الإمام سفيان الثوري ﵀ أحد الأئمة الذين حفظ الله ﷿ بهم الدين، لما نشروا من السنن وشيدوا، وهدموا من البدع وأبادوا، فقوله في القرآن بأنه كلام الله، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأنه قول وعمل، وتقديم أبي بكر وعمر في الخلافة والفضل، وألا يقطع لأحد بالجنة إلا بنص، وأن الله تعالى خالق كل شيء من خير وشر، والصلاة خلف أمراء الجور ما لم يكفروا كل ذلك هو قول أهل السنة والجماعة قاطبة، وعليه إجماعهم من قبل سفيان الثوري ومن بعده.
[ ١٠ / ١ ]
عقيدة سفيان الثوري في القرآن
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
مواصلة لما بدأناه من شرح كتاب أصول الاعتقاد للإمام اللالكائي ﵀، نقول: إن الباب الذي وقفنا عليه باب في غاية الأهمية، وإن كان الكتاب كله في غاية الأهمية، لكن هذا الباب قد ذكر فيه الإمام جملًا من عقائد بعض أئمة أهل السنة، فلا أقول: إن ما ورد في عقيدة كل إمام هو مسند اعتقاد أهل السنة، وإنما مجموع ما ورد من اعتقاد في تراجم جميع الأئمة يمثل العقيدة الإسلامية لأهل السنة والجماعة، فقد ذكر الإمام هنا عقيدة الثوري، وفيها: أن شعيب بن حرب التقى بـ سفيان الثوري فقال له: [(حدثني بحديث من السنة ينفعني الله به، فإذا وقفت بين يدي الله ﵎ وسألني عنه، فقال لي: من أين أخذت هذا؟ قلت: يا رب! حدثني بهذا الحديث سفيان بن سعيد الثوري وأخذته عنه، فأنجو أنا وتؤاخذ أنت)].
يعني: يحاسبك الله تعالى عليها.
[فقال] أي: سفيان الثوري وهو إمام أهل الكوفة، وكان معروفًا بأمير المؤمنين في الحديث، وهو ناصر السنة وقامع البدعة في منطقة الكوفة وما حولها، وكان صاحب مدرسة الأثر، وكان الإمام أبو حنيفة على رأس مدرسة الرأي، رحم الله الجميع.
فـ سفيان كان معروفًا بالأثر، وكان معروفًا بالتمسك بالسنة في كل كبيرة وصغيرة، فلما سأله شعيب بن حرب قال له: [(يا شعيب!) هذا توكيد وأي توكيد! اكتب] أي: اكتب ما سأمليه عليك، فإنه اعتقاد أهل السنة، ونحن الآن لو قلنا لطالب من طلاب العلم الموجودين: قم فأمل علينا عقيدتك، فنحن نريد أن نتعلم العقيدة الصحيحة قم وأخبرنا بعقيدتك التي أخذتها عن أهل السنة والجماعة، فربما يتكلم المرء بمسألة أو مسألتين ثم يتوقف؛ لأنه لم يخطر على باله أن يأخذ عقيدته مسألة مسألة، أما حينما يسأل إمام من أئمة الهدى عن هذه العقيدة فيختلف الأمر.
[ ١٠ / ٢ ]
سبب ابتداء الثوري عقيدته بمسألة القرآن
قال: [(بسم الله الرحمن الرحيم.
القرآن كلام الله غير مخلوق].
لماذا بدأ سفيان بهذه القضية؟ أولًا: لأنها قضية تتعلق بذات الرب ﵎، وأعظم العلم هو علم الاعتقاد خاصة اعتقادك في الله ﷿؛ لأن أعظم ما يمكن أن يتعلمه المرء، وأوجب الواجبات التي أوجبها الله ﵎ على المرء: أن يحسن اعتقاده في الله ﷿، ولذلك يقول أهل العلم: إن أعظم العلوم وأشرفها علم العقيدة؛ لتعلقها بذات الإله، وثاني العلوم علوم القرآن؛ لتعلقه بصفة من صفات الله ﷿، ثم علم السنة لتعلقه بكلام النبي ﵊.
إذًا: أول ما يجب عليك أن تطلبه هو العقيدة الصحيحة التي كان عليها سلف هذه الأمة وعلماؤها.
لذا قال: [اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم القرآن كلام غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، من قال بغير هذا فهو كفر].
هذا أولًا.
ثانيًا: أن هذه الفتنة -أي: فتنة القول بخلق القرآن من عدمه- نشأت في أرض الفتن العراق، وكل عالم ينزل فيها لابد وأن يبتلى وأن يختبر بها، وأنتم تعلمون أن أهل العراق هم في الغالب أهل فتن، والنفاق إليهم أسرع من غيرهم، وقلة احترامهم لأهل العلم مشهورة عنهم، ولا أدل على ذلك من أنهم شايعوا عليًا والحسن والحسين، وكانوا أول الناس نكثًا للعهد معهم، فهم أهل غدر ونفاق إلا من رحم الله ﷿.
