شرح الاقتصاد في الاعتقاد للمقدسي [١]
للعلم فضل عظيم في ميزان الإله الكريم، وفي مقياس الشرع القويم، فالعلماء ورثة الأنبياء، وسادة الأولياء، وأنجب النجباء، وأصفى الأصفياء.
وطلب العلم الشرعي له منزلة عظيمة، وقد حث عليه الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، لاسيما العلم الذي يرتقي بصاحبه في معارج الإيمان بالله والتصديق الكامل به جل في علاه، ومن ذلك علم العقيدة الذي يعتبر من أهم العلوم التي يجب على المسلم دراستها.
[ ١ ]
الحث على طلب العلم وبيان فضله
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وإمامنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي العربي المكي ثم المدني صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده).
فطلب العلم وحضور مجالس العلم فيه فضل عظيم، وأجر كبير.
وإن طلب العلم بحسن إخلاص النية لا يعدله شيء، فهو من أفضل القربات، وأجل الطاعات، والعلم: هو ميراث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر.
ولقد بين الله تعالى فضل العلم، وأهل العلم والعلماء، فقال سبحانه في كتابه العظيم: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩].
وقال سبحانه: ﴿َ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨].
وقرن ﷾ شهادة أهل العلم بشهادته وشهادة ملائكته على أعظم مشهود به، وهي الشهادة له ﷾ بالوحدانية، فقال سبحانه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨].
ومجالس الذكر وطلب العلم أفضل من نوافل العبادة، فهي أفضل من نوافل الصلاة، ونوافل الصيام، ونوافل الحج، فطلب العلم مقدم على نوافل العبادات؛ وما ذاك إلا لأنه بطلب العلم وحضور مجالسه يتعلم الإنسان دينه، ويتبصر ويتفقه في دينه، ويعلم الحلال والحرام، ويعلم ما يجب لله تعالى، وما يصف الله به نفسه من الأسماء والصفات، ويعلم حق الله ﷾، فيعبده على بصيرة ولهذا ثبت في الصحيحين: من حديث معاوية بن أبي سفيان ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين).
قال العلماء: هذا الحديث له منطوق، وله مفهوم؛ فمنطوقه: أن من فقهه الله في الدين فقد أراد به خيرًا.
ومفهومه: أن من لم يفقه الله في الدين لم يرد به خيرًا.
فينبغي على المسلم أن يحرص على حضور مجالس وحلقات العلم والدروس العلمية، وأن يكون صاحب نية حسنة خالصة لله؛ لأن طلب العلم عبادة من أفضل القربات وأجل الطاعات، والعبادة لا بد فيها من شرطين، ولا تقبل إلا بهما: الشرط الأول: أن تكون خالصة لله، مرادًا بها وجه الله والدار الآخرة.
والشرط الثاني: أن تكون موافقة لشرع الله، وعلى هدي رسول الله ﷺ.
فينبغي لطالب العلم أن يحرص على مجالس العلم، وعلى الدروس العلمية، وأن يرتبط بها، وأن ينتهز الفرصة ما دامت هذه المجالس والحلقات موجودة، وأهل العلم موجودون، فقد يأتي وقت لا تتيسر له هذه المجالس، وقد يفقدها، فعلى طالب العلم أن يجتهد وأن يحرص، وأن يخلص نيته لله، وأن يكون قصده أن يتفقه ويتبصر في دين الله، وأن يرفع الجهل عن نفسه وعن غيره؛ لأن الأصل في الإنسان أنه لا يعلم، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل:٧٨].
وقيل للإمام أحمد ﵀: كيف ينوي طالب العلم؟ قال: ينوي أن يرفع الجهل عن نفسه وعن غيره.
فالأصل في الإنسان أنه لا يعرف، فيتعلم ويتبصر، فيرفع الجهل عن نفسه ويعبد ربه على بصيرة، ثم يرفع الجهل عن غيره، بأن يعلم غيره ما تعلَّم.
والأدلة والنصوص في فضل العلم وطلب العلم كثيرة ومشهورة ومعلومة.
[ ٢ ]
أهل العلم هم أهل الصراط المستقيم
وأهل العلم والبصيرة هم أهل الصراط المستقيم، الذين أنعم الله عليهم، والذين منَّ الله عليهم بالعلم والعمل؛ فإن أهل الصراط المستقيم هم أهل الهداية والتقوى، وأهل الفلاح والبر، وهم الذين نسأل الله في كل ركعة من ركعات الصلاة في سورة الفاتحة أن يهدينا طريقهم، عندما نسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط المنعم عليهم، الذين أنعم الله عليهم بالعلم والعمل.
وأنت في كل ركعة في قراءة الفاتحة تسأل الله أن يهديك الصراط المستقيم، صراط المنعم عليهم، الذين من الله عليهم بالعلم والعمل، وتسأل الله أن يجنبك طريق المغضوب عليهم، وطريق الضالين.
والمغضوب عليهم: هم الذين يعلمون ولا يعملون بعلمهم، ولكن لا يعملون بعلمهم، ويدخل في ذلك دخولًا أوليًا اليهود، فاليهود يعلمون ولا يعملون، وتسأل الله أن يجنبك طريق الضالين: وهم الذين يعبدون الله على جهل وضلال، ولديهم عمل، ولكن ليس لديهم علم ولا بصيرة، كالنصارى وأشباههم من الصوفية والزهاد الذين يتخبطون في دياجير الظلمات، وليس عندهم بصيرة.
