لقد اختص الله ﷾ الأنبياء والرسل بخصائص على سائر البشر، وخص نبينا محمدًا ﷺ بخصائص تميزه عن سائر الأنبياء والرسل، فهو سيد ولد آدم، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع، وقد أوتي جوامع الكلم، ونصر بالرعب مسيرة شهر، وأحلت له ولأمته الغنائم، وغير ذلك من الخصائص والمميزات التي امتن الله بها على نبيه وعلى أمته، أما صفاته الخَلْقية والخُلُقية فقد زخرت بها كتب السير، فهو أكمل الخلق على الإطلاق خلقًا وخُلُقًا ﷺ.
[ ٦٤ / ١ ]
ذكر رؤيا النبي ﷺ ووصفه لبعض الأنبياء ليلة أسري به
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
لا زال الكلام عن معجزاته ﵊ وشمائله ومناقبه موصولًا.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال أبو العالية: حدثني ابن عم نبيكم -وهو ابن عباس ﵄- قال: قال رسول الله ﷺ: (رأيت ليلة أسري بي موسى آدم طوالًا جعدًا)] هنا يذكر أوصاف موسى ﵇، وكانت هذه الرؤية رؤية حقيقة، وهي رؤية في اليقظة، فأحد أوصاف موسى أنه كان طويلًا، وقوله: (آدم) يعني: فيه شيء من السمرة.
[(كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى رجلًا مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض -يعني: يميل إلى البياض المشرب بحمرة- سبط الرأس، ورأيت مالكًا خازن النار، ورأيت الدجال، في آيات أراهن الله ﷿ إياه، فلا تكن في مرية من لقائه -أي: أنه لقي موسى ليلة أسري به- ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء:٢])]، أي: جعلنا موسى هدى لبني إسرائيل، وهذا الحديث عند البخاري ومسلم.
[وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: (إني رأيت موسى وعيسى وإبراهيم -أي: ليلة أسري به رأى موسى وعيسى وإبراهيم ﵈- فأما عيسى فأحمر جعد -والجعد بخلاف السبط- عريض البدن، وأما موسى فآدم جسيم سبط كأنه من رجال أزد شنوءة، وأما إبراهيم فإذا أردتم أن تعرفوا شبهه ومثله فانظروا إلى صاحبكم، يعني: نفسه ﵊)].
فكان ﵊ أشبه الناس بإبراهيم ﵇، والحديث أخرجه البخاري.
[ ٦٤ / ٢ ]
حديث عائشة في قصة هجرة النبي ﷺ وأبيها إلى المدينة
قال: [وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: (قد أريت دار هجرتكم -يعني: المدينة- أريت سبخة ذات نخل بين لابتين، وبهما حرتان)]، يعني: قبل أن أدخل المدينة قد رأيتها، قيل: رآها على قطعة من قماش، وقيل: أنه رآها في المنام وغير ذلك من تأويلات هذا الحديث.
والراجح من أقوال أهل العلم: أنه يتكلم هنا عن رؤيته للمدينة في المنام، ولا مانع أن يكون رآها مصورة على قطعة من قماش أو زجاج أو صخر أو غير ذلك، المهم أنه رأى المدينة ورأى أنها في واد بين لابتين -أي: بين جبلين عظيمين- وفي سفح هذين الجبلين حرتان عظيمان، والحرة: هي الكومة أو الجبل الصغير من حجارة سوداء.
[قالت: (فهاجر من هاجر قِبَل المدينة حين ذكر ذلك رسول الله ﷺأي: لما ذكر لهم هذا الكلام هاجر من هاجر من أصحابه إلى المدينة- ورجع إلى المدينة بعض من هاجر إلى أرض الحبشة -كما فعل جعفر ﵁- وتجهز أبو بكر مهاجرًا إلى المدينة)]، يعني: أراد أبو بكر أن يهاجر إلى المدينة لما سمع أن النبي ﵊ أريها في المنام، فأراد أن يحوز قصب السبق في الهجرة إلى المدينة قبل أن يأذن ﵊، [فقال له رسول الله ﷺ: (على رسلك -أي: تمهل يا أبا بكر! - فإني أرجو أن يؤذن لي) أي: بالهجرة من مكة إلى المدينة، فإذا كان الأمر كذلك، فأنت صاحبي في هذه الهجرة، [(فقال أبو بكر: أوترجو ذلك بأبي أنت وأمي يا رسول الله؟! قال النبي ﵊: نعم)، فحبس أبو بكر الصديق ﵁ نفسه على رسول الله ﷺ لصحبته، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر أربعة أشهر]، وهكذا أعد أبو بكر راحلتين لهذه الرحلة العظيمة التي هي أعظم حدث في تاريخ البشرية على الإطلاق، كما أنه حبس نفسه على صحبة النبي ﵊ ولم يفكر بالهجرة وحده قط.
[قالت عائشة: (فبينما نحن جلوس في بيتنا في نحر الظهيرة قال قائل لـ أبي بكر: هذا رسول الله ﷺ)]، والنبي ﵊ كان يزور أبا بكر غدوة وعشيًا، ولم يكن معتادًا أن يزوره في وقت القيلولة أو في وقت الظهيرة، ففي وقت الظهيرة وأبو بكر ﵁ قائل في بيته ناداه مناد: [هذا رسول الله ﷺ مقبلًا متقنعًا في ساعة لم يكن يأتينا فيها]، وهذا قول عائشة.
[قال أبو بكر: (فداه أبي وأمي إن جاء به هذه الساعة إلا لأمر)] يعني: ما جاء به في هذه الساعة على غير عادته في زيارتنا إلا أمر عظيم دفعه إلى ذلك.
[قالت: (فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن فأذن له فدخل، فقال رسول الله ﵊ حين دخل لـ أبي بكر: أخرج مَن عِندَك؛ لأن الأمر يستدعي السرية التامة- قالت: فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله!)]، وهو يتكلم عن أبيه وعن بنيه وعن زوجه، وهؤلاء هم أهل النبي ﵊، بمعنى: أنهم يحفظون السر كـ أبي بكر تمامًا بتمام وسواء بسواء، [فقال النبي ﵊: (إنه قد أذن لي في الخروج -أي: في الهجرة من مكة إلى المدينة -فقال أبو بكر: فالصحبة يا رسول الله! -يعني: ائذن لي أن أصحبك في هذه الرحلة- فقال النبي ﵊: نعم.
فقال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله! أحد راحلتي هاتين، فقال النبي ﵊: بالثمن آخذها، قالت: فجهزناهما أحث الجهاز -يعني: أحسن الجهاز- فصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء ابنة أبي بكر من نطاقها -أي: من خمارها- فأوكت به الجراب -أي: فربطت به الجراب- فلذلك كانت تسمى ذات النطاق -وفي رواية: ذات النطاقين- لأنها قطعت خمارها نصفين وأوكت به الجراب فسميت ذات النطاقين -ثم لحق رسول الله ﷺ بغار في جبل يقال له: ثور، فمكث فيه ثلاث ليال)]، وهذا الحديث عند البخاري ومسلم.
