مذهب الإمام ابن تيمية في الأسماء والصفات هو مذهب السلف الصالح، فهو يثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه من أسماء وصفات من غير تعطيل ولا تحريف ولا تبديل ولا تأويل ولا تشبيه ولا تمثيل كما يليق بجلال الله تعالى.
وقد وضع قواعد عظيمة لإثبات الأسماء والصفات لله تعالى، ورد فيها على أهل البدع والأهواء كالمعطلة والمجسمة.
[ ١٣ / ١ ]
مذهب الإمام ابن تيمية في الأسماء والصفات
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله في منهج أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بصفات الله ﷿، وذلك في المجلد الخامس (صفحة ٤٥) من مجموع الفتاوى: [فما وصف الله من نفسه وسماه على لسان رسوله ﷺ سميناه كما سماه].
أي: إذا وصف الله نفسه بوصف، أو وصف رسوله الكريم ربه ﵎ بوصف أو سماه باسم سميناه كما سماه من غير زيادة ولا نقصان، ومن غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل.
قال: [ولم نتكلف منه صفة ما سواه].
يعني: لا نتكلف من عند أنفسنا إثبات صفة لله ﷿ لم يثبتها لنفسه ولم يثبتها له رسوله الكريم ﷺ.
قال: [لا نجحد ما وصف، ولا نتكلف معرفة ما لم يصف].
والجحود أنواع: الجحود بالتأويل، والجحود بالتحريف، والجحود بالتعطيل، والجحود بالتمثيل.
فلا نجحد ما وصف الله به نفسه، كما أننا لا نتكلف وصف الله تعالى بما لم يصف به نفسه، فإننا بين أمرين: أن نؤمن بما سمى الله تعالى به نفسه وما وصف به نفسه أو وصفه رسوله الكريم ﵊، ولا نجحد شيئًا مما ثبت في الكتاب والسنة، ولا نتكلف شيئًا من عند أنفسنا لم يكن له وجود في الكتاب والسنة.
قال: [اعلم رحمك الله أن العصمة في الدين أن تنتهي في الدين حيث انتهى بك].
يعني: أن تكون وقافًا عند حد الكتاب والسنة.
[ولا تجاوز ما قد حد لك].
أي: لا تجاوز حدك، إما في الإثبات وإما في النفي.
[فإن من قوام الدين: معرفة المعروف وإنكار المنكر، فما بسطت عليه المعرفة وسكنت إليه الأفئدة وذكر أصله في الكتاب والسنة وتوارثت علمه الأمة فلا تخافن في ذكره وصفته من ربك ما وصف من نفسه عيبًا؛ ولا تتكلفن بما وصف لك من ذلك قدرًا].
وهو نفس معنى الكلام السابق.
قال: [وما أنكرته نفسك ولم تجد ذكره في كتاب ربك].
يعني: شيء لا أصل له في الكتاب ولا في السنة، وضم إلى ذلك أن نفسك قد أنكرت هذا.
قال: [وما أنكرته نفسك ولم تجد ذكره في كتاب ربك ولا في حديث عن نبيك من ذكر صفة ربك فلا تكلفن علمه بعقلك].
يعني: لا تثبتن شيئًا من ذلك بالعقل؛ لأن باب الصفات هو تمامًا كباب الذات، فكما أنه يستحيل على آدمي أن يصف ذات الله ﵎، يستحيل عليه كذلك أن يتكلم في باب الصفات؛ لأن أهل العلم يقولون: الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، ولما كان الكل مجمعين على أن ذات الله ﵎ غيب لا يعلمها أحد فكذلك لابد وأن تكون الصفات تابعة لذلك، فلا يجوز لأحد أن يتكلم في صفة من صفات الله ﷿، وفي كيفيتها.
لا أقصد معناها، كما أني لا أقصد العلم بها.
وقلنا من قبل: إن السلف إنما فوضوا الكيف ولم يفوضوا المعنى ولا العلم، فالصفة معلومة لله ﷿، أثبت لنفسه العين، فلابد وأن يكون عندي علم بأن الله أثبت العين لنفسه، ومعنى العين معلوم لدي؛ لأن الله ﵎ يستحيل أن يخاطبني بشيء لا علم لي به، ثم يكلفني الإيمان به، ولذلك مخاطبة الخلق بالمحال محال.
أي: مخاطبة الخلق بشيء لا يعرفونه ثم لزوم الإيمان به أمر محال، والله ﵎ لم يتعبد خلقه بأمر محال، فإذا أثبت لنفسه العين علمت أنها عين حقيقة لله ﵎ كما أن لي عين، ولكن لما اختلفت ذات الله عن ذات المخلوق، لابد بالتالي أن تختلف صفات الخالق عن صفات المخلوقين.
