المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "وهذا الدين هو دين الإسلام، الذي لا يقبل الله دينًا غيره، لا من الأولين ولا من الآخرين، فإن جميع الأنبياء على دين الإسلام، قال تعالى عن نوح: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ • فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس الآيات: ٧١ - ٧٢]، وقال عن إبراهيم: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ • إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ • وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة الآيات: ١٣٠ - ١٣٣]، وقال عن موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُّسْلِمِينَ﴾، وقال في خبر المسيح: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة الآية: ١١١]، وقال فيمن تقدم من الأنبياء: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة الآية: ٤٤]، وقال عن بلقيس أنها قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل الآية: ٤٤].
الشرح
فجميع الرسل قد أمروا بعبادة الله وحده، والرغبة إليه، والتوكل عليه وطاعتهم في ذلك، وهذا هو دين الإسلام الذي بعث الله به الأولين والآخرين من الرسل، وهو
[ ٢ / ١٠٦٤ ]
الدِّين الذي لا يقبل الله من أحد دينًا سواه، وهو حقيقة العبادة لربِّ العالمين.
وقد وردت نصوص كثيرة في القرآن تبين أن جميع الرسل ديانتهم هي الإسلام، ومن هذه النصوص ما يلي:
- قال تعالى عن نوح: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ • فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧١].
- وقال عن إبراهيم: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣١ - ١٣٣].
- وقال عن موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُّسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤].
- وقال في خبر المسيح: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة الآية: ١١١].
- وقال فيمن تقدم من الأنبياء: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾. [المائدة الآية: ٤٤].
- وقال عن بلقيس أنها قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل الآية: ٤٤].
فدين الأنبياء واحد، وإن كان لكل نبي شرعة ومنهاجٌ إلا أنهم متفقون على إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وهو عام في كل زمان ومكان، فمن لم يسلم لله
[ ٢ / ١٠٦٥ ]
﷿ واستكبر عن عبادته كان ممن قال الله فيه ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] لأن الله ﷿ قد أخذ الميثاق على جميع الأنبياء وعلى أممهم أن يؤمنوا بالرسول ﷺ لأن رسالته عامة إلى الثقلين الإنس والجن، وهو خاتم الرسل عليهم الصلاة والسلام، وقد أتى بالحنيفية السمحة كما صح عنه ﷺ، فمن لم يتبعه لم يكن على دين الله الذي رضيه لعباده ولم يكن مؤمنًا بأحد من أنبياء الله ورسله لأنهم أمة واحدة ودينهم واحد، فمن كفر بواحد منهم كان كافرًا بجميعهم وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ* وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥١ - ٥٢].
وقال تعالى ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢].
فبين أنهم أمة واحدة ودينهم واحد وإن اختلفت شرائعهم وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣].
فبين ﷾ أن دين هؤلاء جميعًا واحد وهو عبادة الله وحده لا شريك له فهو الدين الذي شرعه لرسله الأخيار المذكورين في الآية وهم صفوة الصفوة وأولوا العزم من الرسل فلو كان دينًا آخر خير منه لما شرع الله لهم هذا الدين الكامل الذي به سعادة الدنيا والأخرة.
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "فالإسلام يتضمن الاستسلام لله وحده، فمن استسلم له ولغيره كان مشركا، ومن لم يستسلم له كان مستكبرًا عن عبادته، والمشرك به والمستكبر عن عبادته كافر، والاستسلام له وحده يتضمن عبادته وحده وطاعته وحده".
[ ٢ / ١٠٦٦ ]
الشرح
حقيقة الإسلام هي: الاستسلام لله، ومعنى الاستسلام لله: الخضوع والتسليم له ﷻ، فأخبار الشرع حقها التصديق، وأوامر الشرع حقها الرضا بها والعمل بمقتضاها، ونواهي الشرع حقها القبول لها واجتنابها.
