صفة الساق لله تعالى من الصفات الذاتية، وهي صفة ثابتة بالكتاب والسنة، وقد جاء عن بعض السلف في هذه الصفة كلام مخالف لما عليه الجمهور، وقد طار أهل البدع بهذا القول فرحًا، واستندوا إليه في قولهم بنفي هذه الصفة، إلا أن هذا الكلام مردود بالكتاب والسنة وقول جمهور الصحابة.
[ ٢٥ / ١ ]
إثبات صفة الساق لله ﷿
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
ثم أما بعد: فلا يزال الكلام موصولًا عن صفات الله ﷿ الذاتية الخبرية، ومنها: صفة الساق، وهذه الصفة قد ثبتت لله ﷿ بآية وبحديث.
[ ٢٥ / ٢ ]
رفع الإشكال الوارد في قوله تعالى: (يوم يكشف عن ساق)
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢].
هذه الآية بهذا السياق أحدثت إشكالًا عظيمًا عند أهل العلم، بل أقولًا عند أهل السنة؛ لأن الآية لم تكن صريحة في إثبات الساق لله ﷿؛ لأنه قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢]، فوردت منكرة وغير منسوبة لله ﷿، ولذلك اختلف السلف ﵃ في ماهية هذه الساق، لكن جمهور أهل العلم من السلف وغيرهم رفع عنهم هذا الإشكال بحديث رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة وغيرهم، أنه ﵊ قال: (إذا جمع الله العباد في صعيد واحد نادى مناد: يلحق كل قوم بما كانوا يعبدون).
أي: لينصرف كل قوم من أهل الموقف إلى معبودهم الذين كانوا يعبدونه في الدنيا.
قال: (فيلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، ويبقى الناس على حالهم.
فيأتيهم -أي: ربنا- فيقول: ما بال الناس ذهبوا وأنتم هاهنا؟ فيقولون: ننتظر إلهنا الذي كنا نعبده.
فيقول: هل تعرفونه؟ فيقولون: إذا تعرف إلينا).
أي: إذا أتانا في صورته التي عرفنا بها في حياتنا الدنيا عرفناه.
قال: (فيكشف لهم عن ساقه).
فوردت (الساق) هنا مضافة إلى الله ﷿، ولم يقل: فيكشف لهم عن ساق.
قال: (فيكشف -أي: الله ﷿- لهم عن ساقه فيقعون سجودًا، وذلك قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم:٤٢].
ويبقى كل منافق لا يستطيع أن يسجد، ثم يقودهم إلى الجنة).
وفي حديث أبي سعيد: (يوم يكشف ربنا عن ساقه).
وهذا تصريح ثان.
فهذا الحديث بشواهده قد رفع الإشكال الوارد في الآية.
[ ٢٥ / ٣ ]
أقوال أهل العلم في معنى الساق في الآية
هذه الصفة كغيرها من الصفات أحدثت إشكالًا عظيمًا جدًا عند كثير من أهل العلم، ولذلك ابن الجوزي عليه رحمة الله في تفسير هذه الآية يقول: قال ابن عباس ومجاهد وإبراهيم النخعي وقتادة والجمهور -وهذا كلام فيه شطط وغلو-: يكشف عن شدة.
وهذا هو التأويل الأول في معنى الساق.
وأنشدوا: وقامت الحرب بنا على ساق أي: إذا اشتدت الحرب بنا.
وقال آخرون: إذا شمرت عن ساقها الحرب شمرا وقال ابن قتيبة: وأصل هذا: أن الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى الجد فيه شمر عن ساقه، فاستعيرت الساق في موضع الشدة.
وبهذا قال الفراء وأبو عبيد وثعلب واللغويون.
فإذا كانت الساق في اللغة العربية تعني الشدة في أحد وجوهها، فلا تفسر هنا على أن الساق الواردة في حق الله ﷿ بمعنى الشدة؛ لأن هذا سيكون حتمًا تحريفًا للكلم عن مواضعه، وصرفًا للفظ عن ظاهره إذا احتملت اللغة للمصطلح وجهًا، لكنها وردت في سياق لا تحتمل هذا الوجه اللغوي، وعليه فلا يمكن حمل هذا اللفظ على الوجه اللغوي أبدًا، وإلا فاليد أحد وجوهها في اللغة: النعمة، والقوة، فهل يمكن أن نحمل قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] على أن نعمته فوق نعمتهم، أو أن قوته فوق قوتهم؟
الجواب
لا.
لكن إذا عبرنا عن اليد بالقوة فهذا أمر جائز في اللغة، لكنه في الاصطلاح وفي سياق الآية لا يجوز لنا أن نحمل اليد على القوة أو القدرة أو النعمة مع عدم إثبات اليد الحقيقية لله ﷿ على المعنى اللائق، فإذا أردنا أن نثبت هذا وذاك، أو أن نثبت الوجه اللغوي، فلابد أولًا من إثبات الوجه الشرعي، ثم نثبت بعد ذلك الوجه اللغوي؛ لأن أهل البدع المتأولون يعتقدون صرف النص عن ظاهره إلى معناه المجازي أو معناه اللغوي دون إثبات حقيقته لله ﷿.
أما أهل العلم من السلف فإنهم يثبتون الصفة لله ﷿ ولازمها بعد ذلك، فيثبتون اليد أولًا، ثم يثبتون لازم هذه اليد، بخلاف المتأولة فإنهم يثبتون اللازم ولا يثبتون الصفة الحقيقية لله ﷿.
فإذا قلنا هنا: إن الساق في اللغة لها وجه بمعنى: الشدة، فإننا لابد وأن نثبت أولًا لله ﷿ الساق، ثم نثبت لازم ذلك وهو الشدة والقوة، أما تحريف هذه الكلمة عن ظاهرها، وإثبات الشدة للساق دون إثبات الساق لله ﷿، فهذا صرف للنص عن ظاهره دون مسوغ شرعي.
[ ٢٥ / ٤ ]
بيان أن ثبات الصفات لله ﷿ لا يقتضي المماثلة ولا المشابهة لخلقه
روى البخاري ومسلم في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله ﷿ يكشف عن ساقه).
فإذا قلنا: إن المراد بالساق الشدة، فيكون معنى الكشف الإزالة.
أي: يزيلها، وهذا كلام لا تحتمله اللغة.
قال ابن الجوزي: وقد ذهب القاضي أبو يعلى: إلى أن الساق صفة ذاتية، وقال مثله في: (يضع قدمه في النار).
