يجب على المسلم تعلم أربع مسائل
المقصود من تعلم العلم العمل به
﷽
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبيه محمد وآله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فيقول الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في هذه الرسالة القيمة المعروفة ب «الأصول الثلاثة»: «اعلم» هذا خطاب لطالب العلم؛ والمعنى: تعلم، واجتهد في العلم.
وقوله: «رحمك الله» هذا من تلطف الشيخ بطلاب العلم بالدعاء لهم، ومن ﵀ أفلح وسعِد، ونال خير الدنيا والآخرة.
وقوله: «أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل» أي: أربع مسائل يجب علينا معرفتها.
«الأولى: العلم»، والعلم منه ما هو فرض عين على كل مكلف، ومنه ما هو فرض كفاية.
«وهو: معرفة الله» بأسمائه وصفاته، «ومعرفة نبيه» محمد ﷺ، «ومعرفة دين الإسلام بالأدلة».
وهذه المعارف الثلاثة هي: الأصول الثلاثة التي سيتكلم عنها الشيخ إجمالًا وتفصيلًا.
«الثانية: العمل به»؛ لأن هذا هو المقصود من تعلم العلم، وليس المقصود مجرد تحصيل معلومات في الذهن، وإنما المقصود بالعلم
[ ٧ ]
الدليل على المسائل الأربع
الشرعي: هو تحقيق الإيمان، والعمل الصالح؛ فالعلم بلا عمل يكون وبالًا على صاحبه، وحجة عليه - نعوذ بالله -.
«الثالثة: الدعوة إليه» فإذا اجتهد الإنسان وحصَّل علمًا، وعمل به فعليه - أيضًا - أن يُعلِّم، ويدعو، ويأمر وينهى، وينفع الآخرين؛ لأنَّ هذه وظيفة الرسل وأتباعهم.
«الرابعة: الصبر على الأذى فيه»؛ لأن من تصدى لدعوة الناس وأمْرِهم ونهيهم عمَّا تعودوه؛ لابد أن يحصل له منهم أذى بالكلام وبالفعل، فلا بد له من الصبر على ذلك، وهكذا قال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ [الأنعام: ٣٤].
فالصبر هو أساس القيام بالمهمات والأعمال الصالحة.
قال الشيخ: «والدليل» على هذه المسائل «قوله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالْعَصْر (١) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْر (٢) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر (٣)﴾ [العصر]»، فهذه السورة ثلاث آيات:
الأولى قوله تعالى: «﴿وَالْعَصْر (١)﴾» وهذا قسمٌ من الله، والله ﷾ يقسم بما شاء من خلقه، والعصر هو: الدهر المكون من الليالي والأيام، والشهور والأعوام (^١)، وهو عمر الإنسان، وهو ميدان العمل.
_________________
(١) جامع البيان (١٥/ ٢٨٩).
[ ٨ ]
الآية الثانية: قوله تعالى: «﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْر (٢)﴾» هذا هو المقسم عليه، و«ال» هنا للجنس؛ والمعنى: أن كل إنسان في خسارة، والخُسر: ضد الربح، إلا من استثنى الله بقوله:
﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر (٣)﴾ فمن حقق هذه الأركان الأربعة؛ فاز بالربح العظيم، ونجا من الخسران؛ فحظ الإنسان من الربح بحسب حظه من هذه الخصال الأربعة.
﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ والإيمان لا يكون إلا بعلم، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ وهذا ثمرة العلم والإيمان، فمن رزقه الله العلم والإيمان؛ عمِلَ الصالحات.
﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ أي: نصح بعضهم بعضًا، وذكَّر بعضهم بعضًا، والحق: يشمل العلم والإيمان، والعمل الصالح.
﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر (٣)﴾ وأوصى بعضهم بعضًا بالصبر.
والتواصي بالحق والتواصي بالصبر هما من جملة العمل الصالح، وهو يدخل في الإيمان، فهذه الأمور الأربعة بعضها يدخل في بعض، فعطف الأعمال الصالحة على الإيمان، وعطف التواصي على عمل الصالحات، كلها من عطف الخاص على العام.
فدلت هذه السورة على المسائل الأربع التي ذكرها الشيخ:
١ - مسألة العلم يدل لها قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
٢ - ومسألة العمل يدل لها قوله تعالى: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.
[ ٩ ]
٣ - ومسألة الدعوة يدل لها قوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾.
