الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة، منها: الشهادتان والحياء، وإماطة الأذى عن الطريق، والعمل بأركان الإسلام وأركان الإيمان، والجهاد لإعلاء كلمة الله، وتفضيل حب الله ورسوله على حب ما سواهما، وحب الأنصار، والحب في الله والبغض في الله، وحب علي بن أبي طالب، وعدم إيذاء الجار، وإكرام الضيف، وإلقاء السلام، وصيام رمضان وقيامه، وغيرها من الشعب.
[ ٤٧ / ١ ]
الشهادتان والحياء وإماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أما بعد: في الدرس الماضي من دروس الاعتقاد استعرضنا سريعًا كتاب الإيمان في صحيح البخاري، وقلنا: إن شعب الإيمان محل نزاع بين أهل العلم، منهم من قال: هي بضع وستون، ومنهم من قال: هي بضع وسبعون، وسبق العلماء الإمام ابن حبان، فعد خصال الإيمان من القرآن والسنة، ومن أقاويل السلف ﵃ أجمعين فبلغ بها بضعًا وسبعين شعبة.
ومرد هذه الشعب إما أن يكون إلى أعمال الجوارح، أو أعمال القلب، أو أعمال اللسان، فمرد هذه الشعب كلها إلى هذه الثلاثة الأصول.
والإمام البخاري إنما نهج في كتاب الإيمان على منوال واحد، فذكر أولًا الإيمان، وبين اختلاف أهل العلم في تعريف الإيمان، هذا في أصول الأبواب عنده.
ثم بين أن الإيمان يزيد وينقص، وعلامات ذلك من كتاب الله تعالى ومن سنة النبي ﵊، ثم بين أن الإيمان شعب ومراتب، ثم ذهب في بقية الكتاب يعدد هذه المراتب وهذه الشعب، فقال: الصلاة من الإيمان، الزكاة من الإيمان، الحج من الإيمان، الجهاد من الإيمان، أداء الخمس من الإيمان، إلى أن عد شعبًا عديدة، لكنه لم يجمع شعب الإيمان؛ لأنه إنما قصد في كتابه هذا أن يعد شعب الإيمان التي على شرطه؛ لأنه لا يخرج عن شرطه لأجل أن يعد شعب الإيمان؛ لأن هذا ليس مقصدًا أساسيًا له بخلاف أنه أراد ألا يذكر في كتابه إلا حديثًا كان على شرطه؛ فهذا استعراض سريع لكتاب الإيمان عند البخاري وليس هو المراد، إنما المراد ذكر كتاب وشعب الإيمان عند الإمام اللالكائي في كتاب أصول الاعتقاد.
ولذلك آثرت أن أرجع إلى نفس الباب من كتاب أصول الاعتقاد للالكائي خاصة وأن الإمام إنما ذكر شعبًا لم يذكرها البخاري ولم يذكرها كذلك الحافظ ابن حجر، فقد ذكر شعبًا أدلتها ضعيفة لا يمكن تقوى، ولا يمكن إثبات أنها من الإيمان لعدم نهوض الدليل على كونها كذلك.
فقال: [ذكر الخصال المعدودة من الإيمان المروية في الأخبار، فأول مرتبة من إيمانه وأعلاه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله].
قال: [وأدناه -أي: أدنى مراتب الإيمان- إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان].
ثم ذكر حديث أبي هريرة: (الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة أعلاه لا إله إلا الله، وأدناه إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان).
فهذا الحديث إنما ذكر ثلاث شعب من شعب الإيمان.
[ ٤٧ / ٢ ]
أركان الإسلام كالصلاة والزكاة وغيرهما من شعب الإيمان
والخصلة الرابعة هي: الصلاة، وبينا في الدرس الماضي أن الصلاة من الإيمان في قول الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣]، أي: ليضيع صلاتكم التي صليتموها إلى بيت المقدس قبل إنزال الوحي بتحويل القبلة إلى البيت الحرام.
والخصلة الخامسة: الزكاة، والسادسة: الخمس من المغنم، والسابعة: الصوم، والثامنة: الحج.
كل هذا من الإيمان، ومن هذه الخصال ما يتعلق بالقلب وهو الاعتقاد، ومنه ما يتعلق بالجوارح، ومنه ما يتعلق باللسان وهو الشهادتان.
كما في حديث ابن عباس وهو المعروف بحديث وفد عبد القيس لما أتوا إلى النبي ﵊ وقالوا: (يا رسول الله! إن بيننا وبينك كفار مضر ولا نخلص إليك -أي: ولا نأتي إليك ولا نتمكن من لقائك- إلا في الأشهر الحرم، فمرنا بأمر نعمل به ونأمر به من وراءنا، قال: آمركم بالإيمان بالله وحده؟ أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وتقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، وتصوموا رمضان، وتؤدوا الخمس من المغنم).
فعرف الإيمان هنا بما عرف به الإسلام في حديث جبريل ﵇، قال: (وأنهاكم عن أربع: أنهاكم عن الدباء والحنتم، والنقير، والمقير) وفي رواية: (والمزفت).
وكل هذه إنما هي أسامي أواني كانوا يخمرون فيها الخمر، ومن شأن هذه الأواني على جهة الخصوص أن الخمر أو أن الشراب إذا وضع فيها اشتد سريعًا؛ ولذلك كان العرب قبل الإسلام يأتون بهذه الأواني خصيصًا حتى لا تتأخر فيها الأشربة بحيث تتخلل وتتخمر سريعًا، فنهاهم النبي ﵊ عن ذلك.
[ ٤٧ / ٣ ]
أركان الإيمان الستة من شعب الإيمان
وذكر الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، والجنة والنار، والقدر خيره وشره فذلك ثمان خصال؛ إلا أن ذكر الإيمان بالله تعالى تقدم فتبقى سبع، وهي مع الثمان الخصال السابقة التي ذكرناها تكون حينئذ خمس عشرة خصلة.
قال: [وعن يحيى بن يعمر عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما الإيمان؟ -أي: ما هو الإيمان وما حقيقته؟ - قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والجنة والنار، وبالقدر خيره وشره، قال: فإذا فعلت ذلك فقد آمنت؟ قال: نعم، قال: ما الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا، قال: أرأيت إن فعلت ذلك فقد أسلمت؟ قال: نعم) إلى آخر الحديث فبين النبي ﵊ هنا أن شعب الإيمان تتعلق بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالقدر خيره وشره، وبالبعث بعد الموت، والجنة والنار، والصراط والحساب والجزاء؛ كل هذا من الإيمان، بل كل ما يتعلق بأمر غيبي هو من أصول الإيمان، فإنكاره يؤدي بالعبد إلى النار عياذًا بالله.
فلو أن عبدًا أنكر الجنة والنار لأنه لم يرهما، أو أنكر البعث بعد الموت؛ كل من أنكر شيئًا من أمر الغيب الذي جاء في كتاب الله وفي سنة النبي ﵊ المتواترة فإنه يكفر بذلك ويخرج عن ملة الإسلام.
