المتن
قال المصنف ﵀: "فصل: وأما في طرق الإثبات فمعلوم أيضًا أن المثبت لا يكفي في إثباته مجرد نفي التشبيه، إذ لو كفى في إثباته مجرد نفي التشبيه لجاز أن يوصف الله ﷾ من الأعضاء والأفعال بما لا يكاد يحصى مما هو ممتنع عليه مع نفي التشبيه، وأن يوصف بالنقائص التي لا تجوز عليه مع نفي التشبيه، كما لو وصفه مفتر عليه بالبكاء والحزن والجوع والعطش مع نفي التشبيه، وكما لو قال المفتري: يأكل لا كأكل العباد، ويشرب لا كشربهم، ويبكي ويحزن لا كبكائهم ولاحزنهم، كما يقال: يضحك لا كضحكهم، ويفرح لا كفرحهم، ويتكلم لا ككلامهم، ولجاز أن يقال: له أعضاء كثيرة لا كأعضائهم، كما قيل: له وجه لا كوجوههم، ويدان لا كأيديهم، حتى يذكر المعدة والأمعاء والذكر، وغير ذلك مما يتعالى الله ﷿ عنه، سبحانه وتعالى عمّا يقول الظالمون علوًا كبيرًا".
الشرح
من سمات الحدث النقائص، كالجهل والعمى، والصمم، والبكم، فإن كل ما كان كذلك فهو لم يكن إلا محدثًا، لأن القديم الأزلي منزه عن ذلك، لآن القديم الأزلي متصف بنقيض هذه الصفات، وصفات الكمال لازمة له، واللازم يمتنع زواله إلا بزوال الملزوم، والذات قديمة أزلية، واجبة بنفسها، غنية عما سواها، يستحيل عليها العدم والفناء بوجه من الوجوه، فيستحيل اتصافها بنقيض تلك اللوازم، فلا يوصف بنقيضها إلا المحدث، فهي من سمات المحدث المستلزمة لحدوث من
[ ٢ / ٩٢٤ ]
اتصف بها.
وهذا يدخل في قول القائل "كل ما استلزم حدوثًا أو نقص فالرب منزه عنه" والنقص المناقض لصفات كماله مستلزم لحدوث المتصف به، والحدوث مستلزم للنقص اللازم للمخلوق، فإن كل مخلوق فهو يفتقر إلى غيره، كائن بعد أن لم يكن، لا يعلم إلا ما علم، ولا يقدر إلا ما أقدر، وهو محاط به مقدور عليه.
فهذه النقائص اللازمة لكل مخلوق هي ملزومة للحدوث، حيث كان حدوث كانت، والحدوث ملزوم لها فحيث كان محدث كانت هذه النقائص.
فقولنا: "ما استلزم حدوثًا أو نقصًا فالرب منزه عنه" حق، والحدوث والنقص اللازم للمخلوق متلازمان.
والرب منزه عن كل منهما من جهتين:
من جهة امتناعه في نفسه.
ومن جهة أنه مستلزم للآخر، وهو ممتنع في نفسه.
فكل منهما دليل ومدلول عليه باعتبارين على أن الرب منزه عنه، وعن مدلوله الذي هو لازمه.
والحاجة إلى الغير والفقر إليه مما يستلزم مما يستلزم الحدوث والنقص اللازم للمخلوق.
وقولي: "اللازم" ليعم جميع المخلوقين وإلا فمن النقائص ما يتصف به بعض المخلوقين دون بعض فتلك ليست لازمة لكل مخلوق.
والرب منزه عنها أيضًا، ولكن إذا نزه عن النقص اللازم لكل مخلوق فعن ما يختص به بعض المخلوقين أولى وأحرى، فإنه إذا كان مخلوق ينزه عن نقص مخلوق، فالخالق أولى تنزيهه عنه، وهذه طريقة "الأولى" كما دل عليها القرآن في غير
[ ٢ / ٩٢٥ ]
موضع (^١).
فقول المصنف: "وأما في طرق الإثبات فمعلوم أيضًا أن المثبت لا يكفي في إثباته مجرد نفي التشبيه" يعنى أن الاعتماد في إثبات الصفات لله لا يكفي فيه مجرد نفي التشبيه، كما عليه حال هؤلاء المعطلة الذين اكتفوا "في إثباته مجرد نفي التشبيه".
لأنه يلزم على مجرد الاقتصار في الإثبات على مجرد نفي التشبيه أن يأتي من يقول بجواز "أن يوصف الله ﷾ من الأعضاء والأفعال بما لا يكاد يحصى مما هو ممتنع عليه مع نفي التشبيه، وأن يوصف بالنقائص التي لا تجوز عليه مع نفي التشبيه"
وأعطى المصنف أمثلة لما قد يجوزه هذا القائل فقال: "كما لو وصفه مفتر عليه بالبكاء والحزن والجوع والعطش مع نفي التشبيه، وكما لو قال المفتري: يأكل لا كأكل العباد، ويشرب لا كشربهم، ويبكي ويحزن لا كبكائهم ولاحزنهم، كما يقال: يضحك لا كضحكهم، ويفرح لا كفرحهم، ويتكلم لا ككلامهم، ولجاز أن يقال: له أعضاء كثيرة لا كأعضائهم، كما قيل: له وجه لا كوجوههم، ويدان لا كأيديهم، حتى يذكر المعدة والأمعاء والذكر، وغير ذلك مما يتعالى الله ﷿ عنه، سبحانه وتعالى عمّا يقول الظالمون علوًا كبيرًا".
المتن
قال المصنف ﵀: "فإنه يقال لمن نفى ذلك مع إثبات الصفات الخبرية وغيرها من الصفات: ما الفرق بين هذا وبين ما أثبته، إذا نفيت التشبيه، وجعلت مجرد نفي التشبيه كافيًا في الإثبات، فلا بد من إثبات فرق في نفس الأمر.
_________________
(١) انظر دقائق التفسير الجامع لتفسير الإمام ابن تيمية ٥/ ٢٥٥ - ٢٥٦.
[ ٢ / ٩٢٦ ]
فإن قال: العمدة في الفرق هو السمع، فما جاء السمع به أثبته، دون ما لم يجئ به السمع.
قيل له:
أولًا: السمع هو خبر الصادق عمّا هو الأمر عليه في نفسه، فما أخبر به الصادق فهو حق من نفي أو إثبات، والخبر دليل على المخبَر عنه، والدليل لا ينعكس، فلا يلزم من عدمه عدم المدلول عليه، فما لم يرد به السمع يجوز أن يكون ثابتًا في نفس الأمر، وإن لم يرد به السمع، إذا لم يكن قد نفاه، ومعلوم أن السمع لم ينف كل هذه الأمور بأسمائها الخاصة، فلا بد من ذكر ما ينفيها من السمع، وإلا فلا يجوز حينئذ نفيها، كما لا يجوز إثباتها".
الشرح
وعليه "فإنه يقال لمن نفى ذلك مع إثبات الصفات الخبرية وغيرها من الصفات" ويعني بهم متكلمة الصفاتية من الكلابية والأشاعرة والماتريدية ومن وافقهم.
فقد زعمت طائفة من أهل الكلام كأبي المعالي والرازي، والآمدي وغيرهم أن ذلك لا يعلم إلا بالسمع الذي هو الإجماع، وإن نفي الآفات والنقائص عنه لم يعلم إلا بالإجماع، وجعلوا الطريق التي بها نفوا عنه ما نفوه، إنما هو نفي مسمى الجسم ونحو ذلك، وخالفوا ما كان عليه شيوخ متكلمة الصفاتية، كالأشعري، والقاضي، وأبى بكر وأبي إسحاق، ومن قبلهم من السلف والأئمة، في إثبات السمع والبصر والكلام له بالأدلة العقلية، وتنزيهه عن النقائص بالأدلة العقلية.
ولهذا صار هؤلاء يعتمدون في إثبات هذه الصفات على مجرد السمع، ويقولون: إذا كنا نثبت هذه الصفات بناءً على نفي الآفات، ونفي الآفات إنما يكون بالإجماع الذي هو دليل سمعي، والإجماع إنما يثبت بأدلة سمعية من الكتاب
[ ٢ / ٩٢٧ ]
والسنة، قالوا: والنصوص المثبتة للسمع والبصر والكلام: أعظم من الآيات الدالة على كون الإجماع حجة، فالاعتماد في إثباتها ابتداء على الدليل السمعي الذي هو القرآن أولى وأحْرَى.
والذي اعتمدوا عليه في النفي، من نفي مسمى التحيز ونحوه مع أنه بدعة في الشرع لم يأت به كتاب ولا سنة، ولا أثر عن أحد من الصحابة والتابعين هو متناقض في العقل، لا يستقيم في العقل؛ فإنه ما من أحد ينفي شيئًا خوفًا من كون ذلك يستلزم أن يكون الموصوف به جسمًا، إلا قيل له فيما أثبته نظير ما قاله فيما نفاه، وقيل له فيما نفاه نظير ما يقوله فيما أثبته" (^١).
وقول المصنف: "ما الفرق بين هذا وبين ما أثبته، إذا نفيت التشبيه، وجعلت مجرد نفي التشبيه كافيًا في الإثبات". فهنا استفسار يوجه لمن نفي النقائص عن الله بمجرد نفي التشبيه مع إثباته للصفات الخبرية وهي التي لا طريق إلى معرفتها إلا بالسمع وهي قسمان:
الأول: الصفات الذاتية. كالوجه واليدين.
والثاني: الصفات الفعلية. كالمجيء والنزول.
والاستفسار هو: أي إذا جعلتم مجرد نفي التشبيه كافيًا في إثبات الصفات، فما الفرق بين قول من وصف الله بصفات النقص مع ادعاء نفي التشبيه وقولكم، فإن من أثبت النقائص لله بإمكانه أن يقول أثبتها بلا تشبيه. "فلا بد من إثبات فرق في نفس الأمر".
وقوله: "فإن قال: العمدة في الفرق هو السمع، فما جاء السمع به أثبته، دون ما لم يجئ به السمع".
_________________
(١) الأكملية ص ٩ - ١١.
[ ٢ / ٩٢٨ ]
فإن قال العمدة في التفريق بين وصفه بتلك النقائص وما أثبته من الصفات الخبرية هو السمع أي الشرع، فما أثبته السمع أثبته وما لم يثبته أنفيه.
"قيل له:
فيجاب عليه بجوابين وخلاصتهما كما يلي:
"أولًا: السمع هو خبر الصادق عمّا هو الأمر عليه في نفسه، فما أخبر به الصادق فهو حق من نفي أو إثبات، والخبر دليل على المخبَر عنه"
أي أن الدليل الشرعي هو خبر الصادق عما عليه الأمر فما أخبر به من نفي أو إثبات فهو حق وهو دليل على المخبر به.
"والدليل لا ينعكس، فلا يلزم من عدمه عدم المدلول عليه، فما لم يرد به السمع يجوز أن يكون ثابتًا في نفس الأمر، وإن لم يرد به السمع، إذا لم يكن قد نفاه، ومعلوم أن السمع لم ينف كل هذه الأمور بأسمائها الخاصة،
والدليل لا ينعكس أي إذا انعدم الدليل لا يلزم منه انعدام المدلول، فإذا لم يرد السمع بصفة جاز أن تكون ثابتة في نفسها مالم يكن نفاها السمع، ومعلوم أن السمع لم ينف الصفات بأسمائها الخاصة؛ فلم يقل إن الله لا يبكي ولا يأكل ونحو ذلك مما نقطع جميعا ببطلانه.
"فلا بد من ذكر ما ينفيها من السمع، وإلا فلا يجوز حينئذ نفيها، كما لا يجوز إثباتها".
أي لابد من أمر يوجب ينفي ما يجب نفيه عن الله وما يجب إثباته لله (^١).
فلا يجوز الاكتفاء فيما ينزه الرب عنه على عدم ورود السمع والخبر به، فيقال:
_________________
(١) التوضيحات الأثرية على متن الرسالة التدمرية ٢/ ٣٤١ - ٣٤٢.
[ ٢ / ٩٢٩ ]
كل ما ورد الخبر به أثبتناه، وما لم يرد لم نثبته بل ننفيه، وتكون عمدتنا في النفي على عدم الخبر.
بل هذا غلط لوجهين:
أحدهما: أن عدم الخبر هو عدم دليل معين، والدليل لا ينعكس (^١)، فلا يلزم إذا لم يخبر هو بالشيء أن يكون منتفيا في نفس الأمر (^٢).
ولله أسماء سمي بها نفسه واستأثر بها في علم الغيب عنده. فكما لا يجوز الإثبات إلا بدليل، لا يجوز النفي إلا بدليل. ولكن إذا لم يرد به الخبر ولم يعلم ثبوته يسكت عنه فلا يتكلم في الله بلا علم.
الثاني: أن أشياء لم يرد بها الخبر بتنزيهه عنها ولا بأنه منزه عنها، لكن دل الخبر على اتصافه بنقائضها فعلم انتفاؤها. فالأصل أنه منزه عن كل ما يناقض صفات كماله (^٣). وهذا مما دل عليه السمع والعقل.
وما لم يرد به الخبر إن علم انتفاؤه نفيناه، وإلا سكتنا عنه. فلا نثبت إلا بعلم ولا تنفي إلا بعلم.
_________________
(١) أوضحه في موضع آخر بقوله: أما جنس الدليل فيجب فيه الطرد، لا العكس. فيلزم من وجود الدليل وجود المدلول عليه، ولا يلزم عدمه عدم المدلول عليه.
(٢) أوضحه في موضع آخر ما خلاصته: فما لم يرد به السمع يجوز أن يكون ثابتًا في نفس الأمر، وإن لم يرد به السمع إذا لم يكن نفاه، ومعلوم أن السمع لم ينف عنه أشياء هو منزه عنها كاتصافه بالبكاء والحزن، والجوع والعطش، والأكل والشرب والنكاح، أو أن يقال: له أعضاء كثيرة كالطحال، والمعدة، والأمعاء، والذكر، وغير ذلك مما يتعالى الله ﷿ عنه. فلا بد إذا من ذكر ما ينفي هذه الأمور بأسمائها الخاصة من السمع، وإلا فلا يجوز حينئذ نفيها كما لا يجوز إثباتها.
(٣) وذلك مثل أنه قد علم أنه الصمد، والصمد الذي لا جوف له ولا يأكل ولا يشرب، فهو منزه عن الأكل والشرب وعن آلات ذلك كالكبد والطحال والمعدة. وكذلك هو منزه عن الصاحبة والولد وعن آلات ذلك وأسبابه. وكذلك البكاء والحزن هو مستلزم للضعف والعجز الذي ينزه عنه.
[ ٢ / ٩٣٠ ]
ونفى الشيء من الصفات وغيرها كنفي دليله طريقة طائفة من أهل النظر والخبر. وهي غلط إلا إذا كان الدليل لازما له. فإذا عدم اللازم عدم الملزوم.
وأما جنس الدليل فيجب فيه الطرد، لا العكس. فيلزم من وجود الدليل وجود المدلول عليه، ولا ينعكس (^١).
وخلاصة ذلك أن الصفات قد تثبت وتنفى بطريق السمع، ولكن الأمر لا يتوقف على هذا الطريق وحده، وأنه بالإمكان الاستدلال على نفي بعض الصفات وإثبات أخرى، وذلك بالاستدلال بما يقابل النفي، أو بما يضاد الكمال.
فمما ورد في طريقة التنزيه: استعمال بعض النصوص في الدلالة على بعض ما ينفى عن الله وذلك مثل أنه قد علم أنه الصمد، والصمد الذي لا جوف له ولا يأكل ولا يشرب، فهو منزه عن الأكل والشرب وعن آلات ذلك كالكبد والطحال والمعدة.
وكذلك هو منزه عن الصاحبة والولد وعن آلات ذلك وأسبابه، وكذلك البكاء والحزن هو مستلزم للضعف والعجز الذي ينزه عنه.
وسيأتي في كلام المصنف المزيد من البيان والتوضيح لهذه المسألة.
المتن
قال المصنف ﵀: "وأيضًا، فلا بدّ في نفس الأمر من فرق بين ما يثبت له وينفى عنه، فإن الأمور المتماثلة في الجواز والوجوب والامتناع يمتنع اختصاص بعضها دون بعض بالجواز والوجوب والامتناع، فلا بدّ من اختصاص المنفي عن المثبَت بما يخصه بالنفي، ولا بد من اختصاص الثابت عن المنفي بما يخصه بالثبوت.
_________________
(١) انظر دقائق التفسير الجامع لتفسير الإمام ابن تيمية ٥/ ٢٥٥ - ٢٥٦.
[ ٢ / ٩٣١ ]
وقد يعبر عن ذلك بأن يقال: لا بد من أمر يوجب نفي ما يجب نفيه عن الله تعالى، كما أنه لا بد من أمر يُثبت له ما هو ثابت، وإن كان السمع كافيًا كان مخبِرًا عما هو الأمر عليه في نفسه، فما الفرق في نفس الأمر بين هذا وهذا؟
الشرح
يشير المصنف إلى وجوب التفريق بين ما يثبت وبين ما ينفى فلكل واحد من الاثنين له اختصاصه "فلا بدّ من اختصاص المنفي عن المثبَت بما يخصه بالنفي، ولا بد من اختصاص الثابت عن المنفي بما يخصه بالثبوت".
أو بعبارة أخرى أنه يجب النظر إلى مضمون ما ورد نفيًا أو إثباتًا وليس مجرد الاقتصار على ما نص عليه النص فقط، وهذا يتأتى بالنظر إلى قاعدة التنزيه وقاعدة الكمال كما سيأتي تفصيله في السياق التالي.
المتن
قال المصنف ﵀: "فيقال: كل ما نافى صفات الكمال الثابتة للَّه فهو منزه عنه، فإن ثبوت أحد الضدين يستلزم نفي الآخر، فإذا عُلم أنه موجود واجب الوجود بنفسه، وأنه قديم واجب القدم- عُلم امتناع العدم والحدوث عليه، وعُلم أنه غني عمّا سواه، فالمفتقر إلى ما سواه في بعض ما يحتاج إليه نفسه ليس هو موجودًا بنفسه، بل بنفسه وبذلك الآخر الذي أعطاه ما تحتاج إليه نفسه، فلا يوجد إلا به، وهو ﷾ غني عن كل ما سواه، فكل ما نافى غناه فهو منزه عنه، وهو ﷾ قدير قوي فكل ما نافى قدرته وقوته فهو منزه عنه، وهو سبحانه حيّ قيوم فكل ما نافى حياته وقيوميته فهو منزه عنه.
وبالجملة فالسمع قد أثبت له من الأسماء الحسنى وصفات الكمال ما قد ورد، فكل ما ضاد ذلك فالسمع ينفيه، كما ينفي عنه المثل والكفؤ، فإن إثبات الشيء نفي
[ ٢ / ٩٣٢ ]
لضده ولما يستلزم ضده، والعقل يعرف نفي ذلك، كما يعرف إثبات ضده، فإثبات أحد الضدين نفي للآخر ولما يستلزمه.
فطرق العلم بنفي ما ينزه الرب عنه متسعة، لا يحتاج فيها إلى الاقتصار على مجرد نفي التشبيه والتجسيم كما فعله أهل القصور والتقصير، الذين تناقضوا في ذلك وفرّقوا بين المتماثلين، حتى إن كل من أثبت شيئًا احتج عليه من نفاه بأنه يستلزم التشبيه.
الشرح
لفهم هذه المسألة بشكل واضح ودقيق لابد من استعراض الأمور الآتية:
الأمر الأول: يجب أن يعلم أن الكمال ثابت لله، بل الثابت له هو أقصى ما يمكن من الأكملية، بحيث لا يكون وجود كمال لا نقص فيه إلا وهو ثابت للرب تعالى يستحقه بنفسه المقدسة" (^١).
"فالرب تعالى مستحق للكمال مختص به على وجه لا يمثاله فيه شاء، فليس له سَمِيٌّ ولا كُفْؤ، سواء كان الكمال مما لا يثبت منه شاء للمخلوق كربوبية العباد والغنى المطلق ونحو ذلك.
أو كان مما يثبت منه نوع للمخلوق، فالذي يثبت للخالق منه نوع هو أعظم مما يثبت من ذلك للمخلوق، عظمة هي أعظم من فضل أعلى المخلوقات على أدناها" (^٢)
الأمر الثاني: أن ثبوت ذلك مستلزم نفي نقيضه؛ فثبوت الحياة يستلزم نفي
_________________
(١) الرسالة الأكملية في ما يجب لله من صفات الكمال ١/ ٧ - ٩.
(٢) الرسالة الأكملية في ما يجب لله من صفات الكمال ١/ ٧٢.
[ ٢ / ٩٣٣ ]
الموت، وثبوت العلم يستلزم نفي الجهل، وثبوت القدرة يستلزم نفي العجز، وإن هذا الكمال ثابت له بمقتضى الأدلة العقلية والبراهين اليقينية، مع دلالة السمع على ذلك (^١). "ولذلك فإن كل ما نافي صفات الكمال الثابتة لله تعالى فهو منزه عنه لأن ثبوت أحد الضدين يستلزم نفي الآخر كالنقص والعيب والمماثلة للمخلوق، فمثلا: إذا علم أنه قديم قائم بنفسه علم امتناع العدم والحدوث والافتقار.
فكل ما نافي غناه فهو منزه عنه، وكذلك كل ما نافي قدرته وقوته فهو منزه عنه، وكل ما نافي حياته وقيوميته فهو منزه عنه، وهكذا فهذه هي القاعدة العامة في التنزيه لا طريقة نفي التشبيه أو التجسيم التي تناقض فيها المتكلمون كما سبق.
الأمر الثالث: أن ثبوت الكمال له، ونفي النقائص عنه، مما يعلم بالعقل" (^٢).
فيجب أن يعلم أن تصريح السمع لا يكفي في النفي أو الإثبات بل هناك لوازم عقلية تتوافق مع الأدلة النقلية فتثبت بمجموعها كمال الصفات الإلهية.
فدلالة القرآن على الأمور نوعان:
أحدهما: خبر الله الصادق، فما أخبر الله ورسوله به فهو حق كما أخبر الله به.
