لا فوز للعبد ولا نجاة إلا بإفراد ربه بالعبادة والإخلاص له، هذا الأصل الأصيل هو الذي أنزل الله من أجله الكتب، وأرسل للدعوة إليه الرسل، وعلى هذا الأصل يقوم سوق الجنة والنار، وشرع لأجله الجهاد، وكل الأوامر والنواهي في الشريعة تبع له، فعلى العبد أن يحرص على إخلاصه وتوحيده.
[ ١ ]
بيّن الله ﷿ الدين بيانًا واضحًا
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فيقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: [من أعجب العجاب، وأكبر الآيات الدالة على قدرة الملك الغلّاب ستة أصول بينها الله تعالى بيانًا واضحًا للعوام فوق ما يظن الظانون، ثم بعد هذا غلط فيها كثير من أذكياء العالم وعقلاء بني آدم، إلا أقل القليل!] .
هذا هو الدرس المتعلق بستة أصولٍ عظيمةٍ مفيدة، وهو من رسائل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، والظاهر أن هذه الرسالة مقتطعة من كتابات الشيخ رحمه الله تعالى؛ فإنه ﵀ لم يفتتحها بافتتاحٍ واضحٍ فيما نرى -في النسخة التي بين أيدينا- ولعل لها مقدمةً مستقلةً أو محذوفة.
أشار الشيخ رحمه الله تعالى في بداية هذه الرسالة المباركة إلى أن هناك أصولًا ستة، هذه الأصول الستة بينها الله ﷾ بيانًا واضحًا شافيًا ساطعًا في كتابه الحكيم.
قال ﵀: [من أعجب العجاب، وأكبر الآيات الدالة على قدرة الملك الغلاّب ستة أصول بينها الله ﷾ بيانًا واضحًا للعوام] .
قوله: [للعوام] ليس المراد أن ذلك خاصٌ بهم، بل مراده أن تلك الأصول الستة واجبةٌ على الجميع، وأنها واضحة لعموم الناس، يدركها الذكي والبليد، ويدركها العالم والجاهل، ويدركها كل من سمع الخطاب كائنًا من كان إذا كان قد توافر فيه عقل الإدراك؛ فإن كل من توافر فيه عقل الإدراك والتمييز فإنه يدرك هذه الأصول من كلام الله ﷿.
والمؤلف ﵀ بدأ الرسالة بالتعجب من وضوح هذه الأصول وغفلة الناس عنها، والتعجب هنا معناه: الدهشة والانبهار من هذه الحال، بغضّ النظر هل سببه معلوم أو غير معلوم، وهل سببه معروف أو غير معروف؛ فإنه ليس من لازم العجب جهل السبب كما هو معلوم مقرر؛ فإن العجب يطلق على ما جهل سببه، ويطلق على ما علم سببه ولكنه خارج عن العادة، وخارج عن نظائره وأمثاله مما يظهر ويلفت النظر، فالكلام هنا ليس بحثًا في السبب، وإنما هو بيان للتعجب من حال هؤلاء.
قال رحمه الله تعالى: [من أعجب العجاب، وأكبر الآيات الدالة على قدرة الملك الغلّاب] .
(الغلّاب) ليس من أسماء الله ﷿، ولكن ذكره المؤلف رحمه الله تعالى على وجه الصفة، ومعلوم أن باب الأوصاف أوسع من باب الأسماء، فالأسماء توقيفية، أما الأوصاف فالأصل فيها التوقيف، لكنها أوسع من باب الأسماء؛ لأن الأسماء لابد فيها من توقيف على الكتاب والسنة، أما الصفات فيمكن أن تشتق من الأفعال، فكل فعل ثبت لله ﷿ فإنه مشتق منه صفة لله ﷾، وقد جاء في بعض الروايات والآثار وصفه جل وعلا بالغالب، وهو من معاني اسمه العزيز؛ فإن الغالب هو من معاني اسم العزيز كما تقدم؛ لأن من معاني العزّة الغلبة والقهر.
قال ﵀: [ستة أصول بينها الله تعالى بيانًا واضحًا للعوام فوق ما يظن الظانون، ثم بعد هذا غلط فيه كثير من أذكياء العالم] يعني: بعد هذا البيان الذي لا يتوقع بعده وقوع الخطأ؛ لأنه كان بيانًا واضحًا، وما كان بيانه واضحًا ساطعًا يدركه عوام الناس ولا يحتاج إلى علماء وأفذاذ فإن المتوقع فيه ألا يكون فيه غلط، وألاَّ يغفل عنه، وألاَّ يقع فيه خلاف؛ لوضوحه وظهور أدلته وآياته.
