فتنة الدجال أعظم فتنة منذ أن خلق الله السماوات والأرض إلى أن يرثهما وما عليهما، وقد بين النبي ﷺ أوصافه؛ حتى يعرفه المسلم، ويحذر منه، وبين الأمور التي تكون بها العصمة منه، فعلى المرء أن يعرفها ويتحصن بها.
[ ٥٩ / ١ ]
التحذير من الدجال
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فما زلنا مع هذا الكتاب المبارك العظيم (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة).
والكلام في هذا المقام هو عن الدجال وهو من الكلام على الغيبيات، وقد ذكر العلماء بأنه يعتبر من أشراط الساعة الكبرى، فـ الدجال شر غائب ينتظر، وهو أشد فتنة تقع على الناس في آخر العصور، فهو منبع الكفر والضلال، ومورد الفتن والأوحال، كما بين النبي ﷺ، وسوف نتناول الكلام على الدجال في أكثر من موضع: الأول: التحذير منه.
الثاني: وصفه.
الثالث: فتنته.
الرابع: كيفية النجاة منه.
الخامس: نهايته.
السادس: ذكر الذين ردوا أحاديث الدجال وشغبوا عليها، وقالوا أو زعموا زعمًا باطلًا بهتانًا وزورًا أن الدجال هو كل رجل خبيث، يعني: أن الدجال رمز لكل شيء خبيث.
[ ٥٩ / ٢ ]
صفة الدجال
الدجال: اسم لكل فاسق زنديق يخرج عن دين الله جل وعلا، ويبتدع فيه، فمن كان كذلك يسمى دجالًا، والنبي ﷺ حذر من الدجال أيما تحذير، كما في الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: (ما من نبي إلا وقد حذر أمته الدجال)، وفي رواية: (ونوح قد حذر أمته من الدجال).
وأيضًا في الصحيحين: أن النبي ﷺ حذر أمته من الدجال الكذاب، فصعد فيه وخفض على المنبر حتى قال الصحابة: حسبنا أنه في طائفة النخل، يعني: قلنا: إن الدجال من شدة ما حذر النبي ﷺ بجانب النخل أو الشجر، يعني: خلفنا، فالنبي ﷺ عندما رأى من الصحابة هذا الخوف والوجل قال: (إذا خرج فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن خرج ولست فيكم فكل امرئ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم).
وهذا الدجال وصفه لنا النبي ﷺ؛ حتى يكون المرء على بينه منه، ومن ذلك قوله ﷺ في وصف بعد أن ذكر المسيح ابن مريم: (ورأيت وراءه رجلًا جعدًا قططًا، كأشبه الناس بـ ابن قطن، واضعًا يديه على منكبي رجلين يطوف بالكعبة، فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا المسيح الدجال) فمن أوصافه أنه جعد قطط، كأشبه ما يكون بـ ابن قطن.
وقال النبي ﷺ أيضًا في وصفه: (إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور).
وقال ﷺ: (كأن عينه عنبة طافية).
فعينه الأولى فيها عور، يعني: لا يرى بها، والأخرى: فيها عيب.
فهذا من دقيق وصف النبي ﷺ لهذا الأعور الدجال.
[ ٥٩ / ٣ ]
فتنة الدجال
ّبين النبي ﷺ أن أشد فتنة منذ آدم ﵇ إلى آخر الخليقة هو الدجال، كقوله ﷺ: (ما من فتنة منذ ذرأ الله الذرية أو ذرية آدم إلى آخر الخليقة مثل فتنة الدجال).
هذا الأعور الكذاب قال عنه النبي ﷺوإن كان الحديث فيه ضعيف لكن نستأنس به مع هذه الأحاديث الصحيحة-: (بادروا بالأعمال فتنًا) يعني: بادروا قبل الفتن التي تهجم عليكم، ثم قال: (الدجال شر غائب ينتظر) فهو شر غائب ينتظر، وهو أشد فتنة تأتي.
