لقد حرصت الشريعة الإسلامية من أول أيام التشريع على الوحدة والأخوة، ونبذ التفرق والاختلاف، ولهذا فقد نفرت من التفرق، وأخبرت أنه سبب الفشل والضعف والهوان.
[ ٧ / ١ ]
باب ذكر افتراق الأمم في دينهم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ذكرنا في الدرس الماضي ما يدل على افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة من كتاب الله ﷿، ثم من سنة النبي ﵊، وآثار الصحابة، ووقفنا على قول علي بن أبي طالب ﵁: لا تقوم الساعة حتى تكون هذه الأمة على بضع وسبعين ملة كلها في الهاوية -أي: في النار- وواحدة في الجنة.
[ ٧ / ٢ ]
أثر علي ﵁ في تفرق الأمة وأن شرها الداعية إليه
وفي رواية عنه عن عبد الله بن قيس قال: [اجتمع عند علي ﵁ جاثليتو النصارى ورأس الجالوت، فقال الرأس: أتجادلون؟ -أي: هل أنتم مستعدون للمجادلة؟ - على كم افترقت اليهود؟ قال: على إحدى وسبعين فرقة.
فقال علي ﵁: لتفترقن هذه الأمة على مثل ذلك، وأضلها فرقة وشرها الداعية إلينا].
وهذه شهادة من علي بن أبي طالب ﵁ يبين أن شر الفرق الشيعة.
قال: شرها الداعية إلينا أهل البيت، وآية ذلك -أي: وعلامة شرهم وأنهم أسوأ الخلق وأضلهم- أنهم يشتمون أبا بكر وعمر ﵄.
وهذه غصة في حلوق الشيعة عليهم من الله ما يستحقون، والشيعة يحملون هذه النصوص التي يثني فيها علي بن أبي طالب على أبي بكر وعمر وعثمان على التقية، حتى حملوا نكاح عمر ﵁ من ابنة علي ﵁ على التقية كذلك، والتقية باختصار شديد هي الكذب؛ لأن الشيعة اعتقدت الكذب دينًا لها، بخلاف الخوارج فقد كانوا يكفرون بالمعصية؛ ولذلك احتمل النقاد رواية علماء الخوارج؛ لأنهم يعلمون أنهم لا يكذبون؛ لأن من كذب عندهم فقد ارتكب كبيرة وأصبح كافرًا عندهم.
فالتقية هي: الكذب والحيلة والخداع والغش والتزوير والتمويه، وهذا هو دين الشيعة، فقد ورد في الصحيحين وغيرهما عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه كان يقدم أبا بكر وعمر على نفسه، بل ويقدم عثمان ﵃ أجمعين على نفسه.
وقال: من أتاني قد سب أبا بكر وعمر أقمت عليه حد المفتري، أو: من أتاني قد سب أبا بكر وعمر جلدته حد المفتري.
وهذه النصوص يقول عنها الشيعة: إن عليًا ما قال ذلك إلا تقية، أي: مداراة ومماراة حتى يفلت من عقاب الطرف الآخر ومن عقاب الخصوم، يعني: يقولون: إن عليًا قال ذلك نفاقًا، وهذا النفاق محمود وممدوح عندهم، وهو الخروج من الموقف بلباقة إذا أردنا أن نعبر بأسلوب العصر.
وعلي ﵁ كان أفضل وأجل من ذلك بكثير، فقد كان ﵁ يعلم قدر أبي بكر وعمر وعثمان وأنه بعدهم، ولذلك لما قيل لـ علي بن أبي طالب ﵁: أي الصحابة أفضل؟ قال: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، قيل له: ثم من؟ قال: لا أدري، قيل له: ثم علي؟ فتبسم وقال: وما علي إلا رجل من المسلمين.
وهذا أدب عظيم جدًا من علي بن أبي طالب.
ومعتقد أهل السنة والجماعة أن الأفضلية في الخلفاء الراشدين على نسقهم وترتيبهم في الخلافة، فـ أبو بكر ﵁ هو أول الخلفاء الراشدين خلافة وفضلًا، ثم من بعده عمر، ثم من بعده عثمان، ثم من بعده علي ﵁، هذا معتقدنا في الخلفاء الراشدين من جهة الفضل والخلافة.
قال ابن بطة: [فقد ذكرت من الرواية عن رسول الله ﷺ وما أخبر به من تفرق هذه الأمة ومضاهاتها في تفرقها اليهود والنصارى -يعني: أن هذه الأمة في تفرقها تشابه ما وقع من التفرق والاختلاف في أمة اليهود والنصارى- والأمم السالفة ما في بعضه كفاية لأهل الحق والرعاية]، يعني: أن الذي ذكرته يكفي في قيام الحجة وثبات المحجة لأهل الحق والرعاية.
قال: [فإن قال قائل: قد صح عندنا من كتاب ربنا ومن قول نبينا ﷺ: إن الأمم الماضية من أهل الكتاب تفرقوا واختلفوا وكفر بعضهم بعضًا، ومثل ذلك قد حل بهذه الأمة حتى قد كثرت فيهم الأهواء -يعني: البدع- وأصحاب الآراء والمذاهب، وكل ذلك قد رأيناه وشاهدناه، فنريد أن نعرف هذه الفرقة المذمومة لنجتنبها، ونسأل مولانا الكريم أن يعصمنا منها، ويعيذنا مما حل بأهلها الذين استهوتهم الشياطين، فأصبحوا حيارى عن طريق الحق صادفين.
[قلت: فاعلم -رحمك الله- أن لهذه الفرق والمذاهب كلها أصولًا أربعة]، يعني: أنه يجيب على السؤال ويبين هذه الفرق الضالة؛ حتى نحذرها ولا نقع في براثينها، ويقول: لن أعرف لك كل فرقة بفروعها وأصولها، وإنما أذكر لك أصول البدع، وأن هذه البدع الأصلية تتفرع وتتشعب، فأينما وقفت على بدعة أصلية أو فرعية فاحذرها.
قال: [فاعلم رحمك الله أن لهذه الفرق -أي: الثنتين والسبعين فرقة والمذاهب كلها- أصولًا أربعة، فكلها عن الحق حائدة، والإسلام وأهله معاندة، وعن أربعة أصول يتفرقون، ومنها يتشعبون، وإليها يرجعون، ثم تتشعب بهم الطرق، فتأخذهم الأهواء وقبيح الآراء حتى يكونوا في التفرق إلى ما لا يحصى].
