ثم شرع الشيخ - رحمه الله تعالى - في تفصيل الأصل الأول فقال:
«فإذا قيل لك: من ربك؟ فقل: ربي الله الذي رباني»؛ أي خلقني وأنشأني «وربى جميع العالمين بنعمه» فهو المنعم على العباد بكل ما لديهم من النعم ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ﴾ [النحل: ٥٣]،
[ ١٨ ]
وهذا المعنى مأخوذ من معنى الرب، فالرب - كما سيأتي - من معناه: المالك والمنعم، والمعبود.
قال: «وهو معبودي ليس لي معبود سواه، والدليل قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (٢)﴾» الشاهد قوله: «رب العالمين»، ﴿الْحَمْدُ للّهِ﴾ الثناء كله يستحقه هو ﷾، وهو ﴿رَبِّ الْعَالَمِين (٢)﴾.
قال الشيخ: «وكل ما سوى الله عَالَم، وأنا واحد من ذلك العالم»، وأنا واحد مخلوق من جملة المخلوقات، فالسماوات والأرض وما فيهن عالَم، وقيل: سميت الموجودات عالمًا؛ لأنها علامة على خالقها، ومدبرها ﷾.
«فإذا قيل لك: بم عرفت ربك؟» أي: بأي طريقة عرفت ربك «فقل» عرفته «بآياته ومخلوقاته».
وأراد الشيخ بقوله: «بآياته ومخلوقاته» الآيات الكونية، والآياتُ الكونية: هي مخلوقاته، والعطف في قوله: «آياته ومخلوقاته» لا يدل على المغايرة في الوصف، فالآيات الكونية مخلوقات.
قال: «ومن آياته الليل والنهار، والشمس والقمر، ومن مخلوقاته السماوات السبع والأرضون السبع، وما فيهن وما بينهما» ولا يخفى أن الليل والنهار والشمس والقمر هي آيات ومخلوقات، والسماوات والأرض ومن فيهن هي آيات ومخلوقات، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٢]، ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِين (٢٠)﴾
[ ١٩ ]
معرفة الله تكون بالعقل وبالوحي
[الذاريات]، ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُون (٣٢)﴾ [الأنبياء]، فهذه الآيات الكونية.
«والدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُون (٣٧)﴾ [فصلت]». إذًا، هن مخلوقات، وآيات؛ أي: علامات على خالقها وصانعها ومُحكِم نظامها.
«وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِين (٥٤)﴾ [الأعراف]» فهو خالق هذه العوالم، وله الأمر، فهو الذي يدبر هذه العوالم بأمره ﷾.
ومعرفة العباد ربهم بآياته معرفة عقلية؛ لأن من ينظر في هذه الآيات ويتدبرها يدرك أن لها خالقًا، وأن الذي خلقها حكيم وعليم وقدير وعظيم ﷾.
والطريق الثاني لمعرفة الله هو: الوحي الذي بعث الله به رسله، فنعرف ربنا بأسمائه وصفاته بما بيَّن لنا في كتابه، ومنها أنه ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُون (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم (٢٤)﴾ [الحشر]، هذا تعريف من ربنا لنا بطريق الوحي والشرع، فالله عرَّف عباده بنفسه بآياته الكونية، وهي المخلوقات؛ وبآياته الشرعية، وهي آيات القرآن.
[ ٢٠ ]
يقول الشيخ ﵀: «والرب: هو المعبود». والرب الخالق لكل شيء المربي لعباده بنعمه هو المستحق للعبادة ﷾.
«والدليل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُون (٢٢)﴾ [البقرة]». فأمر الله ﷾ جميع الناس أن يعبدوه ويتركوا عبادة ما سواه، وهذا هو معنى «لا إله إلا الله»، وذكر ﷾ المعاني المقتضية لعبادته وهي: أنه خالقهم وخالق آبائهم وخالق السماوات والأرض، وهو الذي ينزِّل الغيث ويخرج الأرزاق، ومَن هذا شأنه فهو المستحق للعبادة، فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ هذا يتضمن إثبات العبادة لله، وقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة: ٢٢] يتضمن نفي إلهية من سوى الله؛ لأنه تعالى لا ند له.
«قال ابن كثير رحمه الله تعالى:» المفسر الشهير في «تفسير القرآن العظيم» «الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة» (^١). نعم، خالق السماوات والأرض، الذي جعل ﴿السَّمَاء بِنَاء وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢] أرزاقًا للعباد، هو الذي يستحق أن يُعبد، هذا موجَب العقل، فمن عبد مع الله غيره؛ فقد ضل عن الصراط المستقيم، وعدل بالله العظيم مَنْ ليس مِثله، والله تعالى لا مِثل له، ومن عبد مع الله غيره؛ فقد جعله ندًا لله، ومثيلًا لله.