وبين المصنف أن ما يضاد الإسلام يعود في إصله إلى أمرين هما:
أولًا: الكبر.
ثانيًا: الشرك.
وتفصل ذلك
أما الكبر: فإن الاعتراض على ما ثبت أنه من دين الإسلام فأصله من الكبر ويوصل إلى الزندقة، وإبليس أول من فعل هذا، حينما أمره الله ﷾ بالسجود لآدم فاعترض وأَبَى أن يسجد، قال الله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٢، ١٣]، فأخرجه الله ﷿ من الجنة، ولعنه وطرده؛ لمَّا أظهر كِبره واستعلن بكفره، وكذلك كل من سار على دربه.
وفارق بين الاعتراض على الحكم وتركه كبرًا وجحودًا وبين الإذعان للحكم وتركه تهاونًا وكسلًا، فالأول كفر، والثاني معصية.
لخطورة الكبر قال رسولُ الله -ﷺ-: «لا يَدخل الجَنَّة مَنْ كان في قلبه مثقال ذَرَّة من كبر». فقال رجل: إنَّ الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة! قال: «إنَّ الله جميل يحبُّ الجمال، الكبرُ بَطَرُ الحقِّ، وغَمْطُ الناس» (^١)، فكَما أَنَّ النَّار لَا يُخَلَّد فِيهَا
_________________
(١) أخرجه مسلم (٩١) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
[ ٢ / ١٠٦٧ ]
ثانيا الشرك
مَنْ كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة من إِيمَان فكذلك لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر؛ إذ الكبرُ مناف للإيمَان؛ مباعد عن حَقِيقَةِ العُبُودِيَّة؛ لأنَّه مِنْ خصائص الربوبية.
وكل مَنْ استكبر عن عبادة الله ولم يكن الله منتهى حبه وإرادته، فلا بد أن يكون له مراد محبوب يستعبده غير الله؛ فيكون عبدًا ذليلًا لذلك المراد المحبوب، وسيذوق وبال ذلك في الدنيا والآخرة؛ قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].
وكلما كان الإنسان أعظم استكبارًا عن عبادة الله كان أعظم إشراكًا بالله؛ لأنه كلما استكبر عن عبادة الله ازداد فقرًا وحاجةً إلى مراده المحبوب الذي هو مقصود القلب بالقصد الأول؛ فيكون مشركًا بما استعبده من ذلك، ولهذا كان فرعون من أعظم الخلق استكبارًا عن عبادة الله وأشدهم إشراكًا وجحودًا؛ قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر: ٢٧]، إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥]، ومثل هذا في القرآن كثير.
وأما الشرك: فإن فهم هذا الأمر يتوقف على فهم موضوع المحبة فأصل المَحابِّ المحمودة: محبة الله تعالى، بل وأصل الإيمان والتوحيد، والنوعان الآخران تَبَعٌ لها.
كما أنَّ المحبةَ مع الله أصلُ الشرك، والمحاب المذمومة والنوعان الآخران تَبَعٌ لها (^١).
والمقصود بالمحبة الشرعية: محبة الله ﷾ ومحبة رسوله -ﷺ- وكل ما يدخل في
_________________
(١) راجع: «إغاثة اللهفان» (٢/ ١٤٠، ١٤١)، و«جامع الرسائل» (٢/ ٢٠٢).
[ ٢ / ١٠٦٨ ]
فَلَكها ويدور مع محورها.
فهذه المحبة مِنْ أعظم واجبات الإيمان وأكبر أصوله، بل ومن أوجب العِبادات المُناطة بقلب المؤمن، ذلك لأنَّه لابد في إيمان القلب من حب الله ورسوله، وأن يكون الله ورسوله -ﷺ- إليه مما سواهما.
فهي أصلُ كلِّ عمل من أعمال الإيمان والدِّين، كما أن التصديق به أصل كلِّ قول من أقوال الإيمان والدِّين؛ فإنَّ كل حركة في الوجود إنما تَصدر عن محبة؛ إمَّا عن محبة محمودة، أو عن محبة مذمومة.