وقوله ﵀: [ثم بعد هذا غلط فيه كثير من أذكياء العالم] .
الذكاء: هو حدة في الفهم يدرك بها الإنسانُ الغامضَ من الأمور، ولا صلة بين الذكاء والإيمان، إنما الصلة بين الزكاء والإيمان؛ لأن الزكاء في القلب، والذكاء في الفهم، فقد يكون الإنسان ذكيًا كافرًا، لكنه لا يمكن أن يكون زكيًّا إلا إذا كان مؤمنًا بالله ورسوله.
فقوله ﵀: [أذكياء العالم] أي: فطناؤه من أصحاب الفهم الذين لا تخفى عليهم الأمور.
وقوله ﵀: [وعقلاء بني آدم إلاّ أقلّ القليل] يعني: غلط فيها كثير إلا أقل القليل الذين لم يغلطوا فيها، ونسأل الله ﷿ أن نكون ممن يدخل في قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] وهذه هي حال بني آدم، فإن أكثرهم ضالون، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦]، ولذلك لا يجوز الاستدلال على صحة القول أو المذهب أو الطريقة بكثرة السالكين لها، وإن هذا أمر مهم؛ لأن الله ﷿ لم يذكر الكثرة على وجه المدح، بل قال ﷾: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه﴾، وقال الله ﷾: ﴿وَقَلِيْلٌ مِنْ عِبَاْدِيَ الشَّكُوْرُ﴾، وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ فِيْ ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَاْنَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٨]، فالكثرة لا تدل على صحة الطريق، ولا على سلامة المنهج، بل الذي يدل على صحة الطريق وسلامة المنهج هو التزام الكتاب والسنة، فهما الحاكمان على كل قول ورأي وعمل، فما وافق الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة فهو الصواب، وما خالفه فهو الخطأ المردود، وإن كان عليه أكثر الناس.
[ ٢ ]
إخلاص الدين لله جل وعلا أصل الأصول
بدأ المؤلف ﵀ من هذه الأصول بالأصل الذي هو الأصل الأصيل، وهو توحيد الله جل وعلا، فقال ﵀: [الأصل الأول: إخلاص الدين لله تعالى وحده لا شريك له، وبيان ضده الذي هو الشرك بالله، وكون أكثر القرآن في بيان هذا الأصل من وجوه شتى بكلام يفهمه أبلد العامة، ثم لمّا صار على أكثر من الأمة ما صار أظهر لهم الشيطان الإخلاص في صورة تنقص الصالحين والتقصير في حقوقهم، وأظهر لهم الشرك بالله في صورة محبة الصالحين واتباعهم] .
هذا هو الأصل الأول من الأصول الستة وهي أصول مهمة.
فالأصل في هذه الدنيا وفي هذا الوجود هو عبادة الله جل وعلا التي قال عنها الله جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، والتي جاء الأمر بها في أول الكتاب الحكيم؛ فإن أول أمر في كتاب الله هو الأمر بالتوحيد في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١]، فأول خطاب في كتاب الله الحكيم وجهه للناس عمومًا هو الأمر بالتوحيد، وهذا يدل على أهمية هذا الأمر وخطورته ووجوب العناية به.
قال رحمه الله تعالى: [إخلاص الدين لله تعالى وحده لا شريك له] .
(إخلاص) أي: تخليص.
فهو مصدر بمعنى: تخليص الدين.
والدين هو العمل المراد إخلاصه لله تعالى، أي: تخليص العمل.
ومعنى تخليصه وإخلاصه: تبرئته من كل لوث وشرك مع الله ﷾ فإخلاص العمل تبرئته من كل نصيب لغير الله جل وعلا، والعمل يشمل العمل القلبي وعمل الجوارح -العمل الظاهر-، فيشمل الأعمال الباطنة والأعمال الظاهرة، ويشمل الأعمال الواجبة والأعمال المستحبة، فإن الجميع يجب إخلاصه لله ﷾.
وهل هناك دليل في الكتاب يدل على أن الدين يأتي بمعنى العمل؟ الجواب: نعم.
وهو قول الله تعالى: ﴿أَلاَ ِللهِ الدِّينُ الخَالِصْ﴾ [الزمر:٣]، وقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين﴾ [الكافرون:٦] أي: لكم عملكم ولي عملي.
أما قوله تعالى ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] فالدين هنا بمعنى الجزاء والحساب، وليس بمعنى العمل، وعلى هذا لا يكون المعنى: مالك يوم العمل؛ لأن يوم العمل هو هذه الدنيا، أما الآخرة فليست دار عمل، وإنما هي دار حساب وجزاء.