[ ٤٧ / ٤ ]
الجهاد لإعلاء كلمة الله من شعب الإيمان
الخصلة السادسة عشرة: هي الجهاد، أي: إثبات أن الجهاد من الإيمان.
قال: [عن أبي هريرة ﵁ قال: (سأل رجل رسول الله ﷺ: أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله، قال: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قال: ثم ماذا؟ قال: ثم حج مبرور)].
[ ٤٧ / ٥ ]
تفضيل حب رسول الله على حب الولد والوالد والناس أجمعين
الخصلة السابعة عشرة: قال: [عن أنس ﵁ قال: قال النبي ﵊: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين).
يعني: حتى يكون الرسول ﵊ أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين.
الناس يخالفون هذه الشعبة من حيث لا يدرون، فالوالد يقدم محبة ولده على محبة الله ورسوله وهو لا يدري، لو كان الولد عاصيًا أو شاربًا للخمر مثلًا، فالوالد يعطي ولده المال ليشرب الخمر أو ليشرب البانجو، أو ليعصي بها أيًا كان نوع المعصية، فإذا قيل للوالد: لم تفعل هذا؟ قال: والله هو شباب ولا بأس في ذلك وغير هذا من الأعذار، وهو لا يدري أن هذا فيه معصية لله ومعصية للرسول ﵊ ثم يميع أمر الله ﷿ في مقابلة أن يرضي ولده، فمثل هذا العبد فاقد للإيمان، لأنه قدم حب ولده على حب الله ورسوله، ولذلك قال ﷺ: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)، وفي رواية: (حتى أكون أحب إليه من ماله وولده والناس أجمعين)، فلا بد من تقديم محبة الله ومحبة الرسول ﵊ على كل محبوب دونهما.
[ ٤٧ / ٦ ]
الحب في الله وكراهية الكفر من شعب الإيمان
والخصلة الثامنة عشرة والتاسعة عشرة والعشرون: قال: [عن أنس ﵁ قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله)]، وهذا من أعظم شعب الإيمان وعرى الإيمان.
قال: [(وأن يكره أن يرجع في الكفر كما يكره أن توقد له نار فيقذف فيها)].
فلو أن نارًا أججت وقالوا: إما أن ترجع عن دينك وإما أن نلقيك في النار، فقل: النار أحب إلي، وليس هذا كلامًا يقرأ، فهذه عقيدة المسلمين دائمًا.
فلا بد من الوقوف عند كل نص شرعي، واستنباط المعاني والأحكام والعقائد والأخلاق والآداب والسلوكيات منه، ولا يمكن أن تبنى الشخصية الإسلامية المحترمة إلا بالوقوف عند كل نص، واستنباط ما ذكرت منه، بل والوقوف عند هذه الاستنباطات لأجل العمل بعد الاعتقاد.
أما إنسان يقرأ القرآن من أوله إلى آخره دون أن يقف على حدوده، ودون أن يقف على حلاله وحرامه فكيف له أن يتعرف على الحلال والحرام؟ وكيف له أن يتعرف على العقيدة الصحيحة عقيدة التوحيد، وكذلك سنة النبي ﵊؟ فلا بد للإنسان من الوقوف عند كل نص ليستفيد، ثم لا يجاوز هذه النصوص إلا بعمل.
[ ٤٧ / ٧ ]
حب الأنصار من شعب الإيمان
قال: [وعن أنس ﵁ قال: (آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار)].
إذًا: ما دام النبي ﵊ علق هذه الشعبة بالإيمان فهي من الإيمان، فحبي للأنصار علامة على إيماني، وبغضي للأنصار علامة على نفاقي.
وهذا الحديث فيه فضيلة للأنصار وأبنائهم إلى قيام الساعة، وإن كان لفظ الأنصار عند الإطلاق يطلق على من ناصر النبي ﵊ من أهل المدينة خاصة، مع أنه قد نصره من هم من غير أهل المدينة، فالمهاجرون لما هاجروا من مكة إلى المدينة أليس هذا نصرة للنبي ﵊ ولدين الإسلام؟ وغيرهم من القبائل والبلاد المجاورة للمدينة، بل أهل الحبشة الذين ناصروا النبي ﵊، وغير أهل هذه البلدان قد ناصروا النبي ﵊.
فكلهم أنصار، وكلهم قد تحققت فيهم النصرة والمؤازرة والتعزير والتوقير للنبي ﵊، لكن لفظ الأنصار عند الإطلاق يطلق على أهل المدينة ممن صحب النبي ﵊.
أما عند إرادة إطلاق اللفظ فيطلق على الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار إلى آخر الزمان، فبغض الأنصار لأجل النصرة علامة على النفاق، حتى لا يتحرج الإنسان الآن أنه يدخل المدينة فيجد رجلًا مثلًا من أهل المدينة لكنه من أهل المعصية ليس من أهل الطاعة، أي: أنه رجل مثلًا يزني ويسرق ويشرب الخمر وغير ذلك، فهذا لا يحب وإن كان من الأنصار، فقوله ﵊: (آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار) أي: علامة الإيمان أن تحب الأنصار لكونهم ناصروا النبي ﵊، وعلامة النفاق أن تبغض الأنصار لأنهم ناصروا النبي ﵊، فإثبات الإيمان ونفيه متعلق بحب الأنصار وبغضهم لأجل النصرة.
فحينما نذكر مثلًا سعد بن معاذ نقول: ﵁، لقد ناصر النبي ﵊، ونحب أبناءه وأبناء أبنائه الذين هم على الطاعة؛ لأنهم ناصروا النبي ﵊، وناصروا الله ﷿.
أما أن يأتيني رجل مثلًا من الأنصار، لكنه يعيث في الأرض فسادًا فأنا أبغضه، لا أبغضه لأن آباءه ناصروا النبي ﵊، لكني أبغضه لأنه يعصي الله، فهذا أيضًا من الإيمان، لقوله ﵊: (إن أوثق عرى الإيمان أن تحب لله وأن تبغض لله) يدخل في هذا المهاجرون والأنصار.
لو أن مهاجرًا ممن هاجر من مكة إلى المدينة مع النبي ﷺ ثم ارتد بعد موت النبي ﵊ عن الإيمان إلى الكفر فلا نحبه؛ فهجرته نسخت بردته؛ لأن الردة تمحو ما كان قبلها من خير، كما أن الإيمان يمحو ما كان قبله من شر.
[ ٤٧ / ٨ ]
حب الخير للآخرين من شعب الإيمان
قال: [وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)]، وهذه علامة مهمة، وهي أن تحب لأخيك مثل الذي تحب لنفسك تمامًا، وهذه مرتبة ينبغي أن نقف عندها؛ فقد قل من الناس من يحب لأخيه ما يحب لنفسه، بل كل الناس أو جلهم إنما يحب نفسه أكثر من كل شيء، حتى قال عمر بن الخطاب ﵁ للنبي ﵊: (والله يا رسول الله إني لأحبك أكثر من كل شيء إلا من نفسي التي بين جنبي)، وهو عمر، وهذه نفس بشرية جبلت على هذا، فقال النبي ﵊: (لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك التي بين جنبيك، فوقف عمر مع نفسه وقفة فقال: والله يا رسول الله! إنك لأحب إلي من كل شيء حتى من نفسي التي بين جنبي، فقال النبي ﷺ: الآن يا عمر) يعني: الآن قد حققت كمال الإيمان، لأن عمر قال هذا حينما سمع قوله ﵊: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين).