فجميع الأعمال الإيمانية الدينية لا تَصدر إلا عن المحبة المحمودة، وأصل المحبة المحمودة: هي محبة الله ﷾؛ إذ العملُ الصادر عن محبة مذمومة لا يكون عملًا صالحًا عند الله، بل جميع الأعمال الإيمانية الدينية لا تصدر إلا عن محبة الله؛ فإنَّ الله تعالى لا يَقبل مِنْ العمل إلا ما أُريد به وجهه؛ كما ثبت في «الصَّحيح» عن النبي -ﷺ- فيما يَرويه عن ربِّه أنه قال: «أنا أغنى الشُّركاء عن الشرك؛ مَنْ عَمِل عملًا أَشرك فيه معي غيري تَرَكْتُه وشِرْكَه» (^١).
فإخلاصُ الدِّين لله هو الدِّين الذي لا يَقبل الله سواه، وهو الذي بَعث به الأَوَّلين والآخرين من الرُّسل، وأنزل به جميع الكتب، واتَّفق عليه أهلُ الإيمان.
وهذا هو خلاصةُ الدَّعوة النبوية، وهو قُطب القرآن الذي تدور عليه رَحاه (^٢)، فأصلُ الدِّين وقاعدته يتضمن أن يكون اللهُ هو المعبود الذي تحبه القلوب وتخشاه ولا يكون لها إله سواه، والإله: ما تألهه القلوب بالمحبة والتعظيم والرجاء والخوف والإجلال والإعظام ونحو ذلك.
_________________
(١) أخرجه مسلم في «صحيحه»، كتاب (الزهد)، باب (مَنْ أشرك في عمله غير الله) (٨/ ٢٢٣).
(٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (١٢/ ٤٨، ٤٩).
[ ٢ / ١٠٦٩ ]
والله سبحانه أرسل الرسل بأنه لا إله إلا هو؛ فتَخلو القلوب عن محبة ما سواه بِمَحَبَّته، وعن رجاء ما سواه برجائه، وعن سؤال ما سواه بسؤاله، وعن العمل لما سواه بالعمل له، وعن الاستعانة بما سواه بالاستعانة به (^١).
فإذا كان أصلُ العمل الديني هو إخلاص الدين لله، وهو إرادة الله وحده فالشيء المراد لنفسه هو المحبوب لذاته، وهذا كمال المحبة، ولكن أكثر ما جاء المطلوب باسم العبادة؛ كقوله تعالى: ﴿ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات الآية: ٥٦]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ والَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة الآية: ٢١]، وأمثال هذا.
والعبادة تتضمن كمال الحب ونهايته، وكمال الذل ونهايته، فالمحبوب الذي لا يُعَظَّم ولا يُذَلُّ له لا يكون معبودًا، والمُعَظَّم الذي لا يُحَبُّ لا يكون معبودًا، ولهذا قال تعالى: ﴿ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ والَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ﴾ [البقرة الآية: ١٦٥].
فبَيَّن- سبحانه- أنَّ المشركين بربهم الذين يتخذون من دون الله أندادًا وإن كانوا يُحبونهم كما يحبون الله، فالذين آمنوا أشدُّ حُبًّا لله منهم لله ولأوثانهم؛ لأنَّ المؤمنين أعلم بالله، والحب يَتبع العِلم، ولأن المؤمنين جعلوا جميع حُبِّهم لله وحده، وأولئك جعلوا بعضَ حُبِّهم لغيره، وأشركوا بينه وبين الأنداد في الحب، ومعلوم أن ذلك أكمل؛ قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر الآية: ٢٩].
واسم المحبة فيه إطلاق وعموم؛ فإنَّ المؤمن يحب الله ويحب رُسلَه وأنبياءه وعبادَه المؤمنين، وإن كان ذلك من محبة الله، وإن كانت المحبة التي لله لا يستحقُّها غيرُه. ولهذا جاءت محبة الله ﷾ مَقرونة بما يختص به سبحانه من العبادة والإنابة إليه
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (١١/ ٥٢٣، ٥٢٤).
