المتن
قال المصنف ﵀: "وأصل كلام هؤلاء كلهم على أن إثبات الصفات يستلزم التجسيم، والأجسام متماثلة".
الشرح
مقصود المصنف بقوله: "وأصل كلام هؤلاء كلهم" هم طوائف أهل الكلام من الجهمية والمعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية، ومن وافقهم، وقد تقدم الحديث عن المعتزلة واستدلالاتهم والرد عليهم باعتبارهم أنهم ينفون جميع الصفات.
وأما بقية أقوال الصفاتية فيوضحها كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في الكلام عن أصناف المثبتين للصفات مع مسألة الجسم حيث قال: "ولا ريب أن المثبتين لهذه الصفات، أربعة أصناف:
(الصنف الأول):
القول: صنف يثبتونها وينفون التجسيم والتركيب والتبعيض مطلقًا.
القائلين به: كما هي طريقة الكلابية والأشعرية، وطائفة من الكرامية كابن الهيصم وغيره، وهو قول طوائف من الحنبلية، والمالكية، والشافعية، والحنفية، كأبي الحسن التميمي، وابنه أبي الفضل، ورزق الله التميمي، والشريف أبي علي بن أبي موسى، والقاضي أبي يعلي، والشريف أبي جعفر، وأبي الوفاء بن عقيل، وأبي الحسن بن الزاغوني، -ومن لا يحصى كثرة-؛ يصرِّحون بإثبات هذه الصفات، وبنفي التجسيم والتركيب والتبعيض والتجزي والانقسام ونحو ذلك، وأول من عُرف أنه قال هذا القول هو أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، ثم اتبعه على ذلك خلائق لا يحصيهم إلا الله.
الصنف الثاني:
القول: وصنف يثبتون هذه الصفات، ولا يتعرضون للتركيب والتجسيم والتبعيض ونحو ذلك
[ ٢ / ٨٧٨ ]
من الألفاظ المبتدعة، لا بنفي ولا إثبات؛ لكن ينزهون الله عما نزه عنه نفسه، ويقولون إنه أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، ويقول من يقول منهم: مأثور عن ابن عباس وغيره: أنه لا يتبعض فينفصل بعضه عن بعض، وهم متفقون على أنه لا يمكن تفريقه ولا تجزئته بمعنى انفصال شيء منه عن شيء.
القائلين به: وهذا القول هو الذي يؤثر عن سلف الأمة وأئمتها، وعليه أئمة الفقهاء وأئمة الحديث، وأئمة الصوفية، وأهل الاتباع المحض من الحنبلية على هذا القول يحافظون على الألفاظ المأثورة، ولا يطلقون على الله نفيًا وإثباتًا إلا ما جاء به الأثر، وما كان في معناه.
الصنف الثالث:
القول: يثبتون هذه الصفات ويثبتون ما ينفيه النفاة لها، ويقولون: هو جسم لا كالأجسام، ويثبتون المعاني التي ينفيها أولئك بلفظ الجسم.
وهذا قول طوائف من أهل الكلام المتقدمين والمتأخرين.
الصنف الرابع:
القول: يصفونه مع كونه جسمًا بما يوصف به غيره من الأجسام.
القائلين به: فهذا قول المشبهة الممثلة، وهم الذين ثبت عن الأمة تبديعهم
[ ٢ / ٨٧٩ ]
وتضليلهم) (^١).
المتن
قال المصنف ﵀: "والمثبتون يجيبون عن هذا تارة بمنع المقدمة الأولى، وتارة بمنع المقدمة الثانية، وتارة بمنع كلتا المقدمتين، وتارة بالاستفصال".
أي أن من الشبه التي يقررون بها أن إثبات االصفات يلزم منه التشبيه هذه الشبهة، وهي مركبة من مقدمتين:
والمقصود بالمقدمة الأولى هنا: قولهم: (إن الصفات لا تقوم إلا بجسم متحيز). والتحيز عندهم هو توضيح للجسمية لأنهما متلازمان.
والمقصود بالمقدمة الثانية: قولهم: (والأجسام متماثلة).
والنتيجة: أن قيام الصفات به يستلزم مماثلته للأجسام وهو التشبيه.
وهذه شبهة نفاة جميع الصفات وهم المعتزلة ومن وافقهم فشبهتهم التي اعتمدوا عليها في نفي صفات الباري ﷿ هي ما تسمى بطريقة الأعراض، ذلك أنهم يزعمون أن الصفات إنما هي أعراض، والأعراض لا تقوم إلا بجسم، والأجسام حادثة، والله منزه عن الحوادث، ومن أجل ذلك كان قول المعتزلة في الله: إنه قديم واحد ليس معه في القدم غيره، فلو قامت به الصفات لكان معه غيره (^٢)
وبين المصنف أن الرد عليهم جاء من وجوه ثلاثة:
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية ١/ ٢٦٩.