ومعنى العين: أنها عين حقيقة كما يفهمها المستمع لها أولًا، والقائل بها أولًا، ولكنها عين تختلف عن أعين المخلوقين؛ لاختلاف الذات، فلابد بالتالي أن تختلف الصفات.
قال: [وما أنكرته نفسك ولم تجد ذكره في كتاب ربك ولا في حديث نبيك من ذكر صفة ربك فلا تكلفن علمه بعقلك].
يعني: إذا كان الله ﵎ نفى صفة عن نفسه، أو سكت عنها فلم يثبتها ولم ينفها فلا تتكلف إثبات ذلك أو نفيه بعقلك، ولكن الأمر كما قال أحمد بن حنبل: أصول الدين عندنا الالتزام بالكتاب والسنة.
أي: أصول الدين عندنا أن نلتزم بالكتاب والسنة.
ومعنى الالتزام بالكتاب والسنة: أن تقول بما قال الله ﷿ إثباتًا ونفيًا، وأن تقول بما قاله الرسول ﵊ إثباتًا ونفيًا.
أي: ما كان مثبتًا في الكتاب والسنة أثبتناه، إذا كان هذا في حق الإله، فإنما نثبته على الوجه اللائق بالله ﷿، وإذا كان في حقي فإن هذا أمر يحتمل الكمال البشري ويحتمل العين البشرية، كما أن الله ﷿ خلقني وأثبت أن لي عينين، فإن كانتا سليمتين فيكون كمالًا بشريًا في الرؤية أو في وجود العينين، وإما أن أكون أعور العين أو أعمى كفيفًا فهذا
[ ١٣ / ٢ ]
قواعد مهمة في إثبات الأسماء والصفات
ومن القواعد التي تخدم الأسماء والصفات، ما يلي:
[ ١٣ / ٣ ]
التوسط في الألفاظ المجملة
القاعدة الأولى: التوسط في الألفاظ المجملة التي لم يرد إثباتها ولا نفيها.
أي: إذا كان اللفظ مجملًا أتوقف فيه؛ لأنني لو نظرت في هذا اللفظ لا أجده لا في الكتاب ولا في السنة، لأنه قد استحدث بعد ذلك، كلفظ الجهة والحد، أما الحد فلفظ منكر في غاية النكارة.
يقولون: إن الله تعالى إذا أثبتنا وجوده في السماء فإنما أثبتنا وجود الجهة، وهذا أمر يحتمل مدحًا ويحتمل ذمًا؛ ويحتمل كمالًا ويحتمل نقصًا.
فإذا قال القائل: إن الله تعالى في جهة.
قلنا له: ماذا تقصد بالجهة؟ فإذا قال: أقصد جهة العلو والفوقية والاستواء قلنا: هذا كلام حسن.
وإذا قال: أقصد بالجهة أن السماء تحوطه.
وأنه قد استقر على العرش والعرش يحمله.
فنقول: إن هذا كلام سخيف بارد، وكلام ليس على بطلانه رد أفضل من السكوت عنه، وإن كان الأولى ترك هذه المصطلحات بخيرها وشرها؛ لأنها لم ترد على لسان السلف، وهذه الكلمات حمالة؛ يستخدمها المبتدعون لإثبات بدعتهم، فيدورون بها كما يدور الحمار برحاه، يثبتون فساد معتقدهم.
وأما أهل السنة والجماعة إنما دخلوا في هذا الباب رغمًا عنهم للرد على المبتدعة، فنقل على ألسنتهم بعض هذه المصطلحات.
كما قالوا: إن الله تعالى في السماء بذاته، فكلمة بذاته اضطر السلف إليها وإلى ذكرها، وكما اضطروا كذلك إلى أن يقولوا: (القرآن كلام الله غير مخلوق)، فلفظ (غير مخلوق) ليس على لسان السلف، إلا ما ورد على لسان البعض منهم ردًا على المبتدعة، وخاصة فيما يتعلق في صفات الله ﷿، فهو أمر في غاية الحساسية.
قال: [فإذا أتاك لفظ مجمل فتوقف فيه، إذا لم يكن قد ورد إثباته أو نفيه في الكتاب والسنة، أما معنى هذه الألفاظ المجملة فيستفصل عنه].
أي: تقول له: ماذا تقصد بهذا اللفظ؟ إذا قال: أقصد بالجهة العلو والفوقية لله ﷿ والاستواء على العرش، فهذا كلام جميل، لكن بدلًا من أن تقول: الجهة، قل: استوى على العرش، أو الله في السماء؛ لأن هذه هي الألفاظ التي وردت في الشرع، أما الجهة فلم يأت بهذا المصطلح النبي ﵊، ولا أبو بكر الصديق، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا الشافعي، ولا مالك، ولا أبو حنيفة، ولا أحمد بن حنبل، فينبغي ألا تتكلم بكلمة إلا إذا تكلم بها سلفك.