ولذلك لما رأى سفيان الثوري أن هذه المسألة في غاية الأهمية لتعلقها بذات الإله، وهي من جهة ثانية هي التي تدور على ألسنة العامة والخاصة في بلاده، أراد أن يعالجها ابتداءً.
وكلام الله ﵎ صفة من صفاته، والله ﵎ يتصف بصفات الذات وصفات الفعل، والكلام من صفات الفعل، فالله ﵎ يتكلم بما شاء بأي كلام يريده متى شاء، ويسكت عنه متى شاء؛ لأنه من صفات فعله؛ فإن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، والله ﵎ متكلم منذ الأزل وإلى الأبد، لا ابتداء لكلامه ولا نهاية له، كما أن الله ﵎ هو الأول وهو الآخر، فكذلك كلامه يحمل هذه الصفتين؛ فإنه لا أولية له ولا يفنى هذا الكلام، فإن الله ﵎ متكلم دائمًا وأبدًا وأزلًا، فلم يكن ساكتًا ثم تكلم، وإذا تكلم لا يفنى كلامه ولا يبيد ﷾، ولذلك قال: (غير مخلوق) هذه الصفة بل وجميع الصفات غير مخلوقة.
[ ١٠ / ٣ ]
خطورة القول بخلق القرآن
ما هي خطورة القول بخلق صفة من صفات المولى ﷿؟ ولم نشأت الفتنة في ذلك؟ الأمر الأول: خطورة هذا الكلام أنه يلزمك أن تقول: إن كل مخلوق حادث.
يعني: لم يكن ثم كان، فهل الله ﵎ لم يكن متكلمًا ثم تكلم؟ هذه صفة عجز وصفة نقص.
أن يقال: إن الله ﷿ لم يكن يتكلم، وبعد ذلك تكلم، فمن الذي علمه الكلام؟! أليست هذه صفة نقص؟ بلى.
إذًا: الصواب: أن هذه الصفة -وهي صفة الكلام- لازمة لله ﷿ لم يخلقها أحد.
ولازمة بمعنى: أنها ملازمة لله ﷿ لا تنفك عنه، لا أول لها ولا نهاية.
فإذا قلت: إنه مخلوق، إذًا: أثبت أولًا أن الله ﵎ كان عاجزًا ثم صار قادرًا على الكلام، والعجز صفة نقص لا تجوز على الله ﷿، بل صفات العجز لازمة للمخلوق وليس للخالق، هذا أمر.
الأمر الثاني: لو أني قلت: إن كلام الله مخلوق لابد وأن يفنى؛ لأن كل مخلوق حادث، وكل حادث إلى زوال، كما قال الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ﴾ [القصص:٨٨].
فهنا نقول: إن القول بخلق القرآن يستلزم القول بفناء هذا القرآن، وبانتهاء هذا القرآن، ولا قائل بذلك من أهل السنة.
إذًا: الذي يقول: إن القرآن كلام الله مخلوق، لابد وأنه مبتدع في أسماء الله وفي صفاته ما لم يكن عليه سلف هذه الأمة، كـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وغيرهم من الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين ﵃ أجمعين.
[ ١٠ / ٤ ]
سبب زيادة (غير مخلوق) في وصف كلام الله
لم يقل أحد من السلف (إن القرآن كلام الله مخلوق).
بل ولم يقولوا: (غير مخلوق)؛ لأن السلف لما وقفوا عند ألفاظ معينة ومصطلحات محددة ما تجرأ من أتى بعدهم على أن يخترع لفظة لم يقل بها السلف خاصة في باب العقيدة، فما الداعي لقول مخلوق أو غير مخلوق؟ ولكن لما أتى من قال بخلق القرآن، قام أحمد بن حنبل ومن معه من أهل السنة وردوا عليهم فزادوا: غير مخلوق، وإلا فالأصل أن يقولوا: القرآن كلام الله، وهذه عقيدة السلف، لم يقل أبو بكر ولا عمر ولا غيرهم (غير مخلوق)، ولكن اضطر أحمد بن حنبل أن يرد على من قال: بأنه مخلوق أن يقول له: لا، هو غير مخلوق، ولذلك ينهى أهل العلم جميعًا عن تعلم الفلسفة والمنطق، ولكن لما ازدهر ذلك وانتشر بترجمة كتب اليونانيين في زمن الدولة العباسية قام الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله يرد عليهم، وهو ينهى الأمة عن تعلم الفلسفة والمنطق؛ فهو الذي قال: من تفلسف فقد تمنطق، ومن تمنطق فقد تزندق.
ومع هذا نجد أن شيخ الإسلام ابن تيمية إمامًا في الفلسفة والمنطق، بل هو الذي رفع عن الأمة حد الواجب الكفائي في الرد على الفلاسفة والمنطقيين؛ لأن ابن تيمية عليه رحمة الله إمام علم متبحر في علوم السنة والهدي فلا خوف عليه ولا لوم عليه أن يسد الثغرة التي ربما يؤتى الإسلام من خلالها في تعلم الفلسفة في ذلك الزمان، مخافة أن يتكلم الفلاسفة مع عامة المسلمين فيضلونهم عن دينهم، فأيد الله ﷿ دينه بهذا الإمام العلم المبجل، فرد عليهم تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين؛ فسد هذه الثغرة على أهل الإسلام جميعًا؛ على علمائهم وعامتهم، ونصح لله ﷿ أيما نصيحة.