وقد فسر النبي ﷺ فتنة الدجال وبينها أيما تبيين للأمة؛ لتعلم أن هذه أشد فتنة بحق، فقال ﷺ: (يا عباد الله! فاثبتوا) وإنما قال هذا ليبين هذه الفتنة الشديدة على الناس، وقال: (إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور) وقال أيضًا: (إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا؛ فإذا رأيتموه فليس هو بربكم)، ثم بين فتنه.
وفي روايات كثيرة في الصحيحين وفي السنن: أن النبي ﷺ بين من فتنته أنه ينظر إلى السماء فيقول لها: (أمطري فتمطر، وينظر إلى الأرض فيأمرها أن تنبت فتنبت، ويأتي على الخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتخرج كنوزها).
ومن فتنته: أنه يأتي إلى الأعرابي فيقول له: (أنا ربك، تؤمن بي إن بعثت لك أباك وأمك؟ فيقول: نعم، أؤمن بك، فيأمر شيطانًا فيتمثل له في أبيه وأمه)، فهذا الشيطان يأتيه بصورة أبيه وصورة أمه فيقولان له: آمن به فهو ربك، فيؤمن به، والعياذ بالله! ومن فتنته ما ورد في حديث النبي ﷺ: (أنه يمر على القوم فيكذبون فما تبقى لهم سائمة) يعني: تموت كل السوائم، ويعيشون في ضنك بعدما يكذبونه، وهذه فتنة من الله جل وعلا وبلاء عظيم، ثم يمر على القوم فيؤمنون به فيرجعون أحسن ما كانوا وأغنى ما كانوا، يعني: تنزل عليهم النعم، وتطرأ عليهم حين يؤمنون به، وهذا أيضًا فتنة من الله جل وعلا.
وأشد الفتن التي يأتي بها -كما بين النبي ﷺ-: أن معه نارًا وجنة، فقال ﷺ: (معه نار وجنة، وجنته نار، وناره جنة، فليدخل أحدكم رأسه في هذه النار وليدع الله جل وعلا) أو قال: (ليستعذ بالله وليقرأ عليه فواتح سورة الكهف)، ثم قال: (فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم ﵇).
فهناك فتن عظيمة جدًا مع هذا الرجل.
وأشد الفتن بعد الجنة والنار: أنه يأتي برجل ثم يقول للناس: ترونه؟ لو أمته ثم أحييته أليست هذه صفة الربوبية؟ فهل تؤمنون بي؟ قالوا: نعم، فيأخذ الرجل فيشقه بمنشار حتى يقسمه نصفين، ويسير بينهما، ثم ينادي عليه فيقول: قم، فيلتئم نصف الشق الأيمن مع الشق الأيسر فيقوم متهللًا ينظر إليه، فيقول: تؤمن بي؟ أنا ربك، فقال النبي ﷺمبينًا أن هذا هو خير الشباب في تلك العصور- فيقول له: (والله ما ازددت فيك إلا بصيرة؛ أنت الأعور الكذاب، أنت الدجال الذي حذرنا منه النبي ﷺ).
فيمكث في الناس قدر ما يمكث، ويأتي بخوارق العادات، وبالأعاجيب التي ملكه الله إياها حتى يكون بلاءً على الناس، وأكثر من يؤمن بـ الدجال اليهود عليهم لعائن الله جل وعلا، وأيضًا: النساء أكثر أتباع الدجال، وأيضًا يتبعه من النصارى جزء، وكل طائفة من هؤلاء الطوائف الثلاثة يتبعون المسيح.
أما الأمة الإسلامية فتنتظر مسيح الهدى الذي يقتل الدجال، رغم أنوف أهل الاعتزال والخوارج وأهل الكلام، وأيضًا: النصارى ينتظرون المسيح، ولكن ينتظرون المسيح ربهم، واليهود ينتظرون المسيح الذي بشر به موسى، والمسيح الذي بشر به موسى قد جاء وهو عيسى بن مريم عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام.
المقصود: أن الثلاث الطوائف ينتظرون المسيح؛ فـ المسيح الدجال سيؤمن به اليهود والنصارى، أما نحن فننتظر مسيح الهدى الذي سيقتل هذا المسيح الدجال الذي يمكث في الأرض يفتن الناس ويفتتن به الناس.