[ ١٣ / ٤ ]
كل اسم ثبت لله فهو متضمن لصفة من غير عكس
القاعدة الثانية: كل اسم ثبت لله ﷿ فهو متضمن لصفة من غير عكس، يعني: اشتقت الصفة من الاسم؛ لأن باب الصفات واسع جدًا، وأوسع منه باب معاني الكمال اللائق بالله ﷿، فإذا كان من أسماء الله: (الرحمن الرحيم الملك القدوس السميع البصير الرءوف)، فإنه تشتق من اسم الرحيم الرحمة، ومن الرءوف الرأفة، ومن السميع السمع، ومن القوي القوة، فباب الأسماء أدق وأقل من باب الصفات.
إذًا: أنا بإمكاني أن أشتق صفة لكل اسم؛ لأنه ليس هناك اسم إلا ويدل على صفة، وليس بلازم في الصفات أن تدل على الأسماء، فإنه قد ورد قول الله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢]، وقوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠]، فالمخادعة والمكر في الإنسان صفتا نقص، لكنهما في حق الله ﷿ على سبيل المقابلة لأفعال العباد صفتي كمال، فمن كان من المخلوقين أشد مكرًا وخداعًا فلا يستطيع أن يخادع الله ﷿، أو أن يمكر على الله ﷿؛ لأنه عالم الغيب والشهادة، فمهما يبطن المرء من شيء فإن الله يعلمه، بل ويكشف الله ﷿ عن عباده بما قد نووه من مخادعة ومكر وحيل.
والله ﵎ قال: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة:٢٢]، فلا يصح أن نسمي الله ﵎ (المنتقم)، لأن هذا ليس من أسمائه، وكذا ليس من أسمائه المخادع الماكر.
إذًا: هذه الصفات التي تدل على النقص في حق البشر ذكرها الله ﵎ في القرآن على سبيل الكمال؛ لأنها في مقابلة صفات النقص عند المخلوقين، فما كان الله ليخادع إلا بعد أن خادع عبيده، وما كان الله ليمكر إلا بعد مكر عبيده، وما كان الله لينتقم إلا من المجرمين، وكلها صفات لله ﷿ تدل على كماله وإحاطته بخلقه.
والذي يتعلق بهذه القاعدة: أنه لا يجوز أن أشتق أسماء من هذه الصفات؛ لأن الأسماء توقيفية، وكذلك الصفات توقيفية، فلا يصح أبدًا أنني أصف الله ﵎ بوصف لم يصفه لنفسه، ولم يصفه به رسوله الكريم، فإذا كان الوصف قد ورد في الكتاب والسنة أثبتناه، ومن ذلك: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] هذا نفي يستلزم كمال الضد.
يعني: إذا كنت تنفي عن الله الظلم، فيلزمك أن تثبت ضد الظلم وهو كمال العدل، وهذه قاعدة قد شرحناها قبل ذلك: وهي أنه يلزم من نفي الصفة عن الله ﷿ إثبات ضدها كمالًا، إذا كنت تقول: إن الله لا يظلم الناس شيئًا.
إذًا: الله ﵎ متصف بكمال العدل، وإذا كان الله تعالى قال: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] هذا يدل على كمال القيومية والحياة، كما في قوله ﵊: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام).
وإذا كان الله ﵎ موصوف بالجود والكرم والتفضل على عباده، فيلزم من ذلك أن ننفي عنه البخل والشح الذي يتصف به بعض خلقه.
قال: [كل اسم ثبت لله ﷿ فهو متضمن لصفة من غير عكس] يعني: الصفات تشتق من الأسماء ولا تشتق الأسماء من الصفات؛ لأن باب الصفات أوسع من باب الأسماء، وكل من الاسم والصفة أمر توقيفي.
يعني: لا نثبته إلا إذا كان ثابتًا في الكتاب والسنة.
قال: [مثاله: اسم الله: الرحمن متضمن صفة الرحمة، والكريم يتضمن صفة الكرم، واللطيف يتضمن صفة اللطف وهكذا] كل الأسماء لها صفات، لكن من صفاته: الإرادة والمشيئة والاستواء، فالله ﵎ أثبت ذلك لنفسه في الكتاب، وأثبتها رسوله في السنة فلا يصح أنني آخذ من صفة الإرادة أو المشيئة أو الاستواء اسمًا فأقول مثلًا: المشاء أو المريد أو المستوي، مع أن الله قد قال في الاستواء: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾؛ فهي قد ثبتت في الكتاب.
[ ١٣ / ٥ ]
دلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفة قد تكون صريحة أو متضمنة
القاعدة الثالثة: دلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفة: إما أن تأتي صريحة، أو تأتي متضمنة، أو تأتي صريحة بفعل أو وصف دال عليها.