ولذلك أهل السنة لما كانت تظهر مسألة من المسائل التي يخشى على العامة منها كانوا يتعرضون لها بأي سبيل مشروع؛ حتى يحققوا الواجب الكفائي لنصح هذه الأمة في كل زمان ومكان.
[ ١٠ / ٥ ]
حكم من اعتقد خلق القرآن
قال: [اكتب: القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، ومن قال بغير هذا فهو كفر].
ولم يقل: (فهو كافر).
وهذه جزئية مهمة جدًا في الاعتقاد، فالقائل يكفر إن كان عالمًا بما يقول مصرًا على قوله واعتقاده، ولكن في الغالب أن المرء ربما تكلم بكلام هو كفر، ولكنه لا يدري أنه كفر.
فنقول: إن قول الكفر لا يكفر به صاحبه إلا بعد قيام الحجة الرسالية عليه، تحضره أمامك وتقرره: أنت قلت: إن القرآن كلام الله مخلوق؟ أتعلم خطورة هذا القول؟ فيقول لك: والله لا أعرف.
فتقول: لا.
هذا القول خطورته كيت وكيت وكيت، وهو في الجملة مخالف لاعتقاد أهل السنة والجماعة؛ لأنهم يعتقدون غير ما تعتقد، والأدلة من كتاب الله كيت، ومن سنة الرسول كيت، ومن أقوال أهل العلم كيت.
والإمام والعالم والسلطان هو الذي يقيم الحجة على من خرج على النهج القويم، فإن أصر صاحب القول المخترع المبتدع على قوله حبس ثلاثًا يستتاب وإلا أقيم عليه الحد الشرعي.
[ ١٠ / ٦ ]
عقيدة الثوري في الإيمان
قال أي سفيان: [والإيمان قول وعمل ونية].
الذي يدخل الإسلام لابد أن ينطق بالشهادتين: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله)، فمن شهد بالشهادتين ونطق بهما، ولكن قلبه مبغض لهاتين الشهادتين غير محب لهما وغير معتقد لصحة هذه الشهادة فيأخذ حكم المسلم في الدنيا، له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين، ولكنه عند الله منافق؛ لأن هذه الكلمة التي نطق بها لم تستقر في قلبه، بل الذي استقر في قلبه هو بغض هذه الشهادة، وبغض الرسالة وعدم اعتقادها.
ولذلك نقول: إن الإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان ومنها القلب؛ لأن القلب له أعمال فحبه وبغضه وصدقه وإخلاصه وإيمانه هي أعمال القلب، فعندما نقول: الإيمان قول وعمل.
أي: عمل الجوارح والأركان، وكذلك عمل القلب؛ لأن القلب له عمل، ومن أعظم أعمال القلب: أن يُعقد على حب الله ورسوله، وعلى اتباع كتاب الله واتباع سنة رسوله ﷺ.
كما أنك إذا نطقت بهذه الكلمة فلابد أن تنوي بها أن تؤدي ما ألزمك الله ﵎ من خلالها، فلا يصح أن ينطق شخص بالشهادتين ثم هو تارك للصلاة وللصيام وللزكاة وللحج مع القدرة وغير ذلك من فرائض وأركان ومستحبات الإسلام.
فالإيمان قول وعمل ونية، يزيد وينقص؛ لأنه لا يستوي الذي يصلي ويصوم ويزكي ويحج ويقوم على طاعة الله في كل كبيرة وصغيرة، لا يستوي مع من فرط في ذلك كله، فلا شك أن من أتى طاعة الله، وائتمر بأوامره، وانتهى بنواهيه، لا شك أن هذا أعلى إيمانًا من الذي فرط في ذلك أو في شيء منه.
قال: [والإيمان قول وعمل ونية يزيد وينقص؛ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ولا يجوز القول إلا بالعمل، ولا يجوز القول والعمل إلا بالنية، ولا يجوز القول والعمل والنية إلا بموافقة السنة].
فانظر إلى هذا النصح، وهذا النصح ليس لـ شعيب بن حرب فقط، وإنما هو للأمة بأسرها.
الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص؛ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ولا ينفع قول إلا بعمل، ولا قول وعمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بمتابعة النبي ﵊، واعتقاد ما كان يعتقده ﵊، هو وأصحابه الكرام والأئمة المتبوعين.
[ ١٠ / ٧ ]
عقيدة الثوري في أبي بكر وعمر
[قال شعيب: فقلت له: يا أبا عبد الله! وما موافقة السنة؟].
شعيب بن حرب مع أنه إمام علم من أئمة السنة إلا أنه أراد أن يستوثق ما معنى: (إلا بمتابعة السنة) أو (موافقة السنة).
