المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "القاعدة السادسة: أنّ لقائل أن يقول: لا بدّ في هذا الباب من ضابط يُعرف به ما يجوز على الله ﷾ مما لا يجوز في النفي والإثبات، ".
الشرح
في هذه القاعدة يتناول المصنف شرح بعض الألفاظ والمصطلحات التي يتعين معرفتها لإزالة الإشكال الذي يمكن أن يقع فيها، حيث عرف عن المغالطين أنهم يتقصدون استعمال الكلمات المتقاربة في اللفظ والمشتركة (^١) في المعنى والغامضة في الدلالة وكانوا يميلون في جدالهم إلى الإبهام في الألفاظ والإيهام في المعاني.
وعلى غرار ما أوضحه المصنف في القاعدة الخامسة فيما وقع في لفظ "الظاهر" ولفظ "التأويل" من أن "لفظة (الظاهر) قد صارت مشتركة، فإن الظاهر في الفطر السليمة، واللسان العربي، والدين القيم، ولسان السلف، غير الظاهر في عرف كثير من المتأخرين" (^٢).
وكذلك لفظة (التأويل) له في القرآن معنى، وفي عرف كثير من السلف وأهل التفسير معنى، وفي اصطلاح كثير من المتأخرين له معنى، وبسبب تعدد الإصطلاحات والأوضاع فيه، حصل اشتراكٌ غلطَ بسببه كثير من الناس في فهم
_________________
(١) الألفاظ المشتركة هي الأسماء المتفقة اللفظ التي يكون معناها متباينًا وهي مشتركة اشتراكا لفظيا". انظر: مجموع الفتاوي لابن تيمية: ٢٠/ ٢٣٤.
(٢) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٣٣/ ى ١٧٥).
[ ٢ / ٨٢٦ ]
القرآن وغيره" (^١)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وَتَحْقِيقُ هَذَا الْمَوْضِعِ بِالْكَلَامِ فِي مَعْنَى التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ.
أَمَّا "التَّمْثِيلُ" فَقَدْ نَطَقَ الْكِتَابُ بِنَفْيهِ عَنِ اللَّهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [سُورَةُ الشُّورَى: ١١]، وَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مَرْيَمَ الآية: ٦٥]، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: ٢٢]، وَقَوْلِهِ: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [سُورَةُ النَّحْلِ: ٧٤].
وَلَكِنْ وَقَعَ فِي لَفْظِ " التَّشْبِيهِ" إِجْمَالٌ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا لَفْظُ" الْجِسْمِ "وَ"الْجَوْهَرِ "وَ"الْمُتَحَيِّزِ" وَ"الْجِهَةِ" وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَمْ يَنْطِقْ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ بِذَلِكَ فِي حَقِّ اللَّهِ لَا نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا، وَكَذَلِكَ لَمْ يَنْطِقْ بِذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ وَغَيْرِ أَهْلِ الْبَيْتِ، فَلَمْ يَنْطِقْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِذَلِكَ فِي حَقِّ اللَّهِ لَا نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا. (^٢) "
وسيتناول المصنف هنا ما يتعلق بألفاظ "التشبية" و"التمثيل" و"التجسيم" وما وقع فيها من اختلاف في الاستعمال، والقواعد المتعين معرفتها لرفع اللبس الواقع في فهم هذه الألفاظ من جهة، ورد وإبطال المعاني الفاسدة من جهة أخرى.
قول المصنف: "إذ الاعتماد في هذا الباب على مجرد نفي التشبيه أو مطلق الإثبات من غير تشبيه ليس بسديد".
أي أن الاعتماد على النفي المجرد عن الإثبات كما هي طريقة المعطلة لا يكفي، وكذلك الاعتماد على الإثبات المجرد عن نفي التشبيه كما هي طريقة
_________________
(١) نقض التأسيس» - مخطوط - (٢/ ٢٢٣ - ٢٢٤).
(٢) منهاج السنة النبوية ٣/ ٥٢٧ - ٥٣٠.
[ ٢ / ٨٢٧ ]
المشبهة لا يكفي، بل هذا قول فاسد ورأي ليس بسديد" (^١)
وهذا كله من نوع الاشتباه، ومن هداه الله فرق بين الأمور وإن اشتركت من بعض الوجوه، وعلم ما بينهما من الجمع والفرق، والتشابه والاختلاف" (^٢).
وقد تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه منهاج السنة عن هذه المسألة فقال: "وَأَوَّلُ مَنْ عُرِفَ عَنْهُ التَّكَلُّمُ بِذَلِكَ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا أَهْلُ الْكَلَامِ الْمُحْدَثِ مِنَ النُّفَاةِ: كَالْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَمِنَ الْمُثْبِتَةِ: كَالْمُجَسِّمَةِ مِنَ الرَّافِضَةِ وَغَيْرِ الرَّافِضَةِ.