[ ٢ / ١٠٧٠ ]
والتبتُّل له، ونحو ذلك. فكل هذه الأسماء تتضمن محبة الله ﷾.
وكما أنَّ محبته هي أصلُ الدِّين، فكذلك كمال الدين يكون بكمالها ونقصه بنقصها (^١).
وكمال هذه المحبة هو بالعبودية والذل والخضوع والطاعة للمحبوب ﷾؛ فالحق الذي خُلِق به ولأجله الخلقُ: هو عبادة الله وحده التي هي كمال محبته والخضوع والذل له، ولوازم عبوديته من الأمر والنهي والثواب والعقاب، ولأجل ذلك أرسل الرسلَ، وأنزل الكتبَ، وخَلَقَ الجَنَّةَ والنارَ (^٢).
وقد بين الله ﷿ أنه قد خلقَ الناس للابتلاء؛ فقال جل وعلا: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَيَاةَ لِيَبْلُوكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك الآية: ٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف الآية: ٧]، وقال سبحانه: ﴿وهُو الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ والأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ لِيَبْلُوكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود الآية: ٧].
فأخبر جل وعلا في هذه الآيات أنَّ خلق العالم والموت والحياة وتَزَيُّنَ الأرض بما عليها: أنه للابتلاء والامتحان؛ ليختبر خلقه أيهم أحسن عملًا، فيكون عمله موافقًا لمحابِّ الرب تعالى، فيوافق الغاية التي خُلِق هو لها وخلق لأجلها العالَم، وهي عبوديته المتضمنة لمحبَّته وطاعته، وهي العمل الأحسن وهو مواقع محبته ورضاه، وقَدَّر سبحانه مقادير تُخالفها بحكمته في تقديرها، وامتحن خلقَه بين أَمْرِه وقَدَرِه؛ ليَبلوهم أيُّهم أحسن عملًا.
وأصل الشرك الذي لا يَغفره الله هو الشرك في هذه المحبة؛ فإنَّ المشركين لم يزعموا أنَّ آلهتهم وأوثانهم شاركت الربَّ سبحانه في خلق السموات والأرض، وإنَّما
_________________
(١) انظر: «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٥٦، ٥٧).
(٢) انظر: «روضة المحبين» (ص ٥٩).
[ ٢ / ١٠٧١ ]
كان شِركهم بها من جهة محبتها مع الله؛ فَوَالَوْا عليها وعادوا عليها وتألَّهوها، وقالوا: هذه آلهة صِغار تُقَرِّبنا إلى الإله الأعظم؛ قال تعالى: ﴿ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ والَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّه﴾ [البقرة الآية: ١٦٥]، وهذا منهم كحال عبادتهم لهم؛ قال ﷻ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ [الزمر الآية: ٣].
ففرق بين محبة الله أصلًا، والمحبة له تبعًا، والمحبة معه شركًا، وعليك بتحقيق هذا الموضع فإنه مَفرق الطرق بين أهل التوحيد وأهل الشرك (^١).
أقسام المحبة مِنْ حيث العموم:
تنقسم المحبة من حيث العموم إلى قسمين: (المحبة المشتركة والمحبة الخاصة).
القسم الأول: المحبة المشتركة.
وهي ثلاثة أنواع:
أحدها: محبَّة طبيعية؛ كمحبة الجائع للطعام، والظمآن للماء، ونحو ذلك، وهذه لا تَستلزم التعظيم.
الثاني: محبَّة رحمة وإشفاق؛ كمحبَّة الوالد لولده الطفل، وهذه- أيضًا- لا تستلزم التعظيم.