والثاني: دلالة القرآن بضرب الأمثال وبيان الأدلة العقلية الدالة على المطلوب. فهذه دلالة شرعية عقلية؛ فهي [شرعية] لأن الشرع دل عليها، وأرشد إليها؛ و[عقلية] لأنها تعلم صحتها بالعقل.
ولا يقال: إنها لم تعلم إلا بمجرد الخبر. وإذا أخبر الله بالشاء، ودل عليه بالدلالات العقلية، صار مدلولًا عليه بخبره، ومدلولًا عليه بدليله العقلي الذي يعلم به، فيصير ثابتًا بالسمع والعقل، وكلاهما داخل في دلالة القرآن التي تسمى [الدلالة
_________________
(١) الرسالة الأكملية في ما يجب لله من صفات الكمال ١/ ٧ - ٩.
(٢) الرسالة الأكملية في ما يجب لله من صفات الكمال ١/ ٧ - ٩.
[ ٢ / ٩٣٤ ]
الشرعية].
وثبوت [معنى الكمال] قد دل عليه القرآن بعبارات متنوعة، دالة على معاني متضمنة لهذا المعنى، فما في القرآن من إثبات الحمد له، وتفصيل محامده، وأن له المثل الأعلى، وإثبات معاني أسمائه، ونحو ذلك، كله دال على هذا المعنى.
وقد ثبت لفظ [الكامل] فيما رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١، ٢]: أن [الصمد] هو المستحق للكمال، وهو السيد الذي كمل في سُؤْدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحكم الذي قد كمل في حكمه، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار الذي قد كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الشريف الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله ﷾. وهذه صفة لا تنبغي إلا له، ليس له كفؤ ولا كمثله شاء. وهكذا سائر صفات الكمال، ولم يعلم أحد من الأمة نازع في هذا المعنى، بل هذا المعنى مستقر في فطر الناس، بل هم مفطورون عليه، فإنهم كما أنهم مفطورون على الإقرار بالخالق، فإنهم مفطورون على أنه أجل وأكبر، وأعلى وأعلم وأعظم وأكمل من كل شاء.
وقد بينا في غير هذا الموضع: أن الإقرار بالخالق وكماله، يكون فطريًا ضروريًا في حق من سلمت فطرته، وإن كان مع ذلك تقوم عليه الأدلة الكثيرة، وقد يحتاج إلى الأدلة عليه كثير من الناس عند تغير الفطرة وأحوال تعرض لها.
ومجمل القول أنه ورد في الكتاب والسنة كثير من أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، فكل ما نافي ذلك الكمال فإنه ينفي عنه لأن إثبات أحد الضدين نفي للآخر ونفي للوازمه فنفي الظلم إثبات للعدل ونفي المثيل إثبات للتفرد والوحدانية.
[ ٢ / ٩٣٥ ]
الأمر الرابع: طرق التنزيه كثيرة لا يقتصر فيها على نفي التشبيه والتجسيم مع ما فيها من التناقض والقصور.
وزعمت طائفة من أهل الكلام كأبي المعالي والرازي، والآمدي وغيرهم أن ذلك لا يعلم إلا بالسمع الذي هو الإجماع، وإن نفي الآفات والنقائص عنه لم يعلم إلا بالإجماع، وجعلوا الطريق التي بها نفوا عنه ما نفوه، إنما هو نفي مسمى الجسم ونحو ذلك، وخالفوا ما كان عليه شيوخ متكلمة الصفاتية، كالأشعري، والقاضي، وأبى بكر وأبي إسحاق، ومن قبلهم من السلف والأئمة، في إثبات السمع والبصر والكلام له بالأدلة العقلية، وتنزيهه عن النقائص بالأدلة العقلية.
ولهذا صار هؤلاء يعتمدون في إثبات هذه الصفات على مجرد السمع، ويقولون: إذا كنا نثبت هذه الصفات بناءً على نفي الآفات، ونفي الآفات إنما يكون بالإجماع الذي هو دليل سمعي، والإجماع إنما يثبت بأدلة سمعية من الكتاب والسنة، قالوا: والنصوص المثبتة للسمع والبصر والكلام: أعظم من الآيات الدالة على كون الإجماع حجة، فالاعتماد في إثباتها ابتداء على الدليل السمعي الذي هو القرآن أولى وأحْرَى.
والذي اعتمدوا عليه في النفي، من نفي مسمى التحيز ونحوه مع أنه بدعة في الشرع لم يأت به كتاب ولا سنة، ولا أثر عن أحد من الصحابة والتابعين هو متناقض في العقل، لا يستقيم في العقل؛ فإنه ما من أحد ينفي شيئًا خوفًا من كون ذلك يستلزم أن يكون الموصوف به جسمًا، إلا قيل له فيما أثبته نظير ما قاله فيما نفاه، وقيل له فيما نفاه نظير ما يقوله فيما أثبته، كالمعتزلة لما أثبتوا أنه حي عليم قدير؛ وقالوا: إنه لا يوصف بالحياة، والعلم، والقدرة، والصفات؛ لأن هذه أعراض لا يوصف بها إلا ما هو جسم، ولا يعقل موصوف إلا جسم.
[ ٢ / ٩٣٦ ]
فقيل لهم: فأنتم وصفتموه بأنه حي عليم قدير، ولا يوصف شاء بأنه عليم حي قدير إلا ما هو جسم، ولا يعقل موصوف بهذه الصفات إلا ما هو جسم، فما كان جوابكم عن الأسماء كان جوابنا عن الصفات، فإن جاز أن يقال: بل يسمى بهذه الأسماء ما ليس بجسم، جاز أن يقال: فكذلك يوصف بهذه الصفات ما ليس بجسم، وأن يقال: هذه الصفات ليست أعراضًا، وإن قيل: لفظ الجسم [مجمل] أو مشترك وأن المسمى بهذه الأسماء لا يجب أن يماثله غيره، ولا أن يثبت له خصائص غيره، جاز أن يقال: الموصوف بهذه الصفات لا يجب أن يماثله غيره، ولا أن يثبت له خصائص غيره.
وكذلك إذا قال نفاة الصفات المعلومة بالشرع، أو بالعقل مع الشرع، كالرضا والغضب، والحب، والفرح، ونحو ذلك: هذه الصفات لا تعقل
إلا لجسم.
قيل لهم: هذه بمنزلة الإرادة والسمع، والبصر والكلام، فما لزم في أحدهما لزم في الآخر مثله.
وهكذا نفاة الصفات من الفلاسفة ونحوهم، إذا قالوا: ثبوت هذه الصفات يستلزم كثرة المعاني فيه، وذلك يستلزم كونه جسمًا أو مركبًا.
قيل لهم: هذا كما أثبتم أنه موجود واجب قائم بنفسه وأنه عاقل ومعقول وعقل، ولذيذ وملتذ ولذة، وعاشق ومعشوق وعشق، ونحو ذلك.
فإن قالوا: هذه ترجع إلى معنى واحد، قيل لهم: إن كان هذا ممتنعا بطل الفرق، وإن كان ممكنًا أمكن أن يقال في تلك مثل هذه، فلا فرق بين صفة وصفة. والكلام على ثبوت الصفات وبطلان أقوال النفاة مبسوط في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا: أن نبين أن ثبوت الكمال لله معلوم بالعقل، وأن نقيض ذلك مُنْتَفٍ عنه، فإن الاعتماد في الإثبات والنفي على هذه الطريق مستقيم في العقل
[ ٢ / ٩٣٧ ]
والشرع، دون تلك، خلاف ما قاله هؤلاء المتكلمون.
وجمهور أهل الفلسفة والكلام يوافقون على أن الكمال لله ثابت بالعقل، والفلاسفة تسميه التمام" (^١).
المتن
قال المصنف ﵀: "وكذلك احتج القرامطة على نفي جميع الأمور حتى نفوا النفي، فقالوا: لا يقال موجود ولا ليس بموجود، ولا حي ولا ليس بحي، لأن ذلك تشبيه بالموجود أو المعدوم. فلزم نفي النقيضين، وهو أظهر الأشياء امتناعًا، ثم إن هؤلاء يلزمهم من تشبيهه بالمعدومات والممتنعات والجمادات أعظم ممّا فروا منه من التشبيه بالأحياء الكاملين، فطرق تنزيهه وتقديسه عمّا هو منزه عنه متسعة لا تحتاج إلى هذا.
الشرح
يقصد المصنف قول القرامطة الباطنية الذين بقولون بالوجود المطلق عن النفي والإثبات (^٢)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فالقرامطة الذين قالوا لا يوصف بأنه حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز، بل قالوا لا يوصف بالإيجاب ولا بالسلب، فلا يقال حي عالم ولا ليس بحي عالم، ولا يقال هو عليم قدير ولا يقال ليس بقدير عليم، ولا يقال هو متكلم مريد، ولا يقال ليس بمتكلم مريد، قالوا لأن في الإثبات تشبيهًا بما تثبت له هذه الصفات، وفي النفي تشبيه له بما ينفي عنه
_________________
(١) الرسالة الأكملية في ما يجب لله من صفات الكمال ص ٩ - ١١.
(٢) الصفدية ٢/ ١١ - ١٩
[ ٢ / ٩٣٨ ]
هذه الصفات) (^١)
فالقرامطة، لم يُثبتوا له اسمًا ولا صفة، بل جعلوا المخلوق أكمل منه؛ إذ كمال الذات بأسمائها وصفاتها.
وَلِهَذَا كَانَتْ " الْقَرَامِطَةُ الْبَاطِنِيَّةُ " مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ شِرْكًا وَعِبَادَةً لِغَيْرِ اللَّهِ؛ إذْ كَانُوا لَا يَعْتَقِدُونَ فِي إلَهِهِمْ أَنَّهُ يَسْمَعُ أَوْ يُبْصِرُ أَوْ يُغْنِي عَنْهُمْ شَيْئًا.
وقد تقدم ذكر قولهم والرد عليهم في أكثر من موضع من الرسالة التدمرية.
المتن
قال المصنف ﵀: "وقد تقدم أن ما يُنفى عنه ﷾- يُنفى لتضمن النفي الإثبات، إذ مجرد النفي لا مدح فيه ولا كمال، فإن المعدوم يوصف بالنفي، والمعدوم لا يشبه الموجود، وليس هذا مدحًا له، لأن مشابهة الناقص في صفات النقص نقص مطلق، كما أن مماثلة المخلوق في شيء من الصفات تمثيل وتشبيه، ينزه عنه الرب ﵎.
والنقص ضد الكمال، وذلك مثل أنه قد عُلم أنه حيّ والموت ضد ذلك فهو منزه عنه، وكذلك النوم والسِّنَةُ ضد كمال الحياة، فإن النوم أخو الموت، كذلك اللُّغُوب نقص في القدرة والقوة، والأكل والشرب ونحو ذلك من الأمور فيه افتقار إلى موجود غيره، كما أن الاستعانة بالغير والاعتضاد به ونحو ذلك يتضمن الافتقار إليه والاحتياج إليه، وكل من يحتاج إلى من يحمله أو يعينه على قيام ذاته أو أفعاله فهو مفتقر إليه ليس مستغنيًا بنفسه، فكيف من يأكل ويشرب، والآكل والشارب أجوف، والمُصْمَتُ الصمد أكمل من الآكل الشارب، ولهذا كانت الملائكة صمدًا لا تأكل
_________________
(١) -شرح العقيدة الأصفهانية ص ٧٦.
[ ٢ / ٩٣٩ ]
ولا تشرب".
الشرح
أي ينبغي أن يُعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتًا، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال.
والعدم المحض ليس بشييء، وما ليس بشييء-فهو كما قيل: ليس بشييء؛ فضلًا عن أن يكون مدحًا وكمالًا.
لأنَّ النفي المَحض يُوصف به المعدوم والممتنع؛ والمعدوم والممتنع لا يُوصف بمدح ولا كمال.
ولهذا كان عامة ما يصف الله به نفسه من النفي متضمنًا لإثبات مدح؛ كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة الآية: ٢٥٥ [؛ فنفي السِّنة والنوم يتضمن كمال الحياة والقيام.
وكذلك قوله: ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾، أي: لا يكرثه ولا يثقله، وذلك مستلزم لكمال قدرته وتمامها؛ بخلاف المخلوق القادر إذا كان يَقدر على الشييء بنوع كلفة ومشقة، فإن هذا نقص في قدرته وعيب في قوته.
وكذلك قوله: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْض﴾ [سبأ الآية: ٣]، فإن نفي العُزوب مستلزم لعلمه بكل ذرة في السموات والأرض.
وكذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق الآية: ٣٨]، فإن نفي مس اللغوب-الذي هو التعب والإعياء-دلَّ على كمال قدرته ونهاية القوة بخلاف المخلوق الذي يلحقه من التعب والكلال ما يلحقه.
[ ٢ / ٩٤٠ ]
وكذلك قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام ١٠٣]، إنما نفى الإدراك الذي هو الإحاطة، كما قاله أكثر العلماء، ولم يَنف مجرد الرؤية؛ لأن المعدوم لا يُرى، وليس في كونه لا يرى مدح؛ إذ لو كان كذلك لكان المعدوم ممدوحًا، وإنما المدح في كونه لا يُحاط به وإن رُؤي، كما أنه لا يحاط به وإن عُلم، فكما أنه إذا عُلم لا يحاط به علمًا، فكذلك إذا رؤي لا يحاط به رؤية، فكان في نفي الإدراك من إثبات عظمته ما يكون مدحًا وصفة كمال، وكان ذلك دليلًا على إثبات الرؤية مع عدم الإحاطة. وهذا هو الحق الذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها.
وإذا تأملت ذلك وجدت كلَّ نفي لا يستلزم ثبوتًا هو مما لم يصف به نفسه» (^١).
ثم إن النفي المجرد مع كونه لا مدح فيه-فيه إساءة أدب مع الله سبحانه؛ فإنك لو قلت لسلطان: أنت لستَ بزبَّال ولا كسَّاح ولا حَجَّام ولا حائك؛ لأَدَّبَك على هذا الوصف وإن كنت صادقًا.
وإنما تكون مادحًا إذا أجملت النفي؛ فقلت: أنت لستَ مثل أحد من رعيتك، أنت أعلى منهم وأشرف وأجَل، فإن أَجملت في النفي أجملت في الأدب (^٢).
فأهل الكلام المذموم يأتون بالنفي المفصل والإثبات المُجمل؛ فيقولون: ليس بجسم ولا شَبح ولا جثة ولا صورة ولا لحم ولا دم ولا شخص ولا جوهر ولا عَرَض .. إلى آخر تلك السُّلوب الكثيرة التي تَمُجُّها الأسماع، وتأنف مِنْ ذكرها النفوس، والتي تتنافى مع تقدير الله تعالى حقَّ قدره (^٣).
_________________
(١) «الرسالة التدمرية» (ص ٢١ - ٢٣).
(٢) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص ١٠٨ - ١١٠).
(٣) «الصفات الإلهية» (ص ٢٠٢).
[ ٢ / ٩٤١ ]
المتن
قال المصنف ﵀: "وقد تقدم أن كل كمال ثبت لمخلوق فالخالق أولى به، وكل نقص تنزه عنه مخلوق فالخالق أولى بتنزيهه عن ذلك. والسمع قد نفى ذلك في غير موضع كقوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ والصمد الذي لا جوف له ولا يأكل ولا يشرب. وهذه السورة هي نسب الرحمن، وهي الأصل في هذا الباب.
وقال في حق المسيح وأمه: ﴿مَا الْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة الآية: ٧٥ [فجعل ذلك دليلا على نفي الألوهية، فدل ذلك على تنزيهه عن ذلك بطريق الأَوْلَى والأحرى.
والكبد والطحال ونحو ذلك هي أعضاء الأكل والشرب، فالغني المنزه عن ذلك منزه عن آلات ذلك، بخلاف اليد فإنها للعمل والفعل، وهو ﷾ موصوف بالعمل والفعل، إذ ذلك من صفات الكمال، فمن يقدر أن يفعل أكمل ممن لا يقدر على الفعل.
وهو سبحانه منزه عن الصاحبة والولد وعن آلات ذلك وأسبابه، وكذلك البكاء والحزن هو مستلزم للضعف والعجز، الذي ينزه الله عنه، بخلاف الفرح والغضب فإنه من صفات الكمال، فكما يوصف بالقدرة دون العجز، وبالعلم دون الجهل، وبالحياة دون الموت، وبالسمع دون الصمم، وبالبصر دون العمى، وبالكلام دون البكم- فكذلك يوصف بالفرح دون الحزن، وبالضحك دون البكاء، ونحو ذلك".
الشرح
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- أيضًا: «فكل كمال لا نقص فيه بوجه ثبت
[ ٢ / ٩٤٢ ]
للمخلوق فالخالق أحق به من وجهين:
أحدهما: أن الخالق الموجود الواجب بذاته القديم أكمل من المخلوق القابل للعدم المحدث المربوب.
الثاني: أن كل كمال فيه فإنما استفاده من ربه وخالقه؛ فإذا كان هو مبدعًا للكمال، وخالقًا له، كان من المعلوم بالاضطرار أن معطي الكمال وخالقه ومبدعه أولى بأن يكون متصفًا به من المستفيد المبدع المعطي» (^١).
ويقال أيضًا في الأولوية في جانب النقص، أنها من وجهين:
الأول: أن الخالق الموجود الواجب بذاته القديم منزه عن النقائص والعيوب.
الثاني: أن كل نقص تنزه عنه المخلوق المربوب فإنما نزَّهَهُ عنه ربه وخالقه، فإذا كان الله -﷿- هو المُنَزِّهُ غيره عن النقص، كان معلومًا بالاضطرار أن الذي ينزه غيره عن النقائص أولى بالتنزه عنها من غيره.
المتن
قال المصنف ﵀: "وأيضًا فقد ثبت بالعقل ما أثبته السمع من أنه سبحانه لا كفؤ له، ولا سمي له، وليس كمثله شيء، فلا يجوز أن تكون حقيقته كحقيقة شيء من المخلوقات، ولا حقيقة شيء من صفاته كحقيقة شيء من صفات المخلوقات، فيُعلم قطعًا أنه ليس من جنس المخلوقات، لا الملائكة ولا السموات ولا الكواكب، ولا الهواء ولا الماء ولا الأرض، ولا الآدميين ولا أبدانهم ولا أنفسهم، ولا غير ذلك، بل يُعلم أن حقيقته عن مماثلة شيء من الموجودات أبعد من سائر الحقائق، وأن مماثلته لشيء منها أبعد من مماثلة حقيقة شيء من المخلوقات لحقيقة مخلوق
_________________
(١) شرح العقيدة الأصفهانية ص (١١٧ - ١١٨).
[ ٢ / ٩٤٣ ]
آخر.
فإن الحقيقتين إذا تماثلتا جاز على كل واحدة ما يجوز على الأخرى، ووجب لها ما وجب لها، وامتنع عليها ما امتنع عليها فيلزم أن يجوز على الخالق القديم الواجب بنفسه ما يجوز على المحدَث المخلوق من العدم والحاجة، وأن يثبت لهذا ما يثبت لذاك من الوجوب والغنى، فيكون الشيء الواحد واجبًا بنفسه غير واجب بنفسه، موجودًا معدومًا، وذلك جمع بين النقيضين.
وهذا مما يعلم به بطلان قول المشبهة الذين يقولون: بصر كبصري، ويد كيدي ونحو ذلك، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.
الشرح
فالله -﷿- موصوف بكل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه، منزه عن جميع النقائص والعيوب، فمن الطرق التي استخدمها أهل السنة والجماعة في تقرير هذه الحقيقة، مسلك عقلي يقوم على أن نفي الصفة إثبات لنقيضها، وهذه قاعدة عقلية متفق عليها بين جميع العقلاء، أن الذي لا يتصف بالعلم مثلًا فهو جاهل، والذي لا يتصف بالعدل فهو ظالم، وهكذا فالله -﷿- لما كان متصفًا بكل أنواع الكمالات التي يُتصور وجودها من غير استلزامها لأي نقصٍ بوجهٍ من الوجوه، فإن نفي هذا الكمال عنه يستلزم وصفه بنقيضه من النقص الذي هو منزه عنه أصالةً، «وهذه الطريقة هي من أعظم الطرق في إثبات الصفات، وكان السلف يحتجون بها، ويثبتون أن من عبد إلهًا لا يسمع، ولا يبصر، ولا يتكلم، فقد عبد ربًا ناقصًا معيبًا مؤوفًا (^١)، ويثبتون أن هذه صفات كمال فالخالي عنها ناقص» (^٢).
_________________
(١) مؤوفًا، من الآفة وهي العاهة، انظر: القاموس المحيط ص (١٠٢٦).
(٢) درء تعارض العقل والنقل (٢/ ٣٤٠).
[ ٢ / ٩٤٤ ]
فإنه لو لم يكن الله تعالى موصوفًا بإحدى الصفتين المتقابلتين للزم اتصافه بالأخرى.
فلو لم يتصف بالحياة لوُصف بالموت، ولو لم يتصف بالعلم لوُصف بالجهل، ولو لم يوصف بالقدرة لوُصف بالعجز، ولو لم يُوصف بالسمع والبصر والكلام لوُصف بالصمم والخرس والبكم، والله منزه عن ذلك، متصفٌ بصفات الكمال (^١).
وقال الإمام ابن القيم﵀-: «إنه قد ثبت بصريح العقل أن الأمرين المتقابلين إذا كان أحدهما صفة كمال، والآخر صفة نقص، فإن الله سبحانه يوصف بالكمال منهما دون النقص، ولهذا لما تقابل الموت والحياة، وُصف بالحياة دون الموت، ولما تقابل العلم والجهل، وُصف بالعلم دون الجهل، وكذلك العجز والقدرة، والكلام والخرس والبصر والعمى، والسمع والصمم، والغنى والفقر، ولما تقابلت المباينة للعالم والمداخلة له، وُصف بالمباينة دون المداخلة، وإذا كانت المباينة تستلزم علوه على العالم أو سفوله عنه، وتقابل العلو والسفول، وُصف بالعلو دون السفول» (^٢).
