رؤية النبي ﷺ لربه في الدنيا بعينيه غير ثابتة، لكنه رآه بقلبه ورآه منامًا، هذا هو الراجح من كلام المحققين من العلماء، كما أن المؤمنين لن يروا ربهم في الدنيا حتى يموتوا، ورؤيتهم له في يوم القيامة وفي الجنة حق، ويحجب الكفار عن رؤيته في ذلك اليوم؛ عقوبة لهم من الله، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافًا لما يعتقده أهل الفرق الضالة والمنحرفة.
[ ٣١ / ١ ]
مباحث في رؤية النبي والمؤمنين لربهم في الدنيا والآخرة
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
سنتكلم الآن عن موضوع له علاقة بهذه الأيام وبهذا الشهر الجاري وهو شهر رجب، فالناس قد انطبع في أذهانهم أن الإسراء والمعراج كان في شهر رجب، مع أن هذه المسألة غير ثابتة وغير موثقة، وتحديد ليلة الإسراء بالنبي ﵊ والعروج به إلى السماء السابعة غير دقيق، وهو محل نزاع واختلاف بين أهل العلم، ولكن شاع وفشا وانتشر أن ذلك كان في رجب، حتى ظن العامة أن الإسراء والمعراج كانا في السابع والعشرين من شهر رجب، ثم انطبع في أذهانهم أن النبي ﵇ قد رأى ربه بعيني رأسه في هذه الليلة.
وهذه المسألة محل نزاع كبير بين أهل العلم، وهذا الكلام قد نشأ في زمن الصحابة ﵃، ففي الوقت الذي يؤيد فيه ابن عباس الرؤية تنفي فيه عائشة وعبد الله بن مسعود وأبو ذر ﵃ أجمعين الرؤية كذلك.
فهذه المسألة لا يضلل فيها المخالف ولا يبدع؛ لأن الخلاف قد وسع الصحابة ﵃ في هذه القضية، مع أننا لو دققنا النظر لما وجدنا أي خلاف بين مذهب ابن عباس ومذهب عائشة وابن مسعود ﵃ أجمعين، ولكن الخلاف وقع بعد ذلك بين أهل العلم، وعلى وجه التحديد وقع في القرن الثاني، وفي بداية القرن الثالث.
وهنا عدة أسئلة وهي: الأول: هل رأى النبي ﵊ ربه بعيني رأسه ليلة الإسراء أم لا؟ السؤال الثاني: هل رآه بفؤاده وبقلبه أم لا؟ السؤال الثالث: هل رؤية الله ﷿ للمؤمنين -أي: من غير الأنبياء- بأعين رءوسهم ممكنة في الحياة الدنيا أم لا؟ السؤال الرابع: هل رأى النبي ﵊ ربه في المنام أم لا؟ السؤال الخامس والخاتم لهذه الأسئلة في مسألة الرؤية: هل الكافرون والمنافقون يرون ربهم ﵎؟ فهذه أسئلة أساسية في قضية الرؤية، ينبغي الإجابة عن كل سؤال بالتفصيل.
[ ٣١ / ٢ ]
رؤية النبي ﷺ ربه ليلة الإسراء والمعراج
ونبدأ بخلاف أهل العلم في مدى تمكن النبي ﵊ من رؤية ربه في ليلة الإسراء من عدمها، فهل رآه حقًا بعيني رأسه أم رآه بفؤاده؟ ذكر الإمام النووي في شرح حديث أبي ذر ﵁ أنه قال: (سألت النبي ﵊: هل رأيت ربك؟ قال النبي ﵊: نور أنى أراه؟)، وأنى بمعنى: كيف، أي: نور كيف أراه؟ فقد حجب النور رؤيتي لله ﷿، فلو لم يكن هذا النور لرأيته.
وهذا يدل على أنه لم ير الله ﷿، لكن سئل ابن عباس ﵁: (هل رأى النبي ﷺ ربه ليلة الإسراء والمعراج؟ فقال: نعم).
ولا شك أن الإسناد إلى ابن عباس صحيح، ولكن وقع نزاع في إجابة ابن عباس المترتبة على السؤال، فقوله: (نعم)، ماذا يقصد به، هل قصد ابن عباس أنه رآه بعيني رأسه، أو أنه رآه بفؤاده وقلبه؟ فبعضهم مال إلى أن إجابة ابن عباس مفادها أنه رآه بعيني رأسه، وليس هناك تصريح في شيء من كتب السنة أن ابن عباس قال: رآه بعيني رأسه، ولكنهم حملوا إجابته على رؤية العين.
وأما جمهور أهل العلم فحملوا إجابة ابن عباس على رؤية الفؤاد، خاصة وأن عائشة ﵂ حدثت بالسند الصحيح إليها فقالت: (ومن حدثكم أن محمدًا ﵊ قد رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية)، وفي رواية: (فقد كذب).
أي: من حدثكم أنه رآه بعيني رأسه فقد كذب، ولم توجه هذا الكذب لـ ابن عباس؛ لأنها حملت كلام ابن عباس على رؤية الفؤاد ورؤية القلب، ولم تحمله على رؤية العين.
فتبين عند التدقيق أن كلام السلف جميعه محمول على رؤية النبي ﵊ لله تعالى بعين قلبه وفؤاده لا بعين رأسه.
