شرح الاقتصاد في الاعتقاد للمقدسي [٦]
جاء في كتاب الله ﷾ وفي سنة نبيه ﷺ إثبات صفة النفس لله ﷾، وجمهور علماء أهل السنة والجماعة يثبتون أن المراد بنفس الله ذاته المتضمنة بالصفات لا المجردة عن الصفات كما قاله بعضهم، وليست صفة من الصفات كما قال البعض الآخر.
[ ٦ / ١ ]
إثبات صفة النفس لله ﷿ من الكتاب والسنة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومما نطق بها القرآن، وصح بها النقل من الصفات: النفس.
قال الله ﷿ إخبارًا عن نبيه عيسى ﵇ أنه قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة:١١٦]، وقال ﷿: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:١٢]، وقال ﷿ لموسى ﵇: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١]، وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: (يقول الله ﷿: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن اقترب إلي شبرًا اقتربت إليه ذراعًا، وإن اقترب إلي ذراعًا اقتربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة).
وروى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لما خلق الله الخلق كتب في كتاب -فكتبه على نفسه- فهو موضوع عنده على العرش: إن رحمتي تغلب غضبي)].
قوله: (وصح بها النقل من الصفات: النفس)، ذكر المؤلف أن من صفات الله: النفس فأثبت لله نفسًا، وجعلها من الصفات، وهذا قول لبعض العلماء، ومنهم من قال: إن النفس هي الذات المجردة عن الصفات، وكلا القولين ليس بصحيح، والصواب الذي عليه جمهور العلماء: أن المراد بالنفس ذاته ﷿ المتصفة بالصفات، وليس المراد بها ذاتًا مجردة عن الصفات، أو أنها صفة لله تعالى، بل المراد بنفس الله ذاته المتصفة بالصفات لا المجردة عن الصفات كما قاله بعضهم.
هذا هو الصواب الذي عليه جمهور العلماء، قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وغيره من المحققين.
وأما القول بأن النفس من الصفات، كما ذهب إليه الدارمي رحمه الله تعالى فغير صحيح، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مجموع الفتاوى في الجزء التاسع من صفحة (٢٩٢) ويراد بنفس الشيء ذاته وعينه، كما يقال: رأيت زيدًا نفسه وعينه، وقد قال تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦]، وقال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨].
وفي الحديث الصحيح أنه ﵊ قال لأم المؤمنين: (لقد قلت بعدك أربع كلمات، لو وزن بما قلتيه لوزنته: سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله مداد كلماته).
وفي الحديث الإلهي عن النبي ﷺ، يقول الله تعالى: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم).
فهذه المواضع المراد فيها بلفظ النفس عند جمهور العلماء هو: (الله) أي: ذاته ﷿ المتصفة بصفاته، وليس المراد بها: ذاتًا منفكة عن الصفات، ولا هي صفة للذات، كما ذهب إلى ذلك المؤلف.
وطائفة من الناس يجعلونها من باب الصفات، كما يظن طائفة أنها الذات المجردة عن الصفات، وكلا القولين خطأ.
والصواب: أن النفس هي الله وهي نفسه التي هي ذاته المتصفة بصفاته، هذا هو الصواب الذي عليه المحققون خلافًا لما ذهب إليه المؤلف هنا فالصفات من العلم، والرحمة، والقدرة، والحب، والبغض إلخ، كلها صفات للنفس التي هي ذات الله.
وحديث أبي هريرة السابق رواه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة وأحمد في المسند، وهو حديث قدسي: أي أن معناه من الله ولفظه من الرسول ﷺ، قال: (يقول الله ﷿: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن اقترب إلي شبرًا اقتربت إليه ذراعًا، وإن اقترب إلى ذراعًا اقتربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة) وفيه إثبات أن لله نفسًا، والشاهد قوله: (فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي).
[ ٦ / ٢ ]
صفة المعية لله تعالى
قوله: (وأنا معه حين يذكرني) ففيه إثبات المعية لله، وهي صفة أخرى له سبحانه، وهي هنا معية خاصة؛ لأن المعية نوعان: معية عامة، ومعية خاصة، أما المعية العامة فهي: معية الله لجميع الخلق، فالله تعالى مع خلقه بإحاطته واطلاعه، ونفوذ قدرته ومشيئته، ورؤيته لهم من فوق عرشه، وسماعه لكلامهم، والمعية العامة مقتضاها الاطلاع والإحاطة، وتأتي في صيغ المحاسبة، والمجازاة، والتخويف، كقوله سبحانه: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [المجادلة:٧]، وقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤] وقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء:١٠٨] وهذه المعية تكون للمؤمن والكافر.