[ ٥٩ / ٤ ]
مكث الدجال في الأرض
وأما مكثه في الأرض فقد بين النبي ﷺ ذلك عندما سألوه وقالوا: يا رسول الله! ما مكثه؟ فقال النبي ﷺ: (يلبث فيكم أربعون: يومًا كسنة -يعني: يلبث أو يمكث يومًا كسنة- ويومًا كشهر، ويومًا كأسبوع، وباقي أيامه كأيامكم هذه) ولذلك قالوا: يا رسول الله! أنصلي في اليوم الذي هو سنة صلاة واحدة وتكفينا؟ فقال: (لا؛ اقدروا له قدره) يعني: تعرف على ما بين العصر والظهر، وكلما يمر عليك وقت كما بين الظهر والعصر تصلي الظهر، ثم تصلي العصر، ثم تصلي المغرب، ثم تصلي العشاء، فحتى وإن لم تغرب الشمس عامًا كاملًا تصلي كل يوم، وتقدر له قدره، هذه مدة لبث المسيح الدجال في الأمة، فهي ليست بالهينة.
[ ٥٩ / ٥ ]
كيفية النجاة من فتنة الدجال
إذا علم المسلم فتنته وعلم المدة التي سيمكث فيها فكيف ينجو منه ومن فتنته العظيمة؟ بين لنا النبي ﷺ ذلك أيما بيان.
فأول طريق من طرق النجاة من فتنة الدجال: الهروب منه، قال النبي ﷺ: (من سمع به فلينأ عنه) فإذا سمعت به في مكان فاذهب في المكان المخالف؛ فإن كان في المشرق فكن في المغرب، وإن كان في المغرب فكن في المشرق، ولا تجتمع معه في مكان بحال من الأحوال، فهذه أول طرق النجاة.
واستنبط العلماء من ذلك: أن كل امرئ لا بد عليه إذا وردت فتنة أن لا يستشرفها، ويظهر لها؛ إذ أنه لو استشرف هذه الفتنة استشرفته وأخذته وقبضته، وقلبته، وقد يظن بنفسه أنه مؤمن فيقع، فالنبي ﷺ بين لنا رجلًا ظن بنفسه الخير، وظن بنفسه أنه على أتم ما يكون من الإيمان، فيسمع بـ الدجال فيقول: أنظر إلى هذا الدجال، وأذهب إليه، فيذهب إليه فيفتتن فيؤمن به! فالمرء عليه أن يبعد عن مكان الفتن، وإذا أتت من مكان يذهب إلى مكان آخر، كما قال النبي ﷺ: (من سمع به فلينأ عنه).
الطريق الثاني من طرق النجاة: أن يقرأ في وجهه فواتح سورة الكهف، كما قال النبي ﷺ: (فليستغث بالله، وليقرأ فواتح سورة الكهف).
هذا حديث صحيح عن النبي ﷺ، ففواتح سورة الكهف تنجي الإنسان من فتنة الدجال وتعصمه، وتكون حاجزًا بينه وبين فتنته.
الطريق الثالث من الطرق التي تكون فيها النجاة عن هذا الدجال الأعور: أن النبي ﷺ بين لنا بيانًا شافيًا فدلنا على علامة يراها كل قارئ وغير قارئ، فبين أن الدجال مكتوب بين عينيه: كافر، كما قال النبي ﷺ: (يا عباد الله! إنه بين عينيه مكتوب: ك ف ر، أو قال: كافر، يقرؤها كل قارئ وغير قارئ) حتى الأمي يقرؤها، فعلى المؤمن أن ينظر في هذه العلامة التي بين عينيه؛ فإنه مكتوب بين عينيه: ك ف ر، وهذه على الحقيقة وليست على المجاز، فإذا قرأها يعلم أنه الدجال فينأى عنه.