فقال سفيان: [تقدمة الشيخين أبي بكر وعمر ﵄].
هل هذا موافقة السنة فقط؟ لا.
ليست هذه فحسب، لكن سفيان الثوري أراد أن يعالج قضية مطروحة على الساحة خالفت فيها الأمة ما كان عليه سلفها، فاختار قضية واقعية تحتاج إلى إظهار عقيدة أهل السنة في مثلها، فـ شعيب قال له: ما معنى موافقة السنة؟ قال له: أن تقدم أبا بكر وعمر على غيرهما من الأمة.
لماذا؟ لأننا هنا في الكوفة، والكوفة تقدم عليًا على أبي بكر وعمر، فإن وافقتهم يا شعيب فأنت على غير السنة، وإن خالفتهم فأنت سني.
نحن الآن عندما ندرس عقيدة أهل السنة والجماعة نذكر القضايا التي يموج بها المجتمع موجًا، وخالف فيها المجتمع اعتقاد سلفهم، ولذلك نحن سيمر بنا الآن قضايا فقهية ليست عقدية، مثل المسح على الخفين أهي من مسائل الفقه أو من مسائل الاعتقاد؟ من مسائل الفقه، ومع هذا نرى أن سلف الأمة الذين صنفوا في مسائل الاعتقاد ذكروا المسح على الخفين في كتب الاعتقاد؛ لأن الشيعة قالوا بغير ذلك، ولم يجيزوا المسح، حتى صار عدم جواز المسح على الخفين من أصل عقيدة الشيعة، أما نحن فاعتقادنا في المسح على الخفين الجواز، خالفت في ذلك فرقة من فرق المسلمين، فصارت من هذه الحيثية في ضمن ما يذكر من عقيدة أهل السنة.
ما معنى تقدمة الشيخين أبي بكر وعمر على غيرهما؟ يعني: أنا المطلوب مني أن أقدم أبا بكر ثم عمر على الأمة بأسرها في الفضل والخلافة؛ لأن النبي ﵊ نص على أن أبا بكر هو الخليفة من بعده، وهو أفضل الأمة، ولو وزن إيمان الأمة بإيمان أبي بكر لرجح إيمان أبي بكر، والأمة التي ستوزن أعمالها ويوزن إيمانها الذي يغلب عليها إيمان أبي بكر فيها عمر، وعمر نفسه عجز عن أن يناهض أبا بكر في عمل الطاعة، فكلما أراد أن يسبقه كان السبق لـ أبي بكر الصديق ﵁ حتى اعترف بذلك عمر رضي الله ﵎ عنهم أجمعين.
فهنا نقول: إن أبا بكر مقدم في الفضل والخلافة على الأمة بأسرها بما فيها عمر، وعمر مقدم في الفضل والخلافة على الأمة بأسرها بما فيها عثمان وعلي.
ووقع خلاف بين أهل السنة أنفسهم في الفضل -لا في الخلافة- بين عثمان وبين علي.
فمنهم من قال: عثمان أفضل من علي.
وهؤلاء هم جمهور أهل السنة.
ومنهم من قال: بل علي أفضل من عثمان، بما فيهم سفيان بن سعيد الثوري الذي نحن بصدد سرد عقيدته.
قال: إن عليًا أفضل من عثمان، وقيل إنه رجع عن هذا الاعتقاد إلى اعتقاد جمهور أهل السنة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: اختلاف أهل العلم في المفاضلة -أي: التفاضل بين علي وعثمان - مسألة قال بها بعض السلف، ولذلك لا يبدع فيها المخالف.
يعني: لا يصير مبتدعًا من قال: إن عليًا أفضل من عثمان، ولكن يبدع من قال: إن عليًا أولى بالخلافة من عثمان، كما قالت الشيعة: إن أبا بكر وعمر وعثمان اغتصبوا الخلافة من علي بن أبي طالب.
وهذا يخالف اعتقاد أهل السنة قاطبة؛ لأن هذا كلام في الخلافة، أما الأفضلية فهي مسألة لا يبدع فيها المخالف، ولكن الذي يرجح من اعتقاد أهل السنة وهو كلام جمهورهم: أن عثمان أفضل من علي بن أبي طالب، وهم في الخلافة على نفس الترتيب في الأفضلية.
إذًا: الترتيب في الخلافة والأفضلية: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي.
ولذلك انظر إلى سفيان الثوري عندما قال له شعيب: ما معنى متابعة السنة؟ قال: تقدمة أبي بكر وعمر.
وسكت؛ لأنه قائل بأفضلية علي على عثمان، فلم يرد الثوري أن يذكر هذه المسألة؛ لأنه يعلم أن الخلاف فيها لا يبدع به قائله، وذكر القول المجمع عليه وهو تقدمة أبي بكر وعم
[ ١٠ / ٨ ]
عقيدة الثوري في القطع بالشهادة لأحد بأنه من أهل الجنة أو النار
قال: [(يا شعيب بن حرب! لا ينفعك ما كتبت لك حتى لا تشهد لأحد بجنة ولا نار إلا للعشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ، وكلهم من قريش)].
