المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "والمؤمن مأمور بأن يفعل المأمور، ويترك المحظور، ويصبر على المقدور، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران الآية: ١٢٠]، وقال تعالى في قصة يوسف: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف الآية: ٩٠]، فالتقوى فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى الله عنه، ولهذا قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [غافر الآية: ٥٥]، فأمره مع الاستغفار بالصبر، فإن العباد لا بدّ لهم من الاستغفار أولهم وآخرهم، قال النبي -ﷺ- في الحديث الصحيح: «يا أيها الناس توبوا إلى ربكم، فوالذي نفسي بيده إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة»، وقال: «إنه ليُغَانُ على قلبي، وإني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة»، وكان يقول: «اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي خطئي وعمدي، وهزلي وجدّي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت».
وقد ذكر عن آدم أبي البشر أنه استغفر ربَّه وتاب إليه، فاجتباه ربُّه فتاب عليه
[ ٢ / ١٣٠١ ]
وهداه، وعن إبليس أبي الجن أنه أصرَّ متعلقًا بالقَدَر؛ فلَعَنَه وأقصاه، فمن أذنب وتاب وندم فقد أشبه أباه، ومن أشبه أباه فما ظلم؛ قال تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا • لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب الآيات: ٧٢ - ٧٣] ..
ولهذا قرن ﷾ بين التوحيد والاستغفار في غير آية، كما قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد الآية: ١٩]، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت الآية: ٦]، وقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ • أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ • وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [هود الآيات: ١ - ٢ - ٣].
وفي الحديث الذي رواه ابن أبي عاصم وغيره: «يقول الشيطان: أهلكت الناس بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار، فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء، فهم يذنبون ولا يتوبون، لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا».
وقد ذكر الله ﷾ عن ذي النون أنه نادى في الظلمات: ﴿أَنْ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء الآية: ٨٧]، قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء الآية: ٨٨]، قال النبي -ﷺ-: «دعوة أخي ذي النون ما دعا بها مكروب إلا فرَّج الله بها كربه».
الشرح
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وَلَا بُد للْإنْسَان من شَيْئَيْنِ:
• طَاعَته بِفعل الْمَأْمُور وَترك الْمَحْظُور.
• وَصَبره على مَا يُصِيبهُ من الْقَضَاء الْمَقْدُور.
فَالْأول: هُوَ التَّقْوَى.
[ ٢ / ١٣٠٢ ]
وَالثَّانِي هُوَ الصَّبْر.
قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا بطانة من دونكم لَا يألونكم خبالا﴾ [آل عمران الآية: ١١٩]، إِلَى قَوْله: ﴿وَإِنْ تصبروا وتتقوا لَا يضركم كيدهم شَيْئا إِنْ الله بِمَا يعْملُونَ مُحِيط﴾ [آل عمران الآية: ١٢٠]، وَقَالَ تَعَالَى ﴿بلَى إِنْ تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هَذَا يمددكم ربكُم بِخَمْسَة آلَاف من الْمَلَائِكَة مسومين﴾ [آل عمران الآية: ١٢٥].
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لتبلون فِي أَمْوَالكُم وَأَنْفُسكُمْ ولتسمعن من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ وَمن الَّذين أشركوا أَذَى كثيرا وَإِنْ تصبروا وتتقوا فَإِنْ ذَلِك من عزم الْأُمُور﴾ [آل عمران الآية: ١٨٦]، وَقد قَالَ يُوسُف: ﴿أَنا يُوسُف وَهَذَا أخي قد من الله علينا إِنَّه من يتق ويصبر فَإِنْ الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف الآية: ٩٠].
وَلِهَذَا كَانَ الشَّيْخ عبد الْقَادِر الجيلاني وَنَحْوه من المشائخ المستقيمين يوصون فِي عَامَّة كَلَامهم بِهَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ المسارعة إِلَى فعل الْمَأْمُور والتقاعد عَنْ فعل الْمَحْظُور وَالصَّبْر وَالرِّضَا بِالْأَمر الْمَقْدُور.