٤ - ومسألة الصبر يدل لها قوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر (٣)﴾.
«قال الشافعي رحمه الله تعالى:» الإمام المعروف محمد بن إدريس أحد الأئمة الأربعة المتبوعين.
«لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم (^١)». ومراده أنها سورة موجزة مختصرة، إلا أن لها دلالة عظيمة، حيث إنها دلت على أن الناس فريقين: خاسر ورابح، وفيها ذِكر أسباب الربح والفوز والفلاح.
«وقال البخاري رحمه الله تعالى» الإمام محمد بن إسماعيل صاحب الصحيح في كتابه: «الجامع الصحيح» في «كتاب العلم»: «بابٌ: العلمُ قبل القول والعمل. والدليل قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ [محمد: ١٩] (^٢)».
قال الشيخ: «فبدأ بالعلم قبل القول والعمل» أي: بدأ الله في الآية بالعلم قبل القول والعمل، وهو: الاستغفار، فأمر الله أولًا: بالعلم بالتوحيد ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾، ثم أمر ثانيًا: بالاستغفار فقال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ وهو من العمل.
_________________
(١) ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في الاستقامة ص ٤٨٢، وابن كثير في تفسيره (١/ ٢٠٥) بنحوه.
(٢) صحيح البخاري (١/ ٢٤) بنحوه.
[ ١٠ ]
يجب على المسلم تعلم ثلاث مسائل والعمل بهن
المسألة الأولى: الإقرار بتوحيد الربوبية
يقول الشيخ ﵀: «اعلم رحمك الله» هذا من جنس ما قبله. «أنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلم ثلاث هذه المسائل والعمل بهن»؛ معناه: أن العلم بمسائل الدين فرض على كل مسلم ومسلمة، على الرجال والنساء، فرض عين أو فرض كفاية، قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُون (٩٧)﴾ [النحل].
«الأولى»؛ أي: المسألة الأولى من المسائل الثلاث؛ أن نعلم «أن الله خلقنا ورزقنا ولم يتركنا هملًا»؛ أي مهملين لا نؤمر ولا نُنهى، ولا نسير على منهج قويم، «بل» إنه ﷾ قد «أرسل إلينا رسولًا» بالهدى ودين الحق «فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار».
هذه المسألة الأولى، ومعناها: الإقرار بتوحيد الربوبية، ومن ربوبيته تعالى إنعامه على عباده، وأعظم نعمه على عباده إرسال الرسل، وإنزال الكتب لتعريف العباد بربهم، وبحقه عليهم.
قال: «والدليل» على هذه المسألة: «قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦)﴾ [المزمل]»، فاستدل على الرسالة بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا﴾ أي: أرسل تعالى إلى الناس محمدًا ﷺ.
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥)﴾، وهو: موسى وهارون ﵉ ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾؛ أي: كذَّب فرعونُ موسى وهارون، ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى (٢٤)﴾ [النازعات]، قال الله: ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦)﴾ أخذه
[ ١١ ]
المسألة الثانية: توحيد العبادة
المسألة الثالثة: تحريم موالاة أعداء الله
الله أخذًا وبيلًا؛ أي: شديدًا، بأن أغرقه وجنوده في البحر؛ فالمعنى: فاحذروا أن تكذِّبوا رسولكم فيأخذكم كما أخذ فرعون ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى (٢٥)﴾.
والدليل على أن الله خلقنا ورزقنا قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ الآية [الروم: ٤٠].
«الثانية: أن الله لا يرضى أن يُشرَك معه أحد في عبادته؛ لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل».
وهذه المسألة هي مسألة توحيد العبادة، وهو: إخلاص الدين لله، وإفراد الله بالعبادة، وصرف جميع أنواع العبادة له ﷾، فلا يجوز أن يُشرك معه في عبادته، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، وما دونهما من باب أولى.
«والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن]». فنهى عن دعاء غيره سبحانه.
فتضمنت المسألة الأولى توحيد الربوبية، وتضمنت المسألة الثانية توحيد العبادة، ولا يكون الإنسان مسلمًا حتى يقر بالتوحيدين جميعًا، فلا يكفي الإقرار بتوحيد الربوبية، فقد أقر به المشركون ولم يدخلهم في الإسلام.