يعني: ليس بلازم أن يصف الله ﵎ نفسه صراحة في الكتاب، بل ممكن تأتي صراحة وممكن تأتي متضمِنة أو متضمَنة، وممكن يأتي التصريح بها من باب الفعل أو الوصف.
المثال الأول: الرحمة والعزة والقوة والوجه واليدين والأصابع كلها قد وردت صريحة في القرآن والسنة.
ومثال التضمن: البصير، فإنه يتضمن صفة البصر لله ﷿، وهذا كلام يرد به على المعتزلة الذين يقولون: بصير بلا بصر، سميع بلا سمع، رحيم بلا رحمة، قوي بلا قوة، قدير بلا قدرة.
ومذهب أهل السنة والجماعة: أن الصفة متضمنة، فإذا كان رحيمًا فلابد أن يكون برحمة، وإذا كان سميعًا لابد أن يكون بسمع، وإذا كان بصيرًا لابد أن يكون ببصر، فالصفة تثبت ضمنًا للاسم.
والمثال الثالث: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، هذه الصفة وردت للدلالة -دلالة الاستواء- أي: دلت على أن الله تعالى متصف بالاستواء، وهو العلو والفوقية.
وقال تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة:٢٢]، فالآية دالة على الانتقام، فهي صفة لم ترد صراحة في الكتاب، وإنما دلت على هذه الصفة.
[ ١٣ / ٦ ]
الكلام في الصفات كالكلام في الذات
والقاعدة الرابعة: الكلام في الصفات كالكلام في الذات، فكما أن ذاته حقيقية لا تشبه الذوات؛ فهو متصف بصفات حقيقية لا تشبه الصفات، سواء كانت هذه الصفات ذاتية أو خبرية أو فعلية.
فنثبت هذه الصفات لله ﵎ كما جاءت ولا نتأولها، ولا نقول فيها بأنها مجاز، لأن الذي يقول بالمجاز يصرف اللفظ عن حقيقته، فالذي يقول: اليد ليست يدًا حقيقة إنما هي النعمة، أو هي القدرة، ففي النهاية يصف الله ﵎ بأنه ذات بلا صفات، ونحن قلنا باستحالة ذلك، فما من ذات إلا ولها صفات، حتى في الدنيا، وفي المخلوقات، فمثلًا: هذه السجادة خضراء طولها كذا عرضها كذا مستديرة مستطيلة مربعة مكعبة فيها ماء فيها هواء، وهذه كلها أوصاف، ولا يمكن قط بل يستحيل على أحد أن يثبت ذاتًا بلا صفات، فإذا كان المنكرون للصفات أو الذين صرفوها عن حقيقتها إلى المجاز لا يقولون بأن ذات الله ليست ذاتًا حقيقة أو أنها مجاز، فإذا قالوا ذلك فبالأولى أن يقولوا بالثانية.
قال: [فمن أقر بصفات الله كالسمع والبصر والإرادة، يلزمه أن يقر بمحبة الله ورضاه وغضبه وكراهيته].
يقول ابن تيمية عليه رحمة الله: [ومن فرق بين صفة وصفة مع تساويهما في أسباب الحقيقة والمجاز، كان متناقضًا في قوله، متهافتًا في مذهبه، مشابهًا لمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض].
يعني: لا تقل: إن الله تعالى يغضب غضبًا على الحقيقة، واليد ليست يدًا حقيقة، فلا تحمل الغضب واليد على الحقيقة أو المجاز؛ فإن حملتهما على الحقيقة وأثبتهما على القدر اللائق لله ﷿ فهذا مذهب السلف، وإذا قلت بالمجاز فهذا مذهب الخلف وهو فاسد باطل.
[ ١٣ / ٧ ]
ما أضيف إلى الله تعالى مما هو غير بائن فهو صفة له غير مخلوقة
القاعدة الخامسة: [ما أضيف إلى الله تعالى مما هو غير بائن عنه فهو صفة له غير مخلوقة].
ومعنى (غير بائن) يعني: غير مغاير ولا مختلف ولا منفصل، وأريد أن أقرب المعنى، وإن كنت أكره هذا اللفظ.
فإذا قلنا: بإثبات اليد لله، فهل هذه اليد مباينة لله ﷿، أم هي صفة ذات لازمة له؟ يعني: أنا ممكن أن أقول: يدك وإن كانت صفة لازمة لك إلا أنه يمكن مباينتها عنك بقطعها، عند أن يأتي شخص يقطع يدك، نقول: قد باين يده عن بدنه.
يعني: باعد اليد عن البدن.
فالمباينة في الأعمال والجوارح متصورة وواقعة وحادثة في المخلوقين، لكن هل يمكن أن أقول: إن يد الله ﵎ مباينة لله ﷿.