_________________
(١) تفسير ابن كثير (١/ ١٩٧) بمعناه.
[ ٢١ ]
أنواع العبادة التي أمر الله بها وأدلتها
ثم قال الشيخ: «وأنواع العبادة التي أمر الله بها: مثل الإسلام، والإيمان، والإحسان، ومنه الدعاء، والخوف، والرجاء، والتوكل، والرغبة، والرهبة، والخشوع، والخشية، والإنابة، والاستعانة، والاستعاذة، والاستغاثة، والذبح، والنذر، وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها كلها لله تعالى» هذه العبادة بأنواعها كلها لله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون (٥٦)﴾ [الذاريات]، وقال تعالى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِّنْ الشَّاكِرِين (٦٦)﴾ [الزمر]، وقال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أي: لا نعبد غيرك.
والعبادة أنواع كثيرة:
منها أعمال قلبية: مثل: الخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والخشية.
ومنها أعمال ظاهرة: وهي: أعمال الجوارح؛ كالاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والذبح والنذر، ومنها: الركوع والسجود والصيام والحج والجهاد، وهناك أنواع أخرى، وإنما ذكر الشيخ هذه على سبيل المثال ولهذا قال: «وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها كلها لله» فالعبادة محض حقه ﷾.
«والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن]». السجود والصلاة لله وحده، والمساجد إنما تبنى لعبادته وحده لا شريك له، ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾؛ أي: لا تعبدوا مع الله غيره، ولا تتوجهوا بطلب الحوائج إلا إليه؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ
[ ٢٢ ]
من صرف شيئا من أنواع العبادة لغير الله، فهو مشرك
وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِين (١٠٦)﴾ [يونس]، ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين (٥٥)﴾ [الأعراف].
«فمن صرف منها شيئًا لغير الله؛ فهو مشرك كافر»؛ لأنه أشرك بالله، أي: عبد مع الله غيره، وجعله ندًا لله في عبادته.
«والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُون (١١٧)﴾ [المؤمنون]».
وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، وقال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين (٦٥)﴾ [الزمر]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَا كَانُوا يَعْمَلُون (٨٨)﴾ [الأنعام]، فمن صرف شيئًا من أنواع العبادة لغير الله؛ فهو مشرك كافر، وعمله حابط.
وبعد أن ذكر الشيخ أنواع العبادة، ذكر دليل كل واحد منها.
قال: «وفي الحديث: «الدعاء مخ العبادة» (^١)، والدليل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين (٦٠)﴾ [غافر]».
والآيات التي فيها الأمر بالدعاء والثناء على الداعين كثيرة، قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي
_________________
(١) رواه الترمذي (٣٣٧١) من حديث أنس بن مالك ﵁، وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة.
[ ٢٣ ]
الدعاء قسمين: دعاء مسألة ودعاء عبادة
وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُون (١٨٦)﴾ [البقرة]، وفي الحديث: «الدعاء مخ العبادة».
واستدل الشيخ بالآية والحديث على أن الدعاء من العبادة؛ لأنه تعالى قال في نفس الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾، والحديث الثابت لفظه عن النبي ﷺ: «الدعاء هو العبادة» (^١).
وقسَّم العلماء الدعاء إلى قسمين (^٢):
١ - دعاء المسألة، هو الطلب الصريح؛ كقول العبد: اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني، اللهم اهدني، مثل قوله تعالى: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيم (٦)﴾.
٢ - ودعاء عبادة، وهي: سائر العبادات.
فالصلاة دعاء، والصيام دعاء، والحج دعاء، والذكر كله دعاء؛ أي: دعاء عبادة، وسميت العبادة دعاء؛ لأن العبد طالب للثواب.
قال: «ودليل الخوف قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِين (١٧٥)﴾ [آل عمران]» فأمر الله بالخوف منه، وخوف الله من أجَلِّ أحوال القلوب وأفضلها؛ لأنه يمنع صاحبه من الإقدام على معصية الله.
وفي معنى الخوف: الخشية والرهبة فمعانيها متقاربة، وكلها جاء ذكرها في القرآن، قال تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ
_________________
(١) رواه أبو داود (١٤٧٩)، وصححه الترمذي (٢٩٦٩)، وابن حبان (٨٩٠) من حديث النعمان بن بشير ﵄.
(٢) مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٥٨)، وجِلاء الأفهام ص ١٦٠.
[ ٢٤ ]
الخوف من الخلق أنواع
مُشْفِقُون (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُون (٥٨)﴾ [المؤمنون]، وقال تعالى: ﴿فَإيَّايَ فَارْهَبُون (٥١)﴾ [النحل]، والآيات في ذكر الخوف كثيرة.
