المتن
قال المصنف ﵀: "فهؤلاء إذا أطلقوا على الصفاتية اسم «التشبيه» و«التمثيل»، كان هذا بحسب اعتقادهم الذي ينازعهم فيه أولئك، ثم تقول لهم أولئك: هب أن هذا المعنى قد يسمى في اصطلاح بعض الناس تشبيهًا، فهذا المعنى لم ينفه عقل ولا سمع، وإنما الواجب نفي ما نفته الأدلة الشرعية والعقلية.
والقرآن قد نفى مسمَّى «المثل» و«الكفء» و«النِّدّ» ونحو ذلك، ولكن يقولون: الصفة في لغة العرب ليست مثل الموصوف ولا كفأه ولا نده، فلا تدخل في النص، وأما العقل فلم ينف مسمَّى «التشبيه» في اصطلاح المعتزلة.
الشرح
قول المصنف: "فهؤلاء إذا أطلقوا على الصفاتية اسم «التشبيه» و«التمثيل»، كان هذا بحسب اعتقادهم الذي ينازعهم فيه أولئك"
التشبيه في اصطلاح المتكلمين وغيرهم هو التمثيل، والمتشابهان هما المتماثلان، وهما ما سد أحدهما مسد صاحبه وقام مقامه وناب منابه (^١).
ومقصودهم بنفي التشبيه: أن يراد به أنه لا يثبت لله شيء من الصفات، فلا يقال له قدرة، ولا علم، ولا حياة، لأن العبد موصوف بهذه الصفات، ولازم هذا القول أنه لا يقال له حي، عليم، قدير، لأن العبد يسمى بهذه الأسماء وكذلك كلامه وسمعه
_________________
(١) نقض تأسيس الجهمية (١/ ٤٧٦).
[ ٢ / ٨٥٧ ]
وبصره وإرادته وغير ذلك (^١).
وأصل الخطأ والغلط توهمهم أن هذه الأسماء العامة الكلية يكون مسماها المطلق الكلي هو بعينه ثابتًا في هذا المعين وليس كذلك، فإن ما يوجد في الخارج لا يوجد مطلقًا كليًا، بل لا يوجد إلا معينًا مختصًا، وهذه الأسماء إذا سمي الله بها كان مسماها معينًا مختصًا به.
فإذا سمي بها العبد كان مسماها مختصًا به، فوجود الله وحياته لا يشاركه فيها غيره، بل وجود هذا الموجود المعين لا يشاركه فيه غيره، فكيف بوجود الخالق.
وبهذا ومثله يتبين لك أن المشبهة أخذوا هذا المعنى فزادوا فيه على الحق فضلوا. وأن المعطلة أخذوا نفي المماثلة بوجه من الوجوه وزادوا فيه على الحق حتى ضلوا. وإن كتاب الله دل على الحق المحض الذي تعقله العقول السليمة الصحيحة، وهو الحق المعتدل الذي لا انحراف فيه (^٢).
وقول المصنف: "ثم تقول لهم أولئك: هب أن هذا المعنى قد يسمى في اصطلاح بعض الناس تشبيهًا، فهذا المعنى لم ينفه عقل ولا سمع، وإنما الواجب نفي ما نفته الأدلة الشرعية والعقلية.
لفظ (التشبيه) يطلق في الاصطلاح على عدة معان:
المعنى الأول: التماثل من كل وجه. فهذا المعنى منفي عن الله باتفاق، ولم يقل به أحد، حتى الممثلة.
المعنى الثاني: التماثل من وجه دون وجه، وهذا منفي عن الله أيضًا.
وخالف في ذلك الممثلة، ممن وصفهم الأئمة -كالإمام أحمد وغيره -بأنهم يقولون: لله يد كيدي، وسمع كسمعي، وقدم كقدمي.
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٩٩).
(٢) شرح الطحاوية (ص ١٠٤) بتصرف.
[ ٢ / ٨٥٨ ]
وهذان الإطلاقان يتضمنان التماثل في الحقيقة والكيفية، بأن يوصف الباري بشيء من خصائص المخلوق، وهما اللذان دل الدليل على نفيهما، فمن قال بأحدهما فقد شبه الله بخلقه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن نفي التشبيه من كل وجه هو التعطيل والجحود لرب العالمين، كما عليه المسلمون متفقون، كما أن إثباته مطلقا هو جعل الأنداد لرب العالمين … فلفظ التشبيه فيه عموم وخصوص … ومن هنا ضل فيه أكثر الناس، إذ ليس له حد محدود.