[ ٧ / ٣ ]
أصول البدع
قال: [فأما الأربعة الأصول التي بها يعرفون وإليها يرجعون فهو ما حدثنا المسيب بن واضح قال: سمعت يوسف بن أسباط يقول: أصل البدع أربعة: الروافض، والخوارج، والقدرية، والمرجئة].
هذه هي أصول البدع، ثم كل فرقة من هذه الفرق تشعبت إلى عشرين فرقة أو أقل أو أكثر، حتى أصبح في نهاية الأمر مجموع هذه الأصول والفروع اثنين وسبعين.
وهذا العدد ليس متفقًا عليه، فمنهم من يجعل أصل الفرق أربع فرق، وهم جماهير السلف، وربما يكون اختلاف العد نظرًا لاختلاف العصر، فهذه الفرق التي أخبر النبي ﵊ عن تفرقها عن أمة الإسلام إنما أخبر بها في زمن النبوة، ولم تكن في زمن النبوة مفترقة، ولكن ظهرت أصول بعض البدع في زمن النبوة، ثم ازدادت هذه الأصول بعد ذلك، ثم في كل قرن تزداد ظهورًا ووضوحًا وتفرقًا، فربما يكون سبب اختلاف العد في الأصول والفروع هو بسبب اختلاف الظهور من عدمه في كل عصر من العصور.
قال: [ثم تتشعب كل فرقة ثمانية عشرة طائفة، فتلك اثنتان وسبعون فرقة، والثالث والسبعون هم الجماعة التي قال رسول الله ﷺ: إنها الناجية].
قال: [قال المسيب: أتيت يوسف بن أسباط فسلمت عليه وانتسبت إليه -يعني: قلت له: أنا قريب منك- وقلت له: يا أبا محمد! إنك بقية أسلاف العلم الماضين -يعني: أنت من بقية السلف الصالحين- وإنك إمام سنة، وأنت على من لقيك حجة -يعني: أنت حجة على من لقيك- ولم آتك لأسمع الأحاديث، ولكن لأسألك عن تفسيرها، وقد جاء هذا الحديث عن النبي ﷺ: (إن بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة)، فأخبرني من هذه الفرق حتى أتوقاها؟ فقال لي: أصلها أربعة، يعني: لم يخبره بالاثنين والسبعين فرقة، وإنما أخبره عن أصول هذه الفرق، قال: القدرية والمرجئة والشيعة -وهم الروافض- والخوارج، فثماني عشرة فرقة في القدرية، وثماني عشرة في المرجئة، وثماني عشرة في الخوارج، وثماني عشرة في الشيعة، ثم قال: ألا أحدثك بحديث لعل الله أن ينفعك به؟ قلت: بلى يرحمك الله، قال: أسلم رجل على عهد عمرو بن مرة فدخل مسجد الكوفة، فجعلت أجلس إلى قوم أصحاب أهواء، فكل يدعو إلى هواه، وقد اختلفوا علي، فما أدري بأيها أتمسك، فقال له عمرو بن مرة: اختلفوا عليك في الله ﷿ أنه ربهم؟] يعني: هذا الذي أسلم في زمن عمرو بن مرة ودخل المسجد، كان كلما جلس إلى قوم وجدهم يدعون إلى أهواء، ولا يدعون إلى كتاب وسنة، فرجع مرة ثانية إلى عمرو بن مرة يسأله: [إني جلست إلى أناس أصحاب أهواء، يدعون إلى أهوائهم، فقال له: اختلفوا عليك في الله ﷿ أنه ربهم؟ يعني: هل يشككونك في أن الله تعالى ربهم؟ قال: لا، قال: اختلفوا عليك في محمد ﷺ أنه نبيهم؟ قال: لا، قال: فاختلفوا عليك في الكعبة أنها قبلتهم؟ قال: لا، قال: فاختلفوا عليك في شهر رمضان أنه صومهم؟ قال: لا، قال: فاختلفوا عليك في الصلوات الخمس والزكاة والغسل من الجنابة؟ قال: لا، قال: فانظر هذا الذي اجتمعوا عليه فهو دينك ودينهم فتمسك به].
ومعنى هذا الكلام: أن الخلاف في الفروع جائز، وأن هذه الفرق قد اختلفت في أصول الدين.
وقد ذكرنا كيفية معرفة ما إذا كانت هذه فرقه أو لا، وذلك إذا خالفت في أصل عام من أصول الشرع أو قاعدة كلية من قواعده لا يسع أحدًا أن يعذر به، يعني: لو قلنا الآن لأجهل الجاهلين: هل الصلاة إلى القبلة أم إلى غيرها؟ فإنه يقول: إلى القبلة، لكنه لو قال: ولكني لا أدري أهي القبلة التي في مكة أو غيرها؟ فإنه لا يقبل منه هذا ولا يعذر به؛ لأنه لا يوجد أحد لا يعرف مكان القبلة، ولو قال: أنا مؤمن أن الله تعالى افترض علي خمس صلوات في اليوم والليلة، ولكني لا أدري كيفية هذه الصلوات ولا كيفية أدائها ولا أوقاتها لم يقبل هذا منه كذلك.
ولو قال: إن الله ﵎ افترض علي صيام رمضان، ولكني لا أدري متى يكون رمضان، هل هو قبل ربيع أو بعده؟ أو قبل رجب أو بعده؟ أو قبل شعبان أو بعده؟ لم يقبل منه هذا؛ لأن هذه أصول الديانة.
فهو هنا يقول له: اختلفوا عليك في الله أنه ربهم؟ قال له: لا لم يختلفوا في هذه القضية، يعني: أنهم متمسكون بأصل التوحيد، قال: اختلفوا عليك في محمد ﷺ أنه نبيهم وأن الله أرسله إليهم؟ قال: لا، يعني: لم يختلفوا في هذه القضية، فمسألة الرسالة والنبوة من مسائل الأصول لا الفروع، ولا يوجد شخص يقول: أنا أعلم أن الله أرسل الأنبياء والرسل، ولا أدري من آخرهم رسالة، أو يقول: أنا أعلم أن الله تعالى أرسل إلى خلقه الأنبياء والمرسلين، ولكني لا أدري أمحمد رسول أم غير رسول؟ والقائل بهذا يكفر فورًا.
فسأله: هل اختلفوا عليك في الصلوات؟ قال: لا، قال: في الصيام؟ قال: لا، قال: في الزكاة؟ قال: لا.