(٢) بالإضافة إلى زعم المعتزلة أن الصفات لا تقوم إلا بأجسام، فهم أيضًا يزعمون أن في إثبات الصفات قول بكثرة وتعدد ذات الله، لأنهم يقولون: (إن من أثبت لله صفة أزلية قديمة فقد أثبت إلهين)، كما اعتقدوا أن الصفات لو شاركته في القدم لشاركته في الألوهية. انظر الملل للشهرستاني (١/ ٤٤ - ٤٦)، مقالات الإسلاميين (١/ ٢٤٥)، منهاج السنة (٢/ ١٦٩).
[ ٢ / ٨٨٠ ]
الوجه الأول: منع المقدمة الأولى، وهي قولهم: أن إثبات الصفات يستلزم التجسيم"
والوجه الثاني: منع المقدمة الثانية، وهي قولهم: "والأجسام متماثلة"
وهذه الحجة للمعتزلة سبق الرد عليها فيما تقدم من شرح.
والوجه الثالث: الاستفصال.
ومن هذا الوجه قال ابن القيم: "فلفط الجسم لم ينطق به الوحي إثباتا فتكون له حرمة الإثبات ولا نفيا فيكون له إلغاء النفي.
فمن أطلقه نفيا أو إثباتا سئل عما أراد به:
• فإن قال أردت الجسم معناه في لغة العرب وهو البدن الكثيف الذي لا يسمى في اللغة جسم سواه ولا يقال للهواء جسم لغة ولا للنار ولا للماء فهذه اللغة وكتبها بين أظهرنا فهذا المعنى منفي عن الله عقلًا وسمعًا.
• وإن أردتم به المركب من المادة والصورة أو المركب من الجواهر الفردة فهذا منفي عن الله قطعًا.
• وإن أردتم بالجسم ما يشار إليه إشارة حسية فقد أشار إليه أعرف الخلق به بأصبعه رافعًا لها إلى السماء يشهد الجمع الأعظم مشيرا له، أو أردتم بالجسم ما يقال أين هو فقد سأل أعلم الخلق به عنه بأين منبها على علوه على عرشه وسمع السؤال بأين وأجاب عنه ولم يقل هذا السؤال إنما يكون عن المجسم.
• وإن أردتم بالجسم ما يلحقه من وإلى فقد نزل جبريل من عنده ونزل كلامه من عنده وعرج برسوله إليه وإليه يصعد الكلم الطيب وعنده المسيح رفع إليه.
• وإن أردتم بالجسم ما يتميز منه أمر عن أمر فهو سبحانه موصوف بصفات
[ ٢ / ٨٨١ ]
الكمال جميعها من السمع والبصر والعلم والقدرة والحياة وهذه صفات متميزة متغايرة ومن قال إنها صفة واحدة فهو بالمجانين أشبه منه بالعقلاء وقد قال أعلم الخلق به «أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من عقوبتك وأعوذ بك منك» والمستعاذ به غير المستعاذ منه وأما استعاذته به منه فباعتبارين مختلفين فإن الصفة المستعاذ بها والصفة المستعاذ منها صفتان لموصوف واحد ورب واحد فالمستعيذ بإحدى الصفتين من الأخرى مستعيذ بالموصوف بهما منه.
• وإن أردتم بالجسم ما له وجه ويدان وسمع وبصر فنحن نؤمن بوجه ربنا الأعلى وبيديه وبسمعه وبصره وغير ذلك من صفاته التي أطلقها على نفسه.
• وإن أردتم بالجسم ما يكون فوق غيره ومستويا على غيره فهو سبحانه فوق عباده مستو على عرشه.
وكذلك إن أردتم بالتشبيه والتركيب هذه المعاني التي دل عليها الوحي والعقل فنفيكم لها بهذه الألقاب المنكرة خطأ في اللفظ والمعنى وجناية على ألفاظ الوحي والعقل وحقائق صفات الرب.
• أما الخطأ اللفظي فتسميتكم الموصوف بذلك جسما مركبا مؤلفا مشبها لغيره وتسميتكم هذه الصفات تجسيما وتركيبا وتشبيها فكذبتم على القرآن وعلى الرسول وعلى اللغة ووضعتم لصفاته ألفاظا منكم بدأت وإليكم تعود.