إذا قلنا: بأن صفات الله ﷿ ليست مباينة له فهذا يعني: أنها غير مخلوقة، فإذا كان الكلام صفة لله ﷿ فلا يتصور أن الله تعالى كان ساكتًا عاجزًا عن الكلام لا يعرف الكلام، ثم عرف فتكلم بعد ذلك؛ لأن من قال بهذا كفر بنص أهل السنة والجماعة، وعلى رأسهم أحمد بن حنبل.
وإذا قلنا بإثبات العين لله، لا نقول: بأنها عين زائدة عن ذات الإله، بل هي صفة ذاتية خبرية لازمة لذاته لا تنفك عنه.
ومعنى أنها ذاتية.
أي: أنها غير مخلوقة، فكما أن الله تعالى غير مخلوق وهو الخالق لكل شيء فكذلك صفاته غير مخلوقة، بخلاف نسبة الأشياء البائنة عن الله ﷿ المنسوبة إليه فإنها مخلوقة، كما تقول: بيت الله وأمة الله وناقة الله، فالبيت مصنوع مخلوق، والناقة مخلوقة، ونسبتهما إلى الله ﷿ نسبة تشريف، فإذا كانت الصفة بائنة عن الله ﷿ منسوبة إليه فإنها مخلوقة، ونسبتها إلى الله نسبة تشريف، بخلاف صفات الله ﷿ غير البائنة عنه، فإنها صفات غير مخلوقة؛ كصفة اليد وصفة الساق والقدم والأصابع والأنامل والكف والغضب والرضا والسخط والفرح والسرور والرفع والخفض وغير ذلك؛ كل هذه الصفات لله ﵎ غير مخلوقة.
[ ١٣ / ٨ ]
صفات الله ﷿ وسائر مسائل الاعتقاد تثبت بما ثبت عن رسول الله ولو كان حديث آحاد
القاعدة السادسة: صفات الله ﷿ وسائر مسائل الاعتقاد تثبت بما ثبت عن رسول الله ﵊ وإن كان حديثًا واحدًا آحادًا، من أجل أن تعرف أن منهج أهل السنة والجماعة يختلف عن منهج من أتى بعدهم، فأهل السنة والجماعة وعلى رأسهم النبي ﵊، بل وعلى رأسهم جميع الأنبياء والمرسلين أثبتوا لله ﵎ ما أثبته لنفسه، وأن الأمة ممن سلك منهج النبوة أثبتت لله ﵎ ما ورد في حديث النبي ﵊ من أسماء وصفات، وإن كان الحديث الذي يحمل هذا الاسم أو هذه الصفة حديث آحاد، سواء كان هذا الحديث من طريق الواحد أو الاثنين أو الثلاثة.
إذا علمت هذا لابد وأن تعلم أن قوم المعتزلة: (لا نحتج في باب الاعتقاد إلا بالخبر المتواتر) قول محدث، وكل محدث بدعة، وكل بدعة ضلالة.
[ ١٣ / ٩ ]
معاني صفات الله الثابتة بالكتاب والسنة معلومة
القاعدة السابعة: معاني صفات الله ﷿ الثابتة بالكتاب أو السنة معلومة، فلا يجوز مثلًا أن تقول: أنا لا أعلم معنى الاستواء، مع أن الاستواء معلوم، فهو الفوقية والارتفاع والعلو.
ولا يجوز أن تقول: أنا لا أعلم صفة المجيء؛ لأنك تعلم ماذا يعني قولك: جاء فلان.
أنا لو قلت لك: جاء زيد.
فإنك تفهم كلامي، فإذا قلنا: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢]، فإنك تعلم معنى المجيء، ولكنك تجهل كيفية المجيء.
إذًا: السلف لم يفوضوا علم الصفات ولا معاني الصفات، إنما فوضوا الكيف، وقد زلت بهذه المسألة أقدام كثير من أهل العلم.
ومن المسائل التي زلت بها أقدام كثيرٍ من أهل العلم: مسألة العلو، قال الله تعالى: ﴿اسْتَوَى﴾ [طه:٥].
فمن قال: لا أعلم معنى الاستواء، نقول له: إذًا: الله خاطبك بكلام غير مفهوم.
وهذا محال، فإذا كنت تقوله في باب الاعتقاد فقله في باب الأحكام، فمثلًا قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، أنت لا تعلم معنى الصلاة، وبالتالي أنت لا تعلم ذات الصلاة، وبالتالي أنت لا تصلي؛ لأنك لا تفعل شيئًا أنت لا تعلمه ولا تعلم له معنى.
فهل يتصور أن الله ﵎ خاطبنا بشيء لا نعلمه ولا نفهمه؟
الجواب
لا.
فإذا قلت ذلك في الأحكام والمعاملات فكذلك في الاعتقاد، فالله تعالى قد خاطبنا في باب الأسماء والصفات بما علمناه وعلمنا معانيه، فإذا ثبتت لله ﵎ صفة الرحمة فلا بد من إثباتها لله ﷿؛ لأنه قد أثبتها في كتابه، وأثبتها له رسوله.
