المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "وقد تنازع الناس فيمن تقدم من أمة موسى وعيسى هل هم مسلمون أم لا؟ وهو نزاع لفظي، فإن الإسلام الخاص الذي بعث الله به محمدا -ﷺ-، المتضمن لشريعة القرآن- ليس عليه إلا أمة محمد -ﷺ-، والإسلام اليوم عند الإطلاق يتناول هذا، وأما الإسلام العام، المتناول لكل شريعة بعث الله بها نبيا من الأنبياء- فإنه يتناول إسلام كل أمة متبعة لنبي من الأنبياء".
الشرح
اختلف العلماء في أمة موسى وعيسى هل هم مسلمون أم لا؟
وأشار المصنف إلى أن النزاع لفظي، فإن الإسلام يطلق ويقصد به أمران:
أحدهما: الإسلام الخاص الذي بعث الله به محمدًا -ﷺ-، المتضمن لشريعة القرآن ليس عليه إلا أمة محمد -ﷺ-، والإسلام اليوم عند الإطلاق يتناول هذا.
والثاني: الإسلام العام، المتناول لكل شريعة بعث الله بها نبيًّا من الأنبياء، فإنه يتناول إسلام كل أمة متبعة لنبي من الأنبياء.
وبهذا المعنى العام للإسلام يصح أن يقال: كان هناك دين اسمه الإسلام قبل بعثة النبي محمد ﷺ. فجميع الأنبياء المرسلين مسلمون، وأتباعهم على دينهم الصحيح قبل أن يحرف أن ينسخ هم مسلمون. وكان قبل النبي ﷺ يوجد أفراد قليلون من النصارى على الدين الصحيح الذي بعث الله به عيسى ﵇.
[ ٢ / ١٠٩٧ ]
ويدل لذلك ما ورد عن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: «وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك … الحديث» (^١)
قال النووي ﵀: "المقت: أشد البغض، والمراد بهذا المقت والنظر ما قبل بعثة رسول الله ﷺ، والمراد ببقايا أهل الكتاب الباقون على التمسك بدينهم الحق من غير تبديل" اهـ.
وأما الإسلام بالمعنى الخاص فهو الدين الذي بعث الله به رسوله محمدا ﷺ. وبهذا المعنى الخاص للإسلام لا يصح أن يقال كان هناك دين اسمه الإسلام قبل بعثة النبي محمد ﷺ.
ويرى آخرون: أنّه لم توصف به الأمم السّابقة، وإنّما وصف به الأنبياء فقط، وشرّفت هذه الأمّة بأن وصفت بما وصف به الأنبياء، تشريفًا لها وتكريمًا.
ووجه اختصاص الأمّة المحمّديّة بهذا الاسم " الإسلام " هو: أنّ الإسلام اسمٌ للشّريعة المشتملة على العبادات المختصّة بهذه الأمّة، من الصّلوات الخمس، وصوم رمضان، والغسل من الجنابة، والجهاد، ونحوها. وذلك كلّه مع كثيرٍ غيره خاصٍّ بهذه الأمّة، ولم يكتب على غيرها من الأمم، وإنّما كتب على الأنبياء فقط. ويؤكّد هذا المعنى - وهو اختصاص الأمّة المحمّديّة باسم الإسلام - قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج الآية: ٧٨]. فالضّمير (هو) يرجع لإبراهيم ﵇، كما يراه علماء السّلف لسابقيّة قوله في الآية الأخرى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَكَ] ﴿البقرة الآية: ١٢٨]. فدعا بذلك لنفسه ولولده، ثمّ دعا لأمّةٍ من ذرّيّته، وهي هذه الأمّة فقال: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ] ﴿البقرة الآية: ١٢٨].
_________________
(١) رواه مسلم (٢٨٦٥).
[ ٢ / ١٠٩٨ ]
الآية، وهو سيّدنا محمّدٌ ﷺ فاستجاب اللّه دعاءه، فبعث محمّدًا إليهم، وسمّاهم مسلمين. فاتّفق أئمّة السّلف على أنّ اللّه تعالى لم يذكر أمّةً بالإسلام غير هذه الأمّة، ولم يسمع بأمّةٍ ذكرت به غيرها.
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "ورأس الإسلام مطلقًا شهادة أن لا إله إلا الله، وبها بعث الله جميع الرسل".
الشرح
يتحدث المصنف هنا عن الإسلام العام الذي يشترك فيه جميع الأنبياء والرسل وجميع الرسالات قبل أن يحصل الانحراف والتبديل فدعوة الأنبياء واحدة
فالإسلام العامّ المتناول لكلّ شريعةٍ بعث اللّه بها نبيًّا، فإنّه إسلام كلّ أمّةٍ متّبعةٍ لنبيٍّ من الأنبياء.
وعلى هذا الأساس يمكن أن تفهم كلّ الآيات الكريمة الّتي تعرّض فيها القرآن الكريم لهذه الكلمة مستعملةً بالنّسبة للأمم الأخرى:
إمّا على أنّها تشير إلى المعنى اللّغويّ لمادّة أسلم.
أو أنّها تشير إلى المعنى المشترك بين الشّرائع السّماويّة كلّها الّذي بعث اللّه به جميع الرّسل، وإليه الإشارة في كثيرٍ من الآيات، ومنها قوله تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كلّ أمّةٍ رسولًا أن اعبدوا اللّه واجتنبوا الطّاغوت﴾ [النحل الآية: ٣٦].
وتوحيد العبادة هو مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، فإن معناها أنه لا معبود بحق إلا الله، وبها بعث الله جميع الرسل.
[ ٢ / ١٠٩٩ ]
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل الآية: ٣٦].
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء الآية: ٢٥].
وقال تعالى عن الخليل: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ • إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ • وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف الآيات: ٢٦ - ٢٧ - ٢٨].
وقال تعالى عنه: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ • أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ • فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء الآيات: ٧٥ - ٧٦ - ٧٧].
وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة الآية: ٤].
وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف الآية: ٤٥].
وذكر عن رسله: كنوح وهود وصالح وغيرهم أنهم قالوا لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾.
وقال عن أهل الكهف: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً • وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَّدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا • هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ
[ ٢ / ١١٠٠ ]
أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الكهف الآيات: ١٣ - ١٤ - ١٥].
وقد قال ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء الآية: ٤٨]، ذكر ذلك في موضعين من كتابه.
وقد بَيَّن في كتابه الشرك بالملائكة، والشرك بالأنبياء، والشرك بالكواكب، والشرك بالأصنام.
وأصل الشرك، الشرك بالشيطان- فقال عن النصارى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة الآية: ٣١ [
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ • مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة الآيات: ١١٦ - ١١٧].
وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ • وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران الآيات: ٧٩ - ٨٠]، فبيَّن أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا كفر".
الشرح
يشير المصنف إلى الآيات الدالة على أن رسالة جميع الأنبياء والرسل متفقة على الدعوة إلى عبادة الله وتوحيده والخلوص من الشرك.
فليس للعبد إلا أن يحقق عبودية الله ﷾، وهذا وحده هو سبيل الكمال وسبيل
[ ٢ / ١١٠١ ]
النَّجاة، وهو أساس دعوة الرُّسل.
فإخلاصُ الدِّين لله هو الدِّين الذي لا يَقبل الله سواه، وهو الذي بَعث به الأَوَّلين والآخرين من الرُّسل، وأنزل به جميع الكتب، واتَّفق عليه أهلُ الإيمان.
وهذا هو خلاصةُ الدَّعوة النبوية، وهو قُطب القرآن الذي تدور عليه رَحاه (^١).
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "ومعلوم أن أحدًا من الخلق لم يزعم أن الأنبياء والأحبار والرهبان أو المسيح ابن مريم شاركوا الله في خلق السموات والأرض، بل ولا زعم أحد من الناس أن العالم له صانعان متكافئان في الصفات والأفعال، بل ولا أثبت أحد من بني آدم إلهًا مساويًا لله في جميع صفاته، بل عامة المشركين بالله مقرّون بأنه ليس شريكه مثله، بل عامتهم مقرون أن الشريك مملوك له سواء كان ملكًا أو نبيًّا أو كوكبًا أو صنمًا، كما كان مشركو العرب يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك، فأهلّ رسول الله -ﷺ- بالتوحيد، فقال: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك).
وقد ذكر أرباب المقالات ما جَمعوا من مقالات الأَوَّلين والآخرين في الملل والنحل والآراء والديانات، فلم ينقلوا عن أحد إثبات شريك مشارك له في خلق جميع المخلوقات، ولا مماثل له في جميع الصفات، بل من أعظم ما نقلوا في ذلك قول الثنوية، الذين يقولون بالأصلين: النور والظلمة، وأن النور خلق الخير، والظلمة خلقت الشر، ثم ذكروا لهم في الظلمة قولين: أحدهما أنها محدثة، فتكون من جملة
_________________
(١) انظر: «مجموع الفتاوى» (١٢/ ٤٨، ٤٩).
[ ٢ / ١١٠٢ ]
المخلوقات له، والثاني أنها قديمة، لكنها لم تفعل إلا الشر، فكانت ناقصة في ذاتها وصفاتها ومفعولاتها عن النور.
وقد أخبر الله ﷾ عن المشركين من إقرارهم بأن الله خالق المخلوقات ما بيّنه في كتابه، فقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر الآية: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُون • سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ • قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ • سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ • قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ • سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون الآيات: ٨٤ إلى ٨٩]، إلى قوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون الآية: ٩١]، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ "] يوسف الآية: ١٠٦].
الشرح
بين المصنف أن الخصومة بين الرسل وأقوامهم لم تكن أبدًا في أن الكفار يزعمون أن آلهتهم تخلق أو ترزق، ولم يزعموا أن الأنبياء والأحبار والرهبان أو المسيح بن مريم شاركوا الله في خلق السموات والأرض، بل ولا زعم أحد من الناس أن العالم له صانعان متكافئان في الصفات والأفعال، بل ولا أثبت أحد من بني آدم إلهًا مساويًا لله في جميع صفاته، بل عامة المشركين بالله مقرّون بأنه ليس شريكه مثله، بل عامتهم مقرون أن الشريك مملوك له سواء كان ملكًا أو نبيًا أو كوكبًا أو صنمًا، كما كان مشركو العرب يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا
[ ٢ / ١١٠٣ ]
هو لك، تملكه وما ملك.
- عن ابن عباس ﵄، قال: كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك، قال: فيقول رسول الله -ﷺ-: «ويلكم، قد قد» فيقولون: إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك، يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت» (^١).
وقد أخبر الله ﷾ عن المشركين إقرارهم بأن الله خالق المخلوقات وهو الذي يرزقهم، ونحو ذلك من أفعال الربوبية.
- قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس الآية: ٣١].
- وقال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر الآية: ٣٨].
- وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُون * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون الآيات: ٨٤ - ٨٩].
- وقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون الآية: ٩١].
- وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف الآية: ١٠٦].
فهذه الآيات السابقة تبين أن المشركين كانوا مقرين بأن الله هو الذي يخلق
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الحج باب التلبية وصفتعا ووقتها (٢/ ٨٤٣ رقم ١١٨٥).
[ ٢ / ١١٠٤ ]
ويرزق ويدبر الأمر، ومع ذلك لم يقبل الله منهم إلا أن يضيفوا إلى ذلك إفراده بالعبادة وهو توحيد الألوهية.
والشرك شركان: شركٌ أكبر، وشركٌ أصغر.
والشرك الأصغر لا يكون إلا في نوعٍ واحد من أنواع التوحيد، وهو توحيد العبادة؛ فتوحيد العبادة فقط هو الذي فيه أكبر وأصغر.
أمَّا الشرك في توحيد الربوبية وفي توحيد الأسماء والصفات. هذان ما فيهما أكبر وأصغر، فينبغي كذلك أن يتصور ما هو الشرك الأكبر؟ وما هو الشرك الأصغر؟
فعلى طالب العلم أن يعلم أن كلام أهل العلم في الشرك الأصغر إنما يقصدون به: الشرك في العبادات وتوحيد الألوهية، ويقولون في تعريفه: كل وسيلةٍ تؤدي إلى الشرك الأكبر ولم تبلغ رُتبة العبادة؛ لأنها متى ما بلغت رتبة العبادة فإن ذلك يَنقلها إلى الشرك الأكبر في توحيد العبادة.
أمَّا الشرك في توحيد الربوبية وفي توحيد الأسماء والصفات، فليس فيهما أكبر وأصغر، إذ كله أكبر.
لذلك يقول الإمامُ ابنُ القَيِّم ﵀: «الشِّرك شِركان: شرك يتعلق بذات المَعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله.
وشِرك في عبادته ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه-سبحانه-لا شريكَ له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.
والشِّرك الأول نوعان:
أحدهما: شرك التَّعطيل: وهو أقبحُ أنواع الشرك؛ كشرك فرعون إذ قال: ﴿وما رب العالمين﴾ [الشعراء: ٢٣].
وقال-تعالى-مُخبرًا عنه أنه قال لهامان: ﴿وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحًا لعلي أبلغ
[ ٢ / ١١٠٥ ]
الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبًا﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧]، فالشرك والتعطيل متلازمان: فكل مُشرك مُعَطِّل، وكل معطل مشرك، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل يكون المشركُ مقرًّا بالخالق-سبحانه-وصفاته، ولكنه مُعطل حق التوحيد.
وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها: هو التعطيل، وهو ثلاثة أقسام:
القسم الأول: تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه.
القسم الثاني: تعطيل الصانع-سبحانه-عن كماله المقدس؛ بتعطيل أسمائه وصفاته وأفعاله.
القسم الثالث: تعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد.
ومِن هذا شرك طائفة أهل وحدة الوجود الذين يقولون: ما ثَمَّ خالق ومخلوق ولا هاهنا شيئان، بل الحق المُنَزَّه هو عين الخلق المشبه. ومنه شرك الملاحدة القائلين بقِدم العالم وأبديته، وأنه لم يكن معدومًا أصلًا، بل لم يَزل ولا يزال، والحوادث بأسرها مُستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها، ويسمونها بالعقول والنفوس. ومن هذا شرك مَنْ عَطَّل أسماء الرب-تعالى-وأوصافه وأفعاله من غلاة الجهمية والقرامطة، فلم يُثبتوا له اسمًا ولا صفة، بل جعلوا المخلوق أكمل منه؛ إذ كمال الذات بأسمائها وصفاتها.