وَذَلِكَ أَنْ هَذَا الْموضع غلط فِيهِ كثير من الْعَامَّة بل وَمن السالكين:
فَمنهمْ من يشْهد الْقدر فَقَط وَيشْهد الْحَقِيقَة الكونية دون الدِّينِيَّة فَيرى أَنْ الله خَالق كل شَيْء وربه وَلَا يفرق بَين مَا يُحِبهُ الله ويرضاه وَبَين مَا يسخطه ويبغضه وَإِنْ قدره وقضاه وَلَا يُمَيّز بَين تَوْحِيد الألوهية وَبَين تَوْحِيد الربوبية فَيشْهد الْجمع الَّذِي يشْتَرك فِيهِ جَمِيع الْمَخْلُوقَات سعيدها وشقيها مشْهد الْجمع الَّذِي يشْتَرك فِيهِ الْمُؤمن وَالْكَافِر وَالْبر والفاجر وَالنَّبِيّ الصَّادِق والمتنباء الْكَاذِب وَأهل الْجنَّة وَأهل النَّار وأولياء الله وأعداؤه وَالْمَلَائِكَة المقربون والمردة الشَّيَاطِين
فَإِنْ هَؤُلَاءِ كلهم يشتركون فِي هَذَا الْجمع وَهَذِه الْحَقِيقَة الكونية وَهُوَ أَنْ الله رَبهم وخالقهم ومليكهم لَا رب لَهُمْ غَيره.
وَلَا يشْهد الْفرق الَّذِي فرق الله بِهِ بَين أوليائه وأعدائه وَبَين الْمُؤمنِينَ والكافرين والأبرار والفجار وَأهل الْجنَّة وَالنَّار وَهُوَ تَوْحِيد الألوهية وَهُوَ عِبَادَته وَحده لَا شريك لَهُ وطاعته رَسُوله وَفعل مَا يُحِبهُ ويرضاه وَهُوَ مَا أَمر بِهِ وَرَسُوله أَمر إِيجَاب أَوْ أَمر اسْتِحْبَاب وَترك مَا نهى الله عَنهُ وَرَسُوله
[ ٢ / ١٣٠٣ ]
وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنكر وَجِهَاد الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ بِالْقَلْبِ وَالْيَد وَاللِّسَان فَمن لم يشْهد هَذِه الْحَقِيقَة الدِّينِيَّة الفارقة بَين هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء وَيكون مَعَ أهل الْحَقِيقَة الدِّينِيَّة وَإِلَّا فَهُوَ من جنس الْمُشْركين وَهُوَ شَرّ من الْيَهُود وَالنَّصَارَى.
فَإِنْ الْمُشْركين يقرونَ بِالْحَقِيقَةِ الكونية إِذْ هم يقرونَ بِأَنْ الله رب كل شَيْء كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلتهمْ من خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وسخر الشَّمْس وَالْقَمَر ليَقُولن الله﴾ [العنكبوت الآية: ٦١].
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قل لمن الأَرْض وَمن فِيهَا إِنْ كُنْتُم تعلمُونَ سيقولون لله قل أَفلا تذكرُونَ قل من رب السَّمَاوَات السَّبع وَرب الْعَرْش الْعَظِيم سيقولون لله قل أَفلا تَتَّقُون قل من بِيَدِهِ ملكوت كل شَيْء وَهُوَ يجير وَلَا يجار عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُم تعلمُونَ سيقولون لله قل فَأنى تسحرون﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩] ..
وَلِهَذَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا يُؤمن أَكْثَرهم بِاللَّه إِلَّا وهم مشركون﴾ [يوسف الآية: ١٠٦]
قَالَ بعض السّلف: تَسْأَلهُمْ من خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فَيَقُولُونَ الله وهم مَعَ هَذَا يعْبدُونَ غَيره
فَمن أقرّ بِالْقضَاءِ وَالْقدر دون الْأَمر وَالنَّهْي الشرعيين فَهُوَ أكفر من الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَإِنْ أُولَئِكَ يقرونَ بِالْمَلَائِكَةِ وَالرسل الَّذين جاؤوا بِالْأَمر وَالنَّهْي الشرعيين لَكِن آمنُوا بِبَعْض وَكَفرُوا بِبَعْض كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِنْ الَّذين يكفرون بِاللَّه وَرُسُله ويريدون أَنْ يفرقُوا بَين الله وَرُسُله وَيَقُولُونَ نؤمن بِبَعْض ونكفر بِبَعْض ويريدون أَنْ يتخذوا بَين ذَلِك سَبِيلا أُولَئِكَ هم الْكَافِرُونَ حَقًا﴾ [النساء الآيتان: (١٥٠، ١٥١)].
وَأما الَّذِي يشْهد الْحَقِيقَة الكونية وتوحيد الربوبية الشَّامِل للخليقة ويقر أَنْ الْعباد كلهم تَحت الْقَضَاء وَالْقدر ويسلك هَذِه الْحَقِيقَة فَلَا يفرق بَين الْمُؤمنِينَ والمتقين الَّذين أطاعوا أَمر الله الَّذِي بعث بِهِ رسله وَبَين من عصى الله وَرَسُوله من الْكفَّار والفجار فَهَؤُلَاءِ أكفر من الْيَهُود وَالنَّصَارَى.
لَكِن من النَّاس من قد لمحوا الْفرق فِي بعض الْأُمُور دون بعض بِحَيْثُ يفرق بَين الْمُؤمن وَالْكَافِر وَلَا يفرق بَين الْبر والفاجر
[ ٢ / ١٣٠٤ ]
أَوْ يفرق بَين بعض الْأَبْرَار وَبَين بعض الْفجار وَلَا يفرق بَين آخَرين اتبَاعا لظَنّه وَمَا يهواه فَيكون نَاقص الْإِيمَان بِحَسب مَا سوى بَين الْأَبْرَار والفجار وَيكون مَعَه من الْإِيمَان بدين الله تَعَالَى الْفَارِق بِحَسب مَا فرق بَين أوليائه وأعدائه
وَمن أقرّ بِالْأَمر وَالنَّهْي الدينيين دون الْقَضَاء وَالْقدر كَانَ من الْقَدَرِيَّة كالمعتزلة وَغَيرهم الَّذين هم مجوس هَذِه الْأمة فَهَؤُلَاءِ يشبهون الْمَجُوس وَأُولَئِكَ يشبهون الْمُشْركين الَّذين هم شَرّ من الْمَجُوس
وَمن أقرّ بهما وَجعل الرب متناقضا فَهُوَ من أَتبَاع إِبْلِيس الَّذِي اعْترض على الرب سُبْحَانَهُ وخاصمه كَمَا نقل ذَلِك عَنهُ.
فَهَذَا التَّقْسِيم فِي القَوْل والاعتقاد
وَكَذَلِكَ هم فِي الْأَحْوَال وَالْأَفْعَال فَالصَّوَاب مِنْهَا حَالَة الْمُؤمن الَّذِي يَتَّقِي الله فيفعل الْمَأْمُور وَيتْرك الْمَحْظُور ويصبر على مَا يُصِيبهُ من الْمَقْدُور فَهُوَ عِنْد الْأَمر وَالنَّهْي وَالدّين والشريعة ويستعين بِاللَّه على ذَلِك كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ [الفاتحة الآية: ٥].