وهنا نحمل كلام من أثبت الرؤية على رؤية الفؤاد والقلب، ومن نفى الرؤية على نفي الرؤية بعيني رأسه، فنخرج من هذا أن الرؤية ثبتت للنبي ﵊ بعين قلبه لا بعيني رأسه.
[ ٣١ / ٣ ]
إثبات النووي رؤية النبي ﷺ لربه بعيني رأسه والرد عليه
ولكن الإمام النووي عليه رحمة الله مال إلى إثبات رؤية النبي ﵊ لربه بعيني رأسه، فقال عليه رحمة الله بعد أن ذكر خلاف أهل العلم في هذه القضية: فالحاصل أن الراجح عند أكثر العلماء أن رسول الله ﷺ رأى ربه بعيني رأسه ليلة الإسراء؛ لحديث ابن عباس، والإثبات هذا لا يأخذونه إلا بالسماع من رسول الله ﵊.
أي: ليس معقولًا أن ابن عباس يجيب السائل: هل رأى النبي ﵊ ربه؟ فيقول: نعم؛ من غير أن يكون عند ابن عباس دليل، لكن ابن عباس لم يسق هذا الدليل.
وهذا غير صحيح، ولو ساق الدليل لحملناه على أنها رؤية فؤاد وقلب.
قال: وهذا مما لا ينبغي أن يتشكك فيه.
أي: أن الصحابة إذا أخبروا في هذه القضية بخبر فلا بد أن يكون لهم فيها نص عن النبي ﵊.
ثم قال: ثم إن عائشة ﵂ لم تنف الرؤية بحديث عن النبي ﵊، ولو كان معها منه حديث لذكرته.
يقصد أن عائشة لما قالت: (من حدثكم أن محمدًا قد رأى ربه فقط أعظم على الله الفرية).
فهذا كلام من عندها هي، وهي لم تنف الرؤية بحديث عن النبي ﵊، بمعنى أنها لم تسأله فأجابها بالنفي.
فنقول: إذا كانت عائشة ﵂ لم تنف بحديث مرفوع فقد نفى بحديث مرفوع أبو ذر ﵁، وذلك لما قال: سألت النبي ﵊: (هل رأيت ربك؟ قال: رأيت نورًا)، وفي رواية: (نور أنى أراه؟) أي: حجبني النور، أو أن الله تعالى نور، فمن أسمائه النور، وهذا النور مخلوق لله ﷿ بنور الله ﷿ الذي هو اسم من أسمائه، ولا يجوز أن نشبه النور الذي نعرفه بالنور الموصوف به الله ﵎ والمسمى به؛ لأن النور جسم من الأجسام، وهذا لا ينبغي ولا يجوز لله ﷿.
وقال النووي في تأويل حديث أبي ذر: (نور أنى أراه؟): حجابه نور فكيف أراه؟ أي: والحالة هذه فكيف أرى الله ﷿ وقد حجبني عن الرؤية النور الذي اتخذه الله ﷿، أو النور الذي هو من أسماء الله تعالى وصفاته.
فإذا كان الإمام النووي يؤكد هذا المعنى، ويميل إلى هذا التأويل فما باله يذهب مرة أخرى إلى أن النبي ﵊ رأى ربه؟! فهذا يؤكد صحة ما ذهبت إليه عائشة ﵂ من أن النبي ﵊ لم ير ربه في تلك الليلة.
فإن قيل: إن هذا حدث وعائشة لم تزل صغيرة، فلعلها أخطأت، فنقول: لم لم ترجع عائشة عن هذا القول؟ نعم أن الإسراء والمعراج كان والنبي ﷺ في مكة، ولكن عائشة استمرت حياتها بعد ذلك لمدة أعوام، وماتت في سنة (٥٠) هجرية أو بعدها، فإذا كانت عائشة قد أخطأت قبل أن تبلغ الحلم فما الذي منعها أن تصحح هذا الخطأ بعد بلوغها، وفي تقدمها في السن؟ وخاصة أن هذه مسألة اعتقادية خطيرة لا بد وأن تراجع فيها عائشة مرة أخرى وثانية وثالثة، فلم لم ترجع عن هذا المذهب؟ ثم إن عائشة لم تنفرد هنا وحدها بالنفي، فهناك معها أبو ذر، ومعها عبد الله بن مسعود، وسكوت الصحابة ﵃ عن مثل هذا يدل على أنهم موافقون لـ عائشة، وتأويلهم لحديث ابن عباس أنها رؤية قلب يدل على أن المسألة عند الصحابة على جهة الخصوص لم يكن فيها خلاف؛ لتأويل كلام ابن عباس بما يتفق مع مذهب جمهور الصحابة ﵃.
وابن تيمية عليه رحمة الله يتكلم بكلام جميل جدًا على قوله ﵊: (نور أنى أراه؟) فيقول: معناه: كان ثَم نور، يعني: كان هناك نور فحجبني عن الرؤية، وحال دون رؤيته، ويدل عليه أن في بعض ألفاظ الصحيح: (هل رأيت ربك؟ فقال: رأيت نورًا) ولم يقل: نعم، وإنما قال: (رأيت نورًا)، وقد أعضل أمر هذا الحديث، وأشكل على كثير من الناس، حتى صحفه بعضهم فقال: نورًا إني أراه، وهذا لا يتفق مع اللغة العربية، وتصحف كذلك بما هو أقبح من ذلك على بعض المحدثين فقال: (نوراني أراه) بدل (نور أنى أراه؟) فجعلها كلمة واحدة فقال: نوراني أراه، وهذا شر من سابقه.