ومنه ما هو منتف، بالاتفاق بين المسلمين، بل بين أهل الملل كلهم، بل بين جميع العقلاء المقرين بالله، معلوم بضرورة العقل.
ومنه ما هو ثابت بالاتفاق بين المسلمين، بل بين أهل الملل كلهم، بل بين جميع العقلاء المقرين بالصانع.
فلما كان لفظ (التشبيه) يقال على ما يجب انتفاؤه، وعلى ما يجب إثباته، لم يرد الكتاب والسنة به مطلقًا، لا في النفي ولا الإثبات، ولكن جاءت النصوص في النفي بلفظ: المثل والكفو والند والسمي …
بخلاف لفظ التشبيه، فإنه يقال على ما يشبه غيره ولو من بعض الوجوه البعيدة، وهذا مما يجب القول به شرعًا وعقلًا بالاتفاق.
ولهذا لما عرف الأئمة ذلك، وعرفوا حقيقة قول الجهمية، وأن نفيهم لذلك من كل وجه مستلزم لتعطيل الصانع ووجوده: كانوا يبينون ما في كلامهم من النفاق والتعطيل، ويمتنعون عن إطلاق لفظهم العليل، لما فهموه من مقصودهم، وإن لم يفهمه أهل التجهيل والتضليل» (^١).
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية -ط (المجمع) (٦/ ٤٨٤ - ٤١٩)، وانظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة -د. عبد الرحمن المحمود (٣/ ٩٦٢ - ٩٦٤).
[ ٢ / ٨٥٩ ]
والذي ورد ذمه في الكتاب والسنة هو التمثيل وكذلك ما يوافق معناه، كالكفء، والند، والسمي، كما تقدم في النصوص السالفة.
كما أن مثل الشيء في لغة العرب: هو نظيره ومكافئه الذي يقوم مقامه، ويسد مسده.
قال ابن فارس: (مثل) الميم والثاء واللام أصل صحيح يدل على: مناظرة الشيء للشيء، وهذا مثل هذا: أي نظيره، والممثل والمثال في معنى واحد) (^١).
قال الشاعر:
ليس كمثل الفتي زهير خلق يدانيه في الفضائل
وقال غيره:
سعد بن زيد إذا أبصرت جمعهم ما إن مثلهم في الناس من أحد (^٢)
قال تعالى: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القران لا يأتون بمثله) [الإسراء: ٨٨].
وقال: (ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد)] الفجر: ٦ - ٨].
أي في القوة والأجسام، وذلك لشدة أبدانهم وقواهم، والله أعلم" (^٣).
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة (٥/ ٢٩٦)، وانظر: القائد إلى تصحيح العقائد للمعلمي (١١٤).
(٢) انظر: تفسير الثعالبي (٨/ ٣٠٦)، تفسير البحر المحيط (٧/ ٤٨٨ - ٤٨٩)، مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (٦/ ١١٣)، درء تعارض العقل والنقل (٧/ ١١٤)، بيان تلبيس الجهمية (١/ ٥٣٣)، الصواعق المرسلة (٤/ ١٣٦٨)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٥٨٢)، روح المعاني الألوسي (٢٥/ ١٨)، القائد للمعلمي (١١٥).
(٣) انظر: تفسير الطبري (٢٤/ ٤٠٦)، تفسير ابن كثير (٨/ ٣٩٥)، وانظر: القائد للمعلمي (١١٥ - ١١٦).
[ ٢ / ٨٦٠ ]
فالتمثيل إذا أطلق يراد به: مشابهة الشيء للشيء ومشاركته له في جميع الصفات الذاتية التي يقوم بها أحدهما مقام الآخر، فلا يكون بمجرد الموافقة في بعض الصفات (^١).
وضابط التمثيل المنفي عن الله: ما تضمن أو استلزم ثبوت شيء من خصائص المخلوقين الله تعالى، في ذاته، أو أسمائه، أو صفاته، أو أفعاله، وذلك فيما يجب له تعالى، أو يجوز له، أو يمتنع عليه.
وكذلك ما تضمن أو استلزم ثبوت شيء من خصائص الله تعالى في ذاته، أو أسمائه، أو صفاته، أو أفعاله لشيء من المخلوقات.
وذلك أن كل ما كان مختصًا بالمخلوق فلا بد أن يكون فيه نقص، والله تعالي منزه تنزيهًا مطلقًا عن كل نقص، وواجب له كل كمال، ومنزه في كماله عن كل مثال، فامتنع أن يضاف ذلك إلى الله تعالي" (^٢).