[ ٦٤ / ٣ ]
حديث حزام بن هشام عن أبيه عن جده في هجرة النبي ﷺ إلى المدينة
قال: [وعن حزام بن هشام عن أبيه عن جده حبيش -وهو صاحب للنبي ﵊- قال: (إن النبي حين خرج من مكة خرج منها مهاجرًا إلى المدينة)]، والنبي ﵊ ما خرج من مكة قط بعد البعثة إلا مهاجرًا، لم يخرج منها إلا إلى الطائف، أما قبل البعثة فقد خرج في رحلات تجارية إلى الشام وغيرها، أما خروجه بعد البعثة وقبل الهجرة فلم يكن إلا مرة واحدة إلى الطائف.
قال: [حين خرج من مكة مهاجرًا إلى المدينة هو وأبو بكر ﵁، ومولى لـ أبي بكر وهو عامر بن فهيرة، ودليلهم الليثي عبد الله بن الأريقط].
[ ٦٤ / ٤ ]
اختلاف العلماء في حكم الاستعانة بالمشرك
وعبد الله بن الأريقط كان كافرًا في ذلك الوقت، ولكن النبي ﵊ استعمله واستخدمه في الاستعانة به في الدلالة على الطريق، ولذلك ذهب بعض أهل العلم إلى جواز الاستعانة بالكافر أو المشرك في قضاء بعض الأعمال والمصالح، كما ذهب إلى ذلك بعض أهل العلم في حال غزو العراق للكويت، واستخدموا بلاد الكفر بأسرها، ونزلوا أرض الجزيرة، ويحتجون في ذلك باستعانة النبي ﵊ بهذا الرجل وهو عبد الله بن الأريقط في الدلالة على الطريق.
وعلى أية حال هذا كلام سبق به أهل العلم، وقضية الاستعانة بالكافرين هي محل نزاع طويل بين أهل العلم، وقد ذكر هذا الخلاف غير واحد من أهل العلم، وتوسع فيه جدًا الإمام الشوكاني، وكذلك الصنعاني وابن تيمية عليهم جميعًا رحمة الله ﷿.
أما القائلون بجواز الاستعانة فإنهم يحتجون بهذا الحديث وبغيره من الأدلة التي يفهم منها فهمًا بعيدًا جواز الاستعانة، وبعضهم يمنع مطلقًا، والبعض يقول: يجوز الاستعانة بالمشرك إذا كان في موطن الذل والصغار، وأنه لا تأثير له على المسلم بعد ذلك، وأن دوره ينتهي بمجرد أداء مهمته، وقيدوا ذلك بشروط طويلة كثيرة، وأظن أن هذا أرجح الأقوال.
فالنبي ﵊ لما استعان بهذا الرجل استعان به فقط في الدلالة على الطريق، في حين أن جانبه مأمون ولا خوف منه، وأن مهمته تنتهي بانتهاء هجرة النبي ﵇ أو معرفته للطريق.
فقد أتى النبي ﵊ رجل مشرك يريد أن يحارب معه، فقال النبي ﵊: (ارجع.
فإنا لا نستعين بمشرك)؛ لأن الدلالة على الطريق بخلاف المشاركة في الغزو والجهاد، فقد أراد هذا المشرك أن يشارك في الغزو والقتال، فرده ﵊، فكيف يؤذن لهؤلاء القوم بدخول أرض الجزيرة التي أخبر النبي ﵊ أنه لا يجتمع بالمدينة -أي: بالجزيرة- أهل دينين ولا يجتمع فيها أهل ملتين سواء، فهؤلاء إنما حرصوا كل الحرص من أول الأمر على أن يكون لهم وجود بعد أن فشلوا سنوات طويلة في عهد سعود ومن بعده فيصل ومن بعد فيصل خالد، ولكنهم نجحوا في هذا العهد، وهذه قصة معلومة وأمر مدروس بين هؤلاء القوم وبين العميل الكبير صدام حسين، فهؤلاء القوم دخلوا هذه البلاد للسيطرة الكاملة على حقول البترول أولًا، ثم لاعتقادهم أن أرض الجزيرة تئول إليهم في آخر الزمان وقبل نزول المسيح ﵇.
هكذا معتقدهم.
ولذلك تنبه لذلك كثير من أهل العلم، فقال الشيخ الألباني عليه رحمة الله: إن هؤلاء إنما أتوا لاسترداد خيبر، والعجيب أن هذا الكلام يردده هؤلاء الآن في أرض الجزيرة، يقولون: لا نخرج منها وقد دخلناها إلا بعد أن نسترد خيبر كما سلبت منا، وهذا كلام تنبه له الشيخ الألباني وغيره من أهل العلم، وكان هذا فيضًا من فيوضات الرحمن ﵎ على أهل العلم، فهؤلاء لهم مطامع عظيمة جدًا، وهم اليهود والنصارى، فقد كانت مطامعهم من قبل من النيل إلى الفرات، ولكن الآن مطامعهم أن يكون العالم كله تحت سيطرتهم وتحت أمرهم.
الأمر الثاني: أن غالب البترول في أمريكا الذي كانوا يحتضنونه منذ خمسين عامًا تحت الأرض أوشك على النفاد، فلابد من بترول وإلا ستضيع أمريكا وستضيع سيطرة أمريكا والنظام العالمي الموحد، فإنها من جهة أرادت أن تحقق مكسبًا اعتقاديًا بسيطرتها على الأرض، والأمر الثاني: أرادت أن تبقى السيطرة والزعامة هناك، ولا تبقى هذه السيطرة ولا تلك الزعامة إلا ببقاء مسوغات الحياة بوجود البترول فيها.
[ ٦٤ / ٥ ]
معجزة النبي ﷺ في حلبه شاة أم معبد
قال: [(خرج النبي ﵊ مهاجرًا إلى المدينة ومعه مولى لـ أبي بكر وهو عامر بن فهيرة، ومعهم عبد الله بن الأريقط، فمروا على خيمتي أم معبد الخزاعية، وكانت برزة جلدة تحتبي بفناء الخيمة، ثم تسقي وتطعم، فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة في تلك الخيمة، فقال: ما هذه الشاة يا أم معبد؟! فقالت: خلفها الجهد عن الغنم)]، هذه الشاة من فرط إعيائها ما استطاعت أن تلحق ببقية الشياه، فتخلفت في الخيمة، [(فقال: هل بها من لبن؟ قالت: هي أجهد من ذلك)] أي: هي ليس فيها لبن، ولو كانت مما تُحلب فإن جهدها وتعبها يمنعها من ذلك.
[قال: (أتأذنين أن أحلبها؟ قالت: نعم.
إن رأيت فيها حليبًا فاحلبها)]، هذه الشاة ليس فيها حليب، وهي لم تلد ولم يقربها فحل، ولكن أنت وشأنك إذا أردت أن تحلبها وتستجيب لك فافعل، [(فدعا بها رسول الله ﷺ فمسح بيده ضرعها، وسمى الله تعالى ودعا لها في شاتها، فتفاجت عليه -أي: فتدفق اللبن عليه- ودرت واجترت، ودعا بإناء يربض الرهط -أي: يروي القوم والفئة من الناس- فحلب فيه ثجًا -يعني: نزولًا سريعًا- حتى علاه البهاء -يعني: علاه الرغوة اللبنية وهذا للدلالة على أنه قد امتلأ- ثم سقاها حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب ﷺ)]، آخر من شرب الرسول ﵊ امتثالًا لأمره: (إن ساقي القوم آخرهم شربًا).