المتن
قال المصنف ﵀: "وليس المقصود هنا استيفاء ما يثبت له، وما ينزه عنه، واستيفاء طرق ذلك، لأن هذا مبسوط في غير هذا الموضع، وإنما المقصود هنا التنبيه على جوامع ذلك وطرقه، وما سكت عنه السمع نفيًا وإثباتًا، ولم يكن في العقل ما يثبته ولا ينفيه سكتنا عنه فلا نثبته ولا ننفيه، فنثبت ما علمنا ثبوته، وننفي ما علمنا نفيه، ونسكت عما لا نعلم نفيه ولا إثباته، والله ﷾ أعلم".
_________________
(١) انظر: التدمرية ص (١٥١)، تقريب التدمرية ص (٦٥).
(٢) الصواعق المرسلة (٤/ ١٣٠٧).
[ ٢ / ٩٤٥ ]
الشرح
كلام المصنف هنا متوجه لنوع من الألفاظ وهو ما سكت عنه السمع نفيًا أو إثباتًا ولم يكن في العقل ما يثبته ولا ينفيه، وقد تقدم الكلام على الصفات التي ظاهرها الكمال، مما لم يرد فيها نفيًا ولا إثباتًا.
وكذلك الكلام على صفات النقص التي دلت النصوص بمعمومها على نفيها وأنها تنفى مطلقًا، وذلك لأن صفات الله كلها صفات حسن وكمال وجلال وعظمة.
فالألفاظ التي تطلق على الله على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما علم ثبوته أثبت.
القسم الثاني: ما علم انتفاؤه نفي.
القسم الثالث: ما لم يعلم نفيه ولا إثباته سكت عنه، هذا هو الواجب، والسكوت عن الشيء غير الجزم بنفيه أو ثبوته" (^١).
فـ"ما لم يرد به الخبر إن علم انتفاؤه نفيناه وإلا سكتنا عنه فلا نثبت إلا بعلم ولا ننفي إلا بعلم" (^٢)
قال ابن تيمية: «بل النافي عليه الدليل على نفي ما نفاه، كما على المثبت الدليل على ثبوت ما أثبته، ومن ليس عنده دليل على النفي والإثبات، فعليه أن لا ينفى ولا يثبت فغاية ما عنده التوقف في نفي ذلك وإثباته» (^٣)
والمسكوت عنه من الصفات على ثلاثة أحوال:
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٩/ ١٩٠.
(٢) مجموع الفتاوى ٩/ ١٩٠.
(٣) درء تعارض العقل والنقل ٥/ ٤٤.
[ ٢ / ٩٤٦ ]
الحال الأول: ما لم يأت به نفي ولا إثبات في لفظه، فإن أفاد نقصًا كمرض أو خرفٍ .. الخ! تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا فإنه ينفى بدلالة النصوص في تنزهه تعالى عن مثل هذه النقائص، التي لا تليق بالخالق، وذلك كصفة الاستلقاء حيث تفوح منها رائحة اليهودية الذين يزعمون أن الله ﵎ بعد أن فرغ من خلق السموات والأرض استراح! تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا، وهذا المعنى يكاد يكون صريحا في الحديث فإن الاستلقاء لا يكون إلا من أجل الراحة ﷾ عن ذلك".
الحال الثاني: ما لم يأت به نفي ولا إثبات لا في اللفظ ولا المعنى، ولم يفد نقصًا في حال النفي والإثبات، كالفم والأذن والشعر .. الخ؛ فيتوقف فيه بلا نفي ولا إثبات؛ إذ الطرفان علم، ولا علم لمن قال بأحدهما.
و"النافي لصفة من صفات الله ﷿ إن أراد عدم علمه بها، لم يلزمه الدليل، ولا يجوز له أن ينكر وجودها لمجرد انتفاء علمه بها، وإن أراد عدم اتصاف الله ﷿ بها طالبناه بالدليل الدال على نفيه؛ لأنه أمر غيبي لا يمكن الاطلاع عليه إلا عن طريق الوحي".
الحال الثالث: ما لم يأت بها نفي ولا إثبات في لفظه، ولكن ورد بمعناه ما يدل عليه، كالعروج الذي يدل على الصعود والارتفاع، فإننا نثبت المعنى، ولا نستعمل اللفظ في حقه تعالى وقوفا مع النص.
ولقد فصل شيخ الإسلام ابن تيمية الكلام على النوع الثاني من الصفات المسكوت عنها "وهي التي لم ترد لا نفيا ولا إثباتا وليس فيها كمالا ولا نقص"
قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن مذهب أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات: "فيما لم يرد نفيه ولا إثباته مما تنازع الناس فيه كالجسم والحيز والجهة
[ ٢ / ٩٤٧ ]
ونحو ذلك، فطريقتهم فيه التوقف في لفظه، فلا يثبتونه ولا ينفونه لعدم ورود ذلك، وأما معناه فيستفصلون عنه فإن أريد به باطل يُنزه الله عنه ردوه، وإن أريد به حق لا يمتنع على الله قبلوه).
فيقتصرون في ذلك على ما ورد، فلا يثبتون ولا ينفون إلا بالألفاظ الشرعية التي أثبتها أو نفاها الشارع، وإذا تكلم بغيرها استفسر واستفصل، فإن وافق المعنى الذي أثبته الشرع أثبته باللفظ الشرعي، فاعتصموا بالشرع ألفاظًا ومعني، وهذه سبيل من اعتصم بالعروة الوثقي.
لكن ينبغي أن يعرف الأدلة الشرعية إسناد ومتنًا؛ فالقرآن معلوم ثبوت ألفاظه، فينبغي أن يعرف وجوه دلالته، والسنة ينبغي معرفة ما ثبت منها وما علم أنه كذب.
وقد يتذرع البعض بإثبات بعض الصفات بدعوى أنها جاءت في أحاديث عن النبي ﷺ ويتمسك بها رغم أنها جاءت من طرق واهية باطله، وهذه هي أحد جنايات الأحاديث الضعيفة والموضوعة والإسرائيليات التي ابتلينا بها وغزت الكثير من كتب القصص والأخبار حتى كتب التفسير والحديث.
قال ابن تيمية: "فإن طائفة ممن انتسب إلى السنة، وعظم السنة والشرع، وظنوا أنهم اعتصموا في هذا الباب بالكتاب والسنة، جمعوا أحاديث وردت في الصفات، منها ما هو كذب معلوم أنه كذب، ومنها ما هو إلى الكذب أقرب، ومنها ما هو إلى الصحة أقرب، ومنها متردد، وجعلوا تلك الأحاديث عقائد، وصنفوا مصنفات، ومنهم من يكفر من يخالف ما دلت عليه تلك الأحاديث (^١).
وأعطى ابن تيمية أمثلة على هذا القسم فقال: "وهذه الأحاديث قد ذكر بعضها القاضي أبو يعلى في كتاب "إبطال التأويل"، مثل ما ذكر في حديث المعراج حديثًا
_________________
(١) انظر دقائق التفسير الجامع لتفسير الإمام ابن تيمية ٥/ ٢٥٥ - ٢٥٦.
[ ٢ / ٩٤٨ ]
طويلًا عن أبي عبيدة أن محمدًا رأى ربه. (^١)
وطائفة ممن يقول بأنه رأى ربه بعينه يكفرون من خالفهم لما ظنوا أنه قد جاء في ذلك أحاديث صحيحة، كما فعل أبو الحسن علي بن شكر، فإنه سريع إلى تكفير من يخالفه لما يدعيه من السنة، وقد يكون مخطئًا فيه، إما لاحتجاجه بأحاديث ضعيفة، أو بأحاديث صحيحة لكن لا تدل على مقصوده، وما أصاب فيه من السنة لا يجوز تكفير كل من خالف فيه. فليس كل مخطاء كافرًا لاسيما في المسائل الدقيقة التي كثر فيها نزاع الأمة، كما قد بسط في مواضع.
وكذالك أبو علي الأهوازي (^٢) له مصنف في الصفات قد جمع فيه الغث والسمين.
وكذلك ما يجمعه عبد الرحمن بن مندة (^٣) مع أنه من أكثر الناس حديثأ، لكن يروي شيئًا كثيرًا من الأحاديث الضعيفة، ولا يميز بين الصحيح والضعيف. وربما جمع بابًا وكل أحاديثه ضعيفة، كأحاديث أكل الطين وغيرها، وهو يروي عن أبي علي الأهوازي.
وقد رفع ما رواه من الغرائب الموضوعة إلى حسن بن عدي (^٤) فبنى على ذلك
_________________
(١) انظر دقائق التفسير الجامع لتفسير الإمام ابن تيمية ٥/ ٢٥٥ - ٢٥٦.
(٢) هو الحسن بن علي بن إبراهيم بن يزداد بن الأستاذ أبو علي الأهوازي المقراء، صاحب التصانيف ومقراء الشام. قرأ عل جماعة لا يعرفون إلا من جهته وروي الكثير وصنف كتابًا في الصفات لو لم يجمعه لكان خيرًا له، فإنه أتى فيه بموضوعات وفضائح توفي سنة ٤٤٦ هـ. من ميزان الاعتدال، قال المصنف: كان من السالمية.
(٣) هو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق بن مندة العبدي الإمام الحافظ بن الحافظ الكبير أبي عبد الله بن مندة، صاحب التصانيف، المتوفي سنة ٤٧٠ هـ وقد ذكر المصنف قوله بخلو العرش بطوله والجواب عنه في شرح حديث النزول، وتقدمت الإشارة إليه.
(٤) هو شمس الدين الحسن بن عدي بن أبي البركات بن صخر بن مسافر حفيد أبي البركات أخي الشيخ عدي، شيخ العدوية الأكراد، له تصانيف في التصوف وشعر كثير وأتباع يبالغون فيه للغاية، قتل خنقًا سنة ٦٤٤.
[ ٢ / ٩٤٩ ]
عقائد باطلة، وادعى أن الله يري في الدنيا عيانًا.
ثم الذين يقولون بهذا من أتباعه يكفرون من خالفهم، وهذا كما تقدم من فعل أهل البدع، كما فعلت الخوارج" (^١).
المتن
قال المصنف ﵀: "القاعدة السابعة- أن يقال: إن كثيرا مما دل عليه السمع يُعلم بالعقل أيضا، والقرآن يبين ما يستدل به العقل، ويرشد إليه، وينبه عليه، كما ذكر الله ذلك في غير موضع؛ فإنه ﷾ بيّن من الآيات الدالة عليه، وعلى وحدانيته، وقدرته، وعلمه وغير ذلك، ما أرشد العباد إليه ودلهم عليه، كما بيّن أيضا ما دل على نبوة أنبيائه، وما دل على المعاد وإمكانه".
الشرح
لما فرغ المصنف ﵀ من بيان القاعدة السادسة وهي: (قاعدة القدر المشترك والقدر المميز) شرع هنا في بيان القاعدة السابعة، وهي: (دلالة العقل على كثير مما دل عليه السمع).
التعريف بهذه القاعدة:
هذه القاعدة معناها: أن كثيرًا مما دلت عليه الأدلة السمعية يثبت أيضًا بالأدلة العقلية، والقرآن اشتمل على ما يستدل به العقل، وأرشد إليه، وما الأمثال التي ضربها الله تعالى في القرآن إلا أقيسة عقلية.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٣/ ١٩١ - ١٩٢.
[ ٢ / ٩٥٠ ]
فالقرآن الكريم قد بيّن من الدلائل العقلية التي تعلم بها المطالب الدينية ما لا يوجد مثله في كلام أئمة النظر، فتكون هذه المطالب شرعية عقلية.
ولكن هذا لا يعني أن الأدلة العلقلية تستقل بوحدها في إثبات الصفات، "فالأصل في هذا الباب (^١)، أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رسله: نفيًا وإثباتًا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وينفى عنه ما نفاه عن نفسه» (^٢).
وقال ابن تيمية -﵀-: «وباب الأسماء والصفات يُتَّبَع فيها الألفاظ الشرعية، فلا نطلق إلا ما يرد به الأثر» (^٣).
وقال أيضًا: «ومن الوجوه الصحيحة أن معرفة الله بأسمائه وصفاته على وجه التفصيل لا تعلم إلا من جهة الرسول ﵊، إما بخبره وإما بخبره وتنبيهه ودلالته على الأدلة العقلية، ولهذا يقولون لا نصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ قال الله تعالى ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات الآيات ١٨٠ - ١٨٢]». (^٤).
وقال -﵀-: «ومعلوم أن الوصف بالنفي كالوصف بالإثبات» (^٥). أي يحتاج فيهما إلى دليل من الكتاب والسنة.
وإنما المقصود أن الأدلة السمعية اشتملت على أدلة عقلية تدل على أثبات صفات الكمال لله وعلى تنزيهه من كل نقص، وهذا ما سيؤكده المصنف في أثناء بيان هذه القاعدة.
_________________
(١) وهو باب توحيد الأسماء والصفات.
(٢) التدمرية ص (٦ - ٧).
(٣) قاعدة في المحبة، ضمن جامع الرسائل (٢/ ٢٣٩).
(٤) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٢٤٨).
(٥) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٤٤).
[ ٢ / ٩٥١ ]
المتن
قال المصنف ﵀: "فهذه المطالب هي شرعية من جهتين:
• من جهة أن الشارع أخبر بها.
• ومن جهة أنه بيّن الأدلة العقلية التي يستدل بها عليها.
- والأمثال المضروبة في القرآن هي أقيسة عقلية، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع -
وهي أيضا عقلية من جهة أنها تعلم بالعقل أيضا".
قال شيخ الإسلام -﵀-: «ودلالة القرآن على الأمور نوعان:
١ - أحدهما: خبر الله الصادق، فما أخبر الله ورسوله به فهو حق كما أخبر الله به.
٢ - والثاني: دلالة القرآن بضرب الأمثال وبيان الأدلة العقلية الدالة على المطلوب، فهذه دلالة شرعية عقلية، فهي «شرعية»؛ لأن الشرع دلَّ عليها، وأرشد إليها، و«عقلية»؛ لأنها تعلم صحتها بالعقل، ولا يقال: إنها لم تعلم إلا بمجرد الخبر.
وإذا أخبر الله بشيء، ودلَّ عليه بالدلالات العقلية، صار مدلولًا عليه بخبره، ومدلولًا عليه بدليله العقلي الذي يعلم به، فيصير ثابتًا بالسمع والعقل، وكلاهما يدخل في دلالة القرآن التي تسمى: "الدلالة الشرعية"» (^١).
فلما كان العقل أداة للفهم والإدراك، وما أودع الله فيه من قوة الاستدلال والنظر والمقايسة، جرى استعماله في العقائد لتأييد دلالة الشرع، وقد تضمن الكتاب والسنة
_________________
(١) تفصيل الإجمال فيما يجب لله من صفات الكمال، ضمن مجموعة الرسائل والمسائل (٥/ ١٩٥ - ١٩٦)، وانظر: درء تعارض العقل والنقل (٩/ ٣٩)، مجموع الفتاوى (٩/ ١٤١ - ١٤٢)، بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٥٣٦).
[ ٢ / ٩٥٢ ]
جملة من المقاييس العقلية، التي هي بمثابة مقدمات منطقية للوصول إلى النتائج التي جاء بها الشرع، والأمثال المضروبة في القرآن والسنة هي نوع من هذه الأقيسة العقلية (^١)، جاءت لتأكيد مسألة اتفاق العقل الصريح مع النقل الصحيح، فاجتمعت فيها دلالة العقل ودلالة الشرع (^٢).
وخلاصة القول: أن العقل يدل على بعض صفات الله ﷾ كما يدل السمع أيضًا، بل إن هناك قواعد عقلية لإثبات صفات الله تعالى، ومن هذه القواعد ما سيأتي تفصيله.
المتن
قال المصنف ﵀: "وكثير من أهل الكلام يسمي هذه «الأصول العقلية» لاعتقاده أنها لا تعلم إلا بالعقل فقط؛ فإن السمع هو مجرد إخبار الصادق وخبر الصادق- الذي هو النبي- لا يعلم صدقه إلا بعد العلم بهذه الأصول بالعقل".
الشرح
بعض أهل البدع ليس لهم متمسك في النصوص أصلًا؛ كنفاة الصفات على اختلاف أنواعهم؛ فهم لا يعتمدون النص أساسًا وأصلًا، وإنما يعتمدون العقل والرأي الذي أحدثوه وابتدعوه، وبالتالي هم لا يعتقدون ولا يعتمدون على النصوص، وإنما يعتمدون على أُسسهم المنطقية الفلسفية، وهؤلاء يأتون إلى نصوص القرآن ويحاولوا أن يُشككوا فيها.
وذكر ابن القيم أن جميع الفرق الإسلامية قبل الجهمية، إذا تؤملت أصولهم،
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (٣/ ٣٠٥).
(٢) انظر: مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات ص (٤٨٠).
[ ٢ / ٩٥٣ ]
وجدت أنها كلها متفقة على تقديم الوحي على العقل، فلم يؤسسوا مقالاتهم على ما أسسها المتكلمون، من تقديم عقولهم على نصوص الوحي (^١).
ويؤيد هذا ما حكاه الشهرستاني والصفدي عن الجهم أنه موافق للمعتزلة في إيجاب المعارف بالعقل قبل ورود الشرع (^٢).
ويقول ابن أبي العز: «ولا شكَّ أن مشايخ المعتزلة وغيرهم من أهل البدع معترفون بأن اعتقادهم في التوحيد والصفات والقدر لم يتلقوه لا عن كتاب ولا عن سنة، ولا عن أئمة الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإنما يزعمون أن عقلهم دلَّهم عليه» (^٣).
ولا ريب أن عقيدة لم يأخذها صاحبها لا من الكتاب ولا من السنة، ولا من فهم أئمة الصحابة والتابعين لا ريب أنها عقيدة إبليسيَّة مستقاة من منهج إبليسيٍّ،
_________________
(١) انظر: الصواعق المرسلة لابن القيم (٣/ ٨٢١).
(٢) الملل والنحل (١/ ٧٤)، و: الوافي بالوفيات (١١/ ١٩٠ - ١٩١). وهذه الجملة تحتمل معاني عدة: الأول: القول بالتحسين والتقبيح العقليين، كما هو قول المعتزلة. الثاني: وجوب معرفة الله تعالى بالعقل، بمعنى أن من لم يعرف الله قبل ورود الشرع فهو آثم ويستحق العذاب. وهذا هو أقوى الاحتمالات، لأن مسألة وجوب معرفة الله تعالى، أهو عقلي أم شرعي؟ من أشهر مسائل علم الكلام. الثالث: أن هذه الجملة تشير إلى منهج جهم العام في تقديم العقل على النقل. وهذا، وإن كان أضعف من الاحتمال الأول والثاني، إلا أنه لازمه. الرابع: حصول معرفة الله تعالى بالعقل، بمعنى أن معرفة الله تعالى أمر عقلي. وهذا الرابع -وإن كان يقول به الجهم-إلا أنه ليس مراد الشهرستاني، بدليل أنه قال إن جهما (موافق للمعتزلة) في هذا الأمر، مخالف للأشعرية، كما يدل السياق على ذلك. فالأشاعرة وافقوا المعتزلة في قولهم إن معرفة الله تعالى أمر عقلي، ولكنهم خالفوهم في وجوب المعرفة: هل هو شرعي أم عقلي؟ فثبت أن هذا المعنى الرابع ليس مرادًا للشهرستاني، والله أعلم.
(٣) -شرح العقيدة الطحاوية ص ١١٥.
[ ٢ / ٩٥٤ ]
ليست بأفضل من عقيدة أبي جهل وأضرابه كما قال الحافظ الذهبي: «وإذا رأيت المتكلم المبتدع يقول دعنا من الكتاب وأحاديث الآحاد وهات العقل فاعلم أنه أبو جهل» (^١).
«ومعلوم أن أئمة الجهمية النفاة والمعتزلة وأمثالهم من أبعد الناس عن العلم بمعاني القرآن والأخبار وأقوال السلف، وتجد أئمتهم من أبعد الناس عن الاستدلال بالكتاب والسنة.
وإنما عمدتهم في الشرعيات على ما يظنونه إجماعا، مع كثرة خطئهم فيما يظنونه إجماعًا، وليس بإجماع. وعمدتهم في أصول الدين على ما يظنونه عقليات، وهي جهليات» (^٢).
قال ابن تيمية: "الْمُثْبِتَ مُعْتَصِمٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْآثَارِ وَمَعَهُ مِنْ الْمَعْقُولَاتِ الصَّرِيحَةِ الَّتِي تُبَيِّنُ صِحَّةَ قَوْلِهِ وَفَسَادَ قَوْلِ مُنَازِعِهِ مَا لَا يَتَوَجَّهُ إلَيْهَا طَعْنٌ صَحِيحٌ.
وَأَمَّا النَّافِي فَلَيْسَ مَعَهُ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَلَا حَدِيثٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا قَوْلُ أَحَدٍ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَإِنَّمَا مَعَهُ مُجَرَّدُ رَأْيٍ يَزْعُمُ أَنَّ عَقْلَهُ دَلَّ عَلَيْهِ؛ وَمُنَازِعُهُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْعَقْلَ إنَّمَا دَلَّ عَلَى نَقِيضِهِ وَأَنَّ خَطَأَهُ مَعْلُومٌ بِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ بِصَحِيحِ الْمَنْقُولِ" (^٣)
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٧٢
(٢) من كلام شيخ الإسلام في درء التعارض (٧/ ٢٩).
(٣) مجموع الفتاوى ١٧/ ٨٠
[ ٢ / ٩٥٥ ]
المتن
قال المصنف ﵀: "ثم إنهم قد يتنازعون في الأصول التي يتوقف إثبات النبوة عليها:
فطائفة تزعم أن تحسين العقل وتقبيحه داخل في هذه الأصول، وأنه لا يمكن إثبات النبوة بدون ذلك، ويجعلون التكذيب بالقدر مما ينفيه العقل. وطائفة تزعم أن حدوث العالم من هذه الأصول، وأن العلم بالصانع لا يمكن إلا بإثبات حدوثه، وإثبات حدوثه لا يمكن إلا بحدوث الأجسام، وحدوثها يُعلم إما بحدوث الصفات، وإما بحدوث الأفعال القائمة بها، فيجعلون نفي أفعال الرب، ونفي صفاته من الأصول التي لا يمكن إثبات النبوة إلا بها.