أما المعية الخاصة: فهي خاصة بالمؤمنين كمعيته سبحانه للصابرين، كما قوله: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦]، وتكون للمتقين، كقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١٩٤] وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨] وتكون مع الذاكرين، كما في هذا الحديث (وأنا معه حين يذكرني)، فهي خاصة بالمؤمن، ومقتضاها: النصر والتأييد والحب، وتأتي في سياق المدح والثناء، قال ﷿: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، لما كان النبي ﷺ هو وأبو بكر في الغار يوم الهجرة، فقال له أبو بكر: (يا رسول الله! لو أن أحدهم نظر إلى موضع قدميه لأبصرنا، فقال له النبي ﷺ: لا تحزن إن الله معنا، يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما)، وهذه معية خاصة.
كذلك في قوله سبحانه لموسى وهارون: ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، فلما دخل فرعون معهم في الخطاب جاءت المعية العامة، قال تعالى: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء:١٥].
فهو سبحانه مع الناس كلهم بعلمه وإحاطته واطلاعه من فوق عرشه، وهو مع المتقين ومع الصابرين بعونه، ونصره، وتأييده، وتوفيقه، وتسديده سبحانه.
ولا منافاة بين المعية وبين الفوقية؛ لأن المعية ليس معناها الاختلاط والامتزاج؛ إذ المعية في لغة العرب هي: مطلق المصاحبة، أما أهل البدع كالجهمية والمعتزلة وغيرهم فقد ضاقت صدورهم وضاقوا ذرعًا بالجمع بين النصوص، وضربوا النصوص بعضها ببعض، وأبطلوا نصوص الفوقية والعلو والمعية، والتي تزيد على ثلاثة آلاف دليل، وقالوا: إن المعية توجب الاختلاط والامتزاج، وأن الله مع الخلق مختلط بهم، فنفوا صفات الفوقية، والمعية، والعلو، وهذا لجهلهم، وضلالهم، وانحرافهم، وزيغهم، واتباعهم الهوى، فالحديث فيه صفة المعية الخاصة للذاكرين: (وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم)، وهم الملائكة.
[ ٦ / ٣ ]
صفة القرب لله تعالى
وقوله في آخر الحديث: (وإن اقترب إلي شبرًا اقتربت إليه ذراعًا، وإن اقترب إلي ذراعًا، اقتربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة)، وفي لفظ: (ومن تقرب إلي شبرًا تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب إلي ذراعًا تقربت منه باعًا)، وهذا فيه إثبات القرب لله، فالحديث فيه إثبات المعية والقرب والقرب، جاء خاصًا ولم يأت عامًا عند بعض أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم.
والقرب نوعان: قرب من الداعين بالإجابة، وقرب من العابدين بالإثابة، فالأول مثل قوله ﷿: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦] أي: قريب لإجابة دعاء الداعين، ولم يقل: إني قريب من كل أحد، ومثله ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري قال: (كنا مع النبي ﷺ في سفر فارتفعت أصواتنا بالتكبير، فقال النبي ﷺ: أربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) فهو قريب من الداعي، وليس فيه أنه قريب من كل أحد، ومثله قول الله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود:٦١] أي: من المستغفرين التائبين وهذا هو النوع الثاني: وهو القرب من العابدين بالإثابة، وهو كقوله سبحانه عن شعيب أنه قال: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود:٩٠]، فهو رحيم ودود بالمستغفرين التائبين، كما أنه قريب من العابدين، مجيب للسائلين، وأما قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] فهذا قرب الملائكة من العبد، فالملائكة أقرب إلى العبد من حبل الوريد، بدليل أنه قيده بوقت تلقي الملكين، فقال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق:١٦ - ١٧] أي: نحن أقرب إليه وقت تلقي المتلقيان ولو كان المراد قرب الله لم يقيد بوقت تلقي الملكين، ومثله قوله تعالى في سورة الواقعة: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥] قال العلماء: المعنى: أن الملائكة أقرب إلى قلب العبد من أهله، ولكن لا تبصرون الملائكة.
وذهب بعض العلماء إلى أن القرب يكون عامًا وخاصًا، كالمعية تكون عامة وخاصة، وأن القرب الخاص مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦]، وحديث أبي موسى، ومن القرب الخاص قرب العبد من الله بالإثابة في قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق:١٩]، فالساجد قريب من الله؛ لأنه عابد لله.
وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن القرب يكون عامًا وخاصًا، ومثلوا للقرب العام بقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] وقالوا: هذا قرب الله، والمعنى نحن أقرب إليه بالعلم من حبل الوريد، وقال بعضهم: نحن أقرب إليه بالعلم والرؤية، وقال بعضهم: بالعلم والرؤية والقدرة، وكذلك قالوا في قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥]، لكن المحققين كـ شيخ الإسلام وابن القيم قالوا: إن القرب لا يأتي إلا خاصًا ولا يأتي عامًا، وإن المراد بالقرب في الآيتين قرب الملائكة.
