شرح الاقتصاد في الاعتقاد للمقدسي [١٠]
اختلف أهل العلم في رؤية النبي ﷺ لربه ليلة الإسراء والمعراج فمنهم من قال: إنه رآه بعين رأسه، ومنهم من قال: إنه لم يره، وحمل أدلة القائلين بأنه رآه بقلبه لا بعينه، وهذا القول هو الصواب جمعًا بين الأدلة، والله أعلم.
[ ١٠ / ١ ]
خلاف العلماء في عدد مرات الإسراء والمعراج وكيفيته
قال الحافظ ﵀: [وأجمع القائلون بالأخبار والمؤمنون بالآثار: أن رسول الله ﷺ أسري به إلى فوق سبع سموات ثم إلى سدرة المنتهى، أسري به ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مسجد بيت المقدس، ثم عرج به إلى السماء بجسده وروحه جميعًا، ثم عاد من ليلته إلى مكة قبل الصبح، ومن قال: إن الإسراء في ليلة والمعراج في ليلة فقد غلط، ومن قال: إنه منام، وأنه لم يسر بجسده فقد كفر.
قال الله ﷿: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:١].
وروى قصة الإسراء عن النبي ﷺ أبو ذر وأنس بن مالك ومالك بن صعصعة وجابر بن عبد الله وشداد بن أوس وغيرهم.
كلها صحاح مقبولة مرضية عند أهل النقل مخرجة في الصحاح].
انتقل المؤلف ﵀ من الكلام على القضاء والقدر إلى مبحث الإسراء والمعراج.
والإسراء معناه في اللغة: السفر ليلًا.
وشرعًا: هو الإسراء بنبينا محمد ﷺ، أو السفر ليلًا بنبينا ﷺ على البراق صحبة جبرائيل من مكة إلى بيت المقدس.
وأما المعراج: فهو مفعال من العروج، وهو صعود نبينا ﷺ ليلًا من بيت المقدس إلى السماء بصحبة جبرائيل، والمعراج آلة كالسلم صعد ﷺ عليها ومعه جبرائيل حتى وصل إلى السماء ودخل السموات، وانتقل من سماء إلى سماء؛ حتى وصل إلى سدرة المنتهى.
يقول المؤلف ﵀: وأجمع القائلون بالأخبار والمؤمنون بالآثار أن رسول الله ﷺ أسري إلى فوق سبع سموات ثم إلى سدرة المنتهى، أسري به ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مسجد بيت المقدس، ثم عرج به إلى السماء.
والمؤلف هنا ﵀ أدمج الإسراء في المعراج، وأن رسول ﷺ أسري به إلى فوق، فهو أسري به أولًا من مكة إلى بيت المقدس، ثم عرج به إلى فوق، فأدمج المؤلف ﵀ الإسراء بالمعراج، وقال: أسري به إلى فوق، وهو أسري به أولًا من المسجد الحرام إلى بيت المقدس، ثم عرج به إلى فوق سبع سموات، ثم إلى سدرة المنتهى.
ثم عاد المؤلف ﵀ فقال: أسري به ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهو مسجد بيت المقدس، ثم عرج به، ثم عرج به إلى السماء بجسده وروحه جميعًا، ثم عاد من ليلته قبل الصبح.
وهذا هو الصواب التي تدل عليه النصوص، والذي أجمع عليه أهل السنة والجماعة، وذلك أن النبي ﷺ أسري به في الليل من مكة إلى بيت المقدس، والله تعالى بين ذلك في القرآن العظيم، قال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء:١] ومن أنكر الإسراء فقد كفر؛ لأنه مكذب لله، ومن كذب الله كفر، إلا إذا لم يعلم بحيث كان مثله يجهل هذا، فهذا يبين له النص، وأن الله أخبر في القرآن أن الله أسرى بنبيه ﷺ ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فإن أصر كفر؛ لأنه كذب الله، ومن كذب الله كفر.
وأما المعراج؛ فإنه جاء في الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ وهي في الصحاح وفي غيرها، والإسراء والمعراج كما ذكر المؤلف ﵀ في ليلة واحدة، وهذا هو الصواب، فقد أسري به أولًا من مكة إلى بيت المقدس، وجمع له الأنبياء هناك وصلى بهم إمامًا قدمه جبرائيل فظهر فضله ﵊، ثم عرج به إلى السماء.
وقال بعض العلماء: إن الإسراء في ليلة والمعراج في ليلة، وهذا قول ضعيف.
والصواب: أن الإسراء والمعراج بجسده وروحه يقظة لا منامًا، مرة واحدة، هذا هو الصواب الذي تدل عليه النصوص، ومن أقوى الأدلة قول الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء:١] ووجه الدلالة: أن العبد اسم لمجموع الروح والجسد، فالصواب أن الإسراء والمعراج في ليلة واحدة، وأنه أسري به ﵊ بجسده وروحه مرة واحدة.