فـ ابن الجوزي ينكر على أبي يعلى الفراء إثبات أن الساق والقدم صفة ذاتية لله ﷿.
ويقول ابن الجوزي: إثبات الساق مع القدم لابد وأنه يستدعي تشبيه الخالق بالمخلوق! والجواب عليه من وجهين: الأول: أن الرسول ﷺ قد بلغ البلاغ المبين، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وليس هناك شيء العناية بتبيينه أعظم من العناية ببيان أسماء الله وصفاته، ومن ثم كان بيان هذا الباب أعظم من بيان الأحكام؛ لأن البيان في باب الاعتقاد أولى منه في باب الأحكام والحلال والحرام، ولأن معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته هي أساس الإيمان، وقد كان النبي ﵊ يبين هذا الباب بيانًا عامًا، فعلمه الخاص والعام، وعلمه العالم والجاهل، والبدوي والحضري، ولم يستنكر أحد منهم شيئًا في هذا الباب قط، ولم يقع في أذهانهم ولا في ذهن واحد منهم أن إثبات صفات الرب جل وعلا تقتضي مماثلة الخالق بالمخلوق، أو تشبيه الخالق بالمخلوق، وإنما آمنوا بها إجمالًا على الوجه اللائق بالله ﷿، وإنما وقع هذا الفهم الفاسد في قلوب الجهمية وأضرابهم من أهل الإفك والضلال والتنطع في دين الله جل وعلا، وتعالى الله عن أن تكون صفاته مثل صفات خلقه، فإذا كان المخلوق له يد والله تعالى له يد، فلابد وأننا نثبت اليد الحقيقية لله ﷿ على ما يليق بجلال ذاته وعظمته، بخلاف المخلوق، فهي شبيهة وشريكة ليد الله عز جل في الاسم دون المسمى؛ لأنها يد ويد الله تعالى يد، فهما متماثلتان ومتشابهتان في الاسم فقط دون المسمى ودون الحقيقة، فحقيقة يد المخلوق تختلف تمامًا عن حقيقة يد الخالق ﵎، ولا يعلم حقيقتها ولا كيفيتها إلا الله ﷿، فكيف نقول بالمماثلة والمشابهة بين صفات الخالق وصفات المخلوق؟! لكن أهل البدع لا يفهمون من صفات الخالق إلا ما فهموه من صفات المخلوق، فقالوا: إن الله تعالى قد خاطبنا بأن له يد، ونحن نعلم ما هي اليد؟ بدليل أننا نراها، والله ﵎ لما أخبر أن له يدًا، وأنا أعلم سلفًا يدي وكيفية يدي، فلابد وأن يكون الله تعالى قد خاطبني بما أفهم، وخرجوا من ذلك بأن يد الله ﵎ كيد خلقه؛ لأن الله تعالى لابد وأنه قد خاطبنا بما نفهم.
والجواب عليهم: أن الله ﵎ له ذات، وهم يؤمنون بذلك، فهل ذات الله كذات المخلوق؟! لا.
فذات الله ليست كذات المخلوق، وأقصى ما يمكن أن يقوله: إن ذات الله ﵎ لا يعلمها إلا هو.
فنقول: وكذلك الكلام في الذات كالكلام في الصفات، فكما أن ذاته خفية وغيبية عنا، ولا يعلم كيفيتها أحد من الخلق، فكذلك صفاته -ومنها: الساق- لا يعلم كيفيتها إلا هو سبحانه، وعليه لما اختلفت الذات لابد أن تختلف الصفات.
ومن هنا نحن نثبت الصفات لله ﷿ على الوجه الحقيقي اللائق به، ولا يعلم كيفية الذات ولا كيفية الصفات إلا هو ﷾، ولم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا رسول مرسل، ولا نبي تنبأ.
وعليه فقولهم: إن إثبات الصفات لله ﷿ تقتضي المماثلة بينها وبين صفات المخلوق عجز وضعف عقلي عندهم؛ لأنهم لا يفهمون من صفات الخالق إلا ما يفهمونه من صفاتهم هم، مع أن هذا ليس بلازم، بدليل: أن الله ﵎ خلق خلقًا عظيمًا كثيرًا، وجعل لكل مخلوق من مخلوقاته يدًا وساقًا وعينًا وقدمًا، وغير ذلك من الجوارح، فهل يقول ذلك المتأول: إن ساق الله ﵎ كساقي فنقول له: إن الله ﷿ قد خلق خلقًا كثيرًا غيرك، سواء من الحيوان، أو الدواب، أو الطير، أو الإنس، أو الجن، أو غيرها، فلم لا تقول: إن الله تعالى له ساق كساق الجن، أو كساق الملائكة، وهم أعظم وأشرف خلقًا من العصاة.
سيرد قائلًا: لأن الله تعالى خاطبني أنا بذلك.
فهذه الحجة مردودة؛ لأن الله ﵎ قد بعث نبيه أيضًا للجن، فإذا كنت تقول: إن ساق الله كساقك أنت، فلم لا يكون ساقه كساق الجن، وهم مكلفون مخاطبون بأوامر الشرع أمرًا ونهيًا؟ لابد وأنه ستسقط حجته، ويسلم في نهاية الأمر بإثبات الساق لله ﷿ التي تختلف عن جميع سوق المخلوقات من الإنس والجن والطير والدواب والهوام والحشرات وغير ذلك، لابد وأنه سيصل في النهاية إلى الإقرار والاعتراف بهذا.
وقد اتفق علماء السلف على إثبات ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله محمد ﷺ، إثباتًا بلا تمثيل ولا مشابهة بينه وبين خلقه، وتنزيهًا بلا تعطيل.
أي: ننزه الله ﵎ أن تكون صفاته كصفاتنا، وفي الوقت ذاته نثبتها لله ﷿، فنحن نثبت
[ ٢٥ / ٥ ]
مخالفة أهل البدع لأهل السنة في إثبات صفة الساق لله ﷿
من الصفات التي يوصف بها الرب جل وعلا، وقد شرق بها أهل البدع وغربوا، ولم يثبتوها له سبحانه تعالى: صفة الساق، زاعمين أن إثباتها يقتضي تشبيهًا للخالق بالمخلوق، لكن هذا ضلال عظيم وبعد عن منهج السلف، فلا يصف الله تعالى أحد أعلم من رسوله ﷺ؛ لأنه أعلم الخلق بالله ﷿، فإذا وصف النبي ﵊ ربه بوصف فلا يجوز لأحد بعد ذلك أن يدعي الورع، أو أن يدعي التنزيه، أو أن يستلزم المماثلة والتشبيه؛ لأنه لابد وأن يزعم بأنه أعلم بالله من النبي ﵊.