الثالث: محبة أُنس وإِلْف، وهي محبة المشتركين في صناعة أو عِلم أو مُرافقة أو تجارة أو سفر لبعضهم بعضًا، وكمحبة الإخوة بعضهم بعضًا.
فهذه الأنواع الثلاثة التي تَصلح للخَلْق؛ بعضهم من بعض، ووجودها فيهم
_________________
(١) انظر: «روضة المحبين» (ص ٢٩٣).
[ ٢ / ١٠٧٢ ]
لا يكون شِرْكًا في محبة الله، ولهذا كان رسول الله -ﷺ- يحبُّ الحلواء والعَسل (^١)، وكان يحبُّ نِساءه (^٢)، وعائشة أحبُّهن إليه، وكان يُحِبُّ أصحابَه، وأحبهم إليه الصِّدِّيق ﵁ (^٣).
القسم الثاني: المحبة الخاصَّة التي لا تَصلح إلا لله.
ومتى أحبَّ العبدُ بها غيرَه، كان شركًا لا يَغفره الله، وهي محبة العبودية المستلزمة للذل والخضوع والتعظيم، وكمال الطاعة، وإيثاره على غيره.
فهذه المحبة لا يجوز تعلقها بغير الله أصلًا (^٤)، بل يجب إفرادُ الله بهذه المحبة الخاصة التي هي توحيد الإلهية، بل الخلق والأمر والثواب والعقاب إنما نشأ عن المحبة ولأجلها، فهي الحقُّ الذي خُلقت به السموات والأرض، وهي الحق الذي تضمنه الأمر والنهي، وهي سِرُّ التأله، وتوحيدها: هو شهادة أن لا إله إلا الله.
وليس كما يزعم المنكرون: أن الإله هو الربُّ الخالق؛ فإن المشركين كانوا مُقِرِّين بأنه لا رب إلا الله ولا خالق سواه، ولم يكونوا مُقرين بتوحيد الإلهية الذي هو حقيقة لا إله إلا الله، فإن الإله الذي تألهه القلوب حُبًّا وذُلًّا وخوفًا ورجاء وتعظيمًا وطاعة.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٤٣١) ومسلم (١٤٧٤) من حديث عائشة ﵂. وقال القاضي عياض عن هذا الحديث: هذا «حُجَّةٌ فى استعمال مباحات الدنيا، وأكل لذيذ الأطعمة. والحلواء هنا: كل طعام مُستحلى». «إكمال المُعْلِم بفوائد مُسْلِم» (٥/ ٢٨).
(٢) أخرج النسائي (٣٩٣٩) عن أنس؟ قال: قال رسول الله -ﷺ-: «حُبِّب إليَّ من الدنيا: النِّساء والطِّيب، وجُعل قُرَّة عَيني في الصلاة». وحسنه الألباني في «المشكاة» (٥٢٦١).
(٣) أخرج البخاري (٣٦٦٢) ومسلم (٢٣٨٤) عن عمرو بن العاص؟ أنه قال: أيُّ الناس أحبُّ إليك؟ قال: «عائشة». فقلت: مِنْ الرجال؟ فقال: «أبوها». قلت: ثم مَن؟ قال: «ثم عمر بن الخطاب»، فعَدَّ رجالًا».
(٤) انظر: «تيسير العزيز الحميد» (ص ٤١١).
[ ٢ / ١٠٧٣ ]
وإله بمعنى مألوه، أي: محبوب معبود، وأصله من التأله، وهو التعبُّد الذي هو آخر مَراتب المحبة، فالمحبة حقيقة العبودية (^١)، وسيأتي مزيد تفصيل لهذا القسم.
وتنقسم المحبة باعتبار متعلقها ومحبوبها إلى قسمين: (نافعة محمودة. مذمومة ضارة).
القسم الأول: المحبة النافعة
وهي التي تجلب لصاحبها ما ينفعه وهو السعادة وهي ثلاثة أنواع:
أ- محبة الله.
ب- محبة في الله.
ج- محبةُ ما يُعين على طاعة الله واجتناب معصيته.