فهذا الحديث القدسي فيه إثبات أن لله نفسًا وكذلك المعية والقرب، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أن تقرب العباد من الله تقر به جميع الطوائف، وجميع من يثبت العلو لله تعالى، أما من أنكر علو الله فهو ينكر هذا القرب.
يقول النبي ﷺ: (يقول الله تعالى: من تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا، ومن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة)، قال شيخ الإسلام: وقربه من العباد بتقربهم إليه مما يقر به جميع من يقول: إنه فوق العرش، وأما من ينكر ذلك فمنهم من يفسر قرب العباد بكونهم يقاربونه ويشابهونه من بعض الوجوه، فيكونون قريبين منه، وهذا تفسير أبي حامد والمتفلسفة؛ فإنهم يقولون: الفلسفة هي التشبه بالإله على قدر الطاقة.
والدليل الثاني من السنة الذي استدل به المؤلف ﵀ على إثبات أن لله نفسًا هو حديث أبي هريرة، قال: (وروى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵊: (لما خلق الله الخلق كتب في كتاب -فكتبه على نفسه- فهو موضوع عنده على العرش: إن رحمتي تغلب غضبي)، ووجه الدلالة قوله: (فكتبه على نفسه)، فأثبت لله نفسًا كما أن الحديث فيه صفة الرحمة، والغضب، والحديث سبق في مبحث العلو، قال ورواه أبو هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله ﷿ كتب كتابًا قبل أن يخلق الخلق: إن رحمتي سبقت غضبي، فهو عنده فوق العرش)، وهنا ذكر نفس الحديث قال: (لما خلق الله الخلق كتب في كتاب -فكتبه على نفسه- فهو موضوع عنده على العرش: إن رحمتي تغلب غضبي)، واستدل به هناك على العلو، وليس فيه: (فكتبه على نفسه) واستدل به هنا على إثبات النفس وكلمة: (فكتبه على نفسه)، ليست في الكتب الستة، وعلى هذا فيكون الحديث ليس فيه دليل على إثبات أن لله نفسًا، ويكتفى بالأدلة الأخرى من الكتاب والسنة.
[ ٦ / ٤ ]
إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة من الكتاب والسنة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأجمع أهل الحق، واتفق أهل التوحيد والصدق: أن الله تعالى يرى في الآخرة، كما جاء في كتابه، وصح عن رسوله ﷺ قال الله ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣].
وروى جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: (كنا جلوسًا ليلة مع رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة فقال: إنكم سترون ربكم ﷿ كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق:٣٩])، وفي رواية: (سترون ربكم عيانًا)].
انتقل المؤلف ﵀: إلى إثبات صفة الرؤية لله ﷿، وصفة الرؤية من الصفات التي اشتد فيها النزاع بين أهل السنة وبين أهل البدع، وهي من العلامات الفارقة بين أهل السنة وأهل البدع، فمن أثبتها فهو من أهل السنة، ومن نفاها فهو من أهل البدع ومثلها صفة العلو والكلام.
[ ٦ / ٥ ]
موقف أهل البدع من صفة الرؤية
الرؤية والكلام والعلو هذه الثلاث ينكرها الجهمية، والمعتزلة، أما الأشاعرة فهم يثبتون الرؤية دون مقابلة، ويقولون: إن الله يرى، لكن من أين يرى؟ يقولون: لا من تحت ولا أمام ولا خلف ولا يمين ولا شمال، وهذا لا يعقل؛ ولهذا أنكر جمهور العقلاء هذا على الأشاعرة وضحكوا منهم، وقالوا: كيف تثبتون الرؤية بدون مقابلة، وبداهة العقول تنكر هذا، والأشاعرة الآن مذبذبين بين المعتزلة وأهل السنة، فهم يريدون أن يكونوا مع أهل السنة في إثبات الرؤية ومع المعتزلة في نفي الجهة والعلو، فأثبتوا الرؤية ونفوا العلو، ولهذا ألزمهم المعتزلة فقالوا لهم: أنتم الآن مذهبكم مذبذب غير معقول، فأنتم بين أحد أمرين، إما أن تثبتوا العلو مع الرؤية، فتكونون أعداءً لنا مثل أهل السنة، وإما أن تكون رؤية وتكون واضحة، وكذلك صفة الكلام أثبتها الأشاعرة بقولهم: هو المعنى القائم بالنفس -مثل العلم- بلا حرف ولا صوت، وكما أن العلم في نفسه فالكلام في نفسه، وقالوا: اضطر جبريل اضطرارًا ففهم المعنى القائم بنفسه تعالى فتكلم بهذا القرآن.
ومنهم من قال: إن الذي عبر عنه هو محمد لا جبريل، فهم ما أثبتوا الكلام على وجهه، وكذلك العلو.