وهذا الحد هو ما أراده أئمة السنة، ممن بين معنى التشبيه بأنه قول المشبه: يد الله كيدي، أو مثل يدي، وسمع الله كسمعي، أو مثل سمعي، كما بين ذلك الإمام إسحاق بن راهويه (^٣)، وأحمد بن حنبل (^٤)، وعثمان بن سعيد الدارمي (^٥)، رحمهم
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية-ط: القاسم (١/ ٤٧٧)، وفي طبعة المجمع (٣/ ١٣٥).
(٢) انظر: تحريم النظر في كتب الكلام لابن قدامة (٧٩)، بيان تلبيس الجهمية (١/ ٥٨٨)، درء تعارض العقل والنقل (٤/ ١٤٦) (٥/ ٨٤، ٣٢٧)، منهاج السنة النبوية (٢/ ٥٢٩، ٥٩٥)، مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (٦/ ٣٥ - ٣٦)، التدمرية (٣٩ - ٤٠، ١٢٤).
(٣) انظر: جامع الترمذي (٣/ ٥٠)، اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم (١٥٣)، فتح الباري (١٣/ ٤٠٧).
(٤) انظر: إبطال التأويلات لأبي يعلى (/ ١/ ٤٣ - ٤٥)، المختار في أصول السنة لابن البنا (٩١)، درء تعارض العقل والنقل (٢/ ٣٢)، بيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٧٦ - ٤٧٧).
(٥) انظر: نقض الدارمي على المريسي (١/ ٤٣٥ - ٤٣٦).
[ ٢ / ٨٦١ ]
الله، وغيرهم، مما يبين أن المحذور إنما هو في إضافة شيء من خصائص صفة المخلوق إلى صفة الخالق، إذ هذا ما يفه من قولهم عن المشبهة: (يد الله كيدي)، كما يبين أن مفهوم التشبيه عندهم لا يتحقق بمجرد إضافة الصفة الله، بل غالب أقوالهم في نفي التشبيه تتضمن الدلالة على أن إثبات الصفة الله لا يعتبر تشبيها.
وبهذا يتبين أن المحذور: إثبات شيء من خصائص أحدهما للآخر، وقولنا: إثبات الخصائص إنما يراد: إثبات مثل تلك الخاصة، وإلا فإثبات عينها ممتنع مطلقا (^١)، وسيأتي البيان بأن التمثيل منفي بين الخالق والمخلوق جملة وتفصيلا، سواء كان تمثيلا من كل وجه، أو تمثيلا من وجه دون وجه، لأن لفظ التمثيل قائم على اشتراك المتماثلين في الحقيقة والكيفية.
وأما لفظ التشبيه فيشار فيه إلى ما يلي:
أولا: أن لفظ (التشبيه) لم يرد نفيه وذمه في الكتاب والسنة، وإنما الوارد نفي التمثيل.
ثانيا: أن لفظ (التشابه) ليس مطابقًا في المعنى للفظ (التماثل) الذي ورد نفيه.
قال أبو هلال العسكري في فروقه اللغوية: "إن الشيء يشبه بالشيء من وجه واحد لا يكون مثله في الحقيقة إلا إذا أشبهه من جميع الوجوه لذاته" (^٢).
ويقال في اللغة: إن هذا يشبه هذا، وفيه شبه من هذا: إذا أشبهه من بعض الوجوه، وإن كان مخالفة له في الحقيقة (^٣)، فالتشبيه في اللغة .. قد يقال بدون التماثل في شيء من
_________________
(١) منهاج السنة النبوية (٢/ ٥٩٦).
(٢) الفروق للعسكري (١٧٦)، وانظر: نقد الشعر لقدامة بن جعفر (١٢٤)، سر الفصاحة للخفاجي (٢٤٦).
(٣) انظر: الجواب الصحيح (٣/ ٤٤٥).
[ ٢ / ٨٦٢ ]
الحقيقة، كما يقال للصورة المرسومة في الحائط: إنها تشبه الحيوان، ويقال: هذا يشبه هذا في كذا وكذا، وإن كانت الحقيقتان مختلفتين» (^١).
ومما يبين ذلك أن الله تعالى قد قال في كتابه عن نعيم أهل الجنة: (كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها) [البقرة: ٢٠].
قال قتادة وعكرمة (^٢): "يشبه ثمر الدنيا، غير أن ثمر الجنة أطيب" (^٣)، وهذا أحد التفسيرين في الآية، فقد وصفت الآية ثمر الجنة بمشابهته لثمر الدنيا، وهي مشابهة واشتراك من بعض الوجوه، مع القطع بنفي المماثلة بينهما، بل بينهما تباين عظيم في الكيفية والحقيقة، فالمشابهة ها هنا ثابتة، والمماثلة منفية، مما يدل على ثبوت الفرق بين المشابهة والمماثلة (^٤).
وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية أقوال الناس في لفظي (التشبيه) و(التمثيل)، وهل هما بمعنى واحد، فقال:
وقد تنازع الناس: هل لفظ (الشبه) و(المثل) بمعنى واحد أو معنيين، على قولين:
أحدهما: أنهما بمعنى واحد، وأن ما دل عليه لفظ (المثل) مطلقا ومقيدًا يدل عليه لفظ (الشبه)، وهذا قول طائفة من النظار.
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٧٧).
(٢) عكرمة بن عبد الله، أبو عبد الله البربري، المدني، الحبر، العالم، المفسر، الثقة، مولي ابن عباس، روى عن مولاه، وعائشة، وأبي هريرة، مات سنة (١٠٤ هـ). ينظر: طبقات المفسرين للداوودي (١/ ٢٨٦)، وطبقات المفسرين للأدنه وي (١٢).
(٣) تفسير الطبري (١/ ٣٩١)، تفسير ابن كثير (١/ ٢٠٥).
(٤) انظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (٥/ ٣٤٧) (٦/ ١١٣) (١٣/ ٢٧٩)، درء تعارض العقل والنقل (٦/ ١٢٣ - ١٢٥).
[ ٢ / ٨٦٣ ]
والثاني: أن معناهما مختلف عند الإطلاق لغة، وشرعا، وعقلًا، وإن كان مع التقيد والقرينة يراد بأحدهما ما يراد بالآخر، وهذا قول أكثر الناس».
وقول المصنف: "والقرآن قد نفى مسمَّى «المثل» و«الكفء» و«النِّدّ» ونحو ذلك"
فنفى مسمى المثل وذلك كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى الآية: ١١].
ونفى مسمى الكفء كما وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص الآية: ٤].
ونفى مسمى الند كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة الآية: ٢٢]
وقول المصنف: "ولكن يقولون: الصفة في لغة العرب ليست مثل الموصوف ولا كفأه ولا نده، فلا تدخل في النص، وأما العقل فلم ينف مسمَّى «التشبيه» في اصطلاح المعتزلة".
هناك ثلاثة أقوال في تعريف الصفة.
أولًا: قول أهل السنة والجماعة.
تعريف الصفة هي: ما قام بالذات مما يميزها عن غيرها من أمور ذاتية، أو معنوية، أو فعلية.
والوصف والصفة:
١ - تارة يراد به: الكلام الذي يوصف به الموصوف، مثاله: قول الصحابي في ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص الآية ١]: أحبها لأنها صفة الرحمن (^١)
_________________
(١) - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته إلى توحيد الله ﵎، ح ٧٣٧٥ ولفظ البخاري " فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها".
[ ٢ / ٨٦٤ ]
٣ - وتارة يراد به: المعاني التي دل عليها الكلام كالعلم والقدرة،
وأما إضافة الوصف إلى الله فتعريفها: ما كان صفة قائمة بغيرها ليس لها محل تقوم به (^١)
فإذا كان المضاف إليه لا يقوم بنفسه، بل لا يكون إلا صفة كالعلم، والقدرة، والكلام، والرضا، والغضب، فهذا لا يكون إلا إضافة صفة إليه فتكون قائمة به سبحانه (^٢)
ثانيًا: قول الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم.
والجهمية والمعتزلة وغيرهم تنكر هذا ويقولون: إنما الصفات مجرد العبارة التي يعبر بها عن الموصوف، فقالوا: إن إضافة الصفات إلى الله من إضافة وصف من غير قيام معنى به (^٣)
فالقول بأن الصفة غير الموصوف، أو الصفات غير الذات هو قول المعتزلة (^٤).
فالمعتزلة يرون امتناع قيام الصفات به، لاعتقادهم أن الصفات أعراض، وأن قيام العرض به يقتضي حدوثه، فردوا جميع ما يضاف إلى الله إلى إضافة خلق، أو إضافة وصف من غير قيام معنى به (^٥) لأنهم يقولون إنما الصفات مجرد العبارة التي يعبر بها عن الموصوف، وينفون أن يكون لله وصف قائم به علم أو قدرة أو إرادة أو كلام (^٦)
_________________
(١) - رسالة العقل والروح (مطبوعة ضمن الرسائل المنبرية ٢/ ٣٨، ٣٩)
(٢) - مجموع الفتاوى ١٧/ ١٥٢
(٣) - مجموع الفتاوى ٦/ ١٤٧ - ١٤٨
(٤) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣/ ٣٣٦ (.