فيحبُّ الله تعالى حبًّا لا يُشاركه فيه أحد، ويكون الله ﷿ هو المحبوب المراد الذي لا يُحب لذاته ولا يُراد لذاته إلا هو، وهو المحبوب الأعلى الذي لا صَلاح للعبد ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا بأن يكون هو محبوبه ومراده وغاية مطلوبه. وتكون هذه المحبة مُستلزمة لما يتبعها من عبادته تعالى وخضوعه له، وتعظيمه ﷿.
والمحبة في الله: بأن يحب المؤمنين لا يحبهم إلا لله، ويكون هواه تبعًا لحبِّ الله تعالى ورضاه؛ فلا يُحب إلا ما يحبه اللهُ تعالى.
ومحبةُ ما يُعين على طاعة الله أنواعٌ كثيرة تَندرج فيها جميع العبادات.
القسم الثاني: المحبة الضارَّة:
وهي المحبة المَذمومة التي تَجلب لصاحبها ما يضرُّه، وهو الشقاء.
وهي ثلاثة أنواع أيضًا:
_________________
(١) انظر: «مدارج السالكين» (٣/ ٢٠)، و«روضة المحبين» (ص ٥٩)، و«تيسير العزيز الحميد» (ص ٤١٢).
[ ٢ / ١٠٧٤ ]
النوع الأول: المحبة مع الله. ومنها: محبة المشركين آلهتهم كحبِّ الله.
النوع الثاني: محبة ما يُبغضه الله. ومنها: محبة الفواحش والمنكرات التي يُبغضها الله.
النوع الثالث: محبة ما تَقطع محبته عن محبة الله تعالى أو تنقصها. ومنها: عِشق النساء الذي يزيد عن حَدِّه حتى يُضيع الأوامر ويُدخل في النواهي، وفي مقدمة ذلك عِشق الفاسقات والعاهرات والوِلْدَان.
فهذه سِتَّةُ أنواع عليها مدارُ محابِّ الخلق.
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "وهذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله غيره".
الشرح
يتكلم المصنف عن الإسلام بمفهومه العام وهو المقصود بقول الله ﷿: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران الآية: ١٩. [
فيخبر ﷿ أنه لا دين مقبول عنده إلا الإسلام، الذي هو الإذعان والاستسلام والخضوع لله تعالى، وعبادته وحده، والإيمان به وبرسله وبما جاءوا به من عند الله، مع كون هذا الإسلام لا يمنع أن يكون لكل رسول شرعة ومنهاجًا، حتى ختمهم بمحمد ﷺ، فأرسله للناس كافة، فلا يقبل الله من أحد دينا بعده إلا الإسلام، الذي جاء به ﷺ وهذا هو الإسلام الخاص.
فدين الأنبياء واحد، وإن تنوعت شرائعهم، فالمؤمنون من أتباع الأنبياء السابقين كلهم كانوا مسلمين بالمعنى العام، يدخلون الجنة بإسلامهم، فإذا أدرك أحدهم مبعث النبي ﷺ، لم يقبل منه إلا اتباعه.
[ ٢ / ١٠٧٥ ]
قال قتادة في تفسير الآية: "الإسلام: شهادة أنّ لا إله إلا الله، والإقرار بما جاء به من عند الله، وهو دين الله الذي شرع لنفسه، وبعث به رسله، ودلّ عليه أولياءه، لا يقبل غيرَه ولا يجزى إلا به".