ومنهم الخلفاء الأربعة، وهذا شيء من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: أنهم لا يقطعون لأحد بجنة ولا نار، ولا يقطعون لأحد بأن الله سيرحمه، كما لا يقطعون لأحد بأن الله سيعذبه في النار وإن كان عاصيًا، ولا يقطعون بالجنة لأحد حتى وإن كان طائعًا؛ لأن الأعمال بالخواتيم، والله ﵎ قد علم أهل الجنة وعلم أهل النار، ثم لم يطلع أحدًا من خلقه على قسم أهل النار، وعلى قسم أهل الجنة.
أما القطع لأحد من الأمة من غير أن يقطع له رسول الله بأنه من أهل الجنة، فهذا تألٍ وافتراء على الله ﷿، ولذلك قال رجل في مجلس النبي ﵊: (والله إن الله سيغفر لفلان ويعذب فلانًا، فغضب النبي ﵊ أيما غضب، وقال: من ذا الذي يتألى على الله؟).
لماذا تفترون على الله؟ أتعرفون أهل الجنة من أهل النار؟ (أشهدكم أن الله ﵎ غفر لفلان وآخذ فلانًا -أو وعذب فلانًا- الذي قال: إن الله غفر لفلان وعذب فلان).
فأنت إذا شهدت لأحد بأنه شهيد، فقلت: فلان الشهيد.
هذا قطع بالشهادة لواحد أنت لا تدري أهو شهيد حقًا أو لا؟ أنت عند أن تقول: محمد شهيد، إبراهيم شهيد، زيد شهيد، هذا قطع له بأنه من أهل الجنة؛ لأن الشهداء يقينًا في الجنة، وأنت تضمن له الجنة بطريق إثبات الشهادة، وهذا تأل على الله ﷿، ولكنك تقول: أرجو أن يكون فلانًا عند الله شهيدًا.
لذلك من اعتقاد أهل السنة: أنهم يرجون للطائع المغفرة والجنة، ويخافون على العاصي، ويتمنون ألا يؤاخذه الله، وأن يمنَّ عليه بالتوبة قبل الموت.
هذه عقيدة أهل السنة.
عقيدة أهل السنة: أنهم لا يقطعون لواحد بالشهادة، وبالتالي لا يقطعون له بالجنة، إلا ما جاء الشرع بالقطع لهم بأنهم من أهل الجنة، والذين شهد الشرع لهم بأنهم من أهل الجنة، وهم ليسوا عشرة فحسب، بل هم أكثر من ذلك، فالعشرة مذكورون في الحديث، وأنتم تعلمون أن عكاشة ليس من العشرة، كما في الحديث لما قام إلى النبي ﵊ وقال: (ادع الله يا رسول الله أن أكون من أهل الجنة؟ فقال: أنت من أهل الجنة.
فقام آخر وقال: ادع الله لي أن أكون من أهل الجنة.
قال: سبقك بها عكاشة).
أي: الأول الذي أسرع وبادر وقام فطلب هذا الطلب، ودعوة النبي ﷺ مستجابة، وغير ذلك ممن شهد لهم النبي ﵊ وهم كثرة.
الشاهد هنا: أننا لا نقول عن واحد بعينه: إنه شهيد، ولكن نرجو له أن يكون شهيدًا، ولذلك جاء في الصحيح: أن رجلًا حارب مع النبي ﵊ في غزوة من الغزوات فبذل بذلًا عظيمًا، وجاهد جهادًا عظيمًا حتى افتتن به بعض الصحابة، فقالوا: يا رسول الله! والله إننا نرى أن فلانًا من أهل الجنة.
قال: والله إنه من أهل النار، فانزعج الصحابة أيما انزعاج، ولكنه الصادق المصدوق ﵊، وكان قد تبعه أحدهم حتى أصيب بسهم فلم يصبر على جرحه فوضع ذبابة سيفه في صدره، واتكأ عليها فخرج السيف من ظهره فمات، فلما رأى الرجل ذلك ذهب إلى النبي ﵊، وقال: يا رسول الله! أرأيت الذي قلنا عنه كذا، وقلت عنه: إنه من أهل النار، قد فعل بنفسه كيت وكيت، فقال النبي ﵊: (أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إن الله لينصر هذا الدين بالرجل الفاجر)، فسماه فاجرًا مع أنه مجاهد، بل عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين كان يجاهد مع النبي ﵊، فلو تصورنا أن عبد الله بن أبي قتل في غزوة هل يكون شهيدًا؟
الجواب
لا.
لما سئل النبي ﵊: (الرجل يجاهد شجاعة، ويجاهد حمية، ويجاهد ليرى مكانه).
