المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "وإنما دين الله ما بعث به رسله، وأنزل به كتبه، وهو الصراط المستقيم، وهو طريق أصحاب رسول الله -ﷺ-، خير القرون، وأفضل الأمة، وأكرم الخلق على الله بعد النبيين، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة الآية: ١٠٠]، فرضي عن السابقين الأولين رضاء مطلقًا، ورضي عن التابعين لهم بإحسان، وقد قال النبي -ﷺ- في الأحاديث الصحيحة: «خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم».
وكان عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: "من كان منكم مُسْتنّا فليستنّ بمن قد مات، فإن الحيّ لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد -ﷺ-، أبرّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه -ﷺ-، وإقامة دينه؛ فاعرفوا لهم حقَّهم، وتَمَسَّكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم" (^١). وقال حذيفة بن اليمان ﵁: يا معشر القراء استقيموا وخُذوا طريق مَنْ كان قبلكم، فوالله لئن اتبعتموهم لقد سبقتم سبقًا بعيدًا، ولأن أخذتُم يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا.
وقد قال عبد الله بن مسعود ﵁: خَطَّ لنا رسول الله -ﷺ- خطًا، وخَطَّ خطوطًا عن يمينه وشماله، ثم قال: «هذا سبيل الله وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان
_________________
(١) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ٩٦)
[ ٢ / ١٣٦٠ ]
يدعو إليه، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الآنعام الآية: ١٥٣]).
وقد أمرنا ﷾ أن نقول في صلاتنا: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ • صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة الآيات: ٦ - ٧ [قال النبي -ﷺ-: «اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون»، وذلك أن اليهود عرفوا الحق ولم يتبعوه، والنصارى عبدوا الله بغير علم.
ولهذا كان يقال: تعوذوا بالله من فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون. وقال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه الآية: ١٢٣]، قال ابن عباس ﵄: "تكفّل الله لمن قرأ القرآن، وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة"، وقرأ هذه الآية.
وكذلك قوله ﵎: ﴿الم • ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ • الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ • والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ • أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة الآية: ١ إلى ٤]، فأخبر ﷾ أن هؤلاء مهتدون مفلحون، وذلك خلاف المغضوب عليهم والضالين.
فنسأل الله العظيم أن يهدينا وسائر إخواننا صراطه المستقيم: صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على خير خلقه عبده ورسوله محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين".
الشرح
شرع المصنف هنا في ذكر خاتمة هذا الكتاب في بيان فضل التمسك بما كان عليه السلف الصالح وعلى رأسهم الصحابة رضوان الله عليهم، ومن اتبعهم بإحسان.
[ ٢ / ١٣٦١ ]
فأهل السنة يتميزون باعتقادهم أن الصحابةَ-رضوان الله عليهم-لم يكن أحدٌ منهم على بدعة.
وما عُرفوا بذلك برغمِ ظهورِ بعض الفرقِ في زمانهم كالخوارجِ والقَدَرِيَة والشيعةِ ونحو ذلك، ومع ذلك ما عُرِفَ عن أحدٍ من أصحاب النبي أنه قد حادَ عن هذا الطريق.
ونؤمنُ بأن أصحابَ النبي كما وصفهم ابن مسعود حينما قال: "من كانَ مُسْتَنًّا، فَلْيَسْتَنَّ بمن قد ماتَ، فإنَّ الحيَّ لا تؤمن عليه الفتنة"، وكما أُثِر عنه حيث قال: "إنا نقتدي ولا نبتدئ، ونتبعُ ولا نبتدع (^١). "
فأصحابُ النبي خيرُ هذه الأمة، والله تعالى قد زكَّاهم في كتابه وأمرَ بلزومِ سبيلهم حيث قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة الآية: ١٠٠]، فرضيَ الله عن السابقين من المهاجرين والأنصار رضاءً مطلقا بدونِ قيد، ورضيَ عنهم بعدهم رضاءً مقيَّدًا .. مقيَّدًا بأي أمر؟ باتباعهم بإحسان ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ﴾.