وبهذا يتبين أن الرؤية ما أثبتها هؤلاء الطوائف الثلاث: الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، وهي من العلامات الفارقة بين أهل السنة وبين أهل البدع، ولهذا قال المؤلف ﵀: (وأجمع أهل الحق، واتفق أهل التوحيد والصدق: أن الله تعالى يرى في الآخرة) صدق ﵀، وأهل الحق وأهل التوحيد هم أهل السنة والجماعة وهم الرسل عليهم الصلاة والسلام، والصحابة والتابعون والأئمة وأتباعهم، ومن بعدهم من أهل السنة والجماعة إلى يوم القيامة، وقد اتفقوا على إثبات الرؤية لله -وخالفهم أهل الباطل- كما جاء في كتابه، وصح عن رسوله ﷺ، أما الكتاب فدلهم عليه قول الله ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣].
قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] بالضاد أخت الصاد؛ من النضرة والبهاء والحسن، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] بالظاء أخت الطاء، أي: تنظر إلى ربها، ووجه الدلالة: أن الله أضاف النظر إلى الوجه الذي هو محله، وعزاه بأداته الصريحة التي هي العين، وأخلاه من قرينة تدل على خلاف موضوعه وحقيقته؛ فدل على أن المراد بها النظر بالعين التي في الوجه إلى الرب سبحانه، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣].
والمؤلف ﵀ اقتصر على آية واحدة وهناك أدلة أخرى تدل على الرؤية غير هذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥]، فالمزيد هو النظر إلى وجه الله الكريم، وقوله سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، جاء في صحيح مسلم بأن الزيادة: هي النظر إلى وجه الله الكريم، وقوله سبحانه: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] أي: الكفار، قال الشافعي ﵀: فلما احتجب عن الكفار دل على أن أولياءه يرونه سبحانه إذ لو كان المؤمنون لا يرونه لتساوى الأعداء والأولياء، ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] فالآية فيها إثبات الرؤية للمؤمنين.
[ ٦ / ٦ ]
الأحاديث الدالة على رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة
أما الأحاديث فهي متواترة، كما قال العلامة ابن القيم ﵀: إن الأحاديث متواترة، رواها من الصحابة نحو ثلاثين نفسًا وهي في الصحاح، والسنن، والمسانيد، ومن ذلك ما استدل به المؤلف ﵀، وهو حديث جرير بن عبد الله البجلي قال: (كنا جلوسًا مع النبي ﷺ، فنظر إلى القمر ليلة أربعة عشر فقال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته)، والحديث رواه البخاري ﵀ في صحيحه في كتاب التوحيد، ورواه ابن خزيمه أيضًا في كتاب التوحيد، ورواه عبد الله بن أحمد في كتاب السنة، وفيه: أن المؤمنين يرون ربهم كرؤيتهم للقمر وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية وليس تشبيهًا للمرئي بالمرئي، والمعنى: أنكم ترون ربكم رؤية واضحة، كما ترون القمر ليلة البدر رؤية واضحة، وليس المراد تشبيه الله بالبدر، فالله تعالى ليس أحد من خلقه يشبهه، بل المراد تشبيه الرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي.
وقوله: (لا تضامون) يروى بالتخفيف، أي: لا يلحقكم ضيم في رؤيته، كما يلحق الناس عند رؤية الشيء؛ فإنه قد يلحقهم ضيم برؤيته، وقيل: بالتشديد، أي: لا ينضم بعضكم إلى بعض.
أما الأشاعرة الذين أنكروا العلو ففسروه بما ينسجم مع مذهبهم في العلو مع إثبات الرؤية، ففسروا (تضامون) بالتشديد، فيكون المعنى: لا تتضامون في رؤيته بالاجتماع في جهة، أي: لا تظلمون فيه برؤية بعضكم دون بعض، وإنكم ترونه في جهاتكم كلها وهو يتعالى عن الجنس، وجاء في أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ أنه قال: (ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر)، وفي بعضهما قال: (ترون ربكم كما ترون الشمس صحوًا ليس دونها سحاب)، وهو من حديث أبي هريرة ﵁، فالأحاديث صريحة في هذا، ومع صراحتها أنكرها أهل البدع، وفي الحديث يقول النبي ﷺ: (فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق:٣٩])، أي: الفجر والعصر.
وفيه الحث على زيادة العناية بهاتين الصلاتين، وأن المحافظة على هاتين الصلاتين من أسباب رؤيتهم له في الجنة، ولهذا لما أخبر النبي ﷺ بالرؤية، قال: (فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا) أي: فإن ذلك من أسباب رؤية الله ﷿، وفي رواية: (سترون ربكم عيانًا) يعني: معاينة ومواجهة.
[ ٦ / ٧ ]
إثبات رؤية الناس لربهم في الجنة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى صهيب عن النبي ﷺ قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعدًا لم تروه، فيقولون: ما هو، ألم يبيض وجوهنا، ويزحزحنا عن النار، ويدخلنا الجنة؟ قال: فيكشف الحجاب فينظرون إليه، قال: فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من النظر إليه، ثم تلى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]) رواه مسلم].