ثم هؤلاء لا يقبلون الاستدلال بالكتاب والسنة على نقيض قولهم، لظنهم أن العقل عارض السمع- وهو أصله- فيجب تقديمه عليه، والسمع إما أن يؤوَّل، وإما أن يُفوَّض.
وهم أيضا عند التحقيق لا يقبلون الاستدلال بالكتاب والسنة على وفق قولهم، لما تقدم.
وهؤلاء يضلون من وجوه:
منها ظنهم أن السمع بطريق الخبر تارة، وليس الأمر كذلك، بل القرآن بيّن من الدلائل العقلية التي تعلم بها المطالب الدينية ما لا يوجد مثله في كلام أئمة النظر، فتكون هذه المطالب شرعية عقلية.
ومنها ظنهم أن الرسول لا يعلم صدقه إلا بالطريق المعينة التي سلكوها، وهم مخطئون قطعا في انحصار طريق تصديقه فيما ذكروه، فإن طرق العلم بصدق الرسول
[ ٢ / ٩٥٦ ]
كثيرة، كما قد بسط في غير هذا الموضع.
ومنها ظنهم أن تلك الطريق التي سلكوها صحيحة، وقد تكون باطلة.
ومنها ظنهم أن ما عارضوا به السمع معلوم بالعقل، ويكونون غالطين في ذلك، فإنه إذا وزن بالميزان الصحيح وجد ما يعارض الكتاب والسنة من المجهولات لا من المعقولات، وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع".
الشرح
قوله: "ثم إنهم قد يتنازعون في الأصول التي يتوقف إثبات النبوة عليها"
فهم يجعلون العقل هو الأصل في إثبات وجود الله تعالى، ويجعلون العقل هو الأصل في إثبات نُبُوَّة النبي -ﷺ-، فبالتالي جعلوا من العقل أصلًا يعتمدون عليه ويرجعون إليه في هذين البابين.
فبعد هذا، على زعمهم الشرع جاء وَتَفَرَّعَ عن هذا الأصل-أي عن العقل-فإنه إذا أُثبتت نُبُوَّة النبي أثبت ما جاء به النبي، فبالتالي عندهم إثبات ما جاء به النبي متوقفٌ على إثبات نُبُوَّة النبي، وإثبات نُبُوَّة النبي متوقف على العقل.
فالعقل عندهم هو الأصل، وتفرع عنه إثبات نُبُوَّة النبي، ثم تفرع عنه إثبات ما جاء به النبي الذي هو الوحي.
فعلى هذا الترتيب عندهم أنه ما دام العقل هو الأصل وما جاء به النبي -ﷺ- هو الفرع، فلو أنك قدَّمت ما جاء به النبي -ﷺ- فإنك بذلك أبطلت الأصل.
«وإبطال الأصل بالفرع فيه إبطالٌ للأصل والفرع» (^١)، هكذا يرتِّبون هذا الترتيب المنطقي الفلسفي، فعلى هذا الترتيب قالوا يستحيل أن يُقَدَّم النقل على العقل.
_________________
(١) انظر كتاب أساس التقديس لفخر الدين الرازي صفحة (٢٢٠).
[ ٢ / ٩٥٧ ]
فعلى زعمهم ما بقي عندهم إلا خيارٌ واحد: أن يقدم العقل على النقل، فهذا أساس ما يسمَّى عندهم بقانون التأويل، الذي من خلاله بعد ذلك طعنوا في النصوص ثبوتًا ودلالة، فحكموا بقطعية العقل، وأما النقل فهو ظنيّ على حد زعمهم، ثم حكموا على الآحاد منها - أي من النصوص - بأنها لا تُقْبَلُ ولا تُعْتَمَدُ في باب الاعتقاد.
وقوله: "فطائفة تزعم أن تحسين العقل وتقبيحه داخل في هذه الأصول، وأنه لا يمكن إثبات النبوة بدون ذلك، ويجعلون التكذيب بالقدر مما ينفيه العقل".
ويعني بهم هنا المعتزلة فقد رتب المعتزلة على القول بالحسن والقبح العقليين أن الإنسان مكلف قبل ورود الشرع بما دل عليه العقل، كوجوب شكر المنعم، ومكلف بمحاسن الأخلاق.
كما بني المعتزلة على القول بالحسن والقبح الذاتيين للفعل وجوب بعض الأمور على الله تعالى؛ لأن تركها قبيح ومخل بالحكمة، ومن ذلك وجوب الصلاح والأصلح للعباد، ووجوب اللطف والثواب للمطيع، والعقاب للعاصي، وغير ذلك.
قال الشهرستاني: "وقال أهل العدل-ويعني بهم المعتزلة-: المعارف كلها معقولة بالعقل، واجبة بنظر العقل، وشكر المنعم واجب قبل ورود السمع، والحسن والقبح صفتان ذاتيتان للقبيح".
كما حكى عن أبي الهذيل العلاف المعتزلي قوله: "إنه يجب على المكلف أن يعرف الله تعالى بالدليل من غير خاطر، وإن قصر في المعرفة استوجب العقوبة.
كما يجب عليه أن يعلم حسن الحسن وقبح القبيح، فيجب عليه الالتزام بالحسن كالصدق والعدل، والإعراض عن القبيح كالكذب والجور" (^١).
_________________
(١) الشهرستاني، «الملل والنحل» (١/ ٥٢).
[ ٢ / ٩٥٨ ]
أول من اشتهر عنه بحث موضوع التحسين والتقبيح هو الجهم بن صفوان الذي وضع قاعدته المشهورة: "إيجاب المعارف بالعقل قبل ورود الشرع" (^١)، وبني على ذلك أن العقل يوجب ما في الأشياء من صلاح وفساد، وحسن وقبح، وهو يفعل هذا قبل نزول الوحي، وبعد ذلك يأتي الوحي مصدقا لما قال به العقل من حسن بعض الأشياء وقبح بعضها، وقد أخذ المعتزلة بهذا القول ووافقهم عليه الكرامية (^٢).
ومن ثم وقع الخلاف حوله على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الحسن والقبح صفتان ذاتيتان في الأشياء، والحاكم بالحسن والقبح هو العقل، والفعل حسن أو قبيح إما لذاته، وإما لصفة من صفاته لازمة له وإما لوجوه واعتبارات أخرى، والشرع كاشف ومبين لتلك الصفات فقط.
وهذا هو مذهب المعتزلة والكرامية ومن قال بقولهم من الرافضة والزيدية وغيرهم (^٣).
القول الثاني: أنه لا يجب على الله شيء من قبل العقل، ولا يجب على العباد شيء قبل ورود السمع، فالعقل لا يدل على حسن شيء، ولا على قبحه قبل ورود الشرع، وفي حكم التكليف، وإنما يتلقى التحسين والتقبيح من موارد الشرع وموجب السمع. قالوا: ولو عكس الشرع فحسن ما قبحه، وقبح ما حسنه لم يكن ممتنعا.
_________________
(١) «الملل والنحل» (١/ ٨٨) ت كيلاني.
(٢) نظر: «نشأة الفكر الفلسفي للنشار» (١/ ٣٤٦)، و«التجسيم عند المسلمين - مذهب الكرامية» سهير مختار (ص: ٣٦٣).
(٣) انظر «المغني» لعبدالجبار (جـ ٦ - القسم الأول - ص: ٢٦ - ٣٤، ٥٩ - ٦٠)، و«المعتمد في أصول الفقه» لأبي الحسين البصري (١/ ٣٦٣)، و«البحر الزخار» لابن المرتضي (١/ ٥٩)، و«العقل عند المعتزلة» (ص: ٩٨ - ١٠٠)، و«المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية» (ص: ١٣٧).
[ ٢ / ٩٥٩ ]
وهذا قول الأشاعرة ومن وافقهم (^١).
القول الثالث: التفصيل، لأن إطلاق التحسين والتقبيح على كل فعل من جهة العقل وحده دون الشرع، أو نفي أي دور للعقل في تحسين الأفعال أو تقبيحها، غير صحيح، ويوضح شيخ الإسلام ابن تيمية مذهب أهل الحق في هذا توضيحا كاملا، فيقسم الأفعال إلى ثلاثة أنواع:
"أحدها: أن يكون الفعل مشتملا على مصلحة أو مفسدة، ولو لم يرد الشرع بذلك، كما يعلم أن العدل مشتمل على مصلحة العالم، والظلم يشتمل على فسادهم، فهذا النوع هو حسن أو قبيح، وقد يعلم بالعقل والشرع قبح ذلك، لا أنه ثبت للفعل صفة لم تكن، لكن لا يلزم من حصول هذا القبح أن يكون فاعله معاقبًا في الآخرة إذا لم يرد شرع بذلك، وهذا ما غلط فيه غلاة القائلين بالتحسين والتقبيح، فإنهم قالوا: إن العباد يعاقبون على أفعالهم القبيحة، ولو لم يبعث الله إليهم رسولا، وهذا خلاف النص، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥ …]
النوع الثاني: أن الشارع إذا أمر بشيء صار حسنا، وإذا نهى عن شيء صار قبيحا، واكتسب الفعل صفة الحسن والقبح بخطاب الشارع.
النوع الثالث: أن يأمر الشارع بشيء يمتحن العبد، هل يطيعه أم يعصيه، ولا يكون المراد فعل المأمور به، كما أمر إبراهيم بذبح ابنه﴾ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] حصل المقصود، ففداه بالذبح وكذلك حديث الأبرص والأقرع والأعمى، فلما أجاب الأعمى قال الملك: «أمسك عليك مالك، فإنما ابتليتم، فرضي عنك وسخط على صاحبيك» (^٢)، فالحكمة منشؤها من نفس الأمر
_________________
(١) انظر «الإرشاد» (ص: ٢٥٨ وما بعدها)، و«المحصل» للرازي (ص: ٢٠٢)، و«شرح المواقف» (٨/ ١٨١ - ١٨٢).
(٢) رواه البخاري (٣٤٦٤)، ومسلم (٢٩٦٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ٩٦٠ ]
لا من نفس المأمور به.
وهذا النوع والذي قبله لم يفهمه المعتزلة، وزعمت أن الحسن والقبح لا يكون إلا لما هو متصف بذلك بدون أمر الشارع.
والأشعرية ادعوا أن جميع الشريعة من قسم الامتحان، وأن الأفعال ليست صفة لا قبل الشرع ولا بالشرع.
وأما الحكماء والجمهور فأثبتوا الأقسام الثلاثة، وهو الصواب" (^١).
وشيخ الإسلام يزيد الأمر تحقيقا فيبين أن التحسين والتقبيح قسمان:
أحدهما: كون الفعل ملائمًا للفاعل نافعًا له، أو كونه ضارًا له منافرًا فهذا قد اتفق الجميع على أنه قد يعلم بالعقل (^٢).
الثاني: كونه سببا للذم والعقاب، فهذا هو الذي وقع فيه الخلاف:
• فالمعتزلة قالوا قبح الظلم والشرك والكذب والفواحش معلوم بالعقل، ويستحق عليها العذاب في الآخرة وإن لم يأت رسول.
• والأشاعرة قالوا: لا حسن ولا قبح ولا شر قبل مجيء الرسول، وإنما الحسن ما قيل فيه افعل، والقبيح ما قيل لا تفعل. ولم يجعلوا أحكام الشرع معللة، وهذا يوافق مذهبهم في التعليل.
• جمهور أهل السنة قالوا: الظلم والشرك والكذب والفواحش كل ذلك قبيح قبل مجيء الرسول، لكن العقوبة لا تستحق إلا بمجيء الرسول (^٣).
وقول المصنف: "وطائفة تزعم أن حدوث العالم من هذه الأصول، وأن العلم
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٨/ ٤٣٤ - ٤٣٦).
(٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (٨/ ٩٠، ٣٠٩ - ٣٠١)، و«منهاج السنة» (١/ ٣٦٤) - مكتبة الرياض الحديثة.
(٣) انظر: «مجموع الفتاوى» (٨/ ٦٧٧ - ٦٨٦، ١١/ ٦٧٦ - ٦٧٧).
[ ٢ / ٩٦١ ]
بالصانع لا يمكن إلا بإثبات حدوثه، وإثبات حدوثه لا يمكن إلا بحدوث الأجسام، وحدوثها يُعلم إما بحدوث الصفات، وإما بحدوث الأفعال القائمة بها، فيجعلون نفي أفعال الرب، ونفي صفاته من الأصول التي لا يمكن إثبات النبوة إلا بها".
الشبهة التي اعتمد عليها المعتزلة في نفي صفات الباري ﷿ تسمى بطريقة الأعراض، ذلك أنهم يزعمون أن الصفات إنما هي أعراض، والأعراض لا تقوم إلا بجسم، والأجسام حادثة، والله منزه عن الحوادث، ومن أجل ذلك كان قول المعتزلة في الله: إنه قديم واحد ليس معه في القدم غيره، فلو قامت به الصفات لكان معه غيره (^١) ولكان جسمًا إذ إن ثبوت الصفات يقتضي كثرة وتعددًا في ذاته ويقتضي أنه جسم وذلك خلاف التوحيد.
فهم يزعمون أن توحيد الله وتنزيهه متوقف على أنه ليس بجسم، وكونه ليس بجسم موقوف على عدم قيام الأعراض والحوادث به التي هي الصفات والأفعال، ونفي ذلك عندهم موقوف على ما يدل عليه حدوث الأجسام، والذي دلهم على حدوث الأجسام أنها لا تخلو من الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث لا يسبقها، وما لا يسبق الحوادث فهو حادث.
ويزعمون أيضًا أن الأجسام لا تخلو من الأعراض، والأعراض لا تبقى زمانين فهي حادثة، فإذا لم تخل الأجسام منها لزم حدوثها.
ويزعمون أيضًا أن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة، والمركب مفتقر إلى جزئيه وجزءاه غيره، وما افتقر إلى غيره لم يكن إلا حادثًا مخلوقًا، فالأجسام متماثلة
_________________
(١) بالإضافة إلى زعم المعتزلة أن الصفات لا تقوم إلا بأجسام، فهم أيضًا يزعمون أن في إثبات الصفات قول بكثرة وتعدد ذات الله، لأنهم يقولون: (إن من أثبت لله صفة أزلية قديمة فقد أثبت إلهين)، كما اعتقدوا أن الصفات لو شاركته في القدم لشاركته في الألوهية. انظر الملل للشهرستاني (١/ ٤٤ - ٤٦)، مقالات الإسلاميين (١/ ٢٤٥)، منهاج السنة (٢/ ١٦٩).
[ ٢ / ٩٦٢ ]
فكل ما صح على بعضها صح على جميعها، وقد صح على بعضها التحليل والتركيب والاجتماع والافتراق فيجب أن يصح على جميعها (^١).
والمعتزلة يقولون إننا بهذا الطريق أثبتنا حدوث العالم ونفي كون الصانع جسمًا وإمكان المعاد.
وقول المصنف: "ثم هؤلاء لا يقبلون الاستدلال بالكتاب والسنة على نقيض قولهم، لظنهم أن العقل عارض السمع- وهو أصله- فيجب تقديمه عليه، والسمع إما أن يؤوَّل، وإما أن يُفوَّض.
وهم أيضا عند التحقيق لا يقبلون الاستدلال بالكتاب والسنة على وفق قولهم، لما تقدم".
أي أنهم بنوا أصول مسائل الاعتقاد على عقولهم وفلسفتهم ومنطقهم، ولم يبنوا أصل هذه المسألة على كتاب أو على سُنَّة، وإن شئت فانظر في كتبهم، لن تجد لهم دليلًا من الكتاب أو السُنَّة في هذه المسائل، بل إنهم لا يقبلون هذا.
ولذلك هم أسَّسوا ما يسمَّى «قانون التأويل»، وقانون التأويل يقول: «إذا تعارض العقل والنقل فأيهما يقدم؟» فقالوا بالترتيب المنطقي - قالوا: «إما أن يُجْمَعَ بين الأمرين» (^٢)، أي نأخذ بالعقل والنقل وهذا لا يمكن؛ لأن العقل مثلًا يقول: لا، والنقل يقول: نعم، فكيف تجمع بين لا ونعم في وقت واحد؟ هل هذا يمكن؟ فقالوا: «لا يمكن الجمع بين النقيضين أو الجمع بين الضدين» (^٣).
المقصود بـ «النقيضين» أو بـ «الضدين» أن أحدهما يقول: «لا» والثاني يقول: «نعم»، فلئن كان النص يقول للعلوِّ: «نعم»، أو للاستواء «نعم»، فإن عقولهم تقول:
_________________
(١) انظر مختصر الصواعق (١/ ٢٥٤).
(٢) انظر كتاب أساس التقديس لفخر الدين الرازي صفحة (٢٢٠).
(٣) انظر المصدر السابق.
[ ٢ / ٩٦٣ ]
«لا»، فقالوا: «يستحيل الجمع بين الضدين ويستحيل ترك الأمرين» (^١) أي أن نترك العقل والنقل.
وقالوا بعد ذلك: «إما أن يقدم العقل على النقل أو يقدم النقل على العقل» (^٢) فقالوا: «لو قدمنا النقل على العقل»، فعلى حد زعمهم، العقل هو الأصل والنقل فرع، فيقولون: «تقديم الفرع على الأصل فيه إبطالٌ للأصل والفرع».
انظر ترتيبهم! قالوا: «لو قدمنا النقل على العقل فإن في ذلك إبطال للأصل والفرع» (^٣) لأن النقل فرع والعقل أصل.
وقول المصنف: "وهؤلاء يضلون من وجوه:
منها ظنهم أن السمع بطريق الخبر تارة، وليس الأمر كذلك، بل القرآن بيّن من الدلائل العقلية التي تعلم بها المطالب الدينية ما لا يوجد مثله في كلام أئمة النظر، فتكون هذه المطالب شرعية عقلية".
هذه المسألة هي التي شرحها المصنف في هذه القاعدة وقد تقدم الكلام عليها ورد دعوى من زعم أن النصوص الشرعية لم تشتمل على الأدلة العقلية، وأكد المصنف هنا أن النصوص الشرعية اشتملت على الكثير من الدلائل العقلية التي تعلم بها المطالب الدينية بما لا يوجد مثله في الطرق التي استخدمها أئمة أهل الكلام، وأن الأدلة الشرعية منها ما هو شامل للأمرين الشرعي والعقلي.
وقول المصنف: "ومنها ظنهم أن الرسول لا يعلم صدقه إلا بالطريق المعينة التي سلكوها، وهم مخطئون قطعا في انحصار طريق تصديقه فيما ذكروه، فإن طرق العلم بصدق الرسول كثيرة، كما قد بسط في غير هذا الموضع".
_________________
(١) انظر المصدر السابق.
(٢) انظر كتاء درء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام ابن تيمية الجزء الأول صفحة (٤).
(٣) انظر المصدر السابق.
[ ٢ / ٩٦٤ ]
فهم يجعلون العقل هو الأصل في إثبات وجود الله تعالى، ويجعلون العقل هو الأصل في إثبات نُبُوَّة النبي -ﷺ-، فبالتالي جعلوا من العقل أصلًا يعتمدون عليه ويرجعون إليه في هذين البابين.
فبعد هذا، على زعمهم الشرع جاء وَتَفَرَّعَ عن هذا الأصل-أي عن العقل-فإنه إذا أُثبتت نُبُوَّة النبي أثبت ما جاء به النبي.
فالعقل عندهم هو الأصل، وتفرع عنه إثبات نُبُوَّة النبي، ثم تفرع عنه إثبات ما جاء به النبي الذي هو الوحي.
فعلى هذا الترتيب عندهم أنه مادام العقل هو الأصل وما جاء به النبي -ﷺ- هو الفرع، فلو أنك قدَّمت ما جاء به النبي -ﷺ- فإنك بذلك أبطلت الأصل.
«وإبطال الأصل بالفرع فيه إبطالٌ للأصل والفرع» (^١)، هكذا يرتِّبون هذا الترتيب المنطقي الفلسفي.
قال ابن تيمية: "وإذا قال القائل الرسول ﷺ إنما عرف صدقه بأدلة عقلية، وأنه لابد له من الأدلة العقلية؛ فهذا صحيح لكن تلك الأدلة العقلية التي بها يعرف صدق الرسل هي مما بينه الرسول ﷺ وأرشد إليها القرآن على أحسن الوجوه وأكملها.
قال الشيخ صالح آل الشيخ: "ونبوة الأنبياء أو رسالة الرسل بما تَحْصُل؟ وكيف يُعْرَفُ صدقهم؟ وما الفرق ما بين النبي والرسول وبين عامة الناس أو من يَدَّعِي أَنَّهُ نبي أو رسول أو من يأتي بالأخبار المغيبة أو يجري على يديه شيء من الخوارق؟
والجواب عن ذلك: أنَّ المتكلمين في العقائد نظروا في هذا على جهات من النظر.
ونُقَدِّمُ قول غير أهل السنة، ونُبَيِّنْ لكم قول السلف وأهل السنة والجماعة في
_________________
(١) انظر كتاب أساس التقديس لفخر الدين الرازي صفحة (٢٢٠).
[ ٢ / ٩٦٥ ]
هذه المسألة العظيمة.
وهي من المسائل التي يقل تقريرها في كتب الاعتقاد مُفَصَّلَة.
فنقول: إنَّ طريقة إثبات نبوة الأنبياء وإرسال الرسل للناس فيه مذاهب:
- المذهب الأول: أنَّ الرسل والأنبياء لديهم استعدادات نفسية راجعة إلى القوى الثلاث والصفات الثلاث وهي السمع والبصر والقلب، فإنه يكون عنده قوة في سمعه، فيسمع الكلام؛ كلام الملأ الأعلى، وعنده قوة في قلبه، فيكون عنده تخيلات أو يتصور ما هو غير مرئي، وعنده بصر أيضا قوي يبصر ما لا يبصره غيره.
وهذه طريقة باطلة، وهي طريقة الفلاسفة الذين يجعلون النبوة من جهة الاستعدادات البشرية، لا من جهة أنها وحي وإكرام واصطفاء من الله ﷻ.
المذهب الثاني: قول من يقول إنَّ النبوة والرسالة طريق إثباتها والدليل عليها هو المعجزات.
وهذا قول المعتزلة والأشاعرة وطوائف من المتكلمين، وتبعهم ابن حزم وجماعة، وجعلوا الفرق ما بين النبي وغيره هو أنَّ النبي يجري على يديه خوارق العادات.