[ ٤٧ / ٩ ]
عدم إيذاء الجار واجتناب الغيبة والنميمة من شعب الإيمان
قال: [وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵊ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره)].
هنا علق حقوق الجار بالإيمان، فلا يحفظها إلا مؤمن، ولا يضيعها إلا إنسان ناقص الإيمان أو فاقد الإيمان.
فالذي يؤذي جاره لا يتحقق لديه كمال الإيمان، فليس من الإيمان إيذاء الجار، بل من الإيمان حفظ حقوق الجار، والجيران في هذا الزمان كاد كل واحد منهم أن يخرج من داره ومن أهله وبيته هربًا مما يحدثه الجار من إزعاج ومعاص وارتفاع بالمذياع وسباب للدين، وسباب للرسول والقرآن والسنة وغير ذلك عيانًا بيانًا.
ولو كان لهذه الأمة حارس يخشى على دين الله ﷿ لأدب الناس في حجر نومهم، لكن لا حارس للأسف الشديد، فلا يبقى أمام الناس إلا الوازع الديني الذي استقر في قلوبهم، فإذا غاب السلطان والحاكم لا بد من استخلاف الوازع الديني في قلب العبد المؤمن، بحيث يحمله على ملازمة التقوى والمروءة، ويأمره ويحضه على ملازمة التقوى؛ لأن السلطان لا يمكنه أن يفلح في هذا مهما بلغ بجبروته وطغيانه وعدته وعتاده لا يمكن للسلطان أن يسيطر على قلبك، بل القلب موهبة من الله ﷿، والوازع الديني والإيماني في قلب العبد هو منحة ربانية من الله ﷿؛ ولذلك لو راقبك العالم أجمع فاستطعت أن تصنع شيئًا في غفلة هؤلاء لفعلت، لكن لو أن العبد قد استكمل الإيمان بقلبه بمعنى أنه حقق خشية الله ﷿ على أعلى مستوى، فلو وضعوه مع أعظم المشتهيات كملكة جمال مثلًا، أو كان يشرب الخمر سابقًا ووضعوه في غرفة خمر مثلًا، لكنه تاب إلى الله ﷿ وعرف الله تعالى، فإنه لا يستطيع بل ولا يجرؤ أن يزني أو يشرب الخمر لأن معه الوازع الديني، ولأنه يملك بين جنبيه مخافة الله ﷿، فلا يمكن أن ينظر إلى تلك المرأة، بل ربما يراها أذم الخلق، ويراها خبيثة فينصرف عنها، وهذه تكون منحة من الله ﷿.
والسلطان الحاكم لا تأثير له إلا على الأبدان، أما تأثير الإيمان فإنه ينطلق بالعبد فيمشي في وسط الشوك بلا خدش، لا تخدشه المعاصي ولا تخدشه الشهوات ولا الشبهات من هنا وهناك؛ لأن حارسه نابع من داخله، فلا يتأثر بهذا الفساد الذي يحيط به من كل جانب.
قال: [(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت)].
إذًا: الغيبة والنميمة وطول اللسان وهتك الأعراض وغير ذلك ليس من الإيمان، وليست القضية مجرد أنه بمقدورك أن تغتاب ما شئت، ثم تنصرف من المجلس وتقول: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت حتى يُغفر لك ما كان في المجلس، فالقضية هذه متعلقة بالإيمان، وإن غفر الله تعالى لك غيبتك لأخيك في مجلس جلسته واغتبته فيه فيبقى أن إيمانك تأثر بهذا الكلام، فلو كان منسوب الإيمان عندك مثلًا (٧٠%) واغتبت أخًا في الله ربما ينزل إلى (٥٠%) وأقل من ذلك، لأن الغيبة والنميمة وهتك العرض والكلام في أعراض الناس والطعن والقذف؛ كل هذا مناف للإيمان، وقديمًا كان السلف إذا ذكرت غيبة في مجلس أنكروا، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر بأمر الله ورسوله، فإذا استجاب القوم وإلا انصرفوا.
ولذلك يقول قائلهم: إذا كنت في مكان به منكر فأنكر، فإن زال وإلا فزل أنت عنه.
أي: فإن استطعت أن تغير هذا المنكر إلى معروف، أو على الأقل تزيل المنكر فافعل، وإلا فيجب عليك أن تقوم من هذا المكان وتنصرف.
ولذلك عذب الله ﷿ بني إسرائيل؛ لأنهم كانوا إذا رأوا المنكر أنكروا، حتى إذا كان الغد لم يمنع هؤلاء الذين أنكروا بالأمس أن يكونوا معهم في الأكل والشرب والمجالس، والله ﷿ قد لعن قومًا جلسوا على مائدة يدار عليها الخمر.
فهم لم يشربوا وإنما جلسوا على مائدة يدار عليها الخمر؛ فكأنهم رضوا بهذا، والراضي بالذنب كالفاعل للذنب.
قال عبد الله بن عمر ﵁: (سمع النبي ﷺ رجلًا يعظ أخاه في الحياء فقال: دعه فإن الحياء من الإيمان).
يعظ أخاه أي: ينهاه.
وليس معنى هذا أن تقول له: ما من داع لأن تستحي كثيرًا، فأنت كثير الحياء؛ فبهذا تكون قد نهرته عن الحياء ولم تعظه.
فحينما نرى من عنده حياء فنقول: هذا حيي فوق اللازم وأكثر من اللازم، فنحن ننهره بهذا، بل الحياء كله خير.
إذًا: ما في الحياء شيء اسمه أكثر من اللازم إذا كان هو كله خير كما قال ﵊: (الحياء لا يأتي إلا بخير)، أي: أنه لا يأتي من روائه إلا خير، فهل يقال لفلان: انته عن الحياء؟ أليس النبي ﵊ حينما سمع رجلًا يعظ أخاه في الحياء، يعني: سمعه يقول له ليس بالضرورة كثرة الحياء، قال له: (دعه فإن الحياء من الإيمان).
[ ٤٧ / ١٠ ]
إلقاء السلام وإفشاؤه من شعب الإيمان
قال: [قال: النبي ﵊: (والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا -لأن الجنة لا يدخلها إلا نفس مؤمنة- ولا تؤمنوا حتى تحابوا).
إذًاَ: فسبب الإيمان هو المحبة، أو علامة الإيمان محبة المؤمنين بعضهم لبعض.
قال: [(أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟)]؛ يعني: أدلكم على البوابة التي إذا فعلتموها ودخلتم منها حصلت لكم المحبة والثواب، قال: [(أفشوا السلام بينكم)].