وهذا يدل على أن الفرقة لا تكون فرقة إلا إذا خالفت في
[ ٧ / ٤ ]
أثر ابن عباس في تفرق الأمة
قال: [عن ابن عباس قال: تفرقت اليهود على إحدى وسبعين، والنصارى على اثنتين وسبعين، وأنتم على ثلاث وسبعين، وإن من أضلها وشرها وأخبثها: الشيعة الذين يشتمون أبا بكر وعمر ﵄].
ونص ابن عباس هذا صحيح عنه، وهو يشهد لنص علي بن أبي طالب، وابن عباس وعلي بن أبي طالب من آل البيت ﵄.
[ ٧ / ٥ ]
أصول الفرق عند ابن المبارك
قال: [قال: حفص بن حميد: قلت لـ عبد الله بن المبارك: على كم افترقت هذه الأمة -أي: الأمة المحمدية؟ - قال: الأصل أربع فرق.
يعني: ستفترق إلى ثلاث وسبعين، ولكن مرد هذا الاختلاف إلى أربع فرق.
قال: هم الشيعة والحرورية -والحرورية هم الخوارج، وسموا بالحرورية لنزولهم مكان يسمى حروراء، وفيه تكتلوا وتحيزوا وتميزوا- والقدرية والمرجئة، فافترقت الشيعة على ثنتين وعشرين فرقة، وافترقت الحرورية على إحدى وعشرين فرقة، وافترقت القدرية على ست عشرة فرقة، وافترقت المرجئة على ثلاث عشرة فرقة.
قلت: يا أبا عبد الرحمن! لم أسمعك تذكر الجهمية -يعني: لم تذكر إلا الشيعة والقدرية والخوارج والمرجئة، ولكنك ما ذكرت الجهمية- فقال عبد الله بن المبارك: إنما سألتني عن فرق المسلمين -يعني: أن هؤلاء عند عبد الله بن المبارك غير معدودين في فرق المسلمين- ولم تسألني عن الكفار].
[ ٧ / ٦ ]
أصول الفرق عند أبي حاتم
قال: [قال أبو حاتم: وأخبرت عن بعض أهل العلم: أول ما افترق من هذه الأمة الزنادقة، وهم: القدرية والمرجئة والرافضة والحرورية، فهذا جماع الفرق وأصولها، ثم تشعبت كل فرقة من هذه الفرق على فرق، وكان جماعها الأصل، واختلفوا في الفروع، فكفر بعضهم بعضًا، وهذا شأن أهل البدع دائمًا، إذا اختلفوا في شيء يكفر بعضهم بعضًا ويلعن بعضهم بعضًا.
وأما أهل السنة فإن اختلفوا خطأ بعضهم بعضًا].
ولم يكفر أو يلعن بعضهم بعضًا، فإصدار الأحكام القاسية الشديدة التي في غير محلها إنما هو من شأن أهل البدع، والتخطئة والنصح سرًا وعلنًا هو سبيل ونهج أهل السنة والجماعة.
ولذلك قال ابن تيمية عليه رحمة الله: أهل السنة أرحم بأهل البدع من بعضهم ببعض؛ لأن أهل السنة يتحرجون جدًا من إطلاق ألفاظ التكفير إلا إذا اقتضى الأمر ذلك، وأما أهل البدع فإنهم يبادرون ويسارعون بتكفير بعضهم بعضًا، وبلعن وسب بعضهم بعضًا.
قال: وجهل بعضهم بعضًا، فافترقت الزنادقة على إحدى عشرة فرقة، وكان منها المعطلة، ومنها المنانية، وإنما سموا المنانية برجل كان يقال له: ماني، كان يدعو إلى الاثنين -أي: إله الظلمة وإله النور- فزعموا أنه نبيهم في زمن الأكاسرة، فقتله بعضهم.
ومنهم المزدكية؛ لأن رجلًا ظهر في زمن الأكاسرة يقال له: مزدك.
ومنهم العبدكية، وإنما سموا العبدكية؛ لأن عبدك هو الذي أحدث لهم هذا الرأي، ودعاهم إليه.
ومنهم الروحانية، وسموا الفكرية.
ومنهم الجهمية، وهم صنف من المعطلة، وهم أصناف -يعني: المعطلة أصناف- وإنما سموا الجهمية لأن جهم بن صفوان كان أول من اشتق هذا الكلام من كلام السمنية، وهم صنف من العجم كانوا بناحية خراسان، وكانوا قد شككوه في دينه وفي ربه حتى ترك الصلاة أربعين يومًا لا يصلي، فقال: لا أصلي لمن لا أعرف، ثم اشتق هذا الكلام.
ومنهم السبئية، وهم صنف من العجم يكونون بناحية خراسان، وذكر فرقًا أخر بصفات مقالاتهم.
ومنهم الحرورية، وافترقوا على ثماني عشرة فرقة، وإنما سموا الحرورية لأنهم خرجوا بحروراء أول ما خرجوا.
وصنف منهم يقال لهم: الأزارقة، وإنما سموا الأزارقة بـ نافع بن الأزرق، ومنهم النجدية، وإنما سموا النجدية بـ نجدة، ومنهم الأباضية، وإنما سموا الأباضية بـ عبد الله بن إباض، ومنهم الصفرية، وإنما سموا الصفرية بـ عبيدة الأصفر، ومنهم الشمراخية وإنما سموا الشمراخية بـ أبي شمراخ رأسهم، ومنهم السرية، وذكر منهم، ومنهم ومنهم، حتى عد اثنتين وسبعين فرقة.
[ ٧ / ٧ ]
مخالفة الفرق لمذهب أهل السنة في الأصول
إن من الفائدة: ذكر هذه الفرق الثنتين والسبعين ولو بشيء من الإيجاز؛ حتى نعلم أنهم ما استحقوا اسم الفرقة إلا لمخالفتهم في أصل من الأصول، وعندما تأتي وتذكر هذه الفرق ببعض علاماتها لابد أن تجد في هذه العلامات ولو علامة واحدة من القواعد الكلية والأصول العامة في الشريعة الإسلامية، فلما كان هذا ديدنهم ونهجهم ودينهم استحقوا بمخالفتهم لهذه القاعدة الكلية والأصل العام أن يكونوا فرقة من الفرق، والكتاب لم يذكر هذا بشيء من التفصيل إلا على نحو مما ذكره عبد الله بن المبارك الإمام المبجل المعظم.