المسألة «الثالثة: أن من أطاع الرسول ووحَّد الله» أن من أطاع الرسول كما في المسألة الأولى، ووحد الله كما في المسألة الثانية «لا يجوز له موالاة من حاد الله ورسوله، ولو كان أقرب قريب» لا يجوز
[ ١٢ ]
له أن يحب أعداء الله، وأن يحتفي بهم، وأن يكرمهم وأن يعظمهم، فلا تجوز موالاة من حاد الله ورسوله من الكفار والفجار، والمحادَّة تطلق على: المعاداة والمخالفة الشديدة، ويُعبَّر عنها بالمشاقَّة، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب (٤)﴾ [الحشر].
«والدليل قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُون (٢٢)﴾ [المجادلة]». لا تجد قومًا مؤمنين يوالون الكافرين؛ لأنَّ الإيمان يمنع من ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء﴾ [المائدة: ٨١]؛ ولكنهم لا يؤمنون بهذه الثلاثة، فاتخذوهم أولياء، وهذا الكلام يعود إلى الذين قال الله فيهم:﴾ ﴿تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُون (٨٠)﴾ [المائدة]، وهنا قال: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، فإذا وجدنا من يواد ويوالي ويعظم الكافرين المحادين لله ورسوله؛ علمنا أنه ليس بمؤمن؛ لأنَّ المؤمنين لا يكونون كذلك، قال الله: ﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ﴾، وقال في آية أخرى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون (٢٣)﴾ [التوبة]، ﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَان﴾.
[ ١٣ ]
معنى الحنيفية ملة إبراهيم
فهؤلاء المؤمنون الصادقون المعادون لأعداء الله؛ هم الذين كتب الله الإيمان في قلوبهم، ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾ وهؤلاء هم حزب الله، وحزب الله هم المفلحون، وقد ذكر الله هؤلاء في مقابل حزب الشيطان، وهم: الكفار والمنافقون الذين قال الله فيهم: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُون (١٨) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُون (١٩)﴾ [المجادلة]، هما حزبان، فعاقبة حزب الشيطان الخسارة، وعاقبة حزب الرحمن الفلاح والفوز، والظفر بالمطلوب والمحبوب والنجاة من المرهوب.
ثم قال الشيخ: «اعلم» أمر بالعلم وفيه توجيه وتنبيه وتعليم، «أرشدك الله لطاعته»؛ أي: وفقك الله وهداك لطاعته، وهذه عادة الشيخ يصدر بعض الدروس بالدعوة لطالب العلم.
«أن الحنيفية ملة إبراهيم: أن تعبد الله وحده مخلصًا له الدين».
الحنيفية نسبة إلى الحنيف، والله ﷾ وصف إبراهيم ﵇ بأنه حنيف، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٠]، وجاء في الحديث: «بُعثت بالحنيفية السمحة» (^١)، قال ﷾: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين (١٢٣)﴾
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ٢٦٦) من حديث أبي أمامة ﵁، وضعفه ابن رجب في «فتح الباري» (١/ ١٤٩)، والعراقي في المغني (٤/ ٢٣٤)، وانظر: المقاصد الحسنة (٢١٤) فقد ذكر له عدة شواهد.
[ ١٤ ]
يختص الشرك الأكبر عن بقية الذنوب بثلاث خصائص
[النحل]، فالملة الحنيفية ملة إبراهيم هي: عبادة الله وحده لا شريك له، بإخلاص الدين له ﷾.
يقول الشيخ: «وبذلك أمر الله جميع الناس، وخلقهم لها»؛ أمر الله جميع الناس بإخلاص العبادة له، كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُون (٢٢)﴾ [البقرة]، فالله أمر جميع الناس أن يعبدوه وحده لا شريك له، وقال سبحانه في الآية الأخرى: ﴿وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، وقال: ﴿﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقد خلق الله الجن والإنس ليعبدوه وحده لا شريك له «كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون (٥٦)﴾ [الذاريات]».
قال الشيخ: «ومعنى يعبدون: يوحدون» أي يعبدوه ﷾ وحده لا شريك له، والعبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد، فإذا دخلها الشرك أفسدها، ولم تكن عبادة، فمن عبد مع الله غيره، فإنه لا يعد عابدًا لله.
قال الشيخ: «وأعظم ما أمر الله به التوحيد» فأوجب الواجبات على الإطلاق هو توحيد الله بالعبادة، وهذا هو معنى «لا إله إلا الله»، وهي أول واجب على العبد.