ذهب بعض أهل العلم إلى وجوب إلقاء السلام، لقوله ﵊: (ألق السلام على من عرفت وعلى من لم تعرف)، أي: من المسلمين، ولقوله ﵊: (إذا لقيتم اليهود والنصارى فلا تبدءوهم بالسلام، وإذا سلموا عليكم فقولوا: وعليكم، فإنهم لا يقولون السلام: وإنما يقولون: السام.
أي: يقول اليهود والنصارى: السام عليكم، فإذا قالوا لكم ذلك فقولوا: وعليكم).
ولذلك دخل رجل من اليهود على النبي ﵊ فقال: (السام عليك يا محمد! فقالت عائشة من خلف الجدار ﵂: وعليك السام واللعنة والغضب يا عدو الله! فقال النبي ﷺ: يا عائشة! ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه، يا عائشة! إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف.
قالت: يا رسول الله! أما سمعت ما قال؟ -أي: أما سمعت أنه يقول: السام عليك يا محمد أي: الهلاك والموت عليك يا محمد! - قال: أما سمعت ما رددت به عليه؟) يعني: أنا قلت: وعليكم، وهذا فيه كفاية.
لو أني سمعت مسلمًا يقول لرجل من المسلمين أحبه: السام عليك لغضبت غضبًا شديدًا، ولو قال أحد لشيخك مثلًا: السام عليك، وأدركت المقصود ربما غضبت غضبًا شديدًا وحدثت بينكما مشاجرة.
فهذه عائشة ﵂ أخذتها الغيرة والغضب والحب للنبي ﵊؛ لأن حبها للنبي انعقد في الله ﷿، فتأبى هذه المحبة أن تسمع دعاء بالهلاك على النبي ﵊، وقال النبي ﵊: (لا تبدءوهم بالسلام، وإذا سلموا عليكم فقولوا: وعليكم، وإذا لقيتموهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقه).
قال العلماء: اضطرار اليهود والنصارى في أضيق الطريق أن يكون للمسلم عرض الطريق، أي: وسطه، ولليهود والنصارى حافة الطريق، فهذا الاضطرار لأضيق الطرق؛ لأن بعض الإخوة فهمه للنص أن يظل يضيق عليه في مطلق التعامل معه.
وهذا مفهوم غير صحيح للنص، وإنما دعه يمشي على حافة الطريق، أما المسلم فله وسط الطريق، وهذا الوسط يدل على العزة، ولكن هذا الكلام حينما كان للمسلمين عزة، ودولة وصولة وجولة، وحكام يدافعون عنهم ويحبون الإسلام والمسلمين وغير ذلك، ولما كنت كذلك محترمًا لدينك ولإسلامك ولإيمانك، لكن حينما فقدنا هذه المؤهلات كلها وصرنا أذل أمة وأحط من اليهود والنصارى فينبغي أن نجعل اليهود والنصارى يمشون معنا في وسط الطريق.
فهذا كان من قبل خاصة أيام الدولة الأموية ناهيك عن الخلافة الراشدة أو فترة النبوة، كان النصراني أو اليهودي إذا كان في شارع أمام بيته ووجد مسلمًا أتى من بعيد كان يهرب إلى داخل بيته ويغلق البيت، حتى يوسع الطريق للمسلم، وما كان ممكنًا أن يضع رجلًا على رجل والمسلم يمشي في الشارع، لم يكن هذا موجودًا، فلو كان ممكنًا لقطع رقبته، ولقامت فيها مجازر بين اليهود والمسلمين.
فـ سنسبري اليهودي الذي كتب على محلاته في لندن: ممنوع دخول الكلاب والعرب، أي: أنه يساوينا بالكلاب! ثم يأتي إلى بلادنا ويستثمر فيها، وهذا كله لمصلحة البلد، نعم لمصلحة ضرب اقتصاد البلد، وغيرها من الشركات التي ترتع في أموال المسلمين بالليل والنهار، فهذه الشركات النصرانية واليهودية التي تمرح وترعى في البلد بغير رقيب ولا حسيب، هم هؤلاء ناس صالحون ومحترمون!! أما أن تقوم شركات إسلامية تظهر للعالم حسنة واحدة من حسنات الإسلام ومن حسنات الاقتصاد الإسلامي فهذا لا يمكن، فهؤلاء ينبغي أن يقتلوا في مهدهم وينبغي ألا يظهروا.
وهذا ليس موضوعنا، إنما موضوعنا لما يسلم علينا يهودي أو نصراني إذا تأكدنا من أنه يقول: السلام عليكم، نقول: وعليكم السلام، وهذا مذهب ابن تيمية وابن القيم، أما إذا لم نتأكد ماذا قال فيجب علينا أن نقول: وعليكم فقط، أي: الهلاك علينا وعليكم، نحن وأنتم سنموت فليس أحد منا سيخلف.
ولو اضطررت إلى ذلك فاخرج منها واهرب منها، فقل: كيف حالك، سلامات، صباح الخير، مساء الخير.
الخصلة السابعة والعشرون: [قال ﵊: (والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم)]، وأفشوا من الفشو والانتشار، وكأنه يريد أن يقول: ما أحد يمر على أحد إلا ويسلم عليه، سواء يعرفه أو لا ي
[ ٤٧ / ١١ ]
صيام رمضان وقيامه واتباع جنازة المسلم من شعب الإيمان
قال: [قال ﷺ: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه)]، إذًا: صيام رمضان من الإيمان.
قال: [(ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا)]، وقيام رمضان من الإيمان.
قال: [(ومن تبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا)]، وتشييع الجنائز من الإيمان، ففي هذا الوقت الناس لا تفعل ذلك من باب الإيمان؛ ولذلك يا إخواني لابد من الإخلاص في هذا العمل.
والواحد منا لما يقرأ في الإخلاص أو يقرأ في سير المخلصين من السلف يوقن بالهلاك، ويتهم نفسه بالنفاق في كل قول وعمل، لأن السلف ما كانوا يصنعون شيئًا إلا بعد أن يحاسبوا أنفسهم قبل العمل، أنا أعمل العمل هذا لله وإلا للناس؟ إذًا: المسألة هذه متعلقة بأداء الواجب، فأنت ترى أن هذا واجب عرفي فلا بد أن تؤديه، فلا تفعله من باب الإيمان، هذا عبد الله بن عمر ﵁ لما سمع قول النبي ﵊: (من تبع جنازة من بيتها حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن تبعها حتى توارى في قبرها فله قيراطان، والقيراط كجبل أحد، بكى عبد الله بن عمر وقال: والله لقد فرطنا في قراريط كثيرة).
فلو كنت راكبًا في سيارة ولست مستعجلًا، ورأيت جنازة ماشية استأذن من السواق، أو إذا كانت سيارتك فأوقفها على جنب، وانزل وشيعها تأخذ قيراطًا، أو إذا صليت عليها أخذت قيراطين، القيراط الواحد كجبل أحد من الثواب والحسنات.