وقال آخرون من أهل العلم: إن الإسراء كان بروحه دون جسده، وهذا مروي عن عائشة ومعاوية ﵃.
وقال آخرون من أهل العلم: إن الإسراء كان منامًا.
وقال آخرون من أهل العلم: إن الإسراء كان مرارًا، مرة يقظة ومرة منامًا.
وقال آخرون: أن الإسراء كان مرارًا، مرة قبل الوحي ومرة بعده.
وهذه كلها أقوال ضعيفة، والصواب القول الأول: وهو أن الإسراء والمعراج في ليلة واحدة، وأن الإسراء والمعراج كان بروحه وجسده ﵊، وأنه كان يقظة لا منامًا، وأنه كان مرة واحدة لم يتعدد، وهناك فرق بين من قال: إن الإسراء كان منامًا، ومن قال: إن الإسراء كان بروحه.
فالقائلون: إن الإسراء كان بروحه، قالوا: إن الروح هي التي عرج بها وجسده باق ﵊، ولكن عرج بروحه، وهذا الاستقلال بالروح من خصائص النبي ﷺ، وإلا فإن غيره لا تنال روحه الاستقلالية.
وأما الذين قالوا: إن الإسراء كان منامًا، فقالوا: إن الروح والجسد لم يعرج بهما، فالروح والجسد باقيان في مكة، ولكن الملك ضرب الأمثال للنبي ﷺ فتكون الصورة المعلومة في صورة تأخذ شكل الصورة المحسوسة، ومنام الأنبياء وحي كما قال الله تعالى عن نبيه إبراهيم أنه قال لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات:١٠٢].
والذين قالوا: إن الإسراء كان منامًا استدلوا بحديث شريك بن أبي نمر في الصحيحين وفي غيرهما وفي بعض ألفاظه أنه قال لما ذكر قصة الإسراء والمعراج: (ثم استيقظت وأنا في المسجد الحرام).
استدلوا بهذه اللفظة: (ثم استيقظت).
قالوا: إن الإسراء كان منامًا، ولكن شريك بن أبي نمر غلطه الحفاظ في ألفاظه من حديث الإسراء، ولهذا لما روى الإمام مسلم ﵀ الحديث الشريف قال بعده: فزاد ونقص وقدم وأخر، يعني: شريك بن أبي نمر فهو له أغلاط وأوهام، وإن كان الحديث في الصحيحين، لكن هذه أغلاط وأوهام في بعض الألفاظ، وفي بعضها: (وكان ذلك قبل الوحي) وهذه من أغلاطه أيضًا، والصواب أن الإسراء والمعراج بعد الوحي وبعد النبوة، وكان في مكة قبل الهجرة بسنة أو بسنتين أو بثلاث على خلاف.
فهذه أقوال: قيل: إن الإسراء والمعراج في ليلتين.
وقيل: إن الإسراء كان بروحه دون جسده.
وقيل: إن الإسراء كان منامًا.
وقيل: إن الإسراء كان مرارًا: مرة يقظة، ومرة منامًا، وهذا يفعله بعض ضعفاء الحديث، كل ما اشتبه عليهم لفظ زادوا مرة، قال بعضهم: مرتين، وبعضهم قال: ثلاث مرات، والصواب الذي عليه المحققون وتدل عليه النصوص أن الإسراء والمعراج مرة واحدة، في ليلة واحدة يقظة لا منامًا بروحه وجسده؛ لقول الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١] والعبد: اسم لمجموع الروح والجسد، وأنه عاد ﵊ إلى مكة قبل الصبح وحدث الناس بذلك، وارتد قوم ممن أسلم؛ لأن عقولهم لم تتحمل، وكذلك أيضًا لما أخبر النبي ﷺ كفار قريش استعظموا هذا الأمر، وقالوا: يزعم محمد أنه ذهب إلى بيت المقدس في ليلة واحدة ونحن نضرب السفر إليها مدة شهر كامل، حتى سألوه عن عير لهم في الطريق مر عليها فأخبرهم متى تصل، ولما أخبر النبي بعض صناديد قريش قالوا: هل تقول هذا يا محمد إذا اجتمع الناس؟ قال: نعم.
يستعظمون ذلك، ويريدون تكذيبه، ولما قالوا لـ أبي بكر الصديق ﵁: إن صاحبك يزعم أنه ذهب إلى بيت المقدس وأنه ذهب إلى السموات، فقال أبو بكر ﵁: إن كان قال ذلك فقد صدق، ولذلك سمي الصديق.
فالمؤلف ﵀ بين الصواب في هذه المسألة، قال: وأجمع القائلون بالأخبار والمؤمنون بالآثار أن رسول الله ﷺ أسري به، ثم قال: ﴿لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١] ثم عرج به إلى السماء بجسده وروحه جميعًا، وهذا هو الصواب.