إذًا: فهما داءان، من سلم منهما فقد سلم.
داء الغواية، وداء الضلال.
فأما داء الغواية: فهو عدم العمل بما يعلمه الإنسان.
وداء الضلال: هو أن يتعبد الله على جهل وضلال، وقد برأ الله نبيه الكريم من هذين الداءين، فقال ﷾: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:١ - ٢].
فأقسم سبحانه بالنجم؛ وله أن يقسم بما شاء من خلقه ﷾؛ أن نبينا ﷺ ليس ضالًا ولا غاويًا، بل هو راشد ﵊.
وعلى طالب العلم أن يعتني بالدروس العلمية والإصغاء والانتباه وحسن النية، وكذلك ينبغي له أن يسأل عما أشكل عليه، وأن يكون سؤاله سؤال استرشاد واستفهام وتعلم، لا سؤال تعنت ورياء، ولا يكون هدفه أن يظهر أنه يعلم، أو يقصد من سؤاله إعنات المسئول وإيقاعه في الحرج، أو السؤال عن الأشياء التي لا تقع، أو يكثر من الأسئلة، وتشقيق المسائل التي لا حاجة إليها، بل يسأل سؤال استرشاد واستفهام، يقصد به العلم والفائدة، ولا يقصد الرياء، ولا إعنات المسئول، ولا يسأل عن الألغاز والأشياء المشكلة، والتي لم تقع، أو نادرة الوقوع، فهكذا ينبغي أن يكون طالب العلم.
[ ٣ ]
ترجمة الإمام الحافظ عبد الغني المقدسي
هو الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور بن رافع بن حسين بن جعفر المقدسي، نسبة إلى بيت المقدس، الجمّاعيلي نسبة إلى بلدة جمّاعيل، وهي قرية من أرض فلسطين، تابعة لبيت المقدس.
ويسمى أيضًا: الدمشقي؛ لأنه انتقل إلى دمشق، والصالحي؛ لأنه سكن في قرية الصالحية في جبل طاسيون في دمشق.
وكان من علماء القرن السادس الهجري، وكانت ولادته سنة (٥٤١) أو (٥٤٢) أو (٥٤٣) أو (٥٤٤) من الهجرة على خلاف في ذلك، وكانت وفاته سنة (٦٠٠) من الهجرة.
والحافظ عبد الغني المقدسي ﵀ له باع طويل في الحديث وعلوم الحديث، وهو صاحب كتاب عمدة الأحكام؛ المعروف والمنتشر بين أيدي الطلاب، المرتب في الحديث على أبواب الفقه، وهو سلفي المعتقد ﵀.
وقد عاصر الموفق محمد بن قدامة صاحب المغني، وهو ابن خالته، عاصره تأخر عنه ست سنوات، أو ثمان سنوات، أو عشر سنوات، وأخذ عنه.
وعاصر كذلك الضياء المقدسي صاحب المختارة، وأخذ عنه، وله شيوخ كثيرون، وتلاميذ كثيرون.
والحافظ ﵀ كانت له عناية كبيرة بالحديث وعلومه، وأما ابن خالته محمد بن قدامة المقدسي فقد كانت عنايته بالفقه أكثر، فقد ألف كتاب المغني، وهو من أوسع كتب الفقه، وهو أعلى كتاب فيه مقارنة بين المذاهب الأربعة، حيث أنه يذكر أقوال المذاهب الأربعة وأدلتها.
[ ٤ ]
وسطية أهل السنة بين الفرق
وللحافظ عبد الغني المقدسي رسالة تسمى: عقيدة الحافظ عبد الغني، أو تسمى: الاقتصاد في الاعتقاد، وسماها هو: الاقتصاد.
ومعنى الاقتصاد: كون الشيء وسطًا، والقصد هو: الوسط، والقصد من ذلك: بيان المذهب الوسط في العقيدة، وهو مذهب أهل السنة والجماعة؛ لأن مذهب السلف وسط بين طرفي الإفراط والتفريط، فما من شيء إلا وله طرفان ووسط، فالطرفان هما: مجاوزة الحد والغلو، أو التقصير، فإما جفاء وتفريط وإما إفراط، فهذان طرفان مذمومان.
وكلا طرفي قصد الأمور مذموم، والوسط هو الحق، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، فمذهب أهل السنة والجماعة وسط بين مذاهب أهل البدع والفرق.
فمثلًا: مذهب أهل السنة والجماعة وسط في القدر بين مذهبي الجبرية والقدرية، فالجبرية: غلوا في إثبات أفعال الرب، ونفوا أفعال العبد، وقالوا: إن العبد ليس له أفعال، والرب سبحانه هو الفاعل، وأن أفعال العباد هي أفعال الله، والعبادة وعاء للأعمال، فالله هو المصلي والصائم عندهم، والعباد كأنهم وعاء، كالكأس الذي يصب فيه الماء، فالعباد عندهم كئوس، والله صباب الماء فيها، فلم يثبتوا للعبد اختيار ولا قدرة، بل سلبوا قدرته واختياره.
وقابلهم القدرية فقالوا: إن العبد هو الذي يخلق فعل نفسه، سواء كان خيرًا أو شرًا، طاعة أو معصية، وإن الله لم يخلق أفعال العباد.