النوع الثاني: شِرك مَنْ جعل معه إلهًا آخر، ولم يُعَطِّل أسماءه وصفاته وربوبيته؛ كشرك النَّصارى الذين جعلوه ثلاثة، فجعلوا المسيح إلهًا، وأمه إلهًا.
ومِن هذا شرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور، وحوادث الشَّرِّ إلى الظلمة.
ومِن هذا شرك القدرية القائلين بأنَّ الحيوان هو الذي يَخلق أفعال نفسه، وأنها
[ ٢ / ١١٠٦ ]
تحدث بدون مشيئة الله وقدرته وإرادته، ولهذا كانوا من أشباه المجوس.
ومِن هذا شرك الذي حاجَّ إبراهيم في ربِّه؛ ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة الآية: ٢٥٨].
فهذا جعل نفسه ندًّا لله؛ يُحيي ويميت بزعمه، كما يُحيي الله ويميت، فألزمه إبراهيم أن طَرْدَ قولِك: أن تقدر على الإتيان بالشمس من غير الجهة التي يأتي بها الله منها، وليس هذا انتقالًا، كما زعم بعض أهل الجدل، بل إلزامًا على طرد الدليل إن كان حقًّا.
ومِن هذا شرك كثير ممن يُشرك بالكواكب العُلويات، ويجعلها أربابًا مُدبرة لأمر هذا العالم، كما هو مذهب مُشركي الصابئة وغيرهم.
ومِن هذا شرك عباد الشمس وعباد النار وغيرهم.
ومِن هؤلاء مَنْ يزعم أنَّ معبوده هو الإله على الحقيقة، ومنهم من يزعم أنه أكبر الآلهة، ومنهم مَنْ يزعم أنه إله من جملة الآلهة، وأنه إذا خَصَّه بعبادته والتبتل إليه والانقطاع إليه أقبل عليه واعتنى به، ومنهم من يزعم أن معبوده الأدنى يُقربه إلى المعبود الذي هو فوقه، والفوقاني يقربه إلى مَنْ هو فوقه، حتى تُقربه تلك الآلهة إلى الله ﷾، فتارة تكثر الوسائط وتارة تقل.
وأمَّا الشرك في العبادة فهو أسهل من هذا الشرك، وأخف أمرًا، فإنه يُصدر ممن يعتقد أنه لا إله إلا الله، وأنه لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع إلا الله، وأنه لا إله غيره، ولا ربَّ سواه، ولكن لا يخص الله في معاملته وعبوديته، بل يعمل لحظِّ نفسه تارة، ولطلب الدنيا تارة، ولطلب الرفعة والمنزلة والجاه عند الخلق تارة، فلله مِنْ عمله وسعيه نصيب، ولنفسه وحَظِّه وهواه نصيب، وللشيطان نصيب، وللخلق نصيب، وهذا حال أكثر الناس، وهو الشرك الذي قال فيه النبي -ﷺ- فيما رواه
[ ٢ / ١١٠٧ ]
ابن حبان في «صحيحه»: «الشِّركُ في هذه الأمة أَخفى مِنْ دَبِيب النمل». قالوا: كيف ننجو منه يا رسول الله؟ قال: قل: «اللهم إني أعوذ بك أن أشركُ بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم» (^١).
فالرياء كله شرك؛ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
أي: كما أنَّه إله واحد، ولا إله سواه، فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده، فكما تفَرَّد بالإلهية يجب أن يُفرد بالعبودية؛ فالعمل الصالح هو الخالي من الرِّياء المقيد بالسُّنَّة.
وكان من دعاء عمر بن الخطاب ﵁: «اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا».
وهذا الشرك في العبادة يُبطل ثواب العمل، وقد يُعاقب عليه إذا كان العمل واجبًا، فإنه يُنَزِّله منزلة مَنْ لم يعمله، فيُعاقب على ترك الأمر، فإن الله-سبحانه-إنما أمر بعبادته عبادة خالصة؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة الآية: ٥].
فمن لم يُخلص لله في عبادته لم يفعل ما أمر به، بل الذي أتى به شيء غير المأمور به، فلا يصح ولا يُقبل منه، ويقول الله: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ فمَن عمل عملًا أشرك معي فيه غيري فهو للذي أشرك به، وأنا منه بريءٌ» (^٢).
وهذا الشركُ ينقسم إلى مغفور وغير مغفور، وأكبر وأصغر، والنوع الأول ينقسم
_________________
(١) رواه البخاري في «الأدب المفرد» (٧١٦)، وأبو يعلى في «مسنده» (١/ ٦٠)، وصححه الألباني في «صحيح الأدب المفرد» (٢٦٦).
(٢) رواه بهذا اللفظ ابنُ ماجه (٤٢٠٢) ومسلم (٢٩٨٥) من حديث أبي هريرة ﵁، ولفظ مسلم: «قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ مَنْ عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركتُه وشِرْكَه».
[ ٢ / ١١٠٨ ]
إلى كبير وأكبر، وليس شيء منه مغفور؛ فمنه الشرك بالله في المحبة والتعظيم: أن يحب مخلوقًا كما يحب الله، فهذا من الشرك الذي لا يَغفره الله، وهو الشرك الذي قال سبحانه فيه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة الآية: ١٦٥]، وقال أصحاب هذا الشرك لآلهتهم وقد جمعهم الجحيم: ﴿تالله إن كنا لفي ضلال مبين * إذ نسويكم برب العالمين﴾ [الشعراء الآيات: ٩٧، ٩٨].
ومعلوم أنهم ما سَوُّوهم به-سبحانه-في الخلق والرِّزق والإماتة والإحياء والمُلك والقدرة، وإنما سوُّوهم به في الحبِّ والتأله والخضوع لهم والتذلل، وهذا غاية الجهل والظلم؛ فكيف يُسَوَّى الترابُ بربِّ الأرباب، وكيف يُسَوَّى العبيد بمالك الرِّقاب، وكيف يسوى الفقير بالذات الضعيف بالذات العاجز بالذات المحتاج بالذات، الذي ليس له مِنْ ذاته إلا العدم؛ بالغني بالذات، القادر بالذات، الذي غِناه وقدرته وملكه وجُوده وإحسانه وعِلمه ورحمته وكماله المطلق التام مِنْ لوازم ذاته؟!
فأيُّ ظلم أقبح مِنْ هذا؟ وأيُّ حكم أشد جَوْرًا منه؟ حيث عَدَل مَنْ لا عِدْلَ له بخلقه، كما قال تعالى: ﴿الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور * ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾ [الأنعام الآية: ١].
فعدل المشركُ مَنْ خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، بِمَنْ لا يَملك لنفسه ولا لغيره مِثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض؛ فيَا لَكَ مِنْ عَدْل تَضَمَّن أكبرَ الظُّلْم وأقبحَه» (^١).
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "وبهذا وغيره يعرف ما وقع من الغلط في مسمى
_________________
(١) «الجواب الكافي» (ص ١٢٩ - ١٣٣).
[ ٢ / ١١٠٩ ]
«التوحيد»، فإن عامة المتكلمين الذين يقرّرون التوحيد في كتب الكلام والنظر- غايتهم أن يجعلوا التوحيد ثلاثة أنواع، فيقولون: هو واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وأشهر الأنواع الثلاثة عندهم هو الثالث: وهو توحيد الأفعال وهو أن خالق العالم واحد، وهم يحتجون على ذلك بما يذكرونه من دلالة التمانع وغيرها، ويظنون أن هذا هو التوحيد المطلوب، وأن هذا هو معنى قولنا: لا إله إلا الله، حتى قد يجعلون معنى الإلهية القدرة على الاختراع".
الشرح
الخلاف في مسألة التوحيد يعود في أصله إلى الخلاف في قضية الإيمان وفي هذا الشأن يبين شيخ الإسلام ابن تيمية أصل هذه المسألة فيقول: «وأصلُ الإيمان: قولُ القلب الذي هو التَّصديق. وعمل القلب الذي هو المحبة على سبيل الخضوع؛ إذ لا مُلائمة لأرواح العباد أتم من ملاءمة إلهها؛ الذي هو الله الذي لا إله إلا هو».
ولذلك كان منهج السلف يقوم على أمرين؛ هما:
١ - العلم بالله.
٢ - والعمل لله.
فجمعوا بذلك بين التصديق العِلمي والعَمل الحُبِّي، وبذلك تميز منهج أهل السنة والجماعة (السلف) عن المناهج الأخرى.
وحققوا كِلا الأمرين؛ من القول التصديقي المعتمد على معرفة أسماء الله وصفاته وأفعاله الواردة في الكتاب والسنة. والعمل الإرادي، وذلك باتباع الأوامر واجتناب النواهي وفق ما شرعه الله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ.
ولذلك كان كلامهم وعملهم باطنًا وظاهرًا بعلم، وكان كل واحد من قولهم وعملهم مقرونًا بالآخر، وهؤلاء هم المسلمون حقًّا؛ الذين سَلِموا من آفات منحرفة
[ ٢ / ١١١٠ ]
المتكلمة والمتصوفة.
فوقعت كل طائفة من هاتين الطائفتين المنحرفتين في مفسدتين:
إحداهما: القول بلا علم إن كان متكلمًا، والعمل بلا علم إن كان متصوفًا.
والمفسدة الثانية: فوت المتكلم العمل، وفوت المتصوف القول والكلام (^١).
وهو ما وقع من البدع الكلامية والعملية المخالفة للكتاب والسنة.
فالكلاميون: غالب نظرهم وقولهم في الثبوت والانتفاء، والوجود والعدم، والقضايا التصديقية؛ فغايتهم مجرد التصديق والعلم والخبر؛ فاعتنوا بجانب علمي لم يَنْبَنِ على الكتاب والسنة؛ لذلك عَطَّلوا أسماء الله تعالى، وعَطَّلوا صفاتِه ﷿.
وعندما عَرَّفوا التوحيد؛ قالوا: «واحد في ذاته، وواحد في صفاته، وواحد في أفعاله». وأهملوا جانب توحيد العبادة: «واحد في ذاته» قالوا: «لا شريكَ له». و«واحد في صفاته»: «لا نظير له». و«واحد في أفعاله»: «لا نِدَّ له». فهذا تقسيمهم للتوحيد (^٢)، ويُلاحظ أنه قد خلا في هذه الثلاثة من الجانب العملي، فلا يوجد عمل، ثم إذا تحدثوا عن ذات الله تعالى تحدثوا بالتعطيل؛ فقالوا بما قالوا: «ليس في جهة، ولا في عُلو، ولا في مكان، ولا في حيز» ولا إلى غير ذلك؛ فجعلوه والعدم سواء، وإذا تحدثوا عن صفات الله تعالى تحدثوا عن سبع صفات فقط، وإذا تحدثوا عن أفعال الله تعالى هذا هو الذي سَلِم لهم: «توحيد الربوبية»؛ فلم يَسلم لهم إلا توحيد الربوبية، ونحن نعلم أن كفار قريش كانوا مُقِرِّين بتوحيد الربوبية: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٢/ ٤١) بتصرف.
(٢) انظر في ذلك من كتب الأشاعرة: «مجرد مقالات الأشعري» لابن فروك (ص: ٥٥)، ورسالة الحرة للباقلاني - المطبوعة باسم «الإنصاف» - (ص: ٣٣ - ٣٤)، و«الاعتقاد للبيهقي» (ص: ٦٣)، و«شرح أسماء الله الحسنى» للقشيري (ص: ٢١٥)، و«الشامل» (ص: ٣٤٥ - ٣٤٨)، و«الإرشاد» (ص: ٥٢)، و«لمع الأدلة» (ص: ٨٦)، و«إحياء علوم الدين» (١/ ٣٣)، و«الاقتصاد في الاعتقاد» (ص: ٤٩)، و«نهاية الإقدام» (ص: ٩٠) «المِلل والنِّحَل» للشهرستاني (١/ ٤٢). وغيرها.
[ ٢ / ١١١١ ]
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨]؛ فهذا حاصل توحيد هؤلاء.
وأمَّا الصُّوفيون: فغالب طلبهم وعملهم في المحبة والبغضة، والإرادة والكراهة، والحركات العملية؛ فاعتنوا بجانب العمل، وأهملوا جانب العلم، وكذلك عملهم لم ينبنِ على السنة، وإنَّما انبنى على البدعة؛ إذ غايتهم المحبة والانقياد والعمل والإرادة.
وهكذا إذا جئنا إلى أهل التصوف لم نجد عندهم من حقيقة التوحيد شيء.
أمَّا توحيدُ أهل السُّنَّة فيقوم على هذين الأصلين العظيمين: أن تَعرف اللهَ، وذاك بمعرفة أسمائه وصفاته التي وردت في الكتاب والسُّنَّة. وأن تعبد الله، وهذا باتِّباع شرع الله ﷿ على لسان رسوله -ﷺ-.
فالتوحيد الذي يقرره أهل السنة يقوم على معرفة أسماء الله وصفاته، الإقرار بربوبيته وإفراده بالعبادة، فلا بد من هذه الأمور مجتمعة، فلا يتم توحيد العبد حتى يكون مؤمنًا بأسماء الله تعالى وصفاته، مؤمنًا بربوبيته ومفردًا له بالعبادة والألوهية.
أما التوحيد الذي عند الأشاعرة (^١) -على سبيل المثال-فهو منحصر في مسألة
_________________
(١) الأشاعرة يخالفون أهل السنة في الكثير من مسائل الاعتقاد. ومنها على سبيل المثال:
(٢) أن مصدر التلقي عندهم في قضايا الإلهيات (أي التوحيد) والنبوات هو العقل وحده، فهم يقسمون أبواب العقيدة إلى ثلاثة أبواب: إلهيات، نبوات، سمعيات، ويقصدون بالسمعيات ما يتعلق بمسائل اليوم الآخر من البعث والحشر والجنة والنار وغير ذلك. وسموها سمعيات لأن مصدرها عندهم النصوص الشرعية وأما ما عداها أي الإلهيات والنبوات فمصدرهم فيها العقل.
(٣) زعمهم أن الإيمان هو مجرد التصديق، فأخرجوا العمل من مسمى الإيمان.
(٤) بناءً على تعريفهم للإيمان فقد أخرجوا توحيد الألوهية من تقسيمهم للتوحيد، فالتوحيد عندهم هو أن الله واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وواحد في صفاته لا نظير له. وهذا التعريف خلا من الإشارة إلى توحيد الألوهية، فلذلك فإن أي مجتمع أشعري تجد فيه توحيد الإلهية مختلًا، وسوق الشرك والبدعة رائجة لأن الناس لم يعلّموا أن الله واحد في عبادته لا شريك له.