وهناك كتاب مختصر جدًا ابن الجوزي اسمه: (كيد الشيطان لنفسه قبل خلق آدم ﵇) ذكر فيه الفرق الضالة، ونحن سنقرأ منه الجزء المتعلق بالفرق الضالة حتى نعلم أصول المخالفات عند كل فرقة من الفرق؛ لنتبين أن المخالفة كانت في أصول.
قال الشيخ ابن بطة: [فهذا يا أخي! رحمك الله ما ذكره هذا العالم ﵀ عبد الله بن المبارك من أسماء أهل الأهواء وافتراق مذاهبهم وعداد فرقتهم، وإنما ذكر من ذلك ما بلغه ووسعه ما انتهى إليه علمه، لا من طريق الاستقصاء والاستيفاء؛ وذلك لأن الإحاطة بهم لا يقدر عليها أحد، والتقصي للعلم بهم لا يدرك، وذلك أن كل من خالف الجادة وعدل عن المحجة واعتمد من دينه على ما يستحسنه فيراه، ومن مذهبه على ما يختاره ويهواه عدم الاتفاق والائتلاف، وكثر عليه أهلها لمباينة الاختلاف؛ لأن الذي خالف بين الناس في مناظرهم وهيئاتهم وأجسامهم وألوانهم ولغاتهم وأصواتهم وحظوظهم كذلك خالف بينهم في عقولهم وآرائهم وأهوائهم وإراداتهم واختياراتهم وشهواتهم، فإنك لا تكاد ترى رجلين متفقين اجتمعا جميعًا في الاختيار والإرادة حتى يختار أحدهما ما يختاره الآخر ويرذل ما يرذله إلا من كان على طريق الاتباع، واقتفى الأثر والانقياد للأحكام الشرعية والطاعة الديانية].
يعني: يريد أن يقول: لا يمكن أن تجد اثنين متفقين على شيء إلا إذا كان طريقهما الاتباع والانقياد، فمثلًا عندما أصلي المغرب أنت تصلي كما أصلي تمامًا؛ لأن طريقنا واحد، ومصدر علمنا واحد.
وأما أهل الأهواء فلا يمكن أن تصلي القدرية كالشيعة، ولا الشيعة كالمرجئة، ولا المرجئة كالخوارج.
قال: [فإن أولئك من عين واحدة شربوا -الذي هم أهل السنة- فعليها يردون وعنها يصدرون، قد وافق الخلف الغابر للسلف الصالح].
وقال الشيخ: [أعاذنا الله وإياكم من الآراء المخترعة والأهواء المتبعة، والمذاهب المبتدعة، فإن أهلها خرجوا عن اجتماع إلى شتات، وعن نظام إلى تفرق، وعن أُنس إلى وحشة، وعن ائتلاف إلى اختلاف، وعن محبة إلى بغضة، وعن نصيحة وموالاة إلى غش ومعاداة، وعصمنا وإياكم من الانتماء إلى كل اسم خالف الإسلام والسنة].
وعن ابن عباس قال: من أقر باسم من هذه الأسماء المحدثة فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه.
وقال ميمون بن مهران: إياكم وكل هوى مسمى بغير الإسلام.
قال الشيخ: [ورحم الله عبدًاَ اتهم نفسه وهواه وانتصح كتاب الله بدينه ودنياه].
وكان الحسن يقول: اتهموا أهواءكم وآراءكم على دين الله، وانتصحوا كتاب الله على أنفسكم.
[ ٧ / ٨ ]
كلام ابن الجوزي حول الفرق
[ ٧ / ٩ ]
كلام ابن الجوزي عن افتراق اليهود
ذكر ابن الجوزي عليه رحمة الله اختلاف فرقة اليهود، فذكر أن الناس كانوا على التوحيد، ثم استمر الأمر في عهد نبوة موسى ﵇يعني: على التوحيد- أي: في وجود موسى ﵇ بين أمة اليهود، وإثبات الصفات الكمالية لله ﷿، إلى أن توفي موسى ﵇ ودخل الدغل على بني إسرائيل -أي: دخلت عليهم الأهواء والابتداع- ورفع التعطيل رأسه بينهم -أي: عطلوا الباري ﵎ عن صفاته- وأقبلوا على علوم المعطلة، وهم أعداء موسى ﵇، وقدموها على نصوص التوراة، واعلم أن سنة الله ﷿ في الخلق واحدة، فالابتداع والشر ما دخل في دين الله ﷿ بخيله ورجله إلا لما ترجمت كتب اليونان في زمن الدولة العباسية، واتخذ الناس كلام الفلاسفة والمتكلمين دينًا لهم، وتركوا كتاب الله وراء ظهورهم ظهريًا.
ولذلك لما مات موسى ﵇ اتخذ الناس الذين أتوا بعده كلام المعطلة والمتكلمين دينًا، وتركوا نصوص التوراة، وقدموها على التوراة، فسلط الله عليهم من أزال ملكهم وشردهم من أوطانهم، وسبى ذراريهم، كما هي عادته ﵎ وسنته في عباده إذا أعرضوا عن الوحي وتعوضوا عنه بكلام الملاحدة المعطلة من الفلاسفة وغيرهم.
والحاصل: أن هذا الداء لما دخل في بني إسرائيل كان سبب دمارهم وزال ملكهم.
[ ٧ / ١٠ ]
كلام ابن الجوزي عن افتراق النصارى
قال: أما أمة النصارى فإن الله تعالى بعث عبده ورسوله المسيح ابن مريم ﵇ فجدد لهم الدين -أي: دين بني إسرائيل الذي كانوا عليه في زمن موسى ﵇- وبين لهم معالمه، ودعاهم إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وإلى التبري من تلك الأحداث والآراء الباطلة، فعادوه وكذبوه.