• وأما خطأكم في المعنى فنفيكم وتعطيلكم لصفات كماله بواسطة هذه التسمية والألقاب فنفيتم المعنى الحق وسميتموه بالاسم المنكر وكنتم في ذلك بمنزلة من سمع أن في العسل شفاء ولم يره فسأل عنه فقيل له مائع رقيق أصفر يشبه العذرة تتقيأه الزنابير ومن لم يعرف العسل ينفر عنه بهذا التعريف ومن عرفه وذاقه لم يزده هذا التعريف عنده إلا محبة له ورغبة فيه وما أحسن ما قال القائل:
[ ٢ / ٨٨٢ ]
تقول هذا جني النحل تمدحه … وإن تشاء قلت ذا قيء الزنابير
مدحا وذما وما جاوزت وصفهما … والحق قد يعتريه سوء تعبير" (^١)
المتن
قال المصنف ﵀: "ولا ريب أن قولهم بتماثل الأجسام قول باطل، سواء فسروا الجسم بما يشار إليه، أو بالقائم بنفسه، أو بالموجود، أو بالمركب من الهُيولي والصورة، ونحو ذلك. فأما إذا فسروه بالمركب من الجواهر المفردة على أنها متماثلة، فهذا يُبنى على صحة ذلك، وعلى إثبات الجواهر المفردة وعلى أنها متماثلة. وجمهور العقلاء يخالفونهم في ذلك.
الشرح
سبق الرد على من زعم القول بتماثل الأجسام، كما سبق الحديث عن هذه المصطلحات جميعها واستعمالاتها لدى الفلاسفة والمتكلمين بما يغني عن إعادة شرحها،
كلام المصنف هنا في أساسه متوجه لتناول أصل مسألة الكلام في الجسم والجوهر، ونفيهما أو إثباتهما، وأنها بدعة ليس لها أصل في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا تكلم أحد من السلف والأئمة بذلك نفيًا ولا إثباتًا.
والنزاع بين المتنازعين في ذلك: بعضه لفظي، وبعضه معنوي، أخطأ هؤلاء من وجه وأخطأ هؤلاء من وجه.
فإن كان النزاع مع من يقول: هو جسم أو جوهر، إذا قال: لا كالأجسام ولا كالجواهر، وإنما هو في اللفظ.
_________________
(١) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة ٣/ ٣٣٨ - ٣٤٤.
[ ٢ / ٨٨٣ ]
فمن قال: هو كالأجسام والجواهر، يكون الكلام معه بحسب ما يفسره من المعنى.
فإن كان فسر ذلك بالتشبيه الممتنع على الله تعالى، كان قوله مردودًا.
وذلك بأن يتضمن قوله إثبات شيء من خصائص المخلوقين لله، فكل قول تضمن هذا فهو باطل.
وإن فسر قوله: جسم لا كالأجسام بإثبات معنى آخر، مع تنزيه الرب عن خصائص المخلوقين، كان الكلام معه في ثبوت ذلك المعنى وانتفائه.
فلابد أن يلحظ في هذا إثبات شيء من خصائص المخلوقين للرب أولا، وذلك مثل أن يقول: أصفه بالقدر المشترك بين سائر الأجسام والجواهر، كما أصفه بالقدر المشترك بينه وبين سائر الموجودات، وبين كل حي عليم سميع بصير، وإن كنت لا أصفه بما تختص به المخلوقات، وإلا فلو قال الرجل: هو حي لا كالأحياء، وقادر لا كالقادرين، وعليم لا كالعلماء، وسميع لا كالسمعاء، وبصير لا كالبصراء، ونحو ذلك، وأراد بذلك نفي خصائص المخلوقين، فقد أصاب.
وإن أراد نفي الحقيقة التي للحياة والعلم والقدرة ونحو ذلك، مثل أن يثبت الألفاظ وينفي المعنى الذي أثبته الله لنفسه، وهو من صفات كماله، فقد أخطأ.
إذا تبين هذا فالنزاع بين مثبتة الجوهر والجسم ونفاته، يقع من جهة المعنى فسر بشيئين: أحدهما: أنهم متنازعون في تماثل الأجسام والجواهر على قولين معروفين.
فمن قال بتماثلها، قال: كل من قال: إنه جسم لزمه التمثيل.
ومن قال إنها لا تتماثل، قال: إنه لا يلزمه التمثيل.
ولهذا كان أولئك يسمون المثبتين للجسم مشبهة، بحسب ما ظنوه لازمًا لهم، كما يسمى نفاة الصفات لمثبتيها مشبهة ومجسمة، حتى سموا جميع المثبتة للصفات مشبهة، ومجسمة، وحشوية، وغثاء، وغثراء، ونحو ذلك، بحسب ما ظنوه لازمًا لهم.
[ ٢ / ٨٨٤ ]
لكن إذا عرف أن صاحب القول لا يلتزم هذه اللوازم، لم يجز نسبتها إليه على أنها قول له، سواء كانت لازمة في نفس الأمر أو غير لازمة، بل إن كانت لازمة مع فسادها، دل على فساد قوله.
[ ٢ / ٨٨٥ ]