(٥) وبناءً كذلك على تعريفهم للإيمان فقد أخرجوا الاتباع من تعريفهم للإيمان بالنبي ﷺ فحصروا الإيمان بالنبي في الأمور التصديقية فقط، ومن أجل ذلك انتشرت البدع في المجتمعات الأشعرية.
(٦) خالفوا أهل السنة في أسماء الله وصفاته.
(٧) خالفوا أهل السنة في باب القدر، فقولهم موافق لقول الجبرية.
(٨) خالفوا أهل السنة في مسألة رؤية الله من جهة كونهم يقولون يرى لا في مكان.
(٩) خالفوا أهل السنة في مسألة الكلام، فهم لا يثبتون صفة الكلام على حقيقتها بل يقولون بالكلام النفسي. إلى غير ذلك من أنواع المخالفات.
[ ٢ / ١١١٢ ]
واحدة وهي قضية الربوبية، فيعرفون التوحيد بقولهم: إن الله واحد في ذاته لا شريك له، وواحد في أفعاله لا ند له، وواحد في صفاته لا نظير له فقولهم: واحد في ذاته؛ فهذا إذا نظرت فيه وتأملت فيه تجد فيه إنكار لأن يكون لله وجودًا يتميز به عن غيره، فهم يحشون هذا الجانب بمسائل إنكار الجهة وإنكار الحيز وإنكار المكان إلى غير ذلك من النفي الذي لو جئت تتأمل فيه تجد أنهم لا يثبتون لله وجودًا يتميز به عن غيره، فإذا كان قائلهم يقول: لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته ولا مباينًا له ولا محايدًا له (^١). وهذا وصف المعدوم، فهذا حقيقة قولهم "واحد في ذاته".
وأما قولهم "واحد في أفعاله" فهذا الذي يسلم لهم من التوحيد، وهذا القدر الموجود عندهم وهو الإقرار بربوبيته.
وأما واحد في صفاته فهو عند المتأخرين سبع صفات وإن أوصلوها إلى عشرين صفة وهو عدد زائف لا يخلص منه إلا هذه السبع التي ذكروها وإن كان في إثبات صفة الكلام مخالفة للحق.
أما توحيد الألوهية فلا ذكر له، ولذلك انظر إلى أي مجتمع أشعري أو ماتريدي تجد أن الشرك قد تفشى فيه.
_________________
(١) انظر كتاب درء تعارض العقل والنقل الجزء الخامس صفحة (١٢٨).
[ ٢ / ١١١٣ ]
إذًا أي توحيد هذا الذي يقرر ويعلم، وفي الوقت نفسه تجد معالم الشرك موجودة ومنتشرة، ولا تجد من يردع ذلك حتى بين بعض علمائهم، وليس الأمر مقتصرًا على جهالهم، لو كان الأمر مقتصرًا على جهالهم لقلنا هذا لجهلهم، ولكن حتى علماؤهم يَدْعون إلى هذا الشرك ولا يرون فيه مخالفةً أو مناقضةً للتوحيد.
فإذًا فرقٌ بين توحيد أهل السنة وتوحيد الأشاعرة؛ فإن توحيد أهل السنة يعني إفراد الله بأسمائه وصفاته كلها وإفراد الله بربوبيته وإفراد الله بعبادته، فلا يتم توحيد العبد حتى يوحد الله في هذه الأمور مجتمعة، ولذلك تجد أن أهل السنة أبعد الناس عن الشرك ومظاهره حتى عند عوامِّهم، تجد أن العامِّي يعرف أن فعل هذه الأمور يؤدي إلى الشرك ولذلك تختفي معالم الشرك متى ما وجد اعتقاد أهل السنة.
قال ابن تيمية ﵀: "وأما التوحيد الذي ذكر الله في كتابه، وأنزل به كتبه، وبعث به رسله، واتفق عليه المسلمون من كل ملة، فهو كما قال الأئمة: شهادة أن لا إله إلا الله، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما بين ذلك بقوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة، الآية: ١٦٣]. فأخبر أن الإله إله واحد لا يجوز أن يتخذ إلهًا غيره، فلا يعبد إلا إياه، كما قال في السورة الأخرى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [النحل، الآية: ٥١]. وكما قال: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ إلى: ﴿فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء، الآيات: ٢٢ - ٣٩].
وكما قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر، الآيات: ١ - ٣].
وكما قال: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان، الآية: ٦٨].
والشرك الذي ذكره الله في كتابه، إنما هو عبادة غيره من المخلوقات كعبادة الملائكة أو الكواكب أو الشمس أو القمر أو الأنبياء أو تماثيلهم أو قبورهم، أو
[ ٢ / ١١١٤ ]
غيرهم من الآدميين، ونحو ذلك مما هو كثير في هؤلاء الجهمية ونحوهم ممن يزعم أنه محقق في التوحيد، وهو من أعظم الناس إشراكًا" (^١).
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "ومعلوم أن المشركين من العرب الذين بُعث إليهم محمد -ﷺ- أولا- لم يكونوا يخالفونه في هذا، بل كانوا يقرّون بأن الله خالق كل شيء، حتى إنهم كانوا مقرين بالقدر أيضا، وهم مع هذا مشركون".
الشرح
يناقش المصنف تعريف المتكلمين للتوحيد بشكل مفصل ويبين غلطهم في ذلك التعريف على وجه التفصيل، فأهل الكلام يحصرون التوحيد في الأمور الثلاثة التي سبق ذكرها، ومن هذه الثلاثة قولهم "واحد في أفعاله لا شريك له"
قال ابن تيمية ﵀: "هذا المعنى من معاني التوحيد -عند هؤلاء الأشعرية، كالقاضي أبي بكر (٤) وغيره- هو أنه سبحانه لا شريك له في الملك، بل هو رب كل شيء، وهذا معنى صحيح، وهو حق، وهو أجود ما اعتصموا به من الإسلام في أصولهم، حيث اعترفوا فيها بأن الله خالق كل شيء ومربه، ومدبره.
والمعتزلة وغيرهم يخالفون في ذلك، حيث يجعلون بعض المخلوقات لم يخلقها الله ولم يحدثها، لكن مع هذا قد ردوا قولهم ببدع غلوا فيها، وأنكروا ما خلقه الله من الأسباب، وأنكروا ما نطق به الكتاب والسنة من أن الله يخلق الأشياء بعضها ببعض، وغير ذلك مما ليس هذا موضعه. " (^٢)
_________________
(١) التسعينية ٣/ ٧٩٧.
(٢) التسعينية ٣/ ٧٩٦.
[ ٢ / ١١١٥ ]
ومعلوم أن هذا القدر من التوحيد يقر به المشركون كما تقدم ذكره مما دلت عليه النصوص الشرعية من أن مشركي العرب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية وتوحيد الربوبية هو أحد أنواع التوحيد الثلاثة؛ ولذا فإنه لا يصح إيمان أحد، ولا يتحقق توحيده إلا إذا وحد الله في ربوبيته، لكن هذا النوع من التوحيد ليس هو الغاية من بعثة الرسل ﵈، ولا ينجي وحده من عذاب الله ما لم يأت العبد بلازمه توحيد الألوهية.
ولذا يقول الله تعالى﴾: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، والمعنى أي: ما يقر أكثرهم بالله ربًا وخالقًا ورازقًا ومدبرًا- وكل ذلك من توحيد الربوبية - إلا وهم مشركون معه في عبادته غيره من الأوثان والأصنام التي لا تضر ولا تنفع، ولا تعطي ولا تمنع.
وبهذا المعنى للآية قال المفسرون من الصحابة والتابعين.
قال ابن عباس ﵄: "من إيمانهم إذا قيل لهم من خلق السماء؟ ومن خلق الأرض؟ ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله، وهم مشركون".
وقال عِكْرِمَة: "تسألهم من خلقهم، ومن خلق السماوات والأرض، فيقولون الله، فذلك إيمانهم بالله، وهم يعبدون غيره".
وقال مجاهد: "إيمانهم قولهم: الله خالقنا، ويرزقنا، ويميتنا، فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيره".
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بن زيد: (ليس أحد يعبد مع الله غيره إلا وهو مؤمن بالله، ويعرف أن الله ربُّه، وأنَّ الله خالقُه ورازقُه، وهو يشرك به، ألا ترى كيف قال إبراهيم: قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ الشعراء:] ٧٥ - ٧٧. (^١) " [
_________________
(١) «تفسير ابن جرير» (١٦/ ٢٨٩).
[ ٢ / ١١١٦ ]
والنصوص عن السلف في هذا المعنى كثيرة، بل لقد كان المشركون زمن النبي ﷺ مقرين بالله ربًا خالقًا رازقًا مدبرًا، وكان شركهم به من جهة العبادة حيث اتخذوا الأنداد والشركاء، يدعونهم، ويستغيثون بهم، وينزلون بهم حاجاتهم وطلباتهم.
وقد دل القرآن الكريم في مواطن عديدة منه على إقرار المشركين بربوبية الله مع إشراكهم به في العبادة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت الآية: ٦١]، وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت الآية: ٦٣]، وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف الآية: ٨٧]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون الآيات: ٨٤ - ٨٩].
فلم يكن المشركون يعتقدون أن الأصنام هي التي تنزل الغيث وترزق العالم وتدبر شؤونه، بل كانوا يعتقدون أن ذلك من خصائص الرب سبحانه، ويقرون أن أوثانهم التي يدعون من دون الله مخلوقة لا تملك لأنفسها ولا لعابديها ضرًا ولا نفعًا استقلالًا، ولا موتًا، ولا حياة، ولا نشورًا، ولا تسمع، ولا تبصر، ويقرون أن الله هو المتفرد بذلك لا شريك له، ليس إليهم ولا إلى أوثانهم شيء من ذلك، وأنه سبحانه الخالق وما عداه مخلوق، والرب وما عداه مربوب، غير أنهم جعلوا له من خلقه شركاء ووسائط، يشفعون لهم بزعمهم عند الله، ويقربونهم إليه زلفى؛ ولذا قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر الآية: ٣]، أي ليشفعوا لهم عند الله في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمر الدنيا.
[ ٢ / ١١١٧ ]
ومع هذا الإقرار العام من المشركين لله بالربوبية إلا أنه لم يدخلهم في الإسلام، بل حكم الله فيهم بأنهم مشركون كافرون، وتوعدهم بالنار والخلود فيها، واستباح رسوله ﷺ دماءهم وأموالهم لكونهم لم يحققوا لازم توحيد الربوبية وهو توحيد الله في العبادة.
وبهذا يتبين أن الإقرار بتوحيد الربوبية وحده دون الإتيان بلازمه توحيد الألوهية لا يكفي ولا ينجي من عذاب الله، بل هو حجة بالغة على الإنسان تقتضي إخلاص الدين لله وحده لا شريك له، وتستلزم إفراد الله وحده بالعبادة. فإذا لم يأت بذلك فهو كافر حلال الدم والمال" (^١).
وهذا التوحيد - أي توحيد الربوبية - لا يكفي العبد في حصول الإسلام بل لا بد أن يأتي مع ذلك بلازمه من توحيد الألوهية لأن الله تعالى حكى عن المشركين أنهم مقرون بهذا التوحيد لله وحده قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُم مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس الآية: ٣١ [وقال تعالى﴾: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف الآية: ٨٧ [وقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت الآية: ٦٣ [وقال تعالى﴾: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل الآية: ٦٢ [فهم كانوا يعلمون أن جميع ذلك لله وحده ولم يكونوا بذلك مسلمين بل قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف الآية: ١٠٦ [قال مجاهد: في الآية: إيمانهم بالله قولهم: الله [خالقنا] ويرزقنا ويميتنا فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيره رواه ابن جرير وابن أبي حاتم وعن ابن عباس وعطاء والضحاك نحو ذلك، فتبين أن الكفار يعرفون الله ويعرفون ربوبيته وملكه وقهره وكانوا مع ذلك يعبدونه ويخلصون
_________________
(١) المصدر: أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة لنخبة من العلماء ص ١٥:
[ ٢ / ١١١٨ ]
له أنواعا من العبادات كالحج والصدقة والذبح والنذر والدعاء وقت الاضطرار ونحو ذلك ويدَّعون أنهم على ملة إبراهيم ﵇ فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران الآية: ٦٧ [وبعضهم يؤمن بالبعث والحساب وبعضهم يؤمن بالقدر كما قال زهير:
يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر … ليوم الحساب أو يعجل فينقم
وقال عنترة:
يا عبل أين من المنية مهرب … إن كان ربي في السماء قضاها
ومثل هذا يوجد في أشعارهم فوجب على كل من عقل عن الله تعالى أن ينظر ويبحث عن السبب الذي أوجب سفك دمائهم وسبي نسائهم وإباحة أموالهم مع هذا الإقرار والمعرفة وما ذاك إلا لإشراكهم في توحيد العبادة الذي هو معنى لا إله إلا الله (^١).
قال ابن القيم: "فما كان له سبحانه فهو متعلق بألوهيته وما كان به فهو متعلق بربوبيته وما تعلق بألوهيته أشرف مما تعلق بربوبيته ولذلك كان توحيد الألوهية هو المنجي من الشرك دون توحيد الربوبية بمجرده، فإن عباد الأصنام كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كل شيء وربه ومليكه ولكن لما لم يأتوا بتوحيد الألوهية وهو عبادته وحده لا شريك له لم ينفعهم توحيد ربوبيته" (^٢) (٤)
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "وقد تبين أن ليس في العالم من ينازع في أصل هذا الشرك، ولكن غاية ما يقال: إن من الناس من جعل بعض الموجودات خلقا لغير
_________________
(١) المصدر: تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد لسليمان بن عبد الله آل الشيخ - ص ١٧.
(٢) عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين لمحمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية - ص ٣٥.
[ ٢ / ١١١٩ ]
الله، كالقدرية وغيرهم، لكن هؤلاء يقرون بأن الله خالق العباد وخالق قدرتهم، وإن قالوا: إنهم خالقوا أفعالهم.
وكذلك أهل الفلسفة والطبع والنجوم الذين يجعلون بعض المخلوقات مبدعة لبعض الأمور، فهم مع الإقرار بالصانع يجعلون هذه الفاعلات مصنوعة مخلوقة، لا يقولون إنها غنيّة عن الخالق، مشاركة له في الخلق.