إن عضلة القلب كعضلة الذراع تمامًا بتمام، عضلة الذراع لا تتقوى إلا بالمجهود، كذلك عضلة القلب لا يمكن أن تتربى على الإيمان إلا بالعمل، ومن العمل الصالح أن تشيع الجنازة، وأن تقف على القبر حتى يدفن ويوارى هذا الميت، وتبقى بعد المواراة قدر ما ينحر جزور ويقسم لحمه، هذه هي السنة، وليست السنة أن نرميه ثم نجري ونخرج من المقبرة، بل نضعه بمنتهى الشفقة والرفق، لقوله ﵊: (كسر عظم الميت ككسره حيًا) يعني: احترام الميت مثل احترام الحي؛ لأن كسر عظم الميت ككسره وهو حي.
ثم تنتظر على شفير القبر مقدار أن يذبح جمل ويسلخ ويوزع لحمه على الفقراء، فهذه المدة نحن مأمورون أن نقف على القبر بمقدارها بعد أن يوارى الميت.
فإنه يسأله منكر ونكير؛ ولذلك قال النبي ﵊: (اسألوا الله لأخيكم التثبيت فإنه الآن يسأل)، فكل إنسان ينشغل بالدعاء للميت، وهذا تقريبًا يعتبر من أخريات الحقوق لهذا الرجل على من شيع جنازته، أنهم يقفون معه في الموقف العصيب.
فقد ورد في وصف منكر ونكير ما يدل على أنه لا يصمد أمامهما أحلم الحلماء.
والدعاء الجماعي بدعة، والمسنون أن يتقدم أحد الوعاظ بموعظة، يذكر الناس فيها بالله في هذا الموطن الذي جرحت فيه القلوب، وتعلقت بربها، فإن فعل كان ذلك حسنًا، أما الدعاء فكل يدعو بنفسه، ولو كان الدعاء جماعيًا في هذا الموطن مشروعًا لدعا النبي ﵊ وأمر أصحابه، ولكنه أمرهم جميعًا أن يدعو كل واحد بما تيسر له، والدعاء عبادة لقوله ﵊: (الدعاء هو العبادة)، فإذا كان الدعاء عبادة فلا تحرم نفسك من العبادة في هذا الموطن.
أما رواية: (الدعاء مخ العبادة)، فهي رواية ضعيفة.
قال: (من تبع جنازة مسلم) إذًا: القيد هنا بأنها جنازة مسلم، فلا تتبع جنازة كافر، وليس للتابع فيها أجر، فالكافر يلقى، وهذا إجماع أهل العلم أنه لا يستحب دفن الكافر إلا إذا خيف التأذي به بعد الموت؛ لأن الكفار لا يكرمون أحياء ولا أمواتًا، فدفن الميت من أعظم إكرام الميت، وغير المسلم إذا مات الأصل فيه أنه لا يوارى ولا يقبر ولا يدفن ولا يصلى عليه، وغير ذلك مما يترتب للمسلم، فالذي يفعل ذلك من المسلمين هذا من خيبة الأمل، لما يموت نصراني أو نصرانية، فإذا نظرت ستجد أن معظم المعزين مسلمون، ومع ذلك فإنهم قد ابتدعوا أيضًا، فالنصارى يقلدون المسلمين فيأتون بقسيس يعظ، يعني: إبليس يتكلم ويعظ الناس، وتجد المسلمين وهم جلوس، ويضعون أيديهم على جيوبهم، فهم متأثرون ومتجاوبون مع القسيس.
[ ٤٧ / ١٢ ]
الجهاد من شعب الإيمان
والجهاد من الإيمان، وهل ضيع المسلمين إلا ضياع الجهاد وترك الجهاد، أقسم بالله لو أن اليهود في فلسطين يسمعون أن المسلمين يعدون للجهاد، وأن المسلمين اصطلحوا مع بعضهم وقرروا الجهاد، فإن اليهود سيسلمونا المفاتيح.
هم هكذا؛ لأنهم أجبن الخلق، ربنا يخبرنا بأن أجبن الخلق هم اليهود: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر:١٤]؛ لو كانوا شجعان لكان القتال وجهًا لوجه، لكن هم أهل غدر، لا يقاتلون إلا غدرًا.
قال: [(أنتدب الله لمن خرج في سبيله)]، بمعنى: تكفل الله لمن خرج في سبيله مجاهدًا.
قال: [(لا يخرجه إلا إيمان به)]، أي: لا يخرجه إلى الجهاد في سبيل الله، إذًا: الجهاد إيمان.
قال: [(وتصديق برسله أنه ضامن -أي: أن الله تعالى ضامن- أن يدخله الجنة، أو أن يرده إلى مسكنه الذي خرج منه نائلًا ما نال من أجر أو غنيمة)]، يعني: معه الذي معه من الأجر عند الله أو الغنيمة التي يأخذها.
[ ٤٧ / ١٣ ]
دفع الوسوسة ومجاهدة النفس من شعب الإيمان
قال: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﵊ فقال: يا رسول الله! إن أحدنا ليحدث نفسه بشيء ما يود أن يتكلم به -يعني: الواحد فينا يحيك في صدره أشياء- لأن يخر من السماء أحب إليه من أن يتكلم به، فقال النبي ﵊: ذاك محض الإيمان)]، إذًا: هذا الكلام يفهم منه أن دفع الوسوسة ومجاهدة النفس من الإيمان.
قال: [وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (شكا إلى رسول الله ﵊ رجل الوسوسة، فقال: ذاك صريح الإيمان)] يعني: كونك تألمت من هذا الوسواس فهذا يدل على صحة إيمانك.
[ ٤٧ / ١٤ ]
السرور عند الحسنة والحزن عند السيئة من شعب الإيمان
قال: [وعن أبي أمامة ﵁ قال: (سئل رسول الله ﷺ عن الإيمان فقال: من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن)]، يعني: الذي يصنع المعروف ويفرح به علامة على الإيمان، والذي يفعل السيئة ويغتم ويستاء من نفسه ويكره نفسه؛ لأنه فعل السيئة وما كان ينبغي لمثله أن يفعل ذلك، فهذا دليل على الإيمان أيضًا، يعني: تصور أنك لما تعصي الله ﷿ بمعصية تضيق عليك نفسك حتى لا تجد في الأرض رحبًا، مع أن الأرض واسعة، فتحس بضيق صدر وضيق أفق عندك، حتى كدت أن تموت وتختنق؛ لأنك وقعت في معصية الله، هذا الضيق وهذا الألم الناتج عن حدوث المعصية علامة على إيمان العبد، لكن واحد يشرب خمرًا، وحين تقول له: يا فلان هذا حرام، يقول: أنا أحسن من غيري ألف مرة، فهذا معناه أنه مستمر على المعصية، فقل أن يوجد عنده إيمان، لما تكلمه في معصية يذكر لك معصية أعظم منها وأفجر منها، يقول لك: صحيح أنا أزني وأسرق واقتل وأشرب الخمر، لكن غيري يعمل مثل الذي أنا أعمله عشر مرات، أنا والحمد لله ما أعمل إلا هذه الخمس فقط.