قال رحمه الله تعالى: [إخلاص الدين لله تعالى وحده لا شريك له] .
ألم يكن يكفي أن يقول: [إخلاص الدين لله تعالى] عن قوله: [وحده لا شريك له]؟ الجواب: بلى.
لكن قوله: [وحده لا شريك له] تأكيد لمعنى الإخلاص، فـ (وحده) تأكيد لمعنى التوحيد، و(لا شريك له) تأكيد لمعنى نفي الشرك، وأنه لا شريك له ﷾ في شيء من أموره، لا شريك له في ملكه، ولا شريك له في خلقه، ولا شريك له في ربوبيته، ولا شريك له في إلهيته، ولا شريك له في أسمائه وصفاته، ولا شريك له فيما يجب له من العبادة، فيجب إفراد الله ﷿ بكل ما يستحق، فالله جل وعلا ليس كمثله شيء في شيء من شئونه، كما قال سبحانه عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .
[ ٣ ]
بيان خطر الشرك
ثم قال رحمه الله تعالى: [وبيان ضده الذي هو الشرك] .
أي أن الشرك هو ضد التوحيد والإخلاص.
والشرك دائر على معنىً واحد، وهو تسوية الله بغيره، سواءٌ أكانت التسوية فيما يتعلق بالخلق والرزق والملك والتدبير، كأن يعتقد العبد أن هناك خالقًا أو رازقًا أو مالكًا أو مدبرًا غير الله جل وعلا، أم كانت تسوية الله ﷿ بغيره فيما يجب له من الأسماء والصفات، كأن يعتقد العبد أن صفات الله كصفات المخلوق، فهذا -أيضًا- من الشرك الذي يجب أن يتخلص منه المؤمن؛ ليكمل توحيده وإيمانه من الشرك.
وأخطر الشرك وأعظمه الشرك في الإلهية، وهو الشرك في العبادة، ومعناه: أن يجعل العبد مع الله من تُصْرَفُ له العبادة فيصوم لغير الله، أو يصلي لغير الله، أو ينذر لغير الله، أو يذبح لغير الله، أو يطوف تعبدًا بقبر، أو يدعو غير الله في دفع المدلهمات، أو كشف الكربات، وما إلى ذلك مما يكون من كثير من الناس، وكل هذا من الشرك الذي جاءت الشريعة بالنهي عنه والتحذير منه.
[ ٤ ]
القرآن يدعو كله إلى التوحيد
وقد بين القرآن هذين الأمرين -التوحيد والشرك- غاية البيان.
ولذلك قال ﵀: [وكون أكثر القرآن في بيان هذا الأصل]، ولا إشكال أن أكثر القرآن هو في تقرير هذا الأصل الذي هو وجوب إفراد الله بالعبادة، والنهي عن الشرك بجميع صوره، والقرآن كله توحيد، فهو يدعو في جانب الدعوة إلى التوحيد إلى إخلاص العمل لله ﷿، ويبين فضائل ومصالح التوحيد، ويبين عاقبة أهل التوحيد، أما في جانب النهي عن الشرك فإن الله نهى عنه وحذر منه، وبين أنه ظلم عظيم، وبين الله جل وعلا سوء عاقبة الشرك على أهله في الدنيا قبل الآخرة.
وبين عاقبة المشركين وأنهم في نار تلظى؛ لعظم ما جاءوا به واقترفوه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اَللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بهِ وَيَغْفِرُ مَا دُوْنَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء:٤٨]، فالله لا يغفر الشرك بالكلية، ويغفر مادون ذلك لمن يشاء، وما هذا الامتناع من الرحيم الرحمان البر الرؤوف إلاَّ لعظم الجرم؛ فإن الشرك ظلم عظيم كما وصفه رب العالمين، فالقرآن كله بيان للتوحيد وفضله وفضل عاقبته وعاقبة أهله، وبيان للشرك وسوء عاقبته وسوء حال أهله في الدنيا قبل الآخرة، ولذلك كان بيان التوحيد في القرآن واضحًا لكل أحد.
ولذلك قال رحمه الله تعالى: [وكون أكثر القرآن في بيان هذا الأصل من وجوه شتى] يعني: ليس من وجهٍ واحد، وليس -فقط- بالأمر بالتوحيد، أو بالنهي عن الشرك، بل بينه من جميع الوجوه، سواءٌ أكان أمرًا بالتوحيد، أم نهيًا عن الشرك، أم بيانًا لمحاسن التوحيد، أم بيانًا لمساوئ الشرك، أم بيانًا لعاقبة أهل التوحيد، أم بيانًا لعاقبة أهل الشرك.