فأما من أنكر الصانع فذلك جاحد معطِّل للصانع، كالقول الذي أظهره فرعون، والكلام الآن مع المشركين بالله المقرِّين بوجوده، فإذًا هذا التوحيد الذي قرروه لا ينازعهم فيه هؤلاء المشركون، بل يقرون به مع أنهم مشركون، كما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع، وكما علم بالاضطرار من دين الإسلام".
الشرح
المصنف يتكلم عن نوع من أنواع الشرك كما سيأتي بيانه ومما ينبغي معرفته أن الشرك في أصل تقسيمه ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: شرك يتعلق بذات المعبود، أي: ما يتعلق بأفعاله وأسمائه وصفاته.
القسم الثاني: شرك يتعلق بعبادته ﷾.
ثم الشرك الذي يتعلق بذات الخالق﷾نوعان:
النوع الأول: شرك تمثيل.
النوع الثاني: شرك تعطيل.
ففي توحيد الربوبية شركان، وفي توحيد الأسماء والصفات-كذلك-شركان.
فلذلك ضدُّ التوحيد: الشرك، والشرك-كما قلنا-: شركٌ في الربوبية وشرك في الأسماء والصفات وشرك في الألوهية.
[ ٢ / ١١٢٠ ]
أما الذي في الربوبية وفي الأسماء والصفات، فهو ينقسم إلى قسمين: شرك في التمثيل، وشرك في التعطيل.
فالربوبية-مثلًا-الشرك فيها شركان:
الأول: شرك التمثيل.
وهذا النوع هو ما قصده المصنف هنا بقوله: ولكن غاية ما يقال: إن من الناس من جعل بعض الموجودات خلقا لغير الله"
وتعريفه هو:
أن يَصرف فعلًا من أفعال الله تعالى لغير الله، مع جعل هذا الفعل لله تعالى؛ كالذي يعتقد أن الله يرزق وصاحب القبر يرزق، أو أن لله قدرة وأنَّ للكواكب قدرة؛ فهذا نسميه شِركًا في الربوبية.
فمثلًا الذين يعتقدون أن للنجوم وللكواكب تأثيرًا في مجريات الأحداث بالكون، فإن هؤلاء أشركوا شركَ تمثيلٍ في الربوبية؛ لأنهم جعلوا مع الله مُماثلًا في هذا الفعل؛ فاعتقدوا أن الله يؤثر في الكون وأن الكواكب تؤثر كذلك.
وكالذي يقع فيه بعضُ عُبَّادِ القبور الذين يعتقدون أن صاحب القبر يستطيع أن ينفع وأن يَضر بنفسه، وأنه يرزق بنفسه، وأنه يأتي بالولد بنفسه، وهكذا، فهذا نسميه شركَ التمثيل.
والمصنف هنا أشار لبعض الأمثلة على هذا النوع من الشرك:
المثال الأول: قوله: " كالقدرية وغيرهم، لكن هؤلاء يقرون بأن الله خالق العباد وخالق قدرتهم، وإن قالوا: إنهم خالقوا أفعالهم".
المثال الثاني: قوله: "وكذلك أهل الفلسفة والطبع والنجوم الذين يجعلون بعض المخلوقات مبدعة لبعض الأمور، فهم مع الإقرار بالصانع يجعلون هذه الفاعلات
[ ٢ / ١١٢١ ]
مصنوعة مخلوقة، لا يقولون إنها غنيّة عن الخالق، مشاركة له في الخلق".
ولمزيد من التوضيح لهذا النوع من الشرك يقول ابن القيم: "حقيقة الشرك هو:
١ - التشبه بالخالق.
٢ - التشبيه للمخلوق به.
هذا هو التشبيه في الحقيقة" (^١).
وإذا كان التشبيه هو حقيقة الشرك كما ذكر ابن القيم، فإنه يمكن توضيح صوره بناءً على أقسام التوحيد الثلاثة المعروفة وذلك على النحو التالي:
أولًا: التمثيل في جانب الربوبية
وينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: التشبيه للمخلوق به، ومثاله:
١ - شرك القدرية القائلين بأن العبد هو الذي يخلق أفعال نفسه، وأنها تحدث بدون مشيئة الله وقدرته.
٢ - شرك غلاة عباد القبور الذين يعتقدون في أصحاب القبور أنهم يتصرفون وينفعون ويضرون من دون الله.
ولا شك أن من خصائص الرب التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع، وذلك يوجب تعليق الدعاء، والخوف، والرجاء، والتوكل به وحده. فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق، وجعل ما لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، -فضلًا عن غيره-شبيهًا لمن له الأمر كله، فأزمة الأمور كلها بيده، ومرجعها إليه، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا مانع لما أعطى، ولا معطي
_________________
(١) الجواب الكافي (١٥٩).
[ ٢ / ١١٢٢ ]
لما منع.
فمن أقبح التشبيه: تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات، بالقادر الغني بالذات (^١).
القسم الثاني: التشبه بالخالق، ومن أمثلته:
١ - من تعاظم وتكبر ودعا الناس إلى إطرائه في المدح والتعظيم (^٢).
ففي الصحيح عنه ﵁ قال: "يقول الله ﷿: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا منهما عذبته".
ثانيًا: التمثيل في جانب الألوهية.
وينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: التشبيه للمخلوق به، ومن أمثلة ذلك:
السجود لغير الله، والذبح لغير الله، والتوبة لغير الله، والحلف بغير الله.
فمن خصائص الإلهية، العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما:
١ - غاية الحب
٢ - مع غاية الذل
هذا تمام العبودية، وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين. فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله فقد شبهه في خالص حقه.
فإذا عرف هذا، فمن خصائص الإلهية السجود، فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق به.
_________________
(١) الجواب الكافي (ص ١٥٩ - ١٦٠).
(٢) المصدر السابق (ص ١٦١).
[ ٢ / ١١٢٣ ]
ومنها التوكل، فمن توكل على غيره فقد شبهه به.
ومنها التوبة، فمن تاب لغيره فقد شبهه به.
ومنها الحلف باسمه تعظيمًا وإجلالًا له، فمن حلف بغيره فقد شبهه به (^١).
القسم الثاني: التشبه به، ومثاله:
من دعا الناس إلى تعليق القلب به خوفًا، ورجاءً، وتوكلًا، والتجاءً، واستعانةً (^٢)، كما يفعله بعض مشايخ طرق الصوفية مع مريديهم.
أقسام التمثيل في باب الأسماء والصفات:
ينقسم التمثيل في باب الأسماء والصفات إلى قسمين:
القسم الأول: تمثيل المخلوق بالخالق.
وهذا ما زعمه النصارى في شأن عيسى ﵇ إذ أعطوه خصائص الخالق ﷿ وجعلوه إلهًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والنصارى يصفون المخلوق بصفات الخالق التي يختص بها، ويشبهون المخلوق بالخالق، حيث قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم، وإن الله ثالث ثلاثة، وقالوا المسيح ابن الله" (^٣).
ومن هذا القسم كذلك السبيئة (^٤) من غلاة الروافض: الذين شبهوا عليًا ﵁ بالله، وجعلوه إلهًا، وقالوا: أنت الله حتى حرقهم، فإنه خرج ذات يوم فسجدوا له.
_________________
(١) انظر الجواب الكافي (ص ١٦٠ - ١٦١).
(٢) المصدر السابق (ص ١٦١).
(٣) منهاج السنة (٥/ ١٦٩).
(٤) السبيئة: نسبة إلى عبد الله بن سبأ اليهودي، الذي أظهر الإسلام، وكاد للمسلمين كيدًا عظيمًا، وهو الذي قال لعلي: أنت الله. انظر: الفرق بين الفرق (ص ٢٣٣)، والملل والنحل (١/ ١٧٤).
[ ٢ / ١١٢٤ ]
فقال لهم: ما هذا؟ فقالوا: أنت هو. قال: من أنا؟ قالوا: أنت الله الذي لا إله إلا هو.
فقال: ويحكم هذا كفر، فارجعوا عنه، وإلا ضربت أعناقكم، فصنعوا به في اليوم الثاني والثالث كذلك، فأخرهم ثلاثة أيام -لأن المرتد يستتاب ثلاثة أيام-فلما لم يرجعوا، أمر بأخاديد من نار فخدت عند باب كندة، وقذفهم في تلك النار، وروي عنه أنه قال:
لما رأيت الأمر أمرًا منكرًا … أججت ناري ودعوت قنبرًا" (^١)
القسم الثاني: تشبيه الخالق بالمخلوق
وهذا ما زعمه اليهود قاتلهم الله إذ وصفوا الخالق ببعض صفات المخلوقين، كما ذكر الله ذلك عنهم في كتابه العزيز حيث قال: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء﴾ [آل عمران الآية: ١٨١]، وقال تعالى ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة الآية: ٦٤].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فاليهود تصف الرب بصفات النقص التي يتصف بها المخلوق، كما قالوا: إنه بخيل، وإنه فقير، وإنه لما خلق السموات والأرض تعب" (^٢).
وإنّه رمد وعادته الملائكة وإنّه بكى على طوفان نوح ﵇ (^٣).
ويدخل في هذا القسم المشبهة الذين جعلوا ما ورد من صفات الله جل وعلا مماثلًا ومشابهًا لصفات المخلوقين كقولهم له يد كيدي، وسمع كسمعي، وبصر كبصري.
_________________
(١) منهاج السنة (١/ ٣٠٧).
(٢) منهاج السنة (٥/ ١٦٨).
(٣) منهاج السنة (٢/ ٦٢٧).
[ ٢ / ١١٢٥ ]
هذا ما يتعلق ببيان هذا النوع من الشرك الذي هو شرك التمثيل.
وأما ما يتعلق بشرك التعطيل، فهذا النوع هو الذي أشار له المصنف بقوله: "فأما من أنكر الصانع فذلك جاحد معطِّل للصانع، كالقول الذي أظهره فرعون".
فالنوع الثاني: وهو شرك تعطيل:
فتعريفه:
١ - أن يَجحد الخالق ﷾ وهو أن ينكر جميع أفعال الخالق، وهذا الذي نسمِّيه: الملحد.
٢ - أو أن يُعَطِّل أفعاله إمَّا تعطيلًا كليًّا، وإمَّا تعطيلًا جزئيًّا، فهناك مَنْ يعطِّل بعض أفعال الخالق؛ كالذي يُنكر قدرة الله تعالى في فِعل العبد، فقدرة الله فِعْلٌ من أفعاله، فإذا أنكره يكون بذلك معطِّلًا لهذا الفعل من أفعاله؛ لذلك فالتعطيل إمَّا أن يكون تعطيلًا كليًّا، وإمَّا أن يكون تعطيلًا جزئيًا.
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "وكذلك النوع الثاني، وهو قولهم: لا شبيه له في صفاته، فإنه ليس في الأمم من أثبت قديما مماثلا له في ذاته سواء قال: إنه مشاركه، أو قال: إنه لا فعل له، بل من شبّه به شيئا من مخلوقاته فإنما يشبّهه به في بعض الأمور.
وقد عُلم بالعقل امتناع أن يكون له مِثْلٌ في المخلوقات، يشاركه فيما يجب أو يجوز أو يمتنع، فإن ذلك يستلزم الجمع بين النقيضين كما تقدم، وعلم أيضا بالعقل أن كل موجودَيْن قائمين بأنفسهما فلا بدّ بينهما من قدر مشترك، كاتفاقهما في مسمى «الوجود» و«القيام بالنفس» و«الذات» ونحو ذلك، وأن نفي ذلك يقتضي التعطيل المحض، وأنه لا بدّ من إثبات خصائص الربوبية. وقد تقدم الكلام على ذلك.
[ ٢ / ١١٢٦ ]
ثم إن الجهمية من المعتزلة وغيرهم أدرجوا نفي الصفات في مسمى «التوحيد»، فصار من قال: إن لله علما أو قدرة، أو إنه يُرى في الآخرة، أو إن القرآن كلام الله منزّل غير مخلوق- يقولون: إنه مشبِّه ليس بموحد.
وزاد عليهم غلاة الجهمية والفلاسفة والقرامطة فنفوا أسماءه الحسنى، وقالوا: من قال: إن الله عليم قدير عزيز حكيم، فهو مشبِّه ليس بموحد.
وزاد غلاة الغلاة، وقالوا: لا يوصف بالنفي ولا الإثبات، لأن في كل منهما تشبيها له.
وهؤلاء كلهم وقعوا من جنس التشبيه فيما هو شر ممّا فروا منه، فإنهم شبّهوه بالممتنعات والمعدومات والجمادات فرارا من تشبيههم- بزعمهم- له بالأحياء.
ومعلوم أن هذه الصفات الثابتة لله لا تثبت له على حد ما يثبت لمخلوق أصلًا، وهو ﷾ ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فلا فرق بين إثبات الذات وإثبات الصفات، فإذا لم يكن في إثبات الذات إثبات مماثلة للذوات لم يكن في إثبات الصفات إثبات مماثلة له في ذلك. فصار هؤلاء الجهمية المعطلة يجعلون هذا توحيدا، ويجعلون مقابل ذلك التشبيه، ويسمون نفوسهم «الموحِّدين».
الشرح
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من معاني الواحد عندهم-أي المتكلمين-هو الذي لا شبيه له، وهذه الكلمة أقرب إلى الإسلام، لكن أجملوها فجعلوا نفي الصفات أو بعضها داخلًا في نفي التشبيه، واضطربوا في ذلك على درجات لا تنضبط، والمعتزلة تزعم: أن نفي العلم والقدرة وغير ذلك من التوحيد ونفي التشبيه والتجسيم.
[ ٢ / ١١٢٧ ]
والصفاتية تقول: ليس ذلك من التوحيد ونفي التجسيم والتشبيه، ثم هؤلاء مضطربون فيما ينفونه من ذلك، لكن أولئك على أن ما نفوه من [التشبيه وما نفوه من] المعنى الذي سموه تجسيمًا هو التوحيد الذي لا يتم الدين إلا به، وهو أصل الدين عندهم.
وكل من سمع ما جاءت به الرسل يعلم بالاضطرار أن هذه الأمور ليست مما بعث الله به رسوله، ولم يكن الرسول يعلم أمته هذه، الأمور، ولا كان أصحاب رسول الله - ﷺ - عليها، فكيف يكون هذا التوحيد الذي هو أصل الدين لم يدع إليه رسول الله - ﷺ - والصحابة والتابعون؟ بل يعلم بالاضطرار أن الذي جاء به الرسول من الكتاب والسنة يخالف هذا المعنى الذي سماه هؤلاء الجهمية توحيدًا.