وما من نبي أرسله ربه إلا وكُذب، وراموا قتله -أي: قصدوا إلى قتل عيسى ﵇- فطهره الله تعالى منهم، ورفعه إليه، ولم يصلوا إليه بسوء ولا شر، وأقاموا له أنصارًا دعوا إلى دينه وشريعته حتى صار دينه قائمًا على من خالفهم، فدخل فيه الملوك، وانتشرت دعوته، أي: دعوة عيسى ﵇، واستقام الأمر على السلام بعده نحو ثلاثمائة سنة، يعني: أن الناس كانوا على دين عيسى ﵇ ثلاثمائة سنة، ثم دخل بعد ذلك الفساد والانحراف والأهواء والابتداع، ثم أخذ دينه في التبدل والتغيير حتى تناسخ واضمحل، أي: لم يبق منه شيء، ولم يبق في أيدي النصارى منه شيء، بل ركبوا دينًا بين دين المسيح ودين الفلاسفة عباد الأصنام، يعني: أي كتاب كان يعجبهم كانوا يكتبونه بأيديهم، ثم ينسبون هذا إلى عيسى ﵇، وأن هذا دينه الذي أتى به، وراموا بذلك أن يتلطفوا للأمم حتى يدخلوا في دين النصرانية، وهذه مصيبة، فـ (من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس)، يعني: أنهم أحبوا أن يدخلوا الوجهاء وأصحاب الملك وغير ذلك في دين عيسى، فأخذوا معتقدات هؤلاء الملوك وكتبهم ونسبوها لعيسى ﵇؛ ليدخلوا السرور على هؤلاء الملوك بأنهم موافقون لدين عيسى ﵇ حتى يدخلوا في دين عيسى.
قال: فنقلوهم من عبادة الأصنام المجمدة إلى الصور التي لا ظل لها، ونقلوهم من السجود للشمس إلى السجود إلى جهة المشرق، ومع ذلك فيهم بقايا من دين المسيح كالختان والاغتسال من الجنابة وتعظيم الميت، وتحريم الخنزير، وتحريم ما حرمته التوراة إلا ما أحل لهم الإنجيل من ذلك.
يعني: أن الختان كان من دين عيسى ﵇، وهو بقية من دين عيسى، وهذا بعد مرور ثلاثمائة سنة من رفع عيسى ﵇، فظل الناس ثلاثمائة سنة على شريعة عيسى ﵇، ثم دخل التغيير، وبعد دخول التغيير وتحريف نصوص الإنجيل بقيت عندهم بقية مما أمرهم به عيسى ﵇، وهذه البقية: الختان والاغتسال من الجنابة، وتعظيم الميت، وتحريم الخنزير، والخنزير الآن علامة على النصرانية، والصليب علامة على النصرانية، وهذا الصليب لا يعرف عنه عيسى ﵇ شيئًا؛ لأن الصليب ما اتخذ إلهًا إلا بعد رفع عيسى، ولو كان النصارى أذكياء لكان الصليب بالنسبة لهم معرة؛ لأنه هو الذي صلب عليه عيسى كما يزعمون، فهم يزعمون أن عيسى صلب على الصليب وقتل، وأنا لو عرفت أن نبيًا صلب على هذا الجدار فسأهد الجدار؛ من أجل أن أمسح هذا العار، لا أنني أتخذه إلهًا، إذ كيف أتخذ هذا الجدار إلهًا وقد صلب عليه نبي؟ فعيسى ﵇ لا يعرف عن الصليب شيئًا؛ لأنه اتخذ بعد رفعه ﵇.
وأما الخنزير فإن عيسى ﵇ حرم الخنزير على أمة النصارى، وهم اتخذوه طعامًا لهم.
قال: وتحريم ما حرمته التوراة؛ لأنكم تعلمون أن الإنجيل ودين عيسى ﵇ متمم لدين موسى ﵇.
ثم تناسخ شرعه -أي: ثم تناسخ شرع عيسى- حتى استحلوا الخنزير وأحلوا السبت وعوضوا عنه يوم الأحد، وتركوا الختان والاغتسال من الجنابة، وكان المسيح يصلي إلى بيت المقدس وهم صلوا إلى المشرق، ولم يعرف المسيح الصليب قط، وهم عظموا الصليب، بل عبدوه ولم يصم المسيح صومهم هذا أبدًا، ولم يشرعه لهم، ولم يأخذ به البتة، بل هم وضعوه على هذا العدد، ونقلوه إلى زمن الربيع، وجعلوا ما زادوا فيه من العدد عوضًا عن نقله من الشهور الهلالية إلى الشهور الرومانية أو الرومية، وكان المسيح في غاية الطهارة ونهاية النظافة، وأبعد الخلق عن النجاسة، وهم تعبدوا بالنجاسة.
وتصور أن النصارى يتخذون النجاسة قربة تقربهم إلى الله، والله لم يأمرهم بهذا، ولا أمرهم أحد من الأنبياء بهذا، فهم لا يغتسلون من الجنابة، مثل الفنانين والفنانات وأصحاب الفكر المنحرف، يقول الواحد منهم: أنا أغتسل في كل شهر مرة، وأما المسلمين فحتى الذي ليست له زوجة، أو التي ليس لها زوج إذا بلغت لا يحل لها أن يمر عليها سبعة أيام دون أن تغتسل مرة.
يعني: أقل الغسل أن يكون مرة في كل أسبوع لمن لم يكن به جنابة وهذا أقل شيء، وأما هؤلاء الذين يبدون في غاية الجمال والرونق من الممثلين والممثلات فحظهم من الجمال الصور فقط، وإذا جلست مع الواحد أو الواحدة منهم فلا بد أن تشم منه رائحة النتن والعفن، فهم في صورهم ومناظرهم يبدو منهم الجمال، وهم في حقيقة أمرهم في غاية النتن، ويكفي أن الواحد منهم أو الواحدة منهن لا تعرف أو لا يعرف عن دينه شيئًا لا من قريب ولا من بعيد، وهذا نتن في الفكر والاعتقاد.
وهم يحيون في بيوتهم حياة دون حياة الحيوان في جميع ضروبها، وقد تجد أحدًا ينظر إلى امرأة جميلة منهم فإذا سألت
[ ٧ / ١١ ]
كلام ابن الجوزي عن افتراق أمة الإسلام
قال: أما أمة الإسلام أمة محمد ﵊ فقد كانوا عند وفاة النبي ﷺ على عقيدة واحدة، كما كان أتباع موسى على عقيدة واحدة ثم أتى بعد ذلك تفرق، وفي زمن عيسى على ذلك، ثم أتى بعد تفرق، فكذلك أمة محمد ﵊ كانوا على التوحيد الخالص حتى مات محمد ﵊، فقد كانوا على عقيدة وطريقة واحدة إلا من كان يبطن النفاق ويظهر الوفاق، ثم نشأ الخلاف فيما بينهم في أمور جارية لا توجب كفرًا ولا إيمانًا.