فمنهم من التزم -وهم المعتزلة وابن حزم- في أنَّه ما دام الفرق هو خوارق العادات وهي المعجزات فإذًا لا يُثْبَتُ خارقٌ لغير نبي.
فأنكروا السحر والكهانة، وأنكروا كرامات الأولياء، وأنكروا ما يجري من الخوارق؛ لأجل أن لا يلتبس هذا بهذا وجعلوا ذلك مجرد تخييل في كل أحواله.
وأما الأشاعرة فجعلوا المسألة مختلفة، وسيأتي تفصيلها في موضعها إن شاء الله عند كرامات الأولياء.
المذهب الثالث: هو مذهب أهل السنة والجماعة والسلف الصالح فيما قرره
[ ٢ / ٩٦٦ ]
أئمتهم وهو أنَّ النبوة والرسالة دليلها وبرهانها متنوع، ولا يُحصرُ القول بأنها من جهة المعجزات الحسية التي تُرى أو تجري على يدي النبي والولي.
فمن الأدلة والبراهين لإثبات النبوة والرسالة:
أولًا: الآيات والبراهين.
- ثانيًا: ما يجري من أحوال النبي في خَبَرِهِ وأمره ونهيه وقوله وفعله مما يكون دالاًّ على صدقه بالقطع.
- ثالثًا: أنَّ الله - ﷿ - ينصر أنبياءه وأولياءه ويمكِّن لهم ويخذل مدعي النبوة ويُبيد أولئك ولا يجعل لهم انتشارا كبيرا.
وهذه ثلاثة أصول (^١).
فالأدلة العقلية التي تستحق أن تسمى أدلة عقلية على المطالب العالية الإلهية وهي الإيمان بالرب تعالى والإيمان بكتبه ورسله والإيمان باليوم الآخر والعمل الصالح الذي به يسعد الناس وينجون من العذاب في الدنيا والآخرة قد دل عليه القرآن أحسن دلالة وبينه أحسن بيان بل ضرب الله في القرآن من كل مثل وجميع ما يذكره الناس في هذا الباب متكلمهم ومتفلسفهم ما كان فيه حقّا فقد جاء القرآن به وبأحسن منه على أكمل الوجوه بل ما جاءت به النبوات في التوراة والإنجيل من المطالب الإلهية جاء القرآن بها وما حرفها فكيف بالأمور التي تعرف بمجرد العقل من غير وحي من السماء في هذا الباب فإن معرفة هذه أيسر فإذا كان القرآن قد اشتمل على معاني الكتب فكيف لا يشتمل على هذه" (^٢)
وقد جاء الوحي مخاطبا عقول الناس وألبابهم، في إقامة الحجة عليهم فيما
_________________
(١) المصدر: شرح العقيدة الطحاوية للشيخ صالح آل الشيخ ضمن الموسوعة الشاملة.
(٢) بيان تلبيس الجهمية ٨/ ٥٢٩.
[ ٢ / ٩٦٧ ]
يلزمهم من أمور الاعتقاد ومنها عقيدة النبوة، وهذا أمر مجمع عليه بين كل من طالع نصوص الوحي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "جميع الطوائف - حتى أئمة الكلام والفلسفة - معترفون باشتمال ما جاءت به الرسل على الأدلة الدالة على معرفة الله وتصديق رسله " (^١)
والوحي في مخاطبته لعقول الناس، خاطبهم بأقرب الطرق إلى العقل وأسهلها؛ حيث يفهم حججه العامي قبل العالم، ويزداد الذكي والعالم يقينا، كلما ازداد مطالعة وتدبرا لها.
قال ابن القيم: " والله سبحانه حاج عباده على ألسن رسله وأنبيائه، فيما أراد تقريرهم به وإلزامهم إياه، بأقرب الطرق إلى العقل، وأسهلها تناولا، وأقلها تكلفا وأعظمها غناء ونفعا، وأجلها ثمرة وفائدة، فحججه سبحانه العقلية التي بينها في كتابه، جمعت بين كونها عقلية سمعية ظاهرة، واضحة، قليلة المقدمات، سهلة الفهم، قريبة التناول، قاطعة للشكوك والشبه، ملزمة للمعاند والجاحد، ولهذا كانت المعارف التي استنبطت منها في القلوب أرسخ ولعموم الخلق أنفع.
وإذا تتبع المتتبع ما في كتاب الله مما حاج به عباده في إقامة التوحيد، وإثبات الصفات، وإثبات الرسالة والنبوة، وإثبات المعاد وحشر الأجساد، وطرق إثبات علمه بكل خفي وظاهر، وعموم قدرته ومشيئته، وتفرده بالملك والتدبير، وأنه لا يستحق العبادة سواه: وجد الأمر في ذلك على ما ذكرناه، من تصرف المخاطبة منه سبحانه في ذلك على أجلّ وجوه الحجاج، وأسبقها إلى القلوب، وأعظمها ملاءمة للعقول، وأبعدها من الشكوك والشبه، في أوجز لفظ وأبينه وأعذبه وأحسنه وأرشقه
_________________
(١) "درء تعارض العقل والنقل" (٩/ ٥٣).
[ ٢ / ٩٦٨ ]
وأدله على المراد " (^١)
فلذا على المسلم وغير المسلم إذا أراد أدلة عقلية على صحة النبوة؛ فعليه أن يطالع نصوص الوحي ويتدبرها؛ فلن يجد أدلة أقوى مما أرشد إليه الوحي.
ثانيا: عند تدبر أدلة الوحي على عقيدة النبوة؛ نراها ترجع إلى أمرين:
الأمر الأول: شخصية النبي ﷺ.
والأمر الثاني: ماجاء به.
ويجمعهما قول الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ، أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ، أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ] ﴿المؤمنون الآيات: ٦٨ - ٧٠. [
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وقال في إثبات نبوة رسوله باعتبار التأمل لأحواله وتأمل دعوته وما جاء به: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ … ﴿الآيات.
فدعاهم سبحانه إلى تدبر القول، وتأمل حال القائل، فإن كون القول للشيء كذبا وزورا، يعلم من نفس القول تارة، وتناقضه واضطرابه، وظهور شواهد الكذب عليه، فالكذب باد على صفحاته، وباد على ظاهره وباطنه، ويعرف من حال القائل تارة، فإن المعروف بالكذب والفجور والمكر والخداع، لا تكون أقواله إلا مناسبة لأفعاله، ولا يتأتى منه من القول والفعل ما يتأتى من البار الصادق، المبرأ من كل فاحشة وغدر، وكذب وفجور، بل قلب هذا وقصده وقوله وعمله يشبه بعضه بعضا، وقلب ذلك وقوله وعمله وقصده، يشبه بعضه بعضا.
فدعاهم سبحانه إلى تدبر القول وتأمل سيرة القائل وأحواله وحينئذ تتبين لهم
_________________
(١) "الصواعق المرسلة" (٢/ ٤٦٠).
[ ٢ / ٩٦٩ ]
حقيقة الأمر وأن ما جاء به في أعلى مراتب الصدق" (^١)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "بين سبحانه من حاله، ما يعلمه العامة والخاصة، وهو معلوم لجميع قومه الذين شاهدوه، متواتر عند من غاب عنه، وبلغته أخباره من جميع الناس: أنه كان أميا لا يقرأ كتابا، ولا يحفظ كتابا من الكتب، لا المنزلة ولا غيرها، ولا يقرأ شيئا مكتوبا، لا كتابا منزلا ولا غيره، ولا يكتب بيمينه كتابا، ولا ينسخ شيئا من كتب الناس المنزلة ولا غيرها.
ومعلوم أن من يعلم من غيره: إما أن يأخذ تلقينا وحفظا، وإما أن يأخذ من كتابه، وهو لم يكن يقرأ شيئا من الكتب من حفظه، ولا يقرأ مكتوبا، والذي يأخذ من كتاب غيره، إما أن يقرأه، وإما أن ينسخه، وهو لم يكن يقرأ ولا ينسخ " (^٢)
وقال الله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف الآية: ٣. [
وقال الله تعالى مقيما الحجة على أهل الكفر من قريش: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس الآية: ١٦].
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى: "في هذه الآية الكريمة حجة واضحة على كفار مكة؛ لأن النبي ﷺ لم يبعث إليهم رسولا حتى لبث فيهم عمرا من الزمن، وقدر ذلك أربعون سنة، فعرفوا صدقه، وأمانته، وعدله، وأنه بعيد كل البعد من أن يكون كاذبا على الله تعالى، وكانوا في الجاهلية يسمونه الأمين، وقد ألقمهم الله حجرا بهذه الحجة في موضع آخر، وهو قوله: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ
_________________
(١) "الصواعق المرسلة" (٢/ ٤٦٩ - ٤٧٠).
(٢) "الجواب الصحيح" (٥/ ٣٣٨ - ٣٣٩).
[ ٢ / ٩٧٠ ]
مُنْكِرُونَ ﴿ولذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان، ومن معه عن صفاته ﷺ، قال هرقل لأبي سفيان: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: فقلت: لا.
وكان أبو سفيان في ذلك الوقت زعيم الكفار، ورأس المشركين ومع ذلك اعترف بالحق، والحق ما شهدت به الأعداء.
فقال له هرقل: فقد أعرف أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ثم يذهب فيكذب على الله. اهـ.
ولذلك وبخهم الله تعالى بقوله هنا: (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) ". (^١)
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: "الحجة الثانية: أني قد لبثت فيكم عمري إلى حين أتيتكم به، وأنتم تشاهدوني وتعرفون حالي، وتصحبوني حضرا وسفرا، وتعرفون دقيق أمري وجليله، وتتحققون سيرتي هل كانت سيرة من هو من أكذب الخلق وأفجرهم وأظلمهم؟! فإنه لا أكذب ولا أظلم ولا أقبح سيرة ممن جاهر ربه وخالفه بالكذب والفرية عليه وطلب إفساد العالم وظلم النفوس والبغي في الأرض بغير الحق.
هذا وأنتم تعلمون أني لم أكن أقرأ كتابا ولا أخطه بيميني، ولا صاحبت من أتعلم منه؛ بل صحبتكم أنتم في أسفاركم لمن تتعلمون منه وتسألونه عن أخبار الأمم والملوك وغيرها ما لم أشارككم فيه بوجه، ثم جئتكم بهذا النبأ العظيم الذي فيه علم الأولين والآخرين وعلم ما كان وما سيكون على التفصيل.
فأي برهان أوضح من هذا! ". (^٢)
الأمر الثاني: تأمل ما جاء به النبي ﷺ.
_________________
(١) "أضواء البيان" (٢/ ٥٦٣ - ٥٦٤).
(٢) الصواعق المرسلة" (٢/ ٤٧١).
[ ٢ / ٩٧١ ]
فما جاء به النبي ﷺ من أخبار الغيب الماضية والمستقبلة، تقطع بأن هذه الأخبار قد نبئ بها من خالق هذا الكون ﷾ العالم، بما كان وما سيكون.
كما قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ] ﴿آل عمران الآية: ٤٤].
وقال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود الآية: ٤٩].
وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ [يوسف: ١٠٢].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "كان يخبرهم بالأمور الماضية خبرًا مفصلًا، لا يعلمه أحد إلا أن يكون نبيًا، أو من أخبره نبي، وقومه يعلمون أنه لم يخبره بذلك أحد من البشر، وهذا مما قامت به الحجة عليهم، وهم مع قوة عداوتهم له وحرصهم على ما يطعنون به عليه، لم يمكنهم أن يطعنوا طعنا يقبل منهم، وكان علم سائر الأمم بأن قومه المعادين له، المجتهدين في الطعن عليه، لم يمكنهم أن يقولوا: إن هذه الغيوب علمها إياه بشر.
فوجب على جميع الخلق: أن هذا لم يعلمه إياها بشر؛ ولهذا قال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [هود الآية: ٤٩ [
فأخبر أنه لم يكن يعلم ذلك هو ولا قومه، وقومه تقر بذلك" (^١)
وكان ﷺ يبلغ بما سيقع في المستقبل، فيقع كما نُبئ به.
كقوله تعالى: ﴿الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ ﴿…] الروم الآيات: ٢ - ٣ - ٤].
_________________
(١) "الجواب الصحيح" (١/ ٤٠٣).
[ ٢ / ٩٧٢ ]
وإخبار الوحي بمثل هذا كثير فمنه ما وقع، ومنه ما هو واقع ومستمر، يدل دلالة قاطعة لكل عاقل: أن ما جاء به النبي ﷺ هو وحي من خالق هذا الكون العالم به؛ وبهذا ألزم الله عقول الناس.
قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان الآيات: ٥ - ٦].
والتشريعات التي جاء بها النبي ﷺ قاطعة بصدق نبوته، فقد أتى بنظام تشريعي وأخلاقي وتربوي متكامل لا تنافر فيه، وفي الوقت نفسه قابل للتطبيق وموافق لفطر الناس، وواقع الناس، أفرادا ومجتمعات، على مر التاريخ: شاهد على ذلك؛ فكلما طبّقت هذه التشريعات والآداب في الواقع، صلح الناس وسعدوا، وكلما ابتعدوا عنها فسدوا وشقوا، وهذا كله يظهر صدق قول الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء الآية: ٨٢. [
وفي المقابل: ما زال أهل الذكاء من الناس يبحثون ويفتشون عن منهج تشريعي وأخلاقي يصلح الناس، يبدأ السابق، ويبني على نتائجه اللاحق، والجهود متظافرة في جميع التخصصات-كما نرى في هذا الزمن-للوصول إلى هذا الهدف، لكنهم عاجزون عن ذلك، لا يرقّعون جانبا إلا وظهر الخرق في جانب آخر، وهذا الواقع يقضي أن ما جاء به النبي ﷺ، ليس مصدره بشريا؛ وإنما نبئ به من خالق هذا الخلق العالم به وبما يصلحه.
قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف/ ٥٤ [" (^١).
_________________
(١) المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب. وللفائدة في مثل هذا الموضوع ينصح بمطالعة كتاب "النبأ العظيم" للشيخ محمد بن عبد الله دراز رحمه الله تعالى. وكتاب "الأدلة العقلية النقلية على أصول الاعتقاد" للشيخ سعود بن عبد العزيز العريفي. وكتاب "براهين النبوة" للدكتور سامي عامري،
[ ٢ / ٩٧٣ ]
وقول المصنف: "ومنها ظنهم أن تلك الطريق التي سلكوها صحيحة، وقد تكون باطلة".
ولمناقشة أصل المتكلمين القاضي بتقديم العقل على النقل عند التعارض يقال:
هذا القانون مبني على ثلاث مقدمات:
١ - ثبوت التعارض بين العقل والنقل.
٢ - انحصار التقسيم في الأقسام الأربعة المذكورة.
٣ - بطلان الأقسام الثلاثة ليتعيَّن ثبوت القسم الرابع، أي تقديم العقل.
وهذه المقدمات كلها متهافتة لا تقوم على أساس من الشرع، ولا من العقل السليم، وإثبات تهافتها من وجوه.
الوجه الأول: أن هذا التقسيم باطلٌ من أصله، والتقسيم الصحيح أن يقال: إذا تعارض دليلان سمعيَّان أو دليلان عقليان أو دليلان سمعي وعقلي، فلا يخلو الأمر إما أن يكونا قطعيين، وإما أن يكونا ظنِّيَّين، وإما أن يكون أحدهما قطعيًّا
والآخر ظنيًّا، وعلى هذا الأساس يجري الحكم لأحدهما أو عليه، فيقال: أما القطعيان فلا يمكن تعارضهما؛ لأن الدليل القطعي هو الذي يستلزم مدلوله قطعًا، فلو تعارضا لزم الجمع بين النقيضين، وإن كان أحدهما قطعيًّا والآخر ظنيًّا تعيَّن تقديم القطعي سواء كان عقليًّا أو سمعيًّا، نظرًا لقطعيَّة دلالته لا بكونه عقليًّا أو سمعياًّ وإن كانا ظنِّيَّين صرنا إلى الترجيح،، ووجب تقديم الراجح سمعيًّا كان أو عقليًّا، وعلى هذا فقولهم: إذا تعارض العقل والنقل؛ فإما أن يريدوا القطعيَّين فلا نسلم إمكان التعارض بينهما، وإما أن يريدوا به الظنيين، فالتقديم للراجح، وإما أن يريدوا ما يكون أحدهما قطعيًّا
[ ٢ / ٩٧٤ ]
والآخر ظنيًّا، فالقطعي هو المقدَّم، فإن قُدِّر أن العقلي هو القطعي كان تقديمه لأنه قطعي لا لأنه عقلي، فعلم بهذا أن تقديم العقلي مطلقًا خطأ فادح، وأن جعل جهة الترجيح كونه عقليًّا خطأ، وأن جعل سبب التأخير والإطراح كون النقلي نقليًّا خطأ. وهذا الوجه يقضي على مقدمتهم الثانية والثالثة.
الوجه الثاني: قولهم: «العقل أصل النقل» ممنوع؛ فإنما هو ثابت في نفس الأمر ليس موقوفًا على علمنا به، فعدم علمنا بالحقائق لا ينفي ثبوتها في نفس الأمر، فما أخبر به الصادق المصدوق هو ثابت في نفسه، سواء علمناه بعقولنا أو لم نعلمه، وسواء صدقه الناس أو لم يصدقوه، كما أن الرسول -ﷺ- حق، وإن كذبه من كذبه، ووجود الرب تعالى وثبوت أسمائه وصفاته حق، وإن جهله من جهله أو جحده من جحده، وعلى هذا فليس القدح في العقل قدحًا في الحقائق الثابتة بالسمع. وهذا واضحٌ إن شاء الله.
الوجه الثالث: أن العقل الصريح السليم لا يعارض النقل الصحيح، إذا كان الدليل السمعي ثابتًا في نفسه، ظاهر الدلالة بنفسه على المراد، لم يكن ما عارضه من العقليات إلا خيالات فاسدة، وأوهامًا كاسدة، ومقدمات كاذبة، إذا تأملها العاقل حق التأمل وجدها مخالفةً لصريح المعقول، وهذا ثابتٌ في كل دليلٍ عقلي خالف دليلًا سمعيًّا صحيح الدلالة، وعليه إذا عارض هذا المسمى دليلًا عقليًّا السمع وجب إطراحه لفساده وبطلانه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «من أسباب ضلال كثير من الناس أنهم ظنوا أن ما يقوله هؤلاء المبتدعون هو الشرع المأخوذ عن الرسول -ﷺ- وليس الأمر كذلك بل كل ما عُلم بالعقل الصريح فلا يوجد عن الرسول -ﷺ- إلا ما يوافقه ويصدقه» إه.
وقال ابن القيِّم ﵀: «إن ما عُلم بصريح العقل الذي لا يختلف فيه العقلاء لا يتصور أن يعارضه الشرع البتة، ولا يأتي بخلافه، ومن تأمل ذلك فيما تنازع العقلاء
[ ٢ / ٩٧٥ ]
فيه من المسائل الكبار وجد ما خالف النصوص الصحيحة شبهات فاسدة يعلم بالعقل بطلانها» إه.
وقد يقال: إن المعارضة ثابتة بين العقل وبين ما يفهم بظاهر اللفظ، وليست ثابتة بين العقل وبين ما أخبر به الرسول -ﷺ-.
والجواب: أن هذا الكلام يغير صورة المسألة، فتصير هكذا: إذا تعارض الدليل العقلي وما ليس بدليل صحيح وجب تقديم العقلي، وهذا كلام لا فائدة فيه، ولا حاصل له، وكل عاقلٍ يعلم أن الدليل لا يترك لما ليس بدليل، وكلام المبلغ الأمين يستحيل أن يكون ظاهرًا في غير المراد ويتركه من غير بيان، فإن أمانة التبليغ تنافي ذلك.
الوجه الرابع: أنه لو قدر وقوع تعارض الشرع والعقل لوجب تقديم الشرع لا العقل وذلك لأمور:
١ - أن العقل قد صدَّق الشرع ومن ضرورة تصديقه له قبول خبره، ومعلومٌ أن الشرع لم يصدِّق العقل في كل ما أقرَّه أو أخبر به.
٢ - أن العقل دلَّ على صدق رسول الله -ﷺ- فيما أخبر، وعلى وجوب طاعته فيما أمر.
٣ - أن العقل يغلط كما يغلط الحس، بل أكثر، فإذا كان حكم الحس من أقوى الأحكام ويعتريه الغلط؛ فما ظنُّك بالعقل؟
٤ - أن العقل له حدود يقف عندها ولا يستطيع أن يتجاوزها، خصوصًا فيما يتعلَّق بالله وصفاته وما أخبر به من أمور الغيب، وأما الشرع فلا يقارن بالعقل في هذا المجال، بل ولا في غيره، قال ابن القيّم:» إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النَّقل، لأن الجمع يبن المدلولين، جمع بين النقيضين، وإبطالهما معًا إبطال للنقيضين، وتقديم العقل ممتنع، لأن العقل قد دلّ على صحّة السّمع ووجوب قبول
[ ٢ / ٩٧٦ ]
ما أخبر الرسول فلو أبطلنا النّقل لكنا قد أبطلنا دلالة العقل، وإذا بطلت دلالته لم يصح أن يكون معارضًا للنقل، لأن ما ليس بدليل لا يصلح لمعارضة الدَّليل «.
الوجه الخامس: أن العقل مع الوحي كما العامِّي مع المفتي، بل ودون ذلك بمراتب كثيرة، فإن المقلد يمكن أن يصير عالمًا، ولا يمكن للمفتي أن يصير نبيّا ورسولًا يوحى إليه.