يقول المؤلف: ومن قال: إن الإسراء كان في ليلة والمعراج في ليلة فقد غلط.
وهذا صحيح، فقد غلط بعض العلماء وقالوا: إن الإسراء في ليلة والمعراج في ليلة، والصواب أنها في ليلة واحدة، ومن قال: إنه منام، وأنه لم يسر بجسده فقد كفر.
وهذا غريب من المؤلف ﵀، فإن من قال: إن الإسراء كان منامًا لا يكفر؛ لأن له شبهة وإن كان قوله ضعيفًا، فقد استدلوا ببعض ألفاظ الحديث الشريف وفيه أنه قال: (ثم استيقظت).
فالقول بالتكفير في هذا ليس بصواب، والتكفير ليس أمره بالهين، ولم أر أحدًا من العلماء كفر من قال: إن الإسراء كان منامًا، وإنما يقال هذا قول ضعيف، أو قول مرجوح، أو خلاف الصواب.
يقول المؤلف ﵀: وروى قصة الإسراء عن النبي ﷺ أبو ذر وأنس بن مالك ومالك بن صعصعة وجابر بن عبد الله وشداد بن أوس وغيره.
يعني: إن أحاديث الإسراء جاءت في أحاديث عدة رواها عدد من الصحابة.
يقول المؤلف: كلها صحاح مقبولة مرضية عند أهل النقل مخرجة في الصحاح.
وهذا كلام صحيح، فحديث الإسراء متفق عليه، فقد رواه البخاري في صحيحه، ورواه مسلم أيضًا في صحيحه، ورواه ابن قدامة في إثبات صفة العلو.
وقال ابن القيم ﵀: إن قصة الإسراء والمعراج متواترة.
وقد أفرد بعض العل
[ ١٠ / ٢ ]
خلاف العلماء في رؤية النبي لربه ليلة المعراج
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأنه ﷺ رأى ربه ﷿ كما قال ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:١٣ - ١٤].
قال الإمام أحمد فيما رويناه عنه: وأن النبي ﷺ رأى ربه ﷿، فإنه مأثور عن النبي ﷺ صحيح رواه قتادة وعكرمة عن ابن عباس.
ورواه الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس، ورواه علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس، والحديث على ظاهره كما جاء عن النبي ﷺ والكلام فيه بدعة، ولكن نؤمن به كما جاء على ظاهره ولا نناظر فيه أحدًا.
وروي عن عكرمة عن ابن عباس قال: إن الله ﷿ اصطفى إبراهيم بالخلة، واصطفى موسى بالكلام، واصطفى محمد ﷺ بالرؤية.
وروى عطاء عن ابن عباس قال: رأى محمد ﷺ ربه مرتين.
وروي عن أحمد ﵀ أنه قيل له: بم تجيب عن قول عائشة ﵁: من زعم أن محمدًا قد رأى ربه ﷿ الحديث؟ قال: بقول النبي ﷺ: (رأيت ربي ﷿).
وفي حديث شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ قال: (فرجعت إلى ربي وهو في مكانه)، والحديث بطوله مخرج في الصحيحين، والمنكر لهذه اللفظة راد على الله ورسوله].
هذا مبحث رؤية النبي ﷺ لربه ليلة المعراج، ولم يختلف العلماء أنه لم ير أحد ربه في الدنيا، فأهل الحق مجمعون على أنه لم ير أحد ربه في الدنيا، وأنه لا يستطيع أحد أن يرى ربه في الدنيا، ولما سأل موسى الرؤية: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف:١٤٣] فلا يستطيع أحد أن يرى الله في الدنيا؛ لأن الله احتجب عن خلقه بالنور ولو كشفه لاحترق الخلق كلهم، كما في الحديث الذي في صحيح مسلم: (لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه).
ولا عبرة ببعض الصوفية الذين يزعمون أنه يمكن أن يرى الله في الدنيا، أو الصوفية الملاحدة الذين يزعمون أن الله موجود في الأرض في كل خضرة، لكن أجمعت الأمة قاطبة ما عدا هؤلاء على أنه لم ير أحد ربه في الدنيا ما عدا نبينا ﷺ، وأجمعوا على أنه لم يره في الأرض، وإنما اختلفوا هل رآه ليلة المعراج فوق السموات، أو لم يره على قولين: القول الأول: أنه رآه وهذا هو الذي اختاره المؤلف، ولهذا قال: وأنه رأى ربه ﷿، فالحافظ عبد الغني يرى أن النبي ﷺ رأى ربه بعين رأسه ليلة المعراج وهذا من خصائصه، وذهب إلى هذا أيضًا بعض العلماء كـ النووي أيضًا في شرح صحيح مسلم وابن خزيمة في كتاب التوحيد، والقاضي عياض وأبو الحسن الأشعري وأبو إسماعيل الهروي كلهم ذهبوا إلى أن النبي ﷺ رأى ربه ليلة المعراج في السماء بعيني رأسه.