وأعظم الذنوب هو الشرك الأكبر، ويختص من بين سائر الذنوب بثلاثة أشياء:
[ ١٥ ]
أولًا: أنه لا يُغفر، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨].
ثانيًا: أنه يحبط جميع الأعمال، فمن عبد مع الله غيره حبطت سائر أعماله، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَا كَانُوا يَعْمَلُون (٨٨)﴾ [الأنعام].
ثالثًا: أنه موجب للخلود في النار لمن مات عليه، فمن مات على الشرك الأكبر؛ فهو مخلد في النار، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّة (٦)﴾ [البينة].
قال الشيخ: «وهو» أي: التوحيد «إفراد الله بالعبادة».
«وأعظم ما نهى عنه الشرك، وهو دعوة غيره معه» واتخاذ الند له، قال ابن مسعود ﵁: سألت النبي ﷺ أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله ندًا وهو خلقك» (^١) أي: مِثلًا.
«والدليل» على هذا «قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]». فأمر بعبادته ونهى عن الشرك به، فيجب على كل مسلم أن يجتهد في تحقيق التوحيد، وأن يحذر من الشرك الأكبر، يقول ابن القيم:
والشركُ فاحذره فشركٌ ظاهرٌ … ذا القسم ليس بقابلِ الغفرانِ
وهو اتخاذ الند للرحمن أيًا … كان من حجر ومن إنسان
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٤٧٧)، ومسلم (٨٦).
[ ١٦ ]
الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها
يدعوه بل يرجوه ثم يخافه … ويحبه كمحبة الديان (^١)
يقول الشيخ ﵀: «فإذا قيل لك: ما الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها؟ فقل: معرفة العبد ربه، ودينه، ونبيه محمدًا ﷺ»، هذه هي الأصول التي سميت بها هذه الرسالة «الأصول الثلاثة»، وهي أصول العلم الشرعي، أو أصول المعرفة الصحيحة.
الأصل الأول: معرفة العبد ربه: بأنه الله الخالق لكل شيء المتفضل على عباده بجميع النعم، المستحق للعبادة.
الأصل الثاني: معرفة دين الإسلام الذي بعث الله به رسوله ﷺ بما يشتمل عليه من عقائد وأحكام.
الأصل الثالث: معرفة النبي ﷺ؛ أنه رسول من عند الله إلى الناس كافة جاء بالهدى ودين الحق.
وهذه الأصول الثلاثة هي التي يُسأل عنها الإنسان في قبره، وهي فتنة القبر؛ كما جاء في حديث البراء الطويل في صفة قبض روح المؤمن والكافر، وأن المؤمن إذا وُضِع في القبر: «يأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول ربي الله فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟» قال: «فيقول: هو رسول الله ﷺ، فيقولان: وما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فينادي مناد من السماء؛ أن قد صدق عبدي فأفرشوه من الجنة
_________________
(١) الكافية الشافية ص ١٨٩.
[ ١٧ ]
وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابًا إلى الجنة» قال: «فيأتيه من روحها وطيبها» قال: «ويفسح له في قبره مد بصره» قال: «وإن الكافر إذا وضع في قبره يأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فينادي مناد من السماء: أن كذب، فأفرشوه من النار وألبسوه من النار وافتحوا له بابًا إلى النار» قال: «فيأتيه من حرها وسمومها» قال: «ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه» (^١).
ويمكن أن يقال عن هذه الأصول الثلاثة: معرفة الرسول والمرسل والرسالة، فالله هو المرسِل، ومحمد رسوله، ودين الإسلام هو الرسالة التي جاء بها.
وقد ذكر الشيخ هذه الأصول مجملة، وسيتكلم عنها بالتفصيل واحدًا واحدًا بطريقة السؤالِ والجوابِ، وطريقةُ السؤال والجواب طريقة تعليمية جيدة ومفيدة.
_________________
(١) رواه أحمد (٤/ ٢٨٧)، وأبو داود (٤٧٥٣)، وصححه ابن خزيمة في «التوحيد» ص ١١٩، وابن جرير في «تهذيب الآثار» - مسند عمر ﵁ (٢/ ٤٩١)، من حديث البراء ﵁ مطولًا، وصححه - أيضًا - ابن القيم في «الروح» ص ٨٨.
[ ١٨ ]