ومن قال: لا أعلم معنى الرحمة! تقول له: هذا كلام سخيف وبارد، ومردود على قائله؛ ولذلك ورد عن بعض السلف أنه جادل رجلًا من أهل البدع، فجهل عليه بالعلم، فقام عليه ذلك العالم الرباني صفعًا وضربًا وركلًا، حتى قال له وهو يتضور تحت قدمه: ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، وهو كان ينازع في أنه لا يعلم معناها، فلما ضرب وديس بالأقدام علم معنى الرحمة، فاحتج بدليل الرحمة في موضوع الرحمة؛ لأنه يعلم معناها.
إذا قلت لك في رابعة النهار: أين الشمس؟ فأفضل جواب عليك السكوت، وإذا كان القمر في ليلة البدر ليس دونه سحاب وأنت تنظر إليه وتقول: أنا لا أرى القمر فأفضل جواب أن نسكت عنك؛ لأنك أعمى البصر والبصيرة، فكذلك الله ﷿ خاطبنا بالصفات التي لها علم عندنا من الكتاب والسنة ولها معان يعلمها جميع العرب، فإذا كان المسلم غير عربي فيجب عليه أن يتعلم العربية كما تتعلم أنت الإنجليزية إذا أردت أن تترجم كلمات كثيرة جدًا تمر عليك في صفحات الكتاب الأعجمي تريد قراءتها، لكن لا تعلم معناها، فأنت معذور في هذا، كما أن العجمي إذا استطاع أن يقرأ في كتاب الله فأتى عند صفة من صفات الله ﷿ فيقول: أنا لا أعلم صفة السمع ولا أعرف معناها، قلنا له بالإنجليزية: معنى أن الله سميع، فبينت له بلسانه أنها تثبت صفة السمع لله، فإنه سيقر صفة السمع، فهذا يدل على أن الله ﵎ خاطب جميع المخلوقين بما هو في مقدورهم أن يفهموه، فلا يدعي واحد بعد ذلك أن الله ﵎ خاطبه بما لا يفهم.
إذًا: صفات الله ﷿ وسائر أمور الاعتقاد تثبت في خبر واحد، ومعاني الصفات الثابتة في الكتاب والسنة معلومة، وتفسر على الحقيقة، فالله سميع بسمع على الحقيقة، والله قدير بقدرة على الحقيقة، و﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] على الحقيقة.
﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩] على الحقيقة.
فمن قال: العين مقصود منها الرؤية أو الرعاية أو الإحاطة أو كف الأذى، نقول له: المعنى هو إثبات العين الحقيقة لله ﷿، لكن كيفية العين لا يعلمها إلا صاحب العين ﷾، فلا مجاز في الصفات ولا استعارة فيها البتة، وأما الكيفية فمجهولة.
[ ١٣ / ١٠ ]
ما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن القول بموجبه والإيمان به وإن لم يفهم معناه
القاعدة الثامنة: ما جاء في الكتاب أو السنة وجب على كل مؤمن القول بموجبه والإيمان به، وإن لم يفهم معناه.
يعني: على فرض أنه خفي عليه معنى صفة، فلابد وأن يؤمن بها كما جاءت وكما قرأها، ويثبتها لله على الحقيقة وإن كان المعنى قد خفي عليه.
فمثلًا: عدم العلم بمعنى الأسماء الثابتة كالودود أو الحنان أو القيوم، أو الصبور لا ينفي عنك لزوم العلم والإيمان بها، فلابد وأن تؤمن بأسماء الله وصفاته، وإن خفي عليك بعضها أو كلها.
وصفات الله ﷿ لا يقاس عليها، فلا يقاس مثلًا السخاء على الجود، إذا كانت صفة الجود ثابتة لله ﷿ فلا أقول: الله تعالى سخي، وإن كان المعنى جميلًا، لأن باب الصفات توقيفي، فلا يصح في صفات الله الاجتهاد والقياس.
والقياس إلحاق فرع بأصل، والذي يلحق الفرع بالأصل هم أهل العلم، فإذا كان المقيس والمقيس عليه متساويين في الدليل ومتحدين في العلة ألحقوا الفرع بالأصل، فإذا كان الأصل حرامًا فالفرع حرام، وإذا كان الأصل حلالًا فالفرع حلال، فمثلًا: الله ﷿ حرم الخمر صراحة وهذا المقيس عليه، وهو الأصل والحشيش فرع، فهو حرام قياسًا على الخمر؛ لأن أدلة الشرع في الأحكام وفضائل الأعمال: الكتاب، السنة، الإجماع، القياس.
فالحشيش حرام؛ لأنه متحد مع الخمر في العلة وهي ذهاب العقل والإسكار، وهذه العلة التي لأجلها حرم الله الخمر صراحة فألحقنا به الحشيش.