ونهى الله ﷾ عن الافتراقِ عنهم ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء الآية: ١١٥].
نهى عن الافتراقِ عن هذا الطريقِ وهذا السبيل، والمعالم بحمد لله تعالى واضحة، مرجعيةٌ استقامَ عليها الأوائل وحفظوها لنا بأسانيدها الصحيحةِ الثابتة ونقلوها لنا، وأصبحت-بحمد الله تعالى-ميراثًا سليمًا من كل بدعةٍ ومن كل شائبة يتوارثه أهل السنَّةِ جيلًا بعدَ جيل، وينقله الخيارُ من هذه الأمة، ينقله ورثةُ الأنبياء
_________________
(١) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ٩٦)
[ ٢ / ١٣٦٢ ]
لكلِّ جيلٍ من هذه الأجيال.
فلذلك لا عجبَ أن يتسمَ هذا المنهج بثباته وعدمِ اضطرابه، ولا عجبَ أن يتسمَ هذا المنهج بلزومِ كلام الله وبلزومِ كلام رسوله، ولا عجبَ أن يستمرَ هذا الإسناد محفوظًا جيلًا بعدَ جيل.
فهذه هي مرجعيةُ أهل السنَّة التي بحمد الله تعالى نُقلِت لنا في كتبِ الاعتقاد، ولزِمَها أهلُ السنَّةِ على مدى هذه الأزمانِ وعلى هذه الأعصار.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «والواجب على كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله أن يكون أصل قصده توحيد الله بعبادته وحده لا شريك له، وطاعة رسوله، يدور على ذلك، ويتبعه أين وجده، ويعلم أن أفضل الخلق بعد الأنبياء هم الصحابة، فلا ينتصر لشخصٍ انتصارًا مطلقًا عامًا، إلا لرسول الله ﷺ، ولا لطائفة انتصارًا مطلقًا عامًا، إلا للصحابة ﵃ أجمعين.
فإن الهدى يدور مع الرسول حيث دار، ويدور مع أصحابه دون أصحاب غيره حيث داروا؛ فإذا أجمعوا لم يجمعوا على خطأ قط، بخلاف أصحاب عالم من العلماء فإنهم قد يجمعون على خطأ، بل كل قولٍ قالوه ولم يقله غيرهم من الأمة لا يكون إلا خطأ؛ فإن الدين الذي بعث الله به رسوله ليس مُسَلَّمًا إلى عالِمٍ واحدٍ وأصحابه، ولو كان كذلك لكان ذلك الشخص نظيرًا لرسول الله ﷺ وهو شبيه بقول الرافضة في الإمام المعصوم.
ولا بد أن يكون الصحابة والتابعون يعرفون ذلك الحق الذي بعث الله به الرسول، قبل وجود المتبوعين الذين تُنسب إليهم المذاهب في الأصول والفروع، ويمتنع أن يكون هؤلاء جاءوا بحق يخالف ما جاء به الرسول، فإن كل ما خالف الرسول فهو باطل، ويمتنع أن يكون أحدهم علم من جهة الرسول ما يخالف
[ ٢ / ١٣٦٣ ]
الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فإن أولئك لم يجتمعوا على ضلالة، فلابد أن يكون قوله إن كان حقًّا مأخوذًا عمَّا جاء به الرسول، موجودًا فيمن قبله، وكل قول قِيلَ في دين الإسلام، مخالف لما مضى عليه الصحابة والتابعون، لم يقله أحد منهم بل قالوا خلافه، فإنه قول باطل (^١).
قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة الآية: ١٠٠]
وقال أيضًا: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر الآية: ١٠].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «فقد تبين أن الواجب طلب علم ما أنزل الله على رسوله ﷺ من الكتاب والحكمة، ومعرفة ما أراد بذلك كما كان على ذلك الصحابة والتابعون لهم بإحسان، ومن سلك سبيلهم، فكل ما يحتاج الناس إليه في دينهم، فقد بينه الله ورسوله بيانا شافيا، فكيف بأصول التوحيد والإيمان، ثم إذا عرف ما بينه الرسول نظر في أقوال الناس، وما أرادوه بها، فعرضت على الكتاب والسنة» (^٢).
وأصحاب النبي -ﷺ- هم أفضل الأمة على الإطلاق، ومحبتهم من كمال الإيمان، وبغضهم والوقيعة فيهم من علامات أهل البدع، وقد وردت نصوص كثيرة تبين فضل أصحاب النبي -ﷺ-، ومن هذه النصوص ما يلي:
_________________
(١) منهاج السنة ج ٥/ ٢٦١ - ٢٦٣.
(٢) مجموع الفتاوى ٤٤٣/ ١٧.
[ ٢ / ١٣٦٤ ]
ومن الأدلة على فضل الصحابة من القرآن الكريم:
- قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة الآية: ١٠٠].
- وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح الآية: ٢٩].
أدلة فضل الصحابة من السنة النبوية:
- عن أبي موسى ﵁، قَالَ: صَلَّيْنَا الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، ثُمَّ قُلْنَا: لَوْ جَلَسْنَا حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَهُ الْعِشَاءَ قَالَ فَجَلَسْنَا، فَخَرَجَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: «مَا زِلْتُمْ هَاهُنَا؟» قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ صَلَّيْنَا مَعَكَ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ قُلْنَا: نَجْلِسُ حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَكَ الْعِشَاءَ، قَالَ «أَحْسَنْتُمْ أَوْ أَصَبْتُمْ» قَالَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَكَانَ كَثِيرًا مِمَّا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ» (^١).
- وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، قَالَ: " يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: فِيكُمْ مَنْ رَأَى رَسُولَ اللهِ -ﷺ-؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ صَحِبَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ
_________________
(١) أخرجه مسلم كتاب فضائل الصحابة باب بيان أن بقاء النبي -ﷺ- أمان لأصحابه، وبقاء أصحابه أمان للأمة (٤/ ١٩٦١ رقم ٢٥٣١).
[ ٢ / ١٣٦٥ ]
صَحِبَ مَنْ صَحِبَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ" (^١).
- وعن عبد الله بن مسعود ﵁، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ -ﷺ- أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: " قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ: تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ " (^٢).
- وعن عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: " خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ- قَالَ عِمْرَانُ: فَمَا أَدْرِي: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- بَعْدَ قَوْلِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا- ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذُرُونَ وَلَا يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ " (^٣).
- وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ، ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلَا نَصِيفَهُ» (^٤).
أدلة فضل الصحابة من أقوال السلف:
- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: " إِنَّ اللهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَوَجَدَ قَلْبَ
_________________
(١) أخرجه البخاري كتاب أصحاب النبي -ﷺ- باب فضائل أصحاب النبي -ﷺ- (٥/ ٢ رقم ٣٦٤٩). وأخرجه مسلم كتاب فضائل الصحابة باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم (٤/ ١٩٦٢ رقم ٢٥٣٢).
(٢) أخرجه البخاري كتاب القدر باب إذا قال: أشهد بالله، أو شهدت بالله (٨/ ١٣٤ رقم ٦٦٥٨). وأخرجه مسلم كتاب فضائل الصحابة باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم (٤/ ١٩٦٢ رقم ٢٥٣٣).
(٣) أخرجه البخاري كتاب أصحاب النبي -ﷺ- باب فضائل أصحاب النبي -ﷺ- (٥/ ٢ رقم ٣٦٥٠). وأخرجه مسلم كتاب فضائل الصحابة باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم (٤/ ١٩٦٤ رقم ٢٥٣٥).