وأما أهل السنة فوسط بين هؤلاء وهؤلاء، فأثبتوا أفعال العباد، وأثبتوا الاختيار للعباد كما دلت النصوص على ذلك، ولكن المشيئة والاختيار تابع لمشيئة الله ﷿، فالله خلق العباد، وخلق أفعالهم وقدراتهم، والعباد لهم قدرة واختيار، فهم الذين يصلون ويصومون، وهم الذين يقومون ويقعدون، ويفعلون ذلك باختيارهم.
وأهل السنة وسط كذلك في باب الإيمان بين المرجئة والخوارج الوعيدية الذين يقولون: إن العبد يكفر إذا فعل المعصية، وإذا فعل الكبيرة، فالزاني عندهم كافر، وكذلك السارق وشارب الخمر.
والمرجئة يقولون: إن العبد إذا عرف ربه بقلبه فهو مؤمن، ولا يضره شيء، فلو فعل جميع الكبائر والمنكرات فلا يضره، وما دام عرف ربه بقلبه فهو مؤمن، ولا يكفر إلا إذا جهل ربه بقلبه.
ولا تضره المعاصي والكبائر، ولو فعل جميع الكبائر؛ لأنه عرف ربه، ويدخل الجنة من أول وهلة وهذان المذهبان باطلان.
وأما أهل السنة فوسط بين هؤلاء وهؤلاء، فقالوا: إن العبد لا يكفر بفعل المعصية، بل يكون ناقص وضعيف الإيمان إذا لم يستحل الكبيرة، والمعاصي تضر الإيمان وتنقصه وتضعفه إلا أنها لا تقضي عليه، فلا يقضي على الإيمان إلا الكفر الأكبر، أو الشرك الأكبر، أو النفاق الأكبر.
والمؤلف ﵀ في هذه الرسالة ذكر كثيرًا من الموضوعات العقدية والمسائل العقدية والصفات، فقد بحث جميع الصفات أو أغلب الصفات في هذه الرسالة: فبحث صفة الاستواء، وصفة العلو، وصفة الوجه، وصفة النزول، وصفة اليدين، وصفة المحبة، وصفة المشيئة والإرادة، وصفة الضحك، وصفة الفرح، وصفة العجب، وصفة البغض، وصفة السخط، وصفة الكره، وصفة الرضا، والنفس والرؤية والكلام، والقول في القرآن، وكلام الله ﷿، وبحث القضاء والقدر والإسراء والمعراج، ورؤية الرسول ﷺ لربه ليلة المعراج، ورؤية المؤمنين لربهم، والشفاعة والحوض، وعذاب القبر ونعيمه، والجنة والنار، والميزان، وأركان الإيمان، والاستثناء في الإيمان، وحقيقة الإيمان والإسلام، والإيمان بخروج الدجال، ونزول عيسى وقتله الدجال، والإيمان بملك الموت، وخصائص النبي ﷺ، والمفاضلة بين الخلفاء الراشدين، والشهادة لمن شهد له النبي ﷺ بالجنة، وفضل الاتباع.
كل هذه المسائل وهذه المباحث العقدية بحثها المؤلف ﵀ في هذه العقيدة التي تسمى: عقيدة الحافظ عبد الغني، أو الاقتصاد في الاعتقاد، والآن نبدأ في الرسالة.
[ ٥ ]
مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم.
رب يسر وأعين.
والحمد لله وحده، حسبنا الله ونعم الله الوكيل.
قال الشيخ الإمام العالم الزاهد الحافظ تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور الحنبلي المقدسي رحمه الله تعالى: [الحمد لله المتفرد بالكمال والبقاء، والعز والكبرياء، الموصوف بالصفات والأسماء، المنزه عن الأشباه والنظراء، الذي سبق علمه في بريته بمحكم القضاء، من السعادة والشقاء، واستوى على عرشه فوق السماء، وصلى الله على الهادي إلى المحجة البيضاء والشريعة الغراء، محمد سيد المرسلين والأنبياء، وعلى آله وصحبه الطاهرين الأتقياء، صلاة دائمة إلى يوم اللقاء].
[ ٦ ]
الكلام حول البسملة
هذه خطبة المؤلف ﵀، افتتحها بالبسملة والحمد لله اقتداء بالكتاب العزيز، والله تعالى افتتح كتابه بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:١ - ٢]، والبسملة الصواب أنها آية منفصلة في أول كل سورة، وليست من السور، لا من الفاتحة ولا من غيرها.
والفاتحة سبع آيات، أولها ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، والآية السادسة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧]، والسابعة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧]، فهذه سبع آيات بدون البسملة على الصحيح من أقوال أهل العلم.
ويدل على ذلك نصوص منها، الحديث القدسي: أن الرب ﷾ قال: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين) فالمراد بالصلاة هنا الفاتحة؛ لأن الفاتحة لها أسماء، ومن أسمائها الصلاة، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، قال الله: حمدني عبدي، فقول الرب سبحانه: إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، دل على أن أول آية في السورة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة:٢]، ولم يقل إذا قال العبد: بسم الله الرحمن الرحيم، فدل على أن أول آية: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ».
فالمؤلف افتتح كتابه بالبسملة، (باسم الله)، يعني: أستعين باسم الله، والباء للاستعانة، و(الله) لفظ الجلالة لا يسمى به غيره، وهو أعرف المعارف، و(الله) أصلها الإله، ثم حذفت الهمزة، فاجتمعت اللامان، وأدغمت إحداهما في الأخرى.
والله هو: المألوه فإله بمعنى: مألوه، وهو المعبود التي تألهه القلوب محبة وإجلالًا وتعظيمًا وخوفًا ورجاء.