فلو دلَّ مقلد مقلدًا آخر على مفتٍ عالم فأفتاه، ثم اختلف المفتي والدّال فإن الواجب المحتم على المستفتي قبول قول المفتي دون المقلِّد الذي دلَّ عليه وعرَّفه به، فلو قال له الدالّ: الصواب معي دون المفتي؛ لأني أنا الأصل في علمك بأنه مفتٍ، فإذا قدَّمت قوله على قولي قدحت في الأصل الذي به عرفت أنه مفتٍ، فيلزم القدح في فرعه، لقال له المستفتي: أنت لمّا شهدت بأنه مفتٍ، شهدت بوجوب تقليده دون تقليدك وموافقتي لك في هذا العالم المعين - وهو كونه مفتيًا - لا يستلزم موافقتك في كل مسألة، لأن إصابتك الحق، في إدراك أنه مفتٍ لا يستلزم إصابتك الحق في كل شيء، بل يجب عليك تقليده كما يجب عليّ بشهادتك أنت، هذا مع العلم بأن المفتي يجوز عليه الخطأ، والعقل يعلم أن الرسول معصوم في خبره عن الله ولا يجوز عليه الخطأ.
وهذا من أحسن الأمثلة المضروبة للنقل مع العقل، ويقضي على أصلهم الذي يقرر أن العقل أصل، والشرع فرع فيجب تقديم العقل.
الوجه السادس: أن تقديم العقل على الشرع يتضمَّن القدح في العقل والشرع لأن العقل قد شهد للوحي بأنه أعلم منه، وأن نسبة علومه ومعارفه إلى الوحي أقل من خردلة إذا قورنت بجبل، فلو قدم حكم العقل عليه لكان ذلك قدحًا في شهادة العقل، وإذا بطلت شهادته بطل قبول قوله، قال العلامة ابن الوزير اليماني: «فإن قيل: تقديم العقل على السمع أولى عند التعارض، لأن السمع علم بالعقل فهو أصل، ولو
[ ٢ / ٩٧٧ ]
بطل العقل بطل السمع والعقل معًا، وهذه من قواعد المتكلمين، قلنا: قد اعترضهم في ذلك المحققون بأن العلوم يستحيل تعارضها في العقل والسمع فتعارضها تقدير محال، فإنه لو بطل السمع أيضًا بعد أن دلَّ العقل على صحته لبطلا أيضًا معًا، لأن العقل قد كان حكم بصحة السمع وأنه لا يبطل، فحين بطل السمع علمنا ببطلانه بطلان الأحكام العقلية» (^١).
الوجه السابع: أن الحكم للعقل بالتقديم المطلق ممتنع متناقض، لأن كون الشيء معلومًا بالعقل أو غير معلوم بالعقل ليس صفة لازمة لشيء من الأشياء، بل هو من الأمور النسبية، فإن زيدًا قد يعلم بعقله ما لا يعلمه عمرو، كما أن الإنسان قد يعقل شيئًا ما في وقت، ويجهله في وقت آخر، فأكثر العقلاء - مثلًا - يعلمون أن كون العالم عالمًا بلا علم وحيًّا بلا حياة، ومريدًا بلا إرادة، وسميعًا بصيرًا بلا سمع ولا بصر، محال بضرورة العقل، بينما يقول بعض المتكلمين: إن ذلك هو الواجب في حق الله تعالى مستدلين على ذلك بالعقل، وبهذا تعلم أن الرد إلى العقول عند النزاع لا يزيد المختلفين إلا اختلافًا واضطرابًا، وشكًّا وارتيابًا وعلى هذا لا يمكن الحكم بين الناس في موارد النِّزاع والاختلاف إلا بكتاب منزل من السماء يرجع الجميع إلى حكمه، وإلا فكل واحد من أرباب المعقولات يقول: عقلي بالثقة به أولى من عقل من ينازعني.
وقول المصنف: "ومنها ظنهم أن ما عارضوا به السمع معلوم بالعقل، ويكونون غالطين في ذلك، فإنه إذا وزن بالميزان الصحيح وجد ما يعارض الكتاب والسنة من المجهولات لا من المعقولات، وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع".
العقل مع الوحي كما العامِّي مع المفتي، بل ودون ذلك بمراتب كثيرة، فإن
_________________
(١) "إيثار الحق" صـ ١١٧ إلى ١١٩ وأشار إلى أن ممن ذكر ذلك ابن تيمية وابن دقيق العيد والزركشي.
[ ٢ / ٩٧٨ ]
المقلد يمكن أن يصير عالمًا، ولا يمكن للمفتي أن يصير نبيّا ورسولًا يوحى إليه.
فلو دلَّ مقلد مقلدًا آخر على مفتٍ عالم فأفتاه، ثم اختلف المفتي والدّال فإن الواجب المحتم على المستفتي قبول قول المفتي دون المقلِّد الذي دلَّ عليه وعرَّفه به، فلو قال له الدالّ: الصواب معي دون المفتي؛ لأني أنا الأصل في علمك بأنه مفتٍ، فإذا قدَّمت قوله على قولي قدحت في الأصل الذي به عرفت أنه مفتٍ، فيلزم القدح في فرعه، لقال له المستفتي: أنت لمّا شهدت بأنه مفتٍ، شهدت بوجوب تقليده دون تقليدك وموافقتي لك في هذا العالم المعين - وهو كونه مفتيًا - لا يستلزم موافقتك في كل مسألة، لأن إصابتك الحق، في إدراك أنه مفتٍ لا يستلزم إصابتك الحق في كل شيء، بل يجب عليك تقليده كما يجب عليّ بشهادتك أنت، هذا مع العلم بأن المفتي يجوز عليه الخطأ، والعقل يعلم أن الرسول معصوم في خبره عن الله ولا يجوز عليه الخطأ.
وهذا من أحسن الأمثلة المضروبة للنقل مع العقل، ويقضي على أصلهم الذي يقرر أن العقل أصل، والشرع فرع فيجب تقديم العقل.
فلو قدر وقوع تعارض الشرع والعقل لوجب تقديم الشرع لا العقل وذلك لأمور:
١ - أن العقل قد صدَّق الشرع ومن ضرورة تصديقه له قبول خبره، ومعلومٌ أن الشرع لم يصدِّق العقل في كل ما أقرَّه أو أخبر به.
٢ - أن العقل دلَّ على صدق رسول الله -ﷺ- فيما أخبر، وعلى وجوب طاعته فيما أمر.
٣ - أن العقل يغلط كما يغلط الحس، بل أكثر، فإذا كان حكم الحس من أقوى الأحكام ويعتريه الغلط؛ فما ظنُّك بالعقل؟
٤ - أن العقل له حدود يقف عندها ولا يستطيع أن يتجاوزها، خصوصًا فيما
[ ٢ / ٩٧٩ ]
يتعلَّق بالله وصفاته وما أخبر به من أمور الغيب، وأما الشرع فلا يقارن بالعقل في هذا المجال، بل ولا في غيره، قال ابن القيّم:» إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النَّقل، لأن الجمع يبن المدلولين، جمع بين النقيضين، وإبطالهما معًا إبطال للنقيضين، وتقديم العقل ممتنع، لأن العقل قد دلّ على صحّة السّمع ووجوب قبول ما أخبر الرسول فلو أبطلنا النّقل لكنا قد أبطلنا دلالة العقل، وإذا بطلت دلالته لم يصح أن يكون معارضًا للنقل، لأن ما ليس بدليل لا يصلح لمعارضة الدَّليل «.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «فلو قيل بتقديم العقل على الشرع وليست العقول شيئًا واحدًا بيِّنًا بنفسه، ولا عليه دليل معلوم للناس، بل فيها هذا الاختلاف والاضطراب، لوجب أن يحال الناس على شيء لا سبيل إلى ثبوته ومعرفته، ولا اتفاق للناس عليه، وأما الشرع فهو في نفسه قول صادق، وهذه صفة لازمة لا تختلف باختلاف أحوال الناس، والعلم بذلك ممكن ورد الناس إليه ممكن، ولهذا جاء التنزيل برد الناس عند التنازع إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلًا﴾ [سور النساء الآية: ٥٩]، فأمر الله تعالى المؤمنين عند التنازع بالرد إلى الله والرسول، وهذا يوجب تقديم السمع وهذا هو الواجب، إذ لو ردوا إلى غير ذلك من عقول الرجال وآرائهم ومقاييسهم وبراهينهم لم يزدهم هذا الرد إلا اختلافًا واضطرابًا وشكًّا وارتيابًا» اه.
وممّا يوكِّد عدم انضباط نتائج العقول خاصة في البحوث المتعلقة بأسماء الله تعالى وصفاته ذلك التعارض العجيب الذي نجده عند أهل المدرسة الواحدة من مدارس الكلام، انظر إلى قول الرازي - وهو ينتقض الغزالي _: «من الأصحاب من قال: السميع البصير أكمل ممن ليس بسميع، والواحد منا سميع بصير، فلو لم يكن الله تعالى كذلك لكان الواحد منا أكمل من الله تعالى، وهو محال، وهذا ضعيف، لأن
[ ٢ / ٩٨٠ ]
لقائل أن يقول: الماشي أكمل ممن لا يمشي، والحسن الوجه أكمل من القبيح، والواحد منا موصوف به، فلو لم يكن الله تعالى موصوفًا به لزم أن يكون الواحد أكمل من الله تعالى» (١) اه.
وبهذا يتبيّن خطورة الاعتماد على العقل المجرد في إثبات الصفات، حيث يفتح بابًا للإلزامات واسعًا. بينما الواقف مع النص لا يمكن إلزامه بشيء من ذلك ولله الحمد والمنَّة". (^١)
قال ابن القيم: "والذين زعموا من قاصري العقل والسمع أن العقل يجب تقديمه على السمع عند تعارضهما، إنما أتوا من جهلهم بحكم العقل ومقتضى السمع، فظنوا ما ليس بمعقول معقولا، وهو في الحقيقة شبهات توهم أنه عقل صريح وليست كذلك، أو من جهلهم بالسمع إما لنسبتهم إلى الرسول ما لم يُرده بقوله، وإما لعدم تفريقهم بين ما لا يدرك بالعقول وبين ما تدرك استحالته بالعقول، فهذه أربعة أمور أوجبت لهم ظن التعارض بين السمع والعقل:
أحدها: كون القضية ليست من قضايا العقول.
الثاني: كون ذلك السمع ليس من السمع الصحيح المقبول.
الثالث: عدم فهم مراد المتكلم به.
الرابع: عدم التمييز بين ما يحيله العقل وما لا يدركه" (^٢).
والأدلة على بطلان هذا القانون كثيرة، ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه المميز الذي صنفه من أجل نسف هذا القانون، كتاب" درء تعارض العقل والنقل"، ومن بعده تلميذه ابن القيم الذي اعتمد على شيخه واختصر ونقح وزاد في كتابه
_________________
(١) مقدمة ابن خلدون ص ٦٨٨، وانظر «الصواعق» ٤٥٩.
(٢) "الصواعق المرسلة" (٢/ ٤٥٩)
[ ٢ / ٩٨١ ]
"الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة"، ومن هذه الردود:
أولًا: الدينُ كاملٌ فلا حاجة إلى عقل أو غيره لاتمامه، فإنه ما انتقل النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى إلا وبلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، وأكمل الله به الدين، وأتمَّ به النعمة، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة الآية: ٣].
قال ابن القيم: " أن الله تعالى قد تمم الدين بنبيه ﷺ وكمله به، ولم يحوجه هو ولا أمته إلى عقل ولا نقل سواه ولا رأي ولا منام ولا كشف.
قال الله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ [المائدة الآية: ٣] وأنكر على من لم يكتف بالوحي، فقال: ﴿أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون﴾ [العنكبوت الآية: ٥١] ذكر هذا جوابا لطلبهم آية تدل على صدقه، فأخبر أنه يكفيهم من كل آية، فلو كان ما تضمنه من الإخبار عنه وعن صفاته وأفعاله واليوم الآخر يناقض العقل لم يكن دليلا على صدقه فضلا عن أن يكون كافيا" (^١).
ثانيًا: لم يكن من طريقة السلف الصالح من الصحابة وأتباعهم تقديم معقولهم على النصوص، مع أنهم أكمل الناس عقلا وعلما وفقها، بل كانوا يعلنون النكير على من يقابل النصوص رأيه وعقله.
قال ابن القيم: " أن الصحابة كانوا يستشكلون بعض النصوص ويوردون استشكالاتهم على النبي ﷺ فيجيبهم عنها، وكانوا يسألونه عن الجمع بين النصوص، ويوردون التي يوهم ظاهرها التعارض، ولم يكن أحد منهم يورد عليه معقولا يعارض النص البتة، ولا عرف فيهم أحد، وهم أكمل الأمة عقولا، عارض نصا
_________________
(١) "الصواعق المرسلة" (١١٦)
[ ٢ / ٩٨٢ ]
بعقل، وإنما حكى الله تعالى ذلك عن الكفار …
وقد كان السلف يشتد عليهم معارضة النصوص بآراء الرجال، ولا يقرون على ذلك، وكان ابن عباس يحتج في متعة الحج بسنة رسول الله ﷺ وأمره لأصحابه بها، فيقولون له: إن أبا بكر وعمر أفردا الحج ولم يتمتعا، فلما أكثروا عليه قال: "يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله ﷺ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر".
فرحم الله ابن عباس، كيف لو رأى قوما يعارضون قول رسول الله ﷺ بقول أرسطو وأفلاطون وابن سينا والفارابي وجهم بن صفوان وبشر المريسي وأبي الهذيل العلاف وأضرابهم؟ " (^١).
ثالثًا: إن تقديم العقل على النقل هو نسفٌ للعقل والنقل معا، فلا حجة بشيء بعد ذلك.
قال ابن القيم: "وحينئذ فهذا وجه تاسع مستقل بكسر هذا الطاغوت، وهو أن تقديم العقل على الشرع يتضمن القدح في العقل والشرع; لأن العقل قد شهد الشرع والوحي بأنه أعلم منه، وأنه لا نسبة له إليه، وأن نسبة علومه ومعارفه إلى الوحي أقل من خردلة بالإضافة إلى جبل، فلو قدم حكم العقل عليه لكان ذلك قدحا في شهادته، وإذا بطلت شهادته بطل قبول قوله، فتقديم العقل على الوحي يتضمن القدح فيه وفي الشرع، وهذا ظاهر لا خفاء به" (^٢).
رابعا: تقديم العقل على النقل أمر لا ينضبط ولا نهاية له، لأن لكل فرد وجماعة وملة عقلها الذي تعظمه، وهم مختلفون وفي أمر مريج.
_________________
(١) "الصواعق المرسلة" (١٦٩).
(٢) "الصواعق المرسلة" (١١٣).
[ ٢ / ٩٨٣ ]
قال شيخ الإسلام: "وهو أن يقال: القول بتقديم الإنسان لمعقوله على النصوص النبوية قول لا ينضبط، وذلك لأن أهل الكلام والفلسفة الخائضين المتنازعين فيما يسمونه عقليات، كل منهم يقول: إنه يعلم بضرورة العقل أو بنظره ما يدعي الآخر أن المعلوم بضروة العقل أو بنظره نقيضه" (^١).
وقال ابن القيم: "أن المعقولات ليس لها ضابط، ولا هي محصورة في نوع معين، فإنه ما من أمة من الأمم إلا ولهم عقليات يختصمون إليها ويختصون بها، فللفرس عقليات، وللهند عقليات، وللمجوس عقليات، وللصائبة عقليات، وكل طائفة من هذه الطوائف ليسوا متفقين على العقليات، بل فيها من الاختلاف ما هو معروف عند المعتنين به، ونحن نعفيكم من هذه المعقولات واضطرابها ونحاكمكم إلى المعقولات التي في هذه الأمة، فإنه ما من مدة من المدد إلا وقد ابتدعت فيها بدع يزعم أربابها أن العقل دل عليها" (^٢).
خامسًا: تقديم العقل على النقل هو اتباع للمتشابهات المجملات وترك المحكمات.
قال شيخ الإسلام: " أن يقال: الذين يعارضون الكتاب والسنة بما يسمونه عقليات: من الكلاميات والفلسفيات ونحو ذلك، إنما يبنون أمرهم في ذلك علي أقوال مشتبهة مجملة، تحتملمعاني متعددة، ويكون ما فيها من الاشتباه لفظًا ومعني يوجب تناولها لحق وباطل، فبما فيها من الحق يقبل ما فيها من الباطل لأجل الاشتباه والالتباس، ثم يعارضون بما فيها من الباطل ونصوص الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
_________________
(١) "درء تعارض العقل والنقل" (١/ ١٥٦ - ١٥٨).
(٢) "مختصر الصواعق المرسلة" (ص: ١٧٤).
[ ٢ / ٩٨٤ ]
وهذا منشأ ضلال من ضل من الأمم قبلنا، وهو منشأ البدع، فإن البدعة لو كانت باطلًا محضًا لظهرت وبانت، وما قبلت، ولو كانت حقا محضا، لا شوب فيه، لكانت موافقة للسنة، فإن السنة لا تناقض حقًا محضًا لا باطل فيه، ولكن البدعة تشتمل علي حق وباطل وقد بسطنا الكلام علي هذا في غير هذا الموضع" (^١).
سادسًا: وهذا القانون لا يتأتى على طريقة المؤمنين المصدقين من أتباع المرسلين، بل هو سائر في سبيل أعداء الدين، من الشياطين وأتباعهم من الفلاسفة والكافرين المكذبين.
قال ابن القيم: " أن المعارضة بين العقل ونصوص الوحي لا تتأتى على قواعد المسلمين المؤمنين بالنبوة حقًا، ولا على أصول أحد من أهل الملل المصدقين بحقيقة النبوة، ليست هذه المعارضة من الإيمان بالنبوة في شيء، وإنما تتأتى هذه المعارضة ممن يقر بالنبوة على قواعد الفلسفة ويجريها على أوضاعهم" (^٢).
وقال شيخ الإسلام: " أن يقال: معارضة أقوال الأنبياء بآراء الرجال، وتقديم ذلك عليها، هو من فعل المكذبين للرسل، بل هو جماع كل كفر، كما قال الشهرستاني في أول كتابه المعروف بالملل والنحل ما معناه: أصل كل شر هو من معارضة النص بالرأي، وتقديم الهوى على الشرع.
وهو كما قال، فإن الله أرسل رسله، وأنزل كتبه، وبين أن المتبعين لما أنزل هم أهل الهدى والفلاح، والمعرضين عن ذلك هم أهل الشقاء والضلال …
قال تعالى: ﴿ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا﴾ [غافر الآية: ٤]، ومن المعلوم أن كل من عارض القرآن، وجادل في ذلك بعقله ورأيه، فهو داخل في ذلك، وإن لم يزعم
_________________
(١) "درء تعارض العقل والنقل" (١/ ٢٠٨ - ٢٠٩).
(٢) "مختصر الصواعق المرسلة" (ص: ١٤٥).
[ ٢ / ٩٨٥ ]
تقديم كلامه على كلام الله ورسوله، بل إذا قال ما يوجب المرية والشك في كلام الله، فقد دخل في ذلك، فكيف بمن يزعم أن ما يقوله بعقله ورأيه مقدم على نصوص الكتاب والسنة" (^١).
سابعًا: القول بتقديم العقل على النقل يؤدي إلى عدم الاستدلال بالوحي على شيء من المسائل العلمية مما يؤدي إلى عدم التصديق بالوحي فالكفر بالله ورسوله والعياذ بالله.
قال شيخ الإسلام: "وهو أن يقال: حقيقة قول هؤلاء الذين يجوزون أن تعارض النصوص الإلهية النبوية بما يناقضها من آراء الرجال، وأن لا يحتج بالقرآن والحديث على شيء من المسائل العلمية، بل ولا يستفاد التصديق بشيء من أخبار الله ورسوله، فإنه إذا جاز أن يكون فيما أخبر الله به ورسوله في الكتاب والسنة أخبار يعارضها صريح العقل، ويجب تقديمه عليها من غير بيان من الله ورسوله للحق الذي يطابق مدلول العقل، ولا لمعاني تلك الأخبار المناقضة لصريح العقل، فالإنسان لا يخلو من حالين، وذلك لأن الإنسان إذا سمع خطاب الله ورسوله الذي يخبر فيه عن الغيب: فإما أن يقدر أن له رأيًا مخالفًا للنص، أو ليس له رأي يخالفه، فإن كان عنده مما يسميه معقولًا ما يناقض خبر الله ورسوله، وكان معقوله هو المقدم، قدم معقوله وألغى خبر الله ورسوله، وكان حينئذ كل من اقتضى عقله مناقضة خبر من أخبار الله ورسوله قدم عقله على خبر الله ورسوله، ولم يكن مستدلا بما أخبر الله به ورسوله على ثبوت مخبره، بل ولم يستفد من خبر الله ورسوله فائدة علمية، بل غايته أن يستفيد إتعاب قلبه فيما يحتمله ذلك اللفظ من المعاني التي لا يدل عليها الخطاب إلا دلالة بعيدة ليصرف إليها اللفظ" (^٢).
_________________
(١) "درء تعارض العقل والنقل" (٥/ ٢٠٤ - ٥٠٦).
(٢) "درء تعارض العقل والنقل" (٥/ ٢٤٢).
[ ٢ / ٩٨٦ ]
ثامنًا: القول بتقديم العقل على النقل يؤول بصاحبه إما إلى التفويض أو التعطيل.
قال شيخ الإسلام: "أن يقال: غاية ما ينتهي إليه هؤلاء المعارضون لكلام الله ورسوله بآرائهم، من المشهورين بالإسلام، هو التأويل أو التفويض، فأما الذي ينتهون إلي أن يقولوا الأنبياء أوهموا وخيلوا ما لا حقيقة له في نفس الأمر، فهؤلاء معروفون عند المسلمين بالإلحاد والزندقة" (^١).
وقال ابن القيم: " إنَّ غاية ما ينتهي إليه من ادعى معارضة العقل للوحي أحد أمور أربعة لا بد له منها:
- إما تكذيبها وجحدها.
- وإما اعتقاد أن الرسل خاطبوا الخلق بها خطابا جمهوريا لا حقيقة له وإنما أرادوا منهم التخييل وضرب الأمثال.
- وإما اعتقاد أن المراد تأويلها وصرفها عن حقائقها وما تدل عليه إلى المجازات والاستعارات.
- وإما الإعراض عنها وعن فهمها وتدبرها واعتقاد أنه لا يعلم ما أريد بها إلا الله.
فهذه أربع مقامات، وقد ذهب إلى كل مقام منها طوائف من بني آدم " (^٢).
ثم فصل ابن القيم في هذه المقامات وأصحابها.
_________________
(١) "درء تعارض العقل والنقل" (١/ ٢٠١ - ٢٠٢).