واستدلوا أيضًا على هذا -وهو رواية عن الإمام أحمد - بما ثبت عن ابن عباس أنه قال: إن النبي ﷺ رأى ربه، وكذلك أيضًا: روي عن الإمام أحمد أنه قال: إن النبي ﷺ رأى ربه.
واستدلوا أيضًا بقوله ﷾: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:١٣]، وقوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم:١٢]، ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٧ - ١٨].
فقالوا: إن النبي رأى ربه بعين رأسه.
القول الثاني: وهو قول جمهور العلماء وجمهور الصحابة، وهو أن النبي ﷺ لم ير ربه بعين رأسه وإنما رآه بعين قلبه، وهذا الذي عليه الجماهير هو الصواب كما سيأتي، والأدلة عليه كثيرة، ومن أصرحها ما رواه مسلم في صحيحه، عن أبي ذر ﵁: (قلت للنبي ﷺ: هل رأيت ربك؟ فقال: رأيت نورًا)، وفي لفظ: (نور أنى أراه)، أي أن النور حجاب يمنع من رؤيته، يعني: كيف أستطيع رؤيته والنور حجاب يمنعني من رؤيته.
واستدلوا بحديث أبي موسى الأشعري عند مسلم أن النبي ﷺ قال: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور -وفي لفظ: النار- لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه).
فقوله: (من خلقه) هذه عامة، ومحمد من خلقه فيشمله هذا، أي: لو كشف الحجاب لاحترق الخلق كلهم ومنهم محمد ﵊، ومنها أيضًا: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٥١]، هذه الآية تدل على أنواع الوحي الثلاثة، ومحمد كلمه الله بدون واسطة، لكن من وراء حجاب، فهو محجوب عن الرؤية في الدنيا، فلا يستطيع أحد أن يرى الله تعالى.
ولأن الرؤية نعيم ادخره الله لأهل الجنة، وهي أعظم نعيم.
وأما الأدلة التي استدل بها القائلون بأن النبي ﷺ رأى ربه بعينه، فليست صريحة ولا واضحة، أما قوله تعالى: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:١٢ - ١٣]، فالمراد بهذه الرؤية رؤية جبريل، لقوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم:٥ - ٨] هذا جبريل، ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:٩ - ١١]، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:١٣] رأى محمد ﷺ جبريل ﵇ على صورته التي خلق عليها مرتين: مرة في الأرض في بدء الوحي، ومرة في السماء عند سدرة المنتهى.
ولأن الله تعالى قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١] يريه الآيات، ولو كان أراه نفسه لذكر ذلك لأنه أعظم، لكنه قال: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١]، ولم يقل: ليراني، أو لأريه نفسي.
وأما ما روي عن ابن عباس ﵄، أنه سئل: هل رأى محمد ﷺ ربه؟ قال: نعم، فهذا جواب مطلق، وفي رواية أنه قال: رآه بفؤاده، فالمطلق يحمل على المقيد، فقوله: (نعم) يحمل على أنه رآه بقلبه.
وكذلك روي عن الإمام أحمد أنه قال: رآه، وروي عنه أنه قال: رآه بفؤاده، فيحمل المطلق على المقيد، ولم يقل ابن عباس: إنه رآه بعين رأسه، وكذلك الإمام أحمد لم يقل ذلك فالروايات يفسر بعضها بعضًا، فرواية (رآه) تفسرها رواية (رآه بفؤاده)، وهذا هو الصواب الذي عليه المحققون والجماهير، وهو أن النبي ﷺ لم ير ربه ليلة المعراج بعين رأسه وإنما رآه بفؤاده.
وثبت عن عائشة ﵂ أنه سألها مسروق: هل رأى محمد ربه؟ فقالت: (لقد وقف شعري مما قلت، ثم قالت: من حدثك أن محمدًا رأى ربه فقد كذب)، وفي لفظ أنها قالت: (فقد أعظم على الله الفرية)، وهذا هو الذي عليه المحققون كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما قالوا: إن الجمع بين النصوص التي فيها أنه رآه تحمل على رؤيته بقلبه، والنصوص التي فيها أنه لم يره تحمل على أنه لم يره بعين رأسه وبهذا تجتمع الأدلة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأنه ﷺ رأى ربه ﷿ كما قال ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:١٣ - ١٤]].
إذًا: المؤلف أثبت أن النبي ﷺ رأى ربه بعين رأسه، والدليل الذي قاله المؤلف لا يدل على ما استدل به؛ لأن هذا في رؤية جبريل، قال تعالى في سورة النجم: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:١٣] يعني: رأى النبي جبريل مرة ثانية، مرة في الأرض وأخرى في السماء، وبهذا لا تكون الآية دليلًا لما ذهب إليه المؤلف من أن النبي ﷺ رأى ربه بعين رأسه.