[قال: (ثم أراضوا -يعني: استراحوا شيئًا من الزمان يسيرًا- ثم حلب حلبة ثانية ثم غادره عندها، ثم بايعها وارتحلوا عنها)] (ثم بايعها) أي: أسلمت على يديه ﵊ لما رأت من معجزاته في شاتها، ومن مزيد رحمته ﵊ أنه حلب حلبة ثانية وجعلها خاصة بصاحبة الشاة، وهي أم معبد ﵂، قال: [(فقلما لبثت -أي: لبثت هذه المرأة وقتًا يسيرًا- حتى جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزًا عجافًا يتساوكن هزلىً وضحى، مخهن قليل)] والمخ بمعنى: سوق الشياه والأعنز التي ساقها أبو معبد كادت تكون عظامًا، يعني: غدت خماصًا وعادت خماصًا، لم تعد بطانًا.
قال: [(فلما رأى أبو معبد اللبن عجب)] وأنتم تعلمون أن هذا في طريق الرحلة إلى المدينة، فهذا الكلام تم في الصحراء، فمن أين لـ أم معبد اللبن؟ لكن انظر إلى تقدير الله ﷿ في هذا اليوم بالذات تتخلف هذه الشاة دون بقية الشياه، حتى تتم المعجزة أمام عين أم معبد صاحبة الشاة، والأمور تجري بمقادير.
[ ٦٤ / ٦ ]
وصف أم معبد للنبي ﷺ
[قال: (فقلما لبثت حتى جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزًا عجافًا يتساوكن هزلى -يعني: يتمايلن من فرط الهزال والضعف- مخهن قليل، فلما رأى أبو معبد اللبن عجب، وقال: من أين لك هذا اللبن يا أم معبد! والشاء عازب حيال؟ -يعني: لها حول لم يقربها الفحل- قالت: لا والله؛ إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا)] أي: قصت له القصة التي رأتها بعينيها، [قال: (صفيه لي يا أم معبد! قالت: رأيت رجلًا ظاهر الوضاءة)] يعني: حسن المنظر، هذه أوصاف نبينا ﵊، [(أبلج الوجه)] يعني: نير الوجه، [(حسن الخلق لم تعبه علة)] يعني: بلغ في الكمال البشري منتهاه ﷺ، [(ولم يزربه صقلة -أي: ولم يعبه أدنى شيء- وسيم قسيم)] وسيم من الوسامة، وقسيم أي: جميل، [(في عينيه دعج -أي: في عينيه سواد شديد- وفي أشفاره غطف، وفي صوته صهل -يعني: بحة- وفي عنقه سطع -أي: طول- وفي لحيته كثافة)] يعني: كث اللحية وكثيفها [أزج أقرن، إن صمت فعليه وقار) يعني: لو سكت يعلوه الوقار، [(وإن تكلم سما به)]، يعني: إن تكلم ازداد وقارًا وسما به وعلا، [(أكمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنهم وأعلاهم من قريب، حلو المنطق، كلامه جميل لا يمله السامع، فضل لا نزر به ولا هزر) أي: لا يتكلم بكلام لا قيمة له، [(ولا يهذر في كلامه)] أي: لا يقول كلامًا مستقبحًا، [(كأن منطقه خرزات)]، أرأيتم عقد اللؤلؤ؟ كأن كلامه عقد يتساقط حبة بعد الأخرى.
قالت: [(نظم يتحدرن، ربعه يأسن من طول، وتقتحمه العين من قصر، غصن بين غصنين فهو أنضر الثلاثة منظرًا وأحسنهم قدرًا)].
إن وصفه ﵊ عجيب جدًا، ومن أراد أن يتعرف على شمائله ومناقبه وخلقته ﵊ وخُلُقه فلينظر في كتاب الشمائل للإمام الترمذي، فموضوع الكتاب من أوله إلى آخره هو بيان حاله ووصفه ﵊.
قالت المرأة: [(وله رفقاء -يعني: أصحاب- يحفون به -أي: يحوطونه من كل جانب-، إن قال أنصتوا لقوله، وإن أمر بادروا إلى أمره، محفود محشود، لا عابس ولا مفند)] محفود أي: مسارع في خدمته، محشود عنده حشد من الناس يحفون به من كل جانب لخدمته، (لا عابس ولا مفند)، يعني: لا يتكلم بكلام فيه عبس، ولا أصابه الخرف ولا أصابه شيء في عقله.
[قال أبو معبد: (هذا والله صاحب قريش) هذا الرجل الذي كنا نسمع عنه، وإنه نبي آخر الزمان وإنه من قريش؛ الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة، قال: (ولقد هممت أن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلًا، فأصبح صوت بمكة عاليًا يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه.
يقول: جزى الله رب الناس خير جزائه رفيقين قالا خيمتي أم معبد قالا بمعنى: أنهما بقيا في خيمة أم معبد وقت القيلولة: هما نزلاها في هدى واهتدت به فقد ساد من أمسى رفيق محمد فيا آل قصي ما زوى الله عنكم به من فعال لا يجازى وسؤدد ليهن بني كعب مقام فتاتهم ومقعدها للمؤمنين بمرصد سلوا أختكم عن شاتها وإنائها فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حايل فتحلبت عليه بصريح ضرة الشاة مزبد فغادره رهنًا لديها لحالب يرددها في مصدر ثم مورد] أي: ترك لها الحلوب الثاني لديها رهنًا [ليهن أبا بكر سعادة جده بصحبته من يسعد الله يسعد] إلى آخر هذه الأبيات.
[ ٦٤ / ٧ ]
سياق ما روي من فضائل النبي ﵊ التي خصه الله بها من بين سائر الأنبياء
إن المعجزات التي مضت معجزات عامة، ربما وقعت لبعض الأنبياء والمرسلين، ولكن الله ﵎ خص نبيه محمدًا ببعض المعجزات والخصائص التي منعها حتى من الأنبياء من قبله.
[ ٦٤ / ٨ ]
أوتي النبي ﷺ جوامع الكلم
قال: [فمنها: أنه أوتي جوامع الكلم]، وأرجح الأقوال في معنى جوامع الكلم: أنه القرآن الكريم، لكن لا يمنع أن يكون جوامع الكلم في كلامه ﵊، فهو من أحسن الناس منطقًا، ومن أبينهم وأفصحهم في لغة العرب، ولذلك كان الواحد منهم إذا عجز أن يأتي بكلام يشبه كلام الله ﷿ إنما يأتي بكلام يظن أنه يشبه كلام النبوة، ولا يفلح في ذلك كذلك.
ومعنى جوامع الكلم: الكلام القليل المبنى الكثير المعنى، آية تتكون من كلمتين أو ثلاث كلمات، أو حديث يتكون من كلمتين أو ثلاث كلمات، فإذا به قاعدة عظيمة تصلح لفض المنازعات والخصومات إلى قيام الساعة.
فمثلًا: قوله ﵊: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) إلى آخر حديث عمر ﵁، هذا كلام عظيم يضبط مسائل النيات الصالحة وغير الصالحة، ويرتب الثواب والعقاب عليها، ويرتب الصلاح والفساد عليها، وغير ذلك إلى قيام الساعة في أعمال العباد، فإذا أردت أن تحتج على صحة العمل أو فساده أو على الثواب والعقاب فإنما حجتك هذا الحديث: (إنما الأعمال بالنيات)، حتى صار هذا الحديث مثلًا دارجًا على ألسنة العوام.
