذا! فهل يمكن أن تسمى هذه المساجد مساجد سلفية؟ ومع هذا لن تضروا الشيخ شيئًا، فالشيخ موقفه من الله ﷿ معروف وظاهر من الدعوة إلى السنة واتباعها، ولا ذنب له فيما يحدث حوله، والذنب كل الذنب في أن كلامه لم يُسمع لدى هؤلاء العوام.
فعند أن نقول: اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة.
يقال: الشيخ حاقد على الشيخ، أو عنده غيرة منه، أو شيء من هذا! أبدًا والله ما هو إلا حب اتباع السنة.
وإذا كنت أدعو إلى اتباع السنة فإن الشيخ الذي يصنع معه هذا إنما يدعو بنفس دعوتي ويكره الذي أكرهه، ويمقته أشد المقت كما أمقته أنا، فلماذا أكون أنا حاسدًا هذا الشيخ أو حاقدًا عليه؟ والنبي ﵊ كان يكره أن يوطأ عقبه.
وعبد الله بن مسعود الإمام الكبير العلم في الصحابة كان إذا فرغ من درسه يوم الخميس وانصرف فرأى أناسًا قد تبعوه يتوقف، فيقول لهم: ما حاجتكم؟ فيقضيها، فيفتي في مسألتهم.
فأيهما أولى بالاتباع عبد الله بن مسعود أم من أتى بعد عبد الله بن مسعود؟ هذا الكلام هو منهج السلف.
وقد رأينا في هذا المسجد تقريبًا في سنة (١٩٨٨م) أو (١٩٨٩م) على الأكثر أن شيخًا من الشيوخ وداعية من الدعاة المستقيمين على منهج النبي ﵊ نحسبه كذلك، لما علم بغلو الناس فيه بعد أن فرغ من درسه قال وهو في منبره: أقسمت عليكم بالله العظيم ألا يقوم أحد من مكانه حتى أنصرف خارج المسجد.
قال هذا وجزاه الله خيرًا، فقد أقام الحجة على الجميع، ومع هذا كأن هذا اليمين لم يُسمع، فلما ترك الشيخ الميكرفون انكب الناس عليه حتى ملكوا ذراعه.
وهل هذه سنة أم طفولية؟ فنحن لا تزال فينا جاهلية، ولا يزال فينا انحراف، ونحن نحتاج إلى تقويم وتوجيه.
[ ٤ / ٢٥ ]
الاعتناء بأهل السنة والحث على ملازمتهم
قال: [وقال أبو سليمان: رأيت سالم بن عبد الله بن عمر يسأل عن منازل البصريين: هل قدم أيوب؟].
يعني: سالم بن عبد الله بن عمر جالس في المدينة ويسأل عن أهل السنة الذين يأتون من أماكن بعيدة فيسأل عن أيوب بن أبي تميمة السختياني.
قال: [فلما رآه أيوب جمح إليه فعانقه].
وهذه من محبة أهل السنة بعضهم لبعض وإن اختلفت ديارهم.
عانقه أيوب.
قال: [وجعل يضمه إليه.
قال: وإذا رجل خشن عليه ثياب خشنة فقلت: من هذا؟ فقالوا: هو سالم بن عبد الله بن عمر ﵃.
وعن حماد بن زيد قال: قال أيوب: إني أخبر بموت الرجل من أهل السنة وكأني أفقد بعض أعضائي].
يعني: وكأن أحد أعضائي هو الذي مات وليس هذا الرجل؛ لأن أهل السنة بعضهم مع بعض كالجسد الواحد.
قال: [وعن أيوب قال: إن من سعادة الحدث -أي: من سعادة الغلام الصغير- والأعجمي أن يوفقهما الله لعالم من أهل السنة].
يعني: من أعظم نعمة عليك أن توفق إلى رجل من أهل السنة يعلمك السنة ويجنبك البدعة.
وهذه النعمة لو أنك ظللت تذكر الله تعالى عليها في الليل والنهار ما وفيته حقه، وإلا فأنت ترى أصحاب الأهواء وأهل الضلال هنا وهناك لا يعرفون شيئًا، وليس عندهم استعداد مطلقًا أن يسمعوا لأهل السنة كلمة واحدة، فالشيطان أغلق على قلوبهم.