وقد حكى عثمان بن سعيد الدارمي -وهو من جبال السنة- في كتابه الرد على بشر المريسي إجماع الصحابة على أنه ﷺ لم ير ربه ليلة المعراج.
إذًا: فهذا إجماع الصحابة -وهو محل احترام واعتبار- على أنه ﵊ لم ير ربه ليلة المعراج، وبعض من صنف في هذا الباب يستثني ابن عباس من ذلك، وشيخنا يقول: ليس ذلك بخلاف في الحقيقة؛ فإن
[ ٣١ / ٤ ]
القول الراجح في رؤية النبي ﷺ ربه ليلة الإسراء والمعراج
وأما الرؤية فالذي ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: (رأى محمد ربه بفؤاده مرتين).
وهذا تخصيص من ابن عباس أن الرؤية كانت بالفؤاد والقلب، فلم يصرح بل ولم يجسر أحد أن يروي عن ابن عباس تصريحه بأنه رأى ربه بعيني رأسه، في الوقت الذي نجد التصريح الصحيح عن ابن عباس أن هذه الرؤية كانت بالفؤاد مرتين.
وعائشة أنكرت الرؤية، فمن الناس من جمع بينهما فقال: عائشة أنكرت رؤية العين، وابن عباس أثبت رؤية الفؤاد، فهل بعد هذا التوفيق يكون هناك تعارض بين قول ابن عباس وقول عائشة؟! فلابد أن نصدق عثمان بن سعيد الدارمي في أن الصحابة أجمعوا على أن النبي ﷺ لم ير ربه بعيني رأسه.
فالرؤية في معتقد ابن عباس كانت بالفؤاد وليست بعيني الرأس، وهذا المذهب لـ ابن عباس يوافق مذهب جماهير الصحابة في إثبات الرؤية بالفؤاد لا بالعين.
وتارة يقول: رأى محمد ربه، وتارة يقول: رآه محمد ﵊، ولم يثبت عن ابن عباس ﵄ لفظ صريح بأنه رآه بعينه.
وكذلك الإمام أحمد تابع لـ ابن عباس في ذلك، والإمام أحمد بن حنبل عليه رحمة الله مذهبه أثري حديثي يلتزم بالنص الوارد، وأنت تجد أن أهل العلم يفتون على قواعد أصولية، ويفتون على استنباطات اجتهادية، وكذلك أحمد بن حنبل، ولكن أحمد قال: إذا بلغك الأثر فاعمل به ولو مرة؛ تكن من أهله.
ولذلك لو نظرنا إلى كلام أهل العلم في صلاة الضحى مثلًا لوجدنا لهم قولًا واحدًا، ولـ أحمد أقوال: ركعتان، وأربع ركعات، وست، وثمان، واثنتا عشرة ركعة، لماذا؟ لأن كل عدد من هذه الأعداد جاء به نص، فتارة يفتي بهذا الحديث، وتارة يفتي بغيره، وتارة يفتي بالثالث حتى يستوعب ما ورد في المسألة من أقوال وآثار عن السلف.
فـ أحمد بن حنبل قال مرة: رأى محمد ربه، فحمل بعض الناس هذا الإطلاق في كلام أحمد كما حملوه في إطلاق ابن عباس، فقالوا: قصد أحمد أنه رآه بعيني رأسه، وليس الأمر كذلك، بل ورد كلامه مقيدًا.
فالإمام أحمد تارة يطلق الرؤية، وتارة يقول: رآه بفؤاده كما قال ابن عباس، والذي قلناه في تأويل كلام ابن عباس نقوله في تأويل كلام أحمد بن حنبل، ولم يقل أحد من الحنابلة أو من غيرهم: إنه سمع أحمد يقول: رآه بعينه، لكن طائفة من أصحابه سمعوا بعض كلامه المطلق ففهموا منه رؤية العين، كما سمع بعض الناس مطلق كلام ابن عباس ففهموا منه رؤية العين، وهذا الفهم لا عبرة به، وليس في الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه، يعني: ليس هناك دليل يدل لا من قريب ولا من بعيد على أن الرؤية كانت بالعين، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة، بل ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدل، أي: أن النصوص الصحيحة تنفي أن النبي ﵊ رأى ربه بعيني رأسه؛ لإثباتها أن هذه الرؤية بالفؤاد مرتين، كما في صحيح مسلم عن أبي ذر قال: (سألت النبي ﵊: هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه؟).
فالمسألة هذه مسألة اعتقادية عظيمة جدًا، فلو كانت الرؤية قد ثبتت للنبي ﵊ بعيني رأسه فما الذي يمنعه أن يصرح بها وأن يبينها بيانًا كافيًا؛ حتى لا تختلف الأمة، خاصة وأن النبي ﵊ قد بين ما هو دونها بمراحل كثيرة جدًا، وقد قلنا في باب الرؤية في الآخرة: إن الأحاديث قد تواترت في إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، فأيهما أعظم وأجل قدرًا: رؤية النبي ﵊ ربه بعيني رأسه في الدنيا، أم رؤية المؤمنين ربهم بأعين رءوسهم في الآخرة؟ بلا شك أن رؤية النبي ﵊ أعظم، مع أننا نجد أن المسألة في رؤية المؤمنين لربهم ثابتة بطريق التواتر، يعني: ورد في الرؤية عدة أحاديث عن كثير من الصحابة، في الوقت الذي لا نجد نصًا واحدًا يثبت أن النبي ﵊ رأى ربه بعيني رأسه.
