ثبت بالأدلة الصحيحة الصريحة وقوع السحر للكثير من الناس، بل إن النبي ﷺ سحر، وتعاطى الأسباب لإبطال أثر هذا السحر مشرعًا لأمته من بعده، ومبينًا الوسائل المطلوبة والأسباب الشرعية التي يلزم اتباعها من أجل التداوي من السحر وآثاره.
[ ٥٧ / ١ ]
إثبات أن النبي ﷺ سُحِر
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فما زلنا مع هذا الكتاب العظيم شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، وتوقفنا فيه عند الكلام على السحر، وفرقنا بين السحر وبين المعجزة وبين الكرامة، وأثبتنا أن السحر نوعان، وبينا هذين النوعين.
ونتكلم اليوم عن مسألة مهمة قد أنكرها كثير من أهل البدع، وردوا الأحاديث الصحيحة فيها، وهي مسألة أن النبي ﷺ، سُحِر، فهل معهم حجة في ذلك أم لا؟ أقول: قد سُحر النبي ﷺ، وهذه دلالة على بشرية النبي ﷺ، وقد أثبت الله أن للسحر تأثيرًا، وأن هذا التأثير لا يكون إلا بإذن الله جل وعلا، قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢]، فأفاد هذا النص الكريم أن السحر يضر، وأن السحر يؤثر، وقد بينا أن السحر يؤثر في الظاهر وفي الجوارح، فيمكن أن يؤثر على القلوب بالهم والغم ويؤثر على العقول، لكن مع ذلك فإنه لا يقلب الحقائق.
وقد ثبت خبر سحر رسول الله ﷺ في البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ وأرضاها قالت: (سحر النبي ﷺ حتى كان يخيل إليه أنه يأتي أهله وما يأتي أهله.
وفي رواية: أن الرسول ﷺ قال: (استفتيت ربي فأفتاني، وجاءه ملكان ملك عند رأسه وملك عند رجله فقال أحدهما: ما بال الرجل؟ قال الآخر: مطبوب، قال: من طبه؟ -يعني: من سحره؟ - قال: لبيد بن الأعصم) ثم استخرج السحر من المكان الذي وضع فيه وشفي النبي ﷺ.
ولم ينتصر النبي ﷺ لنفسه من لبيد لحكمة بيناها فيما مضى.
والمقصود: أنه قد ثبت أن النبي ﷺ سحر، وثبت أنه كان يخيل إليه أنه يأتي أهله وما يأتيهم، وقد ثبت هذا بالنص الصريح، والشرع من الله جل وعلا والوحي قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].
[ ٥٧ / ٢ ]
الحكمة من وقوع السحر في النبي ﵊
والله ﷿ لا يصنع شيئًا إلا وله حكم بليغة في هذا الصنيع، والله حكيم عليم، ومن دقق النظر في خبر سحر النبي ﷺ ظهرت له وحكم بليغة جدًا منها:
[ ٥٧ / ٣ ]
ما وقع من سحر النبي ﷺ دليل على بشريته
أولًا: الرد القاطع على أهل التصوف الغالين في رسول الله ﷺ، حيث يثبت الله جل وعلا للناس أن النبي ﷺ ما هو إلا بشر مثلكم، ومن جلدتكم، ومن بني آدم، يتأثر بما تتأثرون به، ويأكل ويشرب ويمشي في الأسواق، ويأتي أهله، ويمرض، بل إنه يسحر كما تسحرون، وهذا رد قاطع على المتصوفة الذين يقولون: إن النبي ﷺ فوق طبقة البشر، وإنما خلق من نور ولم يخلق من ماء وطين! فمن رحمة الله للعالمين أنه أرسل إليهم رسولًا منهم يدعوهم إلى الله جل وعلا.
فأول هذه الحكم تقطع الغلو في الرسول ﷺ، وقد قال الرسول ﷺليحسم مادة الشرك وليحافظ على التوحيد-: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله)، إذ إن الذين غلوا في عيسى ما قالوا: إنه خلق من ماء وطين، بل قالوا: هو مشتق من الأقانيم الثلاثة، التي هي نور من الله جل وعلا، ونسبوا عيسى لله جل وعلا.
وأهل التصوف شابهوا فعلهم هذا فقالوا: محمد لم يخلق من ماء وطين بل خلق من نور، ثم ارتقوا بعد ذلك إلى أن وسموه بالربوبية والإلهية، كما قال البوصيري في البردة: وإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم فما ترك لله شيئًا، فالدنيا والآخرة من وجود النبي ﷺ، وعلم اللوح والقلم من علم النبي ﷺ، فأين الله؟! ولذلك تعقب ابن رجب صاحب البردة فقال: هذا الرجل جن في عقله، فما ترك لله جل وعلا شيئًا، وإنما جعل كل شيء للنبي ﷺ.