فَالنُّفَاةُ: نَفَوْا هَذِهِ الْأَسْمَاءَ، وَأَدْخَلُوا فِي النَّفْيِ مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ صِفَاتٍ كَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ وَغَضَبِهِ وَعُلُوِّهِ، وَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يَرَى، وَلَا يَتَكَلَّمُ بِالْقُرْآنِ وَلَا غَيْرِهِ، وَلَكِنْ مَعْنَى كَوْنِهِ مُتَكَلِّمًا أَنَّهُ خَلَقَ كَلَامًا فِي جِسْمٍ مِنَ الْأَجْسَامِ غَيْرِهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَالْمُثْبِتَةُ: أَدْخَلُوا فِي ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ مَا نَفَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، حَتَّى قَالُوا: إِنَّهُ يُرَى فِي الدُّنْيَا بِالْأَبْصَارِ، وَيُصَافَحُ، وَيُعَانَقُ، وَيَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ، وَيَنْزِلُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ رَاكِبًا عَلَى جَمَلٍ أَوْرَقَ يُعَانِقُ الْمُشَاةَ وَيُصَافِحُ الرُّكْبَانَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ يَنْدَمُ وَيَبْكِي وَيَحْزَنُ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ لَحْمٌ وَدَمٌ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَالَاتِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ وَصْفَ الْخَالِقِ ﷻ بِخَصَائِصِ الْمَخْلُوقِينَ. (^٣) "
ثم بين منهج أهل السنة فقال: "وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يُوصَفَ بِشَيْءٍ مِنَ الصِّفَاتِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْمَخْلُوقِينَ، وَكُلُّ مَا اخْتَصَّ بِالْمَخْلُوقِ فَهُوَ صِفَةُ نَقْصٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ وَمُسْتَحِقٌّ لِغَايَةِ الْكَمَالِ، وَلَيْسَ لَهُ مِثْلٌ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ، فَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقْصِ مُطْلَقًا، وَمُنَزِّهٌ فِي الْكَمَالِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ، كَمَا قَالَ
_________________
(١) التحفة المهدية شرح العقيدة التدمرية ٢/ ٤.
(٢) الرسالة التدمرية (١/ ١٠٨ - ١٠٩).
(٣) منهاج السنة النبوية ٣/ ٥٢٧ - ٥٣٠.
[ ٢ / ٨٢٨ ]
تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ - اللَّهُ الصَّمَدُ - لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ - وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [سُورَةُ الْإِخْلَاصِ: ١ - ٤]، فَبَيَّنَ أَنَّهُ أَحَدٌ صَمَدٌ، وَاسْمُهُ الْأَحَدُ يَتَضَمَّنُ نَفْيَ الْمِثْلِ، وَاسْمُهُ الصَّمَدُ يَتَضَمَّنُ جَمِيعَ صِفَاتِ الْكَمَالِ، كَمَا قَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ الْمُصَنَّفِ فِي تَفْسِيرِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. (^١) "
وقول المصنف: "وذلك أنه ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك وقدر مميّز".
يريد المصنف أن يبين أنه لابد في مسألة الألفاظ والمصطلحات من مراعاة أنه ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك وقدر مميز يميز كل واحد من الشيئين عن الآخر.
ومسألة "القدر المشترك" سبق توضيحها بشكل موسع، وأشار المصنف لها في عدة مواطن من هذه الرسالة، ومن ذلك قوله عند الكلام على المحكم والمتشابه: "ومن هداه الله سبحانه فرّق بين الأمور وإن اشتركت من بعض الوجوه، وعلم ما بينها من الجمع والفرق، والتشابه والاختلاف".
القدر المشترك هو: مسمى الاسم المطلق، وهذا المسمى هو معنى كلي لا يوجد إلا في الأذهان.
فإنه ما من موجودين إلا ولا بد أن يشتركا في أنهما موجودان ثابتان حاصلان، وأنّ كلا منهما له حقيقة هي ذاته ونفسه وماهيته.
قال شيخ الإسلام ﵀: «القدر المشترك الكلي لا يوجد في الخارج إلا معينا مقيدا، ومعنى اشتراك الموجودات في أمر من الأمور هو تشابهها من ذلك الوجه، وأن ذلك المعنى العام يطلق على هذا وهذا لا أن الموجودات في الخارج يشارك أحدها
_________________
(١) منهاج السنة النبوية ٣/ ٥٢٧ - ٥٣٠.
[ ٢ / ٨٢٩ ]
الآخر شيء موجود فيه، بل كل موجود متميز عن غيره بذاته وصفاته وأفعاله» (^١).
وإثبات القدر المشترك لازم لإثبات الصفات، ومن خلاله عرفنا الله ﷿ وعرفنا بنفسه سبحانه، وليس ثمة محذور يخشى من إثباته لأمور (^٢).