والمساجد التي فيها الأضرحة والقبور وغيرها، تجد فيها الضباط وأساتذة الجامعات بل إن إمام الصوفية رئيس جامعة الأزهر لو سألته وقلت له: هل الصوفية كانت على عهد النبي ﷺ؟ لقال لك: لم تكن موجودة.
قال: [وعن ابن شوذب قال: إن من نعمة الله على الشاب إذا نسك -أي: إذا تعبد- أن يواخي صاحب سنة يحمله عليها].
يعني: أن يلازم صاحب سنة يعلمه إياها ويدله عليها.
قال: [وقال يوسف بن أسباط: كان أبي قدريًا].
يعني: ممن ينفي القدر ويقولون: لا قدر، وأن الأمر أنف.
أي: أن الله لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها، فينفون عن الله علمه السابق.
[قال: وإن أخوالي روافض].
يعني: يسبون أبا بكر وعمر قال: [فأنقذني الله بـ سفيان].
يعني: أنقذه من قدرية والده، ومن رفض أخواله، وهؤلاء هم أهله وعشيرته.
ولو أتيت إلى بلد كفارس إيران أو العراق أو سوريا التي انتشرت فيها وطغت مذاهب الضلال، فالنصيرية في سوريا كفر محض، وتجد عندهم الرفض والسب والشتم العلني لـ أبي بكر وعمر ﵄.
رفسنجاني زعيم إيران أتى ومعه وفده فدخل المسجد النبوي، وصلى فيه ركعتين، ثم ذهب ليزور النبي ﵊ فصلى عليه، ثم انحرف هو ووفده إلى قبر أبي بكر وعمر ورفعوا أيديهم وظلوا يسبون ويلعنون ويشتمون أبا بكر وعمر! فانزعج الناس، فذهبوا إلى إمام المسجد الإمام الحذيفي.
هذا الإمام الذي ما عُرف عنه إلا الالتزام والحفاظ على السنة والأدب والتواضع والإخبات والخوف من الله، حتى أتى إلى جانبه وسمع منه بأذنه هذا السب وهذا اللعن، ولكنه لم يستطع أن يقيم الموقف في حينه ووقته، فذهب فبات في بيته بشر ليلة، فأتاه النبي ﵊ في النوم وقال له: يا علي! اصعد المنبر فقل: كذا وكذا وكذا أي: رد على هؤلاء افتراءهم وبين لهم فضل عمر وفضل أبي بكر.
قال الحذيفي: فجبنت عن ذلك، ثم نمت مرة أخرى فأتاني النبي ﵊ فجبنت عن ذلك، فأتاني الثالثة بمثل ذلك.
فصعد المنبر في يوم الجمعة في خطبة الجمعة، وتكلم بكلام عظيم جدًا وحكى الذي قصصته على المنبر، ثم بين فساد الشيعة وعوار مذهبهم ومخالفتهم في الأصول لأهل السنة والجماعة، ثم رفض العلمانية التي أتت من قبل مصطفى أتاتورك في تركيا؛ لأن النبي ﵊ أمره في الرؤيا المنامية بثلاث: بالرد على العلمانية التي أتت من تركيا، والرفض والسب الذي أتى من فارس، والأمريكان الذين أتوا محتلين لبلاد العرب.
فتكلم الإمام الحذيفي حفظه الله في هذه المسائل الثلاث على منبر مسجد النبي ﵊، وما كان من الحكومة المباركة إلا أن استدعت الحذيفي وهو عميد كلية القرآن الكريم في الجامعة الإسلامية فعزلته عن العمادة وعزلته عن إمامة المسجد النبوي، ولكن هذا لا يضر الحذيفي لأنه عمل لله بسنة وإن كان واحدًا، فإن هذا الموقف سيُحمد له على ألسنة أهل السنة إلى قيام الساعة، وإن من خالف ذلك سيُذكر بالسوء إلى قيام الساعة.
قال: [وقال عمارة بن زاذان: قال لي أيوب: يا عمارة
[ ٤ / ٢٦ ]