فكل هذه نيات، صحيح أنك تقف في صف الجهاد، تجاهد العدو تبتغي بذلك مرضاة الله وتبتغي بذلك رفع لواء راية التوحيد، والذي بجانبك من هذه الناحية يجاهد من أجل أهله، من أجل أن يقولوا: أرسلنا من قبلنا فلانًا يجاهد، ويقولوا: الشهيد فلان، ومسجد الشهيد فلان، وشارع الشهيد فلان، ويقول: لو أني قتلت سموا الشارع باسمي والمدرسة باسمي والمستشفى.
هذه وصيتي لكم.
والذي بجانبه يجاهد حمية، هو تارك للصلاة والصوم والزكاة، لكن يعز عليه أن اليهود ماكثين في سيناء، أليست هذه بلدنا؟ نعم.
المطلوب أن العدو يخرج منها، فأنا أجاهد اليهود حتى آخر نفس لأخرجهم من أرضي، ليس من أجل الإسلام، وليس من أجل راية التوحيد وليس من أجل الله، في اعتقاده أن هذه أرضنا ولابد أن يخرج اليهود منها.
إذًا: أليس هذا حمية؟ فالذي لا يصلي ولا يصوم ولا يزكي ولا يعرف أي شيء عن دينه، فلو مات في المعركة أتقول عنه شهيدًا؟ (الرجل يجاهد حمية، ويجاهد رياء، ويجاهد ليرى مكانه)، من أجل أن
[ ١٠ / ٩ ]
عقيدة الثوري في مسائل من فقه الفروع
قال: [يا شعيب بن حرب لا ينفعك ما كتبت لك حتى ترى المسح على الخفين].
نحن قلنا قبل ذلك بأن هذه القضية من مسائل فقه الفروع، وليست من مسائل الاعتقاد، لكنها لما دخلت في عقيدة فرقة خالفت أهل السنة كان لابد للرد عليهم من إثبات أن هذا من اعتقاد أهل السنة والجماعة.
قال: [حتى ترى المسح على الخفين دون خلعهما أعدل عندك من غسل قدميك].
قال: [يا شعيب بن حرب ولا ينفعك ما كتبت حتى يكون إخفاء (بسم الله الرحمن الرحيم) في الصلاة أفضل عندك من أن تجهر بهما].
وهذه كذلك من مسائل الفروع، واعلم أن هذه القضية عند أهل السنة والجماعة من مسائل الخلاف في الفروع لا في الاعتقاد، ولا ندري ما الذي حمل سفيان على أن تكون هذه المسألة عنده من مسائل الاعتقاد.
يعني: المالكية والأحناف وهو المذهب الظاهر في العراق في ذلك الوقت على يد أبي حنيفة: أن الجهر بالبسملة في الصلاة سنة، وقراءتها واجبة في الفرض والنفل في كل ركعة، في الصلاة السرية والصلاة الجهرية، ولكن الجهر بالبسملة في الصلاة الجهرية محل خلاف بين أهل العلم، وقال باستحباب الجهر الأحناف، وقال: بوجوب الجهر بالبسملة المالكية، وجمهور أهل العلم يقولون: باستحباب الإسرار بها.
وهذه من مسائل الفقه وهي محل خلاف حتى عند أهل السنة والجماعة، وأنا لا أدري ولم أسمع جوابًا مرضيًا في بيان سبب إدراج هذه المسألة ضمن مسائل الاعتقاد عند سفيان يرحمه الله.
[ ١٠ / ١٠ ]
عقيدة الثوري في القدر
قال: يا [شعيب بن حرب لا ينفعك الذي كتبت حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، كل من عند الله ﷿].
إبليس الذي هو رأس الشر على الإطلاق خلقه الله ﷿، فلو أنك قلت: إن الخير خلقه الله ولم يخلق الشر مع وجود الشر؛ فلابد أن تقول بخالق ثان غير الله ﷿، ولكن الخير والشر مخلوق لله ﷿.
بمعنى: أن الله تعالى خلق الخير وخلق الشر، ولكن الله خلق الخير وأراده إرادة شرعية وكونية، وخلق الشر وأراده كونًا ولم يرده شرعًا.
مثلًا: نهى الله ﵎ عن القتل في كتابه، ونهى عنه رسوله في سنته، ولكن هل يمكن للقاتل أن يتحرك من بيته، وأن يسل سيفه، وأن يرفع يده، وأن يضرب بها المقتول حتى يقتله بغير إذن الله، وبغير إرادة الله؟ لا.
إذًا! نقول: إن كل ما يقع في الكون بإرادة الله ﷿، ولكن منه ما يريده الله شرعًا، ومنه ما يريده الله كونًا ونهى عنه شرعًا وهو الشر، فالخير والشر مخلوق لله، بمعنى: أن الله تعالى هو الخالق للخير والخالق للشر، فأنت لابد وأن تؤمن بالقدر خيره وشره حلوه ومره، وأن ذلك كله من عند الله ﷿.
أيضًا ليس لك حجة في أن تحتج بالقدر على معصية الله.
يعني: لا تقل: أنا قتلت فلانًا بقدر الله.