والله ﵎ قد ثبت في صفاته أنه جواد، فلا أستطيع أن أقول: إنه سخي، مع أن السخاء هو الجود؛ لأن صفات الله لا يصح فيها الاجتهاد ولا القياس؛ لأنها توقيفية.
وكذلك في بقية المعاني التي تدل على الجود إلا إذا كانت ثابتة، فالكرم كذلك من الجود، وباب من أبوابه، وشبيه ومثيل له، لكنه قد ورد في نصوص أخرى أنه كريم.
والله ﵎ هو القوي، فهو قوي بقوة؛ فالصفات تؤخذ وتشتق من الأسماء.
إذًا: لفظ القوة ثابت لله ﷿.
والجلد الذي هو تحمل المشاق والصعاب والقوة، لا يصح إثباته لله ﷿ في مقام القوة، أو قياسًا عليها؛ لأن باب الصفات لا يقاس عليه؛ لأن الصفات توقيفية.
ولفظ (القدير) ثابت لله، وهو قدير بقدرة.
إذًا: الله ﵎ متصف بالقدرة، فلا يمكن أن أثبت لله ﷿ صفة الاستطاعة؛ لأنها لم تثبت في الكتاب ولم يثبتها له رسوله ﵊ في السنة، إنما الصفة التي وردت تغني عن هذه الصفة وهي صفة القدرة.
وصفة الرحمة ثابتة لله ﷿، ومن معانيها: الرأفة والرقة، فممكن أن أثبت الرأفة؛ لأنها مشتقة من الرءوف، بخلاف الرقة وإن كانت مثل الرحمة، فلهذا يقال: فلان رقيق القلب.
يعني: رحيم.
وباب القياس في حق المخلوقين في الصفات حدث عنه ولا حرج، لكن في حق المولى ﵎ لا يجوز أن أقول: إن الله رقيق؛ مع أن الرقة بمعنى الرأفة والرحمة وغير ذلك.
وكذلك (العلم) فالله ﵎ عليم بعلم؛ فعليم اسم وبعلم صفة، والمعرفة من معاني العلم، فلا يجوز أن أثبت صفة المعرفة لله ﷿؛ لأن صفات الله ﷿ لا يتجاوز فيها التوقيف، فلا نذهب فيها أكثر مما ورد إلينا، كما مر في القواعد السابقة.
[ ١٣ / ١١ ]
أسماء الله وصفاته ﷿ لا حصر لها
القاعدة التاسعة: صفات الله ﷿ لا حصر لها؛ لأن كل اسم يتضمن صفة، وأسماء الله لا حصر لها، أما حديث: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا) فتقديره: إن من أسماء الله تسعة وتسعين اسمًا، فباب الأسماء واسع لا ينتهي؛ لقول النبي ﵊ كما في حديث عبد الله بن مسعود: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك؛ أن تجعل القرآن الكريم ربيع قلبي).
الشاهد: (أو استأثرت به).
فالضمير يعود على الله.
أي: أو استأثرت أنت بهذا الاسم الذي أخفيته عن جميع المخلوقين في علم وغيب لا يطلع عليه أحد، فوحدك أنت الذي تعلمه.
فباب الأسماء باب واسع جدًا، وإذا قلنا: إن كل اسم يشتق منه صفة فلابد وأن يكون باب الصفات أوسع من باب الأسماء؛ لأن كل اسم يدل على صفة، وهناك صفات لا يشتق منها الأسماء.
[ ١٣ / ١٢ ]
إثبات صفة العين لله تعالى
نريد أن نثبت لله ﷿ صفة العين، فصفة العين صفة ذاتية لله ﵎، غير مباينة عنه، فكما أثبتنا اليد لله ﷿ وأن اليد غير مخلوقة، وأنها غير مباينة له سبحانه، بخلاف يد المخلوق فممكن مباينتها بقطعها.
إذًا: الصفات الذاتية هي اللازمة لذات الإله ﵎، كما أنها خبرية.
أي: قد ورد الخبر بها، ثابتة لله ﷿ بالكتاب والسنة.
وأهل السنة والجماعة يعتقدون أن الله تعالى يبصر ببصر، كما أنه يسمع بسمع، ويعلم بعلم، كما يعتقدون أن لله ﷿ عينين تليقان به لكنهما ليستا كعيون المخلوقين؛ لأن هذا يستلزم التمثيل، والتمثيل حرام، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، فكل شيء في الوجود لا يشبه ولا يماثل ولا يكافئ ولا يعدل الله تعالى، فإذا كان كذلك فلا يجوز لي أن أقول: إن الله تعالى له عينًا كعيني أو عينان كعيني؛ لأن هذا يستلزم التمثيل والمشابهة، وهو محال.