الدليل الثاني: استدل المؤلف بقول الإمام أحمد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال الإمام أحمد فيما رويناه عنه: وأن النبي ﷺ رأى ربه ﷿، فإنه مأثور عن النبي ﷺ وهو صحيح، رواه قتادة وعكرمة عن ابن عباس، ورواه الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس، ورواه علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن
[ ١٠ / ٣ ]
ثبوت الشفاعة العظمى للنبي يوم القيامة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويعتقد أهل السنة ويؤمنون أن النبي ﷺ يشفع يوم القيامة لأهل الجمع كلهم شفاعة عامة، ويشفع للمذنبين من أمته فيخرجهم من النار بعدما احترقوا، كما روى أبو هريرة ﵁ أن الرسول الله ﷺ قال: (لكل نبي دعوة يدعو بها؛ فأريد إن شاء الله أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)، وروى أبو هريرة ﵁ أنه قال: (قلت: يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: لقد ظننت ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث، إن أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصًا من قبل نفسه) رواه البخاري، وروى حديث الشفاعة بطوله أبو بكر الصديق وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر بن الخطاب وأنس بن مالك وحذيفة بن اليمان وأبو موسى عبد الله بن قيس وأبو هريرة وغيرهم].
الشفاعة في اللغة: الوساطة، وشرعًا: ضم الشفيع نفسه إلى المشفوع له، فيكون شفعًا بعد أن كان وترًا، فإذا دعاك إنسان يريد شيئًا ثم ضممت صوتك إلى صوته شفعت له، فصرت أنت وهو اثنين بعد أن كان واحدًا، أو كان يطلب حاجةً ثم شفعت له وضممت نفسك إليه، صرتما اثنين والاثنان شفع، وضم الشفيع نفسه إلى غيره؛ ليكون شفعًا بعد أن كان وترًا، والاثنان شفع والواحد وتر، وقيل في معنى الشفاعة: طلب الخير للغير، وقيل: مساعدة ذي الحاجة عند من يملك الحاجة، والشفاعة تكون يوم القيامة للنبي ﷺ عندما يأتيه الناس ويطلبون منه أن يشفع لهم إلى الله أن يحاسبهم، فالنبي ﷺ يضم صوته إلى صوتهم ويساعدهم ويطلب من الله أن يقضي بينهم، فيكون ﵊ شفع للخلائق، أي: ضم صوته إلى صوتهم وساعدهم وطلب من الله أن يقضي بين العباد؛ وذلك بعد أن يأتيه الإذن بذلك.
والشفاعة لها شرطان: إذن الله للشافع أن يشفع، ورضاه عن المشفوع له، فلا يمكن لأحد أن يشفع، حتى لو كان نبينا ﷺ وهو أوجه الناس عند الله، وإذا كان موسى عند الله وجيهًا قال الله: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب:٦٩]، فمحمد أعظم وجاهة، ومع ذلك لا يستطيع -وهو أفضل الخلق- أن يبدأ بالشفاعة أولًا، بل يسجد تحت العرش فيفتح الله عليه من المحامد التي يلهمه إياها ولا يحسنها في دار الدنيا، ثم يأتيه الإذن من الرب ﷾ فيقول: (يا محمد! ارفع رأسك، وقل يسمع، واشفع تشفع، فيرفع محمد رأسه ويقول: يا رب! أسألك أن تقضي بين عبادك، فيشفعه الله فيهم)، فيقضي بين الخلائق.