مثال آخر: قوله ﵊ في عالم القضاء: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر)، هذه قاعدة في القضاء تصلح لفض النزاع إلى قيام الساعة، فالقاضي لا يأمر المدعى عليه باليمين إلا إذا عجز المدعي عن إتيانه بالبينة، والمطلوب من المدعي أن يبرز البينة ولا يمين عليه.
هذه قاعدة عامة، وأنتم تعلمون أن بعض أهل العلم كـ ابن رجب الحنبلي والإمام النووي وغيرهم من أهل العلم اعتنوا عناية فائقة بكلامه ﵊، فكل كلامه يصلح أن يكون قاعدة تضبط أمرًا من الأمور إلى قيام الساعة.
فجمع الإمام النووي عليه رحمة الله ما ظن أنه من جوامع الكلم، فبلغ أربعين أو أربعين ونيفًا، ثم جاء من بعده ابن رجب الحنبلي وزاد عليه عشرة من الأحاديث وهي المعروفة بجامع العلوم والحكم، فهذه الأحاديث كلها من جوامع كلمه ﵊، كلام قليل المبنى كثير المعنى يصلح أن يكون قواعد ثابتة راسخة إلى قيام الساعة.
[ ٦٤ / ٩ ]
بعثه إلى الناس عامة
قال: [وبعث إلى الناس عامة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة].
فالنبي ﵊ بعث إلى الناس عامة، إلى الأحمر والأسود والأبيض، إلى العجم وإلى العرب، إلى الإنس وإلى الجن كذلك، فالجن مكلفون كتكليف البشر سواء بسواء، بالإيمان بالنبي ﵊، والعمل بأوامره على مقتضى أصل خلقتهم وما يتفق مع خلقتهم، فالنبي ﵊ من مناقبه وشمائله أنه بعث إلى الناس عامة، وكان النبي من قبله يبعث إلى الناس خاصة.
[ ٦٤ / ١٠ ]
نصره بالرعب مسيرة شهر
قال: [ونصر بأنه يرعب عدوه على مسيرة شهر]؛ لقوله: (نصرت بالرعب مسيرة شهر)، يعني: يسمع العدو أن محمدًا وجيشه قد انطلقوا من المدينة -وبين محمد ﵊ وبين العدو مسيرة شهر على الأقدام أو ركوبًا- فينهزم العدو في عقر داره، وأنتم تعلمون أن الهزيمة النفسية أعظم من الهزيمة المادية، إذا انهزم الإنسان في نفسه سهل أن ينهزم في بدنه، يعني: يتملك العدو الرعب؛ فإذا سمع العدو بمخرج النبي ﵊ ارتعدت فرائصه، وخاف خوفًا لا يؤهله للمقابلة واللقاء بجيش النبي ﵊، وهذا يكون على مسيرة شهر، وأنتم تعلمون أن بين المدينة ومكة قرابة عشرين يومًا وزيادة، فتصور لو أن العدو بمكة والنبي ﵊ خارج من المدينة هو وأصحابه، فإن القوم ينهزمون في عقر دارهم قبل أن يخرج النبي ﵊ وأصحابه من المدينة النبوية.
[ ٦٤ / ١١ ]
كونه خاتم الأنبياء
قال: [وختم به النبيون فلا نبي بعده]؛ لقوله ﵊: (أنا خاتم النبيين ولا نبي بعدي)، هذا الكلام صريح للغبي والأعمى، فالغبي يفهم هذا الكلام فضلًا عن طلاب العلم والناس الطيبين أمثالكم، لكن بعض الملاحدة لم يهدأ له بال، وأنتم تعلمون أن المجرم رشاد خليفة الذي هلك سنة (٨٨) بأمريكا وادعى النبوة هناك، سمى نفسه: (لا) ولما احتج عليه بأن النبوة انقطعت بالنبي ﵊، قال: ومن قال هذا، النبي ﵊ بشر بي.
قال: أنا خاتم النبيين، والخاتم يوضع في الأصبع، يعني: أنا زينة النبيين وحلية الأنبياء، و(لا) الذي هو أنا نبي بعدي! والله العظيم قال هذا، وسمى نفسه (لا) حتى إنه لما نزل مطار القاهرة ومعه الجنسية الأمريكية قال أحدهم: إن اسم رشاد خليفة هذا قد غيره ولم يعد هذا الاسم له.
قال: والقرآن شهد بنبوته، قيل: كيف ذلك؟ قال: لفظ الرشاد عندما تأتي بمادة رشد في القرآن الكريم ستجدها وردت في القرآن الكريم (١٩) مرة، وأنتم تعلمون أن العدد عندنا مقدس، فكيف يكون اسمه (لا) وكيف يكون اسمه (رشاد)؟ هذا تخبط وضرب في الظلمات.
[ ٦٤ / ١٢ ]
إعطاؤه الشفاعة في أمته ومفاتيح خزائن الأرض
قال: [وأعطي الشفاعة في أمته -أي: لأمته- وأعطي مفاتيح خزائن الأرض؛ لكرامته على الله ﷿ فأبى أن يأخذها].
عرض الله عليه خزائن الأرض، وخيره بين أن يكون ملكًا نبيًا، فقد كان سليمان ﵇ ملكًا نبيًا، فاستشار النبي ﷺ جبريل ﵇ ماذا يختار، فأشار عليه جبريل بما هو خير، قال: (بل عبد نبي)، يعني: اختر يا محمد! أن تكون عبدًا نبيًا، ولا داعي للملك، وأنتم تعلمون أن الله تعالى خيره أن يجعل له الجبال ذهبًا، فأبى ذلك وهذا هو الزهد الحقيقي، أن تكون الدنيا فعلًا تعرض عليك وأنت ترفضها، أما الآن فالناس يزهدون رغمًا عن أنوفهم بقرار وزاري!
[ ٦٤ / ١٣ ]
تسميته بأحمد، وأحلت له الغنائم ولم تحل لنبي قبله
قال: [فأبى أن يأخذها واختار الدار الآخرة، وسمي أحمد ﷺكما جاء في سورة الصف- فجعل معاني نبوته وأفعاله في اسمه، فكانت أموره كلها محمودة وأقواله مرضية، وأحلت له الغنائم ولم تحل لنبي قبله]، وهذا كنا قد ذكرناه من قبل في أثناء شرح صحيح مسلم، وذكرنا الأدلة من الصحيحين وغيرهما؛ أن الغنائم من خصائصه ﵊، وشرحنا حديث: (فضلت على الأنبياء بخمس)، وذكرنا أن النبي ﵊ أحلت له ولأمته الغنائم، ولم تكن حلالًا للأمم السابقة كلها، فأول نبي أحلت له الغنائم هو نبي الإسلام محمد ﷺ وأمته من بعده، فالأنبياء من قبله كانوا إذا غنموا مغنمًا وقفوا عندها في الحرب لا ينفكون عنها حتى يعرفوا: هل قبل الله ﵎ منهم ذلك أم لا؟ وعلامة ما بينهم وبين ربهم أن تنزل نار من السماء تأكل هذه الغنائم، والحديث في البخاري.