ولهذا ما زال سلف الأمة وأئمتها ينكرون ذلك، كما روى الشيخ أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي، في ذم الكلام قال: "سمعت عبد الرحمن بن جابر السلمي قال: سمعت محمد بن عقيل بن الأزهر الفقيه يقول: جاء رجل إلى المزني فسأله عن شيء من الكلام، فقال: إني أكره هذا، بل أنهى عنه كما نهى عنه الشافعي، ولقد سمعت الشافعي يقول: سئل مالك عن الكلام في التوحيد. قال مالك: محال أن يظن بالنبي - ﷺ - أنه علم أمته الاستنجاء، ولم يعلمهم التوحيد، فالتوحيد ما قاله النبي - ﷺ -: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلّا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله" (^١) [فما] عصم به
_________________
(١) الحديث بهذا اللفظ رواه الترمذي عن جابر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أمرت … سنن الترمذي ٥/ ٤٣٩ كتاب تفسير القرآن- باب ٧٨ - تفسير سورة الغاشية - الحديث/ ٣٣٤١. وأخرجه البخاري مع اختلاف في الألفاظ في كتاب الإيمان- باب: فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم-". وفي كتاب "الاعتصام بالكتاب والسنة" باب قول الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ - ٨/ ١٦٢. ومسلم -كتاب الإيمان- باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلّا الله محمد رسول الله، ويقيموا الصلاة .. ١/ ٥١ - ٥٣ - الأحاديث/ ٣٢ - ٣٦. "
[ ٢ / ١١٢٨ ]
الدم والمال فهو حقيقة التوحيد.
وقد روى ذلك [شيخ الإسلام] أبو إسماعيل الأنصاري في كتاب ذم الكلام، والشيخ أبو الحسن الكرجي في كتاب الفصول في الأصول" (^١).
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "وكذلك النوع الثالث، وهو قولهم: هو واحد لا قسيم له في ذاته، أو لا جزء له، أو لا بعض له- لفظ مجمل، فإن الله ﷾ أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، فيمتنع أن يتفرق، أو يتجزأ، أو يكون قد رُكِّب من أجزاء، لكنهم يدرجون في هذا اللفظ نفي علوه على عرشه، ومباينته لخلقه، وامتيازه عنهم، ونحو ذلك من المعاني المستلزمة لنفيه وتعطيله، ويجعلون ذلك من التوحيد.
فقد تبين أن ما يسمونه «توحيدًا» فيه ما هو حق وفيه ما هو باطل، ولو كان جميعه حقا، فإن المشركين إذا أقروا بذلك كله لم يخرجوا فيه من الشرك الذي وصفهم الله به في القرآن، وقاتلهم عليه الرسول -ﷺ-، بل لا بدّ أن يعترفوا بأنه لا إله إلا الله".
الشرح
يقول شيخ الإسلام: "وكان كثير من متكلمة الصفاتية من أصحاب الأشعري ونحوهم فسروا الواحد، والتوحيد، بنحو تفسير المعتزلة وغيرهم من الجهمية، ولم يفسروه بما ذكره ابن كلاب ولا بغير ذلك" (^٢) ولاشك أن أئمة الأشاعرة المتقدمين
_________________
(١) التسعينية ٣/ ٧٨١ - ٧٨٢.
(٢) نقلًا عن «نقض التأسيس» - المطبوع - (١/ ٤٦٨ - ٤٦٩).
[ ٢ / ١١٢٩ ]
كالأشعري وغيره يثبتون لله صفات العلو، والاستواء، والصفات الخبرية، ولا تقتضي عندهم تشبيهًا، كما أن إثباتها لا يعارض ما يقولون به من التوحيد لله تعالى.
فقولهم: إن الواحد هو الذي لا ينقسم ولا يتجزأ وليس بجسم، ليس معروفًا في لغة العرب، بل المعروف في لغة العرب أنهم يطلقون على كثير من المخلوقات أنه واحد وهو جسم، بل لا يوجد في لغة العرب، بل ولا غيرهم من الأمم استعمال الواحد، الأحد، الوحيد إلا فيما يسمونه هم جسمًا ومنقسمًا، كقوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر الآية: ١١]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء الآية: ١١]، وقوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ [الكهف الآية: ٣٢ - [إلى قوله-﴾ قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ [الكهف الآية: ٣٧]، وقوله﴾: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَّخِيلٍ﴾ [البقرة الآية: ٢٦٦]، وقوله تعالى﴾: وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف الآية: ٤٩ [والعرب وغيرهم من الأمم يقولون: رجل، ورجلان اثنان، وثلاثة رجال، وفرس واحد، وجمل واحد، ودرهم واحد، وثوب واحد … فلفظ الواحد وما يتصرف منه في لغة العرب وغيرهم من الأمم لا يطلق إلا على ما يسمونه هم جسمًا منقسمًا، لأن ما لا يسمونه هم جسمًا منقسمًا ليس هو شيئًا يعقله الناس، ولا يعلمون وجوده حتى يعبروا عنه" (^١).
وفي موضع آخر يذكر شيخ الإسلام نصوصًا عديدة من الكتاب والسنة، ويعلق عليها. فيقول في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء الآية: ١ [ومعلوم أن النفس الواحدة التي خلق منها زوجها هو آدم، وحواء خلقت من ضلع آدم القصيراء، من جسده خلقت، لم تخلق من روحه، حتى يقول القائل الوحدة هي باعتبار النفس الناطقة التي لا تركيب فيها. وإذا كانت حواء خلقت من
_________________
(١) «درء التعارض» (٧/ ١١٤ - ١١٦).
[ ٢ / ١١٣٠ ]
جسد آدم، وجسد آدم جسم من الأجسام، وقد سماها الله نفسًا واحدة، علم أن الجسم قد يوصف بالوحدة" (^١).
ويقول معلقًا على استدلال الإمام أحمد: "وأبلغ من ذلك ما ذكره الإمام أحمد وغيره من قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر الآية: ١١]، فإن الوحيد مبالغة في الواحد، فإذا وصف البشر الواحد بأنه وحيد في صفة فإنه واحد أولى، ومع هذا فهو جسم من الأجسام" (^٢)، ثم يذكر بعد ذكر نصوص القرآن نصوص عديدة من السنة، منها أحاديث الصلاة في الثوب الواحد، مثل ما ورد في الصحيح أن النبي -ﷺ-» سئل: أيصلي الرجل في الثوب الواحد؟ فقال: أو لكلكم ثوبان (^٣)، وحديث «نهى أن يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء» (^٤)، وحديث أن النبي -ﷺ- «كان يصلي في واحد» (^٥)، وحديث مرورهﷺ- بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة» (^٦) وغيرها من الأحاديث كثير (^٧)، وهي تدل على استخدام لفظ الواحد فيما هو جسم، خلافًا لما يزعمه هؤلاء.
وإذا كان الأمر كذلك من أن الغالب في اللغة أن اسم الواحد يتناول ما ليس هو الواحد في اصطلاحهم لم يجز أن يحتج بقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة الآية: ١٦٣ [وقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص الآية: ١]، ونحو ذلك مما أنزله الله
_________________
(١) نقض التأسيس» - المطبوع - (١/ ٤٨٨).
(٢) «نقض التأسيس» - المطبوع - (١/ ٤٨٨).
(٣) «نقض التأسيس» (١/ ٤٨٩) والحديث رواه البخاري (٣٥٨).
(٤) رواه البخاري (٣٥٩) ومسلم (٥١٦).
(٥) رواه البخاري (٣٥٥) ومسلم (٥١٧).
(٦) رواه البخاري (١٣٦١) ومسلم (٢٩٢).
(٧) انظر: «نقض التأسيس» - المطبوع - (١/ ٤٨٩ - ٤٩٢).
[ ٢ / ١١٣١ ]
بلغة العرب، وأخبرنا فيه أنه واحد، وأنه إله واحد - على أن المراد ما سموه هم في اصطلاحهم واحدًا مما ليس معروفًا في لغة العرب، بل إذا قال القائل: دلالة القرآن على نقيض مطلوبهم أظهر، كان قد قال الحق، فإن القرآن نزل بلغة العرب، وهم لا يعرفون الواحد في الأعيان إلا ما كان قديمًا بنفسه، متصفًا بالصفات، مباينًا لغيره، مشارًا إليه. وما لم يكن مشارًا إليه أصلًا، ولا مباينًا لغيره، ولا مداخلًا له، فالعرب لا تسميه واحدًا ولا أحدًا، بل ولا تعرفه، فيكون الاسم الواحد والأحد دل على نقيض مطلوبهم منه، لا على مطلوبهم" (^١).
وشيخ الإسلام بهذه الأدلة الكثيرة إنما يقرر قاعدة من القواعد المهمة في باب الصفات وغيرها، وهي أن تفسير النصوص - في الصفات وغيرها - إنما يرجع فيه إلى لغة الذين خوطبوا به أول مرة، وماذا فهموا من النصوص، أما أن تنشأ مصطلحات جديدة، وتحمل النصوص عليها فهذا مخالف لما هو متواتر من أن القرآن هدى للناس، وفيه البيان التام. وهذه من المسائل الكبرى في الخلاف بين مذهب السلف وغيرهم من أهل البدع، لأنه إذا وقع خلاف حول نص من النصوص، فقال قائل: هذا يدل على إثبات الصفات لله، وقال الآخر: لا يدل، فمن الذي يفصل في المسألة، ويبين الحق فيها، وكل يدعي أن الحق معه؟ أهل البدع من النفاة يرجعون في ذلك إلى عقولهم، أو على أقوال شيوخهم، أو إلى شواذ اللغة، أو إلى مصطلحات أهل الفلسفة التي تلقوها عن غير المسلمين.
أما السلف فيرجعون إلى النصوص الأخرى، من الكتاب، والسنة التي تبين هذا النص وتوضحه، ويرجعون إلى لغة العرب، وفهم الصحابة والسلف من خير القرون، وما قالوه في بيان معنى هذا النص، ولذلك يقول شيخ الإسلام - في معرض
_________________
(١) «درء التعارض» (٧/ ١١٧).
[ ٢ / ١١٣٢ ]
رده على الرازي حول استدلاله بالواحد والأحد على نفي الصفات-: "إن الاستدلال بالقرآن إنما يكون على لغة العرب التي أنزل بها، وقد نزل بلغة قريش كما قال تعالى﴾: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم الآية: ٤ [وقال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء الآية: ١٩٥ [فليس لأحد أن يحمل ألفاظ القرآن على غير ذلك من عرف عام واصطلاح خاص - بل ولا يحمله إلا على معاني عنوها بها، إما (أخص) من المعنى اللغوي أو أعم، أو مغايرًا له، لم يكن له أن يضع القرآن على ما وضعه هو، بل يضع القرآن على مواضعه التي بينها الله لمن خاطبه بالقرآن بلغته، ومتى فعل غير ذلك كان ذلك تحريفًا للكلام عن مواضعه، ومن المعلوم أنه ما من طائفة إلا وقد تصطلح على ألفاظ يتخاطبون بها، كما أن من المتكلمين من يقول: الأحد هو الذي لا ينقسم، وكل جسم منقسم، ويقول: الجسم هو مطلق المتحيز، القابل للقسمة، حتى يدخل في ذلك الهواء وغيره، لكن ليس له أن يحمل كلام الله، وكلام رسوله إلا على اللغة التي كان النبي -ﷺ- يخاطب بها أمته، وهي لغة العرب عمومًا، ولغة قريش خصوصًا.
ثم يطبق هذا على المثال المطروح فيقول: "ومن المعلوم المتواتر في اللغة، الشائع بين الخاص والعام أنهم يقولون: درهم واحد، ودينار واحد، ورجل واحد، وامرأة واحدة، وشجرة واحدة، وقرية واحدة، وثوب واحد، وشهرة هذا عند أهل اللغة شهرة سائر ألفاظ العدد، فيقولون: رجل واحد، ورجلان اثنان، وثلاثة رجال، وأربعة رجال. وهذا من أظهر اللغة، وأشهرها، وأعرفها، فكيف يجوز أن يقال: إن الوحدة لا يوصف بها شيء من الأجسام، وعامة ما يوصف بالوحدة في لغة العرب إنما هو جسم من الأجسام؟ " (^١).
فهذه الاصطلاحات الحادثة، التي يحدثها الناس، أو أرباب العلوم المختلفة في
_________________
(١) «نقض التأسيس» - المطبوع - (١/ ٤٩٢ - ٤٩٣).
[ ٢ / ١١٣٣ ]
كل عصر، هي اصطلاحات لهم-ولا مشاحة في أن يتفق أهل فن أو علم على اصطلاح معين يتعارفون عليه-ولكن الخطأ أن يجعل هذا المصطلح الحادث هو المرجع في تفسير النصوص التي نزلت، وتلاها الناس، وفسروها، وفهموها في زمن سابق قبل أن تنشأ تلك المصطلحات الحادثة، فكيف إذا كانت هذه المصطلحات تصادم المعنى الحق الذي دلت عليه النصوص، وقد أورد شيخ الإسلام اعتراضًا حول موضوع الواحد مضمونه: أنه قد يقال: إنه يجوز أن يستعمل لفظ الواحد فيما قصده المتكلمون عن طريق المجاز، أو المشترك اللفظي، أو غيره وقد أجاب بقوله: "هب أنه يجوز لمن بعدهم أن يستعمل ذلك، لكن نحن نعلم أنهم (أي العرب الذين نزل بلغتهم القرآن) لم يستعملوه في ذلك، لأنهم لم يكونوا يثبتون هذا المعنى" (^١)، ثم يحسم شيخ الإسلام بيان انتفاء دلالة النص على ما ادعاه هؤلاء في مسمى التوحيد من وجوه عشرة مهمة (^٢) قال في آخرها: "فتبين أن لفظ التوحيد، والواحد، والأحد في وضعهم واصطلاحهم غير التوحيد، والواحد، والأحد في القرآن، والسنة، والإجماع، وفي اللغة التي جاء بها القرآن، وحينئذ فلا يمكنهم الاستدلال بما جاء في كلام الله ورسله وفي لفظ التوحيد على ما يدعونه هم، لأن دلالة الخطاب إنما تكون بلغة المتكلم وعادته المعروفة في خطابه، لا بلغة وعادة واصطلاح أحدثه قوم آخرون، بعد انقراض عصره، وعصر الذين خاطبهم بلغته وعادته … " (^٣). وهذا ينطبق على مسألة الواحد، والتوحيد، وعلى غيرها مما جاء به القرآن الكريم مما يتعلق بأسماء الله وصفاته.