المعلوم أن كل ما يقع في الكون هو بقدر الله ومنه القتل، ولكن الذي قدر عليك القتل قدر عليك الحد، ولذلك أتى رجل قد سرق إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال له عمر: لم سرقت؟ قال: أتحاسبني يا أمير المؤمنين على أمر قدره الله علي؟ قال: نعم.
إن الذي قدر عليك السرقة هو الذي قدر عليك الحد.
وأقام عليه الحد، فلا يجوز لأحد أن يحتج بقدر الله على معصية الله.
قال: [يا شعيب بن حرب والله ما قالت القدرية ما قال الله ولا قال الرسول، ولا قالت الملائكة، ولا قال أهل الجنة، ولا قال أهل النار، ولا قال أخوهم إبليس عليه لعنة الله].
يعني: القدرية قالوا شيئًا لم يقل به كل هؤلاء! وتصور أن فرقة من الفرق تخترع قولًا لم يقل به إبليس فضلًا أن الله لم يقله ولا قاله الرسل والأنبياء، ولا الملائكة ولا أهل الجنة ولا أهل النار، كذلك إبليس عليه لعنة الله لم يقل هذا القول؛ لأن إبليس لا يجرؤ على ذلك؛ أما القدرية فقد قالوا: إن الله لا يعلم أي شيء عن أي عمل أو فعل إلا إذا وقع الفعل على الحقيقة.
يعني: نحن الآن بعد خمس دقائق بالضبط ماذا سيكون وضعنا وحالنا؟ أنعرف هذا الشيء؟ لا.
ولا نستطيع معرفة أننا سنغمض أعيننا أو نفتحها، وإذا تنفسنا هل نخرج النفس؟ وإذا أخرجناه هل نستنشقه مرة أخرى؟ نحن لا نعلم ذلك؟ لكن القدرية يقولون: إن الله لا يعلم أي شيء عن أي عمل ولا قول إلا إذا قيل وعمل! وهم بهذا ينفون علم الله السابق له ﵎، إن الله ﵎ علم ما كان وما يكون وما سيكون، وعلم كل شيء، فينفون صفة من ألزم الصفات الإلهية.
إذًا: الزعم بأن الله لا يعلم شيئًا بلوى عظيمة جدًا لم يقل بها إبليس.
قال: [قال الله ﷿: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣]].
يعني: بعد أن أوتي العلم ضل به ولم يعمل بهذا العلم، واستخدمه في معصية الله؛ لأنه ليس بلازم أن يكون صاحب العلم صاحب هداية، فالهداية شيء والعلم شيء.
نعم.
العلم يدل على الهداية وهو الطريق إليها، لكن من كان يريد ألا يهتدي، ولا يريد أن يسلك طريق الهداية فلا ينفعه علمه، ولذلك يقول الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧].
يعني: الذين اختاروا لأنفسهم طريق الهداية، فالله ﵎ وفقهم لطريق الهداية والتقوى وزادهم تقوى وهدى: «وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ»، يعني: الإنسان منا لابد وأن يختار طريق الهداية، ثم يوفقه الله ﷾ للثبات والهداية والنور والاستقامة على الطريق المستقيم ﷾.
قال: [قال الله ﷿: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:٢٣]].
من ممكن أنه يهديه؟ لا أحد؛ لأن الهداية بيد الله، والضلال بيد الله ﷿.
يعني: الله ﷿ أثبت لنفسه أنه بيده الهداية وبيده الإضلال.
[وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠].
وقالت الملائكة: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:٣٢]].
يعني: صاحب العلم، والعليم الخبير هو الله ﷿، وهو الذي علم الملائكة، ولا شك أن الذي يعلم غيره هو العالم وهو العليم ﵎، فإذا كان الله ﵎ علم خلقه العل
[ ١٠ / ١١ ]
عقيدة الثوري في الصلاة خلف أمراء الجور
قال: [يا شعيب! لا ينفعك ما كتبت حتى ترى الصلاة خلف كل بر وفاجر] أي: ترى جواز الصلاة خلف كل بر وفاجر.
يعني: لو أن هناك صاحب بدعة، وآخر ظالم وطاغية، ولكن ظلمه وطغيانه وفجوره لم يؤد به إلى الكفر فتجوز الصلاة خلفه.
ولكن هل الصلاة تجوز خلف الكافر؟ لا تصح، فإذا فعل ما فعل، ولكن فعله لا يؤدي به إلى الكفر، فإن الصلاة تجوز خلفه، واعلم أنني أقول: تجوز، ولم أقل واجبة، ولا مستحبة، وإنما أقول: جائزة، هذا في عموم الصلوات، أما في صلاة الجمعة والعيدين والاستسقاء الذي لا يكون إلا بالإمام، فإذا كان الإمام ظالمًا وطاغية، ولكن ظلم هذا الإمام وطغيانه لم يبلغ به حد الكفر، وأتى وصلى بنا العيد، فإننا نصلي خلفه.
السؤال
هذه الأفعال هل يكفر بها الساب والشاتم والظالم والباغي؟ أنت نفسك ستقول: لا.