فالعبد الصالح الذي نقى قلبه لله ﷿ يفرح فعلًا بالطاعة، ومع فرحه بالطاعة يخشى ألا تتقبل منه، فهذه خشية تحمله على المزيد من أداء العمل الصالح؛ ولذلك (لما تلت عائشة ﵂ قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠]-فمعنى قلوبهم وجلة أي: خائفة- قالت: يا رسول الله! أهذا الزاني يزني والسارق يسرق؟ قال لها: لا يا ابنة الصديق! إنما هؤلاء أقوام قد أتوا بصلاة وصيام وزكاة وحج وجهاد، يخافون ألا يتقبل منهم) يعني: قد عملوا الصالحات، لكنهم يخافون ألا يتقبل الله منهم ذلك، فيحملهم الخوف على المزيد من العمل، لا يحملهم الخوف على اليأس؛ لأن الخوف منه ما هو ممدوح ومنه ما هو مذموم، فالخوف الذي يؤدي إلى اليأس من رحمة الله، هذا نوع كفر، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧]، إنما الخوف الذي يؤدي بك إلى المزيد من الطاعة هذا هو الخوف الممدوح، فالذي هو خائف من النار فإنه يعمل من أجل أن ينجو من النار، فيلتزم الأوامر وينتهي عن النواهي ولا يتعدى الحد، فإن من يتعدى حدود الله فقط ظلم نفسه.
إذًا: أمامك ثلاثة أشياء: التزام الأمر والعمل به، وترك النهي طاعة لله ﷿ واستجلابًا لرضاه، والوقوف عند حدود الله ومحارمه لا تتعداها.
لو أن عبدًا أتى إلى الله بهذه الثلاث لنجا من النار ودخل الجنة.
والنبي ﵊ يقول: (عمر أمتي ما بين الستين إلى السبعين لا يزيد عنه إلا قليل) فمن زاد عن ذلك فقوته تتهدد، وإن ارتكب المعاصي فهو أشقى الخلق، فإن الأصل أن الإنسان بعد الستين سنة ينتهي أمره، ويبدأ في العد التنازلي.
فالأصل في هذا السن أنه لا يقع في المعصية، لأنه يعجز غالبًا عن الوقوع فيها، فإذا كان عمر الإنسان يتحدد بستين سنة، وهذه الستين السنة منها عشر سنوات إلى خمس عشرة سنة نوم، وعشر سنوات إلى خمس عشرة سنة قبل البلوغ، ومجموع ذلك ثلاثون سنة، والباقي ثلاثون سنة، فهل يعجز المرء أن يستقيم على أمر الله ثلاثين سنة، مقابل نعيم لا ينفد ولا ينقطع، في جنة عرضها السماوات والأرض؟ حياة أبدية سرمدية لا نهاية لها، من النعيم واللذة والنظر إلى وجه الله الكريم، الواحد منا لو يحجز نفسه في بيت، ويلزم نفسه بالطاعة إلى أن يأتيه أجله، يفعل ذلك من أجل النعيم الذي سيأتي.
فما وقع عبد في معصية إلا وأحس بتفاهة نفسه بعد الوقوع فيها، خاصة العبد الذي عنده أصول الإيمان.
تصور لو أنك سرقت مال أخيك، فحين تنفقه لا تشعر بلذة، وتتمنى لو أنه رجع إلى صاحبه ثانية، ولو أن أحدهم زنى، فبعد الفراغ من الزنا مباشرة يحتقر نفسه، بل ربما يبصق على نفسه من سوء ما فعل؛ ولذلك فإن بين الطاعة والمعصية لحظة، فاضغط على نفسك فيها.
تصور لو أن امرأة جميلة مشت في الشارع تنادي على الزناة أن ينظروا إليها، وأن يقعوا عليها، وأنت لقيت هذه المرأة في الطريق، فما بينك وبينها إلا أن تغض بصرك لحظة حتى تمر خلف ظهرك، وتفرغ من أمرها، ثم ترى بعد ذلك ما يقدر الله ﷿ لك من الخير.
فالفرق بين الطاعة والمعصية ما هي إلا لحظات! يضغط فيها العبد على نفسه حتى ينجو من عذاب الله ﷿.
[ ٤٧ / ١٥ ]
حسن الخلق من شعب الإيمان
قال: [وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وإن حسن الخلق ليبلغ درجة الصوم والصلاة)].
فقوله: (إن أكمل المؤمنين) يدل على أن الإيمان يزيد وينقص، فهنا شيء كامل وشيء ناقص.
فمن حسن خلقه فقد وافق شعبة من شعب الإيمان، ومن ساء خلقه ثم تاب إلى الله من ذلك، واعتذر إلى إخوانه فهو دليل على صدق إيمانه، وقل أن يأتي أحد في هذا الزمان ويعتذر عن فعل قبيح قد فعله، وعلى المسلمين أن يقبلوا عذر هذا المعتذر، وأن يعفوا جميعًا عنه ويقبلوا معذرته، ولهم أن يجربوه في الأيام المقبلة، فإن تحسن خلقه حقيقة كان ذلك فضلًا من الله ﷿، وإن ساء خلقه أو عاملهم بمثل معاملته السابقة فلهم أن يتجنبوه أو يحتملوه.
فلا يقبل العذر إلا كريم، ولا يرده إلا لئيم، وإذا أتاك أخوك معتذرًا فاقبل منه، وهذا قول ابن سيرين عليه رحمة الله.
[ ٤٧ / ١٦ ]
حفظ الأمانة من شعب الإيمان
قال: [وعن أنس ﵁ قال: (خطبنا نبي الله ﷺ فقال: لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له)]، وقل من الناس من يستأمن على شيء فيكون أمينًا، وهذه شكوى عامة في الخلق، لا يؤتمن أحد على شيء إلا كما يؤتمن الذئب على الغنم.
[ ٤٧ / ١٧ ]
أعجب الخلق إيمانًا
قال: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﵊: (أي شيء أعجب إيمانًا)] النبي ﵊ يخاطب أصحابه يقول لهم: ما أعجب شعب الإيمان أو ما أعجب شيء في الإيمان؟ قالوا: [(الملائكة، قال النبي ﵊: كيف وهم في السماء يرون من أمر السماء ما لا ترون؟!)] يعني: كيف لا يؤمنون وهم عند ربهم يرون من أمر السماء ما لا ترون؟ فالملائكة جبلوا على الطاعة، ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، وهؤلاء أيضًا لهم منزلة، فهم أهل السماء، يعرفون من الأخبار ما لا تعرفون فكيف لا يؤمنون؟ [(قالوا: يا رسول الله! فالأنبياء قال: كيف وهم يأتيهم الوحي؟)]، يعني: النبي يأتيه الوحي، وهو رسولٌ اصطفاه الله تعالى من الخلق فكيف لا يؤمن؟ قالوا: [(فنحن يا رسول الله! -أي: فلم يبق لك إلا الصحابة- قال: فكيف وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله؟!)] يعني: أنتم تقرءون القرآن بالليل والنهار وفيكم رسوله، فكيف لا تؤمنون؟! قال النبي ﵊: [(أعجب الخلق إيمانًا قوم يكونون من بعدكم يجدون صحفًا فيؤمنون بي ولم يروني)] وهم التابعون ومن بعدهم إلى يوم القيامة.