وقد دلت سنة النبي ﵊ الصحيحة التي لا معارض لها ولا مضاد على أن الساق ثابت لله تعالى، وكما أننا نثبت لله تعالى ذاتًا لا تشبه الذوات، فكذلك نقول في صفات الله تعالى كالساق وغيرها: إنها لا تشبه صفات المخلوقين؛ لأن الله جل وعلا ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فنثبت لله تعالى الصفات وننفي عنه مماثلة المخلوقات، وهذا هو حقيقة الإيمان.
أي: أن نسلم لله ﷿ بما أمرك ونهاك، ونبرأ من أهل التحريف والبطلان، فلا ننفي عن الله تعالى صفة صحت بها النصوص كالساق وغيرها، من أجل دعوى المعطلين أن هذا يقتضي تشبيهًا، بل نثبت لله تعالى الصفات على ما جاءت في الكتاب والسنة، وننكر عليهم ونجهلهم ونضللهم لمخالفتهم لكتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢]، أي: يكشف الله ﷿ عن ساقه.
وهذا مذهب جمهور السلف في تفسير هذه الآية، وإذا كان الفعل: (يُكْشَفُ) مبني للمجهول لما لم يسم فاعله، فإن الحديث قد سمى صاحب الساق، وهو الله ﵎، فقال النبي ﵊: (يوم يكشف ربنا عن ساقه)، فالذي أخفته الآية بينه الحديث.
[ ٢٥ / ٦ ]
الرد على المبتدعة في الاحتجاج بتفسير ابن عباس للساق
وأما ما جاء عن ابن عباس أنه قال: يريد القيامة والساعة لشدتها، فقد ضعفه كثيرون من أهل العلم بالحديث، وقالوا: ولا يصح شيء من هذا عن ابن عباس، ولهذا لما جاء هذا الخبر عن ابن عباس طار به أهل البدع فرحًا، وهذه من علامات أهل البدع.
أي: أن تقع أعينهم وعقولهم على قول لرجل -وإن كانت غير راجحة- ليؤيد ما هم عليه من البدعة، ولذلك شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: لم تكن هناك صفة لله ﷿ محل جدال ونقاش وخلاف بين السلف إلا هذه الصفة.
وما روي عن ابن عباس فيها طار به أهل البدع فرحًا؛ لأنهم نسبوا التأويل للسلف، ولم يقولوا: إن هذه زلة لـ ابن عباس مثلًا، مع أنها ليست بزلة؛ لأنه لم يثبت عنه هذا الكلام، وعلى فرض ثبوته -وهذا يعني على أضعف الإيمان وأقل الأقوال- فإن ابن عباس قد قال: إن قاتل النفس لا توبة له.
كما قال: إنه ليس هناك ربًا إلا ربا النسيئة المذكور في القرآن، ولم يقل بربا الفضل، بل قد زل ابن عباس في أكثر من سبع مسائل خالفه فيها جمهور الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وهنا في هذه الصفة قد خالفه الصحابة وعلى رأسهم: عبد الله بن مسعود وقال: الساق صفة ذاتية لله ﷿.
لذا فلو ثبت هذا عن ابن عباس فنحن نعلم أن إثبات لازم الصفة عند السلف يستلزم إثبات الصفة أولًا، وهذه قاعدة عند السلف، بخلاف المتأولة الذين يثبتون لازم الصفة دون الصفة.
فإذا كان هذا معلومًا من مذهب ابن عباس في صفات الله ﵎ كلها، فلم يثبت المبتدعة هنا لازم الصفة وينفون أصل الصفة الذي هو من معتقد ابن عباس في جميع صفات الله ﵎؟ وفي هذه الحالة لابد -وهذا على فرض صحة وثبوت هذا الكلام عنه- من إثبات الصفة ولازمها.
ومن أمثل الأسانيد التي جاءت عن ابن عباس في ذلك: ما رواه الفراء في كتابه (معاني القرآن).
قال: حدثني سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أنه قرأ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢].
أي: يريد القيامة والساعة لشدتها.
وهذا التفسير من ابن عباس للآية لا تقوم به حجة.
نعم ابن عباس ترجمان القرآن، والنبي ﵊ قد دعا له، وكان من أحبار هذه الأمة، لكن هل يستلزم هذا بالضرورة ألا يخطئ ابن عباس؟ إنه إذا لم يكن معصومًا فالخطأ جائز عليه حينئذ، وإذا جاز الخطأ عليه فنرده بقول بعض أصحابه له، ولذلك نحن دائمًا نقول: إن إجماع الصحابة حجة بلا خلاف، لكن على فرض أن هذا تأويل ابن عباس، فتأويل هذه الصفة من ابن عباس هل عليه إجماع الصحابة؟ لا.
فلا أقل من أن نقول: إن هذه الصفة محل خلاف عند السلف، لكن هذا الخلاف لابد من فصل النزاع فيه، فنقول: إن حديث: (يوم يكشف ربنا عن ساقه)، لم يصل ابن عباس، وإذا كان هذا الحديث لم يصل ابن عباس وقال بغيره، فهو مجتهد مأجور أجرًا واحدًا لأن الصحابة قد خالفوه بإثبات الساق الحقيقية لله ﷿، وفي هذه الحالة لابد من رد كلام ابن عباس، أو حمله على أحسن المحامل، ورده أولى، وعليه فهذا التفسير للآية من ابن عباس لا تقوم به الحجة؛ لثبوت النص عن النبي ﷺ في تفسير الآية.
[ ٢٥ / ٧ ]
رواية أبي هريرة في إثبات الساق لله تعالى
وأما حديث أبي هريرة ففيه: (فيكشف لهم عن ساقه فيقعون سجودًا) فلا يمكن أبدًا أن تحتمل اللغة تفسيرهم: (فيكشف الله تعالى عن شدته فيقعون سجودًا)؛ لأنه قد قال: إن كشف الساق هو كشف الشدة، وكشف الشدة بمعنى: إزالتها، أي: رفع الشدة، فهل يناسب أن نقول: إن الله تعالى في الموقف والمحشر يرفع شدته.
بمعنى: أنه يكون هناك حالة رضا.
لا.
ولا شك أن السجود هذا إنما هو داعي الخوف، فلا يسجد الناس والله ﵎ قد رفع عنهم الشدة والخوف، بل هم يسجدون إذا خافوا، فهذا الوجه في اللغة غير محتمل.