وقال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١]، ولو كان الله تعالى قد أراه ذاته العلية بعينه لكان ذكر ذلك أولى، فالنبي ﵊ في رحلة الإسراء والمعراج رأى من آيات ربه العظمى، وأعظم آية أن يرى ربه، فلا يتصور أن الله ﵎ يذكر الآيات الصغرى ولا يذكر الآية الكبرى العظمى وهي الرؤية، فلو كان رأى ربه
[ ٣١ / ٥ ]
رؤية المؤمنين ربهم
قال شيخ الإسلام: واتفقوا على أن المؤمنين يرون الله يوم القيامة عيانًا، ومعنى عيانًا: بأعينهم، ولكن ذلك بشرطين: أن هذه الرؤية تتم في يوم القيامة، ولأهل الإيمان خاصة، كما يرون الشمس والقمر.
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن أقوام يدعون أنهم يرون الله بأبصارهم في الدنيا، فبعضهم يقول: أنا رأيت الله في المنام، وأنهم يخطر لهم بغير سؤال ما حصل لموسى بالسؤال، فانظر إلى هذه الكرامات! أي: أن الله منحهم هذه الكرامة من غير أن يسألوه، ومنعها عن موسى بعد أن سأله، فهم أكرم على الله من موسى ﵇ الذي هو من الأنبياء! فأجاب: أجمع سلف الأمة وأئمتها على أن المؤمنين يرون الله بأبصارهم في الآخرة، وأجمعوا على أنهم لا يرونه في الدنيا بأبصارهم، ولم يتنازعوا إلا في النبي ﵊.
وثبت عنه في الصحيح أنه قال: (واعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت) يعني: حتى يموت فيبعث يوم القيامة.
فبعد هذا الإجماع المنعقد من الأمة المبني على الدليل: (واعلموا أن أحدًا منكم لن يرى الله حتى يموت) من يقول: أنا رأيت ربنا، نقول له: أنت كذاب.
ومن قال من الناس: إن الأولياء أو غيرهم يرى الله بعينه في الدنيا فهو مبتدع ضال.
ومعظم الصوفية يدعي ذلك، كما قال أحدهم: لو فاتتني رؤية ربي في كل يوم وليلة لعددت نفسي منافقًا، فنقول له: أنت كافر بهذه الادعاءات، وهذا كذب.
قال: فهو مبتدع ضال، مخالف للكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة؛ لاسيما إذا ادعوا أنهم أفضل من موسى ﵇، فإن هؤلاء يستتابون، فإن تابوا وإلا قتلوا، والله تعالى أعلم.
هذا ولم يثبت عن أحمد بن حنبل أنه رأى ربه، ولم يثبت عن الأوزاعي كذلك أنه رأى ربه، وهب أن ذلك ثبت فإنه لا عبرة بهذا الثبوت، فإن رؤية واحد من الأمة لا يمكن أن نعارض بها ما ثبت من النصوص وإجماع السلف.
وأنتم تعلمون أن هناك فرقًا عظيمًا بين قول المحدث: هذا أثر أو حديث صحيح، وبين قوله: هذا إسناد صحيح، أما قوله: (هذا حديث صحيح) أو (أثر صحيح) فهذا كلام ينطبق على المتن، وهو ما انتهى إليه السند من الكلام، وأما قوله: (هذا إسناد صحيح) فلا يستلزم قطعًا صحة المتن، فقد يكون السند صحيحًا والمتن شاذًا أو به علة، ومن علل المتن أن يخالف كتاب الله، أو أن يخالف حديثًا صحيحًا، أو يخالف ما أجمعت عليه الأمة، أو تحيل العقول السليمة الصحيحة المستقيمة على منهج النبوة أن يكون هذا من كلام النبي ﵊، أو من كلام واحد من أصحابه، ولو كان ذلك لرد لأجل هذه العلل، فما بالك بعد أن سمعت الآيات والأحاديث وإجماع سلف الأمة على أنه لن يرى الله تعالى أحد حتى يموت فيبعثه الله؟ فإذا قلت: قد رأى أحمد ربه، ورأى الأوزاعي ربه؛ قلنا: لا عبرة بهذه الرؤية إن صحت، ومع ذلك فهي غير صحيحة، فليس هناك نزاع ولا اختلاف والحالة هذه.
[ ٣١ / ٦ ]
ما روي من أحاديث مكذوبة تفيد رؤية الله في الدنيا من الرسول وغيره
وسئل ابن تيمية عن بعض الأحاديث التي وردت في صفات الله ﵎، والتي ليس لها وجود في دواوين السنة، وأنها في الغالب كذب وبهتان؛ فقال ابن تيمية: بل هي كفر شنيع.
قال: وقد يقولون: من أنواع الكفر ما لا يروون فيه حديثًا، مثل حديث: (إن الله ينزل عشية عرفة على جمل أورق يخاطب ويعانق المشاة!)، وهذا أمر مخل جدًا بجناب الإله ﵎، ومعنى أنه يعانق المشاة ويصافح الركبان: أن الركبان فوق مرتبة الإله، وصور الإله وكأنه رجل يعانق المشاة؛ لأنه بمحاذاتهم وموازاتهم! قال: وهذا من أعظم الكذب على الله ورسوله، وقائله من أعظم القائلين على الله غير الحق، ولم يرو هذا الحديث في أحد دواوين السنة، ولم يروه أحد من علماء المسلمين أصلًا، بل أجمع علماء المسلمين وأهل المعرفة بالحديث على أنه مكذوب على رسول الله ﵊.