ونبينا ﵊ له شفاعة خاصة، وله شفاعة يشاركه فيها غيره، فالشفاعة الخاصة هي الشفاعة العظمى التي تكون لأهل الموقف حينما يوقف الناس بين يدي الله للحساب حفاة لا نعال لهم، عراة لا ثياب عليهم، غرلًا غير مختونين، بهمًا ليس معهم شيء، ويشتد الحر، وتدنو الشمس من الرءوس، ويزاد في حرارتها فيكون يوم عظيم، فيموج الناس بعضهم إلى بعض، فيأتون أولًا إلى آدم ويطلبون منه أن يشفع لهم فيعتذر، ويقول: أكلت من الشجرة، لا أستطيع، اسألوا غيري، ثم يرشدهم إلى نوح، فيذهبون إلى نوح فيعتذر، ويقول: إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وقد دعوت على قومي دعوة أغرقتهم، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم ﵇، فيأتون إبراهيم فيسألون الشفاعة فيعتذر، ويقول: إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب غضبًا قبله مثله ولن يغضب غضبًا بعده مثله، وإني كذبت في الإسلام ثلاث كذبات، أجادل بهن عن دين الله، وهي قوله عن زوجته: إنها أختي أي بالإسلام، وعندما كسر الأصنام جعل الفأس على الصنم الكبير وقال: بل فعله كبيرهم، ونظر في النجوم وقال: إني سقيم إيهامًا لهم، وهذه الأقوال جعلها كذبات وهو يجادل بها عن دين الله، ومع ذلك يعتذر ﵊ ويقول: كذبت في الإسلام ثلاث كذبات، ثم يقول: اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى فإنه كليم الله، فيذهبون إلى موسى فيقولون: يا موسى! اشفع لنا إلى ربك فيعتذر، ويقول: إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، إني قتلت نفسًا لم أؤمر بقتلها، وذلك لما قتل القبطي قبل النبوة وقد تاب قبل النبوة، ومع ذلك يعتذر ويقول: اذهبوا إلى عيسى فإنه روح الله، فيذهبون إلى عيسى فيعتذر أيضًا ولا يذكر ذنبًا إلا أنه يقول: اتخذت أنا وأمي إلهين من دون الله، ولكن اذهبوا إلى محمد فإنه خاتم النبيين، فيذهبون إلى النبي ﷺ فيقول: أنا لها أنا لها، فيذهب يسجد تحت العرش فيفتح الله عليه من المحامد ويلهمه الله إياها -وقد كان لا يحسنها في دار الدنيا- ثم يستأذن من الرب، فيقول الله: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فيقول: يا رب أسألك أن تقضي بين عبادك فيقول الرب: أنا أقضي بينهم، هذا هو المقام المحمود الذي يغبطه فيه الأولون والآخرون، قال الله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩])، المقام المحمود هو الشفاعة، وجاء في بعض الأحاديث أن المقام المحمود هو: أن يجلسه معه على العرش، وهذا ما استدل به بعض أهل السنة وغيرهم، وإن صح ذلك فإن المقام المحمود يكون شيئين: الشفاعة، وإجلاسه على العرش، وهذان الشيئان من خصائصه ﵊، وهما المقام المحمود الذي يغبطه فيه الأولون والآخرون وهذا هو الفخر والعز، ولهذا قال النبي ﷺ: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر، أنا أول من تشق عنه الأرض، وأنا أول شفيع) ﵊، وهذه خاصة به لا يشاركه فيها أحد.
وهناك شفاعة ثانية، وهي الإذن لأهل الجنة في دخولها، إذ لا يدخل أهل الجنة الجنة حتى يشفع لهم النبي ﷺ في دخولها وهذه خاصة به.
وهناك شفاعة ثالثة: وهي الشفاعة في تخفيف العذاب عن عمه أبي طالب، فقد مات على الكفر وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، بل قال: هو على ملة عبد المطلب، لكن خفف عذابه لإيوائه للنبي ﷺ، ودفاعه عنه، فيشفع له النبي ﷺ في أن يخفف عنه العذاب، ولهذا ثبت أن النبي ﷺ لما قيل له: يا رسول الله! إن أبا طالب يحميك ويذود عنك، فهل نفعته؟ قال: (نعم وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح منها يغلي دماغه من النار)، أي: كانت تغمره النار من جميع الجهات فأخرج إلى ضحضاح من نار يغلي منها دماغه، وهو يظن أنه أشد الناس عذابًا من شدة ما يجد وهو أخفهم، هذه شفاعة تخفيف خاصة به.
وهناك شفاعات مشتركة، منها: الشفاعة في قوم من أهل الجنة حتى ترفع درجاتهم من درجة سفلى إلى درجة عليا، والشفاعة في قوم من عصاة الموحدين استحقوا دخول النار فيشفع ألا يدخلوها فيشفعهم الله لهم، والشفاعة في قوم دخلوا النار فيخرجون منها، والشفاعة في قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم ألا يدخلوا النار.
وقد تواترت الأخبار عن النبي ﷺ أنه قال: (يدخل النار جملة أهل الكبائر) من المؤمنين الموحدين، فلا تأكل النار منهم مواضع السجود، لكنهم دخلوا النار بسبب الكبائر التي ماتوا عليها ولم يتوبوا منها، فهذا دخل النار؛ لأنه مات على الزنا من غير توبة، وهذا مات على الربا من غير توبة وهذا مات على عقوق الوالدين، وهذا مات على قطيعة الرحم، وهذا مات على الغيبة، وهذا مات على النميمة، وهذا مات على أكل مال الناس بالباطل، وهذا مات على شهادة الزور، فمنهم من يعفى عنه، ومنهم من يدخل النار يعذب فيها مدة طويلة أو قليلة على حسب ذنوبهم، ثم يخرجون بشفاعة نبينا ﷺ فيهم.
أربع شفاعات، كل مرة يحد الله له حدًا ولهذا جاء في الروايات (أنه يشفع في من كان في قلبه مثقال دينار من الإيمان)، وفي بعضها: (من كان في قلبه مثقال نصف دينار)، وفي بعضها: (من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان)، وفي بعضها: (أخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان)، ويشفع الأنبياء والشهداء والصالحون والأفراط، والملائكة، وتبقى بقية لا تنالهم الشفاعة فيخرجهم رب العالمين برحمته، ويقول: (شفعت الملائكة، وشفع النبيون، ولم يبق إلا رحمة أرحم الراحمين، فيخرجون من النار لم يعملوا خيرًا قط) يعني: زيادة على التوحيد والإيمان.