(٢) "الصواعق المرسلة " (٣/ ٩١٧ - ٩٢٥).
[ ٢ / ٩٨٧ ]
المتن
قال المصنف ﵀: "والمقصود هنا أن من صفات الله تعالى ما قد يعلم بالعقل، كما يعلم أنه عالم، وأنه قادر، وأنه حي، كما أرشد إلى ذلك قوله: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾.
وقد اتفق النُّظَّار من مثبتة الصفات على أنه يعلم بالعقل- عند المحققين- أنه حي عليم قدير مريد، وكذلك السمع والبصر والكلام يثبت بالعقل عند المحققين منهم.
بل وكذلك الحب والرضا والغضب يمكن إثباته بالعقل".
الشرح
قول المصنف: "والمقصود هنا أن من صفات الله تعالى ما قد يعلم بالعقل، كما يعلم أنه عالم، وأنه قادر، وأنه حي، كما أرشد إلى ذلك قوله: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك الآية: ١٤ [".
استدل المصنف بقوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك الآية: ١٤ [فأثبت الله خلقه للخلق، وهذا يرشدنا إلى اتصافه بالعلم والقدرة والحياة، فإنه لا يخلق إلا قادر على الخلق عالم بما يستحقه ولا يكون ذلك إلا من حي (^١).
وهذه تسمى دلالة الالتزام واللازم هنا عقلي للتلازم بين الخلق والعلم فالعلم من لوازم الخلق وإلا كيف يخلق من لا يعلم.
فالدلالة المعنوية العقلية هي أمر خاص بالعقل والفكر الصحيح؛ لأن اللفظ بمجرده لا يدل عليها، وإنما ينظر العبد ويتأمل في المعاني اللازمة لذلك اللفظ الذي
_________________
(١) التوضيحات الأثرية على متن التدمرية ص ٢٦٦.
[ ٢ / ٩٨٨ ]
لا يتم معناها بدونه وما يشترط له من الشروط، وهذا يجري في جميع الأسماء الحسنى، كل واحد منها يدل على الذات وحدها أو على الصفة وحدها دلالة تضمن، ويدل على الصفة الأخرى اللازمة لتلك المعاني دلالة التزام، مثال ذلك: "الرحمن" يدل على الذات وحدها وعلى الرحمة وحدها دلالة تضمن، وعلى الأمرين دلالة مطابقة، ويدل على الحياة الكاملة والعلم المحيط والقدرة التامة ونحوها دلالة التزام؛ لأنه لا توجد الرحمة من دون حياة الراحم، وقدرته الموصِّلة لرحمته للمرحوم وعلمه به وبحاجته.
وكذلك استلزام "الملك" جميع صفات المُلْك الكامل، واستلزام "الرب" لصفات الربوبية و"الله" لصفات الألوهية، وهي صفات كمال كلها، وكثير من أسمائه الحسنى يستلزم عدة أوصاف كالكبير والعظيم والمجيد والحميد والصمد، فهذه قاعدة نافعةٌ".
قال ابن القيم: "إن الاسم من أسمائه ﵎ كما يدل على الذات والصفة التي اشتق منها بالمطابقة، فإنه يدل عليه دلالتين أخريين بالتضمن واللزوم.
فيدل على الصفة بمفردها بالتضمن وكذلك على الذات المجردة على الصفة.
ويدل على الصفة الأخرى باللزوم.
الأمثلة:
أ- "الخالق":
ويدل على ذات الله وعلى صفة الخلق بالمطابقة يدل على الذات وحدها وعلى صفة الخلق وحدها بالتضمن، ويدل على صفتي العلم والقدرة بالالتزام كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ ذلك لأن العلم والقدرة لازمان
[ ٢ / ٩٨٩ ]
للخلق.
مثال آخر: "السميع":
يدل على ذات الرب وسمعه بالمطابقة.
وعلى الذات وحدها وعلى السمع وحده بالتضمن.
ويدل على اسم الحيّ وصفة الحياة بالالتزام.
وكذلك سائر أسمائه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فأسماؤه كلها متفقة في الدلالة على نفسه المقدسة، ثم كل اسم يدل على معنى من صفاته ليس هو المعنى الذي دل على الاسم الآخر، فالعزيز يدل على نفسه مع عزته، والخالق يدل على نفسه مع خلقه، والرحيم يدل على نفسه مع رحمتها، ونفسه تستلزم جميع صفاته، فصار كل اسم يدل على ذاته والصفة المختصة به بطريق المطابقة، وعلى أحدهما بطريق التضمن وعلى الصفة الأخرى بطريق اللزوم".
وقول المصنف: "وقد اتفق النُّظَّار من مثبتة الصفات على أنه يعلم بالعقل- عند المحققين- أنه حي عليم قدير مريد، وكذلك السمع والبصر والكلام يثبت بالعقل عند المحققين منهم.
بل وكذلك الحب والرضا والغضب يمكن إثباته بالعقل".
مقصود المصنف بالنظار من مثبتة الصفات هم الصفاتية ويدخل في ذلك الكلابية والأشاعرة والماتريدية ومن وافقهم، فهؤلاء يتفقون مع أهل السنة بأن من الصفات ما يمكن إثباته بالعقل.
[ ٢ / ٩٩٠ ]
وتنقسم الصفات من حيث أدلة ثبوتها إلى قسمين:
القسم الأول: الصفات الشرعية العقلية:
وضابطها: هي التي يشترك في إثباتها: الدليل الشرعي السَّمعي، والدليل العقلي، والفطرة السليمة.
وهي أكثر صفات الرب تعالى، بل أغلب الصفات الثُّبوتية يشترك فيها الدَّليلان السَّمعي والعقلي (^١)، وإن كان الأصل في ثبوتها الدليل الشرعي.
ومنها: (العلم، السَّمع، البصر، العلو، القدرة، الإرادة، الخلق، الحياة).
وسميت «شرعية عقلية».
فشرعية: لأنَّ الشرع دلَّ عليها أو أرشد إليها.
وعقلية: لأنها تُعلم صحتها بالعقل، ولا يقال: إنها لم تُعلم إلا بمجرد الخبر.
فإذا أخبر الله بالشييء ودل عليه بالدلالات العقلية-صار مدلولًا عليه بخبره، ومدلولًا عليه بدليل العقل الذي يُعلم به؛ فيصير ثابتًا بالسمع والعقل، وكلاهما داخل في دلالة القرآن التي تُسَمَّى الدلالة الشرعية (^٢).
القسم الثاني: الصفات الخبرية وتسمى النقلية والسمعية:
وضابطها: هي التي لا سبيل إلى إثباتها إلا بطريق السمع والخبر عن الله أو عن رسوله الأمين عليه الصلاة والتَّسليم (^٣).
ومنها: (الوجه- اليد- العين- الرِّضا- الفرح- الغضب- القَدَم-الاستواء- النزول- المجيء- الضحك).
_________________
(١) «الصفات الإلهية في الكتاب والسنة في ضوء الإثبات والتنزيه» (ص ٢٠٧).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٧١، ٧٢).
(٣) «الصفات الإلهية» (ص ٢٠٧).
[ ٢ / ٩٩١ ]
وأهل السنة يجعلون الأصل في إثبات الأسماء والصفات أو نفيها عن الله تعالى هو السمع (أي: كتاب الله وسنة نبيه ﷺ)، ولا يتجاوزونها، فما ورد إثباته من الأسماء والصفات في القرآن والسنة الصحيحة فيجب إثباته، وما ورد نفيه فيهما فيجب نفيه.
«وأما ما لم يرد إثباته ونفيه فلا يصح استعماله في باب الأسماء وباب الصفات إطلاقًا، وأما في باب الأخبار فمن السلف من يمنع ذلك، ومنهم من يجيزه بشرط أن يستفصل عن مراد المتكلم فيه، فإن أراد به حقًّا يليق بالله تعالى فهو مقبول، وإن أراد به معنى لا يليق بالله عر وجل وجب ردُّه» (^١).
المتن
قال المصنف ﵀: "وكذلك علوه على المخلوقات ومباينته لها مما يعلم بالعقل، كما أثبتته بذلك الأئمة مثل أحمد بن حنبل وغيره، ومثل عبد العزيز المكي وعبد الله بن سعيد بن كُلاَّب".
الأدلة العقلية على إثبات صفة العلو كثيرة وسأورد ههنا ثلاثة منها:
الدليل الأول: قول الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "إذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله تعالى حين زعم أنه في كل مكان ولا يكون في مكان دون مكان فقل له: أليس كان الله ولا شيء؟
فسيقول: نعم.
فقل له: حين خلق الشيء هل خلقه في نفسه؟ أم خارجًا عن نفسه؟
فإنه يصير إلى ثلاثة أقوال:
واحد منها: إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه، كفر حين زعم أنه خلق الجن
_________________
(١) «رسالة في العقل والروح» (٢/ ٤٦، ٤٧) لابن تيمية، (ضمن مجموعة الرسائل المنيرية).
[ ٢ / ٩٩٢ ]
والشياطين وإبليس في نفسه.
وإن قال: خلقهم خارجا عن نفسه ثم دخل فيهم، كان هذا أيضًا كفر حين زعم أنه في كل مكان وحش قذر رديء.
وإن قال: خلقهم خارجًا عن نفسه ثم لم يدخل فيهم، رجع عن قوله كله أجمع" (^١)
الدليل الثاني: قول ابن القيم: "إن كل من أقر بوجود رب للعالم مدبر له، لزمه الإقرار بمباينته لخلقه وعلوه عليهم.
فمن أقر بالرب، فإما أن يقر بأن له ذاتًا وماهية مخصوصة أو لا؟
فإن لم يقر بذلك، لم يقر بالرب، فإن ربًا لا ذات له ولا ماهية له هو والعدم سواء، وإن أقر بأن له ذاتًا مخصوصة وماهية، فإما أن يقر بتعينها أو يقول إنها غير معينة؟
فإن قيل إنها غير معينة كانت خيالًا في الذهن لا في الخارج، فإنه لا يوجد في الخارج إلا معينًا، لا سيما وتلك الذات أولى من تعيين كل معين فإنه يستحيل وقوع الشركة فيها، وأن يوجد لها نظير، فتعيين ذاته سبحانه واجب.
وإذا أقر بأنها معينة لا كلية، والعالم مشهود معين لا كلي، لزم قطعًا مباينة أحد المتعينين للآخر، فإنه إذا لم يباينه لم يعقل تميزه عنه وتعينه.
فإن قيل: هو يتعين بكونه لا داخلًا فيه ولا خارجًا عنه.
قيل: هذا -والله أعلم- حقيقة قولكم، وهو عين المحال، وهو تصريح منكم بأنه لا ذات له ولا ماهية تخصه، فإنه لو كان له ماهية يختص بها لكان تعينها لماهيته
_________________
(١) الرد على الزنادقة والجهمية (ص ٩٥ - ٩٦).
[ ٢ / ٩٩٣ ]
وذاته المخصوصة، وأنتم إنما جعلتم تعيينه أمرًا عدميًا محضًا ونفيًا صرفًا وهو كونه لا داخل العالم ولا خارجا عنه، وهذا التعيين لا يقتضي وجوده مما به يصح على العدم المحض.
وأيضًا فالعدم المحض لا يعين المتعين، فإنه لاشيء وإنما يعينه ذاته المخصوصة وصفاته، فلزم قطعًا من إثبات ذاته تعيين تلك الذات، ومن تعيينها مباينتها للمخلوقات، ومن المباينة العلو عليها لما تقدم من تقريره" (^١).
الدليل الثالث: أنه قد ثبت بصريح المعقول أن الأمرين المتقابلين إذا كان أحدهما صفة كمال والآخر صفة نقص، فإن الله يوصف بالكمال منهما دون النقص، فلما تقابل الموت والحياة، وصف بالحياة دون الموت، ولما تقابل العلم والجهل، وصف بالعلم دون الجهل، ولما تقابل القدرة والعجز، وصف بالقدرة دون العجز، ولما تقابل المباينة للعالم والمداخلة له، وصف بالمباينة دون المداخلة، وإذا كان مع المباينة لا يخلو إما أن يكون عاليًا على العالم أو مسامتا له، وجب أن يوصف بالعلو دون المسامتة، فضلًا عن السفول.
والمنازع يسلم أنه موصوف بعلو المكانة وعلو القهر، وعلو القهر، وعلو المكانة معناه أنه أكمل من العالم، وعلو القهر مضمونه أنه قادر على العالم، فإذا كان مباينًا للعالم كان من تمام علوه أن يكون فوق العالم، ولا محاذيًا له ولا سافلا عنه.
ولما كان العلو صفة كمال، وكان ذلك من لوازم ذاته، فلا يكون مع وجود غيره إلا عاليًا عليه، ولا يكون قط غير عالٍ عليه (^٢).
وبهذه النماذج التي أوردناها عن الأدلة العقلية يتضح لنا مدى دلالة المعقول
_________________
(١) مختصر الصواعق (١/ ٢٧٩ - ٢٨٠).
(٢) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٥ - ٦).
[ ٢ / ٩٩٤ ]
الصريح على إثبات علو الله ومباينته لخلقه وكذلك مدى مخالفة أقوال المعطلة والحلولية لصريح المعقول وصحيح المنقول.
المتن
قال المصنف ﵀: "بل وكذلك إمكان الرؤية يثبت بالعقل، لكن منهم من أثبتها بأن كل موجود تصح رؤيته، ومنهم من أثبتها بأن كل قائم بنفسه تمكن رؤيته، وهذه الطريق أصح من تلك.
وقد يمكن إثبات الرؤية بغير هذين الطريقين، بتقسيم دائر بين النفي والإثبات، كما يقال: إن الرؤية لا تتوقف إلا على أمور وجودية، فإن ما لا يتوقف إلا على أمور وجودية يكون الموجود الواجب القديم أحق به من الممكن المحدَث. والكلام على هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع".
الشرح
قول المصنف: "بل وكذلك إمكان الرؤية يثبت بالعقل، لكن منهم من أثبتها بأن كل موجود تصح رؤيته" استدل الأشاعرة على جواز الرؤية عقلًا بدليل الوجود: قال أبو الحسن الأشعري: "ومما يدل على رؤية الله ﷿ بالأبصار أنه ليس موجود إلا وجائز أن يريناه الله ﷿ وإنما لا يجوز أن يرى المعدوم، فلما كان الله ﷿ موجودًا مثبتًا كان غير مستحيل أن يرينا نفسه ﷿" (^١)
ويلتزم أبو الحسن الأشعري كل لازم لهذا الدليل من جواز صحة رؤية كل موجود كالأصوات، والروائح، والملموسات، والطعوم، ويقول لا يلزم من جواز صحة الرؤية لشيء تحقق الرؤية له، وعدم رؤيتنا لهذا اللازم ليس لامتناعه بل لعدم
_________________
(١) «الإبانة عن أصول الديانة» (١٦).
[ ٢ / ٩٩٥ ]
جريان العادة من الله تعالى بخلق رؤيته فينا، ولا يمتنع أن يخلق رؤيتها فينا كما خلق رؤية غيرها، وقد نشأ هذا من أنه جعل الرؤية علما مخصوصا فكما يتعلق العلم بالموجودات كذلك الرؤية إلا أن العلم المطلق أعم. (^١)
وهذا الدليل العقلي أورد عليه المعتزلة وكذلك الأشاعرة اعتراضات كثيرة يطول ذكرها (^٢).
قال ابن تيمية: "وأنهم كانوا يحتجون على جواز رؤية الله بأن الله قادر على أن يرينا نفسه لأنه موجود وما لم تمكن رؤيته لا يكون إلا معدوما وهذه الحجة كانوا يتكلمون فيها كنحو كلام أهل الاثبات في مسألة العلو تارة يحتجون فيها بالعلم الضروري بأن الله تعالى قادر على ذلك، وتارة يثبتون ذلك بالقياس فإن الرؤية مما يشترك فيها الجواهر والأعراض فيكون عليها أمر مشترك بينهما ولا مشترك إلا الوجود والحدوث لا يكون علة فثبت أن المصحح للرؤية هو الوجود
وهذه الطريقة القياسية مشهورة عن أبي الحسن الأشعري وللناس عليها اعتراضات معروفة كما ذكر ذلك الشهرستاني وغيره، ولذلك عدل طائفة من أتباعه كالقاضي أبي بكر إلى أن أثبتوا إمكان الرؤية بالسمع كما أن وقوعها معلوم بالسمع بلا نزاع وأبو عبد الله الرازي قد ذكر طريقة الأشعري هذه في الرؤية في نهايته وذكر ما فيها من القوادح التي يظهر معها وهاها" (^٣)
وقال قال ابن تيمية: "أن الطريقة التي سلكها أهل الإثبات في الرؤية ليست من الضعف كما يظنه أتباع الأشعري مثل الشهرستاني والرازي وغيرهما بل لم يفهموا
_________________
(١) «شرح الجرجاني للمواقف» (٨/ ١٢٣)، «نهاية الإقدام في علم الكلام» للشهرستاني (٣٥٧).
(٢) انظر: «شرح الجرجاني للمواقف» (٨/ ١٢٤)، «غاية المرام في علم الكلام» للآمدي (١٦٠). «المغني في باب التوحيد والعدل» للقاضي عبد الجبار (٤/ ٨٥).
(٣) بيان تلبيس الجهمية ٤/ ٣١١.
[ ٢ / ٩٩٦ ]
قعرها ولم يقدروا الأشعري قدره بل قدروا مقدار كلامه وحججه، وكان هو أعظم منهم قدرًا وأعلم بالمعقولات والمنقولات ومذاهب الناس من الأولين والآخرين كما تشهد به كتبه التي بلغتنا دع ما لم يبلغنا فمن رأى ما في كتبه من ذكر المقالات والحجج ورأى ما في كلام هؤلاء رأى بونًا عظيمًا" (^١)
قال ابن تيمية في تقرير الدليل: (فمعلوم أن الرؤية تعلق بالموجود دون المعدوم، ومعلوم أنها أمر وجودي محض لا يسيطر فيها أمر عدمي كالذوق الذي يتضمن استحالة المأكول والمشروب ودخوله في مواضع من الآكل والشارب وذلك لا يكون إلا عن استحالة وخلق، وإذا كانت أمرا وجوديا محضًا، ولا تتعلق إلا بالموجود فالمصحح لها الفارق بين ما يمكن رؤيته وما لا يمكن رؤيته: إما أن يكون وجودا محضًا، أو متضمنًا أمرًا عدميًا. والثاني باطل لأن العدم لا يكون له تأثير في الوجود المحض فلا يكون سببًا له، ولا يكون أيضًا شرطًا أو جزءًا من السبب إلا أن يتضمن وجودًا فيكون ذلك الوجود هو المؤثر في الوجود ويكون ذلك العدم دليلا عليه ومستلزما له ونحو ذلك، وهذا من الأمور البينة عند التأمل.
ومن قال من العلماء: إن العدم يكون علة للأمر الثبوتي أو جزء علة، أو شرط علة، فإنما يقولون ذلك في قياس الدلالة، ونحوه مما يستدل فيه بالوصف على الحكم، لا يقول أحد إن نفس العدم هو المقتضي للوجود. ولا يقول: إن الوصف المركب، من وجود وعدم هما جميعًا مقتضيان للوجود المحض. وشروط العلة هي من جملة أجزاء العلة التامة. وإذا كان المقتضى لجواز الرؤية، والمصحح للرؤية، والفارق بينما تجوز رؤيته وبينما لا تجوز: إما أن يكون وجودا محضا فلا حاجة بنا إلى تعيينه، سواء قيل هو مطلق الوجود أو القيام بالنفس، أو بالعين بشرط المقابلة
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية ٤/ ٣١٥
[ ٢ / ٩٩٧ ]
والمحاذاة، أو غير ذلك مما يقال إنه مع وجوده تصح الرؤية ومع عدمه تمتنع، لكن المقصود أنه أمور وجودية، وإذا كان كذلك فقد علم أن الله تعالى هو أحق بالوجود، وكماله من كل موجود، إذ وجوده هو الوجود الواجب، ووجود كل ما سواه هو من وجوده، وله الكمال التام في جميع الأمور الوجودية المحضة فإنها هي الصفات التي بها يكون كمال الوجود، وحينئذ فيكون الله - وله المثل الأعلى - أحق بأن تجوز رؤيته لكمال وجوده، ولكن لم نره في الدنيا لعجزنا عن ذلك وضعفنا كما لا نستطيع التحديق في شعاع الشمس، بل كما لا تطيق الخفاش أن تراها، لا لامتناع رؤيتها، بل لضعف بصره وعجزه. كما قد لا يستطاع سماع الأصوات العظيمة جدا، لا لكونها لا تسمع، بل لضعف السامع وعجزه، ولهذا يحصل لكثير من الناس عند سماع الأصوات العظيمة ورؤية الأشياء الجليلة ضعف أو رجفان أو نحو ذلك مما سببه ضعفه عن الرؤية والسماع، لا لكون ذلك الأمر مما تمتنع رؤيته وسماعه، ولهذا وردت الأخبار في قصة موسى ﵇ وغيره بأن الناس إنما لا يرون الله في الدنيا للضعف والعجز والله ﷾ قادر على أن يقويهم على ما عجزوا عنه) (^١)
وقول المصنف: "ومنهم من أثبتها بأن كل قائم بنفسه تمكن رؤيته، وهذه الطريق أصح من تلك".
قال ابن تيمية: "من الجواب السديد لهم أن يقال لهم إلهي سبحانه يمكن إحساسه فتمكن رؤيته وسماع كلامه، وقد كلم في الدنيا بعض خلقه وسوف يكلم عباده ويرونه في الدار الآخرة؛ فإن كانوا ينكرون العلم والإقرار بكل ما لا يحسه الإنسان أمكنه أن يقرر عليهم العلم بالخبريات والمجربات والبديهيات وغير ذلك؛ وإن كانوا يقولون إن كل موجود فلابد أن يمكن إحساسه فهذا الذي قالوه هو
_________________
(١) «بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية» لابن تيمية (١/ ٣٥٧)، «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٣٦).