بل الحديث صريح في إثبات صفة الساق لله تعالى، وإبطال سائر التأويلات التي قيلت في الآية، فقوله: (فيكشف لهم عن ساقه)، صريح في إثبات الساق لله تعالى؛ لأنه لا يجوز أن يكون المراد هنا بالساق: الشدة قطعًا.
وقوله: وذلك قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢]، ظاهر في أن المراد بالآية: إثبات الساق لله تعالى.
ويؤيده ما رواه الدارمي في كتابه: الرد على الجهمية -وهو كتاب من أمتع الكتب، وهناك أيضًا كتابين بهذا العنوان: الرد على الجهمية للإمام أحمد، والرد على الجهمية لـ ابن منده، وكلها كتب لثلاثة من أئمة السلف للرد على الجهمية المعطلة بعنوان واحد- فقد روى الدارمي من طريق أبي عوانة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢]، قال: يكشف الله ﷿ عن ساقه).
وفي حديث آخر: (يوم يكشف ربنا).
فهذا التفسير من النبي ﷺ لمعنى الآية يبطل جميع الأقوال المخالفة لهذا القول، ويدل دلالة صريحة على أن الآية من آيات الصفات، وليس المقصود بالساق هنا: الشدة.
وأن المراد منها -أي من الآية-: إثبات الساق كصفة ذاتية لله ﵎، وقد جاءت الأحاديث مؤيدة لهذا القول، ودالة على إثبات الساق لله تعالى.
[ ٢٥ / ٨ ]
رواية أبي سعيد في إثبات صفة الساق لله تعالى
قال البخاري: باب: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢]: قال: حدثنا آدم، حدثنا الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن أبي سعيد ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رئاء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا).
أي: أن الله ﵎ يوم يكشف عن ساقه لأهل الإيمان وللمنافقين -أي: في المحشر- فإن كل مؤمن عندما يرى الله ﷿ ويعرف أن الله ﷿ هو هذا بساقه التي عرفهم بها في الدنيا، يقع كل مؤمن ومؤمنة ساجدًا لله ﷿؛ لأنهم يعرفون الله تعالى بهذه الصورة التي عرفهم بها في حياتهم الدنيا، ويذهب كل منافق ومعاند وجاحد ليسجد كما رأى أهل الإيمان يسجدون، والمنافقون الذين ما كانوا يصلون ولا يصومون إلا رياء وسمعة يذهبون ليسجدون، فيجعل الله ﵎ ظهورهم قطعة واحدة لا مقاطع ولا مفاصل فيها، فلا يتمكنون من السجود لله ﷿، إذ السجود في هذا اليوم شرف عظيم، وبيان وتمييز لأهل الإيمان من أهل النفاق، فإنه لا يتمكن من السجود في ذلك اليوم إلا كل مؤمن ومؤمنة.
كما روى الإمام مسلم هذا الحديث، وكذلك أحمد في كتاب السنة من طريق عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: (يجمع الله الأولين والآخرين -أي: جميع الخلق- لميقات يوم معلوم قيامًا أربعين سنة).
أي: يقفون أربعين سنة في الموقف.
قال: (شاخصة أبصارهم إلى السماء، ينتظرون فصل القضاء).
فانظر إلى هذا الحديث! إنه من أمتع ما يمكن أن تسمعه أذنك، فالله ﷿ يجمع الأولين والآخرين في الموقف لمدة أربعين سنة، وكل واحد منهم يشخص ببصره إلى السماء.
أي: ينظر إلى جهة العلو والفوقية لله ﷿، ينتظرون من الله ﷿ أن يفصل وأن يقضي بين العباد.
قال: (فينزل الله ﷿ في ظلل من الغمام).
ينزل ربنا ﵎ في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي، وهذا يعني أن العرش فوق الكرسي.
قال: (ثم ينادي مناد: أيها الناس! ألم ترضوا من ربكم الذي خلقكم ورزقكم وأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا أن يولي كل إنسان منكم ما كان يتولى ويعبد في الدنيا؟).
أي: ألا ترضون من الله ﷿ أن يلحق كل واحد منكم بمعبوده وإلهه الذي كان يعبده في الدنيا؟ قال: (أليس ذلك عدلًا من ربكم؟ قالوا: بلى.
قال: فلينطلق كل قوم إلى ما كان يعبدون ويتولون في الدنيا.
قال: فينطلقون، ويمثل لهم أشباه ما كانوا يعبدون، فمنهم من ينطلق إلى الشمس، ومنهم من ينطلق إلى القمر وإلى الأوثان والحجارة، وأشباه ما كانوا يعبدون).
أي: أن الله ﵎ يجعل كل معبود في الدنيا عبد من دون الله يمثله على نفس الهيئة والشكل التي كان عليها في الدنيا، حتى يتعرف عليه كل مخلوق كان يعبده، فالذي كان يعبد الشمس يمثل الله ﵎ له الشمس، فيذهب إليها ليعبدها في ذلك، والقمر والأوثان والأصنام والحجارة والمقابر وغير ذلك فإن كل معبود يتبعه عابدوه في هذا اليوم ولا شك.
قال: (ويمثل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى).
أي: ما من نبي إلا وله شيطان، لكن النبي ﷺ تغلب على شيطانه فآمن، ولم يثبت أن شيطان عيسى آمن، والذي كان يعبد عيسى بن مريم ﵇ من دون الله ﷿ يتمثل له شيطان عيسى في صورة عيسى حتى يذهب إليه من كان يعبد عيسى فيعبد هذا الشيطان؛ لأن عيسى لا يرضى بذلك، بل قد تبرأ من عبادة النصارى له ولأمه، والله ﵎ قد أكرمه بأنه لا يعبد أمام عينه في هذا الموقف العصيب الرهيب، لكنه سبحانه مثل الشيطان في صورة عيسى، ولذا لما كان عيسى يعبد في الدنيا من دون الله ﷿ كان من العدل أن يلحق الله ﷿ من كان يعبد عيسى بشيطان عيسى حتى يقيم كل واحد منهم الحجة على نفسه.
قال: (ويمثل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى، ويمثل لمن كان يعبد عزيرًا شيطان عزير، ويبقى محمد ﷺ وأمته، فيتمثل الرب جل وعز فيأتيهم فيقول لهم: ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس؟ فيقولون: إن لنا إلهًا).
أي: نحن لم نكن نعبد أحدًا إلا الله ﷿، (فيقول: وهل تعرفونه إن رأيتموه؟).
ومن المعلوم أننا لا نعرف الله ﷿، ويوم القيامة سيظهر لنا، فكيف نعرفه؟ باختلاف ذاته وصفاته عن ذوات جميع المخلوقات التي رأيناها.