هذا الحديث فيه إثبات رؤية المؤمنين لربهم ﷿، وفيه تفسير الزيادة بأنها الرؤية، وهذا من تفسير السنة للكتاب العزيز وهو تفسير قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] فالحسنى هي الجنة، والزيادة النظر إلى وجهه ﷾، والذين أحسنوا هم المؤمنون، فهم الذين أحسنوا في عبادة الله، وأحسنوا إلى الخلق، فلهم الحسنى وهي الجنة، ولهم زيادة وهي النظر إلى وجه الله الكريم، (إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا: إن لكم عند الله موعدًا لم تروه -وفي رواية: يريد أن ينجزكموه- فيقولون: ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا، ويزحزحنا عن النار، ويدخلنا الجنة؟ قال: فيكشف الحجاب؛ فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من النظر إليه)، وهذا فيه دليل على أن رؤية الله ﷿ أعظم نعيم يعطاه أهل الجنة، حتى إنهم ينسون ما هم فيه من النعيم عند رؤية الله ﷿.
وهذا يدل على أن الله تعالى لا يراه أحد في الدنيا، وأن النبي ﷺ لم ير ربه، ولا رآه أحدٌ من الرسل والبشر، لأن الخلق لا يستطيعون الثبات لرؤية الله؛ وذلك لبشريتهم الضعيفة في الدنيا.
[ ٦ / ٨ ]
اتفاق أهل السنة على رؤية الناس لربهم بأعينهم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال مالك بن أنس ﵁: الناس ينظرون إلى الله تعالى بأعينهم يوم القيامة].
وهذا دليل من أقوال السلف وهو قول الإمام مالك بن أنس ﵀ وهو الإمام المشهور، وهذا الأثر رواه الآجري في كتاب الشريعة.
وهذا القول: هو قول أهل السنة والجماعة قاطبة، فكلهم يقولون مثلما قال الإمام مالك: الناس ينظرون إلى الله تعالى بأعينهم يوم القيامة، والقصد من هذا الرد على المعتزلة الذين يفسرون الرؤية بالعلم، أي: الناس يعلمون الله بقلوبهم، ويقولون: إن معنى قوله: (إنكم سترون ربكم كم ترون القمر) أي: ستعلمون ربكم كما تعلمون أن القمر قمر، وهذا من أبطل الباطل.
ومن الأشاعرة من وافق المعتزلة وقال: إن المراد بالرؤية زيادة العلم في القلب.
وهذا باطل، والأشاعرة يثبتون الرؤية دون مقابلة وهذا باطل.
[ ٦ / ٩ ]
تكفير العلماء لمن أنكر رؤية الله في الآخرة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال أحمد بن حنبل: من قال: إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر].
وهذا فيه أن السلف كفروا من أنكر الرؤية، وهذا هو قول أئمة السلف، والتكفير إنما هو على العموم، أما الشخص المعين فلا يكفر، حتى توجد الشروط وتنتفي الموانع، لكن على العموم يقال: من أنكر رؤية الله فهو كافر، ومن قال: القرآن مخلوق فهو كافر وهكذا، لكن الشخص المعين لا يكفر إلا بعد قيام الحجة عليه، وبعد وجود الشروط وانتفاء الموانع؛ لأن الشخص المعين لا يدرى ما حاله، فقد يكون حديث عهد بالإسلام، أولم تبلغه الأدلة، أو عنده شبهة ولو أزيلت لرجع، وقد يكون قال قولًا مجملًا، فالشخص المعين لا يكفر إلا بعد قيام الحجة عليه، وإذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، لكن على العموم نقول كما قال الإمام أحمد: من قال: إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر، ومن قال: القرآن مخلوق فهو كافر، ومن ترك الصلاة فهو كافر.
[ ٦ / ١٠ ]
الأسئلة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأجمع أهل الحق، واتفق أهل التوحيد والصدق: أن الله تعالى يرى في الآخرة، كما جاء في كتابه، وصح عن رسوله ﷺ قال الله ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣].
وروى جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: (كنا جلوسًا ليلة مع رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة فقال: إنكم سترون ربكم ﷿ كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق:٣٩])، وفي رواية: (سترون ربكم عيانًا)].
انتقل المؤلف ﵀: إلى إثبات صفة الرؤية لله ﷿، وصفة الرؤية من الصفات التي اشتد فيها النزاع بين أهل السنة وبين أهل البدع، وهي من العلامات الفارقة بين أهل السنة وأهل البدع، فمن أثبتها فهو من أهل السنة، ومن نفاها فهو من أهل البدع ومثلها صفة العلو والكلام.