وأما الغنائم في شرع نبينا محمد ﵊ فهي حلال له ولنا، لقوله: (وأحلت لي الغنائم ولم تحل لنبي قبلي).
[ ٦٤ / ١٤ ]
جعلت الأرض له ولأمته مسجدًا وطهورًا
قال: [وجعلت له الأرض ولأمته مسجدًا]، معناه: أن الأرض طاهرة إلا ما تيقنا نجاسته، كالمقبرة والحمام ومرابض الإبل؛ وذكر مرابض الإبل لأنها من الشيطان، والحمام لأنه مظنة النجاسة، والمقبرة لاختلاطها بالدماء وصديد الموتى، وما إذا تيقنا نجاسته بوقوع البول فيه دون جفاف الأرض أو تطهيرها بالماء، فهذه الأماكن نجسة وما عداها طاهرة، فأينما أدركتك الصلاة فعندك المسجد -وهو الأرض- وعندك الطهور -وهو صعيد الأرض- تتيمم وتصلي.
أما اليهود والنصارى فإن جميع الأرض عندهم نجسة إلا ما تيقنوا طهارته، وهي البيع والكنائس.
فانظروا إلى الفرق بين هذه الأمة والأمم السابقة، إنه لفرق عجيب جدًا، ولذلك وضع الله ﵎ الإصر والأغلال التي افترضها على الأمم السابقة عنا ورحمنا فيها، فجعل لنا الأرض كلها طاهرة إلا ما تيقنا نجاسته، وجعل لأهل الكتاب الأرض كلها نجسة إلا البيع والكنائس، فصلاة الواحد منهم لا تصح إلا في البيع والكنائس، وهذا الشيء بكامله كان قبل مبعث النبي ﵊، أما بعد البعثة فلا صلاة له؛ لأنه بمجرد البعثة إن لم يؤمن فهو كافر، فلا صلاة له ولا طاعة له مقبولة.
[ ٦٤ / ١٥ ]
جعلت صفوف أمته في الصلاة كصفوف الملائكة عند ربها
قال: [وجعلت له الأرض ولأمته مسجدًا، وكان غيره من الأنبياء لا تجزئ صلاته إلا في كنائسهم وبيعهم، وجعلت صفوف أمته -أي: في الصلاة- كصفوف الملائكة عند ربها].
يعني: وأنتم تقوم في الصلاة اعلم أن هذا فيه وجه شبه بصفة الملائكة في صفها عند ربها.
[ ٦٤ / ١٦ ]
أحاديث واردة في خصائص النبي ﷺ وأمته
قال: [عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (فضلت على الأنبياء بست)]، يعني: خص من دون الأنبياء بستة أشياء، مع أنه خص بأشياء كثيرة جدًا، قال: [(أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون).
قال: (ومثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى قصرًا فأجمله -يعني: زينه وأحسنه- إلا موضع لبنة، فطاف الناس بالقصر فعجبوا لبنيانه وقالوا: ما أحسن هذا القصر لو تمت هذه اللبنة، قال: فأنا تلك اللبنة)]، يعني: هو المتمم لرسالة الأنبياء من قبله والخاتم لها، بل هو الناسخ لما تقدمه من رسالات ونبوات.
[وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (فضلت بخصال ست لا أقولهن فخرًا)]؛ لأننا مطالبون أن نؤمن بجميع الأنبياء وألا نفضل بين الأنبياء؛ ولذلك يقول النبي ﷺ: (لا تقولوا أنا خير من يونس بن متى)، ويونس بن متى نبي من الأنبياء، والمعلوم أن النبي ﵊ هو خير الخلق قاطبة، وهذا أمر قد أجمعت عليه الأمة وقد وردت به الأدلة، والنبي ﵊ نفسه قال: (أنا خير ولد آدم ولا فخر)، والمعلوم أن يونس بن متى من ولد آدم، والله تعالى يقول في أمره لنا بالإيمان بالرسل: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]، أي: لا نفرق بين أحد من رسله في مبدأ الإيمان، فنحن كما نؤمن بمحمد نؤمن بعيسى وموسى وجميع الأنبياء المذكورين في القرآن والسنة وغير المذكورين إجمالًا، نؤمن بأن الله تعالى أرسل قبل نبينا أنبياء ورسلًا وأنزل معهم الكتب، وكانوا هداة مهديين بهداية ربهم ﵎، نؤمن بهم جميعًا إجمالًا، ونؤمن بنبينا إجمالًا وتفصيلًا، فإيماننا بالنبي ﵊ كنفس إيماننا بموسى وعيسى من جهة أنه نبي أرسله الله ﷿، وأنزل معه الكتب، وأمره أن ينزل في بني إسرائيل أو في قوم كذا وكذا.
فالأمر الذي ورد في النصوص في عدم التفريق بين الأنبياء هو أمر بعدم التفرقة في مبدأ الإيمان بالأنبياء، أما النصوص الواردة بأن النبي ﵊ هو خير الخلق وهو خير الأنبياء وفضل على الأنبياء فهذا أمر معلوم، وإنما هي خصائص خصه الله ﵎ بها.
قال: [عن أبي هريرة ﵁ قال النبي ﵊: (فضلت بخصال ست لا أقولهن فخرًا)]؛ لأنه من أشد الناس تواضعًا ﵊.
قال: [(لم يعطهن أحد كان قبلي، قال: غفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر)]، وأنتم تعلمون حديث الشفاعة الطويل الذي فيه: أن الناس هرعوا في الموقف إلى آدم فذكر خطيئته، ثم إلى إبراهيم فذكر خطيئته، ثم إلى موسى فذكر خطيئته، ثم إلى عيسى حتى أتوا إلى محمد ﵊، فقال: (أنا لها أنا لها، فذهب فخر تحت العرش ساجدًا حتى دعاه ربه بقوله: اشفع تشفع وسل تعطه) صلى الله على نبينا محمد.
قال: [(وجعلت لي الأرض مساجد وطهورًا، وأعطيت الكوثر، ونصرت بالرعب، والذي نفسي بيده إن صاحبكم -أي: أنا- لصاحب لواء الحمد يوم القيامة غير فخر، تحته آدم ومن دونه)]، يعني: لواء الحمد يحمله النبي ﵊، وتحت لواء الحمد جميع الأنبياء والمرسلين بما فيهم آدم، والمعلوم أن آدم هو أول نبي، وأما أول رسول فهو نوح ﵇.
[وعن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: (فضلنا على الناس بثلاث -أي: نحن المؤمنين المسلمين- جعلت لنا الأرض كلها مسجدًا وجعلت ترابها لنا طهورًا، وجعل صفوفنا كصفوف الملائكة، وأوتينا الآيات الأخر من سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعط أحد قبلي، ولا يعطى أحد منه بعدي)] أي: من أول قوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة:٢٨٥] إلى آخر سورة البقرة.
فهذه الآيات من سورة البقرة نزل بها جبريل مرة، وأعطيها النبي ﵊ من كنز تحت العرش في رحلة معراجه إلى السماء.
[وكان علي بن أبي طالب يقول: قال رسول الله ﷺ: (أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء، قلنا: ما هو يا رسول الله؟ قال: نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعلت لي الأرض طهورًا، وجعلت أمتي خير الأمم)].
فالأمة لها خصائص تخصها دون بقية الأمم، ونبي الأمة ﷺ له خصائص تخصه دون بقية الأنبياء.