فإذا تكامل خروج العصاة الموحدين، ولم يبق منهم أحد أطبقت النار على الكفرة بجميع أصنافهم، اليهود والنصارى والوثنيين والشيوعيين والملاحدة والمنافقين، فلا يخرجون منها أبد الآباد، يقول تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ [البلد:٢٠] يعني: مطبقة مغلقة، وقال سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة:٣٧]، وقال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧]، وقال سبحانه: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣]، والأحقاب جمع حقب والحقب هو المدد المتطاولة، كلما انتهى حقب يعقبه حقب إلى ما لا نهاية له.
والمؤمنون الذين خرجوا من النار يلقون في نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة.
فهذه هي الشفاعات الست أو السبع الخاصة بالنبي ﷺ ومنها مشتركة، وأهل السنة والجماعة وأهل البدع واتفقوا على الشفاعة العظمى، والشفاعة التي هي لأهل الجنة في دخولها، والشفاعة التي في رفع درجات أهل الجنة، واختلفوا في الشفاعات
[ ١٠ / ٤ ]
الأسئلة
[ ١٠ / ٥ ]
الرد على من يجوز دخول الجنة من غير عمل
السؤال
هناك من استدل بحديث: (لم يعلموا خيرًا قط) على جواز دخول الجنة والبراءة من النار بدون أدنى عمل، فما توجيهكم حفظكم الله؟
الجواب
هذا باطل، لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، والنصوص ترد هذا، وتضم بعضها إلى بعض، فالكافر لا يخرج من النار، والجنة عليه حرام، أما حديث: (لم يعملوا خيرًا قط)، يعني: زيادة على التوحيد والإيمان، ومن شرط التوحيد الصلاة، ويدخل في هذا من وحد الله ثم مات في الحال ولم يتمكن من العمل، كمن قتل شهيدًا في الحال بعدما أسلم، لكن هذا عام.
المقصود: أن النصوص يضم بعضها إلى بعض، فلا ينبغي للإنسان أن ينظر إلى النصوص بعين عوراء، فيأخذ بعض النصوص ويغمض عينيه عن البعض الآخر، فإن طريقة أهل البدع عدم ضم النصوص بعضها إلى بعض، فالنصوص دلت على أن الجنة حرام على الكافر، وأنه لا يخرج من النار أبد الآباد، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧]، وقال تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة:٣٧].
[ ١٠ / ٦ ]
تارك الصلاة لا تنفعه الشفاعة
السؤال
هل تشمل الشفاعة تارك الصلاة ليخرج من النار؟
الجواب
هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم فإن كان جاحدًا بوجوبها، فإنه كافر بالإجماع، ولا شك في كفره، وإن لم يجحد بوجوبها ففيه خلاف بين أهل العلم، والصواب الذي أجمع عليه الصحابة، ونقل عليه الإجماع عبد الله بن شقيق العقيلي وإسحاق بن راهويه والإمام ابن حزم وغيرهم، والذي عليه المحققون والجمهور أنه لا تناله الشفاعة، ولو أقر بوجوبها.
وذهب بعض المتأخرين من الفقهاء وغيرهم إلى أن كفره كفر أصغر إذا لم يجحد بوجوبها، ويقال: إن معه شعبة من شعب الإيمان وهي التصديق، فيكون كفره كفر أصغر، فعلى هذا تناله الشفاعة، لكن هذا ضعيف والصواب هو القول الأول، وهو أنه كافر كفر أكبر مخرج من الملة؛ لما ثبت في صحيح البخاري عن بريدة بن الحصيب أن النبي ﷺ قال: (من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله)، والذي يحبط عمله هو الكافر، وبقية الصلوات مثل صلاة العصر، قال ﵊: (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة) رواه الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله، وقال ﵊: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)، فجعل الصلاة حدًا فاصلًا بين المؤمن والكافر.
[ ١٠ / ٧ ]
إثبات صفة النفس لله
السؤال
ما القول في حديث الشفاعة: (شفعت الملائكة والأنبياء) إلى آخر الحديث، وفي حديث آخر في آخره: (وبقيت شفاعة أرحم الراحمين فيشفع إلى نفسه ﷾) أرجو التوضيح في لفظة: فيشفع الله إلى نفسه؟
الجواب
لفظة يشفع على ظاهرها مثل كونه يكتب على نفسه الرحمة: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:١٢]، ولقوله ﷺ في الحديث القدسي: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي)، أي: حرم على نفسه من نفسه، وكتب على نفسه من نفسه، وشفع من نفسه لنفسه.