والحديث هذا محل نزاع بين أهل العلم، والراجح أنه حديث حسن.
ومعنى الحديث أنك إذا قرأت هذا القرآن وصدقته وصدقت أنه من عند الله، وسمعت أبًا عن جد أن الله أرسل نبيًا اسمه محمد فآمنت به واتبعته، هذه درجة من الإيمان عظيمة جدًا.
وبنو إسرائيل ما كانوا يؤمنون بشيء إلا بعد أن يروه، إلى أن قالوا لموسى: أرنا الله جهرة من أجل أن نؤمن، فبنو إسرائيل ما كانوا مؤمنين بالله؛ لأنهم اعتادوا وألفوا ألا يؤمنوا بشيء إلا إذا رأوه، حتى طلبوا من موسى أن يريهم الله تعالى عيانًا بيانًا.
[ ٤٧ / ١٨ ]
انتفاء الإيمان عمن يؤذي جيرانه
قال: [وقال النبي ﵊: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قالوا: من هو يا رسول الله! خاب وخسر -أي: من هذا الذي تحلف عليه بقولك: والله لا يؤمن! والله لا يؤمن! والله لا يؤمن- قال النبي ﵊: من لا يأمن جاره بوائقه)] والبوائق التي هي الغوائل والشرور.
يعني: جارك لا يأمن شرك فكيف تكون مؤمنًا؟ والنبي ﵊ أقسم ثلاثًا وهو الصادق المصدوق بغير قسم ﵊، لكنه أقسم هنا وأكد قسمه ثلاثًا بالتكرار وكثرة العدد لبيان خطورة الأمر، وأن الجار الذي لا يأمن جاره بوائقه يدل على فساد إيمانه.
[ ٤٧ / ١٩ ]
الألفة والمحبة بين المسلمين من شعب الإيمان
قال: [وقال النبي ﵊: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).
وقال ﵊ في حديث النعمان عند مسلم: (المؤمنون كرجل واحد إذا اشتكى رأسه تداعى سائر الجسد بالحمى والسهر).
وعن أبي موسى ﵁ عن النبي ﵊ قال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا).
وقال النبي عليه الصلاة السلام: (وإن الشيطان ليأكل من الغنم القاصية)]، ويقول غير واحد من السلف كـ عبد الله بن مسعود وعمر بن عبد العزيز وغيرهما: وإن ما تعملونه في الجماعة وأنتم تكرهون خير لكم مما تعملونه في الفرقة وأنتم تحبون، يعني: العمل الذي تعمله في وسط جماعة المسلمين وإن كنت لا تحبه هو خير لك بين يدي الله ﷿ من أن تعمل عملًا في الفرقة وإن كنت تحبه.
ولذلك الخلاف شر، والود والألفة والمحبة بين المسلمين خير، فمحبة الله ورسوله والمؤمنين من العمل الصالح، والنصارى دائمًا يدندنون على المحبة، وهذه بضاعتنا فإن الغرب أخذوا ديننا فعملوا به فسادوا الدنيا بأسرها في الوقت الذي نحن تأخرنا عن ركب الحضارة؛ لأننا لم نتمسك بحبل الله المتين.
الأصل في كل رقي ديني أو دنيوي، عقائدي أو أخلاقي هو القرآن والسنة، فإذا تمسك به الكفار سادوا، وإذا تمسك به المسلمون سادوا، فهذه القضية ما فيها محاباة، فهي قضية اتباع وقضية إيمان بالله وبرسوله ﵊.
والنبي ﵊ يقول: (المسافر شيطان، والمسافران شيطانان، والثلاثة ركب)، فقد نهى النبي ﷺ أن يسافر الرجل وحده، وفي حديث آخر: (نهى النبي ﵊ أن يسافر الرجل وحده، أو أن يبيت وحده)، الواحد فينا لما يبيت في بيت لوحده، لو قام في الليل وفزع، فربما يذهب عقله، وهذا يحصل.
ولو أن شابًا في ريعان شبابه يبيت وحده، ربما مارس العادة الخبيثة مرتين وثلاث في الليلة؛ لأنه يبيت في بيته مع الشيطان، والشيطان يأمره بالمعصية؛ ولذلك إذا بات الرجل وحده فقد بات معه الشيطان، ولا يبيتن رجل في غرفة لوحده، إنما يبيت الاثنان؛ لأن المرء إذا دخل غرفته وأغلق على نفسه الباب وإن كان معه في الغرف المجاورة أناس آخرون، فهو يمكن أو يسهل عليه أن يقع في المعصية؛ ولذلك من عوامل تثبيت الإيمان في القلب الصحبة المؤمنة، والذي يتعرف على شباب فاسدين سيتأثر بهم، بخلاف ما لو تعرف على شباب صالحين.
فالصحبة المؤمنة تزيد من إيمان المرء، لأن المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل.
وقال النبي ﵊: (المؤمن يألف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف).
فمن كان لا يألف ولا يؤلف فهو في خطر عظيم؛ وعلى المسلم أن يعامله معاملة حسنة وأن يحتسبه عند الله، فالنبي ﵊ قد أوذي ومع هذا تكلف الود.
فقد كان يأتي الأعرابي البدوي الجلف من البادية فيجذب النبي ﷺ حتى يؤثر في رقبته، يقول: (يا محمد! أعطني من مال الله فإنه ليس من مالك ولا من مال أبيك!).
فيقول النبي ﵊: (دعه يا عمر! واقض حاجته)، فـ عمر هو الذي سيأخذ هذا الرجل وسيذهب به إلى بيت المال، وسيعطيه إلى أن يقول: كفاية، فأعطاه منه حتى قال له: أرضيت؟ قال: رضيت.
فرجع الرجل إلى النبي ﵊ وقال له: (يا رسول الله! لقد قرأت في كتب أهل الكتاب أن علامة النبي العربي أنه إذا جهل عليه أحد حلم، فأردت أن أعرف ذلك فيك) يعني: ما عمل هذا إيذاء للنبي ﷺ، وإنما كان يتأكد من أن هذه علامة النبي الجديد، أنه كلما يجهل عليه أحد يزداد حلمًا، إلى أن رأى بعينه.
والنبي ﵊ لم يكن في حاجة لدفاع عمر، فإنه لم يدخل في مصارعة قط مع أحد إلا صرعه، فهو ما يرد الإساءة بالإساءة، إنما يرد الإساءة بالإحسان.
اجعل بينك وبين أخيك المؤمن أو المسلم ودًا وألفة ومحبة، أما غير المسلم فإنك تتصنعه لاستمالة قلبه للدخول في الإسلام.
[ ٤٧ / ٢٠ ]
حب الإمام علي بن أبي طالب من شعب الإيمان
قال: [وقال علي بن أبي طالب ﵁: (والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة لعهد إلي نبي الله ﷺ أنه لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق)]، إذًا: حب علي بن أبي طالب دليل على الإيمان، وبغضه دليل على النفاق، فالذي يبغض علي بن أبي طالب يكون على خطر عظيم جدًا.