[ ٢ / ٩٩٨ ]
مذهب الصفاتية كلهم الذين يقرون بأن الله يرى في الدار الآخرة وهو مذهب سلف الأمة وأئمتها" (^١)
المتن
قال المصنف ﵀: "والمقصود هنا أن من الطرق التي يسلكها الأئمة ومن اتبعهم من نُظَّار السنة في هذا الباب- أنه لو لم يكن موصوفا بإحدى الصفتين المتقابلتين للزم اتصافه بالأخرى، فلو لم يوصف بالحياة لوصف بالموت، ولو لم يوصف بالقدرة لوصف بالعجز، ولو لم يوصف بالسمع والبصر والكلام لوصف بالصمم والخرس والبَكَم.
وطرد ذلك أنه لو لم يوصف بأنه مباين للعالم لكان داخلا فيه، فسلب إحدى الصفتين المتقابلتين عنه يستلزم ثبوت الأخرى، وتلك صفة نقص ينزه عنها الكامل من المخلوقات فتنزيه الخالق عنها أَولى".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في جواز رؤية الله -﷿-، وفي مسألة علو الله تعالى على خلقه، ومبيانته لهم، فقال: "فإنا قد قدمنا فيما تقدم، أن الأمثال المضروبة إذا كانت من باب الأولى جاز استعمالها في حق الله تعالى، كما ورد به القرآن والسنة، واستعملها السلف والأئمة، كما يقال: إذا كان العبد ينزه نفسه عن شريك أو أنثى، فتنزيه ربه أولى، وإذا كان العبد عالمًا قادرًا فالله أولى.
وكذلك الرؤية؛ فإن حاصلها أنه إذا جاز رؤية الموجود المحدث الممكن، فرؤية الموجود الواجب القديم أولى.
وإذا كان المخلوق الناقص في وجوده يجوز أن يُرى ويُحس به، فالرب الكامل
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية ٤/ ٤٥٤ - ٤٥٦.
[ ٢ / ٩٩٩ ]
في وجوده أحق بأن يُرى؛ فإن كون الشيء بحيث يُرى كمال في حقه لا نقص؛ لأن كونه لا يُرى، ولا يُحس به، لا يثبت في الشاهد إلا للمعدوم، فكل صفة لم نعلمها تثبت إلا لمعدوم، فإنها لا تكون صفة نقص إلا بالنسبة إلى وجود آخر هو أكمل منها، وكل صفة لا تثبت للمعدوم ولا يختص بها الناقص، فإنها لا تكون إلا صفة كمال، وهذه طريقة في المسألة يتبين بها أن جواز الرؤية من صفات الكمال التي هو الباري أحق بها من المخلوقات.
ونظيرها في مسألة العلو: أن علو الشيء بنفسه على غيره صفة كمال، كما أن قدرته عليه صفة كمال. وإذا كان كذلك فالله أحق بهذه الصفة من جميع ما يوصف بها غيره، فيجب أن يكون عاليًا بنفسه، وكذلك تميزه بذاته عن غيره هي صفة لا يوصف بها المعدوم، ولا تختص بالناقصات فتكون صفة كمال، فيجب اتصاف الله بها، وذلك يوجب مباينته للعالم" (^١).
المتن
قال المصنف ﵀: "وهذه الطريق غير قولنا: إن هذه صفات كمال يتصف بها المخلوق فالخالق أَولى، فإن طريق إثبات صفات الكمال بأنفسها مغاير لطريق إثباتها بنفي ما يناقضها".
الشرح
مسألة الفرق سبق الحديث عنها وتوضيحها عند شرح قول المصنف: "وما كان صفة كمال فهو - ﷾ - أحق بأن يتصف به من المخلوقات، فلو لم يتصف به مع اتصاف المخلوق به لكان المخلوق أكمل منه". فليرجع إليها في ذلك الموضع.
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٣٥٤).
[ ٢ / ١٠٠٠ ]
المتن
قال المصنف ﵀: "وقد اعترض طائفة من النفاة على هذه الطريقة باعتراض مشهور لبسوا به على الناس، حتى صار كثير من أهل الإثبات يظن صحته ويُضعف الإثبات به، مثل ما فعل من فعل ذلك من النظار حتى الآمدي وأمثاله، مع أنه أصل قول القرامطة الباطنية وأمثالهم من الجهمية".
الشرح
يتحدث شيخ الإسلام هنا عن قول الأمدي وانتصاره للقول بأن التقابل في صفات الله هو من باب تقابل العدم والملكة وليس من باب تقابل السلب والإيجاب.
قال ابن تيمية: "قال وأما قولهم لو لم يتصف بهذه الصفات مع كونه حيًا لكان متصفًا بما يقابلها فالتحقيق فيه موقوف على بيان حقيقة المتقابلين يعني المتنافيين.
وذكر التقسيم المشهور فيه للفلاسفة وأنه أربعة أقسام:
] القسم الأول]: تقابل السلب والإيجاب.
و] القسم الثاني]: العدم والملكة.
و] القسم الثالث]: التضايف.
و] القسم الرابع]: التضاد.
وأن تقابل العلم والجهل، أعمى والبصر، هو عندهم من باب تقابل العدم والملكة.
والملكة على اصطلاحهم: كل معني وجودي أمكن أن يكون ثابتًا للشيء.
• إما بحق جنسه: للإنسان، فإن البصير يمكن ثبوته لجنسه وهو الحيوان.
[ ٢ / ١٠٠١ ]
• أو بحق نوعه: ككتابة زيد فإن هذا ممكن لنوع الإنسان.
• أو بحق شخصه: كاللحية للرجل فإنها ممكنة في حق الرجل.
قال: والعدم المقابل لها ارتفاع هذه الملكة.
قال: فإن أريد بتقابل الإدراك ونفيه تقابل التناقض بالسلب والإيجاب وهو أنه لا يخلو من كونه سميعًا وبصيرًا ومتكلمًا أو ليس فهو ما يقوله الخصم، ولا يقبل نفيه من غير دليل.
وإن أريد بالتقابل تقابل العدم والملكة، فلا يلزم من نفي الملكة تحقق العدم ولا بالعكس إلا في محل يكون قابلًا لهما ولهذا يصح أن يقال الحجر لا أعمى ولا بصير والقول بكون البارئ تعالى قابلًا للبصر والعمى، دعوى محل النزاع والمصادرة على المطلوب وعلى هذا فقد امتنع نفي لزوم العمي والخرس والطرش في حق الله تعالى من ضرورة نفي البصر والسمع والكلام عنه.
قلت: وقد أشكل هذا على كثير من النظار حتى ضل به لاعتقادهم صحته حتى على الآمدي فهذا كلامه في الخلو عن الضدين بالمعنى العام قد أورد عليه ما ذكر فكيف يدعي أنه قرره وهذا الإيراد إيراد معروف للمعطلة نفاة الصفات وهو إيراد فاسد من وجوه" (^١) وهذا ما سيأتي ذكره فيما سيذكره المصنف من ردود.
ومن المهم جدًا لفهم كلام شيخ الإسلام هنا من عرض قول المخالف (^٢)
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل ٤/ ٣٤ - ٤٠.
(٢) المصنف﵀- يشير هنا إلى مسألة سبق أن طرحها في أول الرسالة التدمرية حيث ذكر المصنف في معرض رده على القرامطة الباطنية الذين يقولون إننا ننفي النفي والإثبات. ونظرًا لبعد الحديث عن هذه المسألة وللحاجة لاستحضارها هنا لمعرفة أصل الكلام فيها فإنه يمكن عرض الخلاف فيها هنا على وجه الاختصار. وهو أن النفاة للصفات الذين نفوا الصفات بالكلية قد انقسموا إلى أربعة أصناف:
[ ٢ / ١٠٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = [الصنف الأول]: طائفة تقول نحن لا نقول ليس بموجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت فلا ننفي النقيضين بل نسكت عن هذا وهذا فنمتنع عن كل من المتناقضين لا نحكم لا بهذا ولا بهذا فلا نقول ليس بموجود ولا معدوم ولكن لا نقول هو موجود ولا نقول هو معدوم ومن الناس من يحكي نحو هذا عن الحلاج وحقيقة هذا القول هو الجهل البسيط والكفر البسيط الذي مضمونه الإعراض عن الإقرار بالله ومعرفته وحبه وذكره وعبادته ودعائه. وهؤلاء من جنس السوفسطائية المتجاهلة اللا أدرية الذين يقولون لا نعلم هل الحقائق ثابتة أو منتفية وهل يمكن العلم أو لا يمكن فإن السفسطة أنواع أحدهما قول هؤلاء والصنف الثاني: قول أهل التكذيب والجحود والنفي الذين يجزمون بنفي الحقائق والعلم بها. والصنف الثالث: الذين يجعلون الحقائق تتبع العقائد فمن اعتقد ثبوت الشيء كان في حقه ثابتا ومن نفاه كان في حقه منتفيًا ولا يجعلون للحقائق أمرا هي عليه في أنفسها. والصنف الرابع: قول من يقول الحقائق موجودة لكن لا سبيل إلى العلم بها إما لكون العالم في السيلان فلا يمكن العلم بحقيقته وإما لغير ذلك. وهذه الأنواع الأربعة موجودة في هؤلاء الملاحدة: الأول: فمنهم الواقفة المتجاهلة الذين يقولون لا نثبت ولا ننفي. الثاني: ومنهم المكذبة الذين ينفون. الثالث: ومنهم من يجعل الحقائق تتبع العقائد كما يحكى عن طائفة تصوب كل واحد من القائلين للأقوال المتناقضة وكما يقوله من يقوله من أصحاب الوحدة ابن عربي ونحوه بأن كل من اعتقد في الله عقيدة فهو مصيب فيها حتى قال: عقد الخلائق في الإله عقائدا … وأنا اعتقدت جميع ما عقدوه وأما الرابع: فهو منتهى قول أئمة الجهمية وهو الحيرة والشك لتكافؤ الأدلة عند بعضهم أو لعدم الدليل المرشد عند بعضهم وهذا عند أصحاب الوحدة هو أعلى العلم بالله تعالى والكلام في هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع" والجواب على زعم هؤلاء: فإنه يقال لهؤلاء النفاة أنتم نفيتم هذه الأسماء فرارا من التشبيه فإن اقتصرتم على نفي الأثبات شبهتموه بالمعدوم، وإن نفيتم الأثبات والنفي جميعا فقلتم ليس بموجود ولا معدوم شبهتموه بالممتنع، فأنتم فررتم من تشبيهه بالحي الكامل فشبهتموه بالحي الناقص، ثم شبهتموه بالمعدوم، ثم شبهتموه بالممتنع فكنتم شرًا من المستجير من الرمضاء بالنار وهذا لازم لكل من نفى شيئًا مما وصف الله به نفسه لا يفر من محذور إلا وقع فيما هو مثله أو شر منه مع تكذيبه بخبر الله وسلبه صفات الكمال الثابتة لله". وقال ابن تيمية أيضًا في معرض الرد عليهم: "قيل له: فيلزمك التشبيه بما اجتمع فيه النقيضان من الممتنعات، فإنه يمتنع أن يكون الشيء موجودًا معدومًا، أو لا موجودًا ولا معدومًا، ويمتنع أن يوصف باجتماع الوجود والعدم، والحياة والموت، والعلم والجهل، أو يوصف بنفي الوجود والعدم، ونفي الحياة والموت، ونفي العلم والجهل". وخلاصة هذا: أنهم إن فروا من تشبيهه بالموجودات، وفروا من تشبيهه بالمعدومات بأن زعموا أنهم إذا وصفوه بالإثبات شبهوه بالموجودات، وإذا وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات فسلبوا النقيضين فإنهم بقولهم هذا وقعوا في شر مما فروا منه لأنهم بهذا القول شبههوه بالممتنعات. وقد اعترض هؤلاء على هذا القول بأن بأن التقابل هنا هو من تقابل العدم والملكة وليس من تقابل السلب والإيجاب. وقد أجاب المصنف على هذه الشبهة كذلك فيما سبق من كلامه في أكثر من موطن فليرجع إليها في تلك المواضع، وإن كان الحاجة تمس هنا لإعادة ما سبق بيانه بالنظر إلى الحاجة لفهم النص هنا بالإضافة إلى أن هنا أمورًا لم يسبق التعرض لها في المواطن السابقة فتحتاج إلى بيان وإيضاح.
[ ٢ / ١٠٠٣ ]
بحيث يسبق الرد الذي ذكره المصنف.
فقال النفاة (^١): «القول بأنه لو لم يكن متصفًا بهذه الصفات-كالسمع والبصر والكلام مع كونه حيًا- (^٢) لكان متصفًا بما يقابلها [وهو يتعالى ويتقدس أن يوصف بما يوجب في ذاته نقصًا] (^٣)، فالتحقيق فيه متوقف على بيان حقيقة المتقابلين وبيان أقسامهما.
_________________
(١) هذا النقل من كتاب أبكار الأفكار للآمدي نقله عنه شيخ الإسلام في التدمرية مبتورًا في بعض مقاطعه، وقد اجتهد المحقق، د. محمد بن عودة السعوي -حفظه الله- في تكميل النقص الذي في النص، ومقارنته بما في أبكار الأفكار (الجزء الأول/ الورقة ٥٦) من فيلم في قسم المخطوطات بالمكتبة المركزية لجامعة الملك سعود تحت رقم (٣٤ المجموعة الخاصة)، وهو مصور عن مخطوطة في مكتبة آيا صوفيا بتركيا برقم (٢١٦٥)، وقد قارنت النص أيضًا بما في كتاب غاية المرام في علم الكلام ص (٥٠ - ٥١)، الذي هو تلخيص لكتاب "أبكار الأفكار"، فاجتهدت في إثبات أكثر النصوص دلالة على المسألة، مستعينًا بكتب القوم الأخرى،، وأشرت إلى الفوارق في الهامش.
(٢) هذا التمثيل من شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-.
(٣) ما بين المعكوفتين من غاية المرام ص (٥٠)، وهذه حجة أهل الحق التي سيشرع الآمدي في ردها.
[ ٢ / ١٠٠٤ ]
فنقول: أما المتقابلان فما لا يجتمعان في شيءٍ واحدٍ من جهةٍ واحدةٍ، وهو إما ألا يصح اجتماعهما في الصدق ولا في الكذب، أو يصح ذلك في أحد الطرفين (^١).
فالأول: هما المتقابلان بالسلب والإيجاب، وهو تقابل التناقض، والتناقض هو: اختلاف القضيتين بالإيجاب والسلب على وجه لا يجتمعان في الصدق ولا الكذب لذاتيهما، كقولنا: زيدٌ حيوانٌ، زيدٌ ليس بحيوانٍ.
ومن خاصيته: استحالة اجتماع طرفيه في الصدق أو الكذب، وأنه لا واسطة بين الطرفين ولا استحالة لأحد الطرفين إلى الآخر.
والثاني، ثلاثة أقسام:
الأول: المتقابلان بالتضايف، وهما اللذان لا تعقُّل لكل واحد منهما إلا مع تعقُّل الآخر، كقولنا: زيدٌ أبٌ، زيدٌ ابنٌ، وخاصيته توقف كل واحد من طرفيه على الآخر في الفهم.
الثاني: المتقابلان بالتضاد، والمتضادان: كل أمرين يُتصور اجتماعهما في الكذب دون الصدق، كالسواد والبياض، ومن خواصه جواز استحالة كل واحد من طرفيه إلى الآخر في بعض صوره، وجواز وجود واسطة بين الطرفين تمر عليه الاستحالة من أحد الطرفين إلى الآخر، كالصفرة والحمرة، بين السواد والبياض.
ـ الثالث: تقابل العدم والمَلَكَة، والمراد بالملكة هنا: كل معنى وجودي أمكن أن يكون ثابتًا للشيء إما بحق جنسه كالبصر للإنسان، أو بحق نوعه ككتابة زيدٍ، أو بحق
_________________
(١) في غاية المرام ص (٥٠): "أما المتقابلان: فهما ما يجتمعان في شيءٍ واحدٍ، من جهةٍ واحدةٍ، وهذا إما أن يكون في اللفظ أو في المعنى، فإن كان في المعنى، فإما أن يكون بين وجودٍ وعدمٍ، أو بين وجودين، إذ الأعدام المحضة لا تقابل بينها".
[ ٢ / ١٠٠٥ ]
شخصه كاللحية للرجل، وأما العدم المقابل لها فهو ارتفاع هذه الملكة (^١).
ولما لم يكن ملكة البصر بالتفسير المذكور ثابتة للحجر، لا يقال له: أعمى ولا بصير، ومن خواص هذا التقابل جواز انقلاب الملكة إلى العدم ولا عكس.
فإن أُريد بالتقابل ها هنا تقابل التناقض بالسلب والإيجاب، وهو أنه لا يخلو من كونه سميعًا وبصيرًا ومتكلمًا أو ليس، فهو ما يقوله الخصم، ولا يقبل نفيه من غير دليل (^٢).
وإن أُريد بالتقابل تقابل المتضايفين فهو غير متحقق ها هنا، ومع كونه غير متحقق فلا يلزم من نفي أحد المتضايفين ثبوت الآخر، بل ربما انتفيا معًا، ولهذا يقال: زيدٌ ليس بأبٍ لعمرو ولا بابنٍ له أيضًا.
وإن أُريد بالتقابل تقابل الضدين، فإنما يلزم أن لو كان واجب الوجود قابلًا لتوارد الأضداد عليه وهو غير مسلَّمٍ (^٣)، وإن كان قابلًا فلا يلزم من نفي أحد الضدين وجود الآخر؛ لجواز اجتماعهما في العدم، ووجود واسطةٍ بينهما، ولهذا يصح أن يقال: الباري تعالى ليس بأسود ولا أبيض (^٤).
_________________
(١) في غاية المرام ص (٥١): " والمراد بالملكة هاهنا: كل قوةٍ على شيءٍ ما مستحقةٍ لما قامت به، إما لذاته أو لذاتي له، وذلك كما في قوة السمع والبصر ونحوه للحيوان، والمراد بالعدم هو رفع هذه القوة على وجه لا تعود، وسواء كان في وقت إمكان القوى عليه أو قبله، وذلك كما في العمى والطرش ونحوه للحيوان ".
(٢) في غاية المرام ص (٥١): " فعلى هذا إن أريد بالتقابل هاهنا، تقابل السلب والإيجاب في اللفظ، حتى إذا لم يقل: إن الباري ذو سمع وبصر لزم أن يقال: إنه ليس بذي سمع ولا بصر، فهو ما يقوله الخصم، ولا يقبل بعينه من غير دليل ".
(٣) في غاية المرام ص (٥١): " وذلك مما لا يسلمه الخصم وليس عليه دليل ".
(٤) في غاية المرام ص (٥١): "ولهذا يصح أن يقال إن الباري تعالى ليس بأسود ولا أبيض ولو لزم من نفي أحد الضدين وجود الآخر لما صدق قولنا بالنفي فيهما".
[ ٢ / ١٠٠٦ ]
وإن أُريد بالتقابل تقابل العدم والملكة، فلا يلزم أيضًا من نفي الملكة تحقق العدم ولا بالعكس، إلا في محلٍ يكون قابلًا لهما، ولهذا يصح أن يقال: الحجر لا أعمى ولا بصير.
والقول بكون الباري تعالى قابلًا للبصر والعمى دعوى محل النزاع والصادرة
على المطلوب، وعلى هذا فقد امتنع لزوم العمى والخرس والطرش في حق الله تعالى، من ضرورة نفي البصر والسمع والكلام (^١) (^٢) اهـ.
والرد على زعم المخالف سيأتي في كلام المصنف التالي:
المتن
قال المصنف ﵀: "فقالوا (^٣): «القول بأنه لو لم يكن متصفا بهذه الصفات، كالسمع والبصر والكلام، مع كونه حيًّا لكان متصفا بما يقابلها.
فالتحقيق فيه متوقف على بيان حقيقة المتقابلَيْن وبيان أقسامهما.
_________________
(١) في غاية المرام ص (٥١): "نعم إنما يلزم العدم المذكور من ارتفاع القوة الممكنة للشيء المستحقة له لذاته أو لذاتي له كما بيّنا، والقول بارتفاع مثل هذه القوة في حق الباري يجر إلى دعوى محل النزاع والمصادرة على المطلوب وهو غير معقول".
(٢) هذا النقل كما سبق بيانه هو من: أبكار الأفكار (١/ لوحة ٥٦)، وانظر: غاية المرام في علم الكلام ص (٥٠ - ٥١)، درء تعارض العقل والنقل (٤/ ٣٤ - ٣٦). وللتوسع ومعرفة اختلاف النظار في أنواع التقابل انظر: الإشارات والتنبيهات (١/ ١٣٣، ٣٤٣ - ٣٤٤)، شرح المواقف (٤/ ٣٠ - ٣٣، ٨٦ - ١٠٢، ٥/ ٢٩٨ - ٢٩٩)، الكليات ص (٣١١)، موسوعة مصطلحات علم المنطق عند العرب ص (٢١٢ - ٢١٤، ٥١٧ - ٥١٨)، التحفة المهدية ص (٩٤)، الأجوبة المرضية لتقريب التدمرية ص (٨١ - ٨٣).
(٣) من هنا يبدأ نقل الإمام ابن تيمية لكلام الآمدي وبالرجوع إلى أصل كلام الأمدي في كتابه أبكار الأفكار يتضح أن هناك سقط في نقل كلام الآمدي مما يحتاج معه لإكمال النقل قبل الشروع في شرح المتن. انظر: كتاب أبكار الأفكار ١/ ١٩٠ - ١٩٢.
[ ٢ / ١٠٠٧ ]
فنقول: أما المتقابلان فما لا يجتمعان في شيء واحد من جهة واحدة، وهو إما أن لا يصح اجتماعهما في الصدق ولا في الكذب، أو يصح ذلك في أحد الطرفين.
فالأول: هما المتقابلان بالسلب والإيجاب، وهو تقابل التناقض، والتناقض هو اختلاف القضيتين بالسلب والإيجاب على وجه لا يجتمعان في الصدق ولا في الكذب لذاتيهما كقولنا: زيد حيوان، زيد ليس بحيوان، ومن خاصيته استحالة اجتماع طرفيه في الصدق والكذب، وأنه لا واسطة بين الطرفين ولا استحالة لأحد الطرفين إلى الآخر … "
[ ٢ / ١٠٠٨ ]