(٥) مجموع الفتاوى ٦/ ١٤٧، ١٤٨
(٦) مجموع الفتاوى ٣/ ٣٣٥
[ ٢ / ٨٦٥ ]
ثالثًا: متكلمة الصفاتية.
الكلابية ومن اتبعهم من الصفاتية قد يفرقون بين الوصف والصفة، فيجعلون الوصف: هو القول، والصفة: المعنى القائم بالموصوف (^١).
فأدخلوا في الوصف (الذي هو القول عندهم) صفات الأفعال حتى ينفوا قيامها بالذات.
وأدخلوا في الصفة (التي هي المعنى القائم بالذات) ما أثبتوه من الصفات كصفات المعاني السبعة (العلم، الحياة، القدرة، الإرادة، السمع، البصر، الكلام) ليتأتى لهم على هذا التقسيم اعتبار بعض الصفات قائمًا بالذات، وبعضها غير قائم بها، فأرادوا بذلك نفي صفات الأفعال واعتبروها نسبًا وإضافات لا تقوم بالذات
وقول المصنف: "فلا تدخل في النص" أي أنهم يقولون إن نصوص نفي المثل والكفء والند تتعلق بالموصوف أي الذات، وليس الصفة، فهي بهذا ليست داخلة في نص المسألة الذي هو الكلام في الصفات.
وقول المصنف: "وأما العقل فلم ينف مسمَّى «التشبيه» في اصطلاح المعتزلة"
وقد عرف عن أهل الكلام أنهم لم يقبلوا للنصوص الشرعية قولها في صفات الرحمن جل شأنه. لأنها تثبت له من الصفات ما تقتضي عقولهم نفيه، فهم يرجعون في ذلك إلى حكم العقل وحده إثباتا ونفيا ويرفضون أحكام القرآن (^٢).
قال ابن تيمية: "وهذا الاختلاف مبني على مسألة عقلية، وهو أنه هل يجوز أن يشبه الشيء الشيء من وجه دون وجه؟ وللناس في ذلك قولان:
فمن منع أن يشبهه من وجه دون وجه قال: المثل والشبه واحد.
_________________
(١) - مجموع الفتاوى ٣/ ٣٣٥. ٦/ ٣٤١. التمهيد للباقلاني (ص ٢٤٤ - ٢٤٥).
(٢) شرح القصيدة النونية ص ٣٨٨.
[ ٢ / ٨٦٦ ]
ومن قال إنه قد يشبه الشيء الشيء من وجه دون وجه فرق بينهما عند الإطلاق، وهذا قول جمهور الناس.
فإن العقل يعلم أن الأعراض -مثل الألوان-تشتبه في كونها ألوانًا، مع أن السواد ليس مثل البياض.
وأيضًا فمعلوم في اللغة أنه يقال: (هذا يشبه هذا)، و(فيه شبه من هذا) إذا أشبهه من بعض الوجوه، وإن كان مخالفة له في الحقيقة» (^١).
وهذا التفريق بين معنى التشبيه والتمثيل قد أقر به جمع من المتكلمين، فقد قرر ابن الهمام الحنفي من الماتريدية أن «المثلية تقتضي المساواة في كل الصفات، والتشبيه لا يقتضيه» (^٢)، وبين أبو المعين النسفي أن الشخصين لو اشتركا في الفقه أو الطب أو غير ذلك من العلوم والصناعات، ولم يكن بينهما في ذلك النوع مساواة ينوب أحدهما مناب صاحبه ويسد مسده، فإنه لا يستجيز أحد من أرباب اللسان أن يقول: فلان مثل فلان في علم كذا، أو صنعة كذا (^٣).
فتحصل بذلك أن لفظ التشابه والتماثل غير متطابقين في المعنى، بل لفظ التشابه أعم من لفظ التماثل، إذ التشابه يطلق على مطلق مشاركة الشيء للشيء ولو من بعض الوجوه، وأما التماثل فهو مشاركة الشيء للشيء من كل الوجوه، وإن كان قد يطلق لفظ التشبيه ويراد به التمثيل، وكذا العكس، وذلك يعلم بسياق الكلام وقرائنه.
_________________
(١) الجواب الصحيح (٣/ ٤٤٤ - ٤٤٥).
(٢) المسامرة شرح المسايرة (٣٠٨)، وانظر: تبصرة الأدلة لأبي المعين النسفي (١/ ١٥٠ - ١٥١).
(٣) انظر: تبصرة الأدلة (١/ ١٥٠).
[ ٢ / ٨٦٧ ]