لكن المسيح الدجال يقول: أنا ربكم.
لكنه أعور، وربنا ليس بأعور، وكذلك يأتي من الآيات ما يثبت صحة هذا القول في الظاهر، فيأتي بأشياء لا يمكن أن يفعلها إلا إله قادر، فيحضر رجلًا من أهل المدينة فيشقه نصفين حتى يل
[ ٢٥ / ٩ ]
رواية ابن مسعود في إثبات صفة الساق لله تعالى
وروى ابن خزيمة في كتاب التوحيد حديث ابن مسعود في كشف الساق، وهذا الكتاب من أنفع ما يمكن أن يقرأ في كتب العقيدة، لذا فلابد عليك أن ترتقي عن فتح المجيد وعن العقيدة الطحاوية، فعندما تقرأ في كتب العلم المسندة تشعر بلذة ما بعدها لذة، كأن تمسك بكتاب التوحيد لـ ابن خزيمة وتنهل منه في الوقت الذي لا تعرف الأمة من ابن خزيمة ولا ما هو كتاب التوحيد له، فتعرف أن هذه نعمة من نعم الله ﷿ عليك، وعندما تقرأ كتب السنة كلها، فتقوم بأخذ المجلد الأول والثاني والثالث والرابع إلى المجلد الحادي عشر من كتاب فتاوى ابن تيمية، هذه المجلدات التي ضمن فيها الإمام ابن تيمية عقيدة المسلمين، سواء عقيدة السلف أم عقيدة الفرق الضالة، فعندما تبدأ تقرأ في هذه المجلدات ستقول: هذا كلام بعيد! لا، فليس بعيدًا أبدًا، فإنك إذا شرعت في قراءتها فإنك ستكملها، ثم ممكن أن تبدأ بكتاب التوحيد، وهو مجلدين بعدما حقق.
روى ابن خزيمة في كتابه (التوحيد) من طريق أبي الزعراء قال: ذكروا الدجال عند عبد الله بن مسعود فقال: (تفترقون أيها الناس! عند خروجه ثلاث فرق).
أي: سيفترق المسلمون ثلاث فرق عند ظهور الدجال، وذكر الحديث بطوله ثم قال: (ثم يتمثل الله ﷿ للخلق).
أي: يأتي الخلق في صورة يرتضيها الله ﷿ لنفسه.
قال: (فيلقى اليهود.
فيقول لهم: من تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله لا نشرك به شيئًا).
انظر إلى الكذابين! (فيقول: هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: إذا اعترف لنا عرفناه).
أي: إذا أتانا في صورته التي نعرفه بها عرفناه.
(فعند ذلك يكشف عن ساق، فلا يبقى مؤمن ولا مؤمنة إلا خر لله سجدًا).
وهذا موقوف حسن على عبد الله بن مسعود، وقد تقدم مرفوعًا.
والحاصل: أن إثبات صفة الساق لله تعالى أمر مقطوع به؛ لثبوت النصوص الصريحة الصحيحة في ذلك عن النبي ﷺ وعن جماعة من الصحابة، والله أعلم.
[ ٢٥ / ١٠ ]
خطأ ابن الجوزي في نقله قول الجمهور في صفة الساق لله تعالى
أما ما نقله ابن الجوزي عن جمهور العلماء من أنهم قالوا في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢]، أي: يكشف عن شدة، فقول غير صحيح، ومن قرأ الكتب المصنفة في السنة علم خطأ هذا القول وبطلانه؛ فهذا أحمد بن حنبل، وابن خزيمة، وابن منده، والدارمي، وغيرهم كثير جدًا قد صنفوا في الاعتقاد، وما رأينا في كتب الاعتقاد المصنفة عند أهل السنة والجماعة أنهم أولوا الساق بالشدة، ولم نجد من هؤلاء من يقوله، وهذا القائل إما أنه لا يعرف من هم السلف، وإما أنه أطلق هذا القول جزافًا دون تحقيق، ولو فرضنا صحة ما نقله ابن الجوزي عن الجمهور فإنه لا يدل على صحة قولهم وبطلان ما عداه؛ لأنه ليس دائمًا الحق مع الجمهور، إذ إن كل مسألة من مسائل الدين، سواء في باب الأصول أو الفروع لا نبحث فيها عن رأي الجمهور؛ لأنه ليس ذلك بلازم، والجمهور في أكثر من مسألة قد خالفوا فيها الدليل، لكن الأمة في مجموعها معصومة، بمعنى: أن الحق لا يخفى على مجموعها في زمن ولا في بلد، وإنما الحق لابد أنه يكون ظاهرًا في كل زمان وفي كل مكان، حتى وإن ظهر لواحد من الأمة فقط، مثلًا: عندما نأتي إلى قرية (الطالبية) ونذكر مسألة من المسائل فماذا سنقول؟ هل سنقول: إن هذه المسألة قد خفيت على أهل الطالبية بأسرهم؟ لا؛ لأن هذا يخالف سنة الله ﵎، ولأنك لو قلت: إن الحق قد خفي على مجموعة من الناس في مكان أو في زمان، فلابد وأن تعتقد حينئذ أن حجة الله ﵎ تخفى عن عباده وعن خلقه في أي وقت أو في أي مكان، وهذا بخلاف عقيدة المسلمين، بل الحجة تقوم على المسلمين ولو بواحد، ولا يمكن أن يخفى الحق على مجموع الأمة، لا في زمن ولا في مكان، ولذلك لما وقع هذا الخلاف بين ابن عباس وبين الصحابة ﵃ خالفه ابن مسعود.
بل صح السند لـ ابن مسعود في المخالفة، ولم يصح إثبات التأويل عن ابن عباس كما ذكرنا، فنقول في هذه الحالة: على فرض صحة ما ادعى ابن الجوزي من أن مذهب الجمهور هو التأويل، فهل يلزمنا أن نقبل مذهب الجمهور هنا؟ لا.