[وعن علي عن النبي ﷺ قال: (أعطيت خمسًا لم يؤتهن نبي قبلي: أرسلت إلى الأبيض والأسود والأحمر، -وهذا يد
[ ٦٤ / ١٧ ]
الأسئلة
[ ٦٤ / ١٨ ]
الحكم على حديث (عبدي لا تخف) وحديث صلاة الحاجة
س
السؤال
ما قولكم في الأحاديث الآتية: الحديث القدسي: (عبدي لا تخف من ذي سلطان مادام سلطاني لا يزول) إلى آخر الحديث؟
الجواب
هذا حديث غير صحيح.
السؤال
حديث صلاة الحاجة؟
الجواب
حديث صلاة الحاجة قد أنكره بعض أهل العلم، ولكنه حديث صحيح، والراجح من أقوال المحدثين: أن من كان في حاجة أو عرضت له حاجة فليركع ركعتين، ثم ليدع الله ﷿.
السؤال: وحديث: (من تعار من الليل- أي: من قام واستيقظ من نومه في الليل- فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له) إلى آخر الحديث: (ثم توضأ فصلى ركعتين ودعا الله ما رد الله دعاءه)، يعني: الذي يفعل هذا وله حاجة فإنها مقضية بإذن الله تعالى؟ الجواب: هناك شواهد كثيرة جدًا للحديث الأول التي تدل على ما يسمى في الشرع بصلاة الحاجة.
[ ٦٤ / ١٩ ]
حكم النداء في المساجد عن الأولاد الضائعين
السؤال
هل النداء عن الأولاد التائهين في مكبر صوت المسجد من إنشاد الضالة المنهي عنه؟
الجواب
لا، ليس منه، يدل على ذلك سبب ورود الحديث، كما يدل عليه لغة العرب، فسبب ورود الحديث أن بعيرًا ضل، فناداه صاحبه في المسجد، فقال النبي ﵊: (إذا رأيتم الرجل ينشد الضالة في المسجد فقولوا: لا ردها الله عليك)، يقول أهل العلم والشراح من المحدثين وأهل اللغة: الضالة تطلق على ذوات الأربع فقط، وما دون ذلك يجوز النداء عنه في المسجد وفي غيره.
[ ٦٤ / ٢٠ ]
حكم الإعلان عن المتوفى في المساجد بالمكبر
السؤال
ما حكم الإعلام عن المتوفى بواسطة مكبر الصوت في المسجد؟
الجواب
النبي ﵊ نهى عن العزاء ابتداء، ويقول سعيد بن المسيب: كنا نعد الاجتماع للعزاء من النياحة، فالأفضل عندما يموت شخص أن نخبر الأهل والجيران والخلان والأصحاب؛ وكل واحد يخبر الآخر بالهاتف، وكل واحد يخبر الآخر عن طريق الزيارة أو المسارعة في نشر الخبر أو غير ذلك، أو بدعوة الناس في المسجد إلى أن يحضروا الجنازة غدًا في المكان الفلاني، وقد مات كثير من أهل العلم في الأيام الأخيرة، وهذه من علامات الساعة، وكان آخر من مات من الفضلاء الشيخ سيد سابق ﵀، فذهبنا وصلينا في الشارع وانسدت الطرق بواسطة الهواتف التي اتصل بها طوال الليل فقط، ولم يحصل أكثر من ذلك، لا عزاء ولا نداء ولا شيء من هذا القبيل، فليس بلازم أن تستخدم ميكرفون المسجد أو تدور بطبلة في البلد، أو بميكرفون سيارة نقل وغير ذلك، فلا يجوز هذا.
[ ٦٤ / ٢١ ]
الحكم فيما إذا نزف الدم من الرجل وهو يصلي
السؤال
إذا نزف الرجل وهو يصلي فهل يقطع صلاته أم يتمها؟
الجواب
على أية حال النزيف لا يفسد الوضوء، وجاء عن غير واحد من السلف أن النزيف منه الغسل، يعني: الذي يلزمه غسل موضع الدم فقط، كما جاء عن ابن عمر وجابر وابن سيرين والحسن البصري وغيرهم: النزيف منه الغسل، أما الحديث الوارد عند ابن ماجة: (أن الرعاف يفسد الوضوء)، فهو حديث ضعيف.
[ ٦٤ / ٢٢ ]
معنى البيع والكنائس
السؤال
ما هي البيع؟
الجواب
البيع: اسم معابد اليهود، كما أن الكنائس اسم معابد النصارى، كما أن المساجد اسم معابد المسلمين.
[ ٦٤ / ٢٣ ]
بيان متى يكون الدعاء في الوتر وغيره
السؤال
إذا صلى الرجل وقنت بالليل فهل يدعو في آخر وتره أم قبل الوتر؟
الجواب
الدعاء يكون في آخر ركعة بعد القيام من الركوع، والدعاء في غير الوتر يكون قبل الركوع من آخر ركعة.
[ ٦٤ / ٢٤ ]
ما يفعله من عصى الله ثم أراد التوبة وطلب العلم
السؤال
ماذا يفعل من كان في أول سن البلوغ والمراهقة ومارس مع الصبية والفتيات الأقارب الفحشاء في نهار رمضان، علمًا بأنهم كانوا ممسكين، ولكنهم مارسوا الفحشاء، حيث لم يكونوا يعلمون بمدى حرمة ذلك، ولا عقوبته، وإن كانوا يعلمون بفطرتهم أن ذلك حرام، فهل يفسد صيامهم، وعليهم إعادة؟ مع العلم أن ذلك تكرر خلال رمضانين، وقام أحدهم -عندما نوى التوبة- بحصر الأيام التي فعل فيها ذلك وصام أغلبها، ولضعف بدنه وفتور صحته فدى عن الباقي، وأقلع عن تلك الأفعال ومصاحبة هؤلاء الأقارب، وكان ذلك منذ أربع سنين تقريبًا، ولكن لا زال ألم المعصية يقلقه ويريد القول الفصل في ذلك، فهل يكفيه ما فعل، وإن لم يكن فأين السبيل يرحمكم الله، وماذا يفعل من يريد التخلص من مظلمة عرض مع العلم أن صاحبها ذو قرابة، وإن صارحه بذلك قد تنقطع صلة الرحم ولا يعفو إلا قليلًا، وأن الحكمة في سؤالهم العفو وابتغاء وجه الله ويحدث ما يحدث أم ماذا؟ والذي يريد طلب العلم مع العلم بفقره الواضح، وأن أهله وأبويه يضطرونه لجلب المال، هل عليه أن يستجيب لهم وينعزل في المنزل بعد ذلك للقراءة حتى يتيسر الحال، أم يضرب بهم عرض الحائط، ويتفرغ لطلب العلم، خاصة وأن جهله قد أورده الموارد؟ أسألك بالله أن تكون بي رفيقًا في الجواب، فإني لا أهنأ بعيش ولا بنوم وأشعر أنني من كثرة ذنوبي أن توبتي لن تقبل، وأنني سأصير بعد حياتي هذه والعياذ بالله حطبًا لجهنم، فأرجو مراعاة إقبالي على ربي وحالتي النفسية، وبم تنصحني لأجتنب حياة الفساد وأحيا حياة كريمة؟
الجواب
على أية حال هذه الرسالة تشير إلى توبة صاحبها، فهنيئًا له أنه يتقلب بالليل والنهار ألمًا، فهذا يدل على صدق التوبة والأوبة والرجوع إلى الله ﷿، ولكن سؤال السائل ينقسم إلى عدة أمور: الأمر الأول: أنه وقع في الفحشاء، والواضح من قراءة الرسالة بتمامها أنه وقع في الزنا، فإن تكرر منه هذا فإجماع أهل العلم أن كل زنا يحتاج إلى كفارة، ولا تجزئ كل كفارة واحدة لمجموعة من الوقائع أو الفحشاء، فعلى الأخ أن يتقرب إلى الله ﷿ في صدق توبته بأن يصوم شهرين متتابعين ومعها يوم إذا كان ذلك في رمضان لكل وقعة فاحشة وقع فيها بغير اتصال، وإذا كنت تتلذذ بهذه المعصية فاعلم أنك لو داومت على الصيام فإنك تستمرئ صوم الدهر كله.