الطريق الرابع من طرق النجاة من هذا الدجال الكذاب: سكن مكة والمدينة؛ فإن الدجال قبل ما يمكث في الأرض تستدبره الريح، فيسير في كل أنحاء العالم في ساعات قليلة، أو في دقائق معدودة، أو ثوانٍ معدودة، لكنه لا يستطيع الدخول إلى مكة والمدينة، فيعصم المرء بمكثه في مكة أو المدينة؛ إذ إن النبي ﷺ قال: (على كل نقب من نقاب المدينة ملك معه سيف مصلت) فإذا جاء ليدخل مكة والمدينة رأى الملائكة فرجع الخبيث عدو الله، ونكص على عقبيه فلا يدخل المدينة، لكن المدينة ترتجف وتتزلزل تحت أقدام المنافقين فتخرج كل منافق، فيؤمن به، لكن المؤمن حقًا هو الذي يبقى في المدينة، والله جل وعلا سيعصمه من فتنة الدجال.
الطريق الخامس من الطرق التي ينجو بها المرء من فتنة الدجال: كثرة الدعاء بالعصمة من هذه الفتنة، فقد كان النبي ﷺ يدعو الله كثيرًا أن يعصمه من فتنة الدجال، كما في الصحيحين عن عائشة ﵂ وأرضاها أنها قالت: (كان النبي ﷺ يستعيذ من أربع) يعني: بعد كل صلاة بعدما يقرأ التشهد يستعيذ من أربع: (اللهم إني أستعيذ بك من فتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال، ومن عذاب القبر ومن عذاب النار)، فكان يستعيذ النبي ﷺ كل يوم خمس مرات من فتنة المسيح الدجال.
فهذه الطرق التي ينجو بها المرء من هذا الدجال الكذاب.
[ ٥٩ / ٦ ]
ذكر بعض الأحاديث في وصف الدجال
وهذا الدجال وصفه لنا النبي ﷺ؛ حتى يكون المرء على بينه منه، ومن ذلك قوله النبي ﷺ في وصف الدجال بعد أن ذكر المسيح ابن مريم: (ورأيت وراءه رجلًا جعدًا قططًا، كأشبه الناس بـ ابن قطن، واضعًا يديه على منكبي رجلين يطوف بالكعبة، فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا المسيح الدجال) فمن أوصافه أنه جعد قطط، كأشبه ما يكون بـ ابن قطن.
وقال النبي ﷺ أيضًا في وصفه: (إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور).
وقال: (كأن عينه عنبة طافية).
فعينه الأولى فيها عور، يعني: لا يرى بها، والأخرى: فيها عيب.
هذا أيضًا من دقيق وصف النبي ﷺ لهذا الأعور الدجال.
[ ٥٩ / ٧ ]
وجوب الإيمان بخروج الدجال ووجوده، والرد على من ينكر ذلك
وبقيت هنا مسألة واحدة في الكلام على الدجال، وهي: إن ثبت لنا بالحديث الصحيح خروج الدجال وإن ثبتت لنا طريق فتنة الدجال، وإن ثبت لنا طريق النجاة من هذه الفتنة العظيمة، إن ثبت كل ذلك فما علينا إلا أن نقول: نستيقن ونعتقد خروج الدجال، فإن شوش علينا أو إن شغب علينا بعض المبتدعة، أو بعض أهل الأهواء، أو بعض أهل الكلام على هذه الحقائق الثابتة الراسية كرسوخ الجبال، فإنا نرد عليهم ذلك.
وكلام أهل البدع في الدجال هو أنهم ردوا هذه الأحاديث، وهم على طائفتين: الطائفة الأولى: ردوا هذه الأحاديث كلية، يعني: كذبوها.
والطائفة الثانية: لم ترد، ولكنها أولتها تأويلًا غير مقبول وغير سائغ.
أما الطائفة التي ردتها فهم: المعتزلة والخوارج، فإنهم ردوا أحاديث الدجال ولم يؤمنوا بها، وقالوا: هذه الأحاديث ليست بثابتة.
والطائفة الثانية قالوا: الدجال رمز لكل شر، يعني: أن أحاديث الدجال هذه ليست على حقيقتها، فـ الدجال ليس بشرًا من لحم ودم، بل هو رمز يدل على كل شر.