(٤) أخرجه البخاري كتاب أصحاب النبي -ﷺ- باب قول النبي -ﷺ-: «لو كنت متخذا خليلًا» (٥/ ٨ رقم ٣٦٧٣). وأخرجه مسلم كتاب فضائل الصحابة ٥٤ - باب تحريم سب الصحابة ﵃ (٤/ ١٩٦٧ رقم ٢٥٤٠).
[ ٢ / ١٣٦٦ ]
مُحَمَّدٍ -ﷺ- خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ، فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ، فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ، يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ، فَمَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا، فَهُوَ عِنْدَ اللهِ حَسَنٌ، وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللهِ سَيِّئٌ " (^١).
- وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: "مَنْ كَانَ مُسْتَنًّا فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ، أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ -ﷺ-، كَانُوا خَيْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ، أَبَرَّهَا قُلُوبًا، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، قَوْمٌ اخْتَارَهُمُ اللَّهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ -ﷺ-، وَنَقْلِ دِينِهِ، فَتَشَبَّهُوا بِأَخْلاقِهِمْ وَطَرَائِقِهِمْ، فَهُمْ كَانُوا عَلَى الْهَدْيِ الْمُسْتَقِيمِ" (^٢).
- وقال الشعبي: قيل لليهود: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى وقيل للنصارى: من خير أهل ملتكم قالوا: أصحاب عيسى، وقيل للرافضة: من شر أهل ملتكم قالوا: أصحاب محمد. لم يستثنوا إلا القليل، وفيمن سبوهم من هو خير ممن استثنوهم بأضعاف مضاعفة" (^٣).
- وقال الإمام مالك بن أنس: "من يبغض أحدًا من أصحاب النبي -ﷺ- وكان في قلبه عليهم غل، فليس له حق في فيء المسلمين ثم قرأ قول الله ﷾ ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر الآية: ٧]، إلى قوله ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر الآية: ١٠]، وذكر بين يديه رجل ينتقص أصحاب رسول الله -ﷺ- فقرأ هذه الآية: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ إلى قوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح الآية: ٢٩].، ثم قال: من أصبح من الناس في قلبه غل على أحد من أصحاب النبي ﵊ فقد أصابته
_________________
(١) أخرجه أحمد بسند حسن (٦/ ٨٤ رقم ٣٦٠٠).
(٢) حلية الأولياء لأبي نعيم (١/ ٣٠٥). وشرح السنة للبغوي (١/ ٢١٤).
(٣) شرح أصول الاعتقاد للإمام اللالكائي (٨/ ١٥٤٩).
[ ٢ / ١٣٦٧ ]
الآية" (^١).
- وقال الطحاوي ﵀: "ونحب أصحاب رسول الله -ﷺ- ولا نفرط في حب أحد منهم ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الحق يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان" (^٢).
- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله -ﷺ- كما وصفهم الله به في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر الآية: ١٠]، وطاعة للنبي -ﷺ- في قوله: «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (^٣).
وأهل السنة يتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل، ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كاذب ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون إما مجتهدون مصيبون وإما مجتهدون مخطئون وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة ولهم
_________________
(١) شرح السنة للبغوي (١/ ٢٢٩).
(٢) العقيدة الطحاوية (ص: ٨١).
(٣) العقيدة الواسطية (ص: ١١٥).
[ ٢ / ١٣٦٨ ]
من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر حتى إنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات.
ورحم الله القحطاني حين قال:
قل خير قول في صحابة أحمد … وامدح جميع الآل والنسوان
دع ما جرى بين الصحابة في الوغى … بسيوفهم يوم التقى الجمعان
فقتيلهم منهم وقاتلهم لهم … وكلاهما في الحشر مرحومان
والله يوم الحشر ينزع كل ما … تحوي صدورهم من الأضغان (^١).
تم شرح التدمرية
والحمد لله رب العالمين
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
_________________
(١) نونية القحطاني (ص: ٢٨).
[ ٢ / ١٣٦٩ ]