المتن
قال المصنف ﵀: "فإن قيل: إن الشيء إذا شابه غيره من وجه جاز عليه ما يجوز عليه من ذلك الوجه، ووجب له ما وجب له، وامتنع عليه ما امتنع عليه.
قيل: هب أن الأمر كذلك، ولكن إذا كان ذلك القدر المشترك لا يستلزم إثبات ما يمتنع على الرب ﷾، ولا نفي ما يستحقه لم يكن ممتنعًا؛ كما إذا قيل: إنه موجود حي عليم سميع بصير وقد سمى بعض المخلوقات حيًا عليمًا سميعًا بصيرًا، فإذا قيل: يلزم أن يجوز عليه ما يجوز على ذلك من جهة كونه موجودًا حيًا عليما سميعًا بصيرًا. قيل لازم هذا القدر المشترك ليس ممتنعًا على الرب تعالى؛ فإن ذلك لا يقتضي حدوثًا، ولا إمكانًا، ولا نقصًا، ولا شيئًا مما ينافي صفات الربوبية.
وذلك أن القدر المشترك هو مسمى «الوجود» أو «الموجود»، أو «الحياة» أو «الحي»، أو «العلم» أو «العليم»، أو «السمع» و«البصر» أو «السميع» و«البصير»، أو «القدرة» أو «القدير»، والقدر المشترك مطلق كليّ لا يختص بأحدهما دون الآخر، فلم يقع بينهما اشتراك لا فيما يختص بالممكن المحدَث، ولا فيما يختص بالواجب القديم، فإن ما يختص به أحدهما يمتنع اشتراكهما فيه.
فإذا كان القدر المشترك الذي اشتركا فيه صفة كمال: كالوجود والحياة والعلم والقدرة، ولم يكن في ذلك ما يدل على شيء من خصائص المخلوقين، كما لا يدل على شيء من خصائص الخالق- لم يكن في إثبات هذا محذور أصلا، بل إثبات هذا من لوازم الوجود، فكل موجودَين لا بد بينهما من مثل هذا، ومن نفى هذا لزمه تعطيل وجود كل موجود".
[ ٢ / ٨٩٨ ]
الشرح
سبق الحديث عن مسألة القدر المشترك بشكل موسع ومفصل يتناول هذه المسألة من جميع جوانبها.
والمصنف يستدل هنا بهذه المسألة في معرض رده على شبهة المعطلة الذين يقولون "إن الشيء إذا شابه غيره من وجه جاز عليه ما يجوز عليه من ذلك الوجه، ووجب له ما وجب له، وامتنع عليه ما امتنع عليه".
فيقول المصنف لو سلم لكم جدلًا أن هذا هو تعريف التماثل، فإن جماهير العقلاء يعلمون أنه ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك، ونفس ذلك القدر المشترك ليس هو نفس التمثيل والتشبيه الذي قام الدليل العقلي والسمعي على نفيه، وإنما التشبيه الذي قام الدليل على نفيه ما يستلزم ثبوت شيء من خصائص المخلوقين لله﷾إذ هو-سبحانه-ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله" (^١).، وشبه الشيء بالشيء يكون لمشابهته له من بعض الوجوه، وذلك لا يقتضي التماثل الذي يوجب أن يشتركا فيما يجب ويجوز ويمتنع. وإذا قيل هذا حي عليم قدير، وهذا حي عليم قدير، فتشابها في مسمى الحي والعليم والقدير، لم يوجب ذلك أن يكون هذا المسمى مماثلًا لهذا المسمى من كل وجه، بل هنا ثلاثة أشياء:
أحدها: القدر المشترك الذي تشابها فيه، وهو معنى كلي لا يختص به أحدهما، ولا يوجد كليًّا عامًّا إلا في علم العالم (^٢)
الثاني: ما يختص به هذا، كما يختص الرب بما يقوم به من الحياة والعلم والقدرة.
_________________
(١) درء التعارض، جـ ٥ ص ٢٢٧.
(٢) أي في الذهن وليس في الخارج
[ ٢ / ٨٩٩ ]
الثالث: ما يختص به ذاك، كما يختص به العبد، من الحياة والعلم والقدرة، فما اختص به الرب﷿لا يشركه فيه العبد، ولا يجوز عليه شيء من النقائص التي تجوز على صفات العبد، وما يختص به العبد لا يشركه فيه الرب، ولا يستحق شيئًا من صفات الكمال التي يختص بها الرب﷿-. وأما القدر المشترك كالمعنى الكلي الثابت في ذهن الإنسان، فهذا لا يستلزم خصائص الخالق ولا خصائص المخلوق، فالاشتراك فيه لا محذور فيه". (^١)
وأعطى المصنف عدة أمثلة فقال: "كما إذا قيل: إنه موجود حي عليم سميع بصير وقد سمى بعض المخلوقات حيًا عليمًا سميعًا بصيرًا".
وبين المصنف أن القدر المشترك بين الخالق والمخلوق في هذه الصفات التي أطلقت على الخالق والمخلوق الذي تشابها فيه، هو معنى كلي لا يختص به أحدهما وبالتالي "قيل لازم هذا القدر المشترك ليس ممتنعًا على الرب تعالى"
فباعتبار أن هذا الإطلاق هو معنى كلي يشترك فيه الخالق والمخلوق "فإن ذلك لا يقتضي حدوثًا، ولا إمكانًا، ولا نقصًا، ولا شيئًا مما ينافي صفات الربوبية".
فيجب الأخذ بالاعتبار أن "القدر المشترك مطلق كليّ لا يختص بأحدهما دون الآخر"
وبالتالي "فلم يقع بينهما اشتراك لا فيما يختص بالممكن المحدَث، ولا فيما يختص بالواجب القديم، فإن ما يختص به أحدهما يمتنع اشتراكهما فيه".
وأعاد المصنف ذكر الأمثلة التي سبق إيرادها وبين أنه إذا أخذ هذا الاعتبار بالحسبان فإن "القدر المشترك الذي اشتركا فيه صفة كمال: كالوجود والحياة والعلم والقدرة" في حال الإطلاق وعدم التخصيص بالخالق أو المخلوق "لم يكن في ذلك ما يدل على شيء من خصائص المخلوقين، كما لا يدل على شيء من خصائص الخالق"
فعلى الأخذ بالقدر المشترك "لم يكن في
_________________
(١) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: ٣/ ٤٤٠.
[ ٢ / ٩٠٠ ]
إثبات هذا محذور أصلا، بل إثبات هذا من لوازم الوجود، فكل موجودَين لا بد بينهما من مثل هذا، ومن نفى هذا لزمه تعطيل وجود كل موجود".
المتن
قال المصنف ﵀: "ولهذا لما اطَّلع الأئمة على أن هذا حقيقة قول الجهمية سموهم معطِّلة، وكان جهم ينكر أن يسمّى الله شيئًا، وربما قالت الجهمية: هو شيء لا كالأشياء، فإذا نفى القدر المشترك مطلقًا لزم التعطيل التام.
والمعاني التي يوصف بها الرب ﷾، كالحياة والعلم والقدرة، بل الوجود والثبوت والحقيقة ونحو ذلك، تجب له لوازمها؛ فإن ثبوت الملزوم يقتضي ثبوت اللازم، وخصائص المخلوق التي يجب تنزيه الرب عنها ليست من لوازم ذلك أصلا، بل تلك من لوازم ما يختص بالمخلوق من وجود وحياة وعلم ونحو ذلك، والله ﷾ منزه عن خصائص المخلوق وملزومات خصائصه".
الشرح
أي أن نفي القدر المشترك هو الذي أدى بالمعطلة إلى القول بنفي الصفات كما قال المصنف "فإذا نفى القدر المشترك مطلقًا لزم التعطيل التام".
وبين المصنف أن هذه الألفاظ في حال إضافتها إلى الله واختصاصه بها تثبت لها جميع لوازمها فقال: "والمعاني التي يوصف بها الرب ﷾، كالحياة والعلم والقدرة، بل الوجود والثبوت والحقيقة ونحو ذلك، تجب له لوازمها؛ فإن ثبوت الملزوم
[ ٢ / ٩٠١ ]
يقتضي ثبوت اللازم".
وأن ما اختص به المخلوق في حال إضافة تلك الصفات إليه يجب تنزيه الرب ﷿ عنها كما قال المصنف هنا: "وخصائص المخلوق التي يجب تنزيه الرب عنها ليست من لوازم ذلك أصلا، بل تلك من لوازم ما يختص بالمخلوق من وجود وحياة وعلم ونحو ذلك، والله ﷾ منزه عن خصائص المخلوق وملزومات خصائصه".
فهي من جهة تختص بالمخلوق ومن جهة أخرى الله منزه عنها، ومثال ذلك صفة الحياة إذا أضيفت إلى المخلوق فإنها مسبوقة بعدم ويلحقها الزوال ويعتريها النقص من كل وجه، فكل هذه الخصائص لحياة المخلوق الله ﷿ منزه عنها فحياة الله لم يسبقها عدم ولا يلحقها زوال ولا يعتريها النقص بأي وجه من الوجوه.
المتن
قال المصنف ﵀: "وهذا الموضع من فهمه فهمًا جيدًا وتدبره، زالت عنه عامة الشبهات، وانكشف له غلط كثير من الأذكياء في هذا المقام، وقد بسط هذا في مواضع كثيرة، وبُيِّن فيها أن القدر المشترك الكلي لا يوجد في الخارج إلا معيَّنًا مقيَّدًا، وأن معنى اشتراك الموجودات في أمر من الأمور هو تشابهها من ذلك الوجه، وأن ذلك المعنى العام يطلق على هذا وهذا، لا أن الموجودات في الخارج يشارك أحدهما الآخر في شيء موجود فيه، بل كل موجود متميّز عن غيره بذاته وصفاته وأفعاله".
الشرح
يجدر التنبيه إلى أن علماء أهل السنة قرروا الحقائق الآتية:
أولًا: أن القدر المشترك يراد به: ما تشترك فيه الموجودات من: معاني، ذهنية، كلية، مطلقة
[ ٢ / ٩٠٢ ]
فما من مسميين إلا وبينهما:
• قدر مشترك.
• وقدر مميز.
ثانيًا: أن نعلم أن المعنى العام لا يقتضي تماثلًا من كل وجه.
وذلك أن لكل ماهيتين:
• معنى عامًا اشتركا فيه.
• ومعنى خاصًا افترقا فيه.
• فالمعنى العام: الذي اشتركا فيه هو (القدر المشترك) الذي لا يقتضي تماثلا من كل وجه.
• والمعنى الخاص: وحين تكون الخصائص والإضافات تتمايز هاتان الماهيتان وهو (القدر المميز).
ثالثًا: أن الكليات التي يتفق فيها الشيئان إنما هي في الأذهان لا في الأعيان.
فليس في الموجودات الخارجية اثنان اشتركا في شيء فضلا عن أن يكون الخالق تعالى مشاركا لغيره في شيء من الأشياء ﷾" (^١).
فالمقصود بالقدر المشترك هو المعنى العام الكلي المقدر في الذهن.
ومثال ذلك: لفظ أو مسمى "الوجود" فهذا اللفظ يطلق على الخالق والمخلوق فيقال الله موجود والمخلوق موجود.
ولكن هذا الإطلاق أو هذا القدر المشترك هو في الوجود الذهني فقط لا في الوجود العياني أو الخارجي.
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل (٥/ ١٨٣)
[ ٢ / ٩٠٣ ]
يقول ابن قدامة ﵀: " والرجل له وجود في:
• الأعيان،
• والأذهان،
• واللسان.
• فوجوده في الأعيان لا عموم له إذ ليس في الوجود رجل مطلق بل إما زيد وإما عمرو.
• وأما وجوده في اللسان فلفظة (الرجل) قد وضعت للدلالة عليه.
• وأما الذي في الأذهان من معنى الرجل فيسمى كليا، فإن العقل يأخذ من مشاهدة زيد: حقيقة الإنسان وحقيقة الرجل، فإن رأى عمرا لم يأخذ منه صورة أخرى، وكان ما أخذه من قبل نسبته إلى عمرو الحارث كنسبته إلى زيد الذي عهده أولا … " (^١).
قال شيخ الإسلام ﵀: "والقدر المشترك كلي لا يختص بأحدهما دون الآخر، فلم يقع بينهما اشتراك لا فيما يختص بالممكن المحدث، ولا فيما يختص بالواجب القديم، فإن ما يختص به أحدهما يمتنع اشتراكهما فيه .. " (^٢).
رابعًا: "أن من قال: إنه يوجد في الخارج كليا، فقد غلط.
فإن الكلي لا يكون كليا قط إلا في الأذهان لا في الأعيان، وليس في الخارج إلا شيء معين، إذا تصور منع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه، ولكن العقل يأخذ القدر المشترك الكلي بين المعينات، فيكون كليا مشتركا في الأذهان" (^٣).
_________________
(١) روضة الناظر لابن قدامة: ٢/ ٥ - ٦، ت: النملة.
(٢) التدمرية: ١٢٥ - ١٢٩.
(٣) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٤/ ٣٠٨)
[ ٢ / ٩٠٤ ]
خامسًا: "ما كان لازما لهذا المعنى العام كان لازما للموصوف به، وهذا لا محذور فيه، بل هو حق.
ومثاله الذي يوضحه:
• إذا كان الخالق (موجودا) والمخلوق (موجودا).
• أو هذا (قائم بنفسه)، وهذا (قائم بنفسه).
• أو قيل: هذا (حي عليم رحيم)، وقيل: (هذا حي عليم رحيم).
كان القدر العام الكلي المتفق هو: مسمى (الوجود) و(القيام بالنفس) و(الحياة) و(العلم) و(الرحمة) أو مسمى أنه (موجود) (قائم بنفسه) (حي) (عالم) (رحيم).
وهذا المعنى العام ليس من لوازمه ما ينفى عن الله، بل لوازمه كلها صفات كمال يوصف الله بها.
o وإنما يكون لوازمه صفة نقص إذا قيّد بالعبد فقيل: وجود العبد وعلم العبد ورحمة العبد، فالنقص يلزمه إذا كان مقيدا مختصا بالعبد، والله منزه عما يختص به العبد.
o وأما إذا:
- اتصف الرب به.
- أو أُخذ مطلقا غير مختص بالعبد.
ففي هذين الحالين لا يلزمه شيء من النقائص أصلا، فتبين أن إثبات القدر العام المتفق عليه لا محذور فيه أصلا (^١) ".
خامسًا: أن المقصود بالقدر المميز: أن بين الموجودين في الوجود الخارجي
_________________
(١) الصفدية (٢/ ٩).
[ ٢ / ٩٠٥ ]
قدر مميز وفارق بينهما، وعليه فإن لله وجودًا يختص به وللمخلوق وجود يختص به.
• فأما وجود الله فمعلوم أن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله، فلا يجوز أن يثبت له شيء من خصائص المخلوقين ولا يمثل بها.
• وهكذا الشأن في وجود المخلوق العياني فلا أن يثبت لشيء من الموجودات مثل شيء من صفاته ولا مشابهة في شيء من خصائصه، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
وإذا كان المثل هو الموافق لغيره فيما يجب ويجوز ويمتنع، فهو سبحانه لا يشاركه شيء فيما يجب له ويمتنع عليه ويجوز له.
بل إن المخلوق لا يشارك مخلوقا في شيء من صفاته، فكيف يكون للخالق شريك في ذلك، لكن المخلوق قد يكون له من يماثله في صفاته، والله تعالى لا مثل له أصلا.
• وأما ما يتقدس الرب تعالى ويتنزه عنه من النقائص والآفات فهي ليست من لوازم ما يختص به، ولا من لوازم القدر المشترك الكلي المطلق أصلا، بل هي من خصائص المخلوقات الناقصة، والله تعالى منزه عن كل نقص وعيب " (^١).
سادسًا: أنه "ليس في الموجودات الخارجية اثنان اشتركا في شيء فضلا عن أن يكون الخالق تعالى مشاركا لغيره في شيء من الأشياء ﷾" (^٢).
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل (٥/ ٨٣ - ٨٥) بتصرف.
(٢) درء تعارض العقل والنقل (٥/ ١٨٣)
[ ٢ / ٩٠٦ ]