وَإِذا أذْنب اسْتغْفر وَتَابَ لَا يحْتَج بِالْقدرِ على مَا يَفْعَله من السَّيِّئَات وَلَا يرى للمخلوق حجَّة على رب الكائنات بل يُؤمن بِالْقدرِ وَلَا يحْتَج بِهِ كَمَا فِي الحَدِيث الصَّحِيح الَّذِي فِيهِ سيد الاسْتِغْفَار أَنْ يَقُول العَبْد «اللَّهُمَّ أَنْت رَبِّي لَا إِلَه إِلَّا أَنْت خلقتني وَأَنا عَبدك وَأَنا على عَهْدك وَوَعدك مَا اسْتَطَعْت أعوذ بك من شَرّ مَا صنعت أَبُوء لَك بنعمتك عَليّ وأبوء بذنبي فَاغْفِر لي فَإِنَّهُ لَا يغْفر الذُّنُوب إِلَّا أَنْت» فَيقر بِنِعْمَة الله عَلَيْهِ فِي الْحَسَنَات وَيعلم أَنه هُوَ هداه ويسره لليسرى ويقر بذنوبه من السَّيِّئَات وَيَتُوب مِنْهَا كَمَا قَالَ بَعضهم: أطعتك بِفَضْلِك والْمنَّة لَك وعصيتك بعلمك وَالْحجّة لَك فأسألك بِوُجُوب حجتك عَليّ وَانْقِطَاع حجتي إِلَّا غفرت لي.
وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح الإلهي «يَا عبَادي إِنَّمَا هِيَ أَعمالكُم أحصيها لكم
[ ٢ / ١٣٠٥ ]
ثمَّ أوفيكم إِيَّاهَا فَمن وجد خيرا فليحمد الله وَمن وجد غير ذَلِك فَلَا يَلُومن إِلَّا نَفسه».
وَهَذَا لَهُ تَحْقِيق مَبْسُوط فِي غير هَذَا الْموضع
وَآخَرُونَ قد يشْهدُونَ الْأَمر فَقَط فتجدهم يجتهدون فِي الطَّاعَة حسب الِاسْتِطَاعَة لَكِن لَيْسَ عِنْدهم من مُشَاهدَة الْقدر مَا يُوجب لَهُمْ حَقِيقَة الِاسْتِعَانَة والتوكل وَالصَّبْر.
وَآخَرُونَ يشْهدُونَ الْقدر فَقَط فَيكون عِنْدهم من الِاسْتِعَانَة والتوكل وَالصَّبْر مَا لَيْسَ عِنْد أُولَئِكَ لكِنهمْ لَا يلتزمون أَمر الله وَرَسُوله وَاتِّبَاع شَرِيعَته وملازمة مَا جَاءَ بِهِ الْكتاب وَالسّنة من الدّين فَهَؤُلَاءِ يستعينون الله وَلَا يعبدونه وَالَّذين من قبلهم يُرِيدُونَ أَنْ يعبدوه وَلَا يستعينوه وَالْمُؤمن يعبده ويستعينه.
وَالْقسم الرَّابِع شَرّ الْأَقْسَام وَهُوَ من لَا يعبده وَلَا يستعينه فَلَا هُوَ مَعَ الشَّرِيعَة الأمرية وَلَا من الْقدر الكوني وانقسامهم إِلَى هَذِه الْأَقْسَام هُوَ فِيمَا يكون قبل وُقُوع الْمَقْدُور من توكل واستعانة وَنَحْو ذَلِك وَمَا يكون بعده من صَبر ورضا وَنَحْو ذَلِك فهم فِي التَّقْوَى وَهِي طَاعَة الْأَمر الديني وَالصَّبْر على مَا يقدر عَلَيْهِ من الْقدر الكوني أَرْبَعَة أَقسَام:
أَحدهَا: أهل التَّقْوَى وَالصَّبْر وهم الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من أهل السَّعَادَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة.
وَالثَّانِي: الَّذين لَهُمْ نوع من التَّقْوَى بِلَا صَبر مثل الَّذين يمتثلون مَا عَلَيْهِم من الصَّلَاة وَنَحْوهَا ويتركون الْمُحرمَات لَكِن إِذا أُصِيب أحدهم فِي بدنه بِمَرَض وَنَحْوه
[ ٢ / ١٣٠٦ ]
أَوْ فِي مَاله أَوْ فِي عرض أَوْ ابْتُلِيَ بعدو يخيفه عظم جزعه وَظهر هلعه.