وقالوا: أما بالنسبة لأحاديث عيسى ﵇ والملائكة فهذا رمز لكل خير، فـ الدجال رمز لكل شر، ونزول عيسى وقتل الدجال هو رمز لكل خير.
فالمعتزلة وأفراخ المعتزلة الذين هم أهل الأهواء ردوا الأحاديث أو أولوها، والأحاديث الصحيحة ترد عليهم، فإن النبي ﷺ صرح بوجود الدجال، وصرح بفتنته، والأحاديث في البخاري ومسلم ترد عليهم.
ولا نعاني إلا الرد على بعض الفضلاء الذين قالوا: الدجال ليس موجودًا الآن، أي: يقولون: نحن نؤمن بمجيء الدجال بفتنته، لكن لا نثبت وجوده الآن، فهؤلاء يقولون: ليس بموجود الآن، وشبهتهم في ذلك: أن الأقمار الصناعية الموجودة في هذا العصر الحديث لم تر الدجال، يعني: أن الأقمار الصناعية التي رأت كل شيء لم تكشف لنا عن وجود الدجال، فالأقمار الصناعية والجواسيس والمستحدثات الكثيرة لم تر الدجال، فلو كان موجودًا في أي بقعة من بقاع الأرض لرأته الأقمار الصناعية من الفضاء، قالوا: فإننا ننظر بواسطتها في كل بقاع الأرض، فلم نجد الدجال، ولا رأيناه مسلسلًا ولا غير ذلك، وأيضًا: لم نره موجودًا تحت ساحل البحر، ولا في الصحراء، ولا في أي مكان، فـ الدجال غير موجود.
فنقول لهم: أأنتم أعلم أم رسول الله ﷺ؟ فإن الله جل وعلا قد أثبت وجود الدجال على لسان رسوله ﷺ، وقد ثبت لنا في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أن الدجال موجود، وأن فتنته ستأتي على هذه الأمة، فإن رددتموها على الله وعلى رسوله ﷺ بهذه الشبهة التافهة فقد ضللتم، فالأقمار الصناعية وغيرها هي قاصرة عن رؤية أخبار الثقة، وهي قاصرة عن الاطلاع على الأضواء التي تسقطها هي، فإن بعضهم يقول: إنهم نزلوا في قرية من القرى وأسقطوا عليها الأشعة فخفيت عن هذه الأقمار الصناعية، فالأقمار الصناعية ما أحاطت علمًا بالغيب، والله هو الذي أحاط العلم بالغيب.
فبالنسبة للأقمار الصناعية نقول فيها: هي من صنيع البشر، والأصل في البشر العجز والتقصير، فيكون ما نتج منهم أيضًا عاجز وقاصر عن أن يرى مثل هذه الغيبيات، التي أخبرنا بها جل وعلا، ومن هؤلاء الفضلاء: الشيخ محمد بن صالح بن العثيمين، وهو يؤمن بفتنة الدجال، لكن لا يثبت وجوده الآن، ويرى عدم صحة حديث تميم الداري في مسلم، وفيه قال النبي ﷺ: (حدثني تميم الداري بحديث قد حدثتكم به) ثم ذكر ما رآه تميم الداري من أنه دخل إلى الجزيرة فوجد دابة كثيرة الشعر، فدلته على الدجال، إلى آخر الحديث، ثم أخبر النبي ﷺ عن هذا الخبر، ففرح ﷺ بهذا الوصف وخطب الناس.
وقال: (حدثني تميم الداري) ثم ذكر خبر الدجال، فالشيخ ابن العثيمين كأنه يضعف هذا الحديث، والحديث ثابت في صحيح مسلم، والأصل أن لا يرد هذا الحديث من أجل أننا نقول: ما رأيناه في مكان من الأمكنة، بل ثبت عن النبي ﷺ وجود الدجال منذ زمنه ﷺ إلى وقتنا هذا، فنحن نثبته والنبي ﷺ قد أثبته، ولم يأتنا دليل على نفي وجوده.
نسأل الله جل وعلا أن يثبتنا ويثبت المسلمين من هذه الفتن، ويقينا الظاهرة منها والباطنة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
[ ٥٩ / ٨ ]