و(الرحمن) اسم من أسماء الله، لا يسمى به غيره، المشتمل على الرحمة، أي: ذو الرحمة.
و(الرحيم) اسم آخر، فالرحمن لا يسمى به غيره، والرحيم مشترك يطلق على الله وعلى غيره.
قال تعالى عن نبيه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، فوصف نبيه بأنه رحيم.
فأسماء الله نوعان: منها ما هو خاص به، لا يسمى به غيره، مثل: الله، والرحمن، وخالق الخلق، مالك الملك، النافع الضار، المحيي المميت، المعطي المانع.
ومنها ما هو مشترك، مثل: العزيز والعليم والسميع والبصير والحي والرحيم وغير ذلك.
فمعنى البسملة: أستعين بالله الرحمن المتصف بالرحمة.
وكل اسم من أسماء الله مشتق، فليست أسماء الله جامدة، بل هي مشتقة، مشتملة على الصفات.
فالرحمن مشتمل على صفة الرحمة، والعليم مشتمل على صفة العلم، والقدير مشتمل على صفة القدرة، والحكيم مشتمل على صفة الحكمة وهكذا، بخلاف الصفات مثل صفة الغضب وصفة الرضا، فلا يشتق له أسماء منها.
وأسماء الله وصفاته توقيفية فلا يقال: إن من أسمائه الراضي؛ لأن الله اتصف بالرضى ولا يقال إن من أسمائه الغاضب؛ لأنه يغضب، ولكن الأسماء مشتملة على الصفات.
قال: (والحمد لله وحده)، قد يقال: إن قوله: (بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ)، رب اغفر وأعن يا كريم، والحمد لله وحده، حسبنا الله ونعم الوكيل، يعني: الله كافينا، ونعم الوكيل المتوكل عليه سبحانه، قد يكون هذا ليس من قول المؤلف.
ولهذا قال بعد ذلك: (قال الشيخ الإمام العالم الزاهد الحافظ تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور الحنبلي المقدسي).
فقوله: حنبلي يعني: حنبلي المذهب، وقد يكون مقلدًا، وقد يكون مجتهدًا، مثل: شيخ الإسلام وابن القيم ويسمى كل منهما حنبليًا؛ لأنهما ينتسبان إلى مذهب الحنابلة؛ ولأنهما وافقا الإمام أحمد في الأصول، وليس معنى ذلك: أنهما مقلدان، وإنما وافقوه في الأصول.
وقوله: (المقدسي): نسبة إلى بيت المقدس، رحمه الله تعالى.
[ ٧ ]
الكلام على الحمد والمدح، وبيان الفرق بينهما
(الحمد لله) الحمد: هو الثناء على المحمود بصفاته الاختيارية، وهو أكمل من المدح، فالمدح: هو أن تذكر صفات الممدوح، وقد تكون هذه الصفات اختيارية، وقد تكون خلقية، ليست اختيارية، والحمد إنما يكون بذكر صفات المحمود مع حبه وإجلاله وتعظيمه، فالإخبار عن المحمود بالصفات الاختيارية، مع حبه وإجلاله وتعظيمه هذا هو الحمد، وأما المدح فلا يلزم منه الحب، بل تذكر صفات الإنسان وقد لا تكون هذه الصفات اختيارية، فمثلًا عندما تذكر أوصاف الأسد تقول: إنه قوي.
فهذا مدح للأسد، ولكن ليس فيه محبة، ولا يلزم من ذلك المحبة، فلا يسمى حمدًا، فلا تقول: أحمدُ الأسد، وإنما تقول: أمدح الأسد فالحمد أكمل؛ لأن الحمد هو الإخبار عن المحمود أو ذكر صفاته الاختيارية والثناء عليه بها مع حبه وإجلاله، ولهذا جاء الحمد من صفات الله ﷿، وجاء الحمد في حق الرب ﷾، فقال: (الحمد لله)، ولم يقل أمدح الله؛ لأنه أكمل.
و(ال) للاستغراق، يعني: جميع أنواع المحامد مستغرقة لله ملكًا واستحقاقًا.
(الحمد لله)، الله: علم على الرب ﷾، وهو أعرف المعارف، يعني: المألوه الذي تألهه القلوب محبة وإجلالًا وتعظيمًا.
[ ٨ ]
الكلام على بقية ألفاظ مقدمة المؤلف
(المتفرد بالكمال والبقاء)، يعني: سبحانه هو الذي تفرد بالكمال، وبصفات الكمال.
وأما المخلوق فإنه وإن اتصف ببعض الصفات إلا أنها ليست صفات كمال على الإطلاق، بل إن الكمال الذي فيها هو كمال نسبي، يليق بالمخلوق وبالبشر، فأما صفات الكمال على الإطلاق فلا يستحقه إلا الرب ﷾، فهو الذي تفرد بالكمال، وتفرد بالبقاء، وهو الباقي ﷾، وهو الحي القيوم الذي لا يموت، وأما المخلوق فإنه ليس له البقاء إلا بإبقاء الله له.
(وهو المتفرد بالكمال والبقاء والعز)، أي: العز الكامل، وأما المخلوق فإن عزه عز نسبي بإعزاز الله له.