لأنه قد يكون لشخص من الأشخاص قول لا نعلم له مخالفًا فيكون إجماعًا، ولو علمنا له مخالف لا أقل من أن نقول: إن هذه المسألة قد اختلف فيها الصحابة، وممكن أن يشتهر قول أحد الأصحاب ولا يشتهر القول الثاني، فيأتي بعد ذلك المقلدة فتجدهم يقلدون القول ويلتزمونه نقلًا من الكتب أو سماعًا من المشايخ دون تحقيق لهذا القول، وسائر القول على هذا النحو، من أجل ذلك أنا أحكي لك عن مسألة قال بها ألف واحد من العلماء، لكن هذا الألف بلا تحقيق لا قيمة له، إنما القيمة في التحقيق، وأقول: التحقيق دائمًا؛ لأنه عندما يكون هناك مسألة هي محل نزاع بين أهل العلم، فإنهم يعرضونها على المشرحة، وهذه المشرحة هي مشرحة الكتاب والسنة، الميزان الأعظم، هذا الميزان الذي لا يمكن أبدًا أن يهتز؛ لأنه الميزان الذي أزن به الأعمال والأقوال، صحيحة أو غير صحيحة، مقبولة أو غير مقبولة، وعليه فمذهب الجمهور على نقل ابن الجوزي -إن صح أن الجمهور قالوا بذلك- مردود ليس عليه دليل، وهم -إن صح ذلك عنهم- نفوا والنافي لا يطالب بالدليل في النقاش العلمي، فالذي ينفي الشيء لا يطالب بالدليل، وبالتالي فالذي يطالب بالدليل هو الذي يثبت؛ لأن معه من العلم والحجة ما ليس عند النافي، وفي هذه الحالة فمسألة الساق اختلف فيها أهل العلم، فجمهورهم ينفيها، وبعضهم يثبتها، فهل تتصور عقلًا أن آتي إلى النافي وأقول له: ما دليلك على نفي الساق؟ سيقول: الأصل عدم إثبات ما نفاه الله عن نفسه، أو لا أثبت لله إلا ما أثبته لنفسه ولم يثبت لنفسه ساقًا.
فسأقول له: إن هذا الفريق الثاني المناهض والمناقض يقول: أن هناك ساقًا، فسيقول: ليأتينا بالدليل، فأقول: الدليل: حديث أبي هريرة، وحديث أبي سعيد، وحديث عبد الله بن مسعود، وغيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
وعليه؛ فإذا كانت الآية مطلقة وعامة فلابد من حملها على الحديث المقيد، وأن هذه الساق التي وردت منكرة غير مضافة إلى الله ﷿ قد وردت في الحديث مضافة وثابتة، وصريحة في إثباتها الساق لله ﷿.
وفي هذه الحالة سأقول له: أنت أيها الجمهور! قد خالفك رجل واحد في الأمة، والدليل معه، فضلًا أن يكون هذا الرجل هو عبد الله بن مسعود، أو هو النبي ﵊؛ لأنه هو الذي أثبت، وإذا كنا نعتقد أنه أعلم الخلق بالله ﷿ فلابد وأننا نقول: بأن حديثه مقدم على مذهب الجمهور.
ثم لو افترضنا مثلًا صحة ما نقله ابن الجوزي عن الجمهور، فلا يدل ذلك على صحة قولهم وبطلان ما عداه، إذ ليس كل قول يذهب إليه الجمهور يكون صوابًا، فإن الحق لا يعرف بالكثرة، وإنما يعرف
[ ٢٥ / ١١ ]
رد ابن تيمية على من يؤول صفة الساق لله تعالى
قال شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله في (نقض أساس التقديس)، وهذا الكتاب من أمتع ما يمكن أن يقرأ، وأقول لك: إن كثيرًا من الإخوة يعتقدون أنه ليس هناك كتب عقيدة في الإسلام إلا العقيدة الطحاوية، وفتح المجيد، والواسطية فقط، وهذا غلط، بل إن هناك كتبًا كثيرة في الاعتقاد، ثم إن العلماء قد صنفوا هذه الكتب من أجلنا نحن فقط، من أجل ذلك فنحن لا نعرف غيرها! ولذا فهم عندما رأوا أننا لا نستطيع أن نفهم أي كلمة من كلام السلف، قالوا: نصنف لهؤلاء الجيل علم على قدر همتهم وفهمهم، حتى يلقوا الله ﷿ باعتقاد سليم.
إذًا: فنحن لا نتوقف عند هذه الكتب فقط، إذ إنها قد صنفت للمبتدئين في العلم، وأنتم أصبحتم في مستوى كبير، فلابد أن تكبروا عن ذلك قليلًا، فهناك أكثر من ألف مصنف مسند وغير مسند في توحيد الله ﷿، وحاولوا أن تنتهوا من العقيدة الطحاوية من أجل أن تأخذوا مرحلة أعلى قليلًا.
وعلى كل قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في نقض أساس التقديس: إن هؤلاء يتأولون كشفه عن الساق بأنه إظهار الشدة -انظر هذا الكلام الجميل- وفي نفس هذه الأحاديث أنه إذا أتاهم في الصورة التي يعرفونه، فيكشف لهم عن ساقه فيسجدون له، فإذا تأولوا مجيئه في الصورة التي يعرفون على إظهار رحمته وكرامته، كان هذا من التحريف والتناقض في تفسير الكتاب والسنة.
فهو يريد أن يقول: في قول الله ﷿: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢]، أن المتأولة يقولون: إن الله ﵎ لا يأتي ولا يجيء ولا يذهب ولا يرضى ولا يسخط ولا يفرح ولا، ينفون كل هذه عن الله ﷿، فيقولون في تفسير قوله تعالى: «وَجَاءَ رَبُّكَ»، أي: وجاء أمر ربك، أو رحمة ربك، أو رضا ربك، والمهم أن الرب ﵎ عندهم لا يأتي، وعليه فإذا كنتم تفسرون مجيء وإتيان الله ﷿ بإتيان الرحمة، وأنتم الذين تقولون: لو ظهر لنا بما نعرفه لعرفناه، لكن هو سيعرف لكم بالساق مثلما أبنتم ذلك، فإذا كانت الساق هي الشدة فهل تسجدون لها؟
الجواب
لا.
فإذا قلتم: إن الإتيان والمجيء لله ﷿ هو إتيان الرحمة، فلا يتصور أنك إذا رأيت رحمة ربك سجدت في هذا الموقف.
واعلم أن هناك أصلًا مهمًا جدًا لابد وأن تعض عليه بالنواجذ خاصة فيما يتعلق بصفات المولى ﷿، وهو: (حمل الألفاظ على ظاهرها دون تحريف، أو تأويل، أو تمثيل، أو تكييف، أو تشبيه)؛ لأن الأصل في الألفاظ أن تحمل على الحقيقة حتى يرد ما يخرجها عن ذلك.
يعني: إذا كانت الآية تقول: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢].