قال: [بكلام يفهمه أبلد العامة] يعني: لا يحتاج إلى فهم، ولا إلى قوة بلاغة، ولا إلى عظيم إدراك حتى يصل إلى فهم هذه المعاني، بل هي ظاهرة لكل أحد، فمثلًا قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اَللهُ أَحَد﴾ [الإخلاص:١] هذه الآية يدرك معناها كل أحدٍ من الناس، وأنه ﷿ أحد فيما يجب له ﷾ من الربوبية والإلهية والأسماء والصفات.
[ ٥ ]
حيل الشيطان في إيقاع الإنسان في الشرك
قال ﵀: [ثم لما صار على أكثر من الأمة ما صار -يعني من ترك الصراط المستقيم، والانحراف عن الهدي المستقيم هدي النبي ﷺ- أظهر لهم الشيطان الإخلاص في صورة تنقص الصالحين والتقصير في حقوقهم]، وهذا هو دأب الشيطان -أعاذنا الله وإياكم منه-؛ فإنه يأتي للمؤمن ويظهر له الطاعة بثوبٍ قبيح تنفر منه النفس وتزهد فيه، وتنصرف عنه، ويأتي إلى البدعة والمعصية فيكسوها أجمل الحلل، ويبهرجها ويزخرفها بأحسن الزخارف، حتى يقبل عليها من ضعف إيمانه ولم يرسخ يقينه، وأما أهل الإيمان والبصائر فإنهم لا تغريهم هذه المظاهر، بل ينظرون إلى الأمور بالبصيرة التي يمنّ الله ﷾ بها على المتقين، فيفرقون بين الحق والباطل، ولا تختلط عندهم هذه الأمور، بل هي عندهم في غاية الظهور، فالشيطان يظهر الشرك بمظهر محبة الصالحين، ويظهر الداعين إلى التوحيد بأنهم لا يحبون الصالحين ولا يعظمونهم حق تعظيمهم، فإذا جئت إلى رجلٍ وقلت له: يا أخي! لا تتوجه إلى القبر في الدعاء، وتوجه إلى القبلة، واسأل ربك الذي يملك خزائن السماوات والأرض جلّ وعلا، ولا تسأل هذا المقبور الذي لا يملك لنفسه حولًا ولا طوْلًا قال: أنت لا تعرف قدر الصالحين، ولا تقدر أولياء الله.
وهذا في الحقيقة من جهله، وأنه لم يقدر الله حق قدره، ولو قدر الله حق قدره ما توجه إلى مقبور بين التراب، ولتوجه إلى رب الأرباب، لكن لضعف يقينه وقلة بصيرته انطلت عليه هذه الصورة، وجعل تعظيم أهل القبور والصالحين بالانحناء لهم والركوع أو السجود، وغير ذلك مما يفعله أهل الشرك، وكل هذا مما يخالف هدي النبي ﷺ، ومما يوقع في الشرك، والواجب على المؤمن أن يبعد نفسه عن كل ما خالف هدي النبي ﷺ، وأن يعلم أن خير الهدي هدي النبي ﷺ، وإذا وقع المؤمن في شيء من هذا فإن الشيطان سيزيِّنه له، لكن إن راجع المؤمن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وهدي السلف الصالح سلم من هذه الشبه.
وليعلم أنه لا أحد أعظم اتباعًا للكتاب والسنة من رجل جعل الله ﷿ قصده ومعبوده، ولم يصرف إلى غيره نوعًا من العبادة، فليحذر المؤمن من الشيطان، فإنه يأتي إلى هؤلاء ويزين لهم الشرك، ويقول لهم: هذا ليس شركًا، إنما هذا من إجلال الصالحين ومن تعظيمهم.
وحتى ينفرهم من دعوة التوحيد يقول: هؤلاء إنما يدعون إلى تنقص الصالحين والوقيعة فيهم، ولا يعظمونهم ولا يقدرونهم حق قدرهم.
وهذه شبهة ضعيفة لا تنطلي إلاّ على ضعاف العقول.
ولذلك قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أظهر لهم الشيطان الإخلاص في صورة تنقص الصالحين والتقصير في حقوقهم، وأظهر لهم الشرك بالله في صورة محبة الصالحين واتباعهم]، والصحيح أنها غلو في الصالحين، ومجاوزة للحد، وإلاَّ فالمؤمن لا يقع في هذا ولا يقرب منه، بل لا يعظم إلاّ ما عظمه الله ورسوله.
ثم إن محبة الصالحين عبادة، لكن لا يجوز أن يتجاوز المؤمن في هذه العبادة حدها حتى يقع في الشرك، هذا هو الأصل الأول الذي ذكره المؤلف ﵀ في هذه الأصول الستة.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٦ ]