لكن على آية حال نحن نحب النبي ﵊ وآل بيت النبي ﵊ حبًا كما أحبهم أهل السنة والجماعة، بغير إفراط ولا تفريط، النبي ﵊ يقول: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم) يعني: لا تمدحوني وتثنوا علي بما ليس في ولا أستحقه؛ لأن النبي ﵊ يستحق شيئًا ولا يستحق شيئًا آخر، فلا يستحق أن يكون إلهًا، أو أن يكون ابن الإله؛ لأن النصارى مدحت عيسى بن مريم وجعلته إلهًا، وبعضهم قال: هو ليس إلهًا ولكنه ابن الإله، فهذا بلا شك غلو شديد جدًا في الأنبياء.
فالنبي ﵊ أراد أن يحذر من ذلك، فلا يجوز أن يسجد أحد للنبي ﵊؛ لأنه صرف ما لله لغير الله، ولا يجوز صرف ما يجب أن يصرف لله لغير الله، كما لا يجوز أن يصرف لغير الرسول ما للرسول، فلا يجوز أبدًا أن نؤمن بـ علي بن أبي طالب كما نؤمن بالنبي ﵊؛ لأن علي بن أبي طالب ما هو إلا رجل من المسلمين، وهو خليفة من الخلفاء الراشدين، نحبه؛ لأنه رجل مؤمن؛ ولأنه رجل صالح؛ ولأنه من أصحاب النبي ﵊؛ ولأنه أحد الخلفاء؛ ولأنه من أهل بيته ﵊.
وغير ذلك من مناقبه وشمائله ﵁، لكن لا نرفعه إلى مرتبة النبوة، كما فعلت الشيعة، الذين يجعلون مرتبة الولاية فوق مرتبة النبوة كما تقوله الصوفية تمامًا بتمام، حتى قالوا: الخلفاء الاثنا عشر هم الخلفاء الراشدون، فلا يعترفون بـ أبي بكر ولا عمر ولا عثمان، إنما يعترفون بـ علي بن أبي طالب ومن بعده من أهل بيته، حتى الإمام الثاني عشر وهو عندهم المهدي المنتظر، والمهدي المنتظر عند الشيعة يختلف عن المهدي المنتظر عند اليهود والنصارى، وأهل السنة والجماعة.
فالمهدي المنتظر عند الشيعة هو أبو الحسن العسكري الذي اختفى في سرداب سامراء في العراق، وله من العمر أربع سنوات، يزعمون أنه اختفى وأخذ قرآن فاطمة، ويقولون: القرآن الذي بيد النواصب -ويقصدون بذلك أهل السنة- ليس منه حرف واحد نزل من السماء، وهو يقدر بثلث القرآن الحقيقي الذي اختفى في سرداب سامراء مع المهدي المنتظر، وهم ينتظرونه يومًا في كل عام على فوهة السرداب بالخيل المزينة والمزخرفة وغير ذلك، والله ﵎ في كل عام يخيب سعيهم إلى قيام الساعة.
والمهدي المنتظر عند اليهود والنصارى هو المسيح الدجال الذي حذرنا منه النبي ﵊، أما المهدي المنتظر عند أهل السنة والجماعة فإنه محمد بن عبد الله القرشي، رجل من قريش، وافق اسمه اسم النبي ﵊، واسم أبيه اسم أبي النبي ﷺ، رجل يصلحه الله تعالى في ليلة، ثم يظهر في الأرض فيقطعها شرقًا وغربًا يدعو الناس إلى الله ﷿، ويمكث في الأرض قدرًا من الزمان، ويضع يده في يد عيسى بن مريم ﵇، فينزل عيسى بن مريم عند باب لد في فلسطين فيقتل المسيح الدجال وهو مهدي اليهود والنصارى، ويكسر الصليب ويقتل الخنزير وهما رمز النصارى.
ثم ينطلق عيسى بن مريم مع محمد بن عبد الله المهدي لدعوة الناس إلى دين محمد ﵊، ولذلك أجمع أهل السنة والجماعة على أن عيسى بن مريم هو أحد أفراد أمة النبي ﵊، وهو آخر الصحابة موتًا في آخر الزمان على الإطلاق؛ لأن عيسى حي ﵇، رفع إلى الله ﷿ في السماء، وهو حي الآن، وينزل في آخر الزمان، ولا يموت إلا موتة واحدة في آخر الزمان، وقد رأى عيسى بن مريم النبي ﵊ في أثناء الإسراء من مكة إلى بيت المقدس، وقد صلى النبي ﵊ بالأنبياء، وسلم عليهم نبيًا نبيًا، فهنا بيان أن عيسى بن مريم هو آخر الصحابة موتًا؛ قال ذلك الإمام الذهبي في كتاب تجريد أسماء الصحابة.
[ ٤٧ / ٢١ ]
مراقبة الله في السر والعلن من شعب الإيمان
قال: [وقال النبي ﵊: (إن أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان)]، وهذه مرتبة الإحسان والمراقبة؛ ولذلك فإن في حديث جبريل: الإحسان يشمل الإيمان والإسلام، والإيمان يشمل الإسلام بغير عكس، يعني: كل محسن مؤمن ومسلم، وكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا، كما أنه ليس كل مؤمن محسنًا.
وقد فسر النبي ﷺ الإحسان بـ: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، وهذا تمام وكمال المراقبة لله ﷿، وهذه شفافية ما بعدها شفافية بين العبد وبين الله ﷿، وهذه من الإيمان، لأن كل محسن مؤمن، فالإحسان إيمان.
[ ٤٧ / ٢٢ ]
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واستئذان الأهل من شعب الإيمان
الخصلة الثالثة والخمسون: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الخصلة الرابعة والخمسون: تسلم على أهلك إذا دخلت عليهم، [قال النبي ﵊: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليسلم على أهله -أو على أهل بيته- إذا دخل)]، يعني: إذا دخلت البيت فقل: السلام عليكم يا أم فلان، أو يا أولاد أو يا فلانة، فلا تدخل وتضع عصاك أمام الباب، ثم تأخذها وتدخل بالضرب والصياح والشتيمة وغير ذلك، لا يمكن أن تكون هذه عيشة أبدًا.
فالتأديب بقدره، إما بالهجر وإما بالضرب غير المبرح، فقد فسره النبي ﵊ بقوله: (ألا تشق رأسًا ولا تكسر عظمًا)، وبعض الناس لا يحلو له إلا الضرب في الرأس والوجه، مع أن معاوية بن حيدة ﵁ قال: (يا رسول الله! ما حق امرأة أحدنا عليه قال: أن تطعمها مما تطعم، وأن تلبسها مما تلبس، وألا تقبح ولا تضرب الوجه) يعني: لا تقولن لامرأتك: قبح الله وجهك؛ لأن الله تعالى خلق آدم على صورته، فسب الوجه أو سب الخلقة إنما هو كسب آدم ﵇.
نكتفي بهذا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٤٧ / ٢٣ ]