وقال أهل العلم كـ ابن قتيبة وغيره: هذا وأمثاله إنما وضعه الزنادقة الكفار والملاحدة؛ ليشينوا به على أهل الحديث؛ حتى يقال: إنهم يروون مثل هذا.
يعني: يحاولون بقدر الإمكان أن يشوهوا صورة المحدثين، فيقال: هؤلاء هم المحدثون الذين تأخذون عنهم دينكم، يروون أن الله ينزل في عشية عرفة راكبًا جملًا، ويصافح الركبان، ويعانق المشاة، وعند ذلك تفقد الثقة في الرواة.
وكذلك يروون حديثًا آخر فيه: (أنه رأى ربه حين أفاض من مزدلفة -يعني: هو نازل من مزدلفة أفاض منها إلى منى- يمشي أمام الحجيج وعليه جبة صوف)، أو ما يشبه هذا البهتان والافتراء على الله الذي لا يقوله من عرف الله ورسوله.
وهكذا حديث: (إن الله يمشي على الأرض)، فإذا كان هناك موضع خضرة قالوا: هذا موضع قدميه، ويقرءون قوله تعالى: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم:٥٠]، وهذا أيضًا كذب باتفاق العلماء، ولم يقل الله: فانظر إلى آثار خطى الله، وإنما قال: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الروم:٥٠]، ورحمته هنا النبات.
وهكذا أحاديث في بعضها: (أن محمدًا ﷺ رأى ربه في الطواف) أي: رأى ربه وهو يطوف حول الكعبة، وفي بعضها: (أنه رآه وهو خارج من مكة)، وفي بعضها: (أنه رآه في بعض سكك المدينة).
قال: وكل حديث فيه: أن محمدًا ﷺ رأى ربه بعينه في الأرض فهو كذب باتفاق المسلمين وعلمائهم، فهذا شيء لم يقله أحد من علماء المسلمين، ولا رواه أحد منهم.
وإنما كان النزاع بين الصحابة في أن محمدًا ﵊ هل رأى ربه ليلة المعراج؟ فكان ابن عباس ﵄ وأكثر علماء السنة يقولون: إن محمدًا ﷺ رأى ربه ليلة المعراج، والنصوص واردة عن معظم علماء السنة أنه رأى ربه ليلة المعراج، لكن لم يقولوا: بعيني رأسه.
وكانت عائشة ﵂ وطائفة معها ينكرون ذلك، ولم ترو عائشة ﵂ في ذلك عن النبي ﵊ شيئًا، ولا سألته عن ذلك، ولا نقل في ذلك عن الصديق ﵁، كما يرويه ناس من الجهال أن أباها سأل النبي ﵊: هل رأيت ربك؟ فقال: نعم.
وقال لـ عائشة: لا، فـ عائشة لما سألته نفس
السؤال
هل رأيت ربك؟ قال: لا، ولما سأله أبوها: هل رأيت ربك؟ قال: نعم.
هذا لا يتصور صدوره من النبي ﵊؛ ولذلك فهذا الحديث كذب باتفاق العلماء، قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.
وذكر القاضي أبو يعلى وغيره: أنه اختلفت الرواية عن الإمام أحمد ﵀: هل يقال: إن محمدًا ﷺ رأى ربه بعيني رأسه، أو يقال: بعين قلبه، أو يقال: رآه؟ وأصح رواية فيها أنه قال: رأى ربه وسكت، والرواية الثانية: رأى ربه بعين فؤاده، أو قال: بعين قلبه.
وكذلك الحديث الذي رواه أهل العلم أنه قال: (رأيت ربي في صورة كذا وكذا) وهو المعروف عند أهل العلم بحديث: اختصام الملأ الأعلى، رواه أحمد بن حنبل، والدارمي في سننه، وليس في أحد من دواوين السنة الأصيلة إلا في هذين.
قال أحمد: حدثني عبد الرزاق أنبأنا معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (أتاني ربي ﷿ الليلة في أحسن صورة -يعني: في النوم- فقال: يا محمد! هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ -وهم الملائكة- قال: لا يا رب!).
الشاهد من هذا الحديث: (أتاني ربي في أحسن صورة وأنا نائم).
إذًا: فرؤية النبي ﵊ لربه ثابتة له في الدنيا، لكن رؤية منام لا رؤية حقيقية، ورؤى الأنبياء حق، فهذه الرؤية كانت منامية، ولم تكن بعين رأسه على الحقيقة.
(
[ ٣١ / ٧ ]
الرؤية القلبية والفؤادية تكون حسب عبادة العبد وتقواه لله ﷿
قال شيخ الإسلام: ولكن الذي يقع لأهل حقائق الإيمان من المعرفة بالله، ويقين القلوب ومشاهدتها وتجلياتها على مراتب كثيرة، قال النبي ﵊ لما سأله جبريل ﵇ عن الإحسان قال: (الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، فرؤية الله ﷿ لعباده رؤية حقيقية، وما الذي يمنع أن يرى عباده وهو ﷾ البصير؟ فهنا يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية: أن الرؤية القلبية والفؤادية تكون حسب عبادة العبد وتقواه لله ﷿.