وكثير من السلف كانوا يقولون: لقد عانينا قيام الليل عامًا حتى صار سجية، وقد سأل غير واحد من أصحاب النبي ﵊ النبي ﷺ أنهم يقدرون على سرد الصوم، فأذن لبعضهم ولم يأذن للبعض الآخر، فكل هذه النصوص هي بشرى لك بأنك إذا ألفت أن تصوم هذه الكفارات فستكون في نهاية الأمر سجية لك، وما الذي يمنعك أن تصوم عامًا أو عامين أو ثلاثة، كفارات لهذه الفواحش التي وقعت فيها؟ الأمر الثاني: أن صحبة هذا الرجل كلها صحبة فساد كما هو واضح من سؤاله، وأنتم تعلمون أن من عوامل نجاح التوبة التخلص من أصحاب السوء، ولا أدل على ذلك من هذا الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا ثم ختمها بالراهب فأتم المائة؛ فأمر به أن يرحل عن بلده؛ لأن بها قومًا سوءًا، إلى أرض أناس صالحين يعينونه على طاعة الله ﷿، والنبي ﵊ يقول: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل).
ويقول الحسن البصري: صديقك من صادقك -أي: من نصحك- لا من صدقك، صديقك من صادقك، أي: من نصحك وأخذ على يديك وأرجعك إلى الصواب، لا من صدقك في كل ما تقول من خير وشر، فإن هذا ليس بصاحب.
وأنصح هذا الأخ السائل أن يحرص على طلب العلم فإنه النجاة كل النجاة، وما أوقعه فيما وقع فيه إلا الجهل كما يقول، وهو صادق إن شاء الله في زعمه أنه لم يكن يعرف أن هذا حرام أو لا يعرف عقوبة هذا الفعل، غير أنه يعلم بفطرته أن هذا الفعل قبيح، بل إن لفظة قبيح تعتبر قولًا رقيقًا بالنسبة لهذه المسائل، فهذا وقوع في الفاحشة.
فعلى أية حال لو فرضنا صدقه -والأصل فيه الصدق- فيجب عليه أن يتخلص من صحبته تمامًا، وأن يقبل على الله ﵎، ولا يجد أحسن من طلب العلم؛ ففيه النجاة كل النجاة، ويتخلص من الصحبة السيئة، ولا ينام وحده حتى لا يفكر في مقدمات هذه المعصية مرة أخرى، وألا يغلبه الشيطان في وحدته، ولا أدل على ذلك من قوله ﵊: (لا يسافر الرجل وحده ولا يبيتن وحده)؛ وذلك لتسلط الشيطان وغلبته على هذا الوحيد الشريف، ويقول ﵊: (إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية)، فربما حدثتك نفسك بالوقوع في المعصية، ولكنك لعلمك أن فلانًا أو فلانًا ينظر إليك تكف عن هذه المعصية؛ ولذلك يقول النبي ﵊: (استحيوا من الله على قدر حيائكم من رجلين صالحين من قومكم)، فتصور لو أنك أردت أن تنظر إلى امرأة أجنبية جميلة تمر في الشارع، ولكن معك رجل من صالحي قومك، هل تجرؤ أن تنظر إليها؟! فاستحي من الله ﷿ استحياءك من هذا الرجل الصالح.
أما ما ذكره من صلة
[ ٦٤ / ٢٥ ]
بيان ما يفعله من وقع في عرض أخيه
السؤال
ماذا يفعل من وقع في عرض فلان؟
الجواب
إذا كنت وقعت في عرضه بالغيبة والنميمة فلا بأس أن تذهب إليه وتستسمحه، وإذا كان يحدث من ذلك مفسدة عظيمة فقم الليل دعاء له واستغفارًا له، وإن كنت ذا مال فتصدق عنه، يعني: ابذل له كما بذلت عليه.
[ ٦٤ / ٢٦ ]
حكم تحريك الأصبع عند التشهد في الصلاة
السؤال
عند التشهد في الصلاة الأولى تحريك الإصبع، أم الإشارة به فقط؟
الجواب
المسألة محل نزاع، لكن الذي يترجح لدي أن التحريك زيادة من زائدة بن قدامة، وإن كانت هذه اللفظة قد جاءت في صحيح مسلم، فالحافظ ابن حجر غمزها في تلخيص الحبير، والإمام البيهقي في كتابه السنن غمزها وقال: هذه اللفظة إما أنها شاذة، وإما أن يحمل التحريك على الإشارة، وسئل أحمد بن حنبل: ماذا نعمل في التشهد؟ قال: تنصب السبابة بشدة.
قيل له: أنحركها؟ قال: لا، فمن أقوال أهل العلم الذي يترجح لدي: أنك تشير بالسبابة دون أن تحركها خفضًا ورفعًا، والله تعالى أعلم، وعلى أية حال، هذه من المسائل المختلف فيها، والخلاف فيها أمره هين.
[ ٦٤ / ٢٧ ]
حكم الاستمناء
السؤال
رجل أصيب بمرض في شيء من عضوه التناسلي، ولا يستريح إلا بالاستمناء مرة كل شهر أو شهرين فما حكم الشرع في ذلك؟
الجواب
على أية حال يا أخي! لابد أن تعلم أن النار حفت بالشهوات، وأن الجنة حفت بالمكاره، فمن الشهوات الاستمناء، والاستمناء حرام، وهذا الراجح من أقوال أهل العلم، وأقوال أهل العلم في الاستمناء ثلاثة: منهم من قال بالجواز، ومنهم من قال: بالحرمة مطلقًا، ومنهم من فصل فقال: لا يكون الاستمناء مأذونًا فيه أو مباحًا إلا في حال حرب أو سفر أو غياب الرجل عن امرأته، وخوفه أن يقع في الفتنة، يعني: لو أن امرأة جميلة عرضت عليك، فإما أن تزني وإما أن تستمني، ولا خيار ثالث في هذه القضية، فأيهما أولى؟ الاستمناء بغير تردد، فكلاهما ضرر، وكلاهما حرام، لكن ليست حرمة الاستمناء كحرمة الزنا الصريح، فارتكاب أخف الضررين أولى من ارتكاب الضرر الأكبر.