فمن الحكم البليغة فيه إظهار بشرية النبي ﷺ، وأن رسول الله ﷺ يتأثر كما يتأثر البشر، ويمرض كما يمرض البشر، وفي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ قال: (دخلت على النبي ﷺ وكان مريضًا يتألم ويتوجع، فقلت: يا رسول الله! إني أراك توعك وعكًا شديدًا، فقال: نعم.
إني أوعك مثلما يوعك الرجلان منكم، قلت: ذلك أن لك أجرين؟ قال: نعم).
والشاهد في هذا الحديث: أن النبي ﷺ يوعك كما يوعك البشر، بل إنه ﷺ كسرت رباعيته في أحد وكاد يقتل صلوات ربي وسلامه عليه لولا أن الله جل وعلا أنزل في كتابه أمرًا مقضيًا: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧].
فالله جل وعلا مكّن ليهودي كافر حاقد حاسد من إيذاء النبي ﷺ لبشريته ﷺ.
[ ٥٧ / ٤ ]
ما وقع من سحر النبي ﷺ فيه تشريع للبشر من بعده
ثانيًا: في خبر سحر النبي ﷺ تشريع للبشر، فالنبي ﷺ بعدما شفي من السحر قال: (استفتيت ربي فأفتاني فجاء الملكان) أي: بعدما أخرج السحر الذي عمل لرسول الله ﷺ من البئر شفاه الله، لكنه لم يقتل لبيدًا مع أن حد الساحر أن يضرب بالسيف، ويقتل إما ردة وإما حدًا على التفصيل السابق، فلم يفعل رسول الله ذلك تشريعًا للأمة، وليبين أن المسألة وإن كان فيها أمر وإن كان فيها شرع، فالمرء يمكن أن يمتنع عن تطبيقه لعلة ولحكمة أبلغ.
فالنبي ﷺ لم يقتل لبيدًا حتى لا تتألب عليه الأمم، وحتى لا يقول اليهود: إن محمدًا يقتل الناس بغير حق ولا إثبات، فالنبي ﷺ لم يقتل لبيدًا لهذا المقصد العظيم.
وقد ثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ عطل بعض الحدود لعلل وحكم مقاصد، ففي عام الرمادة كان الناس يقتتلون على الطعام ولا طعام لهم ويمكن أن يسرق بعضهم من بيت مال المسلمين نفسه؛ ومع هذا لم تقم الحدود؛ لأن هذه شبه تدرأ بها الحدود.
[ ٥٧ / ٥ ]
ما وقع من سحر النبي ﷺ فيه بلاء واختبار لصدق أهل الإيمان
ثالثًا: في سحر النبي ﷺ بلاء واختبار وتمحيص لإظهار أهل الدين، هل يصدقون ربهم أم لا؟ وقلوبهم هل استقر فيها الإيمان بحق أم لا؟ إذ إن الله جل وعلا يختبر القلوب، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩]، والله جل وعلا ليختبر صدق المرء ينزل عليه البلايا والفتن تترى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢].
إن مما يتلى على الناس ليل نهار، قول الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]، فعندما يسحر النبي ﷺ تفتتن القلوب كما حدث للأغرار الأغمار من المعتزلة وأهل البدعة والذين ينفخون في أبواق المعتزلة في هذه العصور، يفتتنون بذلك ويقول قائلهم: رسول معصوم كيف يسحر؟ فنجيبهم: هو عبد لله جل وعلا ويسحر، فيفتن الله جل وعلا الناس ليغربلهم.
ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥] فهو فتنة، ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال:٣٧]، فيرتقي الطيب عنده وينزل الخبيث في صفوف المنافقين في الدرك الأسفل من النار.
فالثابت عن النبي ﷺ أنه سحر، وهذه بعض الحكم التي أدركناها.
وما خفي كان أعظم وأعظم وأعظم، إذ إن حكم الله لا يكون لها عد، ولكل شيء فعله الله حكمة بليغة، لكن يوصل الله لها من يشاء من عباده.