وهذا كلام جميل فهو يقول: إن الفرقة لا تستحق أن تكون فرقة إلا إذا خالفت في أصل أو قاعدة بينة.
قال: والصحابة ﵃ اختلفوا في مسائل اعتقادية كرؤية النبي ﵊ لربه في ليلة المعراج، وقد أتت نصوص تبين أنه لم يره، وهذه النصوص صحيحة وصريحة، مثل قوله ﷺ: (نور أنى أراه)، كما في حديث أبي ذر، وقالت عائشة ﵂: (من حدثكم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية).
وجاء أيضًا عن ابن عباس وابن مسعود ما يدل على أن النبي ﷺ قد رأى ربه، ولكن لم يثبت في رواية من رواياتهم أنه رأى ربه بعيني رأسه، ووقع التصريح في روايتهما أنه رآه بفؤاده، وهذا لا يمنع إطلاق الرؤية المعنوية كما في الرواية التي تنكر أنه رآه بعيني رأسه.
وإذا اعتبرنا صحة الخلاف في هذه القضية فإن هذا الخلاف خلاف فرعي.
قال: ثم نشأ الخلاف فيما بينهم في أمور اجتهادية لا توجب كفرًا ولا إيمانًا.
يعني: لا يبدع فيها المخالف.
فلا تقل: أنا قرأت المسألة بأدلتها واطلعت على أقوال العلماء فيها وترجح لدي أن النبي ﷺ لم ير ربه، فمن قال بأنه رأى ربه فهو مبتدع وفاسق وضال؛ لأن القاعدة تقول: إن البدع لا تكون إلا في مخالفة الأصول، والقاعدة الأخرى: ما وسع السلف من خلاف يسع من جاء بعدهم، ونحن لم نسمع أن ابن عباس وابن مسعود بدعا وضللا عائشة وأبو بكر، أو العكس، وهذا يدل على أن هذه المسألة ليست من مسائل الأصول، وإنما من مسائل الفروع، فلما لم يبدع أحدهما الآخر دل على أنها من مسائل الاجتهاد لا من مسائل الأصول المجمع عليها.
قال: وكان غرضه من ذلك إقامة مراسم الدين وإدامة مناهج الشرع القويم، وكان هذا الخلاف يتدرج ويترقى شيئًا فشيئًا إلى آخر أيام الصحابة.
ثم ظهر بعد ذلك معبد الجهني، وبئس المعبد هو.
وهو معبد بن عبد الله بن عكيم الجهني نزيل البصرة، وهو أول من تكلم في القدر في أواخر زمن الصحابة ﵃.
قال الأوزاعي: أول من نطق في القدر هو سوسن النصراني، ثم أخذ الكلام في القدر عن سوسن معبد الجهني، ثم عن معبد الجهم بن صفوان.
واعلم أن أصول البدع عندنا أخذت عن أهل الكتاب، وقد قال السلف: ما من بدعة ظهرت في الإسلام إلا ولها شبه في الأمم السابقة.
وقال الحسن البصري: إياكم ومعبد فإنه ضال مضل.
وقال الذهبي: كان من علماء الوقت على بدعته، هلك قبل التسعين.
ثم في نفس الوقت الذي ظهر فيه معبد الجهني ظهر غيلان بن أبي غيلان الدمشقي، وقد تكلم كذلك في القدر، وقتل بسبب كلامه في القدر، وهو ضال مسكين، وكان من بلغاء الكتاب.
وفي نفس التوقيت يونس الأسواري، وقد خالف هؤلاء الثلاثة في القدر وإسناد جميع الأشياء إلى تقدير الله تعالى، ولم يزل هذا الخلاف يتشعب والآراء تتفرق حتى تفرق أهل الإسلام إلى ثلاث وسبعين فرقة، كما روي عنه ﵊.
[ ٧ / ١٢ ]
أصول الفرق عند ابن الجوزي
قال: إذا عرفت هذا فاعلم أن كبار الفرق الإسلامية على ما ذكر في الكتب الكلامية ثمانية.
فـ ابن الجوزي يقول: إن الفرق أصولها ثمانية، وتجد عند أبي الحسن الأشعري من المتكلمين أن أصولهم خمسة عشر، وعند غيره ثمانية عشر، وعند غيره أربعة أصول كما ذكرنا بعض هذا، وهذا أمر يرجع إلى اجتهاد كل عالم بما وصل إليه التفرق والاختلاف في زمنه، فالأوائل على أن أصول البدع أربعة أصول، ومن أتى بعدهم لما ظهرت بدع أخرى عدوها خمسة، ثم سبعة، ثم عشرة، ثم اثنا عشر، ثم خمسة عشر، ثم أكثر من ذلك.
وليست العبرة في تحديد العدد وأي هذه الأعداد أصح، فكلها صحيحة، وإنما كان بعضهم يعد ما تشعب من فرقة فرعًا، والبعض يعدها أصلًا، فمثلًا: القدرية تشعبت من الجهمية أو العكس، فبعضهم يعد القدرية نوعًا من الجهمية، والبعض يقول: لا، بل هم فرقة مستقلة، ولذلك اختلف العدد.
وتعداد هذه الفرق بأصولها وفروعها لم يكن محل خلاف بين أهل العلم، سواء منهم من عدها أصلًا أو فرعًا.
وابن الجوزي عليه رحمة الله ذكر أن أصول الفرق ثمانية، مع أنه ذكر هذا إجمالًا، وفي حين التعداد لم يذكر إلا سبع، والفرقة الثامنة وهي الناجية هم أهل السنة والجماعة.
[ ٧ / ١٣ ]
من فرق الضلال الشيعة
أول فرقة من فرق الضلال عند ابن الجوزي -عليه رحمة الله- هم الشيعة.
وقال في تعريفهم: وهم الذين شايعوا عليًا -أي: بايعوه وناصروه، وشرفوه كتشريف النصارى لعيسى ﵇- وقالوا: إنه الإمام بعد رسول الله ﷺ بنص جلي أو خفي، وأن النص ثابت في تعيين علي بعد النبي ﵊، إما ثبوتًا جليًا أو ثبوتًا خفيًا.
يعني: بالإشارة والإيماء، ويقولون: إن النبي ﵊ نص على إمامة علي من بعده، ومن خالف هذا النص وصده عن الإمامة من بعد النبي ﵊ فقد ظلم وسلب علي بن أبي طالب حقه المنصوص عليه إما جليًا أو خفيًا.
واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج عنه وعن أولاده، وإن خرجت فإما بظلم يكون من غيره أو تقية منه، أي: إما بظلم ظاهر ممن سلب منه الإمامة، أو أن علي بن أبي طالب أذن له بالإمامة من باب التقية لا من باب إيمان علي أن هذا حق أبي بكر، أو أن هذا حق عمر، أو حق عثمان؛ لأن أهل السنة يسألون الشيعة: ما معنى أن علي بن أبي طالب بايع أبا بكر وعمر وعثمان؟ فقالوا: إن عليًا يعتقد أن له الحق في الإمامة، ولكنه بايع من باب إثبات التقية، يعني: بايعهم تقية وخوفًا منهم؛ لأن الدولة دولتهم والسلطان سلطانهم، وبهذا يكون قد فرط في ابنته عند أن زوجها عمر بن الخطاب، وقولهم: تقية معناه: أنه ليس مقتنعًا بـ عمر، بل إنه كان ينظر إلى عمر على أنه إنسان ظالم ومفتر وسالب لحقه، ومعاند لله ورسوله، وأن النص كان جليًا في نظر عمر، ومع هذا استحل عمر مخالفة النص بإثبات الإمارة له، ومع هذا زوجه علي بن أبي طالب بابنته من باب التقية، هكذا يقول الشيعة عليهم من الله ما يستحقون.
قال: ومن أولادهم اثنان وعشرون فرقة، يعني: من أولاد علي اثنان وعشرون شخصًا افترقوا على اثنين وعشرين فرقة، يكفر بعضهم بعضًا ويلعن بعضهم بعضًا، ولكن أصول الشيعة ثلاث فرق: غلاة وزيدية وإمامية، ولا يوجد في الشيعة فرق إلا وتدخل تحت هذه الأصول، وهم عندهم أكثر من اثنين وعشرين فرقة، ولكنها إما أن تكون من الغلاة أو زيدية أو إمامية، ولا يوجد غير ذلك؛ لأن هذه أصول التفرق والاتباع عند الشيعة.
فأما الغلاة فثمانية عشر فرقة، أولهم السبئية؛ وسموا بذلك لأن منشئ هذه الفرقة هو عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أظهر الإسلام نفاقًا وعاداه باطنًا، وهو الذي زعم أن عليًا إله من دون الله ﷿، وهو الذي قال لـ علي: أنت الإله حقًا.
فنفاه علي إلى المدائن -والمدائن هذه في بلاد فارس- وهو أول من أظهر القول بوجوب إمامة علي، وقال: إنه لم يمت، وإنما قتل ابن ملجم شيطانًا تصور في صورة علي -وهذا نفس كلام النصارى- وأنه في السحاب.
أي: أن عليًا في السحاب الآن.
قال: والرعد صوته والبرق سوطه، وبعد هذا ينزل إلى الأرض ويملأها عدلًا بعد أن ملئت جورًا.
ومن هذه الفرقة تشعبت أصناف الغلاة، وهم يقولون عند سماع الرعد: عليك السلام يا أمير المؤمنين! والذي يسافر إلى العراق يسمع هذا، فما أن ترعد السماء ويكون الجو باردًا والمطر ينزل يقولون: عليك السلام يا أمير المؤمنين! ويقولون: هذا صوت علي بن أبي طالب، يعني: هذا الرعد الذي تسمعه هو صوت علي بن أبي طالب في السماء.
وهذه المخالفات التي ذكرناها عند السبئية مخالفات في الأصول، ولو لم يكن فيها إلا اعتقادهم أن عليًا إله من دون الله لكفاهم ذلك، فاستحقوا بذلك أن يكونوا فرقة.
[ ٧ / ١٤ ]
من فرق الضلال الكاهلية
الثانية: الكاملية، وهم أصحاب أبي كامل، وهو الذي قال: كفر الصحابة بترك بيعة علي، وكفر علي بترك طلب الحق.
فلم يترك أحدًا! فالصحابة كفروا لأنهم صدوا عليًا عن حقه، وكفر علي مع أنه مظلوم لأنه وقف موقفًا سلبيًا، ولم يطالب بحقه، فهم كفار، وهو أكفر منهم في نظر أبي كامل، وقال: بالتناسخ في الأرواح عند الموت، وقال: إن الإمامة نور ينتقل من شخص إلى آخر، وقد يكون في شخص النبوة بعدما كان من شخص آخر إلى آخره، يعني: أنه يمكن للإمام أن يترقى في هذا النور ويزداد في قلبه وفي بدنه حتى يصير نبيًا.
وإذا انتقل من شخص عادل إمام إلى نبي فمن الطبيعي أنه سينتقل إلى إله.
[ ٧ / ١٥ ]
من فرق الضلال البيانية
ومنها البيانية: وهم أصحاب بيان بن سمعان، وهؤلاء يقولون: إن الله تعالى على صورة إنسان، ويهلك كله إلا وجهه، وروح الله تعالى حلت في أبي علي، ثم في ابنه أبي هاشم، ثم في بيان صاحب الفرقة، يعني: يريد أن يقول: أنه إله.
[ ٧ / ١٦ ]
من فرق الضلال المغيرية
ومنها المغيرية: وهم أصحاب المغيرة بن سعيد، وهو الذي قال: إن الله تعالى جسم على صورة إنسان، بل هو رجل من نور على رأسه تاج النور، وقلبه منبع الحكمة، فإنه لما أراد أن يخلق الخلق تكلم بالاسم الأعظم، فطار فوقع تاجًا على رأسه، وذلك تفسير قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى:١ - ٢]، ثم كتب على كفه -أي: هذا الجسم وهو الإله- أعمال العباد، فغضب من المعاصي فعرق، يعني: لما رأى المعاصي على كفه عرق من شدة الغضب، فحصل من عرقه بحران أحدهما ملح مظلم والآخر حلو نير، ثم اطلع في البحر النير فأبصر فيه ظله، فأنزع بعضًا من ظله فخلق منه الشمس والقمر، وأفنى الباقي من الظل نفيًا للشريك، وقال: لا ينبغي أن يكون معه إله آخر، ثم خلق الخلق من البحرين الكفار من المظلم وأهل الإسلام من النير، ثم أرسل محمدًا والناس في ضلال، وعرض الأمانة -وهذه الأمانة هي منع علي من الإمامة- على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، وهو أبو بكر حملها بأمر عمر حين ضمن له أن يعينه على ذلك، بشرط أن يجعل الخلافة من بعده له، يعني: أن عمر قال له: أنا مستعد يا أبا بكر! لإعانتك عليها، وهو قوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢] فـ أبو بكر بعد أن أشفقت الجبال والسماوات والأرض من حمل الأمانة -وهي إثبات إمامة علي - حملها بعد إذن عمر وضمانه له أنه سيعينه على هذه المهمة الصعبة، بشرط أنه عندما يكون إمامًا يكتب له وصية بأن يخلفه في هذه الأمانة والمهمة.