[ ٦ / ١١ ]
التوبة وشروط قبولها
السؤال
امرأة عليها كفارة صيام شهرين متتابعين، وهي حامل في الشهر الخامس، فهل تصوم الشهرين، أم تنتظر حتى تلد ثم تصوم، وهي خائفة أن يباغتها الموت وهي لم تصم، وتقول: هل يغفر الله لي كبيرتي، وأنا تائبة ونادمة على ما فعلت، أفتوني مأجورين؟
الجواب
إن كانت تستطيع الصوم فينبغي لها أن تبادر إليه، وإن كان يشق عليها فهي معذورة، ولها أن تنتظر إلى بعد الولادة ثم تصوم شهرين، وأما عن توبتها: فإن تابت توبة نصوحًا فإن الله يتوب عليها، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، قال الله تعالى في كتابه العظيم: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣]، وقد أجمع العلماء على أن هذه الآية للتائبين؛ لأن الله عمم وأطلق، ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣]، وهي لجميع الذنوب حتى الشرك، فمن تاب توبة نصوحًا خالصة لله لا رياء فيها ولا سمعة تاب الله عليه بشرط أن يقلع عن المعصية، ويندم على ما مضى، ويعزم عزمًا جازمًا على أن لا يعود للمعصية، ويرد المظلمة إلى أهلها إن كانت بينه وبين الناس، وكانت التوبة قبل الموت، وقبل نزول العذاب، وقبل بلوغ الروح الحلقوم، وقبل طلوع الشمس من مغربها في آخر الزمان.
[ ٦ / ١٢ ]
ورود صفة اليد لله ﷿ في القرآن بصيغة المفرد والمثنى
السؤال
وردت لفظة اليد لله ﷿ في القرآن مفردة، ومثناة، وجمعًا، وبعض أهل العلم حملوا لفظة الجمع في اليد على غير ظاهرها، فلماذا نحدد أنها يدان، ولا نقول: إننا نثبت اليد من غير أن نحدد العدد؟
الجواب
التي جاءت بصيغة الجمع ليست من الصفات، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ﴾ [الذاريات:٤٧] من آد، يئيد، أيدًا، بمعنى القوة، ولأن الله أضافها إلى نفسه بصيغة الجمع فهي للتعظيم، مثل قوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤] فلا يقال: إن لله أعينًا، وصيغة الجمع هنا للتعظيم، بخلاف اليد واليدين، والتي أضيفت إلى الله ﷿ مثل قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ﴾ [المائدة:٦٤] وقوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] يراد به جنس اليد له سبحانه، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك:١] وفي هذا إثبات صفة اليد لله، والمراد الجنس.
[ ٦ / ١٣ ]
حكم الدعاء بالصفة وحكم سؤال الصفة
السؤال
ما حكم من سأل الله ﷿ بصفته، وما حكم من سأل الصفة نفسها؟
الجواب
لا يوجد اشتباه حتى يكون هناك فرق، فسؤال الصفة كأن يقول: يا وجه الله! يا قدرة الله أنقذيني! يا رحمة الله! وهذه مخاطبة لله بصيغة الأنثى، ولا يجوز الدعاء بالصفة.
قال شيخ الإسلام: إنه كفر، أما التوسل بصفات الله كأن يقول: اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى، وصفاتك العلا أن تغفر لي فهو مشروع.
فلا اشتباه حتى يقال ما الفرق، هذا الذي ينادي الصفة يقول: يا رحمة الله يا قدرة الله هذا كأنه يخاطب الله بخطاب الأنثى.
أما الذي يتوسل إلى الله بأسمائه وصفاته، ويقول: يا ألله! أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا أسألك بعملي الصالح.
[ ٦ / ١٤ ]
حكم الأخذ والإعطاء بالشمال
السؤال
ثبت في الحديث: (وكلتا يديه يمين)، وعندنا عادة عند البعض أنه إذا قدم للشخص بالشمال قال: شمالك يمين، فهل هذا جائز؟
الجواب
هذا ليس بصحيح.
فالشمال شمال واليمين يمين فاليد اليمنى للأخذ والإعطاء وهذا من الأدب، أما من يستعمل اليسرى فعلموه الأدب، وإذا أعطاك بيده اليسرى فلا تأخذ بيدك الشمال، وقل: أعطني بيمينك.
والقول (شمالك يمين) غلط وسوء فهم، بل شماله شمال، ويمينه يمين، أما حديث: (وكلتا يدي ربي يمين مباركة) أن كلتا يديه يمين في الفضل والشرف والجود وعدم النقص والضعف، بخلاف ابن آدم فإن الشمال بها ضعف، أما الرب فلا يلحق يديه نقص ولا ضعف، فكلتا يديه يمين في القوة والفضل والشرف والكرم، وله يمين وشمال سبحانه، وقد جاء في صحيح مسلم إثبات الشمال، وقال بعض أهل العلم: إن إثبات الشمال لله لا يصح، وقالوا: تفرد بها بعض الرواة، وكلتا يديه تسمى يمين، ومنهم من قال: كلتا يديه يمين أي: في الشرف والكرم والفضل وعدم النقص ولكن الأخرى تسمى شمالًا، كما جاء في صحيح مسلم.