ثم إن لفظ "الأحد" لم يجئ اسمًا في الإثبات إلا لله تعالى، أما في حق غيره فلم
_________________
(١) «درء التعارض» (٧/ ١١٩).
(٢) انظرها في «درء التعارض» (٧/ ١٢٠ - ١٢١).
(٣) انظرها: في «درء التعارض» (٧/ ١٢٢ - ٢٢٣).
[ ٢ / ١١٣٤ ]
يستعمل إلا مع الإضافة، أو في غير الموجب، كالنفي، والشرط، والاستفهام.
فاستعماله في الإثبات لله كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص الآية: ١].
أما استخدامه في حق غير الله مضافًا فكقوله تعالى: ﴿قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف الآية: ٣٦].
وفي النفي كقوله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف الآية: ٤٩].
والشرط كقوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة الآية: ٦].
والاستفهام كما تقدم قريبًا في حديث: أيصلي الرجل في الثوب الواحد؟ ويقال: هل عندك أحد؟. ونكتة الرد هنا أن لفظ الأحد لم يستعمل فيما ادعاه هؤلاء لا في النفي، ولا في الإثبات، ولو فرض أن معناه - ما ليس بجسم كما يزعم هؤلاء - لوقع تناقض عظيم؛ فإنه يقال: إذا كان في الإثبات معناه إن الله أحد أي ليس بجسم، فهل يكون في النفي كذلك؟ هل يقال: إن معنى قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص الآية: ٤ [لم يكن ما ليس بجسم كفوًا له، ومعنى قوله تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف الآية: ٢٦ [لا يشرك في حكمه ما ليس بجسم، ومعنى قوله: ﴿لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾ [الجن الآية: ٢٢ [أي لن يجيرني من الله ما ليس بجسم؟ هل يكون مفهوم هذه النصوص أنه قد يكون ما هو جسمًا كفوًا له، وقد يشرك في حكمه ما هو جسم وهكذا؟. هل يقول هذا عاقل، وهل يمكن أن تكون النصوص قد جاءت بمثل هذا التناقض والباطل. (^١)
كما أن قولهم باطل من جهة العقل أيضًا، يقول شيخ الإسلام: "أما العقل فهذا الواحد الذي وصفوه يقول لهم فيه أكثر العقلاء، وأهل الفطر السليمة: إنه أمر
_________________
(١) انظر: «تفسير سورة الإخلاص، مجموع الفتاوى» (١٧/ ٢٣٥)، و«درء التعارض» (٧/ ١٢١)، و«نقض التأسيس» - المطبوع - (١/ ٤٩٣ - ٤٩٤).
[ ٢ / ١١٣٥ ]
لا يعقل، ولا له وجود في الخارج، وإنما هو أمر مقدر في الذهن، ليس في الخارج شيء موجود لا يكون له صفات ولا قدر، ولا يتميز منه شيء عن شيء، بحيث يمكن أن لا يرى، ولا يدرك، ولا يحاط به، وإن سماه المسمى جسمًا، وأيضًا فإن التوحيد إثبات لشيء واحد، فلابد أن يكون له في نفسه حقيقة ثبوتية يختص بها، ويتميز بها عما سواه، حتى يصح أنه ليس كمثله شيء في تلك الأمور الثبوتية، ومجرد عدم المثل إذا لم يفد ثبوت أمر وجودي كان صفة للعدم، فنفي المثل والشريك يقتضي ما هو على حقيقة يستحق بها واحدًا" (^١)، فهؤلاء ظنوا أن ما يتصورونه في أذهانهم موجود في الخارج، وهذا من الأخطاء الكبرى التي وقع فيها أهل الكلام، والتصوف، والفلسفة، ونبه شيخ الإسلام عليها كثيرًا، مثل قول غلاة الصوفية إن الوجود واحد، وإن وجود الله هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، ومثل قول الفلاسفة، بالجواهر، والمجردات العقلية، حيث يزعمون أن الحقائق الموجودة في الخارج كالإنسان، والفرس، مكونة من المادة الكلية، والصورة الجوهرية، ويزعمون أنهما جوهران عقليان، وهذا كله في الذهن، لأن الموجود لا يوجد إلا معينًا، فيقال وجود الواجب، وهو الله، ووجود الممكن، كفلان وفلان، وكذلك هذه العقليات المجردة إنما تتصور في الأذهان، أما في الحقيقة والواقع فليس إلا الموجودات بأعيانها" (^٢).
كما أن قول هؤلاء معارض للشرع، يقول شيخ الإسلام في بيان بطلان قولهم لغة، وعقلًا، وشرعًا: "وأما الشرع فنقول: مقصود المسلمين أن الأسماء المذكورة في القرآن، والسنة، وكلام المؤمنين المتفق عليه بمدح أو ذم تعرف مسميات تلك الأسماء، حتى يعطوها حقها، ومن المعلوم بالاضطرار أن اسم الواحد في كلام الله لم
_________________
(١) «نقض التأسيس» - المطبوع - (١/ ٤٨٣).
(٢) انظر: «درء التعارض» (٧/ ١٢٤ - ١٢٧).
[ ٢ / ١١٣٦ ]
يقصد به سلب الصفات، وسلب إدراكه بالحواس، ولا نفي الحد والقدر ونحو ذلك من المعاني التي ابتدع نفيها الجهمية وأتباعهم، ولا يوجد نفيها في كتاب، ولا سنة، ولا عن صاحب، ولا أئمة المسلمين" (^١).
وبعد أن ينقل شيخ الإسلام نصًا للدارمي في نقضه على المريسي يقول: "وهذا النفي الذي يذكره النفاة ويفسرون به اسم الله "الواحد" وغير ذلك هو عند أهل السنة والجماعة مستلزم العدم، مناف لما وصف به نفسه في كتابه من أنه الأحد، الصمد، وأنه العلي، العظيم، وأنه الكبير المتعال، وأنه استوى على العرش، وأنه يصعد إليه، ويوقف عليه، وأنه يرى في الآخرة كما ترى الشمس والقمر، وأنه يكلم عباده، وأنه السميع البصير" (^٢).
فمصادمة قولهم لهذه النصوص الشرعية الكثيرة-مع أنه أيضًا لا يقوم على دليل صحيح-دليل على فساد قولهم (^٣).
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "وليس المراد «بالإله» هو القادر على الاختراع، كما ظنّه من ظنّه من أئمة المتكلمين، حيث ظن أن الإلهية هي القدرة على الاختراع، وأن من أقر بأن الله هو القادر على الاختراع دون غيره فقد شهد أنه لا إله إلا هو، فإن المشركين كانوا يقرُّون بهذا وهم مشركون كما تقدم بيانه. بل الإله الحق هو الذي يستحق أن يُعبَد فهو إلهٌ بمعنى مألوه، لا إله بمعنى آلِه. والتوحيد أن يعبد الله وحده لا شريك له، والإشراك أن يجعل مع الله إلهًا آخر".
_________________
(١) نقض التأسيس» - المطبوع - (١/ ٤٨٤).
(٢) «نقض التأسيس» - المطبوع - (١/ ٤٨٧).
(٣) المصدر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود - ٣/ ٩٤٦.
[ ٢ / ١١٣٧ ]
الشرح
عرف كثير من الأشعرية كلمة (إله) بأنه القادر على الاختراع، فمن ذلك ما نسبه البغدادي إلى أبي الحسن الأشعري فقال: "واختلف أصحابنا في معنى الإله: فمنهم من قال إنه مشتق من الألهية، وهي: قدرته على اختراع الأعيان، وهو اختيار أبي الحسن الأشعري" (^١)، ثم اختار البغدادي القول بأنه غير مشتق!
وقد حكى الرازي هذا القول ذاكرًا دليله دون أن يسمي قائله، فقال في صدد حكاية مذاهب الناس في أصل اشتقاق اسم الله تعالى (الله) قال: "القول السابع: الإله من له الإلهية، وهي القدرة على الاختراع، والدليل عليه أن فرعون لما قال﴾: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء الآية: ٢٣ [قال موسى في الجواب﴾: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الشعراء الآية: ٢٤ [فذكر في الجواب عن السؤال الطالب لماهية الإله: القدرة على الاختراع، ولولا أن حقيقة الإلهية هي القدرة على الاختراع لم يكن هذا الجواب مطابقًا لذلك السؤال" (^٢).
والجواب من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: إن فرعون كان متظاهرًا بإنكار وجود رب العالمين بل كان يدعي أنه رب العالمين بقوله﴾: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات الآية: ٢ [وقال تعالى﴾: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف الآية: ٥٤ [وقال: ﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر الآية: ٣٧]، ولذلك كان سؤاله بقوله﴾: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴿سؤالًا عن وصف الرب تعالى وليس سؤالًا عن الماهية، إذ السؤال عن ماهية الشيء فرع الإقرار به، -وهو
_________________
(١) «أصول الدين للبغدادي» (ص: ١٢٣).
(٢) «شرح أسماء الله الحسنى للرازي» (ص ١٢٤).
[ ٢ / ١١٣٨ ]
لا يقر بالله متظاهرًا-فمن لم يقر بشيء لا يسأل عن ماهيته (^١)، فمن سأل عن ماهية الإنسان فقال: ما الإنسان؟ فإن ذلك فرع إقراره بوجوه، وكذلك هنا (^٢).
ولذلك فإن فرعون لم يكن قد سأل عن حقيقة الإلهية إنما سأل عن وصف الرب الذي يتظاهر بإنكاره. ويوضح هذا آية أخرى وهي﴾: قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ [طه الآية: ٤٩]، ومعلوم أن "مَنْ" لا يسأل بها عن ماهية الشيء وحقيقته، وإنما حقيقة معنى الإلهية هي: استحقاق الله للعبادة بما له من صفات الكمال وتنزهه عن صفات النقص، وقد دلت الأدلة على ذلك.
الوجه الثاني: إنه لو كان معنى إله: القادر على الاختراع كان معنى لا إله إلا الله أي: لا خالق إلا الله ولا قادر على الاختراع إلا هو، وهذا المعنى كان يقول به المشركون، ولذلك يحتج الله عليهم بمعرفتهم هذه بقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة الآية: ٢٢ [أي تعلمون أنه لا رب لكم غيره، كما نقل ذلك عن جمع من المفسرين (^٣).
فلو كان المعنى ما ذكره هؤلاء المتكلمون، لما استقام الإنكار على المشركين الذين يقرون بأن الله هو خالقهم وخالق كل شيء. وإنما كان شركهم في الألوهية (^٤).
الوجه الثالث: إن هذا القول غير معروف عند أهل اللغة، ولذلك لم يحتج من قال بهذا القول بشاهد من شواهد لغة العرب ولا بنقل إمام معتبر من أئمة اللغة (^٥). (^٦)
_________________
(١) انظر «تفسير ابن كثير» (٣/ ٣٣٢).
(٢) «مجموع الفتاوى لابن تيمية» (١٦/ ٣٣٤).
(٣) «جامع البيان للطبري» (١/ ١/ ١٦٣).
(٤) انظر «تيسير العزيز الحميد» (ص: ٧٦).
(٥) انظر «تيسير العزيز الحميد» (ص: ٧٦).
(٦) المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبداللطيف ١/ ١٥٤.
[ ٢ / ١١٣٩ ]
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "وإذا تبين أن غاية ما يقرّره هؤلاء النظار، أهل الإثبات للقدر، المنتسبون إلى السنة، إنما هو توحيد الربوبية، وأن الله رب كل شيء، ومع هذا فالمشركون كانوا مقرّين بذلك مع أنهم مشركون"
الشرح
أي خلاصة القول: ليس المراد (بالإله) هو القادر على الاختراع كما ظنه من ظنه من أئمة المتكلمين حيث ظن أن الإلهية هي القدرة على الاختراع دون غيره وأن من أقر بأن الله هو القادر على الاختراع دون غيره فقد شهد أن لا إله إلا هو (^١)
ولو كان هذا معنى لا إله إلا الله؛ لما أنكرت قريش على النبي ﷺ دعوته ولآمنت به وصدقت؛ لأن قريشًا تقول: لا خالق إلا الله، ولا خالق أبلغ من كلمة لا قادر، لأن القادر قد يفعل وقد لا يفعل، أما الخالق؛ فقد فعل وحقق بقدرة منه، فصار فهم المشركين خيرًا من فهم هؤلاء المتكلمين، والمنتسبين للإسلام.
فالتوحيد الذي جاءت به الرسل في قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف الآية: ٥٩ [؛ أي من إله حقيقي يستحق أن يعبد، وهو الله ومن المؤسف أنه يوجد كثير من الكتاب الآن الذين يكتبون في هذه الأبواب تجدهم عندما يتكلمون على التوحيد لا يقررون أكثر من توحيد الربوبية، وهذا غلط ونقص عظيم، فالواجب أن نغرس في قلوب المسلمين توحيد الألوهية أكثر من توحيد الربوبية، لأن توحيد الربوبية لم ينكره أحد إنكارًا حقيقيًا، فكوننا لا نقرر إلا هذا الأمر الفطري المعلوم
_________________
(١) الرسالة التدمرية - مجمل اعتقاد السلف لأحمد بن عبدالحليم ابن تيمية - ص ١٠٨
[ ٢ / ١١٤٠ ]
بالعقل، ونسكت عن الأمر الذي يغلب فيه الهوى هو نقص عظيم، فعبادة غير الله هي التي يسيطر فيها هوى الإنسان على نفسه حتى يصرفه عن عبادة الله وحده، فيعبد الأولياء، ويعبد هواه، حتى جعل النبي ﷺ الذي همه الدرهم والدينار ونحوهما عابدًا، وقال الله ﷿﴾ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية الآية: ٢٣ [" (^١).
والجواب عن قول من قال: بأن معنى الإله القادر على الاختراع، ونحو هذه العبارة قيل: الجواب من وجهين:
أحدهما: أن هذا قول مبتدع، لا يعرف أحد قاله من العلماء، ولا من أئمة اللغة، وكلام العلماء، وأئمة اللغة هو معنى ما ذكرنا كما تقدم. فيكون هذا القول باطلًا.