وبعد أن ذكر إجماع الأمة أن أحدًا لا يرى الله ﷿ بعيني رأسه، لا نبي مرسل، ولا ملك مقرب، ولا عبد من العباد، قال: لكن من الممكن الرؤية المنامية، والرؤية القلبية، والتجليات، وتحصل لواحد من العباد حسب تقواه وإيمانه وورعه وعبادته وطاعته لله ﷿.
واستدل على ذلك بحديث: (ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه) قال: فرؤية المؤمن لله ﷿ بقلبه أو منامًا جائزة ولا مانع منها، وذلك حسب إحسان العبد، يعني: أن يكون مسلمًا، وأن يكون مؤمنًا محققًا الإيمان بكماله وأعلى درجاته، والذي فوق ذلك هو الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه عيانًا، ولما كان ذلك محالًا قال: اعبده كأنك تراه.
قال: وإحالة الرؤية بالعين للعبد لا ينفي أن العبد يرى ربه بعين قلبه أو بعين فؤاده، وقد يرى المؤمن ربه في المنام في صور متنوعة، على قدر إيمانه ويقينه، فإذا كان إيمانه صحيحًا لم يره إلا في صورة حسنة، وإذا كان في إيمانه نقص رأى ما يشبه إيمانه.
يعني: رأى صورة ناقصة.
قال: ورؤيا المنام لها حكم غير رؤيا الحقيقة في اليقظة، ولها تعبير وتأويل؛ لما فيها من الأمثال المضروبة بالحقائق، وقد يحصل لبعض الناس في اليقظة أيضًا من الرؤيا نظير ما يحصل للنائم في المنام، فيرى بقلبه مثل ما يرى النائم، وقد يتجلى في الحقائق ما يشهده بقلبه، فهذا كله يقع في الدنيا.
وهذا الكلام إذا عرفه الصوفية طار فرحًا، وسيكون شيخهم الكبير هو ابن تيمية مع أنه العدو اللدود لهم، فهذا الكلام يوافق هواهم، ويوافق مذهبهم ومعتقدهم.
قال: وربما غلب على أحدهم ما يشهده قلبه، وتجمعه له حواسه؛ فيظن أنه رأى ذلك بعيني رأسه، حتى يستيقظ فيعلم أنه منام، وربما علم في المنام أنه منام.
فهكذا من العباد من يحصل لهم مشاهدة قلبية تغلب عليه حتى تفنيه عن الشعور بحواسه، فيظنها رؤية بعينه وهو غالط في ذلك، وكل من قال من العبّاد المتقدمين أو المتأخرين أنه رأى ربه بعيني رأسه فهو غالط في ذلك بإجماع أهل العلم والإيمان.
فكلام ابن تيمية هذا كله نخلص منه إلى أن الرؤية بالعين مستحيلة.
[ ٣١ / ٨ ]
قول شيخ الإسلام في رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة
قال: نعم؛ رؤية الله بالأبصار هي للمؤمنين في الجنة، وهي أيضًا للناس في عرصات القيامة.
قوله: (للناس) يعني: كل الناس المؤمن والكافر، ولكن الرؤية على ثلاثة أنواع: فيراه الكافرون ثم يحجب الله ﵎ نفسه عنهم؛ من باب العقوبة.
لا يراه الكافرون قط، فيعاتبهم ويوبخهم الله ﷿ على كفرهم وعنادهم.
ويراه المنافقون ثم يحجب الله ﵎ نفسه عنهم؛ عقوبة لهم، ويتجلى ربنا لأهل الإيمان في المشهد كما يتجلى لهم في جنة عدن في كل يوم من أيام الأسبوع، وهو يوم المزيد يوم الجمعة، وهذا ثابت لأهل الإيمان على جهة الخصوص؛ لأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة.
ثم يذكر ابن تيمية عليه رحمة الله بعد ذلك رؤية المؤمنين لربهم، ويسوق عليها بعض الأدلة، فقال: كما تواترت الأحاديث عن النبي ﵊ في ذلك: (إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب)، فالرؤية لأهل الإيمان، وهي رؤية بالأبصار، ولكنها لا تكون إلا في الآخرة.
قال: (وكما ترون القمر ليلة البدر صحوًا ليس دونه سحاب).
وقال ﵊: (جنات الفردوس أربع: جنتان من ذهب آنيتهما وحليهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وحليهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن).
وقال ﵊: (إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو: ألم يبيض وجوهنا، ويثقل موازيننا، ويدخلنا الجنة، ويجرنا من النار؟ فيكشف ربنا ﵎ الحجاب فينظرون إليه عيانًا، فما أعطاهم شيئًا أحب إليهم من النظر إليه، وهي المذكورة في قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس:٢٦] أي: الجنة ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] أي: النظر إلى وجه الله ﵎).
وهذه الأحاديث وغيرها في الصحيحين، وقد تلقاها السلف والأئمة بالقبول، واتفق أهل السنة والجماعة عليها، وإنما يكذب بها أو يحرفها الجهمية ومن تبعهم من المعتزلة والرافضة الشيعة ونحوهم، الذين يكذبون بصفات الله تعالى وبرؤيته وغير ذلك، وهم المعطلة شرار الخلق.
ودين الله تعالى وسط بين تكذيب هؤلاء -أي: بين تعطيل هؤلاء- بما أخبر به النبي ﵊ في الآخرة، وبين تصديق الغالية بأنه يرى بالعيون في الدنيا، وكلاهما باطل.