[ ٦ / ١٥ ]
المراد بقول آدم: (في كتاب الله) عند محاجة موسى له
السؤال
ذكر موسى ﵇ قوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١]، هل ذكرها على أنها آية من كتاب الله تعالى -وهو القرآن الكريم- مع أنه لم ينزل بعد؟
الجواب
لا، موسى ليس مقصوده القرآن، قال: (بكم وجدت في كتاب الله يعني: التوراة التي أنزلها الله عليك: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١]؟).
وليس المراد أن موسى يخاطبه بكتاب الله القرآن ولكن المراد بكتاب الله هنا جنس كتاب الله، فإن الكتب التي أنزلها الله على الأنبياء تعتبر كلها كتب الله مثل التوراة والإنجيل والزبور والقرآن، فمراد آدم بكتاب الله التوراة التي أنزلها الله على موسى.
[ ٦ / ١٦ ]
الفرق بين التوراة والصحف والألواح التي أنزلت على موسى
السؤال
هل التوراة هي الألواح التي ألقاها موسى ﵇؟
الجواب
التوراة إنما أنزلها الله بعد هلاك فرعون وإغراقه، قال الله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص:٤٣]، ولم يهلك الله أمة إلا قبل نزول التوراة بثلاثين عام، أما بعد نزول التوراة فقد رفع الله العذاب العام، فدل هذا على أن الألواح كانت قبل نزول التوراة، وأنزل الله على إبراهيم وموسى صحفًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى:١٨ - ١٩]، وهي غير التوراة، والتوراة إنما نزلت بعد ذلك، والتوراة والألواح التي كتبها الله وأنزلها على موسى بعد أن عبد بنو إسرائيل العجل، وكان هذا بعد هلاك فرعون، وذلك لما ذهب موسى لملاقاة ربه ﷿ أربعين ليلة، واستخلف أخاه هارون، وهو نبي مثله قال: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف:١٤٢]، فجاء السامري فصنع لهم من الحلي عجلًا له خوار، وقالوا: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه:٨٨] فعبدوه فنهاهم هارون ومنعهم؛ فلم يقبلوا كلامه، وأرادوا قتله كما قال تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه:٩١]، فلما جاء موسى ووجدهم يعبدون العجل غضب غضبًا شديدًا وألقى الألواح حتى تكسرت من شدة الغضب، وهذا فيه دليل على أنه ليس من رأى كمن سمع، ففي الأول أخبره الله أنهم عبدوا العجل لكنه لم يغضب هذا الغضب الشديد إلا عندما رآهم بعينه يعبدون العجل، وقد عفا الله تعالى عنه مع كونه ألقى الألواح -وفيها كلام الله- حتى تكسرت من شدة الغضب، ثم أخذ برأس أخيه هارون -وهو نبي كريم مثله- وجره برأسه ولحيته لأنه تركهم يعبدون العجل قال تعالى: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه:٩٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ [الأعراف:١٥٠] يقول: ما قصرت، ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي﴾ [طه:٩٤]، ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ [الأعراف:١٥٠] فقد نصحتهم، لكنهم ما قبلوا وأرادوا قتلي، ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ﴾ [طه:٩٤] وهذا من باب الاستعطاف وإلا فهو أخوه لأبيه وأمه.
فيحتمل والله أعلم أنها التوراة؛ لأن التوراة إنما نزلت بعد هلاك فرعون وعبادتهم العجل، والله تعالى عفا عنه؛ لأن له مكانة ومنزلة عند الله؛ لأن إلقاء الألواح وفيها كلام الله حتى تتكسر ذنب عظيم.
ومن الفوائد: أن الصوفية الملاحدة الذين يقولون بوحدة الوجود -وهم منتشرون الآن- وهم طبقات وفرق متعددة، وفي كل بلد تجد عددًا من فرق الصوفية، وكل فرقة لهم شيخ وجميع هذه الفرق تقود إلى النار: منها التيجانية، والقادرية، والنقشبندية، وغيرها من الطرق، وأغلبها طرق كفرية، تجد في البلد الواحد أكثر من مائة طريقة، ففي مصر والشام وأفريقيا وكل مكان تجدهم، والصوفية يتفاوتون فبعضهم ينفي القول بوحدة الوجود، وبعضهم يقول بوحدة الوجود، أي: أن الوجود واحد، فالرب هو العبد، والعبد هو الرب، حتى قال رئيسهم ابن عربي: العبد رب والرب عبد يا ليت شعري من المكلف إن قلت رب فذاك عبد أو قلت رب أنى يكلف فاختلط عليه الأمر فلم يعد يدري من الرب، ومن العبد، فالرب عبد والعبد رب.