وقال في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ﴾ [الحشر:١٦] نزلت في أبي بكر، وهؤلاء يقولون: الإمام المنتظر هو زكريا بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وهو حي مقيم في جبل حاجز إلى أن يؤمر بالخروج.
وهذا الخلاف الذي فات هو خلاف في الأصول.
[ ٧ / ١٧ ]
من فرق الضلال الجناحية
ومنها الجناحية: وهم أصحاب عبد الله بن جعفر ذي الجناحين، وهؤلاء يقولون: الأرواح تتناسخ، فكان روح الله في آدم.
والقول بتناسخ الأرواح في ذاته كفر، وهو يعني: أن الله ﵎ تحل روحه في الآدمي، وهذا هو دين الصوفية، كـ ابن عربي وابن سبعين والفارابي وغيرهم، فهم يقولون: بتناسخ الأرواح، أي: أن روح الإله تحل في المخلوق حتى يكون الخالق والمخلوق سواء، وهذا الذي يسمونه بالحلول والاتحاد.
قال: فكان روح الله في آدم، ثم في شيث، ثم في الأنبياء، ثم في الأئمة، حتى انتهت إلى علي وأولاده الثلاثة، ثم إلى عبد الله هذا، وهو حي مقيم بجبل بأصفهان، وسيخرج، وهؤلاء أنكروا القيامة.
وخلافهم هذا في الأصول.
وقد استحلوا المحرمات من الخمر والميتة والزنا وغيرها من المحارم، وكان الواحد منهم يقع على أمه وأخته وعمته وخالته، لا من باب أنه يعتقد أن ذلك حرام وما يفعله معصية، وإنما من باب أنهن حلال، فجعلوا الحرام حلالًا والحلال حرامًا.
وهذه أصول.
[ ٧ / ١٨ ]
من فرق الضلال المنصورية
ومنها المنصورية: وهم أصحاب أبي منصور العجلي، وقد انتسب إلى أبي جعفر محمد الباقر، فلما تبرأ منه وطرده ادعى الإمامة لنفسه، وهؤلاء -أي: المنصورية- يقولون: إن الإمامة صارت لـ محمد بن علي بن الحسين، ثم انتقلت منه إلى أبي منصور.
واعلم أن كل واحد من أصحاب هذه الفرق أو مؤسسوها ساروا على هذه الطريقة، فكان الواحد منهم يدعي أن روح الله تعالى انتقلت إليه بعدما انتقلت إلى آدم، ثم شيث، ثم الأنبياء، ثم الأئمة، ثم إليه.
وهذا الكلام موجود في أئمة الصوفية، فتجد الواحد منهم جالسًا مثل العجل، لا صلاة ولا صوم ولا حتى اغتسال من الجنابة، ويدعي أن روح الله حلت فيه.
ونحن نعلم أن السيد البدوي سمي السطوحي لأنه مكث على سطح بيته أربعين يومًا لا يغتسل ولا يتوضأ، ولا يصلي ولا يغتسل من الجنابة، فقيل لـ عبد العال الذي هو الذراع اليمين للسيد البدوي: فكيف كان يقضي حاجته؟ قال: كان يقضي حاجته بكيت وكيت، وإذا احتاج لحك ظهره حكه بمزراة يدخلها من ياقته، وهذه المزراة معروفة عند الفلاحين، ولها خمس أصابع، يقلبون بها الرز والقمح وغير ذلك وقت درسه، وذلك مما على ظهره من نتن ووسخ، ومع هذا النتن كان يزعم أن روح الإله قد حلت فيه، وأنه يعلم الغيب، وأنه الوتد الوحيد، والصوفية يقولون: العالم محفوظ في كل زمان بأربعة أوتاد، ولما علم السيد البدوي بهذا الأمر قال: لا، أنا الوتد الوحيد في زماني، وليس هناك أوتاد أخرى، ومعنى وتد: أي: أنه يحفظ الكون، فأين الحافظ ﷾؟ وما كانت يا ترى مهمته في زمن السيد البدوي؟ وزعمت المنصورية أن منصور هذا عرج إلى السماء، مثل النبي ﷺ، ومسح الله على رأسه بيده، وعلى ذلك فهو أحسن من النبي ﷺ؛ لأن هذا لم يثبت للنبي ﵊، يعني: أبا منصور العجلي عرج إلى السماء مثل النبي ﵊، فعلى ذلك وازى أبو منصور وضاهى النبي ﵊، ثم زاد على نبينا ﵊ بأن الله تعالى مسح على رأسه بيده، وكذلك كلمه الله وقال له: يا بني! اذهب فبلغ عني، ولا ندرى هل كان أبو منصور هذا الابن البكر أم الوسط أم الأصغر، والله تعالى لم يلد ولم يولد، فكيف يقول الرب ﵎ لأحد خلقه: يا بني! اذهب فبلغ عني؟ وسورة الإخلاص ماذا نعمل بها؟ وآيات التوحيد ماذا نعمل بها؟ قال: ثم أنزله إلى الأرض -فمن المعراج نزل على رقبته إلى الأرض- وهو الكسف المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور:٤٤].
ويقولون: الرسالة لا تنقطع أبدًا، يعني: إذا هلك محمد أتى بعده رسول، ثم إذا هلك أتى بعده رسول، حتى يكون الرسول هو أبو منصور العجلي.
ويقولون: والجنة رجل أمرنا أن نواليه ولا نعاديه، وهو الإمام أبو منصور، والنار رجل أمرنا بمعاداته وهو ضد الإمام وخصمه كـ أبي بكر وعمر، وكذا الفرائض والمحرمات، فإن الفرائض أسماء رجال أمرنا بموالاتهم، والمحرمات أسماء رجال أمرنا بمعاداتهم.
ومقصودهم بذلك: أن من ظفر برجل منهم فقد ارتفع عنه التكليف والخطاب؛ لوصوله إلى الجنة.
[ ٧ / ١٩ ]