ولو قلت: يكفر وكنت من أهل الاجتهاد سأقول لك: لا يلزمك الصلاة خلقه، ولا تصح صلاتك؛ لأن الصلاة لا تصح خلف الكافر؛ لأن كل من صحت صلاته لنفسه صحت لغيره، والكافر لا تصح صلاته لنفسه، وبالتالي لا تصح لغيره، أما الفاجر الذي لم يبلغ فجوره حد الكفر، فإن الصلاة خلفه في الجمعة والعيدين وفي محافل الناس ومجامعهم لابد وأنها واجبة درءًا للفتنة.
الحجاج بن يوسف الثقفي تعلمون أنه كان ظالمًا، ولكن ظلمه في مذهب جماهير أهل العلم لا يكفر به، بل لا أعلم أن أحدًا من أهل العلم كفره إلا الإمام الأوزاعي إمام أهل الشام.
أليس كان الأولى أن يصدر الحكم بكفره من عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس؟ لأن هؤلاء كانوا يجلسون في المسجد الذي يخطب فيه الحجاج، وكان الحجاج من أفصح الناس وأكثرهم بيانًا، وكان يصعد المنبر فيخطب الجمعة حتى يدخل وقت العصر، ولم يكن أحد من الصحابة ولا من غيرهم يجرؤ أنه يقول للحجاج: إن وقت العصر دخل؛ لأنه كان سينزل ويقطع رقبته.
إن الحجاج بلغ من فجوره أنه صعد المنبر في يوم الجمعة والصحابة في المسجد، ثم يقول: ما لي أرى رءوسًا قد أينعت وحان قطافها! أرأيتم مثل هذا الإجرام؟! يعني: رءوسًا استوت مثل الثمرة عندما تنضج وتغري الناظر ويحين قطافها، وكان عنده ختم حديد يضعه في النار حتى يحمر ويختم به الصحابة بين أكتافهم.
لماذا تعمل ذلك يا حجاج؟ قال: من أجل أن أميزكم عن بقية الناس.
أرأيت ماذا كان يعمل بالصحابة؟ ولذلك أنس بن مالك عندما جاء عليه الدور في الختم، قال: والله إن النصارى ليفعلون هذا برهبانهم، وأنت تفعله بأصحاب النبي ﵊، ولذلك قال النبي ﵊: (سيظهر في ثقيف -أي: في قبيلة ثقيف- كذاب ومبير) مبير يعني ظالم، فلما لقيت أسماء بنت أبي بكر الحجاج بن يوسف الثقفي وكلمها بغلظة، قالت: لقد بشرنا بك النبي ﵊ قال: (إنه سيظهر في ثقيف كذاب ومبير).
وأما الكذاب فهو المختار بن عبيد الثقفي الذي ادعى النبوة، وأما المبير فأنت يا حجاج، أنت الظالم الذي خرج في قبيلة ثقيف.
والصحابة ﵃ كانوا يصلون خلفه مع هذا الفجور والظلم؛ لأنهم يرون أن ظلمه لم يبلغ به حد الكفر، أما لو بلغ فلا ينبغي أبدًا أن يتولى عليهم؛ لأن الله ﵎ يقول: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١].
فلا أحد من الكفار يتولى إمرة المؤمنين ولا حكم بلاد المسلمين؛ لأنه ليس للكافر ولاية على المسلم.
قال: [(يا شعيب لا ينفعك ما كتبت حتى ترى أن الصلاة جائزة خلف كل بر وفاجر، وأن الجهاد ماض إلى يوم القيامة مع كل بر وفاجر، وأن الصبر تحت لواء السلطان جار أم عدل)].
جار.
يعني: ظلم وطغى وبغى أم عدل، فالصبر على إيذائهم أمر واجب.
[قال شعيب: (فقلت لـ سفيان: يا أبا عبد الله: الصلاة كلها؟)] يعني: نصلي خلف كل بر وفاجر جميع الصلوات؟ قال: [لا.
ولكن صلاة الجمعة والعيدين، صل خلف من أدركت].
وهنا لم يقل صلاة العيدين والجمعة على سبيل التنصيص والتحديد، بل مراده كل الصلوات التي يحتفل بها الناس ويجتمعون لها، وصلاة الاستسقاء كذلك، والخسوف أو الكسوف، فإن إمام البلد يصعد ويدعو جميع أهل القرية إلى مكان يسع أهل القرية ويصلي بهم ركعتين ويدعو.
إذًا: مادام السلطان فجوره وظلمه لم يبلغ حد الكفر وجب الصبر عليه، ولذلك قال: [وأن ترى الصبر تحت لواء السلطان جار أم عدل ما لم يبلغ الكفر.
قال شعيب: (قلت لـ سفيان: يا أبا عبد الله: الصلاة كلها؟ قال: صلاة الجمعة والعيدين خلف من أدركت، وأما سائر ذلك فأنت مخير، لا تصل إلا خلف من تثق به، وتعلم أنه من أهل السنة والجماعة].
لأن الأمة بأسرها -أي: أهل الس
[ ١٠ / ١٢ ]