١ - معرفتنا بحقيقة القدر المشترك المعرفة التامة تعطينا التصور الصحيح للعلاقة في هذه الأسماء المتواطئة بين الخالق والمخلوق، وأن القدر المشترك هو اشتراك في معنى اللفظ العام (^٣)، وهو يطلق على الله تعالى وعلى العبد بإطلاق كلي وأما الاشتراك بينهما في الخارج فلا يكون بكلي أبدًا بل لا بد من وقوعه في الخارج متميزا متعينا، وهذا القدر المشترك لا يقتضي أبدا الاشتراك فيما يختص به أحدهما، قال شيخ الإسلام ﵀: "والقدر المشترك كلي لا يختص بأحدهما دون الآخر، فلم يقع بينهما اشتراك لا فيما يختص بالممكن المحدث، ولا فيما يختص بالواجب القديم، فإن ما يختص به أحدهما يمتنع اشتراكهما فيه .. " (^٤).
٢ - لا يلزم من إثبات القدر المشترك الوقوع في التشبيه الممتنع شرعا وعقلا فإن اتفاق المسميين في بعض الأسماء والصفات ليس هو التشبيه والتمثيل الذي نفته الأدلة السمعية والعقلية وإنما نفت ما يستلزم اشتراكهما فيما يختص به الخالق مما يختص بوجوبه أو جوازه أو امتناعه فلا يجوز أن يشركه مخلوق في شيء من خصائصه ﷾ (^٥).
_________________
(١) التدمرية: ١٢٨.
(٢) دلالة الأسماء الحسنى على التنزيه: ٨٥ - ٨٦ (بتصرف).
(٣) يمكن إطلاق لفظ المشترك المعنوي على المتواطئ في مقابل لفظ (المشترك اللفظي)، وقد أشار إلى هذا شيخ الإسلام ﵀ ويفهم من كلامه، انظر: مجموع الفتاوي له: ٢٠/ ٢٣٩.
(٤) التدمرية: ١٢٥ - ١٢٩.
(٥) التدمرية: ١٢٥ - ١٢٩.
[ ٢ / ٨٣٠ ]
٣ - إثبات القدر المشترك من لوازم الوجود، فكل موجودين لابد بينهما من مثل هذا، ومن نفى هذا لزمه تعطيل وجود كل موجود، ولهذا لما اطلع الأئمة على أن هذا حقيقة قول الجهمية سموهم معطلة؛ لأن رفع القدر المشترك ألزمهم تعطيل وجود كل موجود" (^١).
هذه أهم النقاط المتعلقة بإثبات القدر المشترك وأنه لا يوجد ما يمنع من إثباته.
قال ابن القيم: "فأحظى الناس بالحق وأسعدهم به الذي يقع على الخصائص المميزة الفارقة ويلغي القدر المشترك فيحكم بالقدر الفارق على القدر المشترك ويفصله به.
وأبعدهم عن الحق والهدى من عكس هذا السير وسلك ضد هذه الطريق فألغى الخصائص الفارقة وأخذ القدر المشترك وحكم به على القدر الفارق.
وأضل منه من أخذ خصائص كل من النوعين فأعطاها للنوع الآخر.
فهذان طريقا أهل الضلالة اللتان يرجع إليهما جميع شعب ضلالهم وباطلهم" (^٢).
وقول المصنف: "فالنافي إن اعتمد فيما ينفيه على أن هذا تشبيه، قيل له:
إن أردت أنه مماثل له من كل وجه فهذا باطل.
وإن أردت أنه مشابه له من وجه دون وجه، أو مشارك له في الاسم، لزمك هذا في سائر ما تثبته.
وأنتم إنما أقمتم الدليل على إبطال التشبيه والتماثل، الذي فسرتموه بأنه يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، ويجب له ما يجب له.
_________________
(١) التدمرية: ١٢٥ - ١٢٩.
(٢) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة ٤/ ١٢١٦ - ١٢١٨
[ ٢ / ٨٣١ ]
ومعلوم أن إثبات التشبيه بهذا التفسير مما لا يقوله عاقل يتصور ما يقول، فإنه يعلم بضرورة العقل امتناعه، ولا يلزم من نفي هذا نفي التشابه من بعض الوجوه، كما في الأسماء والصفات المتواطئة.
ولكن من الناس من يجعل التشبيه مفسرًا بمعنى من المعاني، ثم إن كل من أثبت ذلك المعنى قالوا: إنه مشبِّه. ومنازعهم يقول: ذلك المعنى ليس هو من التشبيه".
طرح المصنف أحد احتمالين لطائفة النفاة
في مقصودهم بنفي التشبيه على حد اصطلاحهم ومرادهم في إطلاق هذا اللفظ.
الاحتمال الأول: "أنه مماثل له من كل وجه" ففسروا التماثل بحسب اصطلاحهم "بأنه يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، ويجب له ما يجب له" أي أنه يثبت للمخلوق مثل ما يثبت له، بحيث يجوز على هذا ما يجوز على هذا، ويجب له ما يجب له، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه (^١).