إذًا هي ساق، حتى لو لم نكن متصورين صفة الساق، ولا نصرف هذه الساق عن ظاهرها كما يفعل المبتدعة؛ لأنه لابد أن يكون معك صارف لها أو قرينة على الصرف؛ ولأن الأصل في الألفاظ أنها تحمل على الحقيقة لا على المجاز، سواء المجاز الشرعي أو المجاز اللغوي أو المجاز العقلي.
فقوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢]، أثبتت الآية أن هناك ساقًا، ولا أستطيع أن أقول: بأنها الشدة؛ لأنه لابد من صارف أو قرينة صارفة، واللغة ليست صارفة إلا بشرط: استحالة حمل اللفظ على ظاهره، واللفظ الذي معي أحمله على معناه الاصطلاحي الشرعي، فإن كان محالًا أحمله على الحقيقة اللغوية، وإن كانت الحقيقة اللغوية محالة فأحمله على الحقيقة العرفية، وهذا ترتيب أهل العلم في صرف النص عن ظاهره.
لكن في هذه الحالة عندما يثبت ربنا سبحانه لنفسه الساق، فإننا نحمل هذا اللفظ على حقيقته الشرعية، ولا يمكن أن نتعدى ذلك إلى غيره لأنها خطوات وضعها أهل العلم وأمرونا باتباعها، ولو تخطينا الحقيقة الشرعية في صفة الساق فلابد وأن نتخطاها في جميع الصفات الذاتية لله ﷿.
وبهذه المناسبة أذكركم بقاعدة قد مرت وهي: (أن الكلام في صفة واحدة كالكلام في جميع الصفات)، فإذا تخطينا الحقيقة الشرعية في الساق فيلزمنا أن نتخطاها في جميع الصفات.
إذًا: مذهب السلف هو إثبات الألفاظ على حقيقتها وعدم صرفها عن ظاهرها إلا بنص أو قرينة.
وعندما أريد صرف الساق عن ظاهرها، فهل أبحث لها عن صارف؟ لو قلت: نعم.
فلن أجد لها صارف في اللغة، وبعد أن أصرفها عن ظاهرها إلى معناها اللغوي سأجد الحديث قد صرح بأن الساق ساق لله ﷿، إلا إذا كنت سأصرف لفظ الله أو الرب عن ظاهره فأقول: الله هذا، أو الرب هذا مخلوق من المخلوقات! ألا يمكن أن يقول أحد بذلك؛ لأن الحديث: (يوم يكشف الله ﷿ عن ساقه)، فهل أستطيع أن أتصرف في هذا اللفظ؟ بمعنى أن أقول: ليس المقصود هنا بالله ﷿: (الإله المعبود).
إن من يقول بذلك سيكون مجنونًا بلا شك، ولو قلت: إن الله ﷿ ليس المقصود به: الإله المعبود! سأنظر وأجد الحديث الثاني يقول: (يوم يكشف ربنا عن ساقه).
فلا يجتمع في مخلوق قط لفظ الرب مع لفظ الله، ممكن أن يكون رب البيت، رب الدار، رب الغنم، رب البقر، لكن الرب -بالتعريف-
[ ٢٥ / ١٢ ]
خطأ الإمام النووي في تأويله لصفة الساق لله تعالى
قال الإمام النووي في تفسير حديث أبي سعيد الخدري في صحيح مسلم في قوله: (فيكشف عن ساق)؛ قال: فسره ابن عباس وجمهور أهل اللغة بالشدة.
وانتبه أنه قال: جمهور أهل اللغة، وابن الجوزي قال: جمهور العلماء.
أي: علماء الشرع.
لذا فأنت عندما تسمع مذهب الجمهور فالمقصود به: جمهور الفقهاء، لا جمهور اللغويين، فانظر إلى ابن الجوزي كيف عمى علينا وقال وجمهور العلماء؟! والصحيح أنهم جمهور اللغويين الذين قالوا: بأن الساق هي الشدة، ولو قالوا بذلك فلا يعول على كلامهم؛ لأن الساق تعني الشدة في أحد وجوه اللغة، لكن لا يستلزم هذا إنزال هذا المعنى اللغوي على هذا النص؛ لأن هذا يعتبر تلبيسًا.
والإمام النووي قد نقل كلامًا عظيمًا جدًا عن كثير من أهل العلم القائلين بأن الساق تعني الشدة، وهذا على عادة الإمام النووي، فإذا كان مضطربًا في مسألة ما فإنه ينقل أقوال أهل العلم دون أن يرجح، وفي ترجمة الإمام النووي التي ذكرناها من قبل: أنه لم يتمكن من دراسة علم العقيدة، مع أن علم العقيدة متعلق بذات الله ﵎، فأنت الآن عندما تدرس كل العلوم الشرعية ولست متمكنًا من العقيدة فسيخرج لك صبي في الكتاب يعدل عليك، لكن في الفقه عندما تخطئ أو تتبنى مذهبًا شاذًا لا يكون لذلك تأثير، أو غير ذلك.
يعني: نحن مثلًا: عندما نعيب على ابن حزم، أو نعيب على أحد من أهل العلم مذهبًا قد ذهب إليه في مسائل الفروع في الفقه، فلا يكون لذلك تأثير، لكن عندما نقول: فلان هذا جهمي، رغم أنه فقيه، فلان هذا معطل، رغم أنه محدث، فلان هذا قدري، رغم أنه كذا كذا، فلان هذا شيعي، رغم أنه كذا وكذا، فسيكون ذلك أمرًا شنيعًا جدًا؛ لأن الخطأ في العقيدة ليس كأي خطأ قط، ولذلك ينبغي أن تتنبه إلى أن دراسة علم الاعتقاد والتمكن منه على مذهب السلف ومعرفة أصولهم التي أصلوها وساروا عليها، أهم شيء في حياة العبد المسلم.
ولذلك يقول أهل العلم: وهذا من العلم الذي لا يسع المسلم جهله، إذ إن من العلوم ما يمكن أن يسعك جهله، ومنها ما لا يمكن أن يسعك جهله، وعلى رأس ذلك: علم الاعتقاد والتوحيد فلا يسعك جهله.
وعلم العقيدة لا يتوقف على أنك تذهب لتتزوج فيأتون لك بالبنت من أجل أن تراها، وتقول لها: أين الله؟ فتقول لك: في السماء.
فتقول: يكفي.
هذه البنت سلفية (١٠٠%).
هذه خيبة! إذ إنه لم يثبت أن واحدًا من السلف تقدم لخطبة امرأة واختبرها، بل كان يتلصص إلى أن يرى جزءًا من بدنها، فينظر ما يعجبه ويسره فيتقدم لها، لذا فلا يصح أن يتقدم شخص لفتاة فيخرج هذه الورقة من جيبه ويسأل هذه الأسئلة.