[ ١٠ / ٨ ]
رؤية الله ﷿ في المنام
السؤال
هل يستطيع كل أحد أن يرى ربه في المنام، وما صحة الكلام المنسوب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حول هذا الموضوع؟
الجواب
رؤية الله في المنام ثابتة، يثبتها جميع الطوائف، إلا الجهمية من شدة إنكارهم للرؤية حتى أنكروا رؤية الله في المنام، قال شيخ الإسلام: إن جميع الطوائف أثبتوا رؤية الله في المنام إلا الجهمية؛ لشدة إنكارهم لرؤية الله حتى أنكروا رؤية الله في المنام، ولا يلزم من هذا التشبيه، بل يرى الإنسان ربه في المنام على حسب اعتقاده، فإن كان اعتقاده صحيحًا رأى ربه في صورة حسنة، وإن كان اعتقاده سيئًا رأى ربه في صورة تناسب اعتقاده، ولا يلزم من هذا التشبيه، ولما كان النبي ﷺ أصح الناس اعتقادًاَ قال: (فإني رأيت ربي في أحسن صورة في المنام).
[ ١٠ / ٩ ]
قتل النفس بغير حق وما يترتب عليه
السؤال
من قتل نفسًا بغير حق وتاب إلى الله، وبعد تنازل أهل المقتول هل يعذب يوم القيامة، وماذا يجب عليه ليكفر عما عمله، وكيف يحسن للمقتول إذا استطاع، ومن أقيم عليه الحد هل هو كفارة عن عذاب الله يوم القيامة؟
الجواب
القتل عمدًا بغير حق أعظم الذنوب بعد الشرك بالله ﷿، يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣]، وفي الحديث: (لزوال الدنيا بأسرها أهون على الله من قتل رجل مسلم)، وفي الحديث: (لا يزال الرجل في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا)، وقال تعالى في كتابه العظيم: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة:٣٢].
القتل عمدًا يتعلق به ثلاثة حقوق حق لله، وحق للمقتول، وحق لأولياء القتيل، فإذا أداها برئت ذمته.
الحق الأول: حق لأولياء القتيل، فيأتي ويسلم نفسه إليهم، ويصطلح معهم، فإن شاءوا قتلوه قصاصًا وإن شاءوا طلبوا منه الدية أو أكثر من الدية صلحًا، فإذا سلم نفسه إليهم وقتلوه قصاصًا أو اتفقوا معه على نفس الدية أو أكثر منها سقط حقهم، وبقي حق الله وحق القتيل.
فإذا تاب فيما بينه وبين الله توبةً نصوحًا، بأن أقلع عن هذه المعصية وندم على ما مضى وعزم عزمًا جازمًا على ألا يعود إليها مرة أخرى تاب الله عليه وسقط حق الله، وبقي حق القتيل يوم القيامة، فإذا أدى الحقين: حق أولياء القتيل وحق الله، فالله تعالى يرضي المقتول عنه يوم القيامة بما يعطيه من الثواب والدرجات في الآخرة، فيصفح عن أخيه فيتوب الله عليه.
والصواب أن القاتل له توبة، وهذا هو الذي عليه الجماهير، وروي عن ابن عباس أنه قال: لا توبة له، وروي عنه أنه قال بقول الجمهور: أن له توبة، ومعنى قول ابن عباس: (لا توبة له).
ليس معناه أنه يخلد في النار، بل معناه أنه يكون هنالك موازنة بين الحسنات والسيئات، فإذا رجحت السيئات فإنه يعذب في النار بقدر جريمته ثم يخرج منها.
أما إذا كان له توبة كأن تقبل توبته، فإنه لابد أن يعذب في النار ثم يخرج منها، ولا يخلد كالمشرك.
وأما قوله تعالى: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣]، فالخلود خلودان: خلود مؤمد له أمد ونهاية، وخلود مؤبد لا نهاية له، فالخلود المؤبد الذي لا نهاية له خلود الكفرة، والخلود المؤمد الذي له خلود ونهاية خلود بعض العصاة الذين قد فشت جرائمهم وغلظت كالقاتل، والمراد بالخلود: المكث الطويل، والعرب تقول: أقاموا فيها فأخلدوا، ويسمى المكث الطويل خلودًا، فخلود بعض العصاة الذين كثرت جرائمهم أو فحشت أو غلظت خلود مؤمد له نهاية، ولو مكثوا مدة طويلة، وأما خلود الكفرة فإنه خلود مؤبد لا نهاية له أبد الآباد.
فإذا تنازل أولياء القتيل سقط حقهم، وبقيت التوبة فيما بينه وبين الله، فإذا تابت فيما بينه وبين الله تاب الله عليه وسقط حق الله، وبقي حق القتيل يرضيه الله يوم القيامة.
أما إذا استغفر أو دعا له، فهذا تبرع منه.
[ ١٠ / ١٠ ]