وقال أبو العالية: "الإسلام: الإخلاص لله وحده، وعبادته لا شريك له". (^١)
وقال ابن كثير ﵀: قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران الآية: ١٩. [إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ لَا دِينَ عِنْدَهُ يَقْبَلُهُ مِنْ أَحَدٍ سِوَى الْإِسْلَامِ، وَهُوَ اتِّبَاعُ الرُّسُلِ فِيمَا بَعَثَهُمُ اللَّهُ بِهِ فِي كُلِّ حِينٍ، حَتَّى خُتِمُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، الَّذِي سَدَّ جَمِيعَ الطُّرُقِ إِلَيْهِ إِلَّا مِنْ جِهَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَمَنْ لَقِيَ اللَّهَ بَعْدَ بِعْثَتِهِ مُحَمَّدًا ﷺ بدِين عَلَى غَيْرِ شَرِيعَتِهِ، فَلَيْسَ بِمُتَقَبَّلٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران الآية: ٨٥ [وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُخْبِرًا بِانْحِصَارِ الدِّينِ الْمُتَقَبَّلِ عِنْدَهُ فِي الْإِسْلَامِ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ] آل عمران الآية: ١٩.]. (^٢) ﴿
وقال ابن الجوزي ﵀": قال الزجاج: الدين: اسم لجميع ما تعبد الله به خلقه، وأمرهم بالإقامة عليه، وبه يجزيهم.
وقال شيخنا علي بن عبيد الله: الدين: ما التزمه العبد لله ﷿.
وقال ابن قتيبة: الإسلام الدخول في السلم، أي: في الانقياد والمتابعة، ومثله الاستسلام، يقال: سلم فلان لأمرك، واستسلم، وأسلم " (^٣)
وَدِينُ الْإِسْلَامِ هُوَ دِينُ الْأَوَّلِينَ والآخرين مِنْ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران الآية: ٨٥]، عَامٌّ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ.
_________________
(١) "تفسير الطبري" (٦/ ٢٧٥ (.
(٢) "تفسير ابن كثير" (٢/ ٢٥).
(٣) "زاد المسير" (١/ ٢٦٧).
[ ٢ / ١٠٧٦ ]
فَنُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَيَعْقُوبُ وَالْأَسْبَاطُ وَمُوسَى وَعِيسَى وَالْحَوَارِيُّونَ كُلُّهُمْ دِينُهُمْ الْإِسْلَامُ الَّذِي هُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ نُوحٍ: ﴿يَا قَوْمِ إنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ [يونس الآية: ٧١ [إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس الآية: ٧٢]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ إلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة الآية: ١٣٠]، ﴿إذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة الآية: ١٣١ [﴿وَوَصَّى بِهَا إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [البقرة الآية: ١٣٢]، وَقَالَ السَّحَرَةُ: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف الآية: ١٢٦]، وَقَالَ يُوسُفُ ﵇ ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف الآية: ١٠١]، وَقَالَتْ بلقيس: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل الآية: ٤٤]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة الآية: ٤٤]، وَقَالَ الْحَوَارِيُّونَ ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران الآية: ٥٢].
فَدِينُ الْأَنْبِيَاءِ وَاحِدٌ وَإِنْ تَنَوَّعَتْ شَرَائِعُهُمْ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ " ﴿إنَّا مَعْشَرُ الْأَنْبِيَاءِ دِينُنَا وَاحِدٌ﴾ قَالَ تَعَالَى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إلَيْهِ﴾ [الشورى الآية: ١٣]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون الآية: ٥١]، ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون الآية: ٥٢]، ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون الآية: ٥٣]،.
[ ٢ / ١٠٧٧ ]
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "وذلك إنما يكون بأن يطاع في كل وقت بفعل ما أمر به في ذلك الوقت، فإذا أمر في أول الأمر باستقبال الصخرة، ثم أمر ثانيا باستقبال الكعبة، كان كل من الفعلين حين أمر به داخلا في دين الإسلام، فالدين هو الطاعة والعبادة له في الفعلين، وإنما تنوّع بعض صور الفعل وهو وجهة المصلِّي، فكذلك الرسل دينهم واحد، وإن تنوعت الشرعة والمنهاج والوجهة والمنسك، فإن ذلك لا يمنع أن يكون الدِّين واحدا، كما لم يمنع ذلك في شرعة الرسول الواحد".