ورحم الله الشوكاني فإنه قال في تفسير سورة القلم: وقد أغنانا الله ﷾ في تفسير هذه الآية: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢] بما صح عن النبي ﷺ، وذلك لا يستلزم تجسيمًا ولا تشبيهًا، فليس كمثله شيء.
فانظر إلى هذا الكلام الجميل، فالحديث يبين الآية، وقد بين أن المقصود من الساق في الآية هي ساق الله ﷿، فنثبتها من غير تجسيم ولا تمثيل مثل بقية الصفات، ولا يصح أن نخصها بكلام بمفردها، فهي مثل العين واليد، والقدم والأصابع والكف والأنامل وغيرها، فنقول فيها كما نقول في بقية الصفات.
[ ٢٥ / ١٣ ]
إثبات الصحابة جميعًا لآيات وأحاديث الصفات من غير تحريف ولا تأويل
أخذ المتأوله ما نقل عن ابن عباس من تأويل لهذه الآية فطاروا به كل مطار، وإذا كانوا يريدون أن يأخذوا بكلمة ابن عباس هنا، فيلزمهم أن يأخذوا بكلام ابن عباس في كل الصفات، وهذا هو منهج ابن عباس، بل إن أقصى ما يمكن أن يدافع به عن ابن عباس: أن ابن عباس لم يكن عنده علم بالحديث، فحمل الساق على المحمل اللغوي، ولو كان عنده علم بالحديث ما قال هذا قط.
والحق أن تفسير ابن عباس للساق الذي ورد في الآية الكريمة ليس من تأويل الأشاعرة؛ لأنه ليس منهج ابن عباس، بل هو رأي رآه، وهذا على فرض ثبوت هذا التأويل عنه، وهو غير ثابت.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما الذي أقوله الآن وأكتبه، وإن كنت لم أكتبه في ما تقدم من أجوبتي، وإنما أقوله في كثير من المجالس -هذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية - أن جميع ما في القرآن من آيات الصفات ليس عن الصحابة اختلاف في تأويلها، وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة وما رووه من الحديث، ووقفت من ذلك على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار أكثر من مائة تفسير فلم أجد إلى ساعتي هذه عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئًا من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف، بل عنهم من تقرير ذلك وتثبيته وبيان أن ذلك من صفات الله ما يخالف كلام المتأولين ما لا يحصيه إلا الله، وكذلك فيما يذكرونه آثرين وذاكرين عنهم شيء كثير.
وتمام هذا أني لم أجدهم تنازعوا إلا في مثل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢]-أي: يريد أن يقول: إن هذا ليس كلام الصحابة، بل لم يختلفوا إلا في تفسير هذه الصفة- فروي عن ابن عباس -صيغة التمريض- وطائفة أن المراد به الشدة، أن الله يكشف عن الشدة في الآخرة.
وعن أبي سعيد وطائفة: عدوها في الصفات؛ للحديث الذي رواه أبو سعيد في الصحيحين.
اهـ.
وقال ابن القيم: و(الصحابة متنازعون في تفسير الآية، هل المراد الكشف عن الشدة، أو المراد بها أن الرب يكشف عن ساقه؟ ولا يحفظ عن الصحابة والتابعين نزاع فيما يذكر أنه من الصفات أم لا في غير هذا الموضع) اهـ.
لكن هنا جملة أمور وحقائق لا يجوز لأحد أن يتعداها، أو أن يغض نظره عنها، وهي أن الخلاف وقع بين الصحابة إلا أنه في هذه الصفة فقط؛ لأن التأويل ليس مذهبهم بتأويل الساق بالشدة.
وابن القيم يريد أن ينصحنا بنصائح، وكأنه يقول: رغم وقوع النزاع في هذه الصفة إلا أن هناك عدة نصائح أريد أن أنصحكم بها، وهي: أن تفسير بعض التابعين أو ابن عباس من الصحابة -على فرض صحته عنهم- لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢] بالشدة في الآخرة ليس من التأويل الذي فيه صرف للآية عن ظاهرها.
أي: أنه ليس تأويل الأشاعرة، ولا فيه تعطيل لصفة من صفات الله جل وعلا، بل إنهم يثبتون هذه الصفة بالأحاديث الأخرى الصحيحة، فشتان بين قولهم وبين تعطيل وتأويل الأشاعرة.
كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ولا ريب أن ظاهر القرآن لا يدل على أن هذه من الصفات.
أي: أنه يريد أن يقول: إن الآية ليست صريحة في إثبات أن أن الساق صفة لله ﷿، وإنما أتى التصريح في الحديث.
ثم قال: ولا ريب -أي: ولا شك- أن ظاهر القرآن لا يدل على أن هذه من الصفات، فإنه قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢] نكرة في الإثبات لم يضفها إلى الله، ولم يقل (عن ساقه)، فمع عدم التعريف بالإضافة لا يظهر أنها من الصفات إلا بدليل آخر، ومثل هذا ليس بتأويل، إذ إن التأويل صرف الآية عن مدلولها ومفهومها ومعناها المعروف، لكن كثيرًا من هؤلاء يجعلون اللفظ على ما ليس مدلولًا له، كاليد على القدرة والنعمة، والعين على الإحاطة والرعاية، ثم يريدون صرفه عنه ويجعلون هذا تأويلًا، وهذا خطأ من وجهين.
وقد سبقه أبو يعلى الفراء فحمل تأويل ابن عباس على قول أهل اللغة، وليس على التأويل الفاسد الذي هو مذهب الأشاعرة.
وأما ما روي عن ابن عباس في تأويل الساق فقد خالفه ابن مسعود، ولا أقل من أن يقال: إن الصحابة اختلفوا في هذه، وليس قول أحدهم بحجة على قول الآخر إلا بدليل أو بنص، والنص مع ابن مسعود لا مع ابن عباس ﵁ الله عنهما، وعليه فلا إشكال إذًا.
وأظن بذلك الكفاية والغنية، وقد اتضح أن لله ﵎ ساقًا ليست كساق المخلوق، وأنها ساق حقيقية لله ﷿ يتعرف بها إلى خلقه في الموقف، وأن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قد أخطأ في صرف هذه الصفة إلى المعنى اللغوي، وهذا إن صح عنه ذلك، وإن لم يصح فقد أغنانا ضعف الإسناد إليه عن نسبة التأويل له رضي
[ ٢٥ / ١٤ ]