الثاني: على تقدير تسليمه فهو تفسير باللازم للإله الح،، فإن اللازم له أن يكون خالقًا، قادرًا على الاختراع، ومتى لم يكن كذلك فليس بإله حق، وإن سمي إلهًا، وليس مراده أن من عرف أن الإله هو القادر على الاختراع فقد دخل في الإسلام، وأتى بتحقيق المرام من مفتاح دار السلا،، فإن هذا لا يقوله أحد، لأنه يستلزم أن يكون كفار العرب مسلمين، ولو قدر أن بعض المتأخرين أرادوا ذلك فهو مخطئ، يرد عليه بالدلائل السمعية والعقلية" (^٢)
وهذا التفسير الذي ذكره أولئك الأشعرية له مفاسد كثيرة، منها أن هذا التفسير يصير توحيد الربوبية هو أول الواجبات، مما يؤدي إلى عدم الاعتناء بتوحيد الألوهية اعتناءًا جيدًا، بل يؤدي إلى عدم معرفته حق المعرفة، إذ يتصور كثير من عوامهم بل من نسب إلى العلم من المتأخرين منهم أن شرك المتقدمين كان لاعتقادهم بعض صفات الربوبية في الأصنام والأوثان، فغفل كثير منهم عن حقيقة الشرك وبعض
_________________
(١) القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين - ١/ ٧٠
(٢) تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد لسليمان بن عبدالله آل الشيخ - ص ٦٠
[ ٢ / ١١٤١ ]
مظاهره، فوقعوا في الشرك بالله من الاستغاثة بغير الله والذبح لغيره وغير ذلك (^١).
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "فكذلك طوائف من أهل التصوف، المنتسبين إلى المعرفة والتحقيق والتوحيد، غاية ما عندهم من التوحيد هو شهود هذا التوحيد، وهو أن يشهد أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، لا سيما إذا غاب العارف بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، وبمعروفه عن معرفته، ودخل في فناء توحيد الربوبية، بحيث يفنى مَنْ لم يكن، ويبقى من لم يزل. فهذا عندهم هو الغاية التي لا غاية وراءها، ومعلوم أن هذا هو تحقيق ما أقر به المشركون من التوحيد، ولا يصير الرجل بمجرد هذا التوحيد مسلما، فضلًا عن أن يكون وليًّا لله أو من سادات الأولياء".
الشرح
من أهل التصوف؛ مَنْ يقول كالهروي: إنَّ «التوحيد: تنزيه الله تعالى عن الحدث، وإنما نطق العلماء بما نطقوا به، وأشار المحققون بما أشاروا إليه في هذا الطريق؛ لقصد تصحيح التوحيد، وما سواه مِنْ حال أو مقام فكله مصحوب العلل.
والتوحيد على ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: توحيد العامة الذي يصح بالشواهد.
والوجه الثاني: توحيد الخاصَّة، وهو الذي يثبت بالحقائق.
والوجه الثالث: توحيد قائم بالقِدم، وهو توحيد خاصَّة الخاصَّة.
_________________
(١) المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبداللطيف - ١/ ١٥٤
[ ٢ / ١١٤٢ ]
فأما التوحيد الأول فهو شهادة أن ﴿لا إله إلا الله﴾ وحده لا شريكَ له، الأحد الصَّمَد، الذي لم يَلد ولم يُولد، ولم يكن له كُفُوًا أحد» (^١).
فمن المتصوفة مَنْ اعتبروا توحيد العِبادة الذي هو توحيد الرُّسُل هو توحيدُ العَوَام، وجعلوه في المنزلة الدُّنيا، وجعلوا توحيد الربوبية فوق توحيد العبادة، ولذلك جعلوا توحيد الخاصَّة هو شهود الربوبية، والفناء بشهوده عن مشهوده، وبوجوده عن موجوده، بمعنى: أنهم حصروا هذا المقام من التوحيد في شهود مقام الربوبية.
وتوحيد خاصَّة الخاصة عندهم هو توحيد أهل وحدة الوجود، الذين يقولون: إنَّه ما ثَمَّت خالق ولا مخلوق، ولا عابد ولا معبود، وإنَّ الوجود كله واحد.
فإذًا كلٌّ من الفريقين (أهل الكلام والمتصوفة) لم يُقم وزنًا لتوحيد العبادة، ولم يُلق له بالًا، ولم يُعطه اهتمامًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "العَبْد يُرَاد بِهِ المعبَّد الَّذِي عبَّده الله، فذلَّلَه ودبَّره وصرَّفه.
وَبِهَذَا الِاعْتِبَار: فالمخَلوقون كلهم عباد الله: الْأَبْرَار مِنْهُم والفجار، والمؤمنون وَالكفَّار، وَأهل الجَنَّة وَأهل النَّار؛ إِذْ هُوَ رَبُّهم كلهم ومليكُهم، لَا يخرجُون عَنْ مَشِيئَته وَقُدرته، وكلماته التَّامَّات الَّتِي لَا يُجاوزهن بَرٌّ وَلَا فَاجر؛ فَمَا شَاءَ كَانَ وَإِنْ لم يشاءوا. وَمَا شَاءُوا إِنْ لم يشأه لم يكن، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أفغير دين الله يَبْغُونَ وَله أسلم من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكرها وَإِلَيْهِ يرجعُونَ﴾ [آل عمران الآية: ٨٣]. فَهُوَ سُبْحَانَهُ ربُّ الْعَالمين، وخالقهم ورازقهم ومحييهم ومُميتهم، ومقلب قُلُوبهم ومصرف أُمُورهم، لَا ربَّ لَهُمْ غَيره، وَلَا مَالك لَهُمْ سواهُ، وَلَا خَالق لَهُمْ إِلَّا هُوَ؛ سَوَاء اعْتَرَفُوا بذلك أَوْ أنكروه، وَسَوَاء علمُوا ذَلِك أَوْ جهلوه؛ لَكِن أهل الْإِيمَان
_________________
(١) «منازل السائرين» لأبي إسماعيل الهروي (١٣٥ - ١٣٨)، دار الكتب العلمية- بيروت.
[ ٢ / ١١٤٣ ]
مِنْهُم عرفُوا ذَلِك وآمنوا بِهِ؛ بِخِلَاف مَنْ كَانَ جَاهِلًا بذلك؛ أَوْ جاحدًا لَهُ مستكبرًا على ربِّه، لَا يُقِرُّ وَلَا يخضع لَهُ؛ مَعَ علمه بِأَنَّ الله ربه وخالقه. فالمعرفة بِالْحَقِّ إِذا كَانَتْ مَعَ الاستكبار عَنْ قبُوله والجحد لَهُ- كَانَ عذَابًا على صَاحبه، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وجحدوا بهَا واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فَانْظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَة المفسدين﴾ [النَّمل الآية: ١٤]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يعرفونه كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم وَإِنْ فريقا مِنْهُم ليكتمون الْحق وهم يعلمُونَ﴾ [البقرة الآية: ١٤٦]، وَقَالَ تَعَالَى الآية: ﴿قد نعلم إِنَّه ليحزنك الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُم لَا يكذبُونَك وَلَكِن الظَّالِمين بآيَات الله يجحدون﴾ [الأنعام الآية: ٣٣].
فَإِذا عَرف العَبْدُ أَنَّ اللهَ ربَّه وخالقه، وَأَنَّه مُفتقر إِلَيْهِ مُحْتَاج إِلَيْهِ- عرف الْعُبُودِيَّة الْمُتَعَلِّقَة بربوبية الله. وَهَذَا العَبْد يَسْأَل ربَّه ويتضرع إِلَيْهِ ويتوكل عَلَيْهِ، لَكِن قد يُطِيع أمره وَقد يَعصيه، وَقد يعبده مَعَ ذَلِك، وَقد يعبد الشَّيْطَانَ والأصنامَ. وَمثل هَذِه الْعُبُودِيَّة لَا تُفَرِّق بَين أهل الجَنَّة وَأهل النَّار، وَلَا يَصير بهَا الرجلُ مُؤمنًا، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا يُؤمن أَكْثَرهم بِاللَّه إِلَّا وهم مشركون﴾ [يوسف الآية: ١٠٦]؛ فَإِنْ الْمُشْركين كَانُوا يُقِرُّونَ أَنْ الله خالقهم ورازقهم وهم يَعْبدُونَ غَيره؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلتهمْ مَنْ خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض ليَقُولن الله﴾ [لقمان الآية: ٢٥]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قل لمن الأَرْض وَمن فِيهَا إِنْ كُنْتُم تعلمُونَ * سيقولون لله قل أَفلا تذكرُونَ * قل من رب السَّمَاوَات السَّبع وَرب الْعَرْش الْعَظِيم * سيقولون لله قل أَفلا تَتَّقُون * قل من بِيَدِهِ ملكوت كل شَيْء وَهُوَ يجير وَلَا يجار عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُم تعلمُونَ * سيقولون لله قل فَأنى تُسحرون﴾ [المؤمنون الآيات: ٨٤ - ٨٩].
وَكثير مِمَّنْ يتَكَلَّم فِي الْحَقِيقَة فيشهدها، لَا يَشْهد إِلَّا هَذِه الْحَقِيقَة، وَهِي الحَقِيقَة الكونية الَّتِي يَشْتَرك فِيهَا وَفِي شهودها وَفِي مَعْرفَتهَا الْمُؤمنُ وَالْكَافِرَ وَالْبَرُّ والفاجر. بل وإبليس معترف بِهَذِهِ الْحَقِيقَة وَأهل النَّار؛ قَالَ إِبْلِيس: ﴿رب فأنظرني إِلَى يَوْم يبعثون﴾ [الحجر الآية: ٣٦]، و﴿قَالَ رب بِمَا أغويتني لأزينن لَهُمْ فِي الأَرْض ولأغوينهم أَجْمَعِينَ﴾
[ ٢ / ١١٤٤ ]
[الحجر الآية: ٣٩]، وقال: ﴿فبعزتك لأغوينهم أَجْمَعِينَ﴾ [ص الآية: ٨٢]، وَقَالَ: ﴿أرأيتك هَذَا الَّذِي كرمت عَليّ لَئِنْ أخرتن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لأحتنكن ذُريَّته إِلَّا قَلِيلا﴾ [الإسراء الآية: ٦٢]، وأمثال هَذَا من الْخطاب الَّذِي يُقِرُّ فِيهِ بِأَنَّ الله ربه وخالقه وخالق غَيره، وَكَذَلِكَ أهل النَّار قَالُوا: ﴿رَبنَا غلبت علينا شِقْوَتنَا وَكُنَّا قوما ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون الآية: ١٠٦]، وَقَالَ تَعَالَى عَنْهُم: ﴿وَلَو ترى إِذْ وقفُوا على رَبهم قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بلَى وربنا﴾ [الأنعام الآية: ٣٠].
فَمن وقف عِنْد هَذِه الْحَقِيقَة وَعند شهودها، وَلم يقم بِمَا أَمر الله بِهِ مِنْ الحَقِيقَة الدِّينِيَّة الَّتِي هِيَ عِبَادَته الْمُتَعَلّقَة بألوهيته وَطَاعَة أمره وَأمر رَسُوله، كَانَ من جنس إِبْلِيس وَأهل النَّار.
فَإِنْ ظَنَّ مَعَ ذَلِك: أَنَّه من خَواص أَوْلِيَاء الله وَأهل الْمعرفَة وَالتَّحْقِيق، الَّذين سَقط عَنْهُم الْأَمر وَالنَّهي الشَّرعيان، كَانَ مِنْ أشر أهل الكفر والإلحاد.
وَمَنْ ظن أَنْ الخَضِرَ وَغَيره سقط عَنْهُم الْأَمر؛ لمشاهدة الْإِرَادَة وَنَحْو ذَلِك- كَانَ قَوْلُه هَذَا من شَرِّ أَقْوَال الْكَافرين بِاللَّه وَرَسُوله، حَتَّى يَدْخل فِي النَّوْع الثَّانِي من معنى العَبْد، وَهُوَ العَبْد بِمَعْنى العابد؛ فَيكون عابدًا لله، لَا يَعبد إِلَّا إِيَّاه؛ فيطيع أمرَه وَأمرَ رُسُله، ويُوالي أولياءه الْمُؤمنِينَ الْمُتَّقِينَ ويُعادي أعداءه.
وَهَذِه الْعِبَادَة مُتَعَلِّقَة بالإلهيَّة لله تَعَالَى، وَلِهَذَا كَانَ عنوان التَّوْحِيد: (لَا إِلَه إِلَّا الله)، بِخِلَاف مَنْ يُقر بربوبيته وَلَا يَعبده، أَوْ يَعبد مَعَه إِلَهًا آخر.
فالإله: هُوَ الَّذِي يألهه الْقلب بِكَمَال الْحبِّ والتعظيم والاجلال وَالْإِكْرَام وَالْخَوْف والرجاء، وَنَحْو ذَلِك.
وَهَذِه الْعِبَادَة هِيَ الَّتِي يُحِبُّهَا اللهُ ويَرضاها، وَبهَا وصف المُصطفين مِنْ عباده، وَبهَا بعثَ رُسله.
وَأمَّا العَبْد- بِمَعْنى المعبَّد- سَوَاء أقرَّ بذلك أَوْ أنكرهُ، فَهَذَا الْمَعْنى يَشْتَرك فِيهِ
[ ٢ / ١١٤٥ ]
الْمُؤمنُ وَالْكَافِر.
وبالفرق بَين هذَيْن النَّوْعَيْنِ يعرف الْفرق بَين الْحَقَائِق الدِّينِيَّة الدَّاخِلَة فِي عبَادَة الله وَدينه وَأمره الشَّرْعِيّ الَّتِي يُحِبهَا ويَرضاها ويُوالى أَهلهَا ويُكرمهم بجنته، وَبَين الْحَقَائِق الكونية الَّتِي يَشْتَرك فِيهَا الْمُؤمن وَالْكَافِر وَالْبر والفاجر الَّتي مَنْ اكْتفى بهَا وَلم يَتَّبع الْحَقَائِق الدِّينِيَّة كَانَ مِنْ أَتبَاع إِبْلِيس اللعين والكافرين بِرَبِّ الْعَالمين، وَمن اكْتفى فِيهَا بِبَعْض الْأُمُور دون بعضٍ أَوْ فِي مقَام دون مقَام أَوْ حَال دون حَال نقص من إيمَانه وولايته لله بِحَسب مَا نقص من الْحَقَائِق الدِّينِيَّة» (^١).
وأراد شيخ الإسلام هنا أن يُقَسِّم العبودية إلى قسمين: القسم الأول: العبودية الاضطرارية. والقسم الثاني: العبودية الاختيارية.