الشرح
قال الله سبحانه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة الآية: ٤٨].
قال ابن جرير الطبري: "لكل قوم منكم جعلنا طريقًا إلى الحق يؤمُّه، وسبيلًا واضحًا يعمل به.
قال قتادة: قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ يقول: سبيلًا وسُنّة.
والسنن مختلفة: للتوراة شريعة، وللإنجيل شريعة، وللقرآن شريعة، يحلُّ الله فيها ما يشاء، ويحرِّم ما يشاء بلاءً، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه. ولكن الدين الواحد الذي لا يقبل غيره: التوحيدُ والإخلاصُ لله، الذي جاءت به الرسل. وعن علي قال: الإيمان منذُ بَعث الله تعالى ذكره آدم ﷺ: شهادةُ أن لا إله إلا الله، والإقرار بما جاء من عند الله، لكلّ قوم ما جاءَهم من شرعة أو منهاج" (^١)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أصل الدين الذي هو دين الإسلام واحد، وإنما تنوعت الشرائع؛ قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد" "الأنبياء إخوة
_________________
(١) تفسير الطبري (١٠/ ٣٨٤ - ٣٨٥).
[ ٢ / ١٠٧٨ ]
لعلات" "وأنا أولى الناس بابن مريم، فإنه ليس بيني وبينه نبي" فدينهم واحد، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وهو يعبد في كل وقت بما أمر به في ذلك الوقت، وذلك هو دين الإسلام في ذلك الوقت.
وتنوع الشرائع في الناسخ والمنسوخ من المشروع كتنوع الشريعة الواحدة، فكما أن دين الإسلام الذي بعث الله به محمدا ﷺ هو دين واحد، مع أنه قد كان في وقت يجب استقبال بيت المقدس في الصلاة، كما أمر المسلمون بذلك بعد الهجرة ببضعة عشر شهرا، وبعد ذلك يجب استقبال الكعبة، ويحرم استقبال الصخرة فالدين واحد وإن تنوعت القبلة في وقتين من أوقاته، فهكذا شرع الله تعالى لبني إسرائيل السبت، ثم نسخ ذلك وشرع الجمعة، فكان الاجتماع يوم السبت واجبًا إذ ذاك، ثم صار الواجب هو الاجتماع يوم الجمعة، وحرم الاجتماع يوم السبت. فمن خرج عن شريعة موسى قبل النسخ لم يكن مسلما، ومن لم يدخل في شريعة محمد ﷺ بعد النسخ لم يكن مسلما" (^١).
"ققد يشرع الله في وقت أمرًا لحكمة، ثم يشرع في وقت آخر أمرًا لحكمة، فالعمل بالمنسوخ، قبل نسخه: طاعة لله، وبعد النسخ يجب العمل بالناسخ، فمن تمسك بالمنسوخ وترك الناسخ؛ ليس هو على دين الإسلام، ولا هو متبع لأحد من الأنبياء، ولهذا كفر اليهود والنصارى؛ لأنهم تمسكوا بشرع مبدل منسوخ.
والله تعالى يشرع لكل أمة ما يناسب حالها ووقتها، ويكون كفيلًا بإصلاحها، متضمنا لمصالحها، ثم ينسخ الله ما يشاء من تلك الشرائع لانتهاء أجلها، إلى أن بعث نبيه محمدًا خاتم النبيين إلى جميع الناس على وجه الأرض، وعلى امتداد الزمن إلى
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٣٧٨ - ٣٧٩.
[ ٢ / ١٠٧٩ ]
يوم القيامة، وشرع له شريعة شاملة صالحة لكل زمان ومكان؛ لا تبدل ولا تنسخ؛ فلا يسع جميع أهل الأرض إلا اتباعه والإيمان به ﷺ: قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف الآية: ١٥٨ [" (^١).
_________________
(١) "الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد" (ص: ١٩٤).
[ ٢ / ١٠٨٠ ]