الاحتمال الثاني: قال عنه: "وإن أردت أنه مشابه له من وجه دون وجه، أو مشارك له في الاسم". أي أنه يثبت له ما فيه نوع من التشابه (^٢).
وقال المصنف في الصفدية: "وإن كان بعض من يثبت له بعض الصفات وينفي بعضها مثل من يثبت لله العلم والقدرة وينفي الرضا والغضب والوجه واليد قد يقول ليس بين علمنا وعلم الله فرق ولا بين سمعنا وسمع الله فرق ولا بين بصرنا وبصر الله فرق إلا في الحدوث والقدم.
ومقصوده بذلك أن ينفصل عن إلزام المثبتة فإنهم يقولون له كما أثبت لله علما وقدرة وسمعا وبصرا وليس مثل سمعنا وبصرنا ولا علمنا وقدرتنا فكذلك أثبت له
_________________
(١) الصفدية ٢/ ١٠ - ١١.
(٢) الصفدية ٢/ ١٠ - ١١.
[ ٢ / ٨٣٢ ]
رضا وغضبا ووجها ويدا وليس مثل رضانا ولا غضبنا ولا وجوهنا ولا أيدينا فيريد بزعمه أن يذكر الفرق بأن التماثل موجود في الوصفين فليس بين العلمين والقدرتين فرق إلا في الحدوث والقدم" (^١).
وهذا إنما ذكرته لأن بعض معتزلة الصفاتية الذين يثبتون الصفات السبعة وينفون الصفات الخبرية ويزعمون أن هذا تشبيه ممتنع أورد عليهم هذا بسبب محنة وقعت بين المثبتة والنفاة وكان قاضي القضاة وقيل بل نثبت هذه الصفات مع انتفاء المماثلة كما أثبتم تلك الصفات مع انتفاء المماثلة فكما أن له علما ولنا علم وليس علمه مثل علمنا ولنا قدرة وله قدرة وليست قدرته مثل قدرتنا فكذلك يقال في الصفات الخبرية.
فقال ليس بين علمنا وعلمه فرق إلا في الحدوث والقدم فإذا أثبتنا له الوجه ونحوه لزم أن يكون مثل وجوهنا إلا في الحدوث والقدم فعلم المعارضون له فساد هذا القول وقبحه شرعا وعقلا وأن قولا يستلزم مثل هذا من أفسد الأقوال.
وهذا القول شعبة من قول الباطنية المذكورين نفاة الصفات الثبوتية والسلبية والأسماء فإنهم جردوه عن جميع ذلك حذرا من التشبيه المذكور.
والمقصود هنا بيان جواب الباطنية القرامطة وهذا الجواب الذي ذكرناه على أحد القولين وهو جواز كون النفي مشابها لغيره من وجه دون وجه وهذا هو الصحيح الذي عليه أكثر الناس وهو المنصوص عن أحمد وغيره.
وذهبت طائفة إلى امتناع ذلك وقالوا لا يتصور إلا التماثل من كل وجه أو الاختلاف من كل وجه وقال هؤلاء إن الأجسام متماثلة من كل وجه والأعراض المختلفة والأجناس كالسواد والبياض مختلفة من كل وجه وهؤلاء يقولون إذا كان
_________________
(١) الصفدية ٢/ ١٠ - ١١.
[ ٢ / ٨٣٣ ]
هذا حيا عالما وهذا حيا عالما لم يجب أن يكون بينهما تشابه بوجه من الوجوه بل قد يكونان مختلفين من كل وجه لأنهما لم يتماثلا في ذاتهما ولكن في صفتهما وذلك لا يوجب عندهم تماثلا ولا اختلافا ولهذا قالوا الأجسام متماثلة مع اختلاف صفاتهما وزعموا أن الصفات التي اختلفت لأجلها ليست لازمة لشيء منها بل يجوز أن تتبدل على كل من الأجسام مع بقاء حقيقته.
وهذا القول وإن كان القائل به كثير من الصفاتية كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى وأبي المعالي وغيرهم فهو من أفسد الأقوال بل هو معلوم الفساد بالضرورة بعد التصور الصحيح.
وهؤلاء يجيبون هؤلاء الباطنية بجواب خامس وهو أن الخالق والمخلوق إذا سمي كل واحد منهما فاعلا أو قادرا أو غير ذلك فإنما لم يتماثلا في ذاتيهما وإنما يكون التماثل في الذات إذا كان هذا جسما أو جوهرا والآخر كذلك، وهؤلاء يقولون كل من قال بأن الرب جسم كان مشبها ومن نفى ذلك لم يكن مشبها ولا ينفصلون بهذا الجواب فإن منازعهم يقول فإذا أثبتم الصفات أو الأسماء لزم أن يكون الموصوف المسمى جسما كما تقولون أنتم ذلك لمن أثبت ما نفيتموه وجعلتموه مجسما ولا يمكنهم أن يذكروا فرقا صحيحا وكل ما يقولونه يمكن المثبت أن يقول لهم مثله فيلزم بطلان هذا الفرق بين ما سموه تجسيما وما لم يسموه تجسيما فلزم إما إثبات الجميع وإما نفي الجميع" (^١).
أما الرد على الاحتمال الأول: فقد رد عليه المصنف بقوله: ومعلوم أن إثبات التشبيه بهذا التفسير مما لا يقوله عاقل يتصور ما يقول، فإنه يعلم بضرورة العقل امتناعه، ولا يلزم من نفي هذا نفي التشابه من بعض الوجوه، كما في الأسماء
_________________
(١) الصفدية ٢/ ١١ - ١٩
[ ٢ / ٨٣٤ ]
والصفات المتواطئة.
وقال المصنف في الصفدية: "فإن ادعيت الأول كان ممنوعا وممتنعا فإنهم إذا قالوا لله علم وقدرة وللمخلوق علم وقدرة لم يقولوا إن العلمين والقدرتين متماثلان بحيث يجب لأحدهما ما وجب للآخر ويمتنع عليه ما يمتنع عليه ويجوز عليه ما يجوز عليه بل هذا معلوم الفساد بالضرورة" (^١).
وقال أيضًا: "ونفي الجميع ممتنع لأنه قد علم بالضرورة أن الموجود ينقسم إلى واجب قديم قيوم غني خالق وإلى ممكن محدث مدبر فقير مخلوق فلا سبيل إلى جعل الوجود كله واحدا واجبا كما يقوله أهل الوحدة ولا إلى جعله كله مخلوقا مربوبا محدثا كما يذكر عن بعضهم أنه ادعى حدوث الوجود كله بدون محدث فإن فساد كل من القولين من أبين العلوم الضرورية البديهية ولهذا كان أهل الوحدة متناقضين لا يلتزمون قولهم، وأما حدوث الوجود جميعه بدون محدث فلا تعرف طائفة قالته وإنما يقدر تقديرا ذهنيا كما تقدر كثير من الأقوال السوفسطائية لتبيين بطلانها وانتفائها.
فقد تبين أن أقوال نفاة الصفات كقول أهل الإلحاد المعطلة للصانع وأن القول الثاني قول من يقول بالوجود المطلق عن النفي والإثبات هو أحد قولي القرامطة الباطنية والأول قول القرامطة الباطنية الذين يلونهم نفاة الصفات الثبوتية الذين لا يصفونه إلا بالسلوب.
وقول من قال المطلق لا بشرط الذي يصدق على كل موجود فهو يشبه قول من يجمع بين النقيضين فيصفه بصفة كل موجود وإن كانت متناقضة ويجعل وجود الخالق هو وجود المخلوق أو جزء منه وعلى كل تقدير فحقيقة قول هؤلاء
_________________
(١) الصفدية ٢/ ١٠ - ١١.
[ ٢ / ٨٣٥ ]
نفي الوجود الواجب المباين للوجود الممكن ونفي وجود الخالق المباين للمخلوقات ونفي وجود القديم المباين للمحدثات وهذا قول المعطلة وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. " (^١)
وأما الرد على الاحتمال الثاني: فقد رد عليه المصنف بقوله: "ولا يلزم من نفي هذا نفي التشابه من بعض الوجوه، كما في الأسماء والصفات المتواطئة.
وقال المصنف في الصفدية: "وهذا القول باطل قطعًا فإنه لو تماثل العلمان والقدرتان لجاز على أحدهما ما يجوز على الآخر وامتنع عليه ما يمتنع عليه ووجب له ما وجب له.
ولو جاز أن يقال ذلك في العلم والقدرة لجاز أن يقال ذلك في الحياة والسمع والبصر والكلام والإرادة وغير ذلك من الصفات.
وإن جاز أن يقال ذلك في الصفات جاز مثله في الذات لأن نسبة علم الرب إلى ذاته كنسبة علم العبد إلى ذاته فهما علمان وعالمان.
وإن جاز أن يقال العلم مثل العلم إلا في الحدوث والقدم جاز أن يقال العالم كالعالم إلا في الحدوث والقدم.
وهذا معلوم الفساد بالضرورة وهو يتبين من وجوه:
(الوجه الأول): منها أنه لو تماثلت الذاتان لامتنع اختصاص أحدهما بالحدوث والأخرى بالقدم فإن المقتضى لقدم الرب هو نفس ذاته لا يحتاج في ثبوت قدمه إلى غيره.
والمقتضى لكون العبد مفتقرا إلى من يخلقه نفس ذاته ليس افتقاره مستفادا من أمر خارج عن ذاته.
_________________
(١) الصفدية ٢/ ١١ - ١٩
[ ٢ / ٨٣٦ ]
فإذا كان المثلان يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر وهذه الذات لا يجوز عليها القدم بل يمتنع عليها وتلك يجب لها القدم ويمتنع عليها العدم وإذا امتنع تماثلهما فامتنع تماثل صفاتهما فإن صفة كل موصوف بحسبه" (^١).
فإن قيل الأمور المختلفة قد تشترك في لوازم متماثلة كالإنسان والفرس يشتركان في الحيوانية.
قيل ليست الحيوانية العامة المختصة للإنسان مماثلة من كل وجه للحيوانية المختصة بالفرس بل هما مختلفان حسب اختلاف الحقيقتين وإن اشتركا في الحيوانية العامة فذلك العام لا يوجد عاما إلا في الذهن لا في الخارج.
تبيين ذلك أن خاصة الحيوانية الحس والحركة الإرادية وإحساس الفرس ليس مثل إحساس الإنسان بل ولا مثل إحساس الهر والفأر وإن اشتركا في الحيوانية ولا حركته الإرادية مثل حركة هذه الحيوانات الإرادية ولو ماثل الإنسان سائر الحيوان في الحس والحركة الإرادية للزم أن تثبت لكل منهما لوازم حس الآخر وحركته الإرادية فإن ثبوت الملزوم بدون اللازم ممتنع وحس الإنسان وحركته الإرادية يلزمهما لوازم يمتنع اتصاف الهر والفأر بها وكذلك بالعكس فعلمنا أن الحس والحركة مختلفان فيهما بالنوع كما أن حقيقتهما مختلفة بالنوع فحيوانيتهما مختلفة بالنوع والمختلف بالنوع والحقيقة ليس متماثلا واشتراكهما في جنس الحيوانية كاشتراك السواد والبياض في جنس اللونية مع أنهما مختلفان بالنوع والحقيقة.
(الوجه الثاني): وأيضًا فكل ما للرب تعالى من صفات الكمال فهو من لوازم ذاته فلو ماثلته ذات أخرى لاتصفت بمثل ما اتصف به الرب بحيث يكون بكل شيء
_________________
(١) الصفدية ٢/ ١٠ - ١١.
[ ٢ / ٨٣٧ ]
عليما وعلى كل شيء قديرا ويكون قادرا على خلق مثل هذا العالم وأمثال ذلك مما يعلم امتناعه.
(الوجه الثالث): وأيضًا فالرب تعالى لو كان له مثل للزم أن يقدر على ما يقدر عليه وأن يريد كما يريد، وحينئذ فيمتنع وجود العالم لأنه إن أمكن أن يستقل به كل منهما لزم أن يكون كل منهما فاعلًا له كله غير فاعل لشيء منه وهذا جمع بين النقيضين، وإن لم يمكن أن يستقل به أحدهما إلا إذا تركه الآخر كانت قدرته مشروطة بتمكين الآخر له، وكذلك إن لم يمكن أحدهما فعله إلا بمعاونة الآخر لزم أن لا يقدر أحدهما إلا إذا جعله الآخر قادرا وحينئذ فلا يكون أحدهما حال الانفراد قادرا على شيء، وإذا لم يكن أحدهما حال الانفراد قادرا على شيء امتنع حال الاجتماع قدرتهما لأنه ليس هناك شيء غيرهما يجعلهما قادرين وليس لواحد منهما قدرة يعين بها الآخر فلو كان كل منهما صار قادرا بجعل الآخر له لزم الدور في التأثير وهو الدور القبلي الباطل باتفاق العقلاء وهو معلوم الفساد ضرورة بعد التصور
وهذا بخلاف إذا كان هناك ثالث يجعلهما قادرين بالاجتماع فإن هذا هو الدور المعي وهو جائز ولهذا لا يوجد شيئان من الموجودات يصير لهما قدرة حال الاجتماع إلا بإحداث ثالث ذلك لهما أو بانضمام قوة أحدهما إلى قوة الآخر كالمشتركين من الآدميين لا بد أن يكون لأحدهما عند الإنفراد قدرة على شيء أو عند الإجتماع تقوى قدرتهما
والتقدير هنا أنه لا شيء من القدرة ثابت حال الإنفراد وإذا كان تقدير مثل له يستلزم أن يكون قادرا مثله وتقدير ربين قادرين ممتنع علم انتفاء مثله وإذا كان تقديرهما غير قادرين ممتنعا أيضا علم انتفاء شريك على كل وجه وأن تقدير مثل له
[ ٢ / ٨٣٨ ]
أو شريك له ممتنع لذاته سواء قدر المثل مشاركا أو غير مشارك وسواء قدر الشريك مماثلا أو غير مماثل وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.
(الوجه الرابع): ومما يبين امتناع تماثل العلمين أن الرب بكل شيء عليم سواء قيل إنه عالم بعلم واحد أو بعلوم غير متناهية وليس علم العبد لا هكذا ولا هكذا بل هذا ممتنع فيه ولو قال القائل علم الرب بالشيء المعين كعلم العبد به كان ممتنعا فإن الرب يعلمه علم إحاطة به والعبد لا يحيط به.
(الوجه الخامس): وأيضا فإنا نعلم بالضرورة أن الله أعلم وأقدر من خلقه كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت الآية: ١٥].
وقال تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم الآية: ٣٢].
وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور الآية: ١٩].
وقال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ [الإسراء الآية: ٨٥].
وهذا أوضح في المنقول والمعقول وأعظم من أن يحتاج إلى شواهد فكيف يجوز أن يظن التماثل مع ثبوت التفاضل" (^١).
وقول المصنف: "ولكن من الناس من يجعل التشبيه مفسرًا بمعنى من المعاني، ثم إن كل من أثبت ذلك المعنى قالوا: إنه مشبِّه. ومنازعهم يقول: ذلك المعنى ليس هو من التشبيه، وقد يفرَّق بين لفظ «التشبيه» و«التمثيل» ".
الإجمال الذي لحق بهذا الاسم لم يكن من جهة لفظ (التشبيه) ومسماه، وإنما كان من جهة ما ألحقه به النفاة من معان غير داخلة فيه بأصل الوضع.
_________________
(١) الصفدية ٢/ ١٢/ ١٦.
[ ٢ / ٨٣٩ ]
وقد بين شيخ الإسلام ذلك في موضع آخر حيث قال: "لفظ التشبيه في كلام هؤلاء النفاة المعطلة لفظ مجمل" (^١)، فبين أن الإجمال الذي في لفظ (التشبيه) إنما هو في عرف خاص خاطئ، فلا يمنع ذلك من نفيه باعتبار معناه الصحيح الذي قصده السلف من نفيهم للتشبيه، ولذا قال شيخ الإسلام بعد كلامه السابق بأسطر في ذكر مذهب أهل السنة: "ينزهونه عن النقص والتعطيل، وعن التشبيه والتمثيل، إثبات بلا تشبيه، وتنزيه بلا تعطيل".
أما الفرق بين المشابهة والمماثلة (^٢).
وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية أقوال الناس في لفظي (التشبيه) و(التمثيل)، وهل هما بمعنى واحد، فقال:
وقد تنازع الناس: هل لفظ (الشبه) و(المثل) بمعنى واحد أو معنيين، على قولين:
أحدهما: أنهما بمعنى واحد، وأن ما دل عليه لفظ (المثل) مطلقا ومقيدًا يدل عليه لفظ (الشبه)، وهذا قول طائفة من النظار.
والثاني: أن معناهما مختلف عند الإطلاق لغة، وشرعا، وعقلًا، وإن كان مع التقيد والقرينة يراد بأحدهما ما يراد بالآخر، وهذا قول أكثر الناس».
ثم بين ﵀ مبنى هذا الاختلاف في الإطلاق فقال:
"وهذا الاختلاف مبني على مسألة عقلية، وهو أنه هل يجوز أن يشبه الشيء الشيء من وجه دون وجه؟ وللناس في ذلك قولان:
_________________
(١) منهاج السنة النبوية (٢/ ١١٠).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (٥/ ٣٤٧) (٦/ ١١٣) (١٣/ ٢٧٩)، درء تعارض العقل والنقل (٦/ ١٢٣ - ١٢٥).
[ ٢ / ٨٤٠ ]
فمن منع أن يشبهه من وجه دون وجه قال: المثل والشبه واحد.
ومن قال إنه قد يشبه الشيء الشيء من وجه دون وجه فرق بينهما عند الإطلاق، وهذا قول جمهور الناس.
فإن العقل يعلم أن الأعراض -مثل الألوان-تشتبه في كونها ألوانًا، مع أن السواد ليس مثل البياض، وأيضًا فمعلوم في اللغة أنه يقال: (هذا يشبه هذا)، و(فيه شبه من هذا) إذا أشبهه من بعض الوجوه، وإن كان مخالفة له في الحقيقة» (^١).
وهذا التفريق بين معنى التشبيه والتمثيل قد أقر به جمع من المتكلمين، فقد قرر ابن الهمام الحنفي من الماتريدية أن «المثلية تقتضي المساواة في كل الصفات، والتشبيه لا يقتضيه» (^٢)، وبين أبو المعين النسفي أن الشخصين لو اشتركا في الفقه أو الطب أو غير ذلك من العلوم والصناعات، ولم يكن بينهما في ذلك النوع مساواة ينوب أحدهما مناب صاحبه ويسد مسده، فإنه لا يستجيز أحد من أرباب اللسان أن يقول: فلان مثل فلان في علم كذا، أو صنعة كذا (^٣).
فتحصل بذلك أن لفظ التشابه والتماثل غير متطابقين في المعنى، بل لفظ التشابه أعم من لفظ التماثل، إذ التشابه يطلق على مطلق مشاركة الشيء للشيء ولو من بعض الوجوه، وأما التماثل فهو مشاركة الشيء للشيء من كل الوجوه، وإن كان قد يطلق لفظ التشبيه ويراد به التمثيل، وكذا العكس، وذلك يعلم بسياق الكلام وقرائنه.
وقول المصنف: "وقد يفرَّق بين لفظ «التشبيه» و«التمثيل» ".
_________________
(١) الجواب الصحيح (٣/ ٤٤٤ - ٤٤٥).
(٢) المسامرة شرح المسايرة (٣٠٨)، وانظر: تبصرة الأدلة لأبي المعين النسفي (١/ ١٥٠ - ١٥١).
(٣) انظر: تبصرة الأدلة (١/ ١٥٠).
[ ٢ / ٨٤١ ]
هناك فرق بينهما في أصل اللغة (^١).
فالمماثلة: هي مساواة الشيء لغيره من كل وجه.
والمشابهة: هي مساواة الشيء لغيره في أكثر الوجوه.
ولكن التعبير هنا بنفي "التمثيل" أولى لموافقة لفظ القرآن.
في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى الآية: ١١].
وقوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال﴾ [النحل الآية: ٧٤].
ويخلط كثير من الناس في هذا المقام بين مفهوم (التمثيل) ومفهوم (التشبيه).
فالأول هو الذي نفته النصوص الشرعية، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾.
بخلاف لفظ (التشبيه) فإنه لفظ مجمل، قد يراد به التمثيل، وقد يراد به ما ليس تمثيلًا، وقد فرّق-تعالى-بينهما في قوله: (وَقَالَ الَذِينَ لا يَعلَمُونَ لَولا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تًَاتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَذِينَ مِنْ قَبلِهِم مِّثلَ قَولِهِم تَشَابَهَت قُلُوبُهُمْ).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فوصفَ القولين بالتماثل، والقلوب بالتشابه لا بالتماثل، فإن القلوب - وإن اشتركت في هذا القول - فهي مختلفة لا متماثلة، وقال النبي: «الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور متشابهات لا يعلمهن كثير من الناس»، فدل على أنه يعلمها بعض الناس، وهي في نفس الأمر ليست متماثلة بل بعضها حرام وبعضها حلال" (^٢)
فالتشابه، إذا أطلق، يتضمن الموافقة من بعض الوجوه دون بعض، أما المماثلة
_________________
(١) القواعد المثلى ص ٢٧
(٢) الجواب الصحيح، جـ ٣ ص ٤٤٦.
[ ٢ / ٨٤٢ ]
فهي الموافقة من جميع الوجوه، بحيث يستوي الشيء ومثله في كل جانب ويجوز ويمتنع على أحدهما من الخصائص واللوازم.
فالمحذور شرعًا هو التمثيل، أما (التشبيه (فإن أريد به التمثيل فهو ممتنع، وإن أريد به الموافقة من بعض الوجوه دون بعض فليس في ذلك محذور، وذلك أن جماهير العقلاء يعلمون أنه ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك، ونفس ذلك القدر المشترك ليس هو نفس التمثيل والتشبيه الذي قام الدليل العقلي والسمعي على نفيه، وإنما التشبيه الذي قام الدليل على نفيه ما يستلزم ثبوت شيء من خصائص المخلوقين لله﷾إذ هو-سبحانه-ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله" (^١).، وشبه الشيء بالشيء يكون لمشابهته له من بعض الوجوه، وذلك لا يقتضي التماثل الذي يوجب أن يشتركا فيما يجب ويجوز ويمتنع. وإذا قيل هذا حي عليم قدير، وهذا حي عليم قدير، فتشابها في مسمى الحي والعليم والقدير، لم يوجب ذلك أن يكون هذا المسمى مماثلًا لهذا المسمى من كل وجه، بل هنا ثلاثة أشياء:
أحدها: القدر المشترك الذي تشابها فيه، وهو معنى كلي لا يختص به أحدهما، ولا يوجد كليًّا عامًّا إلا في علم العالم (^٢)
الثاني: ما يختص به هذا، كما يختص الرب بما يقوم به من الحياة والعلم والقدرة.
الثالث: ما يختص به ذاك، كما يختص به العبد، من الحياة والعلم والقدرة، فما اختص به الرب﷿لا يشركه فيه العبد، ولا يجوز عليه شيء من النقائص التي
_________________
(١) درء التعارض، جـ ٥ ص ٢٢٧.
(٢) أي في الذهن وليس في الخارج
[ ٢ / ٨٤٣ ]
تجوز على صفات العبد، وما يختص به العبد لا يشركه فيه الرب، ولا يستحق شيئًا من صفات الكمال التي يختص بها الرب﷿-. وأما القدر المشترك كالمعنى الكلي الثابت في ذهن الإنسان، فهذا لا يستلزم خصائص الخالق ولا خصائص المخلوق، فالاشتراك فيه لا محذور فيه". (^١)
_________________
(١) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: ٣/ ٤٤٠.
[ ٢ / ٨٤٤ ]