ويقول ابن عربي: رب مالك وعبد هالك وأنتم ذلك.
والقول بوحدة الوجود أعظم كفرًا وضلالة من أي قول آخر؛ لأنهم يشبهون الله بخلقه فإذا كان المشبهة الحلولية الذين يقولون: إن الله حل في المخلوقات كفار، وكان أهل الحق يقولون: كيف يكون الرب حالًا في بطون السباع، وأجواف الطيور؟ فكيف بمن يقول: إن الله هو نفس السباع، ونفس الطيور؟ هؤلاء والله أعظم كفرًا.
الملاحدة يرون أن الوجود واحد، ولا فرق بين الرب وبين العبد، ومنهم ابن عربي وله مؤلفات كثيرة، منها كتاب يسمى: كتاب الهو، يقول فيه: إن الذكر (هو)، وله كتاب (الفتوحات المكية) وله كتاب (فصوص الحكم) يعارض فيه القرآن، قص فيه مثلًا: قصة قوم نوح، وقصة قوم هود، وقصة موسى مع فرعون، وقال: إن فرعون إن فرعون حينما قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] كان مصيبًا؛ لأن الوجود واحد؛ لأن الرب يتجلى في صورة أي معبود، وفي صورة أي شيء، كما أنه تجلى في صورة فرعون، فلهذا هو مصيب حينما قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]؛ فهو الرب، وهو العبد.
ويقول: إن كل من عبد شيئًا من دون الله فهو مصيب، فالذي يعبد العجل مصيب، والكفر إنما هو بالتخصيص، فالذي يخصص شيئًا ويقول: لا يعبد إلا هذا.
هذا هو الكافر عنده، والعياذ بالله.
وابن عربي حينما ذكر موسى حينما جر هارون بلحيته ورأسه، قال: إن موسى فعل ذلك بهارون لأنه أنكر عليهم عبادة العجل، لأنهم على حق في عبادتهم للعجل.
ويقول: إن فرعون أغرق تطهيرًا له، وحتى يزيل الوهم الذي توهمه فرعون من أنه الرب وحده؛ بينما الناس كلهم أرباب، فلما ظن بجهله أنه هو الرب وحده، أغرق تطهيرًا له وحتى يزول وهمه أن الربوبية خاصة به.
أقصد من هذا أن الصوفية الملاحدة من أكفر خلق الله، وأنهم طوائف، ومنهم أصحاب وحدة الوجود، وهم الآن في كل مكان، وهذا مذهبهم، يقولون: الوجود واحد وفرعون مصيب وموسى إنما جر هارون من لحيته لينكر عليه إنكاره على بني إسرائيل عبادة العجل.
[ ٦ / ١٧ ]
بيان أن معصية آدم لربه كانت مبينة في التوراة أنها قبل خلقه بأربعين سنة
السؤال
كيف علم آدم وموسى أن تلك المعصية قدرها الله عليه قبل أربعين سنة؛ لأنه لما سأله: (فبكم وجدت في كتاب الله)، قال: بأربعين سنة، فهل أطلع على اللوح المحفوظ؟
الجواب
هذا ليس مأخوذًا من اللوح المحفوظ، لكن آدم عندما قال لموسى بكم وجدت ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١]، قبل أربعين سنة، يعني: في التوراة، وهو الكتاب الذي أنزله الله على موسى، وفيه أنه مكتوب على آدم قبل أن يخلق بأربعين سنة، فلا يقال: إنه أطلع على اللوح المحفوظ.
هذا قدر خاص مأخوذ قبل خلق آدم بأربعين سنة، واللوح المحفوظ مكتوب قبل خلق السماوات والأرض بخمسمائة سنة، فهذا قدر مأخوذ من اللوح المحفوظ، كتب في الكتاب الذي أنزله الله على موسى إن آدم مكتوب عليه أنه يعصي الله قبل أن يخلق بأربعين سنة.
[ ٦ / ١٨ ]
حكم قول: (إن شاء الله) في الدعاء
السؤال
ما حكم قول: (إن شاء الله) في الدعاء، كأن نقول: الله يهديك إن شاء.
لاسيما ونحن نقول للمريض: لا بأس طهور إن شاء الله؟
الجواب
لا تقل: إن شاء الله، قال النبي ﷺ: (لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، فإن الله لا مكره له)، بل عليك أن تدعو جازمًا؛ لأن (إن شاء الله) تفيد أنك غير محتاج إلى هذا الدعاء، (اللهم اغفر لي إن شئت) أي: إن شئت غفرت لي، وإن شئت فلا تغفر لي، فلست بحاجة إلى المغفرة، وهذا غلط، لكن اجزم واعزم وقل: اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني.
أما القول للمريض: طهور إن شاء الله، فهذا من باب الخبر عند أهل العلم، وليس من باب الإنشاء.
[ ٦ / ١٩ ]