(وتفرد بالكبرياء) ﷾، وأما المخلوق فليس له أن يتكبر، فإذا تكبر فهو مذموم، فالكبر للمخلوق من الصفات الذميمة ومن الكبائر، وقد يكون كفرًا، كما إنه إذا تكبر عن عبادة الله، فلم يعبد الله فإن هذا الكبر يخرج من الملة، وقد يكون كبرًا دون ذلك فيكون من الكبائر، وفي الحديث: (لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر)، هذا إذا كان هذا الكبر على التوحيد فهو مخلد في النار، وأما إن كان دون التوحيد فهذا من باب الوعيد ومن الكبائر.
(وهو الموصوف بالصفات والأسماء).
يعني: الموصوف بالصفات والأسماء التي وصف بها نفسه وسمى بها نفسه في كتابه، أو على لسان نبيه ﷺ؛ لأن الأسماء والصفات توقيفية، فليس للعباد أن يسموا الله بأسماء من عند أنفسهم، أو يصفوه بصفات من عند أنفسهم، ولا يخترعون لله أسماءً أو صفات، بل الأسماء والصفات توقيفية، يوقف فيها عند النصوص.
(المنزه عن الأشباه والنظراء)، والنظير هو: المثيل، فالله ليس له مثيل ولا شبيه، بل هو ﷾ لا أحد يماثله في صفاته لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ﷾.
فليس له مثيل ولا شبيه لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أسمائه، ولا في أفعاله ﷾.
(الذي سبق علمه في بريته بمحكم القضاء)، أي: الذي سبق علمه في المخلوق، (في بريته)، يعني: مخلوقاته والبرية هي: المخلوقات.
يعني: قد سبق علم الله بما يكون في المخلوقات، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ، وفي الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أن النبي ﷺ قال: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء).
والعلم ثابت بالكتاب قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠].
وقال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢].
(سبق علمه في بريته بمحكم القضاء من السعادة والشقاء)، يعني: أن الله تعالى سبق علمه وكتب الشقاوة والسعادة، فعلم ذلك، وكتب في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الخلق، وقبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
(واستوى على عرشه فوق السماء)، يعني: استوى استواءً يليق بجلاله وعظمته، ومعنى (استوى): استقر وعلا وصعد وارتفع فوق عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته، فبين المؤلف ﵀ في خطبته أنه يسير على وفق معتقد أهل السنة والجماعة، وعلى ما دلت عليه النصوص، فأثبت الاستواء، وأهل البدع يحرفون ويؤلون استوى بالاستيلاء.
(وصلى الله على الهادي إلى المحجة البيضاء والشريعة الغراء، محمد ﷺ)، (صلى الله): صلاة الله على عبده، وأحسن أو أصح ما قيل في تعريف صلاة الله على عبده أنها: ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، وقد روى البخاري في صحيحه عن أبي العالية قال: صلاة الله على عبده ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، فأنت تسأل الله أن يثني على عبده في الملأ الأعلى.
(وصلى الله على الهادي)، وهذا وصف للرسول، والهادي أي: هداية دلالة وإرشاد؛ لأن الهداية هدايتان: هداية دلالة وإرشاد، وهذه يملكها النبي ﷺ، ويملكها الدعاة والمصلحون، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢].
وهداية التوفيق والتسديد، وخلق الهداية في القلوب، وجعل الإنسان يقبل الحق ويرضاه، وهذه لا يملكها إلا الله.
ولا يملكها النبي ﷺ ولا غيره.
قال الله تعالى لنبيه لما عجز عن هداية عمه أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:٥٦]، يعني: إنك لا توفق ولا تستطيع أن توفِّق، بل الذي يوفق هو الله، وهو الذي يخلق الهداية في القلوب.
(وصلى الله على الهادي إلى المحجة البيضاء والشريعة الغراء)، المحجة: يعني: الجادة والطريق، (البيضاء): وهي محجة الإسلام وطريق الإسلام، والصراط المستقيم، (والشريعة الغراء)، يعني: البيضاء الناصعة، وهي ما بعث بها ﵊، من الشريعة السهلة السمحة في العقيدة والعمل والخلق.
(محمد)، هذا اسم من أسمائه ﵊، وسمي محمدًا: لكثرة المحامد.
وله أسماء كثيرة ﵊، مثل: محمد وأحمد والحاشر والمقفي والعاقب، أي: الذي يحشر الناس على عقبه، وله أسماء كثيرة ﵊.
(محمد سيد المرسلين)، سيدهم: يعني: له السؤدد والإمامة، فهو مقدمهم وإمامهم ﵊، وهو سيد المرسلين والأنبياء.
(وعلى آله)، المراد بالآل، قيل: أهل بيته، يعني: المؤمنين به منهم، مثل: عمه العباس وعمه حمزة وعلي وفاطمة والحسن والحسين، فكلهم من أهل بيته.
وقيل: المراد بآله: أتباعه على دينه إلى يوم القيامة ويدخل في ذلك أهل بيته، ويدخل في ذلك أزواجه، فإن أزواجه من أهل بيته.
(وصحبه)، جمع صاحب، وهو: كل من لقي النبي ﷺ مؤمنًا ولو لحظة، ومات على الإسلام، وكل من لقي النبي ﷺ يشمل العميان مثل: عبد الله بن أم مكتوم، فإنه لقيه، ولا يقال: كل من رأى النبي ﷺ؛ لأن ابن أم مكتوم ﵁ صحابي، ولم ير النبي ﷺ لكن لقيه، فكل من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به ولو للحظة ثم مات على الإسلام فهو صحابي، ولو كان صغيرًا أو صبيًا.