[ ٥٧ / ٦ ]
إنكار أهل الأهواء والبدع لحادثة سحر النبي ﷺ والرد عليهم
فهذا الحدث الثابت ثبوت الجبال الرواسي في البخاري ومسلم أصح الكتب بعد كتاب الله أنكره بعض المبتدعة، شرذمة من أهل الأهواء يأتون إلى شرع الله فيختبرونه بعقولهم العطبة، ويأتون إلى أحاديث النبي ﷺ فيمررونها على العقول، فإن قبلتها عقولهم أخذوا بها، وإلا نحوها جانبًا، فهم يقدمون العقل على النقل، فالمعتزلة وأذيال المعتزلة في وقتنا الحاضر من أهل الإسلام المستنير يأتون في الفضائيات وغير الفضائيات ويقولون: كيف يسحر النبي ﷺ وهو معصوم؟ وإثبات هذه الحادثة إنما هو قدح في نبوته وفي رسالته وفي تبليغه، وهذه العلة التي يتمسكون بها أوهى من بيت العنكبوت، قالوا: إذا أثبتنا هذا الحدث العظيم، وهو أن النبي ﷺ سحر فإنه يكون غير معصوم، وإن كان ليس بمعصوم إذًا لم يبلغ تمام البلاغ، وهذا قدح في النبوة، نعوذ بالله من ذلك.
وكثير من المتكلمين في هذه العصور يردون على البخاري ومسلم روايتهما في إثبات حادثة سحر النبي ﷺ بزعم أن هذا قدح في النبوة، وقدح في التبليغ والعصمة.
[ ٥٧ / ٧ ]
إنكار وقوع السحر للنبي نفي لما أثبته الله جل وعلا
ونرد على المنكرين لحادثة سحر النبي ﵊ من جوه: الوجه الأول: نقول لهم: لم تنفون ما أثبته الله؟ ونحن متعبدون ومربوبون لله، فما أثبته الله فهو ثابت، وما أثبته رسوله فهو ثابت، لا يغيره شيء بحال من الأحوال.
وقد ثبت بالدليل الصريح الصحيح وبالشرع الذي يقبله العقل، وهو من النقل الصحيح: أن النبي ﷺ سحر، فإذا ثبت ذلك فليس لكم أن تنفوا ما أثبته الله جل وعلا، وإلا كان لازم هذا الفعل أن تقعوا تحت طائلة الآية: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧].
فأنتم تخالفون مفهوم هذه الآية وقوة هذه الآية، إذ إن الله جل وعلا قد أثبت شيئًا فيلزمكم أن تصدقوه، فتثبتون ما أثبته الله جل وعلا، فأول واجب على المسلم أن يتمسك بالشرع، فالشرع قاصم لظهر أي مبتدع، ولذلك أنا أنصح أي طالب علم إذا جاء مبتدع ليجادله فلا ينبس ببنت شفة إلا بقال الله وقال الرسول فيحار في أمره، ولا يستطيع أن يواجه هذه الأدلة، فضوء الشرع ساطع يحرق كل مبتدع.
فالله جل وعلا أثبت أن للسحر تأثيرًا، حيث قال جل وعلا: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢]، ومفهوم هذه الآية ومعناها: أن السحر له تأثير بإذن الله جل وعلا، وقد أذن الله أن يتأثر رسوله ﷺ لحكم بليغة سبق الكلام في بعض منها.
كما أن هذا النص الصريح الصحيح لا مدخل للطعن في إسناده فأسانيده كالشمس وقد اتفق عليها البخاري ومسلم، فأثبتت الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ قد سحر وقد تأثر بالسحر ﷺ، وهذا شيء أثبته الله وأثبته رسوله ﷺ فوجب عليكم إذا أقررتم أنكم من عباد الله أن تسلموا لأمر الله بأن تثبتوا ما أثبته الله ورسوله، وليس لكم سبيل للخروج من هذا.
[ ٥٧ / ٨ ]
وقوع السحر للنبي لا ينفي عصمته في الأمور الدينية
الوجه الثاني: أن نقول: العصمة عصمتان: عصمة في التبليغ، وعصمة في الأمور الدنيوية -يعني: عصمة أخروية وعصمة دنيوية- والعصمة الأخروية أو العصمة الدينية هي المقصودة بقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]، وليست العصمة الدنيوية، فالنبي ﷺ ضرب وكسرت رباعيته، وكاد يقتل في أحد، والنبي ﷺ وقع عن بعيره ودحست وركه، والنبي ﷺ مرض، فإذا قلت بأن ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] المقصود بها العصمة الدنيوية فإنك تكون قد كذبت بالآية، والصحيح أنك تقر بهذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]، وأن الله جل وعلا يعصمه في التبليغ، وقد ثبت في الحديث: (أن أعرابيًا قام على رأس النبي ﷺ والسيف في يده صلتًا وهو يقول: من يعصمك مني؟ قال: الله، فوقع السيف من يد الرجل، فأخذ النبي ﷺ السيف وقال: من يعصمك مني؟ قال: كن خير آخذ) ﷺ، فالله ﷿ قال لنبيه: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]، فهذا الرجل لن يقتلك؛ لأن لك وقتًا ستبلغ فيه البلاغ التام حتى يتم هذا الدين.
فقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] مفاده العصمة في مسألة التبليغ، أما الأمور الدنيوية فإن الله يبتلي بها نبيه ﷺ، ولا غرو أن نقول: إن النبي ﷺ اشتد عليه المرض، حتى إن بعض العلماء قال: إن النبي ﷺ مات بتأثير السم الذي كان في كتف الشاة التي أهدته المرأة اليهودية، فلما نهش منها نهشة أخبرته أنها مسمومة، وكان أنس يقول: (ما زلت أرى ذلك في لهاة النبي ﷺ)، ومات متأثرًا بالسم، (وكان ﷺ عند موته يضع يده في الماء، ويضعه على رأسه ويقول: لا إله إلا الله إن للموت لسكرات).
فيكون المقصود بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]، العصمة الأخروية وإن كانت عصمة دنيوية فإنما هي من أجل التبليغ، وأدلة ذلك متوافرة متضافرة كثيرة جدًا لا تحصر في كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]، وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧]، وقال جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧].
وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ وأرضاها قالت: ثلاثة من حدث بهن فقد كذب، وفي رواية: فقد أعظم على الله الفرية، من قال: إن محمدًا قد رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، أو فقد كذب، ثم استدلت الأدلة التي تكلمنا عنها قبل ذلك، وقالت في الثانية وهو محل الشاهد: ومن قال لكم: إنه لم يبلغ، فقد أعظم على الله الفرية أو فقد كذب؛ لأن رسول الله ﷺ أمر بالبلاغ، وقد بلغ ﷺ تمام البلاغ، وقال في حجة الوداع: (ألا هل بلغت؟ فقالوا: نعم.
قال: اللهم فاشهد، اللهم فاشهد).
فالعصمة عصمتان: عصمة من أجل التبليغ، وعصمة دنيوية، وهذه غير مطلوبة، والنبي ﷺ يقع عليه ما يقع على البشر، والعصمة الأخروية للتبليغ لا بد أن تكون للنبي ﷺ؛ لأن الله قضاها: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب:٣٨] ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء:٤٧].
وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (إنما أنا بشر أنسى كما تنسون)، فيقع عليه أمر النسيان، لكن فيما سوى التبليغ، إذًا: هو بشر يعتريه ما يعتري البشر من النسيان إلا في التبليغ، والدليل على ذلكم قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى﴾ [الأعلى:٦].
فالعصمة هي للبلاغ والتبليغ.
[ ٥٧ / ٩ ]
تأثير السحر في العلاقة الزوجية للنبي ﷺ
الوجه الثالث: استدلوا بقول عائشة: (وكان يأتي أهله وما يأتي أهله)، فقالوا: في هذا الدليل أن الرسول ﷺ يأتي أهله وما يأتي أهله.
فنقول لهم: الرد على هذه الشبهة من وجهين: الوجه الأول: تفسير: (كان يأتي أهله وما يأتي أهله)، فيه إثبات وفيه نفي، ومعناه: أن الرسول ﷺ كان يهم ويعزم ويشتهي أهله فيذهب ليجامع أهله فيربط عن ذلك وتخور العزائم وتفتر الهمم عن الجماع.
وهذا واقع مشاهد عند كثير من الناس فإنهم إذا أرادوا الجماع يربطون عن أهليهم.
الوجه الثاني: أن هذا من باب التخيل، وهو ما نسميه في الوقت الحاضر بأحلام اليقظة، حيث يجلس المرء يفكر في شيء فيسرح مع هذا الشيء وهو لم يكن قد وقع، والنبي ﷺ يحصل له مثل هذا فهو لم يجامع أهله واقعًا، لكن يتخيل ذلك من أثر السحر، وهذا رد عليهم على هذه الشبهة.
والصحيح الراجح كما بينا: أن النبي ﷺ قد سحر، وهذا السحر وقع عليه، والله جل وعلا له في ذلك حكم.
أما بالنسبة لحديث عائشة: (كان يأتي أهله وما يأتي أهله)، معناه: إذا أراد أن يأتي فلا يأتي، ودليل ذلك من اللغة قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨]، ومعناه: إذا أردت أن تقرأ القرآن.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
[ ٥٧ / ١٠ ]