وذلك أنَّ العبد قد يُطلق ويراد به المُعَبَّد، وقد يطلق ويراد به العابد، فإذا أُطلق وأريد به المُعَبَّد، فإن العبودية تكون حينئذ بمعنى: الخلق، وبمعنى الإيجاد والربوبية، وهذا النوع يُطلق عليه (العبودية الاضطرارية)، وهي عبودية الذل والخضوع لله ﷾ قهرًا واضطرارًا، وليس اختيارًا من الإنسان، وهذه العبودية حاصلة لكل مخلوقات الله ﷾، فكل المخلوقات من الإنسن والجن والملائكة والأشجار والأحجار وجميع المخلوقات هي عابدة لله ﷾ بهذا الاعتبار.
حتى الكفار فهم عابدون لله ﷿ اضطرارًا، أي: خاضعون وذليلون له، وهم في خضوعهم وذلهم هذا ليسوا مختارين، وإنما هم مضطرون إلى ذلك.
وهذه العبودية الاضطرارية بهذا المعنى هي موافقة لربوبية الله ﷾، أي: أنه رب كل شيء، وأنه خالق كل شيء.
وهذه العبودية الاضطرارية لا تُفَرِّق بين أهل الجنة وأهل النار، ولا يصير
_________________
(١) العبودية: ٩
[ ٢ / ١١٤٦ ]
الإنسان بها مؤمنًا.
ومشركو مكة مقرون بهذه العبودية الاضطرارية؛ فإنهم كانوا يَعترفون أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت، ومع ذلك كانوا يشركون في عبادتهم معه غيره؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلتهمْ مَنْ خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض ليَقُولن الله﴾ [لقمان: ٢٥]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قل لمن الأَرْض وَمن فِيهَا إِنْ كُنْتُم تعلمُونَ * سيقولون لله قل أَفلا تذكرُونَ * قل من رب السَّمَاوَات السَّبع وَرب الْعَرْش الْعَظِيم * سيقولون لله قل أَفلا تَتَّقُون * قل من بِيَدِهِ ملكوت كل شَيْء وَهُوَ يجير وَلَا يجار عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُم تعلمُونَ * سيقولون لله قل فَأنى تُسحرون﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩].
ومع ذلك لم تنفعهم هذه العبودية وحدها، ولهذا يقول الله ﷾ عنهم: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف الآية: ١٠٦]؛ فأثبت لهم إيمانًا، لكن هذا الإيمان لم يَنفعهم وحده، بل لا بد أن يُضاف إليه إيمان آخر، وهو عبودية الله ﷾ مختارين منقادين لأوامره الشرعية.
قال شيخ الإسلام: «ومعلوم أنَّ المشركين من العرب الذين بُعِث إليهم محمدٌ -ﷺ- لم يكونوا يخالفونه في هذا [أي: في توحيد الربوبية]، وهم مع هذا مشركون» (^١).
ولهذا جاء عن بعض السلف أنه سمى الإقرار بالربوبية فقط دون الإلهية: إيمان المشركين، وذلك أن الإقرار بالربوبية والإقرار بالعبودية الاضطرارية من الإيمان، لكن ليس هو كل الإيمان، وليس هو الإيمان الذي ينجي الإنسان يوم القيامة، وليس هو الإيمان الذي يُدخل الإنسان الجنة، ويجعله يخرج من دائرة الكفر إلى دائرة الإسلام، بل لابد من الإتيان بالعبودية الاختيارية التي سيأتي الكلام عنها.
وهذه العبودية الاضطرارية (الجبرية) هي التي جاءت في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٩٨) باختصار.
[ ٢ / ١١٤٧ ]
مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم الآية: ٩٣] يعني: إلا سيأتي إلى الله ﷿ وهو خاضع مُقر، ولن يستطيع الهرب يوم القيامة.
ثم قال شيخ الإسلام: «وَكثير مِمَّنْ يتَكَلَّم فِي الْحَقِيقَة فيشهدها، لَا يَشْهد إِلَّا هَذِه الْحَقِيقَة، وَهِي الحَقِيقَة الكونية الَّتِي يَشْتَرك فِيهَا وَفِي شهودها وَفِي مَعْرفَتهَا الْمُؤمنُ وَالْكَافِرَ وَالْبَرُّ والفاجر. بل وإبليس معترف بِهَذِهِ الْحَقِيقَة وَأهل النَّار؛ قَالَ إِبْلِيس: ﴿رب فأنظرني إِلَى يَوْم يبعثون﴾ [ص الآية: ٧٩]».
فهذه العبودية الاضطرارية هي التي يُتعب الصوفية أنفسهم في الوصول إليها، فهم يعتبرونها الغاية التي يصل إليها العابد، ويفنون أعمارهم في شهود الحقيقة الكونية، مع أنه يشترك في معرفتها وشهودها المؤمن والكافر والبر والفاجر، حتى إبليس- الشيطان الرجيم- مُعترف بهذه الحقيقة؛ حيث قال إبليس فيما قصَّه الله في كتابه عنه: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر الآية: ٣٦]، فهو مقر بالربوبية، ولكنه لما استكبر عن تنفيذ الأمر ما نفعه هذا الإقرار؛ فكفر، وتوعده الله بالعذاب الأليم؛ قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة الآية: ٣٤].
وكذلك أهل النار قَالُوا: ﴿رَبنَا غلبت علينا شِقْوَتنَا وَكُنَّا قوما ضَالِّينَ﴾ [١٠٦ المؤمنون الآية: ١٠٦]، وَقَالَ تَعَالَى عَنْهُم: ﴿وَلَو ترى إِذْ وقفُوا على رَبهم قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بلَى وربنا﴾ [الأنعام الآية: ٣٠]، فهم معترفون بربوبية الله تعالى، ولكنهم لم يقوموا بعبودية الألوهية (الاختيارية).
لذلك كان الاشتغال بهذا النوع من العبودية اشتغال بأمر قد فُطر الناس عليه.
وأما النوع الآخر وهو (العبودية الاختيارية)؛ فهي العبودية التي يفعلها الإنسان عن اختيار وإرادة، ولو شاء لتركها.
[ ٢ / ١١٤٨ ]
وهذه العبودية لا تكون إلا من المكلفين الذين كلفهم الله ﷾ بالأمر والنهي؛ فهؤلاء هم الذين يعبدون الله ﷿، وهم المختارون لهذه العبادة عن رضا وطواعية.
ومن أجلها أرسل الله الرسل وأنزل الكتب؛ وقد قص القرآن أن جميع الرسل قالوا لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف الآية: ٥٩]، أي: هو وحده المستحق للعبادة دون سواه، ولا يَقبل أن تُشركوا معه غيره فيها.
فهي التي يسمى بها الإنسان مؤمنًا، وبها ينجو من عذاب الآخرة، ويفوز بالنعيم في الجنة.
قال ابنُ أبي العِزِّ الحنفي ﵀: «وكذلك كان حال الأمم السالفة المشركين الذين كَذَّبوا الرسل. كما حكى الله تعالى عنهم في قصة صالح ﵇ عن التسعة الرهط الذين تَقاسموا بالله، أي: تحالفوا بالله؛ لنَبيتنَّه وأهله. فهؤلاء المفسدون المشركون تحالفوا بالله على قَتل نَبِيِّهم وأهلِه، وهذا بَيِّنٌ أنَّهم كانوا مؤمنين بالله إيمانَ المشركين.
فَعُلِم أنَّ التوحيدَ المطلوبَ هو توحيدُ الإلهيَّةِ، الذي يتضمن توحيد الربوبية؛ قال تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفًا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ [الروم الآية: ٣٠]» (^١)
وعلى العبد ألا يخلط بين (الإرادة الكونية القدريَّة) وبين (الإرادة الدِّينية الشرعية).
فالإرادة الكونية القدريَّة: هي ما يقع في الكون بقدر الله وتدبيره. ويشترك في شهودها البَر والفاجر.
وأمَّا الإرادة الدِّينية الشرعية: فهي ما شرعه وأمر به سبحانه، ورضيه وأحبَّه من عباده.
_________________
(١) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص ٣٣).
[ ٢ / ١١٤٩ ]
وعدم التفريق بين هذين النوعين جَرَّ طوائف إلى الوقوع في أنواع الإلحاد والكفر؛ يقول شيخ الإسلام ﵀ هنا: «فَمن وَقف عِنْد هَذِه الْحَقِيقَة وَعند شهودها، وَلم يقم بِمَا أَمر الله بِهِ مِنْ الحَقِيقَة الدِّينِيَّة الَّتِي هِيَ عِبَادَته الْمُتَعَلّقَة بألوهيته وَطَاعَة أمره وَأمر رَسُوله، كَانَ من جنس إِبْلِيس وَأهل النَّار.
فَإِنْ ظَنَّ مَعَ ذَلِك: أَنَّه من خَواص أَوْلِيَاء الله وَأهل الْمعرفَة وَالتَّحْقِيق، الَّذين سَقط عَنْهُم الْأَمر وَالنَّهي الشَّرعيان، كَانَ مِنْ أشر أهل الكفر والإلحاد».
فبعضُ الصوفية وبعضُ أهل الكلام قد فَسَّروا (لا إله إلا الله) بأنه لا خالق إلا الله.
ويزعمُ أحدهم أن الخضر سقط عنه التكليف؛ لشهوده الإرادة، ويفرقون بين العامة والخاصة، وخلاصة قولهم: أنهم يرون أن العامة هم الذين لم يشهدوا الحقيقة الكونية شهودًا كافيًا، وأن الخاصة هم الذين شهدوا الحقيقة الكونية شهودًا كافيًا.
ووصفهم للمسلمين بأنهم (العامة) وصف انتقاص؛ لأنهم يقولون: إنهم الذين لم يصلوا إلى شهود الحقيقة الكونية، وهي- عندهم- أن يعلم أن الإنسان لا صفات له ولا أفعال له، وإنما الفاعل على الحقيقة هو الله، وأنه عبارة عن محل لفعل الله؛ مثل الإناء عندما يكون محلًّا للماء، وكالريشة التي يحركها الهواء، يعني: ليس فاعلًا فعلًا اختياريًّا، وإنما الله ﷿ هو الذي يحركه، والإنسان مسلوب الإرادة، مجبور على فعله.
ويترتب على هذا القول: أن القول الذي يقوله الإنسانُ ليس قولَه؛ بل هو قولُ الله، وأنَّ الفعل الذي يقوم به الإنسان ليس فعلَه، وإنما هو فعلُ الله.
ويترتب على هذا أيضًا: أنه بسبب شهوده لهذه الحقيقة تَسقط عنه التكاليف؛ لأنه لا فِعل له؛ فالتكليف يحصل عندما يكون للإنسان فِعل، ثم يحاسب على هذا
[ ٢ / ١١٥٠ ]
الفعل، ولكن إذا لم يكن له فعل؛ فكيف يحاسب عليه؟ وكيف يجازى على فعله مع أنه ليس هو فاعله حقيقة؟ وإنما الفعل الذي فيه هو فِعل الله؛ لذلك أسقطوا التكاليف الشرعية.
وهذا- لا شكَّ- قولٌ في غاية الكفر، والسبب هو: أنهم جعلوا هذه الأفعال القبيحة التي تَصدر عنهم من كفر أو فسق- هي فعل الله؛ فجَرَّدوا الإنسان من إرادته.
مع أنَّ هذا مخالف لحقيقة الإنسان في الدنيا الآن، ومخالف لشعوره، ومخالف للواقع الذي يعيشه، وهو أنَّ له إرادة وله عمل، وهو محاسب على إرادته وعمله، بالإضافة إلى النصوص المتوافرة من الكتاب والسنة المثبتة للإنسان إرادة ومشيئة واختيارًا وسعيًا وكسبًا.
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "وطائفة من أهل التصوف والمعرفة يقرّون هذا التوحيد مع إثبات الصفات، فيفنون في توحيد الربوبية مع إثبات الخالق للعالم المبائن لمخلوقاته.
وآخرون يضمّون هذا إلى نفي الصفات فيدخلون في التعطيل مع هذا. وهذا شرّ من حال كثير من المشركين".
الشرح
بعد أن ذكر المصنف قول المتصوفة في التوحيد عمومًا وأنهم يقتصرون فيه على توحيد الربوبية أو ما يسمى الفناء في ذات الله، أراد المصنف هنا أن يبين موقفهم من توحيد الأسماء والصفات وبين أن من انتسب إلى المتصوفة على قسمين فقسم منهم يقرون بتوحيد الأسماء والصفات فيثبتون أن الله مباين لخلقه متصف بصفات
[ ٢ / ١١٥١ ]
تخصه وتميزه عن غيره، وإن كانوا قد خالفوا في مفهوم التوحيد وقصروه على توحيد الربوبية،
والقسم الثاني من المتصوفة هم الذين ضموا لانحرافهم في مفهوم التوحيد انحرافهم في باب الصفات والمقصود بهم باطمية المتصوفة من الاتحادية كابن عربي وابن سبعين والعفيف التلمساني وابن الفارض وهؤلاء الاتحادية يجمعون بين النفي العام والإثبات العام فعندهم أن ذاته لا يمكن أن ترى بحال وليس له اسم ولا صفة ولا نعت، إذ هو الوجود المطلق الذي لا يتعين، وهو من هذه الجهة لا يرى ولا اسم له.
ويقولون: إنه يظهر في الصور كلها، وهذا عندهم هو الوجود الاسمي لا الذاتي، ومن هذه الجهة فهو يرى في كل شيء، ويتجلى في كل موجود، لكنه لا يمكن أن ترى نفسه، بل تارة يقولون كما يقول ابن عربي: ترى الأشياء فيه، وتارة يقولون يرى هو في الأشياء وهو تجليه في الصور، وتارة يقولون كما يقول ابن سبعين:
"عين ما ترى ذات لا ترى وذات لا ترى عين ما ترى".
وهم مضطربون لأن ما جعلوه هو الذات عدم محض، إذ المطلق لا وجود له في الخارج مطلقًا بلا ريب، لم يبق إلا ما سموه مظاهر ومجالي، فيكون الخالق عين المخلوقات لا سواها، وهم معترفون بالحيرة والتناقض مع ما هم فيه من التعطيل والجحود. (^١)
وقد تقدم الحديث عنهم بشكل مفصل في مواطن متعددة من هذا الشرح.
_________________
(١) -بغية المرتاد ص ٤٧٣.
[ ٢ / ١١٥٢ ]