(وعلى آله وصحبه)، وإذا فسر الآل: بأتباعه على دينه، فيكون الدعاء بالصلاة للصحابة مرتين، مرة بالعموم ومرة بالخصوص.
(وعلى آله): أي: أتباعه على دينه، ويدخل في ذلك الصحابة وأزواجه وأهل بيته، ثم قال: (وصحبه) وهذا تخصيص بعد تعميم.
(الطاهرين)، أي: الذين طهرهم الله من الشرك، والإصرار على الكبائر.
(الأتقياء)، جمع تقي، والتقي: هو الذي آمن بالله، وأدى الواجبات، وترك المحرمات.
(صلاة دائمة)، يعني: مستمرة.
(إلى يوم اللقاء)، وهو يوم الدين، الذي يلقى فيه كل مؤمن ربه، ويقف بين يديه للحساب.
[ ٩ ]
اتفاق الأمة على الإيمان بالله
قال المؤلف ﵀: [اعلم - وفقنا الله وإياك لما يرضيه من القول والنية والعمل، وأعاذنا وإياك من الزيغ والزلل - أن صالح السلف، وخيار الخلف، وسادة الأئمة، وعلماء الأمة اتفقت أقوالهم وتطابقت آراؤهم على الإيمان بالله ﷿، وأنه أحد فرد صمد، حي قيوم، سميع بصير، لا شريك له ولا وزير، ولا شيبه له ولا نظير، ولا عدل ولا مثل، وأنه ﷿ موصوف بصفاته القديمة التي نطق بها كتابه العزيز، الذي: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢].
وصح بها النقل عن نبيه وخيرته من خلقه محمد سيد البشر، الذي بلغ رسالة ربه ونصح لأمته، وجاهد في الله حق جهاده، وأقام الملة وأوضح المحجة، وأكمل الدين، وقمع الكافرين، ولم يدع لملحد مجالًا ولا لقائل مقالًا].
بعد أن ذكر المؤلف ﵀ الخطبة والثناء على الله ﷿ والصلاة على نبيه وأتباعه، قال المؤلف ﵀: (اعلم وفقنا الله وإياك لما يرضيه من القول والنية والعمل).
فاعلم: أمر بالعلم، والعلم: هو حكم الذهن الجازم، يعني: تيقن، بخلاف الشك والشك هو ما يشك فيه الإنسان بين أمرين، فإذا كان أحد الأمرين راجحًا سمي ظنًا، فالراجح يسمى ظنًا، والمرجوح يسمى وهمًا، وإذا استوى الأمران سمي شكًا، وإذا كان عنده جزم يسمى يقينًا وعلمًا، فالمعلومات أربعة: علم، وظن، وشك، ووهم.
فالعلم: هو ما يجزم وما يتيقن فيه الإنسان، فهو علم الذهن الجازم.
والظن: هو الراجح من أحد الأمرين اللذين يشك فيهما، والوهم: هو المرجوح من أحد الأمرين، والشك: هو أن يتساوى الأمران.
فالمؤلف ﵀ يقول: لا تشك ولا تظن ولا تتوهم بل تيقن من غير شك ولا ظن ولا وهم، ثم جاء بالجملة الاعتراضية، هي دعاء لطالب العلم، وهذا من نصحه ﵀، فمن نصحه لطالب العلم أن يعلمه ويدعو له.
قال: (وفقنا الله وإياك لما يرضيه من القول والنية والعمل)، فهذا تعليم ودعاء، وهذا من نصحه، كما قال الشيخ الإمام المفتي المجدد محمد بن عبد الوهاب في كثير من رسائله: اعلم أرشدك الله لطاعته، اعلم رحمك الله، فهؤلاء الأئمة وهؤلاء العلماء أنصح الناس للناس، فالأنبياء هم أنصح الناس للناس، والعلماء هم ورثة الأنبياء، فمن نُصح العلماء أنهم يعلِّمون ويدعون.
فهو يعلمك ويقول: اعلم، ويدعو لك بقوله: (وفقنا الله وإياك)، ونسأل الله أن يوفق، وهو سأل الله التوفيق له ولك يا طالب العلم! لما يرضيه من القول والعمل والنية، فنسأل الله أن يوفقنا، يعني: يجعلنا موفقين مسددين، قابلين للحق مختارين له، راضين به، والحق هو الذي يرضي الله من القول، مثل: النطق بكلمة التوحيد، والشهادتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، وتلاوة القرآن، والتسبيح والتهليل والتكبير وغير ذلك.
(والعمل): كالصلاة، والصيام، والصدقة، والحج، (والنية): الاعتقاد الصحيح بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر.
(وأعاذنا وإياك من الزيغ والزلل)، هذه استعاذة بالله لنفسه ولطالب العلم، فقد استعاذ بالله قائلًا: أعاذنا وإياكم من الزيغ.
و(الزيغ): هو الانحراف عن الحق في الاعتقاد، كأن يعتقد اعتقادًا باطلًا سيئًا، كاعتقاد المشركين، أو اعتقاد اليهود، أو اعتقاد النصارى، أو اعتقاد أهل البدع، أو اعتقاد الفلاسفة الضالين، أو الجهمية، أو الباطنية، أو الصوفية المنحرفين، أو المعتزلة، أو الأشاعرة، فكل هذا زيغ، فاستعاذ بالله من الزيغ لنفسه ولك يا طالب العلم.
(والزلل) وهو نوع من الانحراف، وهو الزلل عن الحق، يعني: تخطي الحق، وتجاوز الحق، وعدم إصابة الحق.