كما أنني لا يجوز لي أن أقول: إن عين الله ليست على الحقيقة، بل هي مجاز والمقصود منها: الرعاية أو الرؤية أو غير ذلك؛ لأنني إذا قلت بالمجاز أو التأويل، لابد وأنني سأقع في التعطيل، وهو: نفي ما أثبته الله تعالى لنفسه وما أثبته له رسوله الكريم.
فالله تعالى قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وهو نفي للماثلة، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، إثبات للأسماء والصفات على الوجه الحقيقي اللائق بالله ﷿.
أما دليل إثبات العين من الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود:٣٧]، أي: واصنع يا نوح السفينة ونحن ننظر إليك بأعيننا، «وَوَحْيِنَا» أي: وإلهامنا لك كيف تصنع السفينة، فالوحي هنا بمعنى الإلهام.
والمعنى: أن الله تعالى أمر نوحًا ﵇ أن يصنع السفينة من ألواح الخشب والمسامير والحبال يربط بها أطراف السفينة حتى يحمل فيها أهل الإيمان ويسير في البحر إلى أن يصل إلى بر الأمان والنجاة، فيغرق الله ﵎ من تخلف عنه.
إذًا: نقول بإثبات العين الحقيقية لله ﷿، وأن الله كان ينظر إلى نوح على الحقيقة بعينيه الحقيقتين وهو يصنع الفلك، ويوحي إليه كيف يصنع السفينة.
وقال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩].
وهذا الخطاب موجه لموسى ﵇، فقد ألقى عليه محبة في قلوب الخلق، وكذا محبة الله ﷿ لموسى كلاهما يمكن القول به، ولا تناف بينهما؛ لأنه قد ورد في الحديث: (أن الله تعالى إذا أحب عبدًا ألقى محبته في قلوب العباد، بل أمر الملائكة أن يحبوه، ثم يوضع له القبول في الأرض) أي: المحبة.
قال: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩] أي: ولتربى.
فالصناعة هنا بمعنى التربية، ولذلك تختلف بحسب الحال، تقول: صناعة بيت، وصناعة الأخشاب، وصناعة الدروع، وصناعة الملابس، فكل صنعة من هذه الصنعات تختلف عن غيرها، فصناعة البيت.
أي: بناؤه.
وصناعة الثوب.
أي: حياكته وخياطته.
وصناعة الآدمي.
أي: تربيته.
ومعنى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ أي: ولتربى على عين الله ﷿.
أي: الله ﵎ يرعاك ويحفظك ويكلؤك وينظر إليك بعينيه الحقيقيتين، ولا غرابة في ذلك.
ولذلك أهل البدع يقولون: إنكم تتأولون إذا أردتم أن تتأولون، وتنكرون على من يتأول إذا أردتم الإنكار عليه، فاثبتوا على قدم واحد؟ يوجهون هذا اللوم لأهل السنة.
فنقول: إننا نعتقد في قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ أن الله تعالى يرعاه ويكلؤه ويحفظه ويربيه وينظر إليه وغير ذلك.
فنحن نثبت الصفة ولازمها، فالفرق بيننا وبين أهل البدع أننا نثبت الصفة ولازمها بخلافهم؛ فإنهم يثبتون لزوم الصفة وينكرون الصفة، فمثلًا: قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، يقول أهل البدع: اليد بمعنى القدرة.
وأرادوا من هذا الكلام نفي اليد الحقيقية عن الله ﷿، بظنهم أن إثباتها إثبات للتمثيل، وهذا كلام باطل، وأهل السنة يثبتون اليد ولازم اليد، فيثبتون الصفة ولازمها، فيلزم من إثبات العين الرعاية والإحاطة والكلأ والحفظ وغير ذلك من المعاني.
أما هم فإنهم يثبتون لوازم الصفة ولكنهم ينكرون الصفة، وبالتالي يقعون في التعطيل، أما نحن فلا نقع في التعطيل ولا في التمثيل؛ لأننا في جانب التمثيل نقول: إن لله يدًا حقيقة ليست كأيدي المخلوقين، بل يدًا تليق بجلاله.
فلا ننفي الصفة، وإنما نثبتها ونثبت معها اللازم، فقوله ﷾: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]، أي: إن الله تعالى ينظر إليك بعينيه ويحفظك ويرعاك ويكلؤك.
إذًا: بذلك نكون أثبتنا الصفة ولازمها، فأهل البدع يثبتون لازم الصفة فقط بخلاف الصفة، قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطو
[ ١٣ / ١٣ ]
الأسئلة
[ ١٣ / ١٤ ]
حكم صيام أول رجب
السؤال
هل وردت نصوص في صيام أول رجب؟
الجواب
النصوص الواردة في صيام أول رجب كلها نصوص باطلة غير صحيحة، فمن خص فعليه الدليل.
[ ١٣ / ١٥ ]