إن منهج أهل السنة والجماعة في مسألة الرؤية وسط بين المعطلة الذين يقولون: كل هذه الأحاديث كذب، أو يحرفونها فيحملون الرؤية على رؤية الآيات، أو رؤية المحشر، أو رؤية النعيم، أما الله ﷿ فلا يرى عندهم لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهؤلاء هم الجهمية والمعتزلة.
وهناك على الطرف الآخر والنقيض قوم يقولون: إن رؤية الله تعالى بالعين الحقيقية تثبت في الدنيا، بل ولكل العباد، ومذهب أهل السنة والجماعة وسط بين المعطلة وبين المثبتة، فأهل السنة يقولون: إن رؤية الله ﵎ في الآخرة ثابتة لأهل الإيمان، ومحجوبة عن أهل الجحود والنكران والكفران.
[ ٣١ / ٩ ]
معتقد الفرق الضالة في رؤية الله ﷿ وفي ذاته
أما في الدنيا فإن الله ﵎ لا يرى بعين الرأس البتة، ولكن يراه النبي ﵊ في منامه، والدليل الأحاديث التي وردت في اختصام الملأ الأعلى، فهي صريحة في أنه رأى ربه بفؤاده في المنام، وليس هناك أثر واحد يثبت صحة رؤية المولى ﵎ بعين الرأس في الدنيا لا للأنبياء، ولا للملائكة، ولا لغيرهم، وكلام هؤلاء الذين يزعم أحدهم أنه يراه بعيني رأسه في الدنيا ضلال كما تقدم.
ومثل ذلك من يزعمون أنهم يرونه في بعض الأشخاص، يقول أحدهم: أنا رأيت الله في فلان، ولا يقول هذا الكلام إلا الحلولية والاتحادية الذين يقولون: إن الله يحل في المخلوقات، ويتحد معها حتى يكون المخلوق هو الخالق، والخالق هو المخلوق.
فيقولون: إنهم يرونه في بعض الأشخاص، إما في بعض الصالحين أو بعض المردان، أو بعض الملوك أو غيرهم.
قال: فعظم ضلالهم وكفرهم، وكانوا حينئذ أضل من النصارى الذين يزعمون أنهم رأوه في صورة عيسى بن مريم، وهؤلاء الذين يقولون: إن الله يحل في المخلوقات هم أضل من أتباع الدجال الذي يكون في آخر الزمان، وفيهم شعبة من شعب النصارى، واعلم أن هناك ناسًا آخرين شرًا من هؤلاء، يعممون الرؤية في جميع الخلق، فيقولون بحلول الله ﷿ أو اتحاده في جميع الموجودات حتى في الكلاب والخنازير والنجاسات، وهذا القول كفر، وهو يشبه قول من قال: إن الله موجود في كل الوجود بذاته؛ لأنه يلزمه أن يقول: إن الله تعالى في الحمامات، وفي الحشوش، وفي الأماكن النجسة بذاته.
وأما أهل السنة والجماعة فيثبتون العلو والفوقية لله ﷿، وأنه استوى على العرش كيف شاء، وأنه مع عباده ومع خلقه بسمعه وعلمه وبصره وإحاطته، فيتنزه ربنا ﵎ عن قول هؤلاء الذين يوجدون الله ﵎ في هذه الأماكن التي ينبغي أن يتنزه عنها المسلم فضلًا عن رب المسلم.
فهؤلاء الضالون يقولون بأن الله تعالى يتحد ويحل في جميع الموجودات حتى الكلاب والخنازير والنجاسات، كما يقول ذلك قوم من الجهمية، ومن تبعهم من الاتحادية -أي: الصوفية- كأصحاب ابن عربي وابن سبعين وابن الفارض والتلمساني وغيرهم، ومذهب جميع المرسلين ومن تبعهم من المؤمنين وأهل الكتب، -يعني: اليهود والنصارى- أن الله ﷾ خالق العالمين، ورب السماوات والأرض وما بينهما أجمعين، ورب العرش العظيم، والخلق جميعًا عباده، وهم فقراء إليه، هذا كلام المعتدلين من أهل الكتاب قبل بعثة النبي ﵊، وهو سبحانه فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه، ومع هذا فهو معهم أينما كانوا، كما قال ﷾: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤]، فأثبت في أول الآية العلم، وأثبت في آخر الآية البصر والرؤية.
إذًا: فمعيته لخلقه معية علم وبصر وسمع، وهو معكم أينما كنتم، فهؤلاء الضلال الكفار الذين يزعم أحدهم أنه يرى ربه بعينيه، وربما زعم أنه جالسه وحادثه أو ضاجعه، وربما يعين أحدهم آدميًا إما شخصًا، وإما صبيًا أو غير ذلك، ويزعم أنه كلمه؛ يستتابون فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم، وكانوا كفارًا؛ إذ هم أكفر من اليهود والنصارى الذين قالوا: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧]، فإن المسيح رسول كريم وجيه عند الله تعالى في الدنيا والآخرة، ومن المقربين، فإذا كان الذين قالوا: إنه هو الله، وإنه اتحد به أو حل فيه قد كفروا وعظم كفرهم، بل الذين قالوا: إنه اتخذ ولدًا، حتى قال: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ [مريم:٨٨ - ٨٩] أي: مفترى، ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٠ - ٩٣].