والخوف من الخلق أنواع: منه ما هو شرك؛ كالخوف من الأوثان والأموات، واعتقاد أنهم يعلمون الغيب، وأنهم يؤثرون بالنفع والضر، ومنه ما هو معصية؛ كالقعود عن الجهاد خوفًا من العدو وجبنًا، وكترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خوفًا من أذى الناس.
وأما خوف الإنسان من الأسباب المؤذية؛ كخوفه من العدو أو من السبع أو من غير ذلك من الأمور التي تضره، فهذا خوف طبيعي لا يأثم به ولا يذم.
«ودليل الرجاء قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف]» والرجاء: هو الطمع في الفضل والعفو والرحمة.
وقد جمع الله بين هذين الوصفين - الخوف والرجاء - في قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦]، والطمع هو: الرجاء.
وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧].
فالرجاء: هو طلب المحبوب.
[ ٢٥ ]
والخوف: هو الحذر من المرهوب والمكروه، فالخوف من الله: خوف من عذابه ومن سخطه.
ومن أنواع العبادة التوكل، وهو: اعتماد القلب على الله، وتفويض الأمور كلها إليه.
«ودليل التوكل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِين (٢٣)﴾ [المائدة] وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]»، وأثنى على المؤمنين بالتوكل عليه: قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون (٢)﴾ [الأنفال].
وهكذا يجب على المؤمن أن يتوكل على الله، ولا يتوكل على سواه.
قال: «ودليل الرغبة والرهبة والخشوع قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِين (٩٠)﴾ [الأنبياء]. ودليل الخشية قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٣].» وتقدم.
قال الشيخ: «ودليل الإنابة قوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٤]»
والإنابة هي: الرجوع إلى الله في كل الأمور، والإقبال عليه ﷾ بعبادته، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
[ ٢٦ ]
«ودليل الاستعانة قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين (٥)﴾، وفي الحديث: «وإذا استعنت فاستعن بالله» (^١).
ودليل الاستعاذة قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَق (١)﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس (١)﴾.
ودليل الاستغاثة قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩]».
فالاستعانة: طلب العون، قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين (٥)﴾ بمعنى: أطلب العون منك يا الله.
والاستعاذة: طلب العياذ والعصمة، تقول: أستعيذ بالله، أو: أعوذ بالله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَق (١)﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس (١)﴾، ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ﴾ [النحل: ٩٨]؛ أي قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
والاستغاثة: طلب الغوث، والسين والتاء للطلب.
ومن أنواع العبادة الذبح تقربًا وتعظيمًا، «ودليل الذبح قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام]» وقال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر (٢)﴾ [الكوثر]، فقرن الله بين الصلاة
_________________
(١) رواه أحمد (١/ ٢٩٣)، والترمذي (٢٥١٦) - وقال: حسن صحيح -؛ والضياء في «المختارة» (١٠/ ٢٢ - ٢٥)، وحسنه الحافظ ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» ص ٣٤٥.
[ ٢٧ ]
والذبح، وهما يحصلان من المؤمن في يوم، في مثل يوم الأضحى؛ يصلي صلاة العيد ويذبح القربان، فيحقق الأمرين.
«ومن السنة: «لعن الله من ذبح لغير الله» (^١)».
والذبح تقربًا إلى الله أنواع:
- الأضحية.
- والهدي في الحج أو العمرة.
- والعقيقة، وكلها من القرابين والأنساك التي جاءت بها الشريعة.
«ودليل النذر قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ [الإنسان]». فأثنى الله ﷾ في هذه الآية على الموفين بالنذر، والمراد: نذر الطاعة؛ لقوله ﷺ: «من نذر أن يطيع الله، فليطعه»، أما نذر المعصية فلا يجوز الوفاء به؛ لقوله ﷺ: «ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» (^٢) فإذا نذر الإنسان أن يفعل طاعة وجب عليه أن يفي؛ كأن يقول: لله عليَّ أن أصوم يومًا، أو لله عليَّ أن أتصدق بكذا من المال، لكن ينبغي للإنسان أن لا ينذر؛ لأن النبي ﷺ نهى عن النذر وقال: «إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل» (^٣).
وقد ذم الله الذين يخلفون الوعد؛ فقال تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِين (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُم
_________________
(١) رواه مسلم (١٩٧٨) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
(٢) رواه البخاري (٦٦٩٦) من حديث عائشة ﵂.
(٣) رواه مسلم (١٦٣٩) من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
[ ٢٨ ]
مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُّعْرِضُون (٧٦)﴾ [التوبة]، فمن قال: إن شفى الله مريضي تصدقت بكذا، فإذا شُفي مريضه أو حصل له المطلوب بخل، فهذا تلبس بصفة من صفات المنافقين التي ذكرها الله في هذه الآية.
[ ٢٩ ]