وقوله: (وفقنا الله وإياكم لما يرضيه من القول والنية والعمل، وأعاذنا وإياكم من الزيغ والزلل)، جملة اعتراضية للدعاء، أراد بها المؤلف أن يدعو لطالب العلم.
(اعلم أن صالح السلف، وخيار الخلف، وسادة الأئمة، وعلماء الأمة، اتفقت أقوالهم وتطابقت آراؤهم على الإيمان بالله ﷿)، والمراد بصالح السلف: الصحابة، والتابعون، (وخيار الخلف): وهم من تبعهم وسار على نهجهم من الأئمة والعلماء وأهل السنة والجماعة، وسادة الأمة، يعني: مقدمو الأئمة في الدين، فهو يقول: اعلم أن صالح السلف المتقدمين من الصحابة والتابعين، وخيار الخلف ومن تبعهم، ومقدم الأئمة وسائر علماء الأمة، كلهم اتفقت أقوالهم وتطابقت آراؤهم على الإيمان بالله ﷿، وأنه ﷾ واجب الوجود بذاته، وأنه موجود فوق العرش، وأن له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وأنه المعبود بالحق، وأن غيره معبود بالباطل.
اتفق على هذا السلف والخلف والأئمة والعلماء.
وكذلك اتفقوا على الإيمان بصفاته وبأفعاله، والإيمان بربوبيته وألوهيته، وأنه المعبود بالحق.
ويدخل في الإيمان بالله ﷿ قوله: (وأنه أحد فرد صمد، حي قيوم سميع بصير)، فكل هذا داخل في الإيمان بالله.
فهو (أحد) يعني: واحد ﷾، لا نظير له في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، (وفرد) وهو مثل أحد بمعناه، إلا أن فردًا لم ترد في النصوص، والذي ورد في النصوص أحد وصمد، وهذا من باب الخبر عن الله، ولا نعلم أن كلمة فرد من أسماء الله، ولكن من أسماء الله الأحد والصمد، والأحد كافية عن الفرد، ولكن زادها من باب الخبر.
(الصمد) هو: السيد الذي كمل في سؤدده، والذي تصمد إليه الخلائق في حوائجها، فهو كامل في نفسه، وهو سيد في نفسه، ولا يحتاج إلى غيره، وهو القائم بنفسه، المقيم لغيره ﷾.
ومن تفسير الصمد: هو الذي لا جوف له.
يعني: لا يأكل ولا يشرب.
والملائكة صُمد لا يأكلون ولا يشربون، والله أولى بذلك من المخلوقين.
فهو الصمد الذي لا يحتاج إلى أحد، قائم بنفسه، مقيم لغيره، كمل سؤدده، وصمدت إليه الخلائق في حوائجها، حي حياة كاملة أبدية لم يسبقها عدم، ولا يطرأ عليه ضعف ولا نوم ولا نعاس، بل حياته حياة كاملة مستمرة باقية أبد الآباد.
(قيوم): وهذا من أسمائه ﷾، أي: القائم بنفسه، المقيم لغيره، والحي القيوم: وصفان عظيمان، واسمان عظيمان ترجع إليهما جميع الأسماء والصفات، حتى قيل: إنه الاسم الأعظم، قال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، (سميع)، وهو من أسمائه ﷾، (بصير) قال سبحانه: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فسميع: متصف بالسمع، فهو يسمع الأصوات ويدركها، ولا يخفى عليه شيء، وهو بصير يرى كل شيء، وهو سميع بسمع، وبصير ببصر، لا شريك له، وليس له شريك في أسمائه، ولا شريك له في صفاته، ولا شريك له في أفعاله، ولا شريك له في ألوهيته وعبوديته وعبادته، ولا شريك له في ملكه.
(ولا وزير)، والوزير هو: المعين، فليس له معين يعينه بخلاف المخلوق الضعيف، وملوك الدنيا لا يستغنوا عن الوزراء لكي يعينونهم ويساعدونهم، وأما الرب تعالى فلا يحتاج إلى وزير ولا يحتاج إلى أحد، بل هو كامل ﷾، بخلاف المخلوق الضعيف الذي يحتاج إلى الولد، ويحتاج إلى الزوجة لإعانته، ويحتاج إلى الوزير، ويحتاج إلى الأمير، ويحتاج إلى خادم.
(ولا شبيه له)، أي: لا أحد يشبهه، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، (ولا نظير) أي: ليس له نظير ولا مماثل ولا عدل، وكلها بمعنى: المثيل فليس له مماثل ولا مشابه، ولا نظراء ولا عدلاء ولا أمثال، بل هو ﷾ لا يماثله أحد من خلقه، ولا يعدل به أحد من خلقه.
(وأنه ﷿ موصوف بصفاته القديمة التي نطق بها كتابه العزيز الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] وصح بها النقل عن نبيه)، يعني: هو موصوف سبحانه بصفاته التي وصف بها نفسه في كتابه، أو وصفه بها رسوله ﵊؛ لأن الصفات والأسماء توقيفية، فليس للعباد أن يخترعوا لله أسماءً وصفات من عند أنفسهم، ولهذا قال: (موصوف بصفاته القديمة التي نطلق بها كتابه، وصح بها النقل عن نبيه وخيرته من خلقه محمد سيد البشر ﵊، الذي بلغ رسالة ربه، ونصح لأمته، وجاهد في الله حق جهاده، وهذا وصفه ﵊، فهو بلَّغ الرسالة وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، (وأقام الملة)، وهي: الدين، (وأوضح المحجة)، وهي: الطريق، (وأكمل الدين)، يعني: أكمل الله به الدين، ولو قال المؤلف: وأكمل الله به الدين لكان أحسن؛ لأن الذي يكمل الدين هو الله، وليس النبي ﷺ، قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣]، ومقصود المؤلف بأكمل الدين يعني: أكمل الله به الدين.