فكيف بمن يزعم في شخص من الأشخاص أنه هو؟ فهذا أكفر من الغالية الذين يزعمون أن عليًا ﵁ أو غيره من أهل البيت هو الله، كما زعمت السبئية من الشيعة، يزعمون أن عليا هو الله تعالى، وهؤلاء هم الزنادقة الذين حرقهم علي بن أبي طالب ﵁ بالنار، وأمر بأخاديد خدت لهم عند باب كندة، وقذفهم فيها بعد أن أجلهم ثلاثًا ليتوبوا، فلما لم يتوبوا أحرقهم بالنار، واتفق الصحابة رضي الل
[ ٣١ / ١٠ ]
قول الكرمي في رؤية النبي ﷺ ربه في الدنيا
ويقول مرعي الحنبلي الكرمي: اختلف العلماء: هل رأى محمد ﵊ ربه بعين رأسه أو بعين قلبه، فمذهب ابن عباس وطائفة أنه رآه بعين رأسه، وإلى هذا ذهب أبو الحسن الأشعري ومن وافقه.
وكذلك أبو الحسن الأشعري لم يصرح بأن النبي ﷺ رأى ربه بعين رأسه.
ومذهب عائشة ﵂ أنه لم يره بعين رأسه؛ لحديث أبي ذر: (نور أنى أراه؟)، وعلى هذا طائفة من العلماء، ورجح هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: قد تدبرنا عامة ما صنفه المسلمون في هذه المسألة، وما تلقوه فيها قريبًا من مائة مصنف، فلم أجد أحدًا يروي بإسناد ثابت ولا صحيح، بل ولا عن صاحب ولا عن إمام أنه رآه بعين رأسه.
قال: فالواجب اتباع ما كان عليه السلف والأئمة وهو إثبات مطلق الرؤية، أو رؤية مقيدة بالفؤاد، ولم يثبت عن الإمام أحمد التصريح بأنه ﵊ رأى ربه بعيني رأسه.
نحن قلنا: إن فيه ثلاث روايات عن أحمد: رأى ربه بعيني رأسه، رأى ربه بفؤاده، رأى ربه، ولكن رواية إثبات الرؤية بعين رأسه غير ثابتة -يعني: غير صحيحة- وحكى النقاش عن أحمد بن حنبل أنه قال: أنا أقول بحديث ابن عباس: بعينه رآه رآه رآه رآه حتى انقطع نفسه.
لكن ابن تيمية أعلم بنقول أحمد، فـ ابن تيمية نخل وغربل مذهب أحمد بن حنبل، بل والمذهب الحنبلي كله، بل ومذاهب أهل العلم، فكيف يقدم كلام النقاش على كلام ابن تيمية الذي هو من أهل بيت أحمد بن حنبل، يعني: من أهل بيت علمه وفقهه؟! يقول: وأحمد أجل من أن يكون عنده من عدم السكينة ما يتكلم بمثل هذا حتى ينقطع نفسه، إنما هي حكايات المجازفين في النقول عن الأئمة، فتأمل وصاحب البيت أدرى، وكم للناس من مجازفات في المنقول والمعقول، والمرجع في ذلك إنما هو لأقوال المحققين والعلماء الراسخين والأئمة الربانيين كـ ابن تيمية وغيره.
[ ٣١ / ١١ ]
كلام ابن القيم في رؤية النبي ﷺ ربه
وقال ابن القيم عليه رحمة الله في الزاد: واختلف الصحابة: هل رأى النبي ﵊ ربه تلك الليلة أم لا؟ فصح عن ابن عباس أنه رأى ربه، وصح عنه أنه قال: رآه بفؤاده، فهذه مطلقة وهذه مقيدة.
وصح عن عائشة وعن ابن مسعود إنكار ذلك، وقالا: إن قوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:١٣ - ١٤] إنما هو جبريل، وصح عن أبي ذر أنه سأله: (هل رأيت ربك؟ فقال: نور أنى أراه؟) أي: حال بيني وبين رؤيته النور، كما قال في لفظ آخر: (رأيت نورًا)، وقد حكى عثمان بن سعيد الدارمي اتفاق الصحابة على أنه لم يره.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: وليس قول ابن عباس مناقضًا لهذا، يعني: حتى ابن عباس ليس مختلفًا مع عائشة ولا عبد الله بن مسعود في الحقيقة؛ لقوله: رآه بفؤاده، وقد صح عنه أنه قال: (رأيت ربي ﵎) ولكن لم يكن هذا في الإسراء، -هذا في حديث اختصام الملأ الأعلى- ولكن كان ذلك في المدينة لما احتبس عنهم ﷺ في صلاة الصبح، ثم أخبرهم عن رؤية ربه ﵎ تلك الليلة في منامه، وعلى هذا بنى الإمام أحمد -أي: بنى رأيه ومذهبه في هذا الأمر- وقال: نعم، رآه حقًا؛ ولكن لم يقل أحمد ﵀: إنه رآه بعيني رأسه يقظة وحقًا، وإنما قال: رآه حقًا، ولم يذكر يقظة ولا أنها كانت رؤية عين.
فحكيت عنه روايتان، وحكيت عنه الثالثة من تصرف بعض أصحابه كـ النقاش: أنه رآه بعيني رأسه، وهذه نصوص أحمد موجودة ليس فيها ذلك، أي: ليس فيها التصريح بأنه رآه بعيني رأسه، رحمه الله تعالى ورضي عنه.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.
[ ٣١ / ١٢ ]