والإمام الشافعي عليه رحمة الله احتج على حرمة الاستمناء بقول الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٥ - ٧]، فأنت لست مأذونًا إلا مع امرأتك الحرة أو مع إمائك، فمن ابتغى بعد ذلك استمتاعًا مع غير الأمة والمرأة الحرة فإنه يكون متعديًا، حده: «فَمَنِ ابْتَغَى» أي: فمن أراد بعد الحرة والأمة «فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ» والعدوان هنا يفيد الحرمة في مقابلة حل الزوجة والأمة، فعلى جهة المقابلة يكون حرامًا.
[ ٦٤ / ٢٨ ]
حكم الذهاب إلى أمريكا للعمل
السؤال
عرض علي السفر إلى أمريكا للعمل أكثر من مرة ورفضت ذلك، فما قولكم في السفر هناك للعمل، خاصة وأن من يذهبون يعملون في مجالات تخدم القوم، وتعينهم على التفوق في مجالات الكمبيوتر والتكنولوجيا؟
الجواب
على أية حال أظن أن بلادنا -والحمد لله- فيها من التقدم التكنولوجي وفي عالم الكمبيوتر وغيره الشيء الذي يغنينا ويسد الحاجة، لكن إذا أردت أن تذهب هناك كرحلة علمية فأهلًا وسهلًا بشرط أن تصحب معك امرأتك، أو ألا تغيب عنها أكثر من أربعة أشهر لحاجتك إليها وحاجتها إليك، فإن عمر وابنته حفصة ﵄ قد حددا أقصى مدة يمكن أن تحتملها المرأة في غياب زوجها، وهي أربعة أشهر؛ ولذلك كان عمر ﵁ يقسم الجيش أقسامًا فلا يزيد قسم عن أربعة أشهر حتى يأذن لهم بالرجوع إلى زوجاتهم في المدينة، لكن لابد أن تعلم أن الذهاب إلى بلاد الكفر عمومًا أمر منكر في الشرع، والنبي ﵊ كما جاء في سنن أبي داود قال: (أنا بريء ممن أقام بين ظهراني المشركين)، فهذا الحديث فيه ترهيب ووعيد شديد لمن يذهب إلى هناك بغير حاجة ولا ضرورة ولا مصلحة شرعية، إن الدعاة يذهبون هناك من أجل الدعوة، وهذا أمر قد كلفنا الله ﷿ به، أما أن تذهب إلى هناك لترى المومسات فهذا هو الإجرام، كما أنك حين تذهب إلى هناك، يحصل لك تمييع لعقيدتك، فالأرض غالبًا تلعب مع أصحابها، فالأرض هناك تلعب مع الكفر، وإنك إذا نظرت فوق وتحت وفي جميع الجوانب لا تجد إلا كفرًا بواحًا، وعندما تذهب إلى هناك ستجد صعوبة في كل شيء، ولو أردت أن تكون متمسكًا بدينك فإنك تجد صعوبة في ذلك.
وأذكر أنني لما ذهبت إلى هناك قلت لهم: إنني مقاطع للحم الذي في هذا البلد نهائيًا، فمعذرة أريد سمكًا، فقالوا لي: إنهم يشوونه بشحم الخنزير، وما قيل لي هذا الكلام إلا بعد أن أكلت سمكًا حتى شبعت، وعندما سافرت إلى منطقة اسمها (بورتلاند) في غرب أمريكا أحضروا لي لحمًا، فقلت لهم: الأصل في لحوم هذه البلاد التحري، فقالوا: يا شيخ! إننا ذبحنا هذا في إحدى رحلات الصيد، فقلت: إذن لا مشكلة نأكله، فلابد في كل مرة أن تسأل وتتحرى، فقلت: ألا تخلصوننا من هذا القلق وتعطونا سمكًا ويكفي، فقالوا: من أين نأتي لك بسمك، فإنه من الممنوع أن نشوي في البيوت.
وفي المقابل المركز الذي نزلت فيه قلت للطباخ: بالله عليك أتقلي السمك في شحم خنزير أو في زيت؟ قال لي: الذي يريد في زيت أقلي له في زيت، والذي يريد في شحم أقلي له في شحم.
فقلت: السمك الذي وصلني وأنا في المركب أستحلفك بالله بماذا قليته؟ قال لي: والله مرة هكذا ومرة هكذا! فدعوت عليه، لأنه من المفروض حتى وإن قيل له: أنا أريد سمكًا بشحم خنزير أن يقول: لا، وينكر عليه، فضلًا عن أنه لا يحل لك أن تستخدم شحم الخنزير في محلك أبدًا، وغضبت غضبًا شديدًا، ونهرت هذا الأخ، مع أن كان يصلي معنا كل فرض، وكان أحيانًا يذهب بعد صلاة الفجر ويأتينا إلينا بالحليب وغير ذلك من وجبات الإفطار، فلما سألته عن سبب فعله لهذا الشيء قال: يا شيخ! هذه طبيعة الحياة هنا، هذه طبيعة الحياة هنا!! وعندما رجعت إلى مصر وسألت الإخوة في السويس عن هذا الرجل وقصصت عليهم قصته، فقالوا: هذا كان من الدعاة هنا، وإيرادي لهذه القصة من أجل أن أثبت لك أنك إذا ذهبت إلى هناك تتأثر، فهو مطلوب منه هناك أن يسدد ألفي دولار شهريًا للمحل، وألف دولار للسكن، وألفي دولار آخرين للطعام والشراب، يعني: خمسة آلاف دولار شهريًا من أين يأتي بها؟ فلابد أن يتجاوز دائرة الحل إلى الحرمة، وأنت يا أخي! من الذي أكرهك على ذلك؟ لماذا يا أخي! لا تأتي إلى بلادك وتأكل من تحت رجليك، وفي بلدك اليوم الذي لا تجد فيه فولًا وطعمية خذ ترابًا من تحت رجليك، وما أظن أن أحدًا في هذا الزمان يبيت جائعًا لا في بلاد المسلمين ولا في بلاد الكفار.
فالشاهد: أنني أنصح دائمًا بعدم الذهاب إلى بلاد الكفار عامة وبخاصة أمريكا، وأنا قد تكلمت وشتمت ولعنت أمريكا والذي يريد أمريكا في هذا المسجد وفي غيره مرات ومرات، وقلت: إن الذين يذهبون إلى هناك يصعب عليهم جدًا أن يتمسكوا بدينهم، فضلًا عن أنهم ضعفاء أصلًا قبل ذهابهم، فأنت لن تسافر من هنا وأنت ابن تيمية أو أحمد بن حنبل، إنك ستسافر من هنا بضعف إيمانك وهزالته، فتذهب إلى هناك، فيكون ضعفًا على ضعف على كفر على فجور على مجون، وستلقى نفسك بعد سنة ضائعًا تائهًا.
وقد أساء بي الظن بعض المستمعين، وظنوا أني أرد على بعض إخواني كالشيخ محمد حسان والشيخ عمر بن عبد العزيز القرشي وغيرهم من الإخوة الأفاضل الطيبين، والله ما قصدت الرد على هؤلاء، بل قبل أن أذكر هذا وقبل أن أنقم على أمريكا وعلى من يريد أن يذهب إلى أمريكا، تحدثت مع أخي محمد حسان ومع الشيخ عمر بن عبد العزيز، وقلت: يا إخواني! الذي ذكرتموه على سبيل المدح
[ ٦٤ / ٢٩ ]