(وقمع الكافرين)، يعني: قمع الله به الكافرين، فإن الذي قمع هو الله، فقمع الله الكافرين برسالته.
(ولم يدع لملحد مجالًا)، والملحد هو: المنحرف، الذي انحرف عن الصواب.
والإلحاد أقسام: فقد يكون إلحاد كفر؛ كالذي ألحد في توحيد الله، وفي أسمائه وصفاته، فهذا إلحاد يخرجه عن ملة الإسلام.
وقد يكون إلحادًا دون الكفر، كالإلحاد بالمعاصي وبالبدع، وكالإلحاد في نفي بعض الصفات وبعض الأسماء.
(فلم يدع ﵊ لملحد مجالًا، ولا لقائل مقالًا)؛ لأنه ﵊ بلغ الرسالة، ونصح الأمة، وأقام الملة، وأوضح المحجة، وكمل به الدين، ولم يترك لملحد مجالا، ولا لقائل مقالًا؛ لأن الشريعة كملت، وهي واضحة ليس فيها لبس، فلا مجال لملحد ولا مجال لقائل، يريد أن يزيد في هذا الدين أو ينقص منه، أو يحرف أو يئول.
[ ١٠ ]
الكلام على أثر طارق بن شهاب
قال المؤلف ﵀: [فروى طارق بن شهاب قال: جاء يهودي إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين! آية في كتابكم تقرءونها لو علينا معشر يهود نزلت نعلم اليوم الذي نزلت فيه لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا.
قال: أي آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، فقال: إني لأعلم اليوم الذي نزلت والمكان، نزلت على رسول الله ﷺ ونحن في عرفة عشية جمعة].
وهذا الأثر رواه الشيخان البخاري ومسلم رحمهما الله في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب بعد كتاب الله ﷿، وفيه بيان كمال هذا الدين، وهذا الأثر رواه طارق بن شهاب: أن يهوديًا جاء إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين! آية في كتابكم تقرءونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، فقال عمر: أي آية؟ قال له: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، ويا لها من آية عظيمة، فيها بيان أن الدين قد كمل، وأن الله قد أتم النعمة على هذه الأمة، وأنه رضي لهم الإسلام دينًا.
فهذا الدين كامل لا يحتاج إلى أن يزيد فيه أحد أو ينقص منه أحد، وهو محفوظ أيضًا بحفظ الله له، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، وفيه رد على الرافضة الذين يقولون: إن القرآن ضاع ثلثيه ولم يبق إلا الثلث، وهذا تكذيب لله، ومن كذب الله فقد كفر، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، بعض الرافضة يقولون: إن القرآن لم يحفظ، ولم يبق منه إلا الثلث، حتى ألف بعض شيوخهم كتابًا سماه: فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب، وأثبت فيه أن القرآن محرف، فنعوذ بالله وهذا مصادم لقول الله ﷿: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣]، ولقوله ﷿: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، فالآية صريحة قاطعة، فمن قال: إن القرآن محرف فقد كذّب الله، ومن كذّب الله فقد كفر، فالقرآن محفوظ بحفظ الله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣]، يعني: الدين كامل لا يحتاج إلى أن يزاد فيه أو ينقص منه، ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣]، فقد أتم الله النعمة، ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، فرضي الله لنا هذا الدين، وهذه الآية هي من آخر ما نزل من سورة المائدة.
ولما أكمل الله هذا الدين وأتم نعمه قبض نبيه ﵊؛ لانتهاء مهمته إلى الدنيا، وأنزل عليه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١ - ٣].
فقال عمر ﵁: إني لأعلم اليوم الذي نزلت والمكان الذي نزلت فيه، نزلت على رسول الله ﷺ، واليوم الذي نزلت فيه يوم عرفة وهو يوم الجمعة، والمكان في عرفة قبل وفاة النبي ﷺ بما يقارب ثمانين يومًا فنزلت في يوم الجمعة وهو يوم عيد، ويوم الحج الأكبر، ويوم عرفة، فقد نزلت في يوم عظيم، وهو يوم الحج ويوم عرفة الذي يجتمع الحجاج فيه في صعيد واحد من أقطار الدنيا كلها، وصادف يوم عرفة يوم جمعة في الحجة التي حجها النبي ﷺ، فنحن نتخذه عيدًا، وهو يوم عيد والحمد لله، وهذا يدل على أن اليهود يعلمون الحق، ولكن حملهم البغي والحسد على عدم الإيمان، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٤٦]، وقال سبحانه: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة:٨٧]، فحملهم الكبر والبغي على عدم الإيمان، فقد ظنوا أن النبوة ستكون في بني إسرائيل، فلما كانت في بني إسماعيل جحدوا وكفروا، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩]، نسأل الله السلامة والعافية، ونعوذ بالله من زيغ القلوب.
والمراد بقوله: (عشية عرفة)، يعني: آخر النهار، ومعلوم أن النبي ﷺ وقف بعد الظهر، بعدما صلى الظهر، وهي عشية عظيمة مباركة.
[ ١١ ]