وَالثَّالِث: قوم لَهُ نوع من الصَّبْر بِلَا تقوى مثل الْفجار الَّذين يصبرون على مَا يصيبهم فِي مثل أهوائهم كاللصوص والقطاع الَّذين يصبرون على الآلام فِي مثل مَا يطلبونه من الْغَصْب وَأخذ الْحَرَام؛ وَالْكتاب وَأهل الدِّيوَان الَّذين يصبرون على ذَلِك فِي طلب مَا يحصل لَهُمْ من الْأَمْوَال بالخيانة وَغَيرهَا؛ وَكَذَلِكَ طلاب الرِّئَاسَة والعلو على غَيرهم يصبرون من ذَلِك على أَنْوَاع من الْأَذَى الَّتِي لَا يصبر عَلَيْهَا أَكثر النَّاس؛ وَكَذَلِكَ أهل الْمحبَّة للصور الْمُحرمَة من أهل الْعِشْق وَغَيرهم يصبرون فِي مثل مَا يهوونه من الْمُحرمَات على أَنْوَاع من الْأَذَى والآلام وَهَؤُلَاء هم الَّذين يُرِيدُونَ علوا فِي الأَرْض أَوْ فَسَادًا من طلاب الرِّئَاسَة والعلو على الْخلق وَمن طلاب الْأَمْوَال بالبغي والعدوان والاستمتاع بالصور الْمُحرمَة نظرا أَوْ مُبَاشرَة وَغير ذَلِك يصبرون على على أَنْوَاع من المكروهات وَلَكِن لَيْسَ لَهُمْ تقوى فِيمَا تَرَكُوهُ من الْمَأْمُور وفعلوه من الْمَحْظُور وَكَذَلِكَ قد يصبر الرجل على مَا يُصِيبهُ من المصائب كالمرض والفقر وَغير ذَلِك وَلَا يكون فِيهِ تقوى إِذا قدر.
وَأما الْقسم الرَّابِع: فَهُوَ شَرّ الْأَقْسَام لَا يَتَّقُونَ إِذا قدرُوا وَلَا يصبرون إِذا ابتلوا بل هم كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنْ الْإِنْسَان خلق هلوعا إِذا مَسّه الشَّرّ جزوعا وَإِذا مَسّه الْخَيْر منوعا﴾ [المعارج الآيات: ١٩ - ٢٠ - ٢١]، فَهَؤُلَاءِ تجدهم من أظلم النَّاس وأجبرهم إِذا قدرُوا وَمن أذلّ النَّاس وأجزعهم إِذا قهروا إِنْ قهرتهم ذلوا لَك ونافقوك وحابوك واسترحموك ودخلوا فِيمَا يدْفَعُونَ بِهِ عَنْ أنفسهم من أَنْوَاع الْكَذِب والذل وتعظيم المسؤول وَإِنْ قهروك كَانُوا من أظلم النَّاس وأقساهم قلبا وَأَقلهمْ رَحْمَة وإحسانا وعفوا كَمَا قد جربه الْمُسلمُونَ فِي كل من كَانَ عَنْ حقائق الْإِيمَان أبعد مثل التتار الَّذين قَاتلهم الْمُسلمُونَ وَمن يشبههم فِي
[ ٢ / ١٣٠٧ ]
كثير من أُمُورهم وَإِنْ كَانَ متظاهرا بلباس جند الْمُسلمين وعلمائهم وزهادهم وتجارهم وصناعهم فالاعتبار بالحقائق فَإِنْ الله لَا ينظر إِلَى صوركُمْ وَلَا إِلَى أَمْوَالكُم وَإِنَّمَا ينظر إِلَى قُلُوبكُمْ وَأَعْمَالكُمْ فَمن كَانَ قلبه وَعَمله من جنس قُلُوب التتار وأعمالهم كَانَ شَبِيها لَهُمْ من هَذَا الْوَجْه وَكَانَ مَا مَعَه من الْإِسْلَام أَوْ مَا يظهره مِنْهُ بِمَنْزِلَة مَا مَعَهم من الْإِسْلَام وَمَا يظهرونه مِنْهُ بل يُوجد فِي غير التتار المقاتلين من المظهرين لِلْإِسْلَامِ من هُوَ أعظم ردة وَأولى بالأخلاق الْجَاهِلِيَّة وَأبْعد عَنْ الْأَخْلَاق الإسلامية من التتار.
وَفِي الصَّحِيح عَنْ النَّبِي ﷺ أَنه كَانَ يَقُول فِي خطبَته: «خير الْكَلَام كَلَام الله وَخير الْهَدْي هدي مُحَمَّد وَشر الْأُمُور محدثاتها وكل بِدعَة ضَلَالَة وَإِذا كَانَ خير الْكَلَام كَلَام الله وَخير الْهَدْي هدي مُحَمَّد» فَكل من كَانَ إِلَى ذَلِك أقرب وَهُوَ بِهِ أشبه كَانَ إِلَى الْكَمَال أقرب وَهُوَ بِهِ أَحَق وَمن كَانَ عَنْ ذَلِك أبعد وَشبهه بِهِ أَضْعَف كَانَ عَنْ الْكَمَال أبعد وبالباطل أَحَق والكامل هُوَ من كَانَ لله أطوع وعَلى مَا يُصِيبهُ أَصْبِر فَكلما كَانَ أتبع لما يَأْمر الله بِهِ وَرَسُوله وَأعظم مُوَافقَة لله فِيمَا يُحِبهُ ويرضاه وصبرا على مَا قدره وقضاه كَانَ أكمل وَأفضل وكل من نقص عَنْ هذَيْن كَانَ فِيهِ من النَّقْص بِحَسب ذَلِك
وَقد ذكر الله تَعَالَى الصَّبْر وَالتَّقوى جَمِيعًا فِي غير مَوضِع من كِتَابه وَبَين أَنه ينتصر العَبْد على عدوه من الْكفَّار الْمُحَاربين المعاندين وَالْمُنَافِقِينَ وعَلى من ظلمه من الْمُسلمين ولصاحبه تكون الْعَاقِبَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿بلَى إِنْ تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هَذَا يمددكم ربكُم بِخَمْسَة آلَاف من الْمَلَائِكَة مسومين﴾ [آل عمران الآية: ١٢٥]. وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿لتبلون فِي أَمْوَالكُم وَأَنْفُسكُمْ ولتسمعن من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من
[ ٢ / ١٣٠٨ ]
قبلكُمْ وَمن الَّذين أشركوا أَذَى كثيرا وَإِنْ تصبروا وتتقوا فَإِنْ ذَلِك من عزم الْأُمُور﴾ آل عمران الآية: ١٨٦]، وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا بطانة من دونكم لَا يألونكم خبالا ودوا مَا عنتم قد بَدَت الْبغضَاء من أَفْوَاههم وَمَا تخفي صُدُورهمْ أكبر قد بَينا لكم الْآيَات إِنْ كُنْتُم تعقلون هَا أَنْتُم أولاء تحبونهم وَلَا يحبونكم وتؤمنون بِالْكتاب كُله وَإِذا لقوكم قَالُوا آمنا وَإِذا خلوا عضوا عَلَيْكُم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إِنْ الله عليم بِذَات الصُّدُور إِنْ تمسسكم حَسَنَة تسؤهم وَإِنْ تصبكم سَيِّئَة يفرحوا بهَا وَإِنْ تصبروا وتتقوا لَا يضركم كيدهم شَيْئا إِنْ الله بِمَا يعْملُونَ مُحِيط﴾ آل عمران الآيات: ١١٩ - ١٢٠]،.
وَقَالَ إخْوَة يُوسُف لَهُ ﴿أئنك لأَنْت يُوسُف قَالَ أَنا يُوسُف وَهَذَا أخي قد من الله علينا إِنَّه من يتق ويصبر فَإِنْ الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف الآية: ٩٠ [
وَقد قرن الصَّبْر بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَة عُمُوما وخصوصا فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَاتبع مَا يُوحى إِلَيْك واصبر حَتَّى يحكم الله وَهُوَ خير الْحَاكِمين﴾ [يونس الآية: ١٠٩]، وَفِي اتِّبَاع مَا أُوحِي إِلَيْهِ التَّقْوَى كلهَا تَصْدِيقًا لخَبر الله وَطَاعَة لأَمره.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وأقم الصَّلَاة طرفِي النَّهَار وَزلفًا من اللَّيْل إِنْ الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات ذَلِك ذكرى لِلذَّاكِرِينَ واصبر فَإِنْ الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود الآية: ١١٤].
وَقَالَ تَعَالَى ﴿فاصبر إِنْ وعد الله حق واستغفر لذنبك وَسبح بِحَمْد رَبك بالْعَشي وَالْإِبْكَار﴾ [غافر الآية: ٥٥]،.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿فاصبر على مَا يَقُولُونَ وَسبح بِحَمْد رَبك قبل طُلُوع الشَّمْس وَقبل غُرُوبهَا وَمن آنَاء اللَّيْل﴾ [طه الآية: ١٣٠].
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصبرِ وَالصَّلَاة وَإِنَّهَا لكبيرة إِلَّا على الخاشعين﴾.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿اسْتَعِينُوا بِالصبرِ وَالصَّلَاة إِنْ الله مَعَ الصابرين﴾ [البقرة الآية: ١٥٣]، فَهَذِهِ مَوَاضِع قرن فِيهِ الصَّلَاة وَالصَّبْر.
وَقرن بَين الرَّحْمَة وَالصَّبْر فِي مثله قَوْله تَعَالَى ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصبرِ وَتَوَاصَوْا بالمرحمة﴾ [البلد الآية: ١٧].
وَفِي الرَّحْمَة وَالْإِحْسَان إِلَى الْخلق بِالزَّكَاةِ وَغَيرهَا فَإِنْ الْقِسْمَة أَيْضا ربَاعِية:
إِذْ من النَّاس من يصبر وَلَا يرحم كَأَهل الْقُوَّة وَالْقَسْوَة.
وَمِنْهُم من يرحم وَلَا يصبر كَأَهل الضعْف واللين مثل كثير من النِّسَاء وَمن يشبههن.
وَمِنْهُم من لَا يصبر وَلَا يرحم كَأَهل الْقَسْوَة والهلع.
والمحمود هُوَ الَّذِي يصبر وَيرْحَم كَمَا قَالَ الْفُقَهَاء فِي الْمُتَوَلِي
[ ٢ / ١٣٠٩ ]
يَنْبَغِي أَنْ يكون قَوِيا من غير عنف لينًا من غير ضعف فبصبره يقوى وبلينه يرحم وبالصبر ينصر العَبْد فَإِنْ النَّصْر مَعَ الصَّبْر وبالرحمة يرحمه الله تَعَالَى كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ إِنَّمَا يرحم الله من عباده الرُّحَمَاء وَقَالَ من لَا يرحم لَا يرحم وَقَالَ لَا تنْزع الرَّحْمَة إِلَّا من شقي وَقَالَ الراحمون يرحمهم الرَّحْمَن ارحموا من فِي الأَرْض يَرْحَمكُمْ من فِي السَّمَاء وَالله أعلم انْتهى" (^١)
_________________
(١) دقائق التفسير ٢/ ٢٩٤ - ٣٠١.
[ ٢ / ١٣١٠ ]