المتن
قال المصنف ﵀: "ومما يوضح هذا أن الله وصف القرآن كله بأنه محكم وبأنه متشابه، وفي موضع آخر جعل منه ما هو محكم ومنه ما هو متشابه، فينبغي أن يُعرف الإحكام والتشابه الذي يعمه، والإحكام والتشابه الذي يخص بعضه.
قال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود الآية: ١ [فأخبر أنه أحكم آياته كلها، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر الآية: ٢٣ [فأخبر أنه كله متشابه.
الشرح
ذكر المصنف هنا مسألة المحكم والمتشابه ولهذه المسألة علاقتها الوثيقة بمسألة معرفة ظواهر النصوص، فقد ذكر بعض المعطلة في تأويلهم لنصوص الصفات أن من النصوص ما يعلم معناه ومن ذلك نصوص الصفات، وهذه الدعوى حاول أولئك تمريرها تحت عدد من المسميات، فقد أثاروا هذه المسألة تحت قضية المحكم والمتشابه، وتحت دعوى التأويل، وتحت دعوى المجاز، وتحت دعوى التفويض، وغيرها من المسائل.
ودعوى أن نصوص الأسماء والصفات غير معلومة المعنى هي دعوى أهل التجهيل الذين قالوا: نصوص الصفات ألفاظ لا تعقل معانيها ولا ندري ما أراد الله ورسوله منها، ولكن نقرأها ألفاظا لا معاني لها، ونعلم أن لها تأويلًا لا يعلمه إلا الله،
[ ٢ / ٧٨١ ]
وهي عندنا بمنزلة ﴿كهيعص﴾ [مريم الآية: ١]، ﴿حم عسق﴾ [الشورى الآية: ١ - ٢]، ﴿المص﴾ [الأعراف الآية: ١].
فلو ورد علينا منها ما ورد لم نعتقد فيه تمثيلا ولا تشبيها، ولم نعرف معناه، وننكر على من تأوله ونكل علمه إلى الله، وظنَّ هؤلاء أن هذه طريقة السلف، وأنهم لم يكونوا يعرفون حقائق الأسماء والصفات ولا يفهمون معنى قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ [ص الآية: ٧٥]، وقوله: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر الآية ٦٧]، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وأمثال ذلك من النصوص وبنوا هذا المذهب على أصلين.
أحدهما: أن هذه النصوص من المتشابه.
والثاني: أن للمتشابه تأويلا لا يعلمه إلا الله.
فنتج من هذين الأصلين استجهال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وسائر الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأنهم كانوا يقرأون ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، و﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤].، ويروون "ينزل ربُّنا كل ليلة إلى سماء الدُّنيا" ولا يعرفون معنى ذلك، ولا ما أُريد به، ولازم قولهم أن الرسول كان يتكلم بذلك ولا يعلم معناه".
ولا شك أن دعوى كون طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك- بمنزلة الأمِّيِّين الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾ - هي دعوى باطلة وفيها من القدح في الدِّين وفي حق الرسول ﷺ والطعن في السابقين الأولين واستجهالهم واستبلاههم، واعتقاد أنهم كانوا قوما أمِّيِّين بمنزلة الصالحين من العامة، لم يتبحَّروا في حقائق العلم بالله،
[ ٢ / ٧٨٢ ]
ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهى
وهذا القول إذا تدبَّره الإنسان وجده في غاية الجهالة، بل في غاية الضلالة، فإنه من المعلوم أن الله سبحانه وصف نفسه بأنه بيَّن لعباده غاية البيان، وأمر رسوله ﷺ بالبيان، وأخبر أنه أنزل عليه كتابه ليبيِّن للناس ولهذا قال الزهريُّ: "من الله البيان وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم" فهذا البيان الذي تكفل به سبحانه وأمر به رسوله، إما أن يكون المراد به بيان اللفظ وحده، أو المعنى وحده، أو اللفظ والمعنى جميعا.
ولا يجوز أن يكون المراد به بيان اللفظ دون المعنى، فإن هذا لا فائدة فيه ولا يحصل به مقصود الرِّسالة.
وبيان المعنى وحده بدون دليله، وهو اللفظ الدَّال عليه ممتنع.
فعلم قطعا أن المراد بيان اللفظ والمعنى.
والله تعالى أنزل كتابه- ألفاظه ومعانيه- وأرسل رسوله ليبين اللفظ والمعنى، فكما أنا نقطع ونتيقن أنه بيَّن اللفظ، فكذلك نقطع ونتيقن أنه بيَّن المعنى، بل كانت عنايته ببيان المعنى أشد من عنايته ببيان اللفظ وهذا هو الذي ينبغي، فإن المعنى هو المقصود، وأما اللفظ فوسيلة إليه ودليل عليه، فكيف تكون عنايته بالوسيلة أهم من عنايته بالمقصود؛ وكيف نتيقَّن بيانه للوسيلة ولا نتيقّن بيانه للمقصود؟ وهل هذا إلا من أبين المحال؟.
ولقد جاءت رسالة النبي ﷺ بإثبات الصفات إثباتا مفصلا على وجه أزال الشبهة وكشف الغطاء، وحصل العلم اليقيني، ورفع الشك والرَّيب، فثلجت به الصدور واطمأنت به القلوب واستقرّ الإيمان في نصابه، ففصلت الرسالة الصفات والنعوت والأفعال أعظم من تفصيل، الأمر والنهي، وقرَّرت إثباتها أكمل تقرير في أبلغ
[ ٢ / ٧٨٣ ]
لفظ.
ومن يطَّلع على كلام الصحابة والتابعين ومن بعدهم يعلم أنهم عرفوا معاني تلك النصوص وفهموها.
ويريد المصنف الإجابة عن هذا التساؤل وهو هل في النصوص ما يعلم معناه من جهة التأويل الذي هو النفسير بعد أن بين أن هناك ما لا يعلم معناه من جهة التأويل الذي هو حقيقة الأشياء وكيفيتها.
ومسألة المحكم والمتشابه من المسائل التي طال النقاش حولها والمصنف هنا يفصل القول فيها من خلال عدة نقاط:
النقطة الأولى: أن النصوص وصفت القرآن بأوصاف:
الوصف الأول: أن القرآن كله محكم، وذلك في قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود الآية: ١ [فأخبر أنه أحكم آياته كلها".
الوصف الثاني: أن القرآن كله متشابه وذلك في "قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر الآية: ٢٣].
الوصف الثالث: وصف القرآن بأن منه ما هو محكم ومنه ما هو متشابه، وذلك في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران الآية: ٧].
النقطة الثانية: بيان معنى هذه الأوصاف.
قال المصنف بعد ذكره لهذه الأقسام "فينبغي أن يُعرف الإحكام والتشابه الذي يعمه، والإحكام والتشابه الذي يخص بعضه".
أولًا: معنى "الإحكام" عمومًا.
[ ٢ / ٧٨٤ ]
قال المصنف: "والحكم هو الفصل بين الشيئين، والحاكم يفصل بين الخصمين، والحكمة فصل بين المشتبهات علمًا وعملًا، إذا مُيِّز بين الحق والباطل، والصدق والكذب، والنافع والضار، وذلك يتضمن فعل النافع وترك الضار، فيقال: حَكَمْت السَّفيه وأحْكَمْته إذا أخذت على يديه، وحَكَمْت الدَّابَّة وأحْكَمْتها إذا جعلت لها حَكَمَة وهو ما أحاط بالحنك من اللجام، وإحكام الشيء إتقانه، فإحكام الكلام إتقانه بتمييز الصدق من الكذب في أخباره، وتمييز الرشد من الغي في أوامره.
جعل المصنف مدار الكلمة على الفصل وربط استعمالاتها بهذا المعنى وأعطى أمثلة لذلك:
بالحكم: فقال: "والحكم هو الفصل بين الشيئين"
والحاكم: فقال: "والحاكم يفصل بين الخصمين".
والحكمة: فقال: "والحكمة فصل بين المشتبهات علمًا وعملًا، إذا مُيِّز بين الحق والباطل، والصدق والكذب، والنافع والضار، وذلك يتضمن فعل النافع وترك الضار".
وحكمت السفيه، وحكمت الدابة: فقال: "حَكَمْت السَّفيه وأحْكَمْته إذا أخذت على يديه، وحَكَمْت الدَّابَّة وأحْكَمْتها إذا جعلت لها حَكَمَة وهو ما أحاط بالحنك من اللجام".
وإحكام الشيء: فقال: "وإحكام الشيء إتقانه، فإحكام الكلام إتقانه بتمييز الصدق من الكذب في أخباره، وتمييز الرشد من الغي في أوامره".
وهناك من يرى أن مادة "حكم" تدور على معنى الصرف والمنع، ومنه:
١ - (حكمة اللجام) للحديدة التي تمنع الفرس من الاضطراب والجموح.
٢ - ومنه حكم الحاكم؛ لأنه منع للظالم من وضع يده على حق غيره.
٣ - ومنه الحكيم؛ لأنه يمنع نفسه من اتباع هواها وارتكاب ما لا يليق، ويرجع إلى هذا المعنى قولهم: أحكمته إحكامًا إذا أخذت على يده، قال جرير:
[ ٢ / ٧٨٥ ]
أَبَنِي حَنِيفَةَ أحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ … إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمُ أَنْ أَغْضَبَا.
٤ - ومنه الإحكام بمعنى الإتقان؛ لأنه منع للشيء من الخلل والخطأ، يقال: بناء محكم؛ أي متين، لا وهن فيه ولا خلل.
وكلا المعنيين أي الفصل أو المنع متقاربان في المعنى.
ثانيًا: بيان معنى الإحكام العام الذي يعم جميع القرآن.
وقول المصنف: "والقرآن كله محكم بمعنى الإتقان، فقد سماه الله حكيمًا بقوله: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس الآية: ١ [فالحكيم بمعنى الحاكم، كما جعله يقص بقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل الآية: ٧٦]، وجعله مفتيًا في قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ [النساء الآية: ١٢٧ [أي: ما يتلى عليكم يفتيكم فيهن، وجعله هاديًا ومبشرًا في قوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ [الإسراء الآية: ٩].
هذا هو الإحكام العام حيث جاء وصف القرآن بأنه محكم، كما في أول سورة هود: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُه﴾ [هود الآية: ١]، وفسر المصنف الإحكام في هذه الآية بقوله: "والقرآن كله محكم بمعنى الإتقان" فالقرآن كله محكم في جزالة لفظه، ووضوح معانيه، ودقة أحكامه، وصدق أخباره، هذا معنى أنه قرآن محكم.
وربط المصنف بين المعنى اللغوي الذي يرجع إليه لفظ الإحكام الذي هو الفصل بالمعنى الشرعي واستشهد لذلك بأن الله ﷿:
١ - سمى القرآن حكيمًا: قال المصنف: "فقد سماه الله حكيمًا بقوله: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس الآية: ١]، فالحكيم بمعنى الحاكم".
٢ - وجعل القرآن يقص: قال المصنف: "كما جعله يقص بقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ
[ ٢ / ٧٨٦ ]
يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ "] النمل الآية: ٧٦].
٣ - وجعل القرآن مفتيًا: قال المصنف: "وجعله مفتيًا في قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ [النساء الآية: ١٢٧ [أي: ما يتلى عليكم يفتيكم فيهن".
٤ - وجعله هاديًا ومبشرًا: قال المصنف: "وجعله هاديًا ومبشرًا في قوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ "] الإسراء الآية: ٩].
وكل هذه المعاني داخلة في المعنى العام للإحكام الذي يعم القرآن جميعه.
ثالثًا: بيان معنى التشابه العام الذي يعم جميع القرآن.
وقول المصنف: "وأما التشابه الذي يعمه فهو ضد الاختلاف المنفي عنه في قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء الآية: ٨٢]، وهو الاختلاف المذكور في قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ • يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات الآيات: ٨ - ٩].
المقصود بهذا النوع هو ما ورد في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر الآية: ٢٣ [فأخبر أنه كله متشابه؛ وقال المصنف: "فهو ضد الاختلاف المنفي عنه في قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء الآية: ٨٢].
وأما عن المعنى المقصود بالتشابه العام فقد بينه المصنف بيانًا شافيًا بما لا مزيد عليه فقال: "فالتشابه هنا هو تماثل الكلام وتناسبه، بحيث يصدِّق بعضه بعضا، فإذا أمر بأمر لم يأمر بنقيضه في موضع آخر، بل يأمر به، أو بنظيره، أو بملزوماته، وإذا نهى عن شيء لم يأمر به في موضع آخر، بل ينهى عنه، أو عن نظيره، أو عن لوازمه، إذا لم يكن هناك نسخ.
وكذلك إذا أخبر بثبوت شيء لم يخبر بنقيض ذلك، بل يخبر بثبوته، أو بثبوت ملزوماته، وإذا أخبر بنفي شيء لم يثبته، بل ينفيه، أو ينفي لوازمه، بخلاف القول المختلف الذي ينقض بعضه بعضًا، فيُثبت الشيء تارة وينفيه أخرى، أو يأمر به وينهى
[ ٢ / ٧٨٧ ]
عنه في وقت واحد، أو يفرق بين المتماثلين فيمدح أحدهما ويذم الآخر، فالأقوال المختلفة هنا هي المتضادة، والمتشابهة هي المتوافقة.
وهذا التشابه يكون في المعاني وإن اختلفت الألفاظ، فإذا كانت المعاني يوافق بعضها بعضًا، ويعضد بعضها بعضًا، ويناسب بعضها بعضًا، ويشهد بعضها لبعض، ويقتضي بعضها بعضًا- كان الكلام متشابهًا، بخلاف الكلام المتناقض الذي يضاد بعضه بعضًا.
رابعًا: التشابه العام لا ينفي الإحكام العام.
قال المصنف: "فهذا التشابه العام لا ينافي الإحكام العام، بل هو مصدق له، فإن الكلام المحكم المتقن يصدق بعضه بعضًا، لا يناقض بعضه بعضًا".
فالقرآن من إحكامه وإتقانه أنه من أوله إلى آخره متشابه، يشبه بعضه بعضا في المعاني التي ذكرها المصنف، من التناسب والتماثل وتصديق بعضه لبعض، وأنه لا يخالف ولا يناقض ولا يضاد بعضه بعضًا.
خامسًا: الفرق بين الإحكام الخاص والتشابه الخاص.
قال المصنف: "بخلاف الإحكام الخاص، فإنه ضد التشابه الخاص، فالتشابه الخاص هو مشابهة الشيء لغيره من وجه مع مخالفته له من وجه آخر، بحيث يشتبه على بعض الناس أنه هو أو هو مثله، وليس كذلك، والإحكام هو الفصل بينهما بحيث لا يشتبه أحدهما بالآخر".
ذكر المصنف الفرق بين التشابه الخاص والإحكام الخاص.
أولًا: من حيث التعريف:
التشابه الخاص: الوارد في النص المقصود به: "هو مشابهة الشيء لغيره من وجه مع مخالفته له من وجه آخر، بحيث يشتبه على بعض الناس أنه هو أو هو مثله، وليس
[ ٢ / ٧٨٨ ]
كذلك".
والإحكام الخاص: الوارد في النصوص المقصود به: "هو الفصل بينهما بحيث لا يشتبه أحدهما بالآخر".
فالمحكم بهذا المعنى هو: ما اتضح المراد منه.
والمتشابه بهذا المعنى: ما لم يتضح المراد منه لبعض دون بعض.
ثانيًا: الفوارق بين النوعين.
الفرق الأول: أن الله -جل وعلا- ذكر أن المحكم أكثر من المتشابه؛ لأنه سمى المحكم أم الكتاب -يعني معظم الكتاب، وغالب الكتاب-، ومعنى هذا أن الغالب على آيات القرآن الوضوح والبيان.
والمتشابه قليل؛ لأن الله -جل وعلا- قال: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران الآية: ٧].
الفرق الثاني: أن الله -جل وعلا- ذكر أن الناس أمام المتشابه صنفان:
الصنف الأول: صنف زائغ يتبع المتشابه، ويحرص عليه، ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله؛ ولهذا قال -تعالى-: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْه﴾ [آل عمران الآية: ٧]، ينقبون عن المتشابهات ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله.
الصنف الثاني: سماهم الله الراسخين في العلم، هؤلاء الذين يردون المتشابه للمحكم، فإذا رُدَّ المتشابه للمحكم اتضح المتشابه، يزول التشابه، وأيضا يعرفون أن خطابهم بالمتشابه اختبار وابتلاء: هل يؤمنون بما لا يعرفون، أو لا يؤمنون؟ والحقيقة أنهم يؤمنون؛ لأنهم ماذا يقولون؟ ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران الآية: ٧].
من الأمثلة: قول الله -تعالى-: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاء﴾ [النحل الآية: ٩٣ [قد يقرأ هذه الآية إنسان في قلبه مرض -والعياذ بالله-، فيظن أن هداية الله -تعالى- وإضلاله جزاف؛ لأنه قال: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاء﴾ [النحل الآية: ٩٣ [
[ ٢ / ٧٨٩ ]
ولا ذكرت الآية أسباب الهداية، ولا أسباب الإضلال.
لكن الراسخين في العلم ردوا هذه الآية-التي قد يظن فيها التشابه-إلى المحكم من القرآن، فالله -جل وعلا- قال: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَام﴾ (٤) إذن الآية ذكرت أن هداية الله تعالى للعبد لسبب صادر من العبد، وهو قوله: ﴿اتَّبَعَ رِضْوَانَه﴾ (٤) وفي مجال الغواية والإضلال جاءت الآية الثانية: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٥) إذن صارت الهداية لها أسباب والإضلال له أسباب.
إذن ما المنهج للخروج من التشابه؟ رد المتشابه إلى المحكم.
المسألة السادسة: أنواع التشابه الخاص.
قال المصنف: "وهذا التشابه إنما يكون لقدر مشترك بين الشيئين مع وجود الفاصل بينهما ثم من الناس من لا يهتدي للفصل بينهما، فيكون مشتبهًا عليه، ومنهم من يهتدي إلى ذلك، فالتشابه الذي لا يتميز معه قد يكون من الأمور النِّسبيّة الإضافية، بحيث يشتبه على بعض الناس دون بعض، ومثل هذا يعرف منه أهل العلم ما يزيل عنهم هذا الاشتباه، كما إذا اشتبه على بعض الناس ما وعدوا به في الآخرة بما يشهدونه في الدنيا فظن أنه مثله، فعلم العلماء أنه ليس هو مثله، وإن كان مشبها له من بعض الوجوه".
التشابه الخاص نوعان: باعتبار ما يتعلق بالمعاني والكيفيات.
فقد لا تبلغ العقول مبلغ فهم هذا النص، فهذا يأتي من حالين:
إما حال المعنى.
أو حال الكيف
فالنوع الأول: يسمى التشابه النسبي: وهو يقع من جهة المعاني-ومعناه الذي
[ ٢ / ٧٩٠ ]
يخفى على أحد دون أحد.
فالظهور والبطون والوضوح والخفاء في فهم المعاني هي أمور نسبية، فقد يفهم الإنسان من آية فهمًا صحيحًا، وقد يفهم منها فهمًا سقيمًا، وهذا يكون بسبب فهمه، فهذا أمر يختلف فيه الناس، فلذلك إذا كان الفهم فاسدًا فيقال: إن هذا الفهم إذا فهمه البعض فهو فهم فاسد، لا أن يقول: إن ظاهر الآية في هذا هو كذا، وهذا غير صحيح.
فحال المعنى فقد يكون بما يسمى الاشتباه النسبي، بمعنى: أن النص قد يتضح لك ويخفى عليك أو العكس، يتضح لي ويخفى عليك، فالمعنى قد لا يبلغه عقلك أو فهمك، وهذا وقع حتى لبعض أصحاب النبي -ﷺ-.
فالصحابة رضوان الله عليهم لما سمعوا قول الله -﷿-: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]، جاءوا يبكون ويقولون للنبي: "وأينا لم يظلم نفسه" ففهموا من الظلم ظلم النفس، فأرشدهم النبي -ﷺ- إلى المعنى الحق، وقال: «ألم تسمعوا لقول العبد الصالح يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلمٌ عظيم» (^١)، فأفهمهم بأن المراد من الظلم هنا هو الشرك؛ لأن الظلم على ثلاثة أنواع:
ظلم النفس، وظلم الغير، والظلم بمعنى الشرك.
وهذا عدي بن حاتم عربي قُح، عندما سمع قول الله -﷿-: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، جاء بحبلين بعقالين أحدهما أسود والثاني أبيض ووضعهما تحت وسادته وأخذ ينظر إليهما، يريد أن يتبين إليه
_________________
(١) انظر صحيح البخاري كِتَابُ الإِيمَانِ، بَابٌ: ظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ برقم (١٥)، ومسلم كِتَابُ الْإِيمَانَ، بَابُ صِدْقِ الْإِيمَانِ وَإِخْلَاصِهِ (١٢٤)، والترمذي (٣٠٦٧)، والإمام أحمد في المسند مسند المكثرين من الصحابة (٣٥٨٩).
[ ٢ / ٧٩١ ]
الأبيض من الأسود، فلما جاء إلى النبي -ﷺ- قال: «إن قفاك لعريض ألم يقل من الفجر» (^١)، فبين له أن المعنى هنا بياض النهار وسواد الليل.
فيقع التباس وعدم قدرة على الفهم من جهة المعنى.
النوع الثاني: التشابه مطلق: وهو الذي يخفى على كل احد.
وهذا يقع إذا كان الأمر يتعلق بالكيفية ككيفية صفات الله ﷿، فنحن لا نعلم كيفية نزوله، ولا كيفية استوائه، فلا سبيل لأن نعلم هذه الكيفيات فهي أمورٌ لا تبلغها عقولنا، فما جاء النص بما يصادم العقل، لكن قد يأتي النص بما لم يبلغه العقل، وما لم يصل إليه عقل الإنسان. فما كان متعلقًا بالكيف فليس لك إليه سبيل؛ لأنه محجوبٌ عنك، وكما قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، فليس لك أن تتخوض أو تخوض في شأن الكيف ولا سبيل لك إليها.
مثال ذلك: آيات الصفات.
وقد انقسم الناس في آيات الصفات هل هي من المتشابه إلى فريقين:
فريقٌ أطلق ولم يصب، فقال: آيات الصفات من المتشابه.
وفريق آخر من المحققين-وعلى رأس القائمة شيخ الإسلام ابن تيمية-قالوا: آيات الصفات من جهة المعاني ليست من المتشابه؛ لأن معانيها معروفة.
وأما كيفية الصفة فهذا من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله.
_________________
(١) انظر صحيح البخاري كِتَابُ الصَّوْمِ، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، برقم (١٩١٦)، ومسلم كِتَاب الصِّيَامِ، بَابُ بَيَانِ أَنَّ الدُّخُولَ فِي الصَّوْمِ يَحْصُلُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ … برقم (١٠٩٠)، والترمذي (٢٩٧٠)، والنسائي (٢١٦٩)، والإمام أحمد في المسند أَوَّلُ مُسْنَدِ الْكُوفِيِّينَ (١٩٣٧٥).
[ ٢ / ٧٩٢ ]
المسألة السابعة: أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس.
قال المصنف: "ومن هذا الباب الشُّبه التي يضل بها بعض الناس، وهي ما يشتبه فيها الحق بالباطل، حتى يشتبه على بعض الناس، ومن أوتي العلم بالفصل بين هذا وهذا لم يشتبه عليه الحق بالباطل.
والقياس الفاسد إنما هو من باب الشبهات، لأنه تشبيه للشيء في بعض الأمور بما لا يشبهه فيه، فمن عرف الفصل بين الشيئين اهتدى للفرق الذي يزول به الاشتباه والقياس الفاسد.
وما من شيئين إلا ويجتمعان في شيء، ويفترقان في شيء، فبينهما اشتباه من وجه وافتراق من وجه، ولهذا كان ضلال بني آدم من قبل التشابه- والقياس الفاسد لا ينضبط- كما قال الإمام أحمد ﵀: أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس، فالتأويل في الأدلة السمعية، والقياس في الأدلة العقلية، وهو كما قال، والتأويل الخطأ إنما يكون في الألفاظ المتشابهة، والقياس الخطأ إنما يكون في المعاني المتشابهة".
أوضح المصنف ﵀ أن أكثر ضلال الناس وقع بسبب أمرين:
شبه التأويل.
القياس الفاسد.
وبين أن شبه التأويل تقع في الأدلة السمعية، وذلك من جهة الألفاظ المتشابهة. وعرفها المصنف بقوله: "وهي ما يشتبه فيها الحق بالباطل"
وهذا النوع عده المصنف من باب الاشتباه النسبي فقال: "حتى يشتبه على بعض الناس"
وليس الاشتباه المطلق، وذلك أن الاشتباه النسبي قد يعرفه العلماء فقال
[ ٢ / ٧٩٣ ]
المصنف: "ومن أوتي العلم بالفصل بين هذا وهذا لم يشتبه عليه الحق بالباطل".
وأن القياس الفاسد يقع في االأدلة العقلية، وذلك من جهة المعاني المتشابهة. وعرف المصنف القياس الفاسد بقوله: "تشبيه للشيء في بعض الأمور بما لا يشبهه فيه"
وهذا النوع عده المصنف كذلك من باب الاشتباه النسبي وليس الاشتباه المطلق فقال: "فمن عرف الفصل بين الشيئين اهتدى للفرق الذي يزول به الاشتباه والقياس الفاسد.
قال ابن القيم: " فالرأي الباطل أنواع:
أحدها: الرأي المخالف للنص، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام
فسادُه وبطلانه، ولا تحلُّ الفتيا به ولا القضاء، وإن وقع فيه مَنْ وقع بنوع تأويلٍ وتقليد.
النوع الثاني: هو الكلام في الدين بالخرْص والظن، مع التفريط والتقصير في معرفة النصوص وفهمها واستنباط الأحكام منها، فإنَّ مَنْ جهلها وقاسَ برأيه فيما سئل عنه بغير علم، بل لمجرد قدر جامع بين الشَّيئين ألحق أحدهما بالآخر، أو لمجرد قدرٍ فارقٍ يراه بينهما، ففرق بينهما في الحكم، من غير نظر إلى النصوص والآثار؛ فقد وقع في الرأي المذموم الباطل فضلَّ وأضل.
النوع الثالث: الرأيُ المتضمنُ تعطيلَ أسماءِ الربِّ وصفاته وأفعاله بالمقاييس الباطلة التي وضعها أهلُ البدع والضلال من الْجَهْمِيَّة والمُعْتَزلة والقَدَريَّة ومن ضَاهَاهُم، حيث استعمل أهله قياساتِهِم الفاسدة وآراءَهم الباطلة وشُبَهَهَم الداحضة في رَدِّ النصوص الصحيحة الصريحة، فردوا لأَجلها ألفاظ النصوص التي وجدوا السبيل إلى تكذيب رواتها وتخطئتهم، ومعاني النصوص التي لم يجدوا إلى رَدِّ
[ ٢ / ٧٩٤ ]
ألفاظها سبيلًا، فقابلوا النوع الأول بالتكذيب، والنوع الثاني بالتحريف والتأويل، فانكروا لذلك رؤية المؤمنين رَبَّهم في الآخرة، وأنكروا كلامه وتكليمه لعباده، وأنكروا مباينته للعالم، واستواءه على عرشه، وعُلوَّهُ على المخلوقات، وعموم قدرته على كل شيء، بل أخرجوا أفعال عباده من الملائكة والأنبياء والجن والإنس عن تعلُّقِ قُدْرَتِه ومشيئته وتكوينه لها، ونَفَوْا لأجلها حَقائقَ ما أَخبرَ به عن نفسه وأَخبرَ به رسولُه من صِفاتِ كَمالهِ ونُعوتِ جَلَاله؛ وحرَّفوا لأجلها النصوص عن مَواضِعِها، وأخرجوها عن معانيها [وحقائقها] (٩) بالرأي المجرد الذي حقيقته أنه زُبالة الأذهان ونُخالة الأفكار وعُفارة الآراء ووساوس الصدور، فملأوا به الأوراق سَوَادًا، والقلوب شُكوكًا، والعالم فسادًا.
النوع الرابع: الرأي الذي أُحدثت به البدع، وغُيِّرت به السنن، وعمَّ به البلاء، وتربَّى عليه (٨) الصغير، وهَرِمَ فيه الكبير.
فهذه الأنواع الأربعة من الرأي الذي اتفق سلف الأمَّة وأئمتها على ذمِّه وإخراجه من الدين.
النوع الخامس: ما ذكره أبو عمر بن عبد البر عن جمهور أهل العلم أن الرأي المذموم في هذه الآثار عن النبي -ﷺ- وعن أصحابه والتابعين﵃أنه القول في أحكام شرائع الدين بالاستحسان والظُّنون، والاشتغال بحفظ المعْضِلات والأغلوطات، ورَدِّ الفروع والنوازل بعضها على بعضٍ قياسًا، دون ردها على أصولها والنظر في عللها واعتبارها، فاستُعْمِل فيها الرأي قبل أن تنزل، وفُرِّعت وشُققت قبل أن تقع، وتُكّلِّم فيها قبل أن تكون بالرأي المضارع للظن، قالوا: وفي الاشتغال بهذا والاستغراق فيه تعطيل السنن، والبعث على جهلها، وترك الوقوف على ما يلزم
[ ٢ / ٧٩٥ ]
الوقوف عليه منها، ومن كتاب اللَّه﷿ومعانيه" (^١)
المسألة الثامنة: أمثلة لما وقع من القياس الفاسد من جهة الاشتراك في الألفاظ.
المثال الأول: قول الاتحادية.
قال المصنف: "وقد وقع بنو آدم في عامة ما يتناوله هذا الكلام من أنواع الضلالات، حتى آل الأمر بمن يدعي التحقيق والتوحيد والعرفان منهم إلى أن اشتبه عليهم وجود الرب بوجود كل موجود فظنوا أنه هو، فجعلوا وجود المخلوقات عين وجود الخالق، مع أنه لا شيء أبعد عن مماثلة شيء، أو أن يكون إياه، أو متحدًا به، أو حالا فيه من الخالق مع المخلوق. فمن اشتبه عليهم وجود الخالق بوجود المخلوقات- حتى ظنوا وجودها وجوده- فهم أعظم الناس ضلالا من جهة الاشتباه، وذلك أن الموجودات تشترك في مسمى «الوجود» فرأوا الوجود واحدًا، ولم يفرقوا بين الواحد بالعين والواحد بالنوع".
الاتحادية الذين يقولون: إن وجود الخالق هو وجود الخلق هو من أتباع ابن عربي صاحب فصوص الحكم وصاحب الفتوحات المكية، وخلاصة هؤلاء الاتحادية يجمعون بين النفي العام والإثبات العام فعندهم أن ذاته لا يمكن أن ترى بحال وليس له اسم ولا صفة ولا نعت، إذ هو الوجود المطلق الذي لا يتعين، وهو من هذه الجهة لا يرى ولا اسم له.
ويقولون: إنه يظهر في الصور كلها، وهذا عندهم هو الوجود الاسمي لا الذاتي، ومن هذه الجهة فهو يرى في كل شيء، ويتجلى في كل موجود، لكنه لا يمكن أن ترى نفسه، بل تارة يقولون كما يقول ابن عربي: ترى الأشياء فيه، وتارة يقولون يرى هو في الأشياء وهو تجليه في الصور، وتارة يقولون كما يقول ابن سبعين:
_________________
(١) إعلام الموقعين عن رب العالمين ١/ ٥٤ - ٥٦
[ ٢ / ٧٩٦ ]
"عين ما ترى ذات لا ترى وذات لا ترى عين ما ترى".
وهم مضطربون لأن ما جعلوه هو الذات عدم محض، إذ المطلق لا وجود له في الخارج مطلقًا بلا ريب، لم يبق إلا ما سموه مظاهر ومجالي، فيكون الخالق عين المخلوقات لا سواها، وهم معترفون بالحيرة والتناقض مع ما هم فيه من التعطيل والجحود. (^١)
وفي هذا يقول ابن عربي:
فإن قلت بالتنزيه كنت مقيدًا … وإن قلت بالتشبيه كنت محددًا
وإن قلت بالأمرين كنت مسددًا … وكنت إمامًا في المعارف سيدًا
فمن قال بالإشفاع كان مشركًا … ومن قال بالإفراد كان موحدًا
فإياك والتشبيه إن كنت ثانيًا … وإياك والتنزيه إن كنت مفردًا
فما أنت هو بل أنت هو وتراه … في عين الأمور مسرحا ومقيدًا (^٢)
المثال الثاني: قول المعتزلة ومن وافقهم.
قال المصنف: "وآخرون توهموا أنه إذا قيل: الموجودات تشترك في مسمى «الوجود»، لزم التشبيه والتركيب، فقالوا: لفظ «الوجود» مقول بالاشتراك اللفظي، فخالفوا ما اتفق عليه العقلاء مع اختلاف أصنافهم، من أن الوجود ينقسم إلى قديم ومحدث، ونحو ذلك من أقسام الموجودات.
وهذا قول المعتزلة ومن وافقهم، وهؤلاء هم نفاة جميع الصفات الذين أخذوا يقولون: إثبات الصفات يقتضي التركيب والتجسيم، إما لكون الصفة لا تقوم إلا بجسم في اصطلاحهم، والجسم مركب في اصطلاحهم، وإما لأن إثبات العلم والقدرة
_________________
(١) -بغية المرتاد ص ٤٧٣.
(٢) -بغية المرتاد ص ٥٢٧.
[ ٢ / ٧٩٧ ]
ونحوهما يقتضي إثبات أمور متعددة، وذلك تركيب" (^١).
هذه الحجة التي ينفون بها الصفات ويعتمدون على نفي مسمى التركيب هي مبنية على ألفاظ مجملة مشتركة موهمة فإذا قالوا إثبات الصفات تركيب والمركب مفتقر إلى جزئه وجزؤه غيره والمفتقر إلى غيره ليس بواجب بنفسه قيل لهم إن أردتم بالغير غيرًا مباينًا له فهذا باطل وإن أردتم ما هو داخل في مسمى اسمه كان حقيقة قولكم المركب لا يوجد إلا بوجود جزئه والمجموع لا يوجد إلا بوجود بعضه والجملة لا توجد إلا بوجود أفرادها. وقد تقدم الكلام على لفظ التركيب فيما سبق.
المثال الثالث: قول الفلاسفة.
قال المصنف: "وطائفة ظنت أنه إذا كانت الموجودات تشترك في مسمى «الوجود» لزم أن يكون في الخارج عن الأذهان موجود مشترك فيه، وزعموا أن في الخارج عن الأذهان كليات مطلقة: مثل وجود مطلق، وحيوان مطلق، وجسم مطلق، ونحو ذلك؛ فخالفوا الحس والعقل والشرع، وجعلوا ما في الأذهان ثابتًا في الأعيان، وهذا كله من أنواع الاشتباه. "
هؤلاء هم الفلاسفة الذين يقولون بموجودات ممكنة ليست أجساما ولا أعراضا قائمة بالأجسام كالعقل والنفس والهيولى والصورة التي يدعون أنها جواهر عقلية موجودة خارج الذهن ليست أجساما ولا أعرضا لأجسام فإن أئمة أهل النظر يقولون إن فسادها هذا معلوم بالضرورة كما ذكر ذلك أبو المعالي الجويني وأمثاله من أئمة النظر والكلام" (^٢)
_________________
(١) الرسالة الصفدية - قاعدة في تحقيق الرسالة وإبطال قول أهل الزيغ والضلالة ص ٧٣، ٧٤.
(٢) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٣).
[ ٢ / ٧٩٨ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومن أكثر أسباب غلطهم بناؤهم على أن المعقول الموجود يكون له وجوده في الخارج وهم إذا تدبروا ذلك علموا أن المعقولات التي هي أمور كلية إنما وجودها في الأذهان لا في الأعيان وإن الخارج لا يكون فيه شيء مما هو معقول مجرد وهو الأمور الكلية إلا أن يراد بالمعقول في قولهم مثلوا المعقول في صورة المحسوس ما يحسه الإنسان بنفسه دون جسده، فهذا في الحقيقة محسوس موجود لكن بالحس الباطن والوجد الباطن ليس معقولا محضا ولا في تمثل أن الإنسان يحس جوعه وشبعه ولذته وألمه أنه ينتقل حكمه من الباطن إلى الظاهر كما ينتقل حكم الحس بالظاهر إلى الباطن، وإذا قدر وجود النفس بغير بدن فهو يحس بما يجده من لذة وألم وذلك أمر محسوس لها وبجنس أسباب ذلك لا يكون لها معقولا مجردا كليا فإن ذاك إنما ثبوته في مجرد العلم والاعتقاد ولا بد له من أفراد موجودة في الخارج وإلا لم يكن حقا، ومن المعلوم أن هذا الظان أن النفس تلذذ بهذه الأمور دون إدراك الحقائق الخارجية من أفسد الظن وهو كقول من يقول إن النفس تتلذذ بتمثل المحسوس والمشتهى دون المباشرة لحقيقته الخارجة فقولهم يمثل المعقول في صورة المحسوس كلام لا حقيقة له، لكن لو قال يمثل الغائب في صورة الشاهد ويمثل الغيب في صورة الشهادة كان هذا حقا، فإن الإنسان إنما يعلم ما يشهده ويحس به بالقياس والتمثيل لما شاهده، لكن هذا لا يقتضي أن تكون الأمور الغائبة المتمثلة ليست في أنفسها مما يحس بل يعقل عقلا مجردا فإن هذا لا يقوله من يفهم ما يقوله" (^١)
المسألة التاسعة: ضرورة التفريق بين الأمور التي اشتركت من بعض الوجوه.
قال المصنف: "ومن هداه الله سبحانه فرّق بين الأمور وإن اشتركت من بعض
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٣٣).
[ ٢ / ٧٩٩ ]
الوجوه، وعلم ما بينها من الجمع والفرق، والتشابه والاختلاف، وهؤلاء لا يضلون بالمتشابه من الكلام لأنهم يجمعون بينه وبين المحكم- الفارق الذي يبين ما بينهما من الفصل والافتراق.
وهذا كما أن لفظ «إنّا» و«نحن» وغيرهما من صيغ الجمع يتكلم بها الواحد الذي له شركاء في الفعل، ويتكلم بها الواحد العظيم، الذي له صفات تقوم كل صفة مقام واحد، وله أعوان تابعون له، لا شركاء له. فإذا تمسك النصراني بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ ونحوه على تعدد الآلهة، كان المحكم كقوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ونحو ذلك مما لا يحتمل إلا معنى واحدًا- يزيل ما هناك من الاشتباه، وكان ما ذكره من صيغ الجمع مبينًا لما يستحقه من العظمة والأسماء والصفات وطاعة المخلوقات من الملائكة وغيرهم".
بين المصنف﵀- أن من هداه الله للتفريق بين الأمور من اشتباه من بعض الوجوه ممن من الله عليه بمعرفة ما يدل عليه الكتاب والسنة، ومعرفة القدر المشترك بين الشيئين، وما يمتاز كل واحد منهما عن الآخر، وذلك من خلال رد المشكل غير الواضح من النصوص إلى النص الواضح المعنى، بحيث يزول الإشكال والاشتباه، فيعرف الفرق بين الشيئين من جهة الجمع وجهة الافتراق.
وأعطى المصنف مثالًا لذلك بما ورد بشان لفظ (إنا) و(نحن) في القرآن فكلا اللفظين يسخدم صيغة جمع كقوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح الآية: ١]. وقوله: ﴿إنا أنزَلْنَاهُ قُرْأنًا عَرَبِيا﴾ [يوسف الآية: ٢]، وقوله: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الزخرف الآية: ٣٢]، ونحو ذلك كقوله: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ﴾ [القصص الآية: ٣]، وقوله: ﴿فَرَضْنَا﴾ [الأحزاب الآية: ٥٠]، و﴿وَرَفَعْنَا﴾ [الشرح الآية ٤ [حيث تمسك النصارى بمثل هذه النصوص، واستدلوا بها على أن الله ثالث ثلاثة! تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا وقد
[ ٢ / ٨٠٠ ]
غفلوا عن كون هذه الصيغة في أصل وضعها العربي يتكلم بها الواحد المعظم نفسه، ويتكلم بها الواحد الذي معه شركاء في فعله. فيؤتى لهؤلاء النصارى بالآيات المصرحة بوجدانية الله كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا أن اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة الآية: ٧٣]، و﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة الآية: ١٦٣]، ﴿قُلْ إنما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ إنما إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف الآية: ١١٠]. ونحو ذلك من الآيات المصرحة ببطلان ما يدعون، والمزيلة للاشتباه الذي به يلبسون.
فهذه الصيغة في كلام العرب للواحد العظيم المتحدث عن نفسه، وللعظيم الذي له أعوان يطيعونه! فإذا فعل أعوانه فعلا بأمره قال: نحن فعلنا كما يقول الملك نحن فتحنا هذا البلد، وهزمنا هذا الجيش ونحو ذلك، وحينئذ فالرب ﵎ يتكلم ب"أنا" و"نحن " لما له من العظمة والجلال. وعديد الأسماء والصفات التي لا يحصيها إلا هو وما له من الجود الذين هم عبيده وتحت قهره يديرهم كيف يشاء فهم ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾. كما وصفهم الله في سورة الأنبياء، فهو سبحانه أحق بالتكلم ب"إنا" و"نحن" ونحو ذلك.
فنحن إذا نفهم مراد الله بقوله: "إنا"و"نحن" وإن كنا نجهل ما دل عليه ذلك من كيفية صفات الله وحقيقة ذاته المقدسة كما نجهل حقيقة ذوات الملائكة وكيفية صفاتهم، ولا نعلم عددهم ولا كيف يأمرهم الله يفعلون. أما الملك من البشر إذا تكلم ب" إنا" و"نحن" فقد يكون مراده" (^١)
المسألة العاشرة: حقائق الأسماء والصفات من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله.
_________________
(١) التحفة المهدية شرح العقيدة التدمرية ١/ ٢٢٦.
[ ٢ / ٨٠١ ]
قال المصنف: "وأما حقيقة ما دل عليه ذلك من حقائق الأسماء والصفات، وما له من الجنود الذين يستعملهم في أفعاله، فلا يعلمه إلا هو ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ [المدثر الآية: ٣١]، وهذا من تأويل المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله.
بخلاف الملك من البشر إذا قال: قد أمرنا لك بعطاء. فقد عُلم أنه هو وأعوانه- مثل كاتبه، وحاجبه، وخادمه، ونحو ذلك- أمروا به، وقد يُعلم ما صدر عنه ذلك الفعل من اعتقاداته وإراداته ونحو ذلك.
والله ﷾ لا يعلم عباده الحقائق التي أخبر عنها من صفاته وصفات اليوم الآخر، ولا يعلمون حقائق ما أراد بخلقه وأمره من الحكمة، ولا حقائق ما صدرت عنه من المشيئة والقدرة.
أشار المصنف هنا إلى النوع الثاني من أنواع التأويل الذي هو بمعنى الحقيقة والكيفية، وقد تقدم ذكر أنه:
إما أن يكون المقصود بالتأويل الحقيقة التي تؤول إليها الأمور.
أو يكون المقصود به جميع التأويل الذي هو التفسير.
فمعرفة حقيقة صفات الله ومعرفة حقيقة جنوده وصفات اليوم الآخر لا يعلم حقائقها إلا الله تعالى يخلاف الملك البشر إذا ما أمر بعطاء ونحوه فكما قال المصنف: "فقد عُلم أنه هو وأعوانه- مثل كاتبه، وحاجبه، وخادمه، ونحو ذلك- أمروا به، وقد يُعلم ما صدر عنه ذلك الفعل من اعتقاداته وإراداته ونحو ذلك".
المسألة الحادية عشرة: التشابه يكون الألفاظ المتواطئة، كما يكون في الألفاظ المشتركة التي ليست بمتواطئة.
قال المصنف: "وبهذا يتبين أن التشابه يكون في الألفاظ المتواطئة، كما يكون في الألفاظ المشتركة التي ليست بمتواطئة، وإن زال الاشتباه بما يميّز أحد المعنيين من
[ ٢ / ٨٠٢ ]
إضافة أو تعريف، كما إذا قيل: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَّاءٍ﴾ [محمد الآية: ١٥]، فهنا قد خص هذا الماء بالجنة، فظهر الفرق بينه وبين ماء الدنيا، لكن حقيقة ما امتاز به ذلك الماء غير معلوم لنا، وهو- مع ما أعد الله لعباده الصالحين مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر- من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله".
تقدم ذكر الفرق بين الألفاظ المتواطئة والألفاظ المشتركة، فتعريف الألفاظ مشترك: هو ما اتَّحد لفظه واختلف معناه؛ مثال ذلك: لفظ: (العين)؛ فهي تُطلق على (العين الباصرة-والعين الجارية-والجاسوس-والحسد).
وتعريف الألفاظ المتواطئة وهو ما اتفق لفظه ومعناه، وهو نوعان:
الأول: التواطؤ المُطلق: وذلك إذا كان المعنى متساويًا في الجميع؛ مثاله: لفظ (الرجل) يقال: زيد رجل وعمر رجل، فالمعنى متساو في الجميع.
الثاني: التواطؤ المشكِّك: وذلك إذا كان المعنى متفاوتًا متفاضلًا.
والشيء المشترك بين النوعين أن اللفظ واحد.
ومقصود المصنف بقوله: "وبهذا يتبين أن التشابه يكون في الألفاظ المتواطئة" أي ما أورده من أمثلة فيما سبق من لفظ (إنا) و(نحن) ولفظ (الوجود). فهذه جميعًا تطلق في حق الخالق وحق المخلوق فاللفظ واحد المعنى واحد ولكن بين الاثنين تفاوت في القدر والحفيقة وهو ما يطلق عليه مسمى التواطء المشكك.
وأعطى المصنف مثالًا توضيحيًا لذلك بقوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَّاءٍ﴾
فلفظ الماء يطلق على ماء الجنة وعلى ماء الدنيا، فكلاهما يمسى ماءً، ونحن نعرف حقيقة ماء الدنيا، أما ماء الجنة فكما ذكر المصنف: "لكن حقيقة ما امتاز به ذلك الماء غير معلوم لنا، وهو- مع ما أعد الله لعباده الصالحين مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر- من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله".
[ ٢ / ٨٠٣ ]
المسألة الثانية عشرة: مدلول أسمائه وصفاته التي يختص بها، التي هي حقيقته، لا يعلمها إلا هو.
قال المصنف: "وكذلك مدلول أسمائه وصفاته التي يختص بها، التي هي حقيقته، لا يعلمها إلا هو. ولهذا كان الأئمة كالإمام أحمد وغيره ينكرون على الجهمية وأمثالهم من الذين يحرِّفون الكلم عن مواضعه- تأويل ما تشابه عليهم من القرآن على غير تأويله، كما قال الإمام أحمد في كتابه الذي صنفه «في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله».
وإنما ذمهم لكونهم تأوّلوه على غير تأويله، وذكر في ذلك ما يشتبه عليهم معناه، وإن كان لا يشتبه على غيرهم، وذمهم على أنهم تأولوه على غير تأويله، ولم ينف مطلق التأويل، كما تقدم من أن لفظ «التأويل» يراد به التفسير المبيِّن لمراد الله تعالى به، فذلك لا يعاب بل يحمد، ويراد بالتأويل الحقيقة التي استأثر الله بعلمها، فذاك لا يعلمه إلا هو، وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع".
أعاد المصنف تأكيد أن لفظ التأويل فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته يراد به أحد أمرين:
الأمر الأول: "يراد به التفسير المبيِّن لمراد الله تعالى به".
الأمر الثاني: "ويراد بالتأويل الحقيقة التي استأثر الله بعلمها، فذاك لا يعلمه إلا هو".
فيجب التفريق بين التأويلين فالسلف لم يمتنعوا عن تأويل المعنى الذي هو التفسير وإنما امتنعوا عن تأويل الحقيقة والكيفية كما قال المصنف: "وكذلك مدلول أسمائه وصفاته التي يختص بها، التي هي حقيقته، لا يعلمها إلا هو" فهي من الأمور التي لا يعلم تأويلها إلا الله ﷿.
[ ٢ / ٨٠٤ ]
وبين المصنف أن ذم السلف للمعطلة لم يكن المقصود به ذم التأويل مطلقًا، فهذا لم يكن مرادهم وإنما المراد ذم تأويلاتهم الباطلة سواء فيما يتعلق بالتأويل الذي هو التفسير حيث أولوا معاني نصوص الاستواء كقولهم استوى استولى، واليد بمعنى النعمة أو القدرة ونحو ذلك. أو بخوضهم في كيفية صفات الله وحقائقها.
المسألة الثالثة عشرة: غلط من ينفي التأويل مطلقا.
قول المصنف: "ومن لم يعرف هذا اضطربت أقواله، مثل طائفة يقولون: إن التأويل باطل، وإنه يجب إجراء اللفظ على ظاهره؛ ويحتجون بقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ويحتجون بهذه الآية على إبطال التأويل.
وهذا تناقض منهم، لأن هذه الآية تقتضي أن هناك تأويلا لا يعلمه إلا الله، وهم ينفون التأويل مطلقًا".
يتحدث المصنف هنا عن صنف من المعطلة وهم أهل التجهيل وهو دعوى التوقف في معنى النصوص، فيقولون: «الله أعلم بمراده» (^١)، فهذه حقيقة الأمر على رأي هؤلاء المتكلمين.
وحقيقة رأيهم يدور بين التأويل وبين التفويض، أي بين التحريف أو التجهيل، فالتفويض في حقيقته هو دعوى الجهل والتوقف في معاني النصوص، وأن هذه النصوص لا يعلم معناها، وهذا أمرٌ لو طبق في الواقع فلا يمكن أن يطبق، فهل يعقل أنه لا يمكن التفريق بين «استوى» و«نزل»؟ هل نقرأ قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: ٥] فلا نفهم المراد من هذه الآية وتقرأ مثلًا قول النبي -ﷺ-: «يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» (^٢) فلا نفهم مراده.
_________________
(١) انظر كتاب درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية الجزء الأول صفحة (٢٠١).
(٢) انظر صحيح البخاري كتاب التهجد، بَابُ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، برقم (١١٤٥)، ومسلم كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ وَقَصْرِهَا، بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَالْإِجَابَةِ فِيهِ (٧٥٨)، وأبو داود (١٣١٥)، والترمذي (٤٤٦)، وابن ماجه (١٣٦٦)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (٧٥٠٩)، والدارمي (١٥١٩).
[ ٢ / ٨٠٥ ]
هل يعقل أن يتكلم الله -﷿- أو يتكلم رسوله -ﷺ- بكلام لا يعرف ولا يعلم معناه؟ فهل عندما نقرأ: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، هل يعني هذا أننا ما تفهم معنى هذا الكلام؟
فما من إنسان يعرف لغة العرب وإلا ويعرف معنى «اليد» وما جاءت به من معاني في لغة العرب وأن سياق الكلام هو الذي يحدد المعنى المراد منها، وإن كانت كيفية هذه اليد الله أعلم بها، وكذلك نعلم معنى الوجه، ونعلم معنى العين، ونعلم ونفرق بين هذه الألفاظ؛ لأن كل لفظ له في لغة العرب معنى.
والقائلين بالتفويض هم على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: يقولون: الله أعلم بما أراد بها، لكنا نعلم أنه لم يرد إثبات صفة خارجية عما علمناه.
فهؤلاء سكتوا عن بيان المراد منها زعمًا منهم أنه لا يعلم ذلك إلا الله ﷾، فقالوا: إن هذه النصوص على خلاف ظاهرها، والمراد منها لا يعلمه إلا الله.
القسم الثاني: يقولون: يجوز أن يكون ظاهرها المراد اللائق بجلال الله، ويجوز ألا يكون المراد صفة الله ونحو ذلك. وهذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم.
فيجوز أحد الاعتبارين، وأحد الحالين، يجوز في نفس الوقت إجراؤها على ظاهرها، ويجوز في نفس الوقت أن يكون لها معنى آخر لا يعلمه إلا الله تعالى، والفرق بين هذا وبين الذي قبله، أن الذي قبله يجزم بأنها على خلاف ظاهرها لكن يسكت عن تحديد المراد، أما هذا فيجوِّز الحالين معًا وهذا في غاية التناقض لأنه
[ ٢ / ٨٠٦ ]
جمع بين ضدين.
القسم الثالث: يمسكون عن هذا كله ولا يزيدون على تلاوة القرآن وقراءة الحديث، معرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التقديرات.
وهذا القسم هم أصحاب الجهل البسيط الذين يمسكون عن هذا كله، ويقولون: نحن نقرأ القرآن ولا نتجاوز قراءة النص، ونُعرض عن هذا كله، وهذا يعني لا شك أنه إعراض عن ذكر الله ﷾.
والقول بالتفويض لم يكن معروفًا عند الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم، وبخلاف القول بالتأويل فهو السائد بين طوائف المعطلة جميعًا، بل إن تأويلات الأشاعرة بعينها هي تأويلات الجهمية.
وظهور مقالة التفويض إنما هو مرتبط بالقسم الثالث وهم الصفاتية والمقصود بهم الكلابية والأشاعرة والماتريدية وطوائف من أهل الفقه والكلام والحديث والتصوف.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "كان الناس قبل أبي محمد بن كلاب صنفين:
فأهل السنة والجماعة يثبتون ما يقوم بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها.
والجهمية من المعتزلة وغيرهم تنكر هذا وهذا" (^١).
ولبيان علاقة القول بالتفويض لمعاني النصوص بالصفاتية ومن وافقهم، فهذه العلاقة تتضح من خلال تعامل هؤلاء مع نصوص الكتاب والسنة حيث تمثل هذا التعامل في أن نفاة الصفات الاختيارية يتلخص قولهم في النقاط الآتية:
أولًا: يثبتون الصفات التي يسمونها عقلية وهي الحياة والعلم والقدرة
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٦٦).
[ ٢ / ٨٠٧ ]
والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام. واختلفوا في صفة البقاء.
ثانيًا: ويثبتون في الجملة الصفات الخبرية كالوجه، واليدين، والعين ولكن إثباتهم لها مقتصر على بعض الصفات القرآنية، على أن بعضهم إثباته لها من باب التفويض.
ثالثًا: أما الصفات الخبرية الواردة في السنة كاليمين، والقبضة، والقدم، والأصابع فأغلب هؤلاء يتأولها. (^١)
لم يعرف القول بالتفويض بهذا المعنى في القرون الثلاثة الأولى، بل ظهر في القرن الرابع، كما قال ابن تيمية وقال: وأول من قال به أبو منصور الماتريدي -المتوفي ٣٣٣ هـ- وأبو الحسن الأشعري -المتوفي ٣٢٤ في محاولة للتوسط بين منهج السلف في إثبات النصوص وبين المنهج العقلي المستمد من الفلسفة اليونانية … وإنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال الله تعالى فيهم: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ. انتهى بتصرف.
وللتفصل بشكل أدق فإن الأشعرية المتأخرة مالوا إلى نوع التجهم بل الفلسفة وفارقوا قول الأشعري وأئمة أصحابه (^٢).
فقدماء الأشاعرة يثبتون الصفات الخبرية بالجملة، كأبي الحسن الأشعري وأبي عبد الله بن مجاهد، وأبي الحسن الباهلي والقاضي أبي بكر الباقلاني، وأبي إسحاق الإسفرائيني، وأبي بكر بن فورك، وأبي محمد بن اللبان، وأبي علي بن
_________________
(١) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة ٣/ ١٠٣٤، ١٠٣٦.
(٢) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٩٧).
[ ٢ / ٨٠٨ ]
شاذان، وأبي القاسم القشيري، وأبي بكر البيهقي وغير هؤلاء (^١).
لكن المتأخرين من أتباع أبي الحسن الأشعري كأبي المعالي الجويني وغيره لا يثبتون إلا الصفات العقلية، وأما الخبرية فمنهم من ينفيها ومنهم من يتوقف فيها كالرازي والآمدي وغيرهما.
ونفاة الصفات الخبرية منهم من يتأول نصوصها ومنهم من يفوض معناها إلى الله تعالى.
وأما من أثبتها كالأشعري وأئمة أصحابه. فهؤلاء يقولون: تأويلها بما يقتضي نفيها تأويل باطل، فلا يكتفون بالتفويض بل يبطلون تأويلات النفاة (^٢).
وهذا الاضطراب في العقيدة الأشعرية بين المتقدمين والمتأخرين سببه ما أسلفنا من ميل الأشاعرة بأشعريتهم إلى الاعتزال أكثر فأكثر بل إنهم خلطوا معها الفلسفة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فالأشعرية وافق بعضهم المعتزلة في الصفات الخبرية، وجمهورهم وافقهم في الصفات الحديثية، وأما الصفات القرآنية فلهم قولان:
فالأشعري والباقلاني وقدماؤهم يثبتونها، وبعضهم يقر ببعضها؛ وفيهم تجهم من جهة أخرى.
فإن الأشعري شرب كلام الجبائي شيخ المعتزلة، ونسبته في الكلام إليه متفق عليها عند أصحابه وغيرهم.
وابن الباقلاني أكثر إثباتًا بعد الأشعري، وبعد ابن الباقلاني ابن فورك، فإنه أثبت بعض ما في القرآن.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٤/ ١٤٧، ١٤٨).
(٢) منهاج السنة (٢/ ٢٢٣، ٢٢٤).
[ ٢ / ٨٠٩ ]
وأما الجويني ومن سلك طريقته فمالوا إلى مذهب المعتزلة فإن أبا المعالي كان كثير المطالعة لكتب أبي هاشم، قليل المعرفة بالآثار، فأثر فيه مجموع الأمرين (^١).
فما إن جاء أبوبكر الباقلاني (ت ٤٠٣ هـ)، فتصدى للإمامة في تلك الطريقة وهذبها ووضع لها المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة، وجعل هذه القواعد تبعًا للعقائد الإيمانية من حيث وجوب الإيمان بها (^٢) وأسهم إلى حد كبير في تنظير المذهب الأشعري الكلامي وتنظيمه مما أدى إلى تشابه منهجي بين المذهب الأشعري والمذهب المعتزلي فقد كان الأشعري يجعل النص هو الأساس والعقل عنده تابع، أما الباقلاني فالعقيدة كلها بجميع مسائلها تدخل في نطاق العقل (^٣) ويعتبر الباقلاني المؤسس الثاني للمذهب الأشعري (^٤).
ثم جاء بعده إمام الحرمين الجويني (ت ٤٧٨ هـ) فاستخدم الأقيسة المنطقية في تأييد هذه العقيدة، وخالف الباقلاني في كثير من القواعد التي وضعها. وإن كان الجويني قد استفاد أكثر مادته الكلامية من كلام الباقلاني، لكنه مزج أشعريته بشيء من الاعتزال استمده من كلام أبي هاشم الجبائي المعتزلي على مختارات له، وبذلك خرج عن طريقة القاضي وذويه في مواضع إلى طريقة المعتزلة.
وأما كلام أبي الحسن الأشعري فلم يكن يستمد منه، وإنما ينقل كلامه مما يحكيه عنه الناس (^٥) وعلى طريقة الجويني اعتمد المتأخرون من الأشاعرة،
_________________
(١) منهاج السنة (٢/ ٢٢٣، ٢٢٤).
(٢) مقدمة ابن خلدون (ص ٤٦٥)، ط: مصطفى محمد.
(٣) مقدمة التمهيد للباقلاني (ص ١٥)، بتحقيق الخضيري وأبو ريدة.
(٤) نشأة الأشعرية وتطورها (ص ٣٢٠).
(٥) بغية المرتاد (ص ٤٤٨، ٤٥١)، بتصرف.
[ ٢ / ٨١٠ ]
كالغزالي (ت ٥٠٥ هـ) وابن الخطيب الرازي (ت ٦٠٦ هـ) وخلطوا مع المادة الاعتزالية التي أدخلها الجويني مادة فلسفية، وبذلك ازدادت الأشعرية بعدًا وانحرافًا.
فالغزالي مادته الكلامية من كلام شيخه الجويني في "الإرشاد" و"الشامل" ونحوهما مضمومًا إلى ما تلقاه من القاضي أبي بكر الباقلاني. ومادته الفلسفية من كلام ابن سينا، ولهذا يقال أبو حامد أمرضه "الشفا"، ومن كلام أصحاب رسائل إخوان الصفا ورسائل أبي حيان التوحيدي ونحو ذلك.
وأما الرازي فمادته الكلامية من كلام أبي المعالي والشهرستاني فإن الشهرستاني أخذه عن الأنصاري النيسابوري عن أبي المعالي، وله مادة اعتزالية قوية من كلام أبي الحسين البصري (ت ٤٣٦ هـ)، وفي الفلسفة مادته من كلام ابن سينا والشهرستاني ونحوهما (^١).
ودعوى القول بالتفويض لم تقتصر على الصفاتية وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما الصنف الثالث: وهم أهل التجهيل: فهم كثير من المنتسبين إلى السنة وأتباع السلف. يقولون: إن الرسول ﷺ لم يكن يعرف معاني ما أنزل الله عليه من آيات الصفات، ولا جبريل يعرف معاني [تلك] الآيات، ولا السابقون الأولون عرفوا ذلك.
وكذلك قولهم في أحاديث الصفات: إن معناها لا يعلمه إلا الله، مع أن الرسول تكلم بهذا ابتداءً، فعلى قولهم تكلم بكلام لا يعرف معناه.
وهؤلاء يظنون أنهم اتبعوا قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]، فإنه وقف كثير من السلف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ وهو وقف صحيح
_________________
(١) بغية المرتاد (ص ٤٤٨)، بتصرف.
[ ٢ / ٨١١ ]
[لكن] لم يفرقوا بين معنى الكلام وتفسيره، وبين التأويل الذي انفرد الله تعالى بعمله، وظنوا أن التأويل [المذكور] في كلام الله تعالى هو التأويل المذكور في كلام المتأخرين، وغلطوا في ذلك" (^١).
فمن الافتراءات التي أُلصقت بمذهب السلف أهل السنة والجماعة، أنهم يؤمنون بألفاظٍ مجرَّدة دون التطرق للمعاني، وهو ما يسميه من ينسبه إليهم مذهب التفويض، واستدلوا لذلك بقول أكثر من واحد من أئمة السلف في نصوص الصفات: «أمروها كما جاءت»، وهم إنما نفوا العلم بالكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصّفة.
وهذا الزعم فيه تجهيل للسلف، واتهام لهم بعدم العلم، وحقيقة الأمر أن السلف كانوا أعظم الناس فهما وتدبرًا للنصوص الشرعية، وبخاصة ما يتعلق منها بمعرفة الله -﷿-، يؤمنون بألفاظها، ويعرفون معانيها، لكن لم يكونوا يتكلفون ما لم يحيطوا به علمًا ولا فهما، ولا يخوضون في كيفية ذات الله -﷿- وصفاته.
فالسلف يؤمنون بأسماء الله وصفاته، وبما دلت عليه من المعاني والأحكام، أما كيفيتها فيفوضون علمها إلى الله.
وهم برآء مما اتهمهم به المعطلة الذين زعموا أن السلف يؤمنون، بألفاظ نصوص الأسماء والصفات، ويفوضون معانيها.
فإنهم كانوا أعظم الناس فهما وتدبرًا لآيات الكتاب وأحاديث النبي ﷺ، خاصة فيما يتعلق بمعرفة الله تعالى، فكانوا يدرون معاني ما يقرأون ويحملون من العلم، ولكنهم لم يكونوا يتكلفون الفهم للغيب المحجوب، فلم يكونوا يخوضون في كيفيات الصفات شأن أهل الكلام والبدع، فإنهم حين خاضوا في ذات الله وصفاته
_________________
(١) «الحموية» (ص ٣٦ - ٤٠)، و«ضمن مجموع الفتاوى» (٥/ ٣١ - ٣٥)، وانظر أيضًا «الصواعق المرسلة» (٢/ ٤١٨ - ٤٢٤) «النفائس» (ص ١٠٥ - ١٠٨).
[ ٢ / ٨١٢ ]
وقعوا في التأويل والتعطيل، وإنما ألجأهم إلى ذلك، الضيق الذي دخل عليهم بسبب التشبيه، فأرادوا الفرار منه فوقعوا في التعطيل،، ولم يقع تعطيل إلا بتشبيه، ولو أنهم نزهوا الله تعالى ابتداء عن مشابهة الخلق، وأثبتوا الصفة مع نفي المماثلة لسلموا ونجوا، ولوافقوا اعتقاد السلف ولبان لهم أن السلف لم يكونوا حملة أسفار لا يدرون ما فيها.
ومن تدبر كلام أئمة السلف المشاهير في هذا الباب علم أنهم كانوا أدق الناس نظرًا، وأعلم الناس في هذا الباب، وأن الذين خالفوهم لم يفهموا حقيقة أقوال السلف والأئمة، ولذلك صار أولئك الذين خالفوا مختلفين في الكتاب، مخالفين للكتاب، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة الآية: ١٧٦].
ومن له اطِّلاع على أقوال السلف المدونة في كتب العقيدة والتفسير والحديث، يدرك أن السلف تكلموا في معاني نصوص الصفات، وبينوها ولم يسكتوا عنها، وهذه الأقوال أكبر شاهدٍ على فهم السلف لتلك النصوص وإدراك معانيها (^١).
ودعوى تفويض معاني النصوص دعوى مرفوضة وهي دليل على جهل المخالفين بأقوال السلف في هذا الباب.
وقد حاول أولئك تمرير هذا الباطل تحت عدد من المسميات، فقد أثاروا هذه المسألة تحت قضية المحكم والمتشابه، وتحت دعوى التأويل، وتحت دعوى المجاز، وتحت دعوى التفويض، وغيرها من المسائل.
أشار المصنف هنا بشيء من الإجمال إلى أصحاب هذا القول، وبين في أخر الفتوى الحموية تفاصيل بعض قولهم فقال: "وأما القسمان الواقفان:
- فقسم يقولون: يجوز أن يكون ظاهرها المراد اللائق بجلال الله، ويجوز ألا
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٧٨ - ٢٧٩، ٧/ ١٠٨ - ١٠٩).
[ ٢ / ٨١٣ ]
يكون المراد صفة الله ونحو ذلك. وهذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم.
- وقسم يمسكون عن هذا كله ولا يزيدون على تلاوة القرآن وقراءة الحديث، معرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التقديرات" (^١).
الواقفان الذين يقفون في هذا على أحد قولين:
- قسم يقول: تجرى على ظاهرها، ومع ذلك يجوز أن يكون المراد أمرًا آخر، فيجوز أحد الاعتبارين، أحد الحالين، يجوز في نفس الوقت إجراؤها على ظاهرها، ويجوز في نفس الوقت أن يكون لها معنى آخر لا يعلمه إلا الله تعالى، فهذا فرق بينه وبين الذي قبله، فالذي قبله يجزم بأنها على خلاف ظاهرها لكن يسكت عن تحديد المراد، أما هذا فيجوِّز الحالين، يجوِّز الحالين معًا وهذا في غاية التناقض لأنه جمع بين ضدين.
- وقسم أصحاب الجهل البسيط الذين يمسكون عن هذا كله، ويقولون: نحن نقرأ القرآن ولا نتجاوز قراءة النص، ونُعرض عن هذا كله، وهذا يعني لا شك أنه إعراض عن ذكر الله ﷾.
ويذكر شيخ الإسلام سبب نشوء هذه الشبهة فيقول عن المفوضة: "هم طائفة من المنتسبين إلى السنة، وأتباع السلف، تعارض عندهم المعقول والمنقول، فأعرضوا عنها جميعا بقلوبهم وعقولهم، بعد أن هالهم ما عليه أصحاب التأويل من تحريف للنصوص، وجناية على الدين فقالوا في أسماء الله وصفاته، وما جاء في ذكر الجنة والنار، والوعد والوعيد إنما هي نصوص متشابهة لا يعلم معناها إلا الله تعالى.
وهم طائفتان من حيث إثبات ظواهر النصوص ونفيها.
الأولى تقول: المراد بهذه النصوص خلاف مدلولها الظاهر، ولا يعرف أحد من
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٣/ ٧٦.
[ ٢ / ٨١٤ ]
الأنبياء، ولا الملائكة، ولا الصحابة، ولا أحد من الأمة، ما أراد الله بها، كما لا يعلمون وقت الساعة.
الثانية تقول: بل تحري على ظاهرها، وتحمل عليه، ومع هذا، فلا يعلم تأويلها إلا الله تعالى فتناقضوا؛ حيث أثبتوا لها تأويلا يخالف ظاهرها، وقالوا، مع هذا بأنها تحمل على ظاهرها.
وهم أيضا طائفتان؛ من حيث علم الرسول ﷺ بمعاني النصوص
الأولى تقول: إن الرسول ﷺ كان يعلم معاني النصوص المتشابهة، لكنه لم يبين للناس المراد منها، ولا أوضحه إيضاحا يقطع النزاع، وهذا هو المشهور عنهم.
والثانية تقول: وهم الأكابر منهم، أن معاني هذه النصوص المتشابهة لا يعلمها إلا الله، لا الرسول، ولا جبريل، ولا أحد من الصحابة والتابعين، وعلماء الأمة.
وعند الطائفتين أن هذه النصوص إنما أنزلت للابتلاء، والمقصود منها تحصيل الثواب بتلاوتها، وقراءتها، من غير فقه، ولا فهم) (^١).
ويرى شيخ الإسلام أن القول بالتفويض يفضي إلى (القدح في الرب جلا وعلا، وفي القرآن الكريم، وفي الرسول ﷺ؛ وذلك بأن يكن الله تعالى أنزل كلامًا لا يفهم، وأمر بتدبر ما لا يتدبر، وبعقل ما لا يعقل، وأن يكون القرآن الذي هو النور المبين والذكر الحكيم سبب لأنواع الاختلافات، والضلالات، بل يكون بينهم، وكأنه بغير لغتهم، وأن يكون الرسول ﷺ لم يبلغ البلاغ المبين، ولا بين للناس ما نزل إليهم، وبهذا يكون قد فسدت الرسالة، وبطلت الحجة، وهو الذي لم يتجرأ عليه صناديد الكفر) (^٢)
_________________
(١) مجموع الفتاوى: ١٦/ ٤٤٢.
(٢) انظر كتاب درء تعارض العقل والنقل: ١/ ٢٠٤.
[ ٢ / ٨١٥ ]
وهذه الشبه يرد عليها من وجهين:
الوجه الأول: بيان أن النصوص معلومة المعنى، وذلك من خلال بيان معاني لفظ (التأويل) والمقصود منه.
والوجه الثاني: النقول الواردة عن سلف الأمة في بيان معاني نصوص الصفات وتفسيرهم لها.
وقول المصنف: "وجهة الغلط أن التأويل الذي استأثر الله بعلمه هو الحقيقة التي لا يعلمها إلا هو".
أي أن هؤلاء غلطوا في تعريف التأويل الذي استأثر الله بعلمه هو تأويل الحقيقة والكيف، وحملوا التأويل الذي هو بمعى التفسير الذي يعنى بمعاني النصوص على هذا المعنى بأنه لا يعلم معناه إلا الله.
قال ابن تيمية: "من أين لهم أنَّ التأويل الذي لا يعلمه إلا الله هو المعنى الذي عني به المتكلمون، وهو مدلول اللفظ الذي قصد المخاطِب إفهام المخاطَب إياه. وهو ﷾ لم يقل: وما يعلم معناه إلا الله، ولا قال: وما يعلم تفسيره إلا الله، ولا قال: وما يعلم مدلوله ومفهومه إلا الله، ولا ما دل عليه إلا الله. قال: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ)، ولفظ التأويل له في القرآن معنى، وفي عرف كثير من السلف وأهل التفسير معنى، وفي اصطلاح كثير من المتأخرين له معنى، وبسبب تعدد الإصطلاحات والأوضاع فيه، حصل اشتراكٌ غلطَ بسببه كثير من الناس في فهم القرآن وغيره" (^١)
وقول المصنف: "وأما التأويل المذموم والباطل فهو تأويل أهل التحريف والبدع، الذين يتأولونه على غير تأويله، ويدّعون صرف اللفظ عن مدلوله إلى غير مدلوله بغير دليل يوجب ذلك، ويدّعون أن في ظاهره من المحذور ما هو نظير
_________________
(١) نقض التأسيس» - مخطوط - (٢/ ٢٢٣ - ٢٢٤).
[ ٢ / ٨١٦ ]
المحذور اللازم فيما أثبتوه بالعقل! ويصرفونه إلى معان هي نظير المعاني التي نفوها عنه! فيكون ما نفوه من جنس ما أثبتوه، فإن كان الثابت حقًا ممكنًا كان المنفي مثله، وإن كان المنفي باطلا ممتنعًا كان الثابت مثله".
بعد أن أشار المصنف إلى مقالة التفويض، أشار هنا إلى مقالة التأويل الفاسد.
والمصنف هنا يتعرض للتأويل الذي هو في اصطلاح المتأخرين فالتأويل في اصطلاح كثير من المتأخرين هو: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن بذلك.
فلا يكون معنى اللفظ الموافق لدلالة ظاهره تأويلًا على اصطلاح هؤلاء، وظنوا أن مراد الله بلفظ التأويل ذلك، وأن للنصوص تأويلًا مخالف لمدلولها لا يعلمه إلا الله، أو يعلمه المتأولون (^١).
فتخصيص لفظ التأويل بهذا المعني إنما يوجد في كلام بعض المتأخرين فأما الصحابة، والتابعون لهم بإحسان، وسائر أئمة المسلمين كالأئمة الأربعة وغيرهم فلا يخصون لفظ التأويل بهذا المعني، بل يريدون المعني الأول أو الثاني.
ولهذا لما ظن طائفة من المتأخرين أن لفظ التأويل في القرآن والحديث في مثل قوله تعالي ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا﴾ [آل عمران الآية: ٧]، أريد به هذا المعني الاصطلاحي الخاص، واعتقدوا أن الوقف في الآية عند قوله: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ لزم من ذلك أن يعتقدوا أن لهذه الآيات والأحاديث معاني تخالف مدلولها المفهوم منها، وأن ذلك المعني المراد بها لا يعلمه إلا الله، لا يعلمه الملك الذي نزل بالقرآن، وهو جبريل ولا يعلمه محمدًا صلي الله عليه وسلم ولا غيره من الأنبياء، ولا تعلمه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وأن محمدًا صلي الله عليه وسلم
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٥/ ٣٥. و: ٣/ ٥٥، ٦٧. وانظر: شرح العقيدة الطحاوية ص ٢٣٥.
[ ٢ / ٨١٧ ]
كان يقرأ قوله تعالي ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه الآية: ٥]، قوله: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ [فاطر الآية: ١٠ [وقوله ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ [المائدة الآية: ٦٤ [وغير ذلك من آيات الصفات، بل ويقول: "ينزل ربنا كل ليلة إلي السماء الدنيا" ونحو ذلك، وهو لا يعرف معاني هذه الأقوال، بل معناها الذي دلت عليه لا يعلمه إلا الله، ويظنون أن هذه طريقة السلف.
وقول المصنف: "وهؤلاء الذين ينفون التأويل مطلقًا، ويحتجون بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران الآية: ٧]، قد يظنون أنّا خوطبنا في القرآن بما لا يفهمه أحد، أو بما لا معنى له، أو بما لا يُفهم منه شيء".
دعوى أن يشتمل القرآن على ما لا يعلم معناه دعوى وضعها المتأخرون من الطوائف بسبب الكلام في آيات الصفات، وآيات القدر، وغير ذلك، وقالوا: إنا تعبدنا بتلاوة حروفه بلا فهم.
فجوز ذلك طوائف متمسكين بظاهر الآية، وبأن الله يمتحن عباده بما شاء.
ومنعها طوائف ليتوصلوا بذلك إلى تأويلاتهم الفاسدة التي هي تحريف الكلم عن مواضعه.
والغالب على كلا الطائفتين الخطأ، أولئك يقصرون في فهم القرآن بمنزلة من قيل فيه: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ)] البقرة: ٧٨ [وهؤلاء معتدون بمنزلة الذين يحرفون الكلم عن مواضعه" (^١)
وهذه الدعوى باطلة إذ لابد لكل ما أنزل الله تعالى من معنى يمكن فهمه، وليس هناك فرق بين آيات الصفات وآيات الأحكام.
_________________
(١) «الأكليل في المتشابه والتأويل - مجموع الفتاوى» (١٣/ ٢٨٥ - ٢٨٦).
[ ٢ / ٨١٨ ]
وبيان بطلان هذه الدعوى من وحوه:
أولًا: أنه بهذه الدعوى لا يتم بلاغ ولا يكمل إنذار، ولا تقوم الحجة ولا تنقطع المعذرة بكلام لا تفيد ألفاظه اليقين، ولا تدل على مراد المتكلم بها؛ بل على خلاف ذلك، فينتفي عن القرآن-والعياذ بالله -معنى الهداية، وشفاء الصدور، والرحمة، التي وصف الله تعالى بها كتابه الكريم، ومعاني الرأفة والرحمة والحرص على رفع العنت والمشقة عن الأمة، التي وصف الله تعالى بها نبيه ﷺ في كتابه العزيز، وهو الذي ترك الأمة على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فلا التباس في أمره ونهيه، ولا إلغاز في إرشاده وخبره، باطنه وظاهره سواء، كيف لا، وهو القائل: «إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم …» (^١).
ودلالته ﷺ للأمة في شأن اعتقادها أهم أعماله، وأولاها بالإيضاح والإفهام بلسان عربي مبين، والجزم واقع بأن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم فهموها على وجهها الذي يفهمه العربي، بغير تكلف ولا تمحل في صرف ظواهرها، ومن كان باللسان العربي أعرف ففهمه لنصوص الوحي أرسخ، وقد قال عمر ﵁: (يا أيها الناس، عليكم بديوان شعركم في الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم، ومعاني كلامكم) (^٢).
ثانيًا: أن كثيرًا من الصحابة والتابعين كانوا يعلمون تفسير القرآن، ولا توجد آية ليس لهم فيها تفسير يوضح معناها. وتفسيرهم وفهمهم للنصوص هو الذي يرجع إليه عند الاختلاف. أما ما يدعيه أصحاب التأويلات المحرفة من أن تأويلاتهم هي المعاني الصحيحة للآيات التي أولوها، فهذا خطأ منهم (^٣)
_________________
(١) رواه مسلم (١٨٤٤). من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.
(٢) انظر «تفسير القرطبي» (١٠/ ١١١) و«الموافقات» للشاطبي (٢/ ٨٨).
(٣) انظر: «نقض التأسيس» -مخطوط- (٢/ ٢٢٣).
[ ٢ / ٨١٩ ]
فالصحابة والتابعين لم يمتنع أحد منهم عن تفسير آية من كتاب الله، ولا قال هذه من المتشابه الذي لا يعلم معناه، ولا قال قط أحد من سلف الأمة، ولا من الأئمة المتبوعين: إن في القرآن آيات لا يعلم معناها ولا يفهمها رسول الله ﷺ، ولا أهل العلم والإيمان جميعهم، وإنما قد ينفون علم بعض ذلك عن بعض الناس، وهذا لا ريب فيه.
ثالثًا: كذلك عامة أهل العربية الذين قالوا ما يعلم تأويله إلا الله، كالفراء وأبي عبيد وثعلب وابن الأنباري، هم يتكلمون في متشابه القرآن كله، وفي تفسيره ومعناه. وليس في القرآن آية قالوا لا يعلم أحد تفسيرها ومعناها (^١).
وقال المصنف: "وهذا مع أنه باطل فهو متناقض"
انتقل المصنف من بيان بطلان القول بأن معاني النصوص لا يعلمها إلا الله، إلى بيان تناقض هذا الزعم في نفسه.
فمن نفى لا بد له من دليل يستدل به على نفاه، ولا دليل لهم، ذلك لأنها مسألة إثبتها الشرع، فهؤلاء لما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر-كان مع ذلك لا بد للنصوص من معنى-فبقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع من التكلف.
وهذا التردد هو الذي وقع فيه من قال بالتفويض من هؤلاء كالبيهقي والرازي، فهم لم يلتزموا بهذا القول مطلقًا بل غالبًا ما يخالفونه كما فعل الرازي في تأسيسه حيث جنح إلى التأويل وترك القول بالتفويض.
فقول هؤلاء المفوضة لا يعدو أن يكون ملأ فراغ بدون مستند شرعي، ولا أدل على ذلك من انقسامهم على أنفسهم وترددهم فيما يدعون كما سبق من بيان أقوالهم.
_________________
(١) «نقض التأسيس» - مخطوط - (٢/ ٢٤٧).
[ ٢ / ٨٢٠ ]
فالحجة إنما تكون مع من يملك الدليل قال ابن تيمية: "الْمُثْبِتَ مُعْتَصِمٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْآثَارِ وَمَعَهُ مِنْ الْمَعْقُولَاتِ الصَّرِيحَةِ الَّتِي تُبَيِّنُ صِحَّةَ قَوْلِهِ وَفَسَادَ قَوْلِ مُنَازِعِهِ مَا لَا يَتَوَجَّهُ إلَيْهَا طَعْنٌ صَحِيحٌ.
وَأَمَّا النَّافِي فَلَيْسَ مَعَهُ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَلَا حَدِيثٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا قَوْلُ أَحَدٍ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَإِنَّمَا مَعَهُ مُجَرَّدُ رَأْيٍ يَزْعُمُ أَنَّ عَقْلَهُ دَلَّ عَلَيْهِ؛ وَمُنَازِعُهُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْعَقْلَ إنَّمَا دَلَّ عَلَى نَقِيضِهِ وَأَنَّ خَطَأَهُ مَعْلُومٌ بِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ بِصَحِيحِ الْمَنْقُولِ" (^١)
قال ابن تيمية: «بل النافي عليه الدليل على نفي ما نفاه، كما على المثبت الدليل على ثبوت ما أثبته، ومن ليس عنده دليل على النفي والإثبات، فعليه أن لا ينفى ولا يثبت فغاية ما عنده التوقف في نفي ذلك وإثباته» (^٢).
ومن عجيب أمر هؤلاء أن الآية أثبتت تأويلا يعلمه الله، وهم يقولون التأويل باطل؛ فيحتجون بالآية التي أثبتت التأويل على بطلان التأويل مطلقًا، وليس في الآية إبطال للتأويل وإنما غاية ما تدل عليه نفي علم الخلق بالتأويل على قراءة الوقف.
ونأتي بعد ذلك لبيان تناقضهم:
قال المصنف: "لأنّا إذا لم نفهم منه شيئًا لم يجز أن نقول: له تأويل يخالف الظاهر ولا يوافقه، لإمكان أن يكون له معنى صحيح، وذلك المعنى الصحيح لا يخالف الظاهر المعلوم لنا، فإنه لا ظاهر له على قولهم، فلا تكون دلالته على ذلك المعنى دلالة على خلاف الظاهر فلا يكون تأويلا، ولا يجوز نفي دلالته على معان لا نعرفها على هذا التقدير، فإنَّ تلك المعاني التي دلت عليها قد لا نكون عارفين بها، ولأنّا إذا لم نفهم اللفظ ومدلوله المراد فلأن لا نعرف المعاني التي لم يدل عليها اللفظ
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٧/ ٨٠
(٢) درء تعارض العقل والنقل (٥/ ٤٤).
[ ٢ / ٨٢١ ]
أَولى، لأن إشعار اللفظ بما يراد به أقوى من إشعاره بما لا يراد به، فإذا كان اللفظ لا إشعار له بمعنى من المعاني، ولا يُفهم منه معنى أصلا، لم يكن مشعرًا بما أُريد به، فلأن لا يكون مشعرًا بما لم يرد به أَولى. فلا يجوز أن يقال: إن هذا اللفظ متأوّل، بمعنى أنه مصروف عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح، فضلًا عن أن يقال: إن هذا التأويل لا يعلمه إلا الله، اللهم إلا أن يراد بالتأويل ما يخالف الظاهر المختص بالمخلوقين، فلا ريب أن من أراد بالظاهر هذا فلا بد أن يكون له تأويل يخالف ظاهره".
وهنا ثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن دعوى هؤلاء بأنهم: "لا يفهمون من النص شيئًا" فإنهم إن كانوا من أصحاب القسم الذي يقول: تجرى على ظاهرها، ومع ذلك يجوز أن يكون المراد أمرًا آخر، فيجوز أحد الاعتبارين، أحد الحالين، يجوز في نفس الوقت إجراؤها على ظاهرها، ويجوز في نفس الوقت أن يكون لها معنى آخر لا يعلمه إلا الله تعالى
فإن أهل هذه القسم مخصومون من نفس قولهم، فإنهم إذا كانوا لا يفهمون شيئًا من النص كما قال المصنف هنا: "لأنّا إذا لم نفهم منه شيئًا"
أي أننا إذا لم نفهم من هذه النصوص أي معنى لم يجز أن نقول: إن لها تأويلا يخالف الظاهر أو يوافقه، لأنه قد يكون الظاهر هو معناها الصحيح فنفي العلم بالمعنى مع نفي الظاهر تناقض لأن الجاهل بالمعني جاهل بإرادة الظاهر أو عدم إرادته.
فيلزم من ذلك أنه لا يجوز لهم التحكم بالزعم بأحد الجانبين بأن يقولوا له تأويل يخالف أو يوافق ظاهره. قال المصنف: "لم يجز أن نقول: له تأويل يخالف الظاهر ولا يوافقه".
فهؤلاء لاحجة لهم في هذا المسلك لأن الظاهر كما ذكره المصنف هنا:
[ ٢ / ٨٢٢ ]
"لإمكان أن يكون له معنى صحيح، وذلك المعنى الصحيح لا يخالف الظاهر المعلوم لنا"، فالاحتمال قائم بإمكان أن يكون له معنى صحيح لا يخالف المعنى المعلوم لنا.
الأمر الثاني: قوله: "فإنه لا ظاهر له على قولهم، فلا تكون دلالته على ذلك المعنى دلالة على خلاف الظاهر فلا يكون تأويلا، ولا يجوز نفي دلالته على معان لا نعرفها على هذا التقدير، فإنَّ تلك المعاني التي دلت عليها قد لا نكون عارفين بها".
أي بما أن هؤلاء سلكوا منهج التجهيل وهو دعوى التوقف في معنى النصوص، فيقولون: «الله أعلم بمراده» (^١)، والتجهيل الذي هو التفويض في حقيقته هو دعوى الجهل والتوقف في معاني النصوص، وأن هذه النصوص لا يعلم معناها، فالتوقف والجهل لا ينفي أن يكون على معنى من المعاني، وهذا يعنى أنه لا ظاهر له، فلا تكون دلالته على المعنى الذي جوزوا حمل النص عليه بزعمهم أنها تجرى على ظاهرها، ومع ذلك يجوز أن يكون المراد أمرًا آخر، فجوزا أحد الاعتبارين، وعليه فإنه على فرض القول بالجواز فإن ذلك يعني إن "لا تكون دلالته على ذلك المعنى دلالة على خلاف الظاهر فلا يكون تأويلا".
أي أن ما لا يفهم منه شيء فالمفروض أنه لا ظاهر له أصلا لأنه لا معنى له، والظاهر والمؤول إنما هما فرعان عن المعنى، فإن لم يكن له ظاهر كان المعنى الذي نثبته غير مخالف للظاهر فينبغي ألا يكون للظاهر تأويلًا عنده لأنه لا يخالف ظاهرًا أثبته.
الأمر الثالث: على فرض المنع فإنه "ولا يجوز نفي دلالته على معان لا نعرفها على هذا التقدير، فإنَّ تلك المعاني التي دلت عليها قد لا نكون عارفين بها". فهو إنما نفى العلم بها ولم ينفي وجودها ومعرفة غيره بها.
_________________
(١) انظر كتاب درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية الجزء الأول صفحة (٢٠١).
[ ٢ / ٨٢٣ ]
وإذا كان قول هؤلاء المفوضة يقوم على أساس عدم فهم اللفظ ومدلوله "ولأنّا إذا لم نفهم اللفظ ومدلوله المراد"
فهذا الجهل يعني "فلأن لا نعرف المعاني التي لم يدل عليها اللفظ أَولى، لأن إشعار اللفظ بما يراد به أقوى من إشعاره بما لا يراد به". فالقول بأن اللفظ يراد به كذا أقوى من إشعاره بأنه لا يراد به كذا.
فإذا لم نفهم اللفظ ومدلوله المراد فمن باب أولى ألا نعرف المعاني التي لم يدل عليها اللفظ، لأن دلالة اللفظ على ما يراد به أولى من دلالته على ما لا يراد به، فإذا كان اللفظ لا دلالة له على معنى من المعاني ولا يفهم منه معني أصلا لم يكن مشعرًا ما أريد به، فعدم إشعاره بما لم يرد به أولى، فلا يجوز أن يقال هذا اللفظ متأول أي مصروف عن ظاهره فضلًا عن أن يقال إن تأويله لا يعلمه إلا الله. إلا إن أراد ظاهره التمثيل فإنه لابد أن يكون له تاويل يخالف ظاهره، وإن كنا لا نعتقد أن ظاهر النصوص التمثيل كما سبق في القاعدة الثالثة.
المتن
قال المصنف ﵀: "لكن إذا قال هؤلاء: إنه ليس لها تأويل يخالف الظاهر، أو إنها تجري على المعاني الظاهرة منها، كانوا متناقضين. وإن أرادوا بالظاهر هنا معنى وهنا معنى في سياق واحد من غير بيان كان تلبيسًا، وإن أرادوا بالظاهر مجرد اللفظ، أي تجرى على مجرَّد اللفظ الذي يظهر من غير فهم لمعناه كان إبطالهم للتأويل أو إثباته تناقضًا، لأن من أثبت تأويلا أو نفاه فقد فهم منه معنى من المعاني. وبهذا التقسيم يتبين تناقض كثير من الناس من نفاة الصفات ومثبتيها في هذا الباب".
الشرح
لشرح هذا النص لابد أن نعرف أن المفوضة ليسوا على رأي واحد فيما
[ ٢ / ٨٢٤ ]
يقولون:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن المفوضة: "وهم طائفتان من حيث إثبات ظواهر النصوص ونفيها" (^١).
فقول المصنف: "لكن إذا قال هؤلاء: إنه ليس لها تأويل يخالف الظاهر، أو إنها تجري على المعاني الظاهرة منها، كانوا متناقضين".
وقوله: "وإن أرادوا بالظاهر هنا معنى وهنا معنى في سياق واحد من غير بيان كان تلبيسًا".
أراد به طائفة من المفوضة يقولون: "بل تحري على ظاهرها، وتحمل عليه، ومع هذا، فلا يعلم تأويلها إلا الله تعالى فتناقضوا؛ حيث أثبتوا لها تأويلا يخالف ظاهرها، وقالوا، مع هذا بأنها تحمل على ظاهرها" (^٢).
وقول المصنف: "وإن أرادوا بالظاهر مجرد اللفظ، أي تجرى على مجرَّد اللفظ الذي يظهر من غير فهم لمعناه كان إبطالهم للتأويل أو إثباته تناقضًا، لأن من أثبت تأويلا أو نفاه فقد فهم منه معنى من المعاني".
أراد به طائفة أخرى من المفوضة الذين يقولون: "المراد بهذه النصوص خلاف مدلولها الظاهر، ولا يعرف أحد من الأنبياء، ولا الملائكة، ولا الصحابة، ولا أحد من الأمة، ما أراد الله بها، كما لا يعلمون وقت الساعة" (^٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى: ١٦/ ٤٤٢.
(٢) مجموع الفتاوى: ١٦/ ٤٤٢.
(٣) مجموع الفتاوى: ١٦/ ٤